علمانيون، ديمقراطيون، وإسلاميون... ولكن أين الأمة؟
علمانيون، ديمقراطيون، وإسلاميون... ولكن أين الأمة؟
ياسين الحاج صالح
خاص – صفحات سورية -
في التصور المتداول عربيا للعلمانية، ثمة تركيز مفرط وشبه حصري على لحظتها الانفصالية، انفصال الدين عن الدولة، وغفلة تامة عن اللحظة الاتصالية المؤسسة لها. وأعني بهذه شيئين: اتصال الدولة بالأمة، أو سيادة الأمة، وهي جذع الديمقراطية كما هو معلوم؛ ثم اتصال الأمة بذاتها وشروط حياتها المعاصرة، بما يلبي وظيفتي التماهي الداخلي والغيرية أو الاشتراك في العصر والانفتاح على العالم.
يتعلق الأمر بالنهضة الثقافية وتطوير منظومات معرفية ورمزية وقيمية تمكن مجتمعاتنا من استيعاب شروط حياتها وتملك واقعها وإضفاء معنى على وجودها وتوسيع أفق المتخيل أمامها، أي باختصار تكون ثقافة (ثقافات) قومية متطورة أو عالمية. والمقصود بهذه ثقافة قومية نمت ثقتها بنفسها فتخطت أنانيتها الطبيعية، وأخذت تتعاون بثقة مع غيرها من الشعوب والثقافات في صنع عالم متنوع ومفتوح.
وليس بُعدَا اللحظة الاتصالية عنصرين في إشكالية العلمانية كما تطورت في الغرب. فهذه تقتصر على استقلال الدولة أو حيادها حيال الأديان. هذا مفهوم. ففي العملية التاريخية التي تشكل فيها الغرب الحديث كان تحويل السيادة إلى الأمة، وقد تمخض لاحقا عن الديمقراطية، مقترنا بتشكل الأمة ذاتها وبروز محددها السياسي والثقافي الدنيوي على حساب محددها الديني. وكانت النهضة الأوربية التي أضفت صفة نسبية على النظرة المسيحية إلى العالم، والإنسانوية التي جعلت من الإنسان مركزا للكون ومقياسا للأشياء، والإصلاح الديني الذي فرّد الدين وأسهم في صنع الضمير، كانت أوجها لتحول تاريخي، برز انفصال الدين عن الدولة محصلة له وتعبيرا عنه في الوقت نفسه. بعبارة أخرى، للعلمانية في الغرب تاريخ، أو "ما قبل تاريخ"، يسبقها زمنيا ويؤسس لها منطقيا.
وإنما لحظتا الاتصال السياسية، أي الديمقراطية، والثقافية، أي الهوية القومية المتطورة، هما ما يشكل المضمون الإيجابي الذي تستند إليه العلمانية بوصفها فصلا. ولا تحوز العلمانية هذا المضمون الإيجابي من تلقائها، فهي مفهوم سلبي أصلا.
سجال ديمقراطي علماني: ما الذي يغيب؟
على أن اللحظة الاتصالية السياسية قد تحضر لدينا في صورة سجالية على شكل تساؤل: علمانية أم ديمقراطية؟ أي فصل بين الدين والدولة أم وصل بين الدولة والأمة؟ كما لو أن من المحتم أن تكون العلاقة بين العمليتين إقصائية. وسنحاول هنا أن نقول لماذا تبدو كذلك في مداولاتنا، وكيف يمكن أن تسير العمليتان معا.
بداية، لا يكفي الوصل بين الدولة والمجتمع من أجل الفصل بين الدين والدولة. بلى، أكثر العلمانيين العرب الخالصين لا يبالون بالديمقراطية، إن لم يصطفوا صراحة إلى جانب الاستبداد. لكن رغم ذلك الديمقراطية لا تغني عن العلمانية. بلى أيضا، قلما يهتم الديمقراطيون الأقحاح بالعلمانية، وقد يقفون إلى جانب الإسلاميين ويغفلون عن المشكلة الدينية. ومع ذلك فإن فصل الدين عن الدولة لا يضمن تكون الأمة وتأهيل الدولة الديمقراطية. وسنقول على الفور إنه يغيب عن طرحنا قضيتي الديمقراطية والعلمانية مسألة تكون الأمة والعلاقة بين الأمة والدين. كيف ذلك؟
إن تمحور كل من الديمقراطية والعلمانية في التداول الثقافي والسياسي العربي حول الدولة، هذه التي يراد فصل الدين عنها مرة ووصل الأمة بها مرة، يُبقي العلاقة بين الدين والأمة خارج التفكير. إذ بينما تنشغل الديمقراطية بوصل الدولة والأمة، وتهتم العلمانية بفصل الدين عن الدولة، ليس ثمة مقاربة فكرية سياسية تعنى بأمر العلاقة بين الأمة والدين. هنا ثمة فراغ فكري وسياسي، هو الذي يملأه الإسلاميون. فهؤلاء يصادرون على تطابق الأمة والدين، الإسلام بالطبع، وتاليا يتقبلون الديمقراطية مفهومة كتعبير للدولة عن "الأمة الإسلامية" أو الوصل بينهما، ومن ثم سيكون القرآن هو الدستور والشريعة هي القانون والإسلام هو الحل. ومن المفهوم أن العلمانية تمسي لا معنى لها. فالفصل بين الدين والدولة سيعني الفصل بين الأمة والدولة، أي القضاء على "الديمقراطية" ذاتها.
الأمة السياسية والأمة الدينية
لكن هل ثمة تطابق بين الدين والأمة؟ هل الأمة إسلامية؟ الإجابة الواضحة على هذه السؤال لا مناص منها لأن افتراض إسلامية الأمة هو حجر الزاوية في عقيدة "الإسلام السياسي". وأضعف الإجابات فيما نرى هي تلك التي تقول لسنا كلنا مسلمين، بيننا مسيحيون.. إلخ. وأمتنها هي التي تقول إن "الأمة الإسلامية" هي جزء من أممنا المعاصرة، أو حزب فيها، وقد تكون حزب أقلية. هذا لأن الاجتماع السياسي الحديث مولد لانقسامات متعددة المستويات في كل المجتمعات والثقافات، وهذه الانقسامات تحدد خيارات الأفراد والجماعات مضعفة تأثير المحدد الديني. وصعيد الوحدة الوحيد الممكن في هذه المجتمعات هو الدولة والسياسة، الصعيد المعني بصنع إجماعات أو أكثريات متبدلة، تقوم على أسس من المصلحة والحكمة البشرية والمعرفة الدنيوية. والانقسام المتعدد المستويات قائم في مجتمعاتنا كما في غيرها، ولو تمتعت هذه المجتمعات بسويات أوسع من الحرية لظهر تنوعها وانقساماتها بصورة أوضح (وربما لطورنا هياكل سياسية صانعة لإجماعات تعدل الفاعلية الانقسامية).
وهنا ينبغي أيضا إجراء التمييز الأساسي بين أمم المواطنين، أو الأمم السياسية، وبين أمة المؤمنين، أو الأمة الدينية. فالأولى تعيش في هذا العالم وتعرف نفسها به، تعاصره وتنازعه وتسهم في تشكيله وتعترض عليه، فيما الثانية تعيش في عالم عقائدها والتزاماتها الدينية الثابتة. وإذا كان يبدو أن أمتنا الدينية تجمع بين الانسحاب من العالم والخروج عليه، فلأنها تريد أن تجعل من نفسها أمة سياسية في الوقت نفسه، أو تجعل من الدين سياسة. لكن من حيث المبدأ، ما من تعارض جذري ونهائي بين الأمتين السياسية والدينية، لكنهما غير متطابقتين، والعلمانية هي صيغة تنظيم العلاقة بينهما. بل إن التمييز بينهما هو شرط العلمانية.
لكن ما الأمة السياسية أو أمة المواطنين؟ وهل تنتظم بلداننا كأمم سياسية؟ وما هي القيم والمعاني والرموز والقوانين والمفاهيم التي تنتظم حولها أمة المواطنين؟ هنا المشكلة. العلمانية الانفصالية تنشغل بفصل الدولة عن قيم ورموز ومعاني وقوانين دينية، فلا تجيب على السؤال، أو هي تحيل إلى "العصر" و"العالم" إحالة مجملة، تضمر أن العناصر الثقافية تنتقل من مجتمعات ("متقدمة" و"عصرية") إلى أخرى ("متأخرة") دون إشكال. وهي بذلك تطلب الغيرية دون هوية، أو لا تهتم بوظيفة الهوية أصلا. وبالطبع لن تقوم ثقافة قومية متطورة على ساق واحدة. والديمقراطية الاتصالية لا تجيب، مفترضة أن أمة المواطنين أمر معطى، وأن المشكلة الوحيدة هي انفصال الدولة عنها. أما الإسلاميون فيجنحون إلى تحجير الهوية حين هم، على عكس العلمانيين، يمنحون قيمة مطلقة للهوية أو التطابق مع الذات، ولا يهتمون بوظيفة الغيرية أو التعاون العالمي والمشاركة في العصر. هنا أيضا لا تقوم ثقافة قومية.
العلمانيون لا يهتمون بأساس ثقافي وروحي ورمزي تقوم عليه الأمة، الإسلاميون يعتبرونه موجودا بلا إشكال وهو "الإسلام"، والديمقراطيون يحيلون إحالة مجملة إلى "ثقافتنا". لكن يبدو لنا أن تصور الأمة دون أساس ثقافي وروحي ورمزي، على ما يغلب استخلاصه من مفهوم العلمانية الانفصالية، هو السر في ما تبثه لدينا الأدبيات العلمانية من أنها تغفل شيئا أساسيا، قلما نعرف كيف نسميه. هذا أمر يعني الديمقراطيين أيضا. فالأمة التي يمكن أن تنتظم ديمقراطيا هي أمة متميزة عن الدين، مستقلة عنه. ليست أمة دينية. إنها أمة مكونة من أفراد وشرائح وتشكيلات اجتماعية طوعية، استقل منتسبوها عن روابطهم الدينية والدموية. ليست الأمة الديمقراطية معادية للدين، بل قد تكون أمة متدينة إلى حد كبير، لكنها ليست بالقطع أمة دينية، وبالتأكيد لا يحكمها الدين بل تحكم نفسها.
لكن ما عساه يكون الأساس الروحي والرمزي والثقافي للأمة؟ ليس الدين بالتأكيد لأن الأمة التي تنتظم حوله دينية، والأمة الدينية هي جزء فحسب من أي من "أممنا" الراهنة. وليس العلمانية لأن هذه لا مضمون إيجابيا لها. وليس ثقافتنا الراهنة بما فيها من دين ولا دين كما ربما يرى الديمقراطيون، لأن هذه فاقدة للاتساق وضعيفة الإبداعية، ومن الواضح أنها لا تمثل ثقافة قومية متطورة، تلبي وظيفتيْ الهوية والغيرية بكفاءة.
إذن، لدينا أساس ثقافي وروحي، لكن الأمة التي تنتظم حوله دينية وجزئية، ولدينا أمة سياسية افتراضية لكنها تفتقر إلى أساس ثقافي وروحي حيوي ومتسق. فهل يمكن تطوير الأساس الثقافي الروحي المتاح ليصلح ميثاقا لأمة جديدة؟ وبالتحديد هل يمكن تجديد الدين الإسلامي أو إصلاحه بما يناسب تكون أمة مواطنين، أي بما يسهل العلمانية ويلائم الديمقراطية؟ لا نرى بديلا عن ذلك.
إصلاح ديني وثقافي
في هذا الصدد، هناك موقفان متطرفان: موقف من يريد عزل الدين تماما أو إقالته من الحياة العامة، وموقف من يعتقد أن الإسلام الحالي يصلح أساسا أو عنصرا أساسيا في اجتماعنا السياسي والثقافي الحديث. ضد هذين ننحاز إلى مبدأ الإصلاح الديني. ونعطي لهذا المفهوم مضمونا يتصل بنفي الإكراه وكل ما يتصل به من الدين، وتعهد إقامة هذا على الوجدان أو الضمير المستقل. ونعتقد كذلك أنه يجب التحرر من أوهام عزل الإسلام أو دحره، لا لأنها متطرفة جدا وعدمية فقط، ولا لأنها تصدر عن روح عدائية عقيم، لا تستطيع أن تفهم أن حضور الإسلام وانتشاره طوال 14 قرنا يعني أنه يستجيب لمطالب وحاجات روحية واجتماعية أصيلة، وإنما كذلك لأن أمة بلا ركائز روحية ومعنوية صلبة وعريقة هي أمة يصعب أن تكون حرة ومبدعة. وهنا نستطرد قليلا في شأن العلمانية العربية، التي يجنح كبار ممثليها وصغارهم بسهولة نحو موقف معاد للدين الإسلامي. ربما هذا ما يمنعهم من تبين أهمية أساس ثقافي وروحي غني للأمة. ونرى في هذا الصدد أنه يتعين فك الارتباط بين العلمانية والعداء للإسلام إن كان للعلمانية أن تكون تيارا فكريا وسياسيا ناهضا ومستقبليا في بلداننا.
من جهة أخرى، دون إصلاح ديني ينبذ الإكراه سترتد الديمقراطية إلى تقنية سياسية معدومة أو محض إجراء، لا شيء يضمن الثبات عليه. كذلك دون إصلاح ديني ستفرض العلمانية بالإكراه.
على أن الإصلاح الديني ركن أساسي، أو الأساسي، في إصلاح ثقافتنا بأبعادها الرمزية والأخلاقية والمعرفية والجمالية، باتجاه توسيع طاقتها الاستيعابية وتطوير قدراتها الإبداعية. إن ثقافة رفيعة المستوى، فنيا وفكريا وعلميا..، تلبي من المطالب الروحية ما قد يخفف الضغط على الدين. اعطني ثقافة رفيعة راقية، أضمن لك انفصالا ميسورا للدين عن الدولة. وبالعكس من شأن ثقافة مشتتة الروح، محدودة الإبداعية، قاصرة عن القيام بوظيفتي الهوية والغيرية، أن تكتنفها التمزقات والصراعات والعدوانية وجفاف الروح، وأن تنشغل بالسلطة وتدور حولها، بما في ذلك دينها أو أديانها.
في الختام، ينبغي أن يكون اتضح أصل التنافي بين الديمقراطية والعلمانية في تداولنا الفكري والسياسي المعاصر: غياب الأمة. يريد الديمقراطيون وصل الدولة بالأمة كما لو أن هذه قائمة ونشطة ودون اشتغال على ثقافتها ودينها، ويريد العلمانيون فصل الدين عن الدولة دون اهتمام بقيام الأمة ثقافيا وسياسيا. هذا لا ينجح. ولن ينجح.
فإن كان للديمقراطية والعلمانية أن تتقدما معا، فينبغي أن تولد الأمة. هذا يوجب إصلاحا دينيا ونهوضا ثقافيا.
المشروع الأبيض لإلغاء الرقابة في سورية (2+3)
المشروع الأبيض لإلغاء الرقابة في سورية (2+3)
ابراهيم الجبين
خاص – صفحات سورية -
أنظر الجزء الاول من هذه المقالة
الفكرة تتطور... والمشاركون يزدادون حماساً..
المزيد من الأصوات ترفض الرقابة السورية على الكتاب وتطالب بتغيير آلياتها !!
كان لنشر الجزء الأول من (المشروع الأبيض) وقع أكبر، وأكثر تأثيراً مما خمّن له المتشائمون.
أما المتفائلون، ونحن منهم، فلم يخب ظنهم، إذ كان من البدهي أن يعترض كتّاب سورية ومثقفوها على الشكل القائم للرقابة، ولم يستطع، حتى المستفيدون من الإبقاء على جسم الرقابة المتكلّف المتقشّر الحالي، لم يستطيعوا كبت بهجتهم بجرأة المناقشات التي جرت في الحلقة الماضية. هذه حقيقة، وما حصل هو أن نوعين من ردود الفعل تولّدا ، الأول: رد فعل مضطرب وخائف، تحسّب كثيراً للمشاركة في الملف واعتبر أن مجرد ذكر اسمه فيه، هو نوع من الانتحار، والفعل غير مضمون النتائج! لن نذكر أسماء هؤلاء، بعضهم تأخر في الرد بحجج كثيرة، وبعضهم طلب وقتاً للتفكير، وبعضهم اعتبر أن من تحدثوا في الحلقة الأولى يقولون ما لا يفعلون! رد الفعل الآخر وهو ما يسمى بالأخبار الطيبة.. فقد تحمّس كثيراً، وطالب بأن نزيد من حرارة النقاش، وبإطالة الجدل والحوار للوصول إلى ما نطمح إليه، وسارع إلى المشاركة سواءً عبر البريد الإلكتروني أو الحوار المباشر؛ وأكثر أشكال الاستجابة حميميةً هي استجابة الدكتور طيب تيزيني الذي قدّم مداخلته ـ هاتفياً ـ وبحماس وتفاؤل بما يسمع؛ وكذلك، بلهفة وسرعة كريمتين، مفتي الجمهورية الدكتور أحمد بدر الدين حسون حين حاولنا الاتصال به، تحدث إلينا من أوسلو، وطلب أن نحجز له مكاناً في المشروع، وهو يمثل أعلى جهة تشريعية دينية رسمية، لها كلمتها أيضاً في ملف الرقابة. خاصة حين يدور الحديث عن الممنوعات ـ المحرمات، أو المحاظير الدينية التي تنشر في كتاب. كذلك رئيس رابطة علماء بلاد الشام الدكتور وهبة الزحيلي، قدّم رأياَ مميزاً يثبت وبوضوح أن مؤشرات العقل الديني أكثر انفتاحاً، ربما، مما يظن كثيرون!!
الدستور ..سيد الحاكمين و... المراقبين
لدينا اليوم أصوات جديدة، واقتراحات من نوع آخر، وتحليل مختلف للآلية الهدف ـ الرقابة، ولم يكن لدينا تحفظ على استشارة خبراء إعلاميين من غير السوريين...
مانويلا رومير ـ إعلامية ألمانية ـ خبيرة في الـ ASBU :
لا أعرف الكثيرعن الرقابة في سورية؛ أسمع من أصدقائي من الكتّاب معاناتهم، واضطرارهم إلى اللجوء إلى دور النشر اللبنانية وغيرها، وحتى سمعت أن بعضهم يلجأ إلى دور نشر سورية ولكن لها مكاتب في الخارج، لطباعة أعمالهم التي لا تحصل على موافقة من الرقابة؛ حضرت مؤتمراً حظر فيه توزيع كتاب يناقش في فعاليات المؤتمر ذاته، كان الكتاب(فلينزع الحجاب) وقد تعرض المسؤول عن الموضوع لمشاكل مختلفة.
في ألمانيا لا توجد رقابة قبل الطباعة، ولكن أي شيء يتم نشره، ويحتوي على أفكار مضادة للمجتمع، مثل حقوق الطفل، وحقوق الإنسان بشكل عام، يتم الاعتراض عليه من قبل الأشخاص المهتمين بالأمر؛ أقول إن الامر صعب، لأن الحدود بين الحرية واحترام عقائد ومحاظير الآخرين، حدودٌ غير واضحة تماماً ليس لدينا في ألمانيا ما يسمى (رقابة)، ومن لا يعجبه بعض ما ينشر في الكتب، يمكنه أن يلجأ إلى المحكمة أو إلى البرلمان؛ هناك في وزارة الداخلية لجنة تعمل على حماية الدستور اسمها (VERFASSUNGSSCHNTE) وكل سنة تقدم تقريراً يحتوي على بعض الملاحظات حول الكتب وغيرها، وترصد ما يعارض الدستور، وإن شاء الله لن يكون هناك ما هو غير عادل في الدساتير.
ـ كيف ترين، كخبيرة، حل مشكلة الرقابة عملياً مع المحافظة على آفاق العمل في الكتابة والنشر؟
أفكر في التالي: إذا كان لديكم، مثل ألمانيا، نظام للنشر يسمح بإصدار الكتب، دون أن تتعرض للمراقبة قبل الطباعة، ثم بعد ذلك لو رأى أحد ما لا يناسبه، وما يتنافى مع القوانين، يمكنه أن يتقدم إلى جهة عليا تنظر في الموضوع؛ لا يمكن أن يحدث هذا بين اليوم وغداً، يجب أن يكون واضحاً ما هو الممكن نشره، وما هو الذي لا يمكن أن ينشر في كتاب؛ ليس فقط ما يعتبر ضد الدولة أو الدين وغيرها من الممنوعات، أحياناً يوجد مسؤول ما! لا يفضل أن يرى موضوعاً ما في كتاب! وهكذا؛ أنت تعرف ما يقولونه عن حساسية موضوع الهولوكوست في أوروبا! .. ومع ذلك، فإن الكتب تتحدث بحرية، وأحياناً تنفي وجود الهولوكوست من أساسها، يمكن لليهود أن يذهبوا إلى البرلمان ويحتجوا على ذلك، لا أحد يمنعهم ولكن الكتب تنشر.
نصف التفاحة لأبنائنا والنصف الثاني للـ...رقيب!!
ما يجعل الامر مؤلماً هو أننا نفقد قسماً كبيراً من معارفنا، بوضعها بين يدي الرقيب، لأنه سيقضم ما يطيب له قضمه، ويترك للقراء، ولمن سيرثهم، ما رضيت عنه ثقافته وذائقته، مما يزيد الامور تعقيداً، أكثر من تعقيدها أمام الاجيال التي تتلقى وسط هذا الضجيج..
محمد خير الجمالي ـ إعلامي ـ مدير تحرير الثورة سابقاً:
قد تكون أحد الذين راقبوا وروقبوا كثيراً!! لا أعرف موقفك الآن؛ ولكن، هل تعمل الرقابة برأيك بشكل صحيح؟
المشكلة في الرقابة، أنها تقنن الفكر، وتحذف كثيراً من الحقائق العلمية والتاريخية والسياسية والاجتماعية، فضلاً عن كونها تخضع لمدى ثقافة الرقيب وجرأته، فإن كانت ثقافته ضحلةً تراه يشدّد من الرقابة، مما يسيء إلى جوهر الفكر وحرية التعبير، إضافة إلى تزويد الجيل بحقائق مشوّهة، أو معلومات غير مكتملة عن موضوع الكتاب! لذلك أراني غير متفق مع الرقابة، بشكلها الحالي.
ـ وماذا تقترح ما دمت غير متفق مع الشكل الحالي للرقابة؟
لكي أوضح ما قصدت إليه، أقول: بأن الرقابة يجب أن تكون على الرأي الذي يخدش الذوق العام، ولا يتفق مع الأخلاق والقيم الأصيلة في مجتمعنا العربي، وذلك يكون بعد وضع الكتاب في شكل مخطوط، ومن ثم يعرض على لجنة مختصة ولا يخضع لرأي فردي، فإن كان الكتاب حول التاريخ مثلاً، يجب ألا يراقب إلا من قبل لجنة مختصة، ومشهود لها بأمانتها العلمية، فيما يتعلق بكتابة التاريخ، وليس بالشكل الذي ترغب به السياسة، لأننا شوّهنا تاريخنا كثيراً بصراحة، مما حرم الأجيال من حقها في معرفته على حقيقته.
(ننصح بقراءته) ..الجملة الحلم في سورية!!
في العالم يحتفلون بالكتاب، لاعتبارت أكثر بقليل من كونه سلعةً ـ ولكن ما الضير في ذلك!!ـ ويقيمون له حفلات توقيع، ويرصدون حركته، ويعلنون عنه في كل مكان، عندنا يحظر الإعلان عن كتاب جديد ـ إلا إذا كان الكتاب مدعوماً بشكل ما!! ـ ويشغلون ماكينات الملاحقة، لترصد، ولكن هذه المرة، مخالفات الكتاب، ومخاطره؛ لعل الفارق واضح!
الأرقم الزعبي ـ باحث:
هناك مرونة كبيرة الآن عن المرحلة السابقة، ومساحة تسمح بحريّة أكبر، طالما أحسنّا التقدير والظن، وعند الحديث عن الرقابة يحق لنا الإشارة إلى النقاط التالية: الرقابة على كتاب، تنبع من الكاتب أصلاً، وكل كاتب يعتقد أنه يقدّم أفضل ما عنده، أفضل قصيدة، أفضل بحث.. إلخ، وهو معجب بما كتب، وأي ملاحظة حول ما يكتب، من أي جهة تعدّ هجوماً على حرية الكاتب، وتقزيماً لها، مهما كانت مرجعية هذه الجهة وقداستها!! لذا أرى أننا في زمن تصح فيه العبارة (ممارسة العلنية في السرية والسرية في العلنية)!.
وأسوة بالدول التي همّشت الرقابة، إلى حد اليباس والموت، نرى تفعيل الهيئة العامة للكتاب التي أحدثت، ولم تفعّل إلى الآن، وكأنها لم تصدر لها قوانين ناظمة؛ ونرى أن الدور الأساس الذي يجب أن تلعبه الهيئة، ليس مراقبة وإجازة المسموح والممنوع، بل منح أي كتاب يعرض عليها سماحية النشر والطباعة، مذيّلاً بعبارة (ينصح بقراءته) كون هذه الجهة المفروض بها أن تكون جهة فنيّة، ناصحة للقارئ وليس للكاتب!
أقول ذلك لنستفيد من تجربة الجمعية الفرنسية للكتاب التي هي لجنة اختيارية، وليست إلزامية، يتقدّم إليها الكاتب بكتابه، من أجل قراءته وتزويد القارئ بنصائح تزيد من إقبال الجمهور على الكتاب وأيضاً لـ(حماية وقت القارئ).
الدكتور نذير العظمة ـ شاعر وباحث:
أعتقد أن التركيز على إلغاء الرقابة على الكتاب سيعطي مساحة حرية واسعة، وضرورية للبحث العلمي والحضاري ، ويجب أن نرفع الرقابة عن الكتاب بأسرع وقت،.في الكتاب توجد مسؤولية، المؤلف يمارس مسؤولية في الكتاب ربما لا توجد في المقال، أو البحث الجزئي، ويمكن أن نرى رداً على كتابٍ ما بكتاب آخر؛ وأن تصادر الحرية في الكتاب يعني أن تخرّب هذه العلاقة القائمة بين أشكال التفاعل العلمي. ولا شك أننا في العالم الثالث، قد تعودنا على الرقابة، حيث أصبحت من الممارسات المؤسسة في حياتنا الفكرية؛ أقترح أن تعطى مساحة أوسع لإجازة الكتب من جهة، وأن تعطى حرية للكتاب من جهة أخرى بعد طباعته،حتى إذا احتجّ أحدٌ على الفكر الوارد في الكتاب المنشور يمكنه أن يرد بالفكر؛.مقارعة الفكر بالفكر وليس بالمنع والحجب!! الرقابة، بشكلها القائم، وإن كانت تمارسها وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب، هي وصاية على الفكر.
كيف نحمي المشروع ؟!
المرجعيات التي امتازت بها سورية بقيت على الدوام مرجعيات فكرية ومعرفية ،وقامات عالية، يعتد بآرائها وتفكيرها الفعّال باستمرار؛ والدكتور طيب تيزيني إحدى تلك القامات، ويحق له أن يتفاءل خيراً بالمشروع الأبيض، ويحق لنا أن ننظر جيداً في طريقته ـ كرجل فكر وبحث واسعين ـ في النظر إلى الفكرة،إلغاء الرقيب، أو إضعافه...
الدكتور طيب تيزيني ـ مفكّر سوري :
فكرة جيدة ..أن نلغي الرقابة على الكتاب، وتأتي في وقتها، لكن في المرحلة الحالية، والآن تحديداً، قد تلتمع فكرة يمكنها أن تكون مدخلاً إلى الفكرة الأولى، أعني لماذا لا يفكّر بمسألة أكبر وأوسع، ولو تحققت ستسمح لمشروع إنهاء الرقيب على الكتاب، بأن يصبح قابلاً للتحقق، أعني أن سورية الآن بحاجة ماسة إلى العلاقات الثقافية والسياسية والاجتماعية، إذا ما استطاعت أن تحقق هذه المرجعيات الثلاث، ومن الضروري أن توضع في إطار (المرجعية).
وأنا، حين سمعت بهذا الاقتراح، شعرت بشيء من الفرح، لكن أتساءل في الوقت ذاته، أليس ضرورياً بأن يُفكّر بما يحدث على الصعيد السوري، عموماً؟ وبالتالي، على صعيد فتح المجتمع السياسي والثقافي؟.. إن الفعل السياسي هنا ليس محاذياً للفعل الثقافي، بل هو صنوه، والمدخل إليه، وبالتالي فالتفكير بقانون جديد وعصري للأحزاب، يمثّل استحقاقاً حاسماً لإعادة النظر في كثير من نقاط القصور التي يواجهها المجتمع السوري؛ إن حديثاً عن إلغاء الرقيب على الكتب والمجلات والثقافة عامة، لا شكّ أنه هام، ولأنه حقّاً هام يطرح سؤالٌ نفسه: كيف يمكن أن نتيح لذلك الاقتراح الخاص برقابة الكتب أن يصبح واقعاً محققاً وأن يُحمى ؟! الإجابة في ظني تتأسس على إعادة بناء المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وهذا سيكون لصالح النظام السياسي السوري ذاته ، كما للمجتمع السوري، ولهذا أرّحب بالاقتراح المقدّم، حول التفكير بإقصاء رقيب الكتب، أو بإضعافه، لكن مع ملاحظة، أراها مدخلاً إلى ذلك، وهي أن نضع مفهوم الحرية العمومي، حصناً وتحصيناً للمسألة الثقافية، فأنا أدعو إلى إعادة النظر بالملفّين السياسيّ والثقافي؛ الأول لأنه سيسمح بإنتاج إمكانات واسعة لحرية الحوار، على الصعيد المجتمعي العمومي، ومن ثمّ، فإن كلاماً عن زحزحة الرقيب الثقافي، يمكن أن يكتب له مصداقية في سياق الحديث عن إعادة بناء المجتمع السياسي، مجتمع الأحزاب والصراعات السياسية السلميّة، ولعل ذلك، إذا ما حدث، يخفف من القبضة التي تسعى إلى حصار سورية خارجاً وداخلاً، فتحصين سورية هو أولاً ،وأولاً، تحصين لها من داخلها.
الرقابة سببها الخوف والخوف سببه الضّعف!!
تلك المعادلة توصلت إليها أثناء محاورتي هذا العدد من الضيوف. ولعل معظمهم بدأ يدرك ذلك، من يخشى من كلام منشور في كتاب فهو قلق جداً، وليس لديه ما يجعله مطمئناً لما هو عليه، وهذا معاكس لواقع الحال، الجميع يتفقون على أن يترك الناس وشأنهم فيما ينوون كتابته، ولن يتغيّر شيء بسبب صفحات مغلفة لا يباع منها سوى نزر يسير كل عدة أشهر!! وحين يقول لك ضيفك وأنت تحاوره ، لا مانع من أن نسمع رأي الناس في الكتب، فهذا دليل على أن الخشية المبطّنة الأولى قد زالت، وأن وهماً فقط يعشش في رؤوس القائمين على تعديل هذا المبدأ التقني( الرقابة على الكتاب)، وهمٌ يقول بحرصهم على مراعاة حساسيات سياسية ودينية واجتماعية.
الدكتور وهبة الزحيلي ـ رئيس رابطة علماء بلاد الشام ـ عضو مجلس الإفتاء الأعلى ـ جدة:
بسم الله الرحمن الرحيم..أما بعد..فإن الرقابة موجودة في بعض بلدان العالم، وذلك من أجل الحفاظ عى خط الدولة أو النظام العام، الذي تسير عليه، وقد يكون هذا الأمر، صَلُحَ واستفِيد منه، في عهد مضى، أما الآن فقد تغيّر العالم وتطوّرت وسائل الاتصال، فإن كانت الغاية في ذاك الزمن ضبط ما يكتب، فالآن لا يمكن ضبط اي شيء، في ظل الانترنت والفاكسات والفضائيات، وأصبح من غير المفيد، وجود وأما من هذه الرقابة. من يبحث عن نزاهة الكلمة وسمّوها،فهذا حيّز يجب على الكاتب. أن يراعيه، ولا ينبغي تقييد حرية الإنسان، لأن الحرية، من أسس الديموقراطية والعيش الكريم.
لم يعد موافقاً لاتجاه التطور أن نقوم بمراقبة مايكتبه الناس بهذه الطريقة البدائية التي تتم الآن.
أصبح الناس يتعلقون بكل خبر لم يخضع للرقابة، وبالتالي هم سيتعلقون بكل ما لا يراقب، من كتب ومجلات وغيرها، واتجه اهتمامهم نحو المصداقية والارقام والإحصاءات، من أجل الوصول إلى الحقيقة، ونقع في بؤر التخلّف والتعصب وضياع المقدرات وفي أمور كثيرة من هذه بسبب غياب الرأي الآخر.
ولكن ماذا عن حساسية المؤسسة العلمية الدينية اتجاه بعض الكتب والنصوص الإبداعية؟ وأنتم تعرفون حديث النبي (ص) لعثمان بن مظعون حين بلغه تشدّده،قال( ياعثمان،إن هذا الدين لمتين فأوغل فيه بيسر)..على ماذا يخشى أصحاب تلك الحساسية؟! وماذا تقترح لنصل إلى ما تسميه (حرية)؟
بالنسبة لشريعة الحق، فهي عندنا الأقوى، ولا خوف عليها من أي شيء قد يكتبه البعض، وإذا كانت الرقابة أحياناً تقترح تغيير عبارة أو جملة، فهذا يمكن التغلب عليه من قبل الكاتب، بفضل اللغة التي تسمح بإيصال الفكرة بأكثر من طريقة،..الأهم هو من الذي يحق له الحكم على عمل
ما بأنه خرج عن الأصول؟ أرى أن تكون الرقابة متخصصة، وأن يكون جهاز الرقابة حراً لا سلطان لأحد عليه، فوزارة الاوقاف تمارس دورها برقابة وتدقيق الكتب المعنية بالدين فقط، ووزارة الثقافة تشرف على الكتب التي تصب في المجال الثقافي والإبداعي ووزارة الاقتصاد تقرأ الكتب المتعلقة بالتجارة والاقتصاد، لا مانع من أن نسمع رأي الناس في الكتب التي يكتبونها، ينبغي أن توزّع هذه المهام، على رقابات مختصة، ولا يمكن أن نسمح بالرأي الشاذ الذي يهدف إلى تخريب الأمة والمجتمع،..تسمع هذه الأيام عن شخص يذهب إلى إسرائيل ويدعو إلى صداقتها، وهي تحتل الارض ! كيف برأيك يمكن أن يكتب هذا الشخص عن موضوع كهذا؟ وكذلك من يحاولون اختراق أصول الأديان، ويشوهون الهدف الرئيسي منها، وهو خير الإنسان. لا يمكن أن تلغي الرقابة، ولكنك تستطيع أن تطورها، وتجعلها أكثر مرونة وأكثر علمية، واختصاصية. شعبنا بخير، وعلى درجة عالية من الوعي، ولا يحتاج لمن يراقب تفكيره بالعموم.
الدكتور نزار بني المرجة ـ شاعر سوري:
حقاً لقد آن الأوان بعد قرابة أربعة عقود، لإعادة النظر بالمرسوم رقم /31/ لعام 1971، والذي حمّل اتحاد الكتاب العرب مسؤولية الرقابة على نسبة كبيرة من الكتب التي تطبع في سورية. وبداية، إذا كنا نقبل حقيقة ما يسمى بـ (صناعة الكتاب)، فإنني أقترح إحالة هذه المسؤولية إلى (الهيئة العامة للكتاب) التي تم إحداثها مؤخراً، حيث أصبح الأمر يتطلب بالفعل وجود (إيزو!) أي أسس ومعايير لجودة الكتاب السوري، وإذا كان مثل هذا الأمر يتطلب تعديل المراسيم والقوانين الناظمة لهذا الموضوع، فهذا يشكل استجابة لدعوة السيد الرئيس بشار، الأسد لتطوير وتحديث الأنظمة والقوانين، بما يخدم المصلحة الحقيقية للوطن والمجتمع.
وبغض النظر عن التبعية الإدارية لـ ـ الرقيب ـ فقد أصبح وجوده حتمياً ضمن ـ ملاك ـ وظائف الدولة... أية دولة، لأنه، بطريقة ما، لا بد من ضبط إيقاع حركة أو آلية الطباعة والنشر في أي بلد في العالم.
إن اتفاقنا على ضرورة وجود تفاعل الرأي والرأي الآخر، يجب أن لا يعني الانسياق وراء شعارات مشبوهة، ومنح ثقة عمياء يمكن أن تسمح بتحويل شارعنا الفكري والثقافي إلى غابة وحوش، أو غابة سيقان! لأن السقف يجب أن يبقى دائماً وأبداً هو الوطن، والرقابة، بمفهومها الإيجابي، هنا تعني منح حق إبداء الرأي الآخر، وضبط آلية العمل، دون منح فرصة للذين يبحثون عن جوازات مرور للعبث بالوطن من الداخل.
وأنا شخصياً أتمنى أن نصل إلى درجة من الشفافية والمسؤولية، من طرفي عملية الرقابة والتأليف ،حيث تنحصر مسؤولية الرقابة على ـ المدقق اللغوي ـ!
وحقيقة فنحن نشفق على أحاسيس ومشاعر ومواقف بعض زملائنا الذين اضطروا للعمل في ميدان الرقابة، حيث لا يمكن للمرء أن ينكر حدوث الكثير من الأخطاء على مستوى الممارسة، بسبب اختلاف الميول والخلفيات، وحتى المستويات الفكرية والثقافية بين ـ الرقيب ـ وصاحب العمل ـ المراقب ـ (بفتح القاف)، ولا أعتقد أن أي رقيب بوسعه، الادعاء والقول بموسوعيته وإحاطته المؤكدة بموضوع الكتاب الذي يراقبه، فضلاً عن استحالة التنزه المطلق عن الأخطاء، ووجود مثل هذه الهوامش العريضة، يمكن أن يسمح بحدوث الكثير من الأخطاء وكل ذلك من مبررات إعادة النظر كلياً بالواقع الحالي لآلية عمل الرقابة، حيث أن الرقابة بنموذجها الأعلى والأرقى يجب أن تكون رقابة موضوعية ومهنية وأي رقابة على سلامة اللغة وسلامة المستوى العام للكتاب.
المطلوب إذاً الوصول إلى توصيف عمل ومهنة ـ الرقيب ـ الذي يجب أن يكون مثقفاً، وديمقراطياً ونزيهاً وواعياً وحذراً، في الوقت ذاته، من تمريرات يمكن أن يفيد منها أعداء الوطن؛ إن الكتاب في المحصلة، هو بوح الأديب أو المفكر بمكنونات القلب والشعور والضمير.
وقناعتي أن الزمن والجمهور هما ـ الناقد النهائي ـ و ـ الرقيب الحقيقي ـ اللذين يحددان مصير الكتاب... أي كتاب، بين عالمي الخلود أو الإهمال.
كتّاب في الاغتراب ..
كيف ينظر الكتاب السوريون في الخارج، إلى فكرة ومشروع إلغاء الرقابة على الكتاب، وكيف يرونها أصلاً؟ لدى سورية عدد كبير من المثقفين والكتاب يعيش خارج الحدود، ولكن هل يعيشون فعلاً خارج تلك الحدود؟ حدود الرقابة؟!
فواز القادري ـ شاعر سوري ـ يقيم في ميونيخ:
السؤال المهم الذي يجب أن يطرح عن علاقة المثقف بالرقيب , ومدى تأثير ذلك على المناخ الثقافي بشكل عام هو :هل المشكلة في الرقيب أم في المؤسسة ؟, والموًسسة التي نحن بصدد الحديث عنها هنا في هذه العجالة هي : إتحاد الكتاب العرب , النموذج الاكثر تعبيراً عن هذه العلاقة الشائنة، بين المؤسسة والرقيب من جهة, والمبدع الحقيقي المقموع من جهة أُخرى, المؤسسة التي اختارت دوراً لرقيبها، ليس له علاقة بالثقافة بأي معنى من المعاني، وحدّدت له مهاماً هي في أحسن أحوالها لا تبتعد كثيرا عن مهام المخبر" الجميل " ، الطموح، والمخلص، لأن يكون جديرا بالمهام الموكلة اليه ( ونحن نتكلم هنا عن المآل الذي آل اليه الاتحاد, ولسنا بصدد رصد التحولات التاريخية التي طرأت عليه , من حيث طبيعة مهامه , ونحن في نفس الوقت لاننسى الاستثناءات المتواجدة داخله والتي هي على الأغلب مهمشة أو مقصاة أو مبتعدة).
وعلى ذلك نستنتج ان الرقيب الذي هو أجيرٌ لدى هذه الموًسسة، بشكل او بآخر, لن يستطيع الخروج على كونه، مخبرها "الجميل "، الذي تقع عليه ملاحقة، ليس الذي يشير اليه النص فقط, بل الاستشراف على ما يختبئ في نوايا الكاتب أيضاً, ناهيك عن المعرفة المسبقة للمواقف المطلوب منه اتخاذها , من أسماء محددة عليها إشارات استفهام أمنية, أو غير المرضي عنها على الاقل. وارتباطه العضوي مع التابو :" السياسة، الدين، الجنس "، وغالباً ما يكون هذا المخبر "الجميل", غير موًهل لأي دور له علاقة بالأدب, ناهيك عن أن يكون قادرا على تقييم العمل الابداعي الذي يتطلب أصلا , مبدعين حقيقيين لا يرضون بهذا الدور، وهذا ما يتلاءم مع طبيعة الدور التي أخذته موًسسة مثل اتحاد الكتاب العرب في سورية, على سبيل المثال لا الحصر, كونها الموًسسة المفترض فيها أن تكون الحاضن الحقيقي للإبداع , وضمير الناس الحي ــ إذا جاز لنا أن نستخدم تعبيراً كبيراً في هذا السياق ــ, والتي هي، في واقعها ـ الحاضنة الكبيرة لكل من ليس له علاقة بالابداع، هوًلاء الذين يصلحون وحدهم لأخذ دور الرقيب (وأحد الادلة المهمة هو: هذا العدد الكبيرمن غير المبدعين، وأتباعهم الحاصلين على هذا الشرف ؟ وهم لم يكتفوا بتخريب الثقافة , بل هم مصرون أيضاً على سرقة صفة الاديب والشاعر حتّى يكتمل المجد ؟) في هكذا موًسسة. أما المبدعون الحقيقيون، فيتم تجاهلهم أو إقصاؤهم، أو يبتعدون من تلقاء أنفسهم كما أسلفت، فمن هذه المشكلة الأم, لابدّ أن يولد العديد من الأبناء الشرعيين؟، رغم اعتقادنا أن الكلام العام، مهْما كان مفيداً، في هكذا موضوع , لن يكون كافياً دون تناول أمثلة حية عن علاقة المثقف بالرقيب , حدثت وستحدث طالما الحال هي الحال!. لكن المجال هنا لا يتيح استعراض أمثلة, لكوننا أشرنا بشكل سريع الى مشكلة الرقاية في سورية على وجه العموم، إن المشكلة في المؤسسة وليست في الرقيب.
مروان علي ـ شاعر سوري ـ يقيم في آيسن :
بحكم وجودي خارج سورية لأكثر من عقد من الزمن، فإن رؤيتي للرقابة على الكتاب في سورية، ستكون رؤية مبنية على مشاهداتي ومتابعاتي خلال أواخر الثمانينيات، وبداية التسعينيات ،وقتها كانت الرقابة تعامل الكتاب والكتاب بضم الكاف، كما كانت الأجهزة الامنية تعامل المعتقلين والمتهمين، فكل كاتب هو معارض مؤجل بشكل او بآخر، وكان يندر أن تسمح الرقابة لكتاب جيد بالمرور،في غرفها الملوثة بالرؤية الحزبية الضيقة، مشكلة الرقابة في سورية أنها هي التي تحتاج الى رقيب، للرقابة، أمرٌ لابد منه ولكن لابد من وضع اليات لضبط عملها وتنظيمها،والشكل الافضل لرقابة اذا كان ينبغي لها ان تستمر ان تكون هناك لجنة دائمة تقرأ النصوص، وبالتالي أن يكون هناك قرار بالاكثرية وابعاد الكتاب ذوي الاتجاهات الحزبية، والتابعين للأجهزة الامنية منها، والاعتماد على بعض الكتاب والمبدعين غير المحسوبين لا على المؤسسة الرسمية ولا على الهامش، وان تتغير هذه اللجنة بشكل دوري لاتاحة الفرصة لعدد أكبر من الكتاب والمبدعين، للمشاركة فيها، طبعا مع اتاحة الفرصة للجيل الجديد من الكتاب والمبدعين للمشاركة فيها والابتعاد عن الاسماء وسطوتها.. مأساة الرقابة في الدول المتخلفة أنها متخلفة أيضاً.. ووفق المنطق والنظريات يفترض ان تكون متطورة ، ولكنها وللاسف تعاني من امراض الديسك وارتفاع ضغط الدم، وحتى السكري!.. الرقابة عندنا تحتاج الى إدخالها الى غرفة العناية المشددة.
الحمد لله وللانترنيت وللغربة! .. كنت قد نسيت الرقابة تماما لولا أنك ذكرتني بها بعد كل هذه السنوات.
الجزء الثالث
وصلنا إلى الطريق المسدود ... بيدِ مَنْ مفتاح صندوق الرقابة؟!!
مفتي الجمهورية يطلق أعنف التصريحات ضد الرقابة ويصفها بالشنيعة...
المفتي: لو كانت هناك رقابة في الإسلام لما سمح لنا الله بقراءة كلام الشيطان وفرعون في القرآن..لماذا لم يقم بحذف تلك المقاطع؟!
المفتي: الرقابة تقوم بتحجيب العقل... ثم يتحدثون بعد ذلك عن حجاب المرأة!!
حسين العودات : رفضنا نحن الناشرين تعديلات وزير الإعلام لأنها ستزيد من حجم الكارثة!!
عدنان سالم: حين تحدث الرئيس حافظ الأسد عن رقابة الضمير، فهموا أنها رقابة ضمير السلطة فقط!!
زياد منى : حين أشعر أن الكتاب الذي سأنشره، يحتوي على ما سيسبّب المنع، لا أقدّمه للرقابة السورية أصلاً!!
خويص: لا أعتقد أنه من مصلحة أي ناشر أن يدعم وجود الرقابة... حتى لو كان مجرد بائع!
د.هنيدي : بعد هذا الملف يجب أن نتخذ خطوات عملية يبدؤها اتحاد الكتاب والكتاب أنفسهم!
أنا في حزن عميق، صحيح أن ضيوف هذه الحلقة ـ الثالثة والأخيرة ـ قد قدّموا لي أكثر مما كنت أتصوّر، من مادة صحفية مليئة بالتشويق والإثارة، والحقائق أيضاً... وكان لكل منهم أن يلفت نظري إلى زاوية جديدة في هذا الملف الذي يبدو أنني ـ وحدي ومعي الأسبوع الادبي ـ من ينادي بفتحه!
ولكنني أشعر بخيبة الأمل، فبعد أن وصل الملف وتوتراته إلى حدود لا مثيل لها في الإعلام السوري، وقيل ونشر كلامٌ لم يكن يجرؤ أحدٌ على تدوينه وطرحه في مطبوعة رسمية، بعد كل ذلك، أجد أن كثيرين، لم يكن لديهم حتى نية المشاركة، في إضافة أصواتهم، وقول الحق، في قضية تؤثر في كل ما حولهم، ومن حولهم، واكتفوا بانسحاب غير مشرّف من هذا الكرسي، كرسي الحديث عن الرقابة على الكتاب.
ولم يتعاون الكتاب الذين منعت أعمالهم، أو الذين اتصلنا بهم، على الأقل، ولعلنا نعرف أن منع كتاب لأحدهم سيجعله يشعر بالكثير من التألق، ربما يحتاج إليه أكثر من حاجته لنشر كتابه والسماح بطباعته وتوزيعه..
ولكن الملف نشر...وتناقلته مواقع الانترنت، ألف..جدار..الحوار المتمدن...صفحات سورية...الفجر الجديد...وغيرها،وكان عدد القراء في تلك المواقع لملفنا هذا،أكبر من التوقعات، طبعاً لم يُكتب عنه في إعلامنا الرسمي، كلمة واحدة، سبب ذلك واضح، أمامي، وهو أن المستفيدين من منع الكتاب ومراقبته، أكثر مما كنا نتصور، وهم في معظمهم من الكتاب أنفسهم، وأيضاً من أولئك الذين لو كانت لديهم أعمال يحترمونها، فهم بالتأكيد سيخافون على مصائرها، وسيحرصون بالتأكيد على حمايتها، ولكن يبدو أنهم يعرفون أكثر منا، أن أعمالهم لا تستحق أن يجري الدفاع عنها...أما غير هؤلاء، فمشغولون بأخرى، ربما علت وارتفعت وترفعت عن موضوعنا السطحي هذا!
ولكن ما تم إنجازه حتى الآن، في هذا الملف، يكفي لكي يكون وثيقة سورية بامتياز، وورقة عمل لندوة ندعو لها الآن، يشرف عليها اتحاد الكتاب، الذي تبنى نشر هذا الملف، وتعاون فيه، ولأجله، وهذا بحدّ ذاته، إنجازٌ إضافي..نقترح أن تعقد الندوة، لمناقشة واقع الرقابة، ولاستخلاص نتائج عملية، ومقترحات تذهب في مسارها المفترض إلى من بيده مفتاح الصندوق، صندوق صغير، ولكنه كارثي، ومفتاح ضائع، ولكنه ضروري، كي نعلم أننا لا نعبث، ولا نضيع وقتنا، ووقت القراء الكرام...ووقت البلد بأكمله!
المفتي ينقذ المكتبة!!
في بيت سماحة مفتي الجمهورية الدكتور أحمد بدر الدين حسون، وجدته مشغولاً بمشكلة، ويحاول التصرف دون أن يفقد هدوءه، سألته : ما القصة يا دكتور؟!
قال : تسألني عن الكتاب ومشاكله! إسمع... أصدرتُ، وحصلتُ على الموافقات اللازمة، من جهاتها الطبيعية، بإدخال مكتبة الشيخ البيانوني إلى سورية، مكتبته الشخصية، وهو عالم ورجل دين وإفتاء، قضى في الخارج أكثر من ثلاثين عاماً، وهو شقيق علي صدر الدين البيانوني ...وقد دعوته إلى البلاد، وسنوكل إليه منصباً، في الإفتاء إن شاء الله..كي يُستفاد من علمه.
ـ حسناً ..جيد ...
ـ لا يا أستاذ ..ليس جيداً...المكتبة على حدود درعا ..وهم يصرّون على أخذها إلى أحد فروع الأمن!! مع أن مرافقيها يحملون نسخة الموافقة على إدخالها مع قائمة بالكتب واحداً واحداً... كيف نتصرف الآن؟ هذه حماقة...وتجاهل لدرجة عالية من الموافقات.. موظفون صغار يخربون كلّ ما نحاول إصلاحه!!
ـ هل أتصل بمدير الرقابة يا دكتور ؟!
ـ اتصلْ و حاولْ ..لعله يساعد...
اتصلتُ بالصديق نبيل عمران، مدير الرقابة في وزارة الإعلام، وأخبرته بالمشكلة... ونقلتُ السماعة إلى المفتي كي يفهم منه... ولكن يبدو أن الأمر، كان، خارج سلطاته!!!
عاد المفتي إلى الاتصالات ...وأخيراً أجرى الاتصال الذي حسم الأمر...التفت ليخبرني بأن الموضوع انتهى، وأنهم، على الحدود، قد تلقوا الأوامر بالسماح للمكتبة بالدخول... قال : هذه عيّنة حقيقية وحيّة، حصلت أمامك...لا تعرف من الذي يصدر هذه الأوامر ..التي لم تعد موجودة في أي مكان في العالم...! قلت: ولكن، سماحتك تعرف أن هناك دائماً من لا يقبل المشي إلى الأمام، لأنه يخشى دائماً... يخشى من شيءٍ ما.. نحن لا نعرفه ولا نراه...لا بأس... لدينا الآن ملفنا (الرقابة على الكتاب في سورية) كيف ترى الرقابة وعملها وآلياتها في البلد بوضعها الحالي؟!
ـ الرقابة في سورية، كيفية، ومزاجية، وغير ممنهجة، وشنيعة... ولا علاقة لها بالعمل المنظّم، فهناك كثير من الكتب كان ينبغي أن تصل إلى الناس وإلى أبنائنا كي يتعرفوا إليها ويطلعوا على ما نشر فيها من علوم وإبداعات، وبالمقابل، هناك الكثير مما كان ينبغي ألا يصل إلى الجيل الجديد، ولكنك تراه منتشراً، وسهل المنال، الآن..من هو الرقيب؟ هل هو لجنة علمية؟ هل هو مختص بما يقرأ؟! أم هو شخصٌ يتصرف حسب هواه، وأحياناً حسب رؤسائه، وأمزجتهم ومخاوفهم ومحسوبياتهم...؟ الرقيب عندنا موظف في سلسلة تسير على التكهنات والأهواء وليس على الأسس الصحيحة.
الرقابة قضية ثقافة أمة، تحتاج إلى لجنة رفيعة الثقافة، راقية المستوى، مطلعة على آخر التطورات الثقافية في العالم، وليس فقط محليّاً! ينبغي علينا أن ندرك أننا لا نعيش خلف سياج، ولكن يحيط بنا العالم بأجمعه، وفي هذا العالم أصدقاء لنا، وفيه الكثير من الأعداء، ولذلك قالوا (اعرفْ فكر عدوّك) وهذا لا يتحقق إلا إذا سمحت للناس بأن تطلع على ما يكتب وينشر وتجري دراسته وبحثه، فهل الرقابة في سورية تقوم بهذا الدور؟! أم أنها تحجب وتقنّع كل فكر ومعلومة، وتخاف أن تصل إلى البشر؟ لا نعرف مما يخافون؟! إنهم يقومون بتحجيب العقل!! ويتحدثون عن الحجاب!!
ـ ولكنهم سماحة المفتي.. يحتجون باستمرار بأنكم في المؤسسة الدينية، ستقيمون الدنيا ولن تقعدوها، لو نشر الكتاب الفلاني.. أو لو سمحوا بالمعالجة الفلانية لقضية دينية..أو حتى ببعض كتب التاريخ... وحتى الروايات والقصائد، ألا يوجد أساس لذلك ؟.. ألا تمارسون دوراً ما بالخفاء ؟.. ربما كان هذا هو سبب خوف الرقابة وهلعها من المرجعيات الدينية؟!
- تقصد أننا نمارس رقابة دينية؟ لا طبعاً وبالتأكيد...الرقابة في الدين، قائمة على الأعمال، لا على الكلمات، وحينما ينطق الإنسان، بكلمة، أو بفكرة، فالنصح يوجه إليه حينها بالكلمة أو الفكرة. أما أن تمنعه وتقمعه، فهذا يدل على ضعف الحجّة لديك.
فالله تعالى، عرض لنا في القرآن الكريم، آراء الذين أعلنوا الكفر به، ثم حاورهم، وعلّمنا كيف يهزم الفكر المنير الفكر المظلم..ولو كانت هناك رقابة عند الله لقام بمنع قصة الشيطان، الذي تحداه وأعلن مخالفته لأوامره، وكذلك كلام الملك النمرود لسيدنا إبراهيم، حين قال له (أنا أحيي وأميت) وكذلك كلام فرعون حين قال لشعبه (أنا ربكم الأعلى) أين الرقابة في النص القرآني...؟ على العكس من ذلك نجد أن ربّنا سبحانه وتعالى، قد أبلغنا بهذا الفكر، وعلّمنا كيف نقف أمامه بفكر الإيمان، وفكر الوضوح وفكر الهداية الشجاع الذي لا يخاف من كلام مناقضيه، ما الذي يجعلك تخاف على فكرك وأنت على ثقة منه؟!
ـ هل هذه فتوى سماحة المفتي ؟
ـ هذه هي الحقيقة... الواضحة والكاملة والتي تستند إلى ما ورد في القرآن الكريم وكلام المولى عز وجل.
ـ و لكن ماذا عن دور الرقابة ...؟ كيف ترى وجودها إن كان لوجودها ما يبرره؟!
ـ تحتاج الكتب إلى لجنة مختصة، إلى لجنة وليس إلى أشخاص، لتقوم اللجنة بدراستها، دون تصورات مسبقة، مذهبية أو طائفية أو حزبية أو عنصرية، وهذه اللجنة تقوم بدراسة الكتب التي تصل إليها من قبل لجان متابعة بعد أن يطبع الكتاب ويوزّع في الأسواق، ولو رأت ما يهدّد أمننا الروحي، والمعرفي ، والقانوني، وإذا لم تجد جواباً أو علاجاً بعد مناقشة المؤلف، لو وجد، تقوم بإحالة الكتاب إلى المحكمة المختصة لسحبه ومحاسبة المؤلف، حسب القنوات القانونية الطبيعية، أما أن تقوم الراقبة من تلقاء ذاتها بتنصيب نفسها، حاكماً بأمره على معارف وعلوم وإبداعات الناس فهذا أمر مرفوض كلياً، في أميركا والعالم كله، لصاحب الكتاب الحق بأن يناقش ويجادل بشأن كتابه، ليطمئن على مصير جهده العلمي والإبداعي، ويتم ذلك تحت حماية القانون والقضاء.
أنا مع السماح بطباعة الكتاب وتوزيعه وتداوله دون قيود، وإذا ظهر ما يستوجب التوقف عنده، تقرر اللجان المختصة الأمر، وتحيله إلى القضاء.. هكذا نكون متطورين..وليس بأن نعود إلى الخلف خطوات واسعة، ونصبح الوحيدين الذين يمارسون هذا الدور المتخلف.
الناشرون ...وخيوط اللعبة
الناشر، في لحظته، هو سيد الموقف، وهو من يتحدث بقوة عن عالم الكتاب أكثر من الكتاب المشرذمين هنا وهناك، بسبب آفاتهم الدائمة، وهو أيضاً، أكثر قدرة على الدفاع عن (رزقه) الذي يمثله الكتاب، كسلعة فائقة وغير عادية، ستتهالك وتهوي أمام قرارات الرقابة، ويمكن للناشر أن ينقذ سلعته لو أنه تدخّل، كطرف مصلح وموائم لما سيتفق عليه الرقيب والكاتب، ولكن وثائق تحدثنا عنها، تقول إن مشاريع إلغاء الرقابة، في سورية، كانت قد تعرضت للكثير من الجدل والشد والجذب، كل ذلك يحدث ونحن لا ندري؟! يحاولون رفع الرقابة؟ ويحاول الناشرون تفويت الفرصة؟ السلطات تسعى إلى التخلص من لطخة الرقابة والمنع؟! هذا مشجّع...ولكنه يستحق البحث والأسئلة...المزيد من الأسئلة.
إليكم هذا النص المقتطع من ميثاق شرف اتحاد النشرين العرب:
( بوصفي ناشراً أتعهد بما يلي:
1 الالتزام بقضايا الأمة العربية....إلخ
2 العمل على رفع مستوى مهنة النشر، والحفاظ على آدابها ..إلخ
3 احترام كافة حقوق النشر والتأليف والإبداع وصيانتها من كل اعتداء عليها، والتعاون مع الزملاء وكل جهة تتصدى لهذا الاعتداء، وعدم التستر أو المجاملة بكتمان المعلومات المتعلقة به، والنظر إليه بوصفه جريمة تتعلق بشرف المهنة، قبل أن تكون متعلقة بحقوق الفرد المعتدى عليه.)
هناك رابعاً وخامساً وسادساً في الصفحة (8) من دليل اتحاد الناشرين، المطبوع في بيروت، للدورة الخامسة عن السنوات 2007ـ 2009 ، وربما لا أحتاج إلى التعليق على الفقرة(3) والتي يرد فيها، تعبير (اعتداء) ويلزم عضو الاتحاد، بالرد على هذا الاعتداء، وهل في منع أو حظر أوتحريف الكتاب من قبل الرقابة، ما هو أقل من أن يوصف بـ (الاعتداء) على الكتاب والكاتب؟!
حسين العودات ـ مدير دار الأهالي :
أرى أن الرقابة في سورية، سواءً كانت، متسامحة، أو متساهلة، أو غير ذلك من الأوصاف، فهي لا معنى لها، ولا مبرر. وهي مضرّة بالحياة الثقافية والوطنية، خاصة بعد تفجّر عالم الاتصالات، وانتشار المعلومات في كل مكان عبر العالم، وعمل الرقابة الآن هو عمل مناقض للدستور الذي أعطى كل مواطن حق وحرية التعبير، وهي مناقضة لمنطق التطور، في العالم اليوم.
ـ كيف تفكّر في صيغة ما ..أو شكل جديد للرقابة؟
- اقتراحي أن تُلغى الرقابة بالكامل، لأنها لا معنى لها، هل توجد رقابة على الانترنت أكثر من حجب المواقع؟! هل توجد رقابة على استقبال القنوات الفضائية؟! يتركون كل ذلك ويتشاطرون على الصحف والمجلات والكتب!! دون أي شك، الرقابة الآن تضر كثيراً ولا تنفع أحداً. ومن قال إنه يحق لشخصٍ ما منع معلومة عن شعبه؟! وإذا لم يكونوا يريدون إلغاء الرقابة ـ ولا أعتقد أنهم سوف يلغونها في يومٍ من الأيام! ـ فليجيبونا على أسئلتنا : أنتم تقولون أن الرقابة تهدف للمحافظة على كرامة الأمة، وعلى الأمن الوطني..هل يوجد لديكم تعليمات مكتوبة حول الرقابة؟ وحول كرامة الأمة والأمن الوطني؟! الرقابة متروكة للأفراد، وللتفسير المزاجي لهم ولمن يخشونه، لا توجد تعليمات خطية ولا حتى شفهية تحدد شكل عمل الرقابة، ولا الخطوط الحمراء من غيرها، ولذلك فإنك تقدّم للرقابة اليوم كتاباً ما، ويرفضه المراقبون، ثم تقوم بتقديمه بعد أيام بعنوان مختلف دون أن تغيّر شيئاً في الداخل، فيقومون بالموافقة عليه، هل هذا منطق يمكن معه الإبقاء على جهاز متهالك هكذا؟!
ـ أنتم الناشرون متهمون بعرقلة المشاريع التي سعت في الماضي لتغيير نظام عمل الرقابة في وزارة الإعلام..لأن إلغاء هذا الجهاز سيلقي باللائمة عليكم في حال نشر كتاب يحتوي على ما هو خطر.. هل هذا صحيح؟
- ليس صحيحاً... قالوا لنا في وزارة الإعلام، وكان النقاش مع الوزير الأسبق أحمد الحسن، قالوا إنهم يقترحون إلغاء الرقابة القبلية واعتماد مبدأ المراقبة البعدية، أي بعد طباعة الكتاب، وإذا لم يعجبهم الكتاب يقومون بمنع تداوله في المكتبات، ولا يخفى عليك كم في ذلك من الخسائر في حال، تم رفض توزيع الكتاب في سورية، بعد أن يكون الكاتب قد انتظر فترة الطباعة والمراقبة وبعد أن يكون الناشر قد دفع تكاليف الطباعة وغيرها...
ـ كيف سيكون الأمر لو ألغيت الرقابة وتم تشكيل لجنة لدراسة الشكاوى المقدمة حول كتاب ما؟
- أي لجنة يا أخي؟! وهل ستتمكن هذه اللجنة من قول ( لا ) حين يهمس في أذنها أحد أجهزة الأمن، ولو كان رئيس اللجنة عنتر بن شداد؟! أنا شخصياً تم استدعائي، للتحقيق معي، حول كتب نشرتها، بعد أن حصلت على موافقة الرقابة عليها...لدي الآن كتاب طلبوا أن أحذف منه 150 كلمة، أي كتاب هذا الذي تشكل 150 كلمة منه خطراً على الأمن الوطني؟! الحل هو إلغاء الرقابة ..هذا هو الحل الوحيد.
عدنان سالم ـ مدير دار الفكر ـ رئيس لجنة اتحاد الناشرين في سورية:
لدينا مشكلة مع الرقابة تتعلق بالوقت، وأخرى تتعلق بكون الرقيب محدود المدارك، والرقابة مهما توسّعت فهي ستبقى محدودة، ويفترض بالإبداع ألا يكون محدوداً، لا يمكن للرقابة أن تستوعب حرية الفكر، أنا ضد الرقابة الرسمية، وأرى أنها فقدت مبررات وجودها مع ثورة المعلومات والاتصالات، ولم تعد الرقابة مجدية الآن..بل على العكس من ذلك، تقوم الرقابة بالترويج للكتاب الذي تمنعه، ويصبح لدى كل إنسان رغبة بالحصول عليه.
ـ أنت رئيس لجنة اتحاد الناشرين..أي أنك المعني بما نتحدث عنه أكثر من الجميع... كيف سيكون مصير الكتاب وأنتم لا تدافعون عن حياته وحركته بين الناس؟!
- التقيت بأحد القراء العاديين في أحد المعارض في بلد عربي، سألني الرجل: لماذا تشتكون من ضعف سوق الكتاب؟ قلت: ربما لأن القيمة الشرائية هي السبب..قال لي: لو كان معرضكم معرض أدوات كهربائية أو منزلية لرأيت القوة الشرائية...ولكن السبب هو أنكم لا تبيعون سوى الكتب التي تسمح بها الدولة ...اطرحوا الكتب التي لا يسمحون بها وانظر كيف ستكون القوة الشرائية.
يدفعني ذلك دائماً، إلى التفكير في الرقابة، فأنا أنتمي للجيل الذي لم يكن فيه رقابات ، جيلنا الذي عاش الانفتاح ، في مناخ كان ينعم بالحراك الثقافي والسياسي، وكانت الرقابة تمارس، ولكن على صعيد مجتمعيٍّ، فالمجتمع هو الذي يحاسب وليس الدولة.الرقابة المجتمعية أقوى وأكثر تاثيراً.
ـ تمارسون أنتم رقابة من هذا النوع ...قرأت منذ سنوات طويلة كتب الأستاذ علي الطنطاوي، وهي كتب قيمة لا شك، ولكن منها ما له علاقة بمذكراته، وحياته في القاهرة، حين درس التمثيل والموسيقى هناك...أنتم لا تبيعون الكتب التي يتحدث فيها عن ذلك..أليس كذلك؟!
- موضوع الطنطاوي موضوع استثنائي، فالفضل بوجود كتبه يعود لمعرض الكتاب، وقد كان ممنوعاً لفترة طويلة جداً، كان ممنوعاً (على الاسم) ولما جادلتُ الرقيب بشأن السماح لكتبه بالطباعة والتداول، قال: احذف اسم الكاتب وسأسمح به!! أليس هذا الأمر، مجرّد فرض وصاية، ما دام الكتاب يمنع على اسم مؤلفه وليس على المحتوى؟!
الرقابة المجتمعية، أفسحت المجال واسعاً، لمناقشة الحراك الثقافي، وكان السوري يتجوّل، بين الصحف والمجلات ليعرف ماذا آلت إليه المعارك والجدالات، وقد ذكرتني بالشيخ الطنطاوي الذي كان يتحاور مع مجايليه وكبار عصره، مثل المازني والعقاد، وكنا ننتظر صدور مجلة (الرسالة) لمتابعة حواراته، أما في الوضع الحالي، فقد أعفت الرقابة القارئ من واجب التفكير، وقالت : نحن نفكّر عنك، وما نتج عن ذلك إنما هو جيلٌ من الإمعات لا لون له ولا طعم ولا رائحة، ورجعنا إلى أحادية فكريّة، أنا أدعو إلى أن يعود المجتمع ليمارس رقابته، وقد يعترض البعض بأن الرقابة المجتمعية كبيرة وذات سطوة، لا نشك بذلك ولكنها ستخلق الحراك وهذا ما نفتقده.
ـ يتهمونك أيضاً بعرقلة مشروع سابق لإلغاء الرقابة بعد أن وصل الامر إلى المناقشة في القيادة القطرية لحزب البعث، والجهات التي تمارس وصايتها على الكتاب...هل ساهمت فعلاً بذلك ؟ بحكم موقعك في اتحاد الناشرين؟
- لم أقف ضد أي مشروع لإلغاء الرقابة ، ربما قلت كلاماً من هذا في مناقشات اتحاد الناشرين، ولكنني لم أتخذ موقفاً معارضاً، لقرارات تتعلق بإلغاء الرقابة، وقد عبرت عن موقفي هذا أكثر من مرة، وفي كتبي أيضاً، قلت في كتابي (الكتاب في الألفية الثالثة، لا ورق ولا حدود) : (كأني بالرقابة، وهي تمارس هوايتها، أرادت أن تثأر لكرامتها التي داستها الفضائيات) وقد ساوموني على تغيير هذه العبارة من أجل الحصول على موافقة الرقابة ولم أغيرها ولم أحذفها، وأقصى ما قبلت به، هو أن يتم تعديل كلمة (داستها ) بـ (خدشتها). الناشرون لم يوافقوني على فكرة إلغاء الرقابة لأنهم يتدرؤون بالرقابة ويحتمون بها، لأن الرقابة تشكّل لهم، سياجاً يحميهم، ويحتجون بموافقتها على ما سينشرونه، ولكن هذه الرقابة تجهض الحراك الثقافي وتوصد أبواب الفكر والإبداع.
أنا الآن، أعتمد على كلمة من كلمات الرئيس الراحل حافظ الأسد ( لا رقابة على الفكر إلا رقابة الضمير) فمن أين جاءت الرقابة بكل تلك المحاظير؟ وهل فهموا من المقولة أن الضمير هنا هو ضمير السلطة فقط ، أم أنه ضمير المجتمع والثقافة العامة للأمة؟!
الضمير...ضالة الجميع!!
ضمير الرقيب..؟ كان من حق الناشر عدنان سالم، أن يطرح سؤالاً كهذا، لأن الفكرة تدور حوله، فمن المستفيد من الإبقاء على وضع الرقابة الحالي؟ ومن يحق له، أن يتابع في طريق مثل هذه...؟ ولكن هذا الضمير هو ضالتنا جميعاً،وليس للرقيب أن يتطاول علينا، بأنه هو من يمثّل حماة الضمير ونحن لسنا كذلك ! الآن يرى ناشرون مختلفون رأياً آخر، ويعتقد بعضهم أن الرقابة هي من مرايا المجتمع وأن مجتمعاً غير ناضج بما يكفي، لا يمكنه أن يكون بلا رقابة!
زياد منى ـ مدير دار قدمس:
ـ سنتحدث عن الرقابة، وعن عدد القراء الذين يراقبون إصدارات جمهورية تتألف من قرابة العشرين مليون آدمي..هل ترى ما أراه في الرقابة الحالية على الكتاب؟!
- أنت تحتج على عدد القراء..وعلى الرقابة..وأنا لا أرى مشكلة في الرقابة..ربما نختلف على المبدأ..الرقابة تمارس في كل مكان في العالم..ليست لدي مشكلة مع الرقابة...
ـ كيف ليست لديك مشكلة مع الرقابة؟!
ـ هذا صحيح..من أصل ثمانين كتاباً منعوا لي ثلاثة كتب فقط...وما لا يوافقون على طباعته في سوريا نطبعه في لبنان..
ـ ولكنهم يعملون بلا معايير ..وبلا أية خطط...حتى أنهم يشتكون من ذلك؟!
- من قال لك إنهم يعملون بلا معايير؟ لديهم معايير ومقاييس، وهم يناقشوننا فيها وحولها حين نزورهم، وربما لا يخبرونك عنها ولكنها موجودة!!
ـ أنا أحيلك إلى ما ورد في الجزء الأول من هذا الملف.. قلنا وقتها أن عملية الرقابة إنما هي مؤامرة باطنية أطرافها الناشر والكاتب والرقابة، وبينما يتفق هؤلاء يكون القارئ خارج حدود الموضوع... تبدو موافقاً على ذلك!
- عشتُ في ألمانيا أكثر من عشرين سنة، وهناك...المجتمع ناضج، ولكن الحساسيات موجودة في مجتمعنا، لدينا حساسيات سياسية واجتماعية ودينية وغيرها... مجتمعنا غير ناضج، حين تعيش في بلد، عليك أن تلتزم بأنظمته، يبدو أن الرقابة في سورية، قرار سياسي، وهم يعرفون كيف يختارون التوجّه السياسي الملائم لهم، بالنسبة لي، أنا أحمل الجنسية الألمانية، وأعيش كأجنبي في سورية، وعلي أن أعرف أن هذه هي الحدود. ولا تنس أن الكتاب الأكثر مبيعاً في بلادنا هو ليس الكتاب الجيد، ولكن.. الكتاب الممنوع! ما زلتُ مع الإبقاء على الرقابة، حتى ينضج المجتمع، ويصبح قادراً على حماية الكتاب من كل تلك السلطات.
- دون أن نناقش في وضع المجتمع، الذي هو الآن يحتج على الرقابة..أليس هذا الحديث احتجاجاً من قبل المجتمع؟ ثم إنك تلمح إلى أن الرقابة أمرٌ دارجٌ في الغرب أيضاً، وهو ما لم يقله ضيوفنا سواء الغربيون منهم أو الذين يعيشون في الغرب!
- نعم،ولكن لديهم أشكال مختلفة من الرقابة، في معرض الكتاب في الولايات المتحدة، وقد كنت حاضراً، قاموا بتسويد بعض المقاطع من كتاب لأحد المغنين هناك، لأنه ذكر أسماء صديقاته، وقد أصدرت المحكمة قراراً يمنعه من ذكر أسمائهن، يوجد فيلم كرتون اسمه ( POPE TOWN) وهو يحتوي على نقد للبابا، وقد حاولت محطة MTV عرضه، ولكنها لم تفلح، قامت القيامة على المحطة، وقد حصل ذلك في نفس الوقت الذي عرضت فيه الرسوم الكاركاتورية التي تناولت النبي، توجد أشكال كثيرة من الرقابة، لماذا لا تتحدثون عن رقابة الصحافة التي تمارس على الكتب التي نصدرها؟ ، ولماذا تتحدث عنا قناة الجزيرة فقط؟ يكتبون ويزمرون ويطبلون لتفاهات ويجعلون منها أعمالاً كبيرة، وفي الوقت ذاته، عندما تسمح لنا الرقابة بطباعة كتاب مثل كتاب (زين العابدين بن علي) لا تكتب عنه مقالة واحدة، وحين تعود الرقابة وتمنعه، يتصلون بنا لإدانة الموضوع وإدانة سورية...الحديث عن الرقابات لا حدود له، لأن الرقابة موجودة في كل مكان.
ـ كلامك يعني أنك لا تواجه مشكلة مع الرقابة...وهذا يعني أيضاً أنك لا تقترح شيئاً؟!
- لا ..حين أعرف أن الكتاب الذي بين يدي، يحتوي على ما سيسبب المنع، لا أقدمه للرقابة السورية أصلاً ..وأقوم بالبحث عن طريقة لنشره في مكان آخر... مثل كتاب (خفايا اغتيال المهدي بن بركة) سارعتُ فوراً إلى طباعته في بيروت، ولم أقدّمه للرقابة السورية.
ـ هل كان لكم كناشرين دور في إيقاف فكرة تغيير الرقابة في سورية؟
- لا أعتقد أن أي ناشرٍ في سورية، يمتلك هذا الثقل، كي يقوم بمنع الدولة من تغيير آلية عمل مؤسسة من مؤسساتها، كيف سيقوم بذلك؟ ربما يدور حديث واستشارات، ولكن لا أظن، أن بوسع ناشر ما، أن يعيق قراراً بهذا المستوى.
الخطوات العملية ...في الطريق المعتمة
بعض الناشرين يرى أن مصلحة الناشر تكمن في، إلغاء الرقيب، لأنه سيحقق الهدف من عملية النشر..وهو بيع الكتاب... وآخرون يرون أن خطوات عملية يجب أن تتخذ، وأننا ينبغي ألا نكتفي بإضافة هذا الملف إلى أكداس الملفات التي فتحت في الصحافة، ولم يحصل بعدها أي شيء..
ماهر خويص ـ مدير دار خطوات :
- لابد لنا أن نعيد النظر في الكثير من الأمور، التي تمس قبل كل شيء، بنية الإنسان الفكرية، وتزيل الحواجز التي ترسخ مفهوم الخوف، والريبة، لدى المواطن، لابدّ لنا من النظر إلى ذهن الإنسان المنفتح، على أنه، هو معيار التطور الإيجابي لمجتمعنا، وأن تعطيه المساحة الحرة ليبني ويطوّر هذه البلد، وننزع عن كاهله القسر الفكري والنفسي الذي يعيدنا وإياه دائماً إلى الخلف.
يتحدثون عن رقابة ومنع في زمن الفضائيات وزمن الانترنت و......إلخ! فماذا سينتج؟ نعم نحن بحاجة إلى رقابة ومتابعة لكثير من النوافذ، التي تشكل خطراً على المواطن والبلد، ولكن ليس على الكتاب، الذي أصبح في هذه الأيام من يشتريه أو يقرأه قلة وربما ندرة، نحن بحاجة إلى من يشدّ من أزر هذا الكتاب، ويساهم في تعزيز وجوده، وعودة المواطن له، وعودته إلى كل مكان، إلى كل مكتبة عامة وخاصة، وكل وزارة ودائرة حكومية، ليساهم في إعادة بناء الإنسان الذي تحتاجه بلدنا وتحتاج إلى عرقه وذهنه المنفتح أيضا.
ربما يجدر بنا أن نوضح صفات الرقيب ونحدد المستوى الفكري لهذا الرقيب، وما هو المعيار القائم عليه مفهوم الرقابة؟ وهل خوف الرقيب من وقوعه بالشرك لا يساهم في منع الكثير مما لا يستحق المنع؟.
- هل صحيح أنكم تعارضون مشاريع الغاء الرقابة في سورية..ربما يكون لكم مصالح في أمر كهذا؟
- لا أعتقد أنه من مصلحة أي ناشر أن يدعم وجود الرقابة، ومنع صدور أي كتاب والمساهمة في تضيق المساحة الفكرية الحرة، الناشر يعاني من الروتين المفروض عليه للحصول على الموافقات، والوقت الذي يستغرقه أي كتاب للحصول على الموافقة أحياناً، يعرض الناشر للضرر الكثير، فالناشر يقع عليه الضرر في كافة المواقع، إن كانت تعنيه حرية الكلمة والحرية الفكرية وإن كان تاجراً يعنيه البيع.
نزار بريك هنيدي ـ طبيب وشاعر سوري:
- كلما سمعت كلمة (رقابة) أحسست بمهانة كبيرة. ذلك أن مجرّد التفكير بوجود رقابة على أعمال فئة ما من فئات المجتمع، يعني سلفاً النظر إلى أفراد تلك الفئة بأحد منظارين: أما أنهم جماعة من المشبوهين والمثيرين للريبة وغير المؤتمنين على مصالح الشعب أو الوطن، أو أنهم ثلة من القاصرين ، الذين ينقصهم الوعي والإدراك، ويحتاجون إلى من يقيم الوصاية عليهم وعلى أفعالهم. ولا أعرف كيف يمكن لأمة تتطلع إلى النهوض والتقدّم ، أن تصنف كتابها ومثقفيها ومبدعيها في خانة المشبوهين أو القاصرين، بدل أن تتطلع إليهم بوصفهم طليعة المجتمع وعينه البصيرة ووجدانه الحي؟ إنه فصام حقيقي ، لا يتفوّق عليه في خطورته، إلا حال بعض الكتّاب الذين ارتضوا لأنفسهم أن يشاركوا في هذه العملية السوداء، ويقوموا بأعمال الرقابة على إنتاج زملائهم، بالنيابة عن الجهات الرسمية. ويقيناً أن هؤلاء الذين يساهمون في انتهاك حرية الكتاب والمبدعين، لا يمكن لهم أبداً أن يكونوا كتّاباً حقيقيين. فالكاتب الذي لا يعي ضرورة الحرية للثقافة و الإبداع، لا علاقة له بالثقافة أو بالإبداع. والذي يتعامل مع المبدعين على أنهم مشبوهون أو قاصرون، هو المشبوه والقاصر. والغريب أن ملف الرقابة قد فتح مرات عديدة في السابق دون أن يتغير من واقع الحال شيء. والأكثر غرابة، الآن، أن يتنصّل منها ويهاجمها الجميع، بمن فيهم مدراء الرقابة أنفسهم، ولا يجرؤ أحد عن الدفاع عنها، ومع ذلك فالرقابة باقية فوق رؤوس المبدعين، وداخل رؤوسهم أيضاً، وهو الأكثر خطورة. ولذلك أتمنى أن لا يكون هذا الملف الذي تفتحه جريدة الأسبوع الأدبي رقماً يضاف الى الملفات السابقة. بل أتمنى أن يكون له الدور الحاسم في إنهاء هذه الحالة، من خلال عدد من الخطوات الفورية، التي تبدأ من دعوة كل من يعتبر نفسه كاتباً ومثقفاً ومبدعاُ إلى التوقف مباشرة عن المساهمة في عملية الرقابة. ثم يبلغ اتحاد الكتاب العرب وزارة الإعلام بالتوقف عن ممارسة الدور المناط به في الرقابة على مخطوطات وزارة الإعلام نيابة عنها. ثمّ يقوم الاتحاد، باعتباره حاضنة الكتاب والمبدعين والمدافع عن حقوقهم، بالطلب من زملائنا الكتاب أعضاء مجلس الشعب، صياغة مقترح يقدّم إلى المجلس بضرورة إلغاء الرقابة لما فيها من امتهان وتضييق على حرية المثقفين. والنظر في أسلوب تتم فيه معالجة الحالات المحدودة التي يمكن لها أن تلحق الضرر العام أو الخاص من خلال المؤسسات القضائية المدنية وحدها، وذلك بعد النشر وليس قبله، كما هو معمول به في غالبية دول العالم.
المزامير ... ووزارة الإعلام!!
منذ نشر الجزء الثاني من هذا المشروع ـ الأبيض حقّاً والناصع البياض حتى الآن ـ ومكتب وزير الإعلام السوري، يحتفظ بنسخته منه، بانتظار الرد، والمشاركة، وكنت قد تحدثت مع السيد محمد رزوق معاون الوزير، حول المعنى التقني للرقابة، وكونها لا ترتبط بقرار سياسي بقدر ما هي عملية إجرائية ـ ربما تكون إدارية ـ ومن هذا المدخل، قلت: إننا يمكن أن نطلب من الوزير التدخل ـ بل إن عليه التدخل ـ لتشكيل لجنة تدرس أداء الرقابة، وتفكّر، لمجرد التفكير، بمشاكل آلية عمل الرقابة في الوزارة، وأظن أن هذا العدد الكبير من الأصوات التي شاركت في ملفنا، ليس بأقل من أن يتوقف عنده، دولاب عمل الوزارة، وأن تنتبه إليه (أجندتها) كما يقال، شاركني السيد معاون الوزير الرأي وكان متحمساً، لمناقشة الدكتور محسن بلال بهذا الشأن، ووعد بأن يبذل جهده، لا سيما وأن الوزير بشخصه، يدرك أن الموضوع كلّه، لا ينبغي أن يرتبط، حقيقة بقرارٍ سياسي، بقدر ما تسهل معالجته، عبر التكنيك الإداري، والتنظيمي في الوزارة.. من يومها، وأنا أنتظر رد الوزارة، ولا يرن الهاتف... وأقول لنفسي ربما هم في شغلٍ الآن..أو في مدارٍ آخر... سأغلق الملف، الآن على صفحات الأسبوع الأدبي، وأشكر كل من ساهم فيه، بشجاعة، واقتدار، على طرح الرأي المختلف، ولكن تبقى القضية ملفّاً مفتوحاً ينتظر رنين الهاتف..أو صرير قلم الوزير على ورق قرارٍ هام.. ما أوضح الصورة.. وما أسهل اللحن......ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟!!
هكذا تكلم الرئيس في خطاب القسم...!! 2/3
هكذا تكلم الرئيس في خطاب القسم...!! 2/3
بدرالدين حسن قربي
خاص – صفحات سورية –
أنظر الجزء الأول من هذا المقال
يبدو لمستمع خطاب الرئيس السوري في ابتداء ولايته الثانية أن كتبة المُطَوَّلة الرئاسية تناسَوا أن عام 2007 هو السنة السابعة والثلاثين لحكم أسرة الأسد وليست بداية الثامنة، وتناسَوا أن خير الكلام ماقل ودلّ فأطالوا متوهمين إقناع الناس بكلام سقيم. والأهم فيما يبدو أيضاً أنهم نسُوا تدقيق مدونةٍ كتبوها أو حتى قراءتها قبل أن يقرأها الرئيس المُجَدَد أو المُمَدّد له على مدى ساعات، فأكثروا فيها التنظير عن مُزدوجاتٍ ومَرَاوحَ من الكلمات والأفكار الخالية من الدسم من مثل المواطن المسؤول والمسؤول المواطن، والقوانين والتعليمات التنفيذية، والأفكار والنظريات والأفكار الأكاديمية، وصياغة القانون ولغة القانون وديناميكية إصدار القوانين..الخ.
كتبة المطولة الخطابية أشاروا مشكورين إلى القضية الكردية لأبناء شعبنا ومواطنينا ولو أنهم اختصروها في إحصاء 1962 ، وسهّلوها وبسّطوها على طريقتهم بدءاً من قول الرئيس للفعاليات الكردية: لاتوجد مشكلة. وهو يعني طبعاً أنها سهلة ومقدور عليها وقابلة للحل، وقوله كذلك: والمشاورات مازالت مستمرة.. عندما ننتهي من هذه القضية.. فالقانون موجود.. وهي قضية بسيطة.. وأعتقد أن هناك اجماعاً وطنياً في سورية حول ضرورة حل هذه المشكلة.
سيداتي آنساتي سـادتي..!! قضية بسيطة وسهلة وليس فيها مشكلة، وعليها إجماع وطني وقانونها موجود، وحلّها واجبٌ وقته منذ أمدٍ طويل، وقاربت سن اليأس ببلوغها 45 عاماً من العمر ، قضية بهذا التوصيف من السهولة والبساطة، ثم هذا حالها والعياذ بالله، فكيف العمل والحل في قضايانا المعقدة من القمع والاستبداد والفساد...!!؟
كتبة خطاب الرئاسة للنظام السوري أشاروا مشكورين صراحةً إلى أمراض مستعصية في بناء الدولة من ضعف العمل المؤسسي وفقدان المنهجية في العمل وتشابك المسؤوليات، إلى افتقاد الكوادر المؤهلة للإنجاز وتراجع الإحساس الحافز لأداء المطلوب فضلاً عن ضعف البنية الإحصائية وقواعد البيانات في الدولة مع ضعف آليات المتابعة والمراجعة والتقويم.
هذه الأمراض المشار إليها صراحةً في الخطاب هي لاشك جزء بسيط أشار إليه الكتبة بحسن نية أو سوئها لافرق ليشكل تمويهاً وتغطية وصرفاً للنظر عن أمراضٍ أشد وأنكى، وهي كلها لاشك نتاج موضوعي لنظامٍ قَدِمَ قبل أكثر من أربعة عقودٍ في يوم نحسٍ مستمر على ظهر دبابة منتعلاً بسطاراً، وأسس شرعيته على الوحدانية في النظام والأسرة كما هو البلاغ رقم واحد.
أكثر من أربعين عاماً أمضاها النظام الحاكم في البرّ والتقوى وعمل الصالحات وبناء المؤسسات وفعل الخير، فاختصر العمل السياسي الوطني وقيادته في حزب البعث القائد في الدولة والمجتمع، واختصر سورية الوطن فصارت سورية الأسد، واختصر تاريخها ليبدأ مع حكمه، وظهر الفساد في برِّ النظام وبَحْرِهِ وجوِّه، وبات فيه للفساد والنهب والقرصنة إمبراطوريات، وغدا له (أباطرة) لايتركون شيئاً يفوتهم، وقتل من الشعب قمعاً واستبداداً عشرات الآلاف حتى أوصل سورية الدولة والشعب بما فيها حزب البعث إلى حالةٍ من العقم، أوهنت منها العزم، وأضعفت منها النفسية، وأفقرتها من الكفاءات القادرة حتى أن ماأطلق عليه الحزب القائد في المجتمع والدولة مثلاً افتقد أن يجد في صفوفه يوم وفاة الأسد الأب شخصاً بعثياً وقيادياً مناسباً حسب المواصفات الدستورية للإمساك بدفة الأمر وتولي منصب الرئاسة من خلال ملايينه المزعومة فبان عجزه، وانكشف أمره، مما حدا بالجهات المسؤولة واستراتيجييها إلى تعديل الدســتور للخروج من أم الأزمات.
وأعلمَنا كتبةُ خطاب الرئيس أيضاً أن الأمن وحتى يأذن الله بأمر كان ومازال هو أولوية النظام الحاكم رغم عشرات السنين من حكم أسرة الأسد، عندما لفت الرئيس نظر سامعيه إلى أنه يجب أن تكون الأولويات واضحة.
أظهر كتبة الخطاب قدرةً عجيبة عندما أكثروا الحديث مستعينين أحياناً ببعض الأرقام الجدلية والمتوهمة عن تطوير اقتصادي وسياسي وصفوه بالصعوبة والتعقيد والوقت الطويل الذي يتطلبه، ولكن فضحته صراحة الرئيس عن الفترة الماضية عندما قال:
لم يكن لدينا الوقت حتى لمناقشة أية فكرة لا بالنسبة لقانون الأحزاب ولا لغيرها.. وحتى في مرحلة من المراحل.. حتى الأولوية كانت الاقتصاد.. لم يكن لدينا الوقت لمتابعة الوضع الاقتصادي.. كنا نخوض معركةً مصيرية.. وكان لابد من أن ننجح في هذه المعركة.. لم يكن هناك خيار أمامنا.
أما ماهي المعركة التي كان يخوضها النظام ومازال فيها يسبح، فهي بالتأكيد معركة المحكمة الدولية وإقرارها وتبعاتها. وأما كونها مصيرية فالرئيس ورغم تأكيده الدائم على عدم علاقة نظامه بها فإنه يعلم حقيقة الحقيقة، ومن ثم كان وصفه لها بالمصيرية. أما عن النجاح في هذه المعركة فهو بدوره أمر مبكر ولاسيما أن السيد الرئيس أشار إلى أهمية وخطورة أشهر قليلة قادمة. وأما كيف أن البلد ماشية والتطوير والنهضة ماضية على قدم وساق، والأمور عال العال في بلدٍ يُقرُّ رئيسه أنه لم يكن لديهم الوقت حتى لمناقشة أية فكرة في التطوير السياسي أو متابعة الوضع الاقتصادي، فهاهنا هي قدرة أصحاب السيرك عند كتبة الخطاب وبياعي الكلام.
يبقى رعب النظام السوري من المحكمة الدولية وتداعياتها الذي أراد الرئيس السوري إخفاءه حتى بعدم ذكرها ولو بكلمة واحدة ناظماً خفياً لكلمته، كما أن مطرقة المحكمة هي سر أسرار الخطاب الرئاسي في لحن القول الذي كان يتلوى وراء العديد مما كان فيه من أفكار وطروحات، كتبها في ظنّنا أناس ليسوا بعيدين عمن أعلنوا ويعلنون أن الولاية الأولى للرئيس بشار الأسد كانت مرحلة التحمية أو كما يقول حبايبنا المصريون (تسخين)، وأن الولاية الجديدة ستكون مرحلة الإقلاع في الوضع السوري.
فهل هذا الإقلاع هو ماأشار إليه الرئيس عندما قال: بأن عام 2007 عام مصيري، الأشهر القليلة المتبقية فيه ستحدد مصير ومستقبل المنطقة وربما العالم كله أم هو شيء غير هذا...!
هذا وغيره من لحن الخطاب الرئاسي مع حديثه عن الفساد والفاسدين وكلام آخر سيكون فيما يقال عنه: للحديث بقية.
شام يا ذا السيف لن يغب
شام يا ذا السيف لن يغب
مازن درويش
خاص – صفحات سورية –
في مثل هذه الأيام وقف يوسف العظمة المواطن السوري التركماني أو الكردي أو السرياني أو العربي..... وزير دفاع سوريا كلها وقفته الشهيرة على مشارف ميسلون في 24\7\1920 بعد أن استكبر على السوريين جميعا بكل فسيفسائهم أن يسجل التاريخ أن عاصمتهم دمشق – الشام احتلت دونما أي مقاومة فهب يستقبل قنابل المحتلين بصدره , ليفوح عبير روحه و ينشر شذاه على مساحة الوطن كله , فكان له الخلود وكان أن أنقذنا نحن الذين نعيش اليوم من هكذا عار.
و اليوم في مركز عاصمتنا نحن السوريون يقبع تمثال يوسف العظمة في ساحته التي تكرمت بأن حملت اسمه ونصبه التذكاري و " كرمتنا " محافظة دمشق و بنك عودة أن قاما بتجميل الساحة و الشوارع التي تخترقها , و كذلك قاما (بالمعية) " بتجميل " تمثال يوسف العظمة فاستبدل يوسفنا و وزير حربيتنا الذي كان يشهر سيفه عاليا بوقفة عز وفخار تليق به ينظر بتحد إلى كل محتل , بيوسف آخر أدخل سيفه داخل غمده و وضع يده خلف ظهره - كأن رجل أمن يمسك بها - ينظر نظرة جامدة لا روح فيها ...
أخشى أن يتلفت شهيد ميسلون إلى قلب عاصمتنا فيرى ذلك المسخ الذي يحمل زورا و بهتانا اسمه . إن سأل يوسفنا فماذا عسانا نقول له :
هي اشتراطات الاستثمار المصرفي و العولمة أم لعلها ضرورات المرحلة و إن لم يكن هذا أو ذاك أو كان هذا وذاك ... تبت يداكم .... أعيدوا إلى يوسفنا سيفه.
24-7-2007
الإرهاب الإسلامي في العالم غزوات لندن الجزء الثاني
الإرهاب الإسلامي في العالم غزوات لندن الجزء الثاني
غسان المفلح
خاص – صفحات سورية –
أنظر الجزء الأول من هذا المقال
العنف والدم يجد له مبررا دوما، ولكن من الخطأ نقاش المبررات بل يجب علينا الخوض في التفسير كي لا تلغي هذه المبررات عقولنا من جهة، ومن جهة أخرى كي لا يأخذنا المدافعين عن السلطات الهجينة بحجة أن الخلل المركزي في الشعب الإسلامي ودينه. لدينا موجتان الآن يجتاحان الإعلام العربي والعالمي: الأولى التي تفسر مبررة الإرهاب الإسلامي بحجج لها علاقة بالصراع العربي الإسرائيلي واحتلال العراق وبالتهميش الاجتماعي والفقر وأزمة الهوية..الخ والثانية تفسر الأمر بأنه يجب اقتلاع الدين الإسلامي واتباعه من جذورهم لأنهم هم هكذا جملة وتفصيلا: اتباع عنفيين لدين عنيف ودموي. والأديان الأخرى جميعها مسالمة حتى لو كانت طوائف من الإسلام ذاته! وهنا العجب العجاب، فتارة يأتون بمثال عن سماحة الدين المسيحي أو الهندوسي..الخ. وكأن الدين الإسلامي الذي بقي مضمرا تحت جناح السلطات في البلدان ذات الغالبية الإسلامية نصف قرن من الزمن: كان دمويا ولكنه متحالف مع السلطة. وهذه السلطة هي من كانت تضبطه. أما الآن فلم يعد هنالك سلطة ما تمارس هذا الضبط عليه وتحول فجأة إلى وحش يلتهم العالم. ومن الملفت للانتباه أيضا أن الكثير من الكتاب يتحدث عن سلطت شمولية واستبدادية في العالم الإسلامي، ولكن عندما يأتي الحديث عن الإرهاب الإسلامي يتم عزل مفاعيل هذه السلطات عن هذا الإرهاب الإسلامي. ويصبح الإرهاب الإسلامي قضية قارة ووجودية لا علاقة لهذه السلطات بها. وهنا يبدأ التضليل الأيديولوجي. منذ أكثر من خمسة عقود وحتى اللحظة لا يوجد إرهاب لا إسلامي ولا ماركسي ولا ليبرالي! دون وجود حامل سلطوي له خصوصا في البلدان ذات السلط الشبيهة بسلطنا. إن التأسيس الممنهج لخصوصية سلطاتنا في المجتمعات العربية والإسلامية سواء لجهة خصوصية دينية لمواجهة اليسار في السابق والآن خصوصية ثقافية قومية لمواجهة المد الديمقراطي والحقوق إنساني. وليعطونا هؤلاء مثالا واحد فقط: أي تنظيم إرهابي إسلامي في العالم ليس له حامل سلطوي بل هو تنظيم قطاع خاص!؟ هذا السؤال موجه للغرب والشرق على السواء. وإذا كانت تنظيمات القاعدة بكل تفريخاتها القطرية والعالمية قد أسست لها الحرب الباردة قاعدة مادية ولوجستية تتحرك بها في الغرب والشرق. فإنها الآن غير الحامل بحكم نهاية هذه الحرب وأصبح الحامل هو السلطات التي لازالت خارج التاريخ: إيران سورية ليبيا وبعضا من مراكز قوى داخل سلطات أخرى. أليس من الطرفة أن يتحول الظواهري وبن لادن إلى قوة لا تستطيع كل قوى العالم مجتمعة القبض عليهم فيما لو أرادت! ألم يهدد الظواهري لندن قبل فترة وجيزة! ما الذي تفعله السلطات العربية في التعامل مع الفكر السلفي بمنتوجه العنفي والجهادي: ببساطة تعتقل أفرادا من جهة وتمنع الثقافة الليبرالية والحقوق إنسانية وتغيب مفهوم الحرية! ولكنها لا تستطيع منع الجامع والنص القرآني..الخ ومع ذلك هي تستطيع لو أرادت أو لوجدت أنها مهددة من هذا النص. هل قوى القاعدة والإرهاب تنزل من السماء؟ أما أنها تربت بيننا؟ ووفق نفس السلطات؟ هذا الإرهاب ببساطة هو قوى خارجة عن القوانين الدولية والمحلية. ولأنها كذلك لا يمكن لها أن تتحرك في أية دولة بالعالم دون أن: يكون لها حامل سلطوي. هذا الأمر يدركه الغرب جيدا ولكن سلم أولوياته يمنعه من الإفصاح عنه على ما يبدو. كما يمنعه من البحث في أصول الظاهرة الدموية هذه في علاقتها بالسلطات السياسية التي باتت أقوى مما يتوقعه الكثيرين في الدفاع عن آخر معاقلها الاستبدادية حتى لو نشرت العنف في كل العالم.
الإرهابيين في العراق من أين ياتون؟ من يدعم حركة حماس؟ لماذا الإعلام الغربي أحيانا يحمل الإرهاب في العراق للسلطات المجاورة من جهة ولا يرد على هذا الأمر من جهة أخرى!
ومن النافل القول أن لندن كانت أهم مركز من مراكز تحشيد المد السلفي والأصولي خصوصا إذا عرفنا أن بريطانيا لم تكن بعيدة أبدا عما يجري من تحولات في كل منباكستان والهند وأفغانستان. ولهذا هي كانت تدرك ما يمكننا تسميته بالصحوة الإسلامية في بلدان الشرق وتعرف مداها ومغازيها. ولهذا هي من ساعدت على تأسيس قاعدة لوجستية لهذا الإسلام المتطرف في بريطانيا. وكلنا يذكر أزمة السياح في مصر وأين كان قادتها؟ كما حاولت السلطات المصرية جاهدة أن تقومة بريطانيا بتسليمها هؤلاء لكن بريطايا كانت ترفض ذلك. ومع ذلك يمكننا التأسيس ولو جزئيا على أن الإسلام المتطرف في لندن هو نتاج أكيد لدور بريطاني سلطوي إسلامي ـ في البلدان الإسلامية. انطلاقا من ذلك يمكننا أن نتحرك في تعقيدات ما يجري من غزوات لندن. ألم تكن بريطانيا القوة الأكثر دعما للإسلام السياسي بعد أمريكا الذي أرادته بمواجهة اليسار عموما والسوفييت في أفغانستان خصوصا؟ وفي نهاية الأمر هنا نقول: ما كان لقيام هذا النوع من الحلف السياسي شعبيا دون إعطاءه عنوانا مناسبا لحجم فعله وهو العنوان الأكثر تجييشا وتحشيدا ( الصحوة الإسلامية )
يتبع....
يستحقّ العناء: الدفاع عمّا نكون
يستحقّ العناء: الدفاع عمّا نكون
نهلة الشهال *
قال مرة روبرت ديسنوس، شاعر فرنسا الشهير «إن المهم ليس ما يبقى وإنما ما نحن (ما نكون)». وأزعم أن هؤلاء الذين صمدوا في عدوان العام الفائت على لبنان، مقاتلين منظّمين وبشراً، وكل من ساندهم، وهم كثر هنا في لبنان وفي الفضاء العربي والعالم، هؤلاء كانت تهجسهم تلك الكينونة. وهم في تلك اللحظة قرروا المعاندة وعدم الخضوع، مستعدين لدفع الثمن من حياتهم وحياة أحبّتهم وكل ما يملكون، من أجل إلحاق هزيمة بإسرائيل، ولو جزئية ولو موضعية. وقد كان ما يحركهم فعلياً هو التمسك بعالم أقل ظلماً.
أزعم أن هذا الحلم مشروع تماماً وواقعي جداً، وأنه يخترق البشرية من أولها إلى آخرها، تاريخاً وجغرافيا، أدياناً وفلسفات. مشروع واقعي لأن التخلي عنه يعني تحقق السيادة التامة لأقبح التصورات عن الاجتماع البشري، بينما الصراع من أجله يمنع على الأقل ذلك الإطباق، ويبقي على الجانب المضيء من تصور البشر عن أنفسهم قائماً، يبقي المجال مفتوحاً. لولا مشروعية هذا السعي وواقعيته، فما الذي كان ليدفع بأكبر المثقفين الفرنسيين مثلاً إلى الانخراط في مقاومة النازية، وقد مات بعضهم في معسكرات اعتقالها أو على الجبهات، بينما ترك لنا رينيه شار الذي يُحتفل هذه الأيام بمئوية ولادته، بعضاً من أروع كتاباته، وهو كان تطوّع إرادياً ليصبح أحد قادة المقاومة. هل من حاجة إلى مزيد من الأمثلة من كل زمان ومكان؟
وبالنسبة إلينا في المنطقة العربية، فإن رفض استبطان الهزيمة، التي جرى عمل حثيث ومديد لإقناعنا بأنها مصير حتمي، واقع، هو شكل المقاومة الأول. هو ما يقول عنه الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك «إن مقاتلة العدو تبدأ بمقاتلة النفس» مما قد يجد له آخرون، يملكون مرجعيات فكرية مختلفة عن الماركسية، معادلاً يكاد يطابقه حرفياً. وبالتأكيد، فليس من السهل مقارعة تأثير ذلك التيار العارم العامل على ترسيخ استبطان الهزيمة، بجيش منظّريه وخبرائه المتنوعين الذين يستخدمون مبررات بعضها شديد التمويه، وبعضها يتم باسم التقدم والحرية، وسياسيّيه المتلاعبين بكل شيء من أجل تبرير علاقاتهم ومواقفهم «الواقعية»، علاوة على أصحاب السلطات القمعية والفاسدة التي تنهك ـــــ تنتهك ـــــ معيشة الناس فتحرمهم كراماتهم، وتحيلهم لقمة سائغة لأشكال أخرى من التسلّط.
المسألة الأولى إذاً هي في تعريف الموقع الذي تقف فيه، تنطق منه وتفعل. وهذا شرط لازم لإيضاح سياق الكلام وللحكم على الأشياء. إذ يتحكّم الموقع بالتأويل وبالنتائج. فإن كان «من طلب الحق فأخطأه ليس كمن طلب الباطل فأصابه»، وهي حالة قصوى، والفكرة قيلت بمناسبة قصوى، فالأحرى أن ينطبق ذلك على السعي الذي لم يصل بعد مؤداه. إن تأكيد، مثلاً، وجود أولوية ملحّة لمناهضة الجنوح الأميركي لإخضاع العالم واستنزافه بكل الوسائل وعلى رأسها الحرب، (كوسيلة للهيمنة ولكن كصناعة مربحة أيضاً)، وكذلك بواسطة الثقافة والفكر وأنماط السلوك، أي بالدخول إلى التكوين النفسي الحميم للناس، هذا التأكيد يشكل انتماء إلى موقع محدد يستجرّ على صاحبه نتائج، ويلزمه بضوابط. الموقع يجمع إذاً، ويمنح أصحابه سيماء معينة.
إلا أن الموقع شديد التضاريس. والانطلاق من المثال السابق يوضح التعقيد الهائل الذي يواجه هذا التحديد، وعدم كفاية أي تعريف له على كل حال، بمعنى عدم اكتماله، وحاجته الدائمة، المتصلة والمستمرة والتفاعلية، إلى إعادة سؤال نفسه، استطلاعها وسبر أغوارها فيما هو يبني إجاباته. فهل كل من قال إنه يناهض الإمبريالية شريك في الموقع عينه؟ وهل يكفي لتحديده عنصر واحد، مهما بلغ من الأهمية؟ ليست غاية الاستدراك استعادة تلك الهياكل البالية التي توزع الناس والحركات الفكرية والسياسية إلى معسكرات متكونة، تتقاذف التهم المتبادلة، بل بالعكس، التشديد على التعريف المركّب لـ«الموقع».
فـ«القاعدة»، مثلاً، تشبه بطريقة غير قابلة للتمويه أعداءها المفترضين: إنها تتبنّى وتمارس فكرة صدام الحضارات إطاراً لتأويل مشكلات العالم، وهي تستعيض عن عناء بناء الصراع في كل موضع بـ«عولمة» للمواجهة هي بوضوح نقيض التضامن والتشابك النضاليين العالميين المطلوبين: هي تصدر أوامر وتخطيطات مركزية تعتبر العالم ساحتها، وتفترض أن مقارعة الهيمنة الأميركية ـــــ إن كانت تلك فعلاً غايتها ـــــ تتم بواسطة الإرهاب الذي تقابل به الجنوح الإمبريالي لتحقيق الهيمنة بكل الوسائل، فتتغذى الدائرتان من بعضهما، وتبدوان صادرتين عن موقع واحد على رغم ما يباعد بينهما.
إلا أن مثال «القاعدة» هيّن. والسؤال يتعلق بالمحدّدات التي تتعلق بحالات ووضعيات أكثر التباساً. وفي هذا الصدد، فإن مساهمة الحزب الشيوعي اللبناني، العريق والمجرّب بقسوة، حتى نكتفي بهذا المثال، حاسمة. تمتلك بيئة هذا الحزب كل المزايا المطلوبة للعمل على بلورة إشكالية الموقع تلك، فهي على الأقل ما زالت «واقفة على قدميها»، بينما مزّق القمع العنيف والمديد وبؤس المواقف المتتالية قدرة بيئات أخرى على المبادرة، كاليسار العراقي مثلاً، على رغم إرهاصات تعتمل هناك. لا غنى عن مجلة فكرية منفتحة بلا محرمات، تصدر في بيروت وتكون منبراً لكل التساؤلات، محفزاً ومرآة لها في آن، ولا غنى عن دور تجميعيّ يؤديه الحزب الشيوعي اللبناني، وقد طال انتظار كل ذلك...
تقودنا هذه المسألة الأولى إلى تناول ما يليها مباشرة، ويعادلها في الأهمية. ومثلها، لا تخص المسألة الثانية هذه منطقتنا بل تشكل ملاحظتها والنقاش حولها ظاهرة عامة. فما معنى أن تكون اليوم يسارياً أو إسلامياً أو ديموقراطياً أو مستنيراً الخ... ثمة اضطراب كبير لحق بمضامين هذه التسميات، التي لم تعد تدل بذاتها، مجردة هكذا، على شيء. فكما أن الصفة الإطلاقية «إسلامي» لا تعني شيئاً لأنها قد تشير إلى بن لادن كما إلى شيخ الأزهر كما الى جماعة «إسلام أون لاين» كما إلى حزب الله كما إلى فضل الله كما الى ناديه ياسين كما إلى المالكي... وكل واحد منهم عالم قائم بذاته، فإن الصفة الإطلاقية «يساري» قد تعني حالات متناقضة تماماً. ولعل قائلاً يشير إلى عدم جدّة هذه الحالة، منذ أبي ذرّ بمقابل جيش من نقائضه، ومنذ جرائم بول بوت والخمير الحمر باسم الماركسية الصافية، إن لم نذكر سواهم. وهذا صحيح. ولكن ما يمكن اعتباره جديداً يبدو لي متجسداً بأمرين:
ـــــ تفكك بديهية الدلالات هذا يسير بالتوازي مع انفراط عقد الأطر والأساليب التي كانت تنْظُم عمل المنتمين إلى التيارات المطابقة لها. ويرافق ذلك بروز أساليب وأطر جديدة في ميادينها، أو وبدقة أكثر، وعلى الأغلب، إدراك الحاجة لمثل هذه الأطر والأساليب وإن لم يتم «اختراعها» بعد. ثمة في الوقت نفسه فوضى عارمة وعجز مشهود، كما ثمة مستجدات بعضها جنيني. نحن إذاً أمام حالة مخاض أو حراك جوهري.
ـــــ أما الأمر الآخر فيتعلق بمحاولات فكرية حالية، تطل برأسها في أنحاء مختلفة من العالم، من أميركا اللاتينية حتى الهند، بل في أوروبا نفسها، أو في الغرب الذي أطلق عصر الأنوار ومجموعة الفلسفات المنسلة منه، والذي بلور كل عناصر الفكر المهيمن وعاملها كحقائق مطلقة. أشير هنا إلى القلق الفكري القائم الذي يخفي مراجعة لا بد من أن تجري لمجموعة المفاهيم التي سادت يوماً كبديهيات تدّعي الموضوعية وتفترض بمن يتوسل الحداثة أن يتبنّاها، كالقول بوجود منظومة قيمية ومفاهيمية تمتلك صفة عالمية، تعرّف التقدم والحرية والعدل والمساواة، وينقسم الناس بمقتضاها إلى تقدميين
ورجعيين...
إن فكرة وحدانية مثل هذه المنظومة هي اليوم موضع شك كبير، وهي تترك المجال رويداًَ لفكرة وجود عدة مرجعيات قيمية ومفاهيمية، كلها عالمية، بمعنى التصور الفكري والأخلاقي لا امتلاك القوة، عوضاً عن مركزية الأولى المرتبطة بأوروبا الصاعدة، وهو صعود عنى أيضاً حلول الحقبة الاستعمارية. إن التفكيك وإعادة التركيب الجاريين يبيحان اليوم الكلام، من بين أشياء أخرى، على ظواهر ليست معزولة وليست فردية، ليسار إسلامي أو مسيحي كما على أخرى لإسلام يساري... أو على الأقل على تحالفات وائتلافات وجسور من هذا القبيل، من دون أن يؤدي جمع مفردات كهذه إلى مزيج متفجر. فهل في ذلك هرطقة؟ إن جريدة كـ«الأخبار» في موقع ممتاز لاحتضان بعض هذه التجربة وتعبيراتها. ولا شك أيضاً في أن هذا التجاور هو بصدد التأثير على بيئات كانت تعتبر نفسها مكتملة، عقائدياً على الأقل، وقد لمستُ ذلك في أكثر من موضع، فهل يمكن تجنّب الرهان على علامات له تتبلور في مكان كحزب الله، هائل الاتساع ويواجه تحديات من كل صنف.
وأخيراً وليس آخراً، فكل ذلك جميل ولكنه ما زال في طور التلمّس، وهو يحتاج إلى الاشتغال عليه من قبل المعنيين به. ليس ترفاً، بل لأن بلورته وإيفاءه حقّه من الخلاصات والتفاصيل شرط للتمكّن من مقارعة الطور الراهن من الموجة البربرية التي يواجهها العالم. أما من يظن أن بإمكانه القيام بذلك لوحده، وبما يملك من أدوات يعتقدها كافية أو جاهزة أو مؤهلة تلقائياً، ومن يريد تأطير النقاش في مجالات تحيط بها المحرمات من كل صوب، فهو يمهّد الطريق للهزيمة أمام تلك البربرية التي تمتاز بتعقيد وذكاء شديدين. أليس يقال أن الهجوم الشامل لتلك البربرية يتطلب امتلاك الذين قرروا التصدي له لجواب شامل؟ هل للشمول معنى سوى ذلك.
* كاتبة لبنانية
الفضائيتان" والرأي العام العربي
"الفضائيتان" والرأي العام العربي
فراس كيلاني
عقب اعلان مقتل ابو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم "القاعدة" في بلاد الرافدين، ونتيجة التغطية المبالغ فيها من قبل قناة "الجزيرة" لهذا الحدث، علق احد المثقفين السوريين بأنه لا ينقص "الجزيرة" سوى ان تعلن الحداد لثلاثة ايام، وتبث القرآن الكريم على "الجزيرة مباشر"...
تختصر هذا الكلمات كل ما يمكن ان يقال عن المدى الذي بلغته حدة المواقف السياسية التي تتبناها القناة الاخبارية الاهم في العالم العربي في التعبير عن مواقفها السياسية، وخصوصا في ما يتعلق بدعمها الخيار الاسلامي على اختلاف اشكاله.
وان كان كثيرون يعارضون خطاب "الجزيرة" التي تحولت – بحسب احد مدراء مكاتبها – الى منبر لـ"حماس" وغيرها من الجماعات الاصولية، فان هذا السبب بالذات هو ما يدفع عشرات الملايين من الجمهور العربي لاعتبارها قناته المفضلة، بالاضافة طبعا لكون "الجزيرة" صاحبة الريادة على صعيد الفضائيات العربية الاخبارية التي كسرت احتكار الاعلام الرسمي العربي واستباحت مقدساته، الى درجة يصح معها وصف العقد الاخير من القرن العشرين على المستوى العربي بعقد الجزيرة.
لكن الخطاب الاعلامي لـ"الجزيرة" الذي لم يكشف عن توجهاته حتى مرحلة متأخرة، وظل متخفيا تحت شعار "الرأي والرأي الآخر" ومقولات الموضوعية والحياد، تعرض لتحد كبير من قبل قنوات اخرى في الاعوام الماضية، يأتي في مقدمها قناة "العربية" الاخبارية المدعومة من المملكة العربية السعودية، وقناة "الحرة" الممولة من الكونغرس الاميركي والتي لم تثبت نجاحا يذكر حتى اليوم بسبب الموقف الشعبي المعارض للسياسة الاميركية في المنطقة.
وكما بات معروفا فقد كان احد اهم اسباب انشاء هاتين القناتين "التصدي للخطاب الديماغوجي" الذي تبثه قناة "الجزيرة" والذي تسبب بقطع "شعرة معاوية" على صعيد العلاقات السعودية – القطرية ودفع وزراء الاعلام في دول الخليج العربي الى حض المعلنين على مقاطعتها، وكاد ان يتسبب بقصف مقر القناة في قطر من قبل قوات التحالف نتيجة ما اعتبرته تغطيتها "المتغطرسة والمتحيزة" للحرب في العراق.
في العام 2003 حين بدأت قناة "العربية" بالارسال كان الجمهور العربي قد ارتبط مسبقا بقناة "الجزيرة" لكن "العربية" التي اطلقت مدعومة برأس مال اولي يبلغ 300 مليون دولار، وبجدول اعمال واضح عبّر عنه مالكها الوليد الابرهيم بـ"التخلص من عقلية طالبان"، استطاعت تحقيق انجازات كبيرة – والحديث هنا يتركز على الفضائيات– تحسب لها على صعيد المساهمة في ما يمكن تسميته "عقلنة الرأي العام العربي" عبر مخاطبة الــعــقول ولــيــــس الـــعـــواطف التي لطالما تحكمت فيه طوال العقود الماضية.
ويمكن تلمس ذلك من خلال مقاربة مواقف الرأي العام العربي من ملفات كان مجرد ابداء الرأي فيها قبل سنوات ضربا من الكفر يجر على صاحبه ويلات كبيرة، كالموقف من "العمليات الانتحارية" داخل اسرائيل، او عمليات المقاومة في جنوب لبنان، والموقف من "حزب الله" واتضاح ارتباطه بايران، وكذلك تغير الموقف من ايران من دولة مساندة للعرب في مواجهة المشروع الصهيوني الى مشروع امبراطوري يتسلح بكل انواع الاسلحة بدءا بالتشييع وانتهاء بالنووي للسيطرة على المنطقة. وغير ذلك من الملفات الاخرى التي لا تقل اهمية كالنظرة الى دول الخليج والاسلام السياسي وخيار السلام وغيره.
وبغض النظر عن مواقف بعض الدول العربية والحركات والاحزاب التي تدور في فلكها من قناة "العربية" والتي دعت القائمين عليها لتغيير اسمها الى "العبرية"، فان نجاح هذه القناة ببرنامجها المعلن في استقطاب جزء كبير من الشارع العربي، وانقسام هذا الشارع بحسب العديد من استطلاعات الرأي بين القناتين الاخباريتين الاهم، يحمل العديد من الدلالات والمؤشرات، فهذا الانقسام هو انقسام سياسي بين مشاريع ورؤى سياسية لما يجري في المنطقة، خصوصا وان لكل من قناتي "العربية" و"الجزيرة" مواقفها المعلنة من الملفات المطروحة على الساحة العربية اليوم، وهذه المواقف هي انعكاس للتناقض في المواقف السياسية من القضايا المذكورة من قبل المال السياسي الذي يقف وراء هذه المحطات.
وبالتالي يصبح حجم المشاهدة معيارا مهما لاستطلاع رأي الشارع العربي الذي لا رأي له حتى اليوم تجاه ما يجري في المنطقة، وكذلك دليلا واضحا على حيوية هذا الشارع واستعداده لتغيير آراءه اذا ما ادرك عدم صوابها، خصوصا انه لطالما حُمل وزر الخيارات العبثية التي اقدمت عليها بعض الانظمة العربية منذ الاستقلال وحتى اليوم.
والمعيار اليوم يشير الى ان ثمة تطور كبير في حجم المشاهدة لصالح قناة "العربية" التي عملت منذ البداية على "تأمين بديل اكثر حكمة وتوازناً" من قناة "الجزيرة".
وعلى العكس مما يبدو للوهلة الاولى من ان هذه المحطات تساهم في التشظي السياسي والثقافي الذي يعانيه الشارع العربي اصلا، فانها في الواقع تعيد صياغته في اتجاه اكثر عقلانية عبر زعزعة الافكار التي تحفر عميقا في وجدانه، عله يساهم في مرحلة لاحقة في عقلنة الخيارات السياسية العربية لبعض الانظمة والحركات التي تقودنا مع خيارها الاصولي نحو التهلكة.
فراس كيلاني - دمشق
(كاتب سوري)
أزمة أولويات أم أزمة نظام .. ؟
أزمة أولويات أم أزمة نظام .. ؟
بدر الدين شنن
لم يكن من المتوقع لدى المهتمين بالحالة السورية عن كثب ، أن يقدم بشار الأسد ، في خطاب القسم الثاني أمام مجلس الشعب ، جديداً يتجاوز فيه نفسه ونظامه ، ويتجاوب مع ا ستحقاقات ملحة في مسائل الحريات الديمقراطية والوضع الاقتصادي وبناء دولة المؤسسات والقانون ، ويتقاطع مع مطالب المعارضة ، حول إنهاء احتكار السلطة والسياسة ، وكافة ما يتعلق بذلك من آليات قهرية وحرمانات واعتقالات ، وحول ما أطلق عليه " الاصلاح " عنواناً " للتغيير الانتقالي التدرجي " . وذلك لعدم توفر عوامل ضغط جماهيرية تجبره على ولوج خيارات أخرى غير القمع في معالجة تلك المسائل
ولهذا انطلق بشار الأسد في خطاب القسم الثاني ، من أن النظام السياسي القائم ، المثير للجدل على خلفيات بنيته الاستبدادية الشمولية ، أو أدائه الاقتصادي لصالح ثراء طبقته الرأسمالية السلطوية على حساب المصالح الوطنية والطبقات الشعبية ، هو الفضاء الشرعي الوحيد المتاح لمن يريد أن يسبح في فضاء السياسة ، موالياً أو مسقلاً أو " معارضاً إيجابياً " . والسباحة خارج هذا الفضاء يعني الفناء أو العدم ، ومن أن الالتزام بالوطن " المبعث " تحت هيمنة " الحزب القائد " والمشخصن ، بتماهي الوطن والحزب بشخص الرئيس القائد للحزب والدولة والمجتمع ، هو الحد الفاصل بين الحياة والموت في السياسة .. وربما الحد الوجودي ايضاً
وعلى مقاييس هذا المنطلق فصل " الرئيس " خطابه وصاغ مفاهيمه ، وا ستخدم منبر مجلس الشعب ليحلق في الفضاء السوري مؤكداً على ثوابت النظام الد ستورية وأطره الاستبدادية ، وناثراً وعوداً ومفاهيم مكررة للحكم والدولة ، وطارحاً سلم أولويات مضطرب متعثر . ولهذا كان من البديهي أن تشكل مقررات المؤتمر العاشر لحزب البعث الحاكم خلفية خطابه ، وأن لا يتضمن هذا الخطاب ، سواء في القسم المكتوب منه أو المرتجل ، كلمة واحدة عن التعديل الدستوري أو حالة الطواريء والأحكام العرفية ، وعن الاعتقالات والمحاكمات التعسفية المتواصلة وخاصة لنشطاء الرأي وحقوق الإنسان ، وليؤكد أن المطالب بتحرير الإنسان السوري من وصاية وهيمنة " الحزب القائد " ، وبناء نظام وطني ديمقراطي تسوده المساواة في الحقوق والواجبات ، ليس بوارد لديه الإجابة عليها أو الاستجابة لها ، وأنه مازال يعتبر الآخر غير البعثي السلطوي ناقص الأهلية الإنسانية والسياسية والوطنية ، حتى يقبل هذا الآخر الانضواء تحت قيادة " الحزب القائد " ، ويصبح جزءاً من آليات النظام ضد من يتمسك بحقه برأي مغاير وتصور آخر وطني ديمقراطي في إدارة الدولة وبناء الوطن
ولعل أبرز ما يلفت في الخطاب ، هو أسلوب عرض " الرئيس " لأدائه في الدورة الرئاسية الأولى ولأدائه المقبل في الدورة الثانية . فهو يستخدم التهويل بالحروب حوله تارة ، والتركيز على تفاصيل أمنية تارة أخرى ، لتبرير تأجيل تنفيذ الوعود أو القرارات أو لإعادة ترتيب الأولويات . ويستخدم الاحتلال الأميركي للعراق مشجباً يعلق عليه نواقصه الاقتصادية وأخطائه السياسية وممارساته القمعية . زاعماً بما معناه ضمناً ، لو أن هذا الاحتلال لم يكن لاستطاع أن يحقق أداء ما وعد به في خطاب القسم الأول ، وخاصة في مجال الإصلاح في حقوله المختلفة
وهنا دخل في لعبة ترتيب الأولويات ، متناسياً أن ضربه لربيع دمشق ، وا ستبداله لمفهوم الإصلاح من سياسي إلى اقتصادي إلى إداري وتجميده ، قد تم قبل الاحتلال الأميركي للعراق . وإذا كان من أثر ما لهذا الاحتلال على الوضع السوري ، فهو أنه منح النظام فرصة ا ستغلال المخاطر المحيقة بالمنطقة ، التي جسدتها غطرسة وعدوانية بوش ، ذريعة للتهرب من المطالب الديمقراطية ومن حاملي برنامجها وشعاراتها
على أن كل ما حصل وما سيحصل من تداعيات شرق أوسطية لايلغي أولويات الاصلاح الديمقراطي المطلوب تحقيقها في البلاد ولايعدل جوهرياً في ترتيبها . وإنما يلح ، إذا أحسنا النوايا ، على أهمية ترتيبها المنطقي وأهمية تحقيقها لمواجهة تلك التداعيات التي جرت والتي ستجري لاحقاً في المنطقة
وحتى لانتهم بالغباء عندما نضع الحصان وراء العربة ، فإن ما هو مطلوب أولاً هو إلغاء المادة الثامنة وأخواتها من المواد الأخرى في الد ستور المعوقة للمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ، وإعادة النظر في حالة الطواريء والأحكام العرفية ، بحيث تقتصر على مناطق الحدود مع العدو وفي حالة الاشتباك معه ، ورفعها بالمطلق من ميدان الحقوق المدنية والسياسية في الداخل . وهذه الأولوية إذا تحققت يمكن أن تتفاعل موضوعياً مع ترتيب الأولويات في المجالات المتعددة الأخرى .. الاقتصادية والإدارية والأمنية وغيرها
واللافت أن " الرئيس " يطلب المزيد من الوقت حتى تتمكن أولوياته المختارة من مواجهة الحكم عليها . والسؤال هنا : إذا لم يكن هناك شفافية إعلامية وسياسية ونقابية متحررة من سيطر الاستبداد والقمع ، فكيف سيتمكن المواطن من متابعة تطبيق هذه الخيارات ، على افتراض أنها خيارات صحيحة ، وكيف سيتمكن من تقويمها إذا حصل انحراف فيها لوقف مضارها ، سيما وأن المسألة تتعلق بأهم حقول المصير الوطني في السياسة والاقتصاد والمال العام والثروة الوطنية ؟
ولدينا كمثال ، في سياق خيار الأولويات ، هو خيار اقتصاد السوق ، الذي يجري قدماً تطبيقه مع ملحقاته في الخصخصة الشاملة ورفع الدعم الحكومي للمواد المعاشية الأساسية ، ضمن عقلية الإمعان في الاستبداد ، أي الإمعان في إطلاق حرية سوق البضائع والرساميل دون حرية سوق العمل ، أي دون الحريات الديمقراطية والنقابية . فهل على المواطن الانتظار عشر سنوات مكبلاً بآليات الاستبداد الأمني والسياسي والاقتصادي ليأخذ هذا الخيار أبعاده التدميرية الكاملة .. فوضى اقتصادية شاملة .. فقراً أكثر سواداً .. أزمات أكثر .. وأكثر تعقيداً .. حتى يسمح له ، إذا سمح له لغاية في نفس يعقوب ، بالاحتجاج لوضع حد لمافيا الرأسمالية السلطوية الحاضنة الرئيسية لهذا السوق ؟
وفي هذا السياق تناول الخطاب مسألة الفساد ومكافحة الفساد من وجهة نظر أنها مسألة إدارية وأخلاقية وتربوية ، مبعداً إيّاها قسراً عن الحالة الاقتصادية وعن السياسة .. وعما هو أهم .. عن بنية النظام الد ستورية وماهيته الأخلاقية ، وتغاضى عن أن قمة هرم الفساد هي أن يكون الحزب الحاكم بالقوة فوق الناس جميعاً ، وأن يجرد هذا الحزب الشعب بالقوة من حقوقه في اختيار حكامه ومصالحه ومصيره ، ما يخلق .. وقد خلق فعلاً مناخاً حكومياً وسياسياً وأخلاقياً لتعميم الفساد من قمة الهرم حتى قواعده ومربعاته التحتية الاقتصادية والإدارية ، وقد فاقمه بتسارع واتساع فلتان الأسعار والغلاء والتمايزات الطبقية الحادة وتردي الوضع المعاشي وضعف القدرة الشرائية للرواتب والأجور . بمعنى أن الفساد مسألة .. هي بالدرجة الأولى .. مسألة سياسية بامتياز .. ومن ثم اقتصادية .. إلى نهاية التواليات المتفرعة عنها
لقد حاول الخطاب البرهنة على صحة ربط العلاقة بين ، الاستبداد والوطنية ، الديمقراطية والدمار ، اقتصاد السوق والنهوض الاقتصادي ، ثراء الطبقة الحاكمة وتحسن المستوى المعاشي للمجتمع ، وركز على ربط وإعادة ترتيب الأولويات بالأمن والاستقرار أي باستدامة النظام . في حين أن مصلحة البلاد ومعايير العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تطرح وجهة نظر أخرى مغايرة في تلك العلاقات المتناقضة وهي تقوم على ربط العلاقة بين ، الوطنية والديمقراطية ، الاستبداد والدمار ، الاقتصاد الوطني المعتمد على قطاع عام متطور والنهوض الاقتصادي ، ربط الأجور بالأسعار ورفع القدرة الشرائية في المجتمع وخاصة للطبقات الشعبية والتوازن الإنساني العادل بين كتلة الأجور وفائض القيمة في الناتج الإجمالي الوطني والرفاه المتوازن في المجتمع
وكيفما كانت الظروف ، فإن الأولويات المحرم التلاعب بها ، وإنما وضها دائماً في مقدمة الأولويات هي ، مسألة تحقيق المساواة بين المواطنين وتمتعهم بكرامتهم وبحقوقهم الديمقراطية الكاملة .. التي وحدها تؤمن التكافل الاجتماعي وتبني الاقتصاد وتبدع الثقافة والحضارة ، وتؤمن الاستقرار واستدامة الكيان الوطني .. الذي هو فوق كل الأنظمة العابرة ..
الحوار المتمدن
2007 / 7 / 24
رداً على خطاب القسم
رداً على خطاب القسم
محمد مأمون الحمصي
خاص – صفحات سورية –
قال تعالى: (( لا تحسبنّ الذين يفرحونَ بما أوتوا ويحبون أنَ يُحمَدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنّهم بمفازةٍ من العذاب ولهم عذابٌ أليم)). صدق الله العظيم.
أيها الشعب السوري العظيم:
سمعتُ خطاب القسم الذي ألقاه “الرئيس” المجدد لنفس قسراً لرئاسة الجمهورية، ووجدت أن من واجبي أن أوضح الحقائق ببعض البراهين والوقائع والحجج التي أملكها، وإنني أدعو الله ألا أكتب أو أعبر بحقدٍ من خلال الجراح والآلام التي تعرضت لها مثل كثيرين من السوريين.
إن مقدمة الخطاب قد حملت جملاً إنشائية كثيرة ومنمقة لكنها بعيدة عن الحقيقة والواقع الأليم. وهي تقع بين سوأتين: السوأة الأولى إفتقاد المُقسم للمعرفة بواقع سورية وآلامها، السوأة الثانية إستخفاف المُقسم بعقول وأحاسيس الناس.
الصمود والإستقرار:السؤال هنا من زج بسورية بمغامرات وقرارات جلبت الويلات؟ من فرض على الشعب اللبناني رئيسا قسرياً؟ من هو المتهم الأول في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه؟ من المسؤول عن القرار 1559 ؟ من هو المسؤول عن خروج الجيش السوري بذلك الشكل....؟ من أعطى حماية وحصانة لكبار ضباط الاستخبارات والذين خربوا سمعة وكرامة الجيش والشعب بفسادهم العلني واختلاساتهم المروعة؟
أليست الفوضى العارمة في المنطقة من مسؤوليته؟ أليس هو أهم مؤسس وداعم لها.
البلد السليم المعافى: هل من المعقول أن بلداً يسيطر عليه ألف فرعٍ ومفرزة للمخابرات وهى في كل مدينة وقرية وشارع هو سليمٌ معافى؟ هل الرعب والبطش والخوف هو عافية؟
الصراحة: أما كلامه عن بناء العلاقة على أساس من الصراحة؛ مثيرٌ للدهشة والاستغراب... ألم يُحكَم كبار المفكرين والمثقفين السوريين بأحكام قاسية لإبدائهم آرائهم بجزء من الصراحة؟ وبشكل سلمي وفي قضايا وطنهم. ألم يعبر بعض طلاب الجامعات عن تطلعهم إلى الحرية المسؤولة فماذا كان مصيرهم؟ السجن لمدد طويلة دمرت مستقبلهم وملأت قلوب أسرهم بالحرقة.
التطوير والتنمية:عمد المجدد لنفسه إلى اتخاذ إجراءات سخّر بها هذا "التطوير" لخدمة العائلة فسلب بها الموارد الهامة كالنفط والخلوي والمناطق الحرة والبنك العقاري ومدينة المعرض ، وبهذا ازدادت هموم الشعب وازداد فقره، ما أدى لتقلص الطبقة الوسطى لصالح الطبقة الفقيرة، وهذا هو مفهوم التطور في سنوات الولاية الأولى.
الوضع المعاشي: لقد أصبحت معاناة الشعب السوري والزيادة في أعبائه والإنهاك للموظفين وصغار الكسبة وأصحاب الدخل المحدود واضحة، وما تؤكده تقارير الأمم المتحدة أن 25% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر.
أما الزيادات المزعومة فقد أصبحت بلاءً مرعباً لأن أياً منها رافقها ارتفاع أسعار الكهرباء، الماء، المواد االتموينية المعاشية الأساسية ـوالتي وصلت الضرائب عليها إلى 35% ـ، الأدوية، المحروقات، الإسمنت، يفوق حجم الزيادة عدة مرات.أما الضرائب التصاعدية المفروضة على المواد الغذائية هي أكبر من مثيلاتها في الدول المجاورة بشكل ملحوظ. فلو اقتطعت الدولة راتب الموظف أو العامل سداداً لنفقات الكهرباء والماء والنقل والطبابة والتدفئة لما بقي له من هذا الراتب ما يأكل به، مما دفع الشريحة الكبرى من العاملين في الدولة إلى عمل إضافي لا يكفي بدوره سداداً لثمن ثلاث وجبات "فلافل" لعائلة من ستة أشخاص.
الأحداث المأساوية: إن هذه الأحداث نتيجة خطة مبرمجة من قبل النظام. ثبت أن تصنيعها ورعايتها وتصديرها من فعله. فالحدود التي يدّعي عدم السيطرة عليها؛ جعلها منافذ للانتحاريين والسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة إلى العراق ولبنان.ولقد كان التلفزيون السوري راعيا أول للإرهاب، ومحرضا أولاً لشبابنا عليه. إن خيار الفوضى وحمام الدم في المنطقة، هو خياركم (أيها “الرئيس”) من أجل التصدي لرياح التغيير التي شعرتم بخطرها.
مطالب المجتمع الدولي: إن حد يث رأس النظام عن مطالب مستمرة للمجتمع الدولي يتركز في مطلب واحد، هو عدم التدخل بشؤون الدول المجاورة وعدم تصدير الأسلحة والإرهابيين وعدم تأجيج الغرائز والعنف الطائفي؛ وذلك لما فيه من خطر على الاستقرار الدولي. ولم نسمع يوماً أن المجتمع الدولي يريد ثروات سورية و سيادتها. أما رد “الرئيس” على اللقاء مع مسؤول غربي يحمل مطالباً إلى النظام لتنفيذها كدولة عظمى ردٌ محق؛ وعلى مجلس الأمن ـ في حال خصص مقعداً دائما للإرهاب ـ أن يكون من نصيب النظام السوري فهو الأجدر به.
القرارات الدولية: إن استهزاء “الرئيس” بقرارات الشرعية الدولية، وبالذات المدرجة منها تحت البند السابع، وادعائه أن مجلس الأمن لم يبقَ إلا أن يصدر قرارات تمنع دعم الفقراء السوريين لأنه دعمٌ للإرهاب، لا يتماشى مع تمسكه بالقرارات الدولية والتي يعتبرها نزيهة والتي تخص سورية وفلسطين و إسرائيل ، وهذا ما يبين التناقض في خطابه، وإفتقاده للمصداقية واصطفافه ضد القرارات المعادية للإرهاب.
اللقاءات السرية والمفاوضات:ظهر في خطاب "“الرئيس”" اللّينْ تجاه إسرائيل وظهر تنكُرهُ لكل المباحثات واللقاءات السرية التي أجريت بأمره وأصبحت واضحة أمام العالم، ذلك في محاولة منه لاستعادة الثقة بعد أن انكشفت أخبار هذه المفاوضات. لقد أراد خلط الأوراق وادعى أنه لن يُقدم على أي خطوة قبل الرجوع إلى الشعب، هذا ما لم ولن يحصل.
التطوير الإداري بكوادر جديدة وللمرحلة القادمة:
إننا سنعطي أكثر من مثال على أن التطوير المذكور فاقد للمصداقية ومؤدٍ لعكس مفهومه.
فنبيل الخطيب الذي شغل منصب رئيس محكمة الأمن الاقتصادي، وأصدر أقسى الأحكام بتاريخ القضاء السوري، وعقد أكبر صفقات الفساد؛ كآفأه النظام بتكريمه في الولاية السابقة وزيراً للعدل، ليساهم أكثر في تخريب القضاء.
جاء التطوير الإداري الآخر بتعيينه في أهم مؤسسة دستورية وهي مجلس الشعب.
إن التطوير الإداري كما أراده “الرئيس” ويعمل عليه، يحمل في طياته سموم الفرقة والتمايز بين أبناء الوطن الواحد لأنه يعطي أولوية لفئة على حساب باقي الفئات وذلك في الجيش وأجهزة الدولة الأمنية والإدارية بكافة أشكالها.
مكافحة الفساد: إن كلام “الرئيس” عن مكافحة الفساد وعن خلو الطبقات العليا في السلطة من الفاسدين يكاد يكون أكثر النقاط كذبا وتضليلا، في محاولة فاشلة منه للضحك على عقول السوريين الذين ما فتئوا يسمعون عن ملفات وإمتيازات عائلته. أما كلامه عن أن التربية السيئة للمواطنين هي السبب في إنتاج الفساد والمفسدين فهو كلام مرفوض، فالشعب السوري لم يكن فاسداً يوماً، بل إن وصول هذه الطغمة الفاسدة إلى الحكم، ممن سهّل الفساد وروّجه وضيّق الخناق على الشرفاء الرافضين الدخول إلى هذه الدائرة، إضافة إلى التغييب المتعمد للمحاسبة ـ بالرغم من وجود نص قانوني بها: من أين لك هذا قانون 1958ـ هو من عزز الفساد، وعزز مواقع الفاسدين والمفسدين (الفاسد المناسب في المكان المناسب).وحديثه عن إشراك الإعلام في الحملة ضد الفساد كذبة كبرى، فمن منع الإعلام من لعب هذا الدور، ومن أصدر الأوامر بإغلاق صحيفة المبكي لنشرها تقريرا عن اختلاسات محافظ حمص إياد غزال(عجز بمبلغ 55 مليون ليرة في إحدى المشاريع، ومكآفأة لصحيفة أجنبية بمبلغ 60 ألف دولار لإجرائها مقابلة معه)، من حاول رشوة الصحيفة (المبكي) بحجم كبير من إعلانات المحافظة لئلا تنشر التقرير، ومن استخدم المخابرات في ترهيبها ومداهمة مكتبها عندما رفضت، من منع صحيفة المال من التداول لأسباب مشابهة (نقد الفساد والفاسدين والمفسدين)، جميع الخطوات السابقة على سبيل المثال لا الحصر تدخل ضمن خطة “الرئيس” في مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين والمفسدين.
اللغة العربية: إن الحرص على اللغة العربية حديثٌ مكشوف الأهداف والنوايا، فالتغني بالقومية العربية واللغة العربية وحتى يكون حقيقا لا بد له من أساس في السلوك والبرامج. وهو لا ينطبق على رئيس وقف وشتم وحقّر القادة العرب، وأطلق حملة إعلامية بمختلف الوسائل وأبرزها المواقع الإلكترونية الإستخباراتية؛ لتحريض الشعوب العربية على قادتها، وكذلك لا ينطبق على رئيسٍ شغل كثيراً من وقته في شرخ الصف العربي.
لماذا لم يذكر “الرئيس” في خطابه كلمة واحدة عن حلفه الإستراتيجي مع إيران؟؟إن هذا الحلف وبرنامجه يتم خلافاً لرغبة الشعب ومصالحه، ويشكل عبئاً عليه وعلى سورية، وعلى حساب الأشقاء العرب.فالمعلم الذي يقوم بأهم دور تربوي يعيش تحت خط الفقر، ويعمل بعد دوامه سائق تاكسي وما شابه من أعمال ليسد رمق أسرته.
إن الإشارة لأهمية التعليم واللغة العربية لوزير التربية، كانت إشارة خاطئة والأولى أن توجه إلى وزير المالية لإعطاء المعلمين حقوقهم المسلوبة حتى يتم بناء الأجيال بشكل عربي سليم.
المشاركة السياسية:أكد المجدد لنفسه، أن هناك مشاركةً سياسيةً وتوسيعاً للديمقراطية، وما أبطل هذا الحديث: أن الشعب السوري ليشارك سياسياً يكفي رئيسه أن يضم إلى أحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية" التي أثبتت فشلها على مدار 37 عاما، أن يضم إليها، فئة منشقة عن حزب لا يزيد عدد أعضائها عن عشرات الأشخاص. وكدليلٍ على زيف المشاركة السياسية تم إغلاق الصحيفة الوحيدة الناقدة بإعتدال "الدومري".إن عشرين مليون سوري غير مسموحٍ لهم أن يشاركوا سياسيا حتى ولو بصحيفة واحدة ناقدة تمثل توجهاً سياسياً معارضاً!!.
إن المستقبل الواعد للمشاركة السياسية برهن عليه “الرئيس” بالأحكام التي صدرت على د.كمال اللبواني، د.عارف دليلة، والمفكر ميشيل كيلو، والمحامي أنور البني، والناشط الحقوقي محمود عيسى، والأستاذ رياض درار، والأستاذ فائق المير، والمهندس نزار رستناوي، والأستاذ حبيب صالح، والمعتقلين من الأخوة الأكراد، وطلاب وشباب الحرية: طارق الغوراني، وماهر إسبر، أيهم صقر، علام فاخوري، دياب سرية، حسام ملحم، عمر العبد الله، وما صدر وما يزال من أحكام جائرة بحق الآلاف من سجناء الرأي والضمير في سورية، ويبرهن عليه أيضاً تعاظم قوائم الممنوعين من السفر خلال ولايته الأولى لحدٍ لم يسبق له مثيل، لتطال إضافةً إلى السياسيين، المحامين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، منهم وعلى سبيل المثال المحامي والقاضي السابق هيثم المالح، المحامي حبيب عيسى، والمحامية الناشطة رزان زيتونة، والمحامي خليل معتوق، والمحامي فيصل بدر.
التطوير الإقتصادي: إن التطوير المزعوم قد سخّره النظام لمصلحة العائلة، ونشير هنا إلى الطريقة التي أخرج فيها شريك عربي مصري من مشروع الهاتف الخليوي، بعد أن ابتلعت العائلة أمواله، ولم تُعدَ إليه إلا بتدخل من الرئيس المصري.
ـ إن سعي الإقتصاديّ الصناعيّ الأول النائب السابق رياض سيف الحثيث لتطوير الإقتصاد الوطني الحر، الذي نال أهم جوائز الجودة الدولية؛ واجهه النظام بتدمير مشروعه والعمل على إفلاسه وسوقه إلى السجن خمس سنوات، ومنعه بعدها من السفر حتى للعلاج.
ـ إن القانون 24 فرض عقوبة السجن على كل من يخرج أموالا من سورية مهما كانت الأسباب ولو للعلاج الصحي؛ إن هذه العقوبة الجزائية أصبحت منسوخة من قوانين دول العالم الإقتصادية.
القضية الكردية:
واضح من خلال الخطاب أنه يعترف بالمأساة الكبيرة والظلم الذين لحقا بالكورد وخلال سنوات طويلة وبعد أن أعطاهم شهادة في الوطنية؛ واضح زيف هذا الإعتراف.
كيف يقبل على نفسه أن يقول أمام العالم وفي أهم مؤسسة دستورية أنه قد قابل شرائح كثيرة في القامشلي وسمع همومهم، ومرت خمس سنوات ولا يزال يعطي الوعود اللفظية فقط.
أما المكتومون فقد بشّر بأنه لا علاقة له بهم، أين كانت الدولة حين دخلوا ـ كما يدعي ـ وأقاموا وأنجبوا عبر عشرات السنين، هل الحل عنده أن ينقلوا إلى كوكب آخر؟؟.
التشريعات:
إن إصدار التشريعات وعدم تطبيقها دليلٌ أكيد أن البلاد تعيش في حالة فوصى وضياع وتؤكد أن الدستور قد أصبح معطلاً.
إن أي مشروع قانون يصدر عن مجلس الشعب واجب التنفيذ حين صدوره، وأي خرق أو عرقلة تطاله العقوبة الجزائية.
إن المثل الذي إستخدمه حول شق الطريق والعقبات هو دليل على أن مجلس "الشعب" خرج عن إختصاصه في بناء دولة القانون إلى شق طرقات قابلة للإصلاح كل يوم وإلى عدم التطبيق.
أيها الشعب العظيم، عرباً وأكراداً، أتقدم منكم ببالغ الإعتذار والأسف على ردي بالحجة والبراهين، وإنني أعلم أنكم قادرون وستعيدون بناء سورية بعزيمة جبارة بعد أن يعود الوطن المسلوب قسراً إلى أهله مهما كانت الصعاب والجراح.
النائب السوري السابق
محمد مأمون الحمصي
الإفراج عن صحافي سوري بعد سجن 5 سنوات
الإفراج عن صحافي سوري بعد سجن 5 سنوات
أفرجت السلطات السورية عن الصحافي أنور ساطع اصفري لقضائه مدة الحكم البالغة خمس سنوات في سجن صيدنايا "قرب دمشق " ثم أصدرت الأجهزة الأمنية مذكرة بمنعه من السفر.
وأعلنت المنظمة الوطنية لحقوق الانسان في سوريا في بيان ، تلقت ايلاف نسخة منه ، ان جهاز امن الدولة كان قد اعتقل اصفري في 20-7-2002 وأودعه سجن المزة لينقله فيما بعد إلى سجن صيدنايا بعد إحالته إلى محكمة امن الدولة العليا بدمشق التي حكمت عليه بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة الانتساب إلى جمعية سرية تهدف إلى تغيير كيان الدولة الاقتصادي والاجتماعي سنداً للمادة /306من قانون العقوبات ، وطيلة فتره اعتقاله لم يسمح لذويه برؤيته أو زيارته.
وكان الاصفري "مواليد 1959" قد اعتقل سابقا منذ عام 1977وحتى عام 1991بتهمة انتمائه لبعث العراق مع أنه كان يعمل في صحيفة الثورة الرسمية وجريدة الجماهير الرسمية ، وبعد خروجه من المعتقل سافر للإمارات وعمل مع بعض الصحف الخليجية وإذاعة صوت العرب و مجلة الإماراتي وفي صحيفة شؤون ثقافية ليستقر أخيرا في " أخبار العرب " كسكرتير تحرير تنفيذي وتم اعتقاله بعد فترة وجيزة من زيارته لسورية أثناء إحدى إجازته الدورية .
وطالبت المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان السلطات السورية بالسماح له بالسفر كون منعه لم يتم بناء على مذكرة قضائية .
الصحافي انور اصفري يعيش في مدينة حلب شمال سوريا وكان الافراج عنه اول من امس .
يذكر انه مازالت السلطات السورية تحاكم الصحافي مهند عبد الرحمن في محكمة عسكرية بعد اجرائه عدد من اللقاءات .
2007 الثلائاء 24 يوليو
إيلاف
من أين جاءت حركات الأسلمة ؟ وماهي الأسباب التي ساعدت على وجودها؟
من أين جاءت حركات الأسلمة ؟ وماهي الأسباب التي ساعدت على وجودها؟
فلورنس غزلان
خاص – صفحات سورية –
ثقافة اللون السياسي الواحد، ثقافة القمع والاستبداد، ثقافة الصمت والخوف، ثقافة الموروث العاصي على التطور والحداثة...كلها أسباب تؤدي إلى سيادة وانتشارا العنف والإرهاب.
هذه الثقافات على تنوعها تجعلنا غالب الأحيان نصاب بالإحباط واليأس، لشدة ما نراه ونلمسه من ظواهر العجز أمام إفرازات وولادات مشوهة تخلفها هذه الثقافات، لكن رغم ضعف الحيلة وندرة المصادر والقوى الصادقة والمنسجمة مع قناعاتها والممارسة لها فعلا ...لا قولا، يظل إيماننا بأن هذه الشعوب المسماة عربية ...والتي ملكت نصف الكرة الأرضية يوما...ونشرت العلم والثقافة..وبنت حضارة إنسانية يحق لها أن تفخر بها، لكن لا يحق لها أن تعيش فقط على اجترار الماضي والتغني به...ودفن الحاضر والمستقبل وإلقاء الأعطال والأمراض والعوائق على الآخر ...دولا وشعوبا .. حيث تمتد أذرعة العنف لتطال حتى الشعوب البعيدة عنا....وننشر فيها رعبنا باعتبار أن الإرهاب لا يعرف الحدود ، بل يعرف الانتقام ممن يوقع عليه إحباطا ته وفشله وهدر كرامته وإنسانيته المنقوصة فوق أرضه بالذات...هذه الحملات المرعبة ، التي تحمل لنا الموت ...تقتل من أبناء الشعب عشرات ومئات من أجل قتلها لأمريكي أو إسرائيلي واحد!!.
هذه الحركات ذات الطابع والوجه الإسلامي المشوه، تنبت بيننا كالفطر ولابد لنا من البحث عن هوياتها المبهمة ومرجعياتها الأصولية ، وارتباطاتها السياسية، وعوامل نشأتها والبيئات الصالحة ، التي تغذيها بعناصر قوتها وفعلها الضارب.
لم تنشأ هذه الحركات من الغيب ولم تأت من عالم آخر ..وجدت لها تربتها الصالحة بين ظهرانينا، وتتغلغل يوماً بعد يوم وتزيد من نشاطها..ربما تكون ابنة زمن آخر ..أو ثقافة لزمن غابر يعود ليحيا من جديد، بل يريد إعادتنا لعصر انقضى ونأمل ونسعى إلى إبطال مفعول ثقافته..
الموجع في الأمر ، والذي حدا بي لطرح هذه النقاط على بساط البحث، رغم تناولنا لبعض مظاهر العنف لأكثر من مرة لكن دون التعمق بما نأمل أن نقوله اليوم..جاء نتيجة لخيبة أملي ببعض الأقلام، التي تدعي العلمانية وتحرص على نشرها..إنما تخطيء الطريق والأسلوب، فتحارب بعصا التطرف وتقاتل بنفس الوسائل والأساليب التي تعيب على أصحابها. إتباعها.....ولم تكتف بتطرف الطرح ، وإنما ما يخيب ..هو أنها أثبتت بالتجربة ومع تتابع الوقائع والأحداث فوق الأرض العربية برمتها... أن نشأتها المذهبية غلبت قناعاتها الأيديولوجية وفلسفتها العلمانية، بل وصل الحد إلى انحرافها عن مسارها ودفاعها المبطن وأحياناً المفضوح والمستتر ببرقع شفاف يبرر له خيانته لإيمانه العلماني!!.
فراح يدافع عن أنظمة الاستبداد بحجة الخوف من سيف الأسلمة...أو بحجة العرقنة!!!( نسبة للعراق).
لهذا فوجود الحجاج فوق الرؤوس هو الحل للحفاظ على وحدة الوطن!!!!
وبهذا يخدم أنظمة الاستبداد ويساهم بالإبقاء عليها...يصل الحد بالبعض إلى أن يعزي تدهور الأوضاع وعقم الطرق وانحسار الأمل أو ضعفه، إلى أن الأزمة" هي أزمة شعب، ووجود الحجاج ضروري لعلاج هؤلاء الرعاع " !!!!!!!.
بدلا من القول أن الأزمة هي : ــ أزمة أنظمة استبدادية، وأزمة انعدام حرية، وأزمة انعدام عدالة اجتماعية وسياسية...وفي النهاية والأهم..هي أزمة انعدام عدالة لقضايانا العربية في المحافل الدولية وخاصة على أيدي الدول الكبرى المنادية بالعدالة والديمقراطية وتأخذ على عاتقها مهمة نشرها بالقوة وإعلان الحرب واستتباب الأمن والسلام في العالم على أيدي هذه الدول المتحضرة صانعة قوانين حقوق الإنسان، والمسيطرة على القرارات الدولية ، التي من المفروض أن تنصف الشعوب المقهورة!.
ماعلينا إذن إلا استيراد شعب آخر وأن نطلق اليد لحجاجينا فيعملون القتل والتقتيل ونشكر لهم مسعاهم...وهنا يحضرني قول المرحوم ( الشيخ إمام ) حين يطرح على الحاكم بسخريته اللاذعة فكرة الخلاص من الفقراء بالقضاء عليهم.!!...وإحضارنا لشعب متحضر يرتدي البرنيطة أو الكاوبوي هو الحل الأمثل حسب المقترحات العلمانية لنتخلص من الأسلمة أو العرقنة!!...
1ً ـــ منذ عقود وشعبنا ( خاصة في سورية) ، يعيش أزمــــة حــــريــــة...يتناول غذاء ثقافيا وحيد المصدر والمنبع...يتجرعه منذ نعومة أظفاره ومع حليب أمه، وهي ثقافة التبعيث الملقمة للمواطن مع وجباته التربوية ، والتي تعمل على غسله وغسل وجدانه الوطني الطبيعي الذي ولد فيه، ليصبح مربوطاً بقدسية القائد وحزبه العظيم وتتوحد السلطة بالوطن فيحمل المواطن هوية السلطة وكأنها الالتزام الوطني...في سورية اليوم مليوني عضو في حزب البعث...جلهم تبعث ليعيش ـــ لنا في تبعيث صدام حسين خير مثال لمن يتقن الرؤيا والقراءة ولم يصب بعد بعمى النرجسية ، ولا أريد الابتعاد لكوريا الشمالية كمثال آخر ـــ... وأرجو ألا يفهم من حديثي هذا أني أحقد أو لدي شعور بالكراهية تجاه البعث كحزب أو مبدأ، إطلاقا... بل أكن له كل احترام وتقدير، وأعلم أن الكثير من أبنائه سواء داخل الوطن أو خارجه لا يمكن الشك بوطنيتهم ولا بجدارتهم ، كما يمثلون شريحة من أبناء الشعب علينا احترامها والتعاون معها.....لكن ما نتج عن سياسة القائمين على السلطة والمتحكمين بمصير الوطن هو، إقصاء وتهميش للمواطن وحرمانه من حقه في حياة حرة كريمة ومصانة وقانون يحميه ويمثله ...نعيش منذ عقود في دولة يحكمها الفساد وتسودها أيد لا تعرف سوى النهب والخراب...وكي تحافظ على هذه السيادة لابد من وسائل تحميها...فاستخدمت عصا الأمن وأجهزته...ومارست كل وسائل القمع والإرهاب للمواطن..فأصبح المواطن يمثل عدو النظام...وكل خروج على الطاعة هو خروج على المواطنة والهوية الوطنية... وهذا لا ينطبق على سورية والعراق سابقا ، بل يتعداه لبقية الأنظمة العربية ، التي لا تعرف سوى أيديولوجيات الخضوع لسلطة حزب السلطة كما هي الحال في مصر ( العربية...أم الدنيا...) ، منذ وفاة عبد الناصر وقيام الحزب الوطني " حزب السيد الرئيس "، والحال في ليبيا القذافي ويمن عبدا لله صالح ، وتونس ابن علي وأسرته الحاكمة الناهية...ولم أتناول الحال في الممالك ...فالأمر مفروغ منه...ولا داعي للحديث به ولا بإماراتنا العربية ودويلاتنا المرتبطة هنا وهناك..وهذا بالتالي أدى إلى...
2ً ـــ وجود مجتمع يحكمه الخـــــــــوف وصورته الكبيرة المرسومة على الوجوه والمعبرة عن حال الهلع بموقفه السلبي الايجابي بنفس الوقت....الصــــــمــت ، فتجد أن المواطن يخاف من أمور عديدة ويعيش رعبها بكل أبعاده...يخاف من السلطة التي عليه مداهنتها كي يجد عملا.....يخاف من السلطة القادرة على تجويعه وتجويع أسرته ومحيطه....يخاف على حياته وحياة أبناءه كلما خرج أحدهم للعمل والتعلم وممارسة أي نشاط ، حتى لو كان رياضيا أو اجتماعيا ، أو ثقافيا ، فما بالك لو كان سياسيا...ومغايراً لسياسة السلطة!!
يخاف من جاره وزميله وصديقه وقريبه...ويرى فيهم شبح مخبر يتربص به وبكل ما يقول أو ما يبدر عنه من تصرف ... ولا حاجة به ليفهم ما تريده السلطة....فقد قدمت وتقدم وعلى مدى أربعة عقود أمثلة حية ونماذج واضحة لتعلمه الطاعة ، ولتفهمه حدوده كمواطن صالح!!!...فقامت بالزج بالمئات خلف القضبان لكل من يرفع رأسه أو يحاول أن يتصرف كإنسان حر، بل قضت على الكثير من الأصوات وقدمتهم قرابين من أجل بقاءها...واعتبرتهم خونة ومارقين...تمكنت من خلالهم إخضاع الوطن والمواطن
فمنحته الحق بالخرس، جاعلة من أبناء سورية( على سبيل المثال)...شعب ينطق بحساب ..يفتح فمه فقط عند الأكل والتهليل....فاستحق تسمية الشعب الأخرس أو الشعب الصامت....والفارق نسبي بين ما يعيشه الشعب السوري وما تعيشه بقية الشعوب العربية ، بين هامش من الحرية هنا وقمع أكثر سلفية ومصادرة للرأي هناك ...كما هي الحال في السعودية ، والباع الطويلة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...رغم محاولة تحجيمها بعد فضائح القتل التي انتشرت رائحتها هذا العام ...
3ً ــ هذه الأنظمة ووجودها قام ويقوم على تشجيع واستقطاب رجال الدين بمختلف صورهم وأشكالهم، ففي الوقت الذي تشجع السعودية وغيرها على فتاوي القرضاوي، وابن باز، وتمنح البركات لشيوخ الأزهر ليفتوا بكل صغيرة وكبيرة من الأكل باليمنى أو اليسرى، حتى طريقة النوم والمضاجعة...تترك سورية الأبواب مشرعة أمام جمعيات تتستر وراء العمل المجتمعي وتقمع الجمعيات الديمقراطية النسائية المطالبة بإصلاح قوانين الأحوال الشخصية وإصلاح مظاهر الحياة الاقتصادية الخربة وتغلق منتديات المجتمع المدني، تترك القبيسيات يعملن ويزداد عددهن تحت مختلف الذرائع والحجج، كما تعمل على قمع حملة الفكر العلماني وأحزاب اليسار والمعارضة الديمقراطية رغم ضعفها، مما حدا بالمواطن إلى فقدان الثقة بهذه الأحزاب إما خوفا أو لعدم تمكنها من مراجعة برامجها ومسيرتها، كما انعدمت ثقة فقراء الوطن بكل منحى سياسي...وهي ترى الفساد والخراب المعمم وفتح الباب على مصراعيه أمام الحركات الإسلامية لتتلقف بالأحضان الشباب الضائع بين سياسة الإفقار والهزيمة وعدم الثأر للكرامة والأرض المحتلة وانتشار المحسوبية والفساد ونهب البلاد على أيدي دعاة القومية العربية وادعاء العلمانية وهذه الحركات تمولها مصادر قادرة تصرف من أجلها ميزانيات كبيرة وتستخدم بعض العناصر النزيهة والتي تتمتع بأخلاق اجتماعية تقدم خدمات لمواطن يفتقد إليها، كما جرى لحماس في فلسطين ونجاحها نتيجة لفساد فتح ونهب عناصرها التي مازالت مستمرة في رأس الهرم حتى اليوم، وكما جرى لحزب الله في لبنان وخدماته التي يقدمها للمهجرين والأموال الإيرانية التي تضخ دون حساب وتسمى أموال طاهرة ونقية!، والمدارس التي تشترط بالفتاة أن تكون محجبة وبشكل خاص أحيانا تنتمي لنفس المذهب وهذه الأساليب تلعب على الغالب دور الاستقطاب الأكبر لمواطن فقد الأمل بالنظام والأحزاب الأخرى ، كما يحس يوميا بهدر لكرامته الوطنية.، وانعداما للعدالة التي توسمها وأملها على أيدي الدول الكبرى وعلى رأسها ( راعية السلام الولايات المتحدة الأمريكية) ....كل هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى ازدياد نسبة البطالة والفقر والجهل والمرض ...وكلها بؤر صالحة لتكاثر جراثيم السلفية ، وتعميق لهوة الفروق الطبقية ، بل انسحاق وإفقار للطبقة الوسطى المنتجة للكوادر السياسية والثقافية الفاعلة مجتمعياً.
أدت هذه المظاهر لانتشار الداعين والداعيات من رجال الدين المنتشرين والمنتظرين للانقضاض على فرائسهم السهلة ، وقد قدمت لهم ساخنة ..فباتت أحزمة الفقر في المدن العربية، هي المنتج الأول للعنف والإرهاب، كما أن انعدام العدالة بين الطبقات وللقضايا العربية كما سبق وذكرت هو المنفذ الهام لاستقطاب الشباب المتعلم ووقوعه بأيدي صانعي الإرهاب ، فالصراع العربي ــ الإسرائيلي لمدة تجاوزت الستين عاما دون حل على أيدي دعاة السلام والمتنفذين في هيئة الأمم، وتقديم مآربهم ومصالحهم وأطماعهم على حساب حقوق الشعوب المظلومة، زادها مساساً وجرحاً للكرامة العربية، الاحتلال الأمريكي للعراق، وما نتج وينتج عنه يومياً من ضياع وشرذمة ، وأدى لنشوء أقسى وأعنف الحركات الإسلامية ــ دون شك هناك أطراف سياسية في المنطقة لها مصلحتها الكبرى في قيام مثل هذه الحركات وشراءها لتنفيذ مآرب محض سياسية ــ
كما يجري في نهر البارد على يد العبسي وتنظيم ( فتح الإسلام) ،وقد كان معتقلا في سورية لمدة ثلاثة أعوام ونصف، كما أنه مطلوب أمام القضاء الأردني!.. وما تقوم به الميليشيات الطائفية في العراق من المهدي إلى بدر إلى القاعدة.وأنصار الإسلام في الشمال....وما ظهرت بوادره تحت اسم ( جند الشام )... و(جند الله ) في مصر وحركتي الجهاد وحماس والقاعدة والجماعة الإسلامية وما ثبت عن ارتباط بعضها بالظواهري ، ناهيك عن حركة الوعد ، إنما معظم الحركات قامت نتيجة لليأس والإحباط في فشل الحلول السلمية من أوسلو إلى كامب ديفيد وغيره ، كرس بعضها غرضه لقتال أمريكا وإسرائيل...ولا ننسى المغرب العربي و(شبيبته الإسلامية ولا جماعته السلفية)، كما لا ننسى( حركة النهضة) بزعامة الغنوشي في تونس ، رغم القمع القاسي والقادر من قبل حكومة ابن علي، لكنه ظهر أن الكثير من مرتكبي أعمال العنف خارج تونس هم من أصل تونسي ـــ وعلى سبيل المثال لا الحصر الصحفيان المزيفان اللذان قاما بقتل أحمد شاه مسعود ، وأبو قتادة التونسي المتهم بتفجير مقامي الإمامين الهادي والعسكري، ولليمن نصيب الأسد أيضا سواء بحادث تفجير المدمرة " كول " في عدن والأحداث الأخيرة وكلها يظهر مدى ارتباك وارتباط النظام نفسه وفسحه المجال والتعاون مع الحركات الإسلامية حتى في الانتخابات ضد تحرك اليسار اليمني...كما ثبت ضلوع الكثير من المغاربة في أحداث أسبانيا ...ولندن سابقا وزكريا موسوي في أحداث سبتمبر ، دون أن نغفل عما لعبته أيدي السلفية السعودية في أحداث سبتمبر الشهيرة ..
الأسماء والانتماء آت متعددة كما هي الأحداث التي تدين هذه الحركات وتدل على نشأتها...لكنها جاءت باعتقادي كنتيجة لهذه الأوضاع السياسية والاجتماعية المريضة، والتي لن تعالج بعصا الحجاج، كما أن وحدة الأوطان لا تصان بعصا الحجاج....إنما بالقضاء على الأسباب واجتثاث الأمراض ...حين توجد المدرسة التي تعلم بمناهج بعيدة عن التعصب ويتسلم العملية التربوية جيل نثق بأنه لن يشوه عقول أبناءنا ولن يزرع بهم إلا المحبة على أساس المواطنة والكفاءة ، لا على أساس المذهب والطائفة...حين تدخل المعلمة على تلاميذها دون نقاب كالشبح ويميز فيها صورة امرأة ..ويستطيع قراءة ملامح الفرح والحزن على وجهها...حين لا نمنح تراخيص لمدارس تعلم الدين الخاطيء ....هذا ما يحصل كل يوم.مع الأسف...حين نقرأ التاريخ من خلال يوسف العظمة وهنانو ...وفوزي القاوقجي والشيخ صالح العلي وفارس الخوري ...حين نكرم شهداء السادس من أيار ورواد نهضتها وراسمي معالم انتماءها ووطنيتها نساء ورجالا من أمثال، جرجي موسى حداد، عبد الحميد الزهراوي ،رفيق سلوم ،عبد الغني العريسي، سارة مؤيد العظم وبلقيس كرد علي ، أحمد مريود ومنيرة المحايري ...وأبطال الثورة السورية بقائدها الكبير سلطان باشا الأطرش وحسن الخراط... وشكري القوتلي الذي آمن بالوحدة وتنازل عن الرئاسة إيمانا منه بالعروبة وقوميتها دون أن ينتمي لحزب البعث ...هذا هو الفرق بين تكريم الوطن والتاريخ لهؤلاء وتكريم السلطة لألماظة خليل( إحدى المظليات التي سقطت أثناء التدريب واعتبرت شهيدة وكُرم أهلها)... أو تقديسها بوضع كل أسماء الله الحسنى أمام اسمي المرحومين باسل وحافظ الأسد...
حين نستيقظ من غفوتنا التي طالت ونعي معنى التاريخ وصانعيه ...ونمنح الاستحقاق لأصحابه ونقيس بمقياس واحد وقانون واحد لكل أبناء الشعب....حينها ستلفظ هذه التربة كل الأعشاب الضارة...حينها سنقدر على إعادة إنتاج ثقافة قائمة على العدل والقانون واحترام الإنسان ابن الوطن دون تمييز...حين يتسع الوطن لأبنائه دون إقصاء ودون تمييز ودون تشريد ونفي..حين نعيد للشعب كرامته بعودة أرضه السليبة ونكون جديرين ببنوته...حين نكون منتج الأرض ننتمي لها لا لأسرة ما ، أو حزب ما...أو تيار سياسي ومذهبي معين..هذا الشعب العربي ...قادر على إنتاج الفرح وقادر على إنتاج الحرية وقادر على إنتاج الديمقراطية وصنعها ...قادر على استيعاب الثقافات والتكنولوجيا العصرية ، ويثبت حين يخرج لأرض المعمورة تفوقه ..حين يتاح له أن يتنفس بحرية فتخرج طاقاته الإبداعية للعلن...لسنا شعوبا أقل ونملك كل مقومات البناء....لكنا لا نملك بعد أنفسنا ولا قراراتنا
امنحوني حرية ...وخذوا وطنا مبدعا...
فلورنس غزلان ــ باريس 22/07/2007
ديمقراطية بمعزل عن العلمانية طريق إلى الديكتاتورية ..؟
ديمقراطية بمعزل عن العلمانية طريق إلى الديكتاتورية ..؟
مصطفى حقي
لم تعد الديمقراطية مصدر فرح وابتهاج يوحي بمستقبل البلد إلى النمو والازدهار .. ان الديمقراطية وبمعزل عن العلمانية بات سلاحاً فاعلاً وبصورة شرعية بيد الأكثرية المتعصبة في الوطن الواحد .. ان فوز الإسلاميين في تركيا وبنسبة تزيد على الـ50% هو دليل صارخ على غدٍ غير محمود الجوانب ، فالإسلاميين وبموجب عقيدتهم السلفية لا يعترفون بغيرهم كقائد للبلد والدولة وأن ما عداهم هم من الرعية غير المؤهلة للمشاركة في نظام حكمهم وخاصة إذا كانوا من أديان أخرى الذين سيحاصرون وسيفقدون الحد الأدنى للحرية وستنتقص من حقوقهم الكثير وتحجب عنهم الكثير من وظائف الدولة وستقيد مظاهر ممارساتهم لشعائرهم الدينية ولن يسمح لهم حتى بترميم معبد إلا بصعوبة كما يحدث اليوم في مصر والاسلاميون لم يستولوا على الحكم بعد وأما من يدين بالعلمانية فسيدانون بالكفر والإلحاد ولن يكون لهم أدنى صوت .. ان الإسلاميين يستغلون المبدأ الديمقراطي خير استغلال لأن أكثرية أي بلد هم من الدين ذاته والعصبية الدينية تدفعهم إلى صناديق الاقتراع بجاهلية غير محسوبة النتائج .. وتبدأ الحكومة ذات الأكثرية الإسلامية إلى التغلغل رويداً رويداً في كافة المؤسسات وتؤسلمها وفقاً لسياستها في طريقها لتحقيق حلمها بخلافة إسلامية مستبدة ويرجع المواطنون إلى تاريخ عبادة الولي بعد الله وهم يرددون .. وأطيعوا أولي الأمر منكم ... ؟
ان مستقبل تركيا بعد هذه الانتخابات والمعروفة النتائج ستكون هناك حتماً مواجهة مصيرية بين أقلية علمانية مثقفة بديمقراطية علمانية حيث الحكومة لا تضطهد أي فرد أو فئة ، فقيمة المواطن ودينه وجنسه ولونه هو انتماؤه للوطن فقط وهكذا يقيم المواطن العلماني فالكل سواسية أمام القانون فالأديان والقوميات هي خارج سرب المواطنة وكل مواطن له الحقوق ذاتها للمواطن الآخر فيمكن للكردي أو العربي أو من أي قومية أخرى وكذلك للمسيحي أن يصل إلى أعلى مراكز الدولة وحتى رئاسة الجمهورية كما حدث في تركيا وانتخب كردياً لرئاسة الجمهورية.. (تورغوت أوزال)
.. مع الأسف أن الأكثرية التي انتخبت جماعة أردوغان شحيحة الثقافة بل معظمها أمي وبالنتيجة فإن جبهة شبه الأميين ستقود حشود المثقفين والمتعلمين والمتنورين وكثير من اللادينيين ، وستغرق البلاد بقائمة من الممنوعات ابتداءً باللباس وتعميم الحجاب ومنع المشروبات الروحية وطمس السياحة التي تشكل دخلاً أساسياً للحكومة التركية وسيكثر بناء الجوامع وستزداد المدارس الدينية وسيتخرج الوف من الأئمة والدعاة وستعلن حفلات الجلد والرجم ورويداً رويداً ستظهر المذهبيات الإسلامية إلى الوجود وسيتناتفون ويحللون دماء بعضهم بعضاً كما يحدث في عراق اليوم وستطرد الأقليات إن لم يتم إفناؤها .. وسيكون الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي مستحيل وحتى في الأحلام ، وسيتراجع الاقتصاد القومي وتعم التوكلية والبطالة وجائحة الفقر والعوز والحرمان ولن يقدموا للإنسانية سوى العبادة التقليدية، ويحجب العقل ويستمر النقل وسيزداد التوكل على المنتجات العلمية الغربية وسيستوردون كل شيء وبالنتيجة فإن مبدأ الديمقراطية وبمعزل عن العلمانية صار وبالاً ومصيبة للتقدميين والحضاريين وطريقاً مسدوداً لبناء دولة حضارية تواكب العالم المتحضر باحترامه للإنسان والإنسانية وإيقاف قطار التخلف المريع الذي يعتبر الإنسان مجرد مخلوق لعبادة الخالق وأولياء الأمور مهدداً بجحيم ليس له مداً ومرغباً بجنات الحوريات الأبكار دائماً .. والسؤال .. ماهو نظام الحكم في الجنة ... أكيد أنه ديمقراطي ولكن بمعزل عن العلمانية وآسف أيها الأخ سفيان الخزرجي لقد قلدتك ودخلت الحمام ووقفت أمام المرآة ويا ليتني لم أفعل .. خرجت بحالة انهزام تاريخي ولسان حالي يردد ولله في خلقه شؤون ....
الحوار المتمدن
2007 / 7 / 24
يهود دمشق - تعدادهم وأماكن تواجدهم
يهود دمشق - تعدادهم وأماكن تواجدهم
شمس الدين العجلاني*
خاص – صفحات سورية –
أنظر الجزء الأول من هذه الدراسة
الحلقة ( 2 )
مقدمة:
يمر العالم اليوم بمرحلة الانتقال من مجتمع الثورة الصناعية إلى مجتمع المعلومات، وقد أدركت بلدان العالم أجمع أهمية دعم وتنمية قطاع المعلومات،فلا نشاهد اليوم دولة تضن بأية جهود في هذا السبيل، حتى لقد بنيت استراتيجيات للانتقال إلى مجتمع المعلومات في كل بلد على حدة، ثم على مستوى التجمعات الكبرى، مثل الاتحاد الأوربي الذي صاغ سياسته الخاصة بالانتقال إلى مجتمع المعلومات، رغم وجود استراتيجيات وطنية، ورغم وجود خبرات كبيرة لكل بلد أوروبي وحده، وإمكانات مادية هائلة،ويؤسفنا أن نتذكر أن الناتج الإجمالي القومي للبلدان العربية بما فيها البلدان المنتجة للنفط هو أقل من ناتج دولة صغيرة مثل هولندا، وهو لايتجاوز ثلث ناتج إسبانيا أو خمس ناتج إيطاليا، ورغم ذلك فإن هذه البلدان القوية اقتصادياً والتي تمتلك من الخبرات العلمية والتكنولوجية ما لا يمكن مقارنته بما نملك في البلدان العربية،هذه البلدان تشعر بحاجتها إلى التعاون في مجال المعلومات، رغم أن هذا التعاون يبدو أصعب بكثير من تعاون العرب في هذا المجال، ففي كل اجتماع أوروبي يضطر المجتمعون إلى استخدام الترجمة الفورية للتفاهم فيما بينهم..؟
برغم ذلك وبرغم أن العالم يعيش اليوم ثورة معلوماتية علمية حديثة وشاملة وذات علاقة جدلية بالوثيقة وعملية التوثيق ،لان الــوثيقة كانت ولا تزال مصـدرا أصليا للمعلــومات التي تــرتكز عليهــا الدارسات والبحوث العلمية والتاريخية في مختلف المجـالات ..
و اقتناعاً منا بأن الوثائق تبقى الأداة الأساسية للحفاظ على دفاتر المعرفة البشرية وانتشارها وإيماناً بأن الدور الذي تقوم به الوثائق يمكن تعزيزه عن طريق تبنّي سياسات من شأنها تشجيع استعمال الكلمة المطبوعة على أوسع نطاق..
و لان التوثيق جزء مهم في عملية الوقاية باعتبار التوثيق خير شاهد على التاريخ.و لان التوثيق هو ذاكرة الشعوب والعمود الفقري لأي عمل أو مشروع نسعى لإقامته ..ولان الوثائق هي مادة مهمة للتأريخ والبحث..وهو السلاح الفكري الذي يجب علينا إتقان استخدامه، و لان الكلمة الموثقة الصادقة هي الصورة الحقيقية والشهادة الحقيقية والتي لا يمكن نكرانها ، فالمعلومة الصحيحة الموثقة تؤكد الحق ، والكلمة المكتوبة هي سر التاريخ وسر الخلود ، والكلمة المكتوبة هي التاريخ وهي الوثيقة ورابط الإنسان الأهم بوطنه وتاريخه وهذا ما يجعلنا نسعى ونطالب ونعمل من اجل التوثيق والذي يعتبر أحد أسلحتنا التي نشهرها بقوة في سبيل الدفاع عن وجودنا وحضارتنا ..
وإزاء ذلك نحاول أن نروي قصصا وحكايات عن هؤلاء اليهود الذين عايشناهم وكانوا جزءا لا يتجزأ من نسيج المجتمع السوري ..
كان ولم يزل موضوع اليهود في سورية موضع اهتمام الباحثين والرحالة والقراء في آن واحد ، فمنذ مئات السنين والرحالة العرب والأجانب يتحدثون عن المجتمع السوري ويصفون المدن والقرى والشوارع ويخصون اليهود باهتمامهم في كل ذلك ، وفي العصر الحديث ظهر عدد من الدراسات تناول فيها الباحثون أوضاع اليهود في سورية و دمشق تحديدا ، وكتبوا عن عاداتهم و لباسهم ومعتقداتهم و .. وتحدثوا أيضا عن جوبر وتادف وأقدم كنيس في العالم .. والآن نحاول في ( الأزمنة ) فتح ملف عن يهود دمشق أملين أن نعطي المعلومة الدقيقة معتمدين على ذلك بما لدينا من صور ووثائق تعود لسنوات طويلة ، والى أحاديث وحكايات العديد من أهل دمشق ممن عايشوا اليهود في الأسواق التجارية أو الأحياء والأزقة ، والى مشاهدات كنت شاهدا عليها . راجيا ممن يريد الاستشهاد بما نكتب أن يشير إلى المصدر حفاظا على جهد استمر لسنوات عدة وضمن الحقوق الفكرية ..
تعدادهم :
في الغالب يهود سوريا هم عبارة عن جماعتين، قدمت الأولى من الأندلس مبعدة مع العرب المسلمين منها، وسمي هؤلاء (السفارديم)، وكانوا يتكلمون فيما بينهم لغة (اللادينو) ثم أصبحت العربية لغة مشتركة بينهم وبين اليهود المحليين المتوطنين في بلاد الشام منذ حقب بعيدة ، وهذه المجموعة اقرب إلى العرب من المجموعة الثانية التي قدمت مع بداية القرن التاسع عشر من أوروبا الشرقية مع ظهور نظام الامتيازات الأجنبية في الدولة العثمانية، وهم اليهود الأشكنازيون ويتكلمون لغة (البيدش ) ، ومع نهاية القرن التاسع ذابت الفوارق بين المجموعتين.
أقام يهود سوريا بشكل رئيسي في حلب ودمشق ثم القامشلي ، ولا اعتقد أن هنالك إحصاءات منشورة تشير إلى تعدادهم بشكل دقيق في المدن السورية ، فالمعلومات عن عددهم مصدرها بشكل عام الرحالة، وعلى أية حال فإن الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي الذي زار المنطقة في القرن الثاني عشر الميلادي قدم إحصائية لعدد اليهود في كل مكان زاره وقد وجد في دمشق ثلاثة آلاف يهودي.في حين بلغ تعدادهم في النصف الأول من القرن التاسع عشر خمسة ألاف يهودي من أصل عدد سكان دمشق البالغ ما بين 125 ألف و 130 ألف نسمة حسبما يذكر رافالوفيتش الطبيب الروسي الذي أرسل إلى الشرق.. و يذكر الرحالة بيكنجهام الذي زار دمشق عام 1816 أن تعداد أهل دمشق مائه ألف نسمه منهم خمسه عشر ألف يهوديا ، و نعمان قساطلي يذكر أن تعداد اليهود في دمشق 5400 يهوديا من أصل عدد سكان دمشق البالغ 142757 نسمه وذلك عام 1878 م .
وقدر عددهم عام 1900 بخمسين ألفا عندما شرع كثير منهم بمغادره سورية إلى الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا الجنوبية، نتيجة إغراءات بحظ أوفر و نجاحات أكثر ، و بلغ تعدادهم في سورية عام 1925 زمن الانتداب الفرنسي وقيام دولة سورية 29612يهوديا ، قطن منهم في مدينة حلب 6524 ودير الزور 20 ولواء اسكندرون 323 ودمشق 6291 و حوران 3 وحمص 16451 وحماة لم يقطنها آنذاك أي يهودي ، بينما قدر عددهم عام 1932 ب 25 ألف يهوديا ، وفي عام1943 قارب عددهم ال 30 ألف يهوديا ، ولكن بحلول العام 1945اضحى عدد اليهود (15) ألفاً تقريباً، ثم تجاوز عددهم عام 1956 ال 33 ألف ً أقاموا بشكل رئيسي في دمشق وحلب ومن ثم القامشلي .
وقد قدرت الأنجلوأميركية عام 1946 أعداد اليهود في البلاد العربية بنحو 700 ألف أي 5 أو 6% من مجموع اليهود في العالم والذي كان يبلغ ما بين 16 و17 مليونا.
في حين يشير موقع الجزيرة نت على شبكة الانترنت أن تعداد اليهود في سورية عام 1950 يقارب ال 6000 ، وفي عام 1958 يقارب 5000 ، قي حين يقارب 4000 يهوديا في عام 1969 ، أما عام 1986 فقارب 4000 يهوديا ، وفي عام 1992 قارب 1200 يهوديا، أما آخر الإحصاءات اليهودية (2004) التي تتحدث عن عدد اليهود في العالم العربي فقد أشارت أن تعدادهم في سورية 250 يهوديا .
هجرتهم :
انخفض عدد اليهود الآن إلى العشرات، فقد شهدت دمشق هجرة واسعة لليهود في عقد التسعينيات لدى انطلاق مباحثات السلام في مدريد. حيث غادرها في عام 1993 حوالي 2500 يهودي من أصل حوالي 4500 يهودي سوري أغلبهم كانوا يعيشون في دمشق، تحت ضغوط خارجية، وينتشر اليهود الذين هاجروا من سورية بشكل رئيسي في الولايات المتحدة الأمريكية(زعيم الطائفة اليهودية السورية في نيويورك هو جاك أفيتال) والمكسيك وفنزويلا وقلة منهم هاجروا إلى إسرائيل وأسسوا هنالك منظمة مهاجري دمشق كما أسس يهود سورية في إسرائيل إتحاد مهاجري سوريا ويرأسه اليهودي السوري إلياهو حسون ..
..واليهود السوريين في المكسيك حسبما يقول عبد الواحد اكمير في كتابة المترجم ( الجاليات العربية في أمريكا اللاتينية ): هم المجموعة الدينية الأكثر تهميشا ورفضا من طرف المجتمع المكسيكي )، وان هجرتهم إلى المكسيك تمت بدعم من الرابطة الإسرائيلية العالمية ، ومن أشهر يهود دمشق في المكسيك هما الأخوان سليم و فرانسيسكو كوهن اللذان أسسا جمعية ( جبل سيناء ) لمساعدة اليهود ، وكانت هذه الجمعية تحت إشراف و مراقبة يهود دمشق ..
أما اليهود السوريون في الولايات المتحدة فيقول عنهم السفير السوري لدى واشنطن في لقاء مع تقرير واشنطن (يوم الاثنين 18 ديسمبر2006 (تحدث فيه عن السوريين الأمريكيين والدور الذي تقوم به السفارة لتقوية أواصر العلاقة بين أفراد الجالية ووطنهم الأصلي : هناك جالية يهودية سورية ضخمة في الولايات المتحدة لم تكن تحسب عادة في على أنها جزء من الجالية السورية. المكتب الوطني للإحصاء في الولايات المتحدة يصفها بأنها يهود أمريكان. هم عندما تذهب وتزورهم في بروكلين تجمعهم في منطقة أوشن باركواي وعددهم حوالي 110 ألاف شخص، تجد أنهم سوريون حتى النخاع، مفروشات منازلهم كلها موزاييك دمشقي، الطعام الذي يقدمونه كبه وتبوله وحمص وبابغنوج، ويتكلمون عن أنفسهم بأنا شامي وأنا حلبي، وهم يهود أمريكيون.)في حين يقول عنهم روبرت طوطل : ستسمع الجيران يدردشون بالعربية، وستجد الدكاكين تبيع سلعًا كـ"قمر الدين" والعدس والفول وغيرها من المأكولات المألوفة في المطبخ السوري.)هذا وقد وصلت أول موجة من المهاجرين السوريين إلى الولايات المتحدة عام 1893 خلال الحكم العثماني..
تعرض يهود سورية إلى العديد من الإغراءات و الضغوطات السياسية والنفسية من قبل إسرائيل و منظماتها وذلك لمغادرة سورية إلى الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا الجنوبية أو إلى إسرائيل ،كما لعب الظرف السياسي الذي تولد بعد حرب عام 1948 دورة في أحلام الهجرة اليهودية ،حيث تعرض اليهود السوريون إلى عنف جماهيري غير منظم كان وليدا للأحداث الدامية التي ارتكبت بحق العرب وخاصة الفلسطينيين. ففي مطلع كانون الأول 1947(إعلان نبأ قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين ) انفجر الوضع العام في البلاد و تعرض عدد من المعابد اليهودية والمحال التجارية إلى الاعتداءات من قبل الجماهير الغاضبة . وعلى الرغم من أن أحداً من اليهود لم يتعرض إلى أذى جسدي شديد ومباشر إلا أن الاهتياج العام ولّد عصفاً قوياً في ثقة الوسط اليهودي.
ولا يغيب عن ذهننا الخلفية الدينية المغرضه التي زرعتها بعض المنظمات اليهودية لدى بعض يهود سورية : ( ظهر في سورية نتيجة ، لوجود الجاليات الأوربية فيها على أنواعها ، تيارات فكرية جديدة ، انبثقت في صفوف الفئات الدينية غير الإسلامية ، المسيحية واليهودية . و بعض هذه التيارات كان لصالح المجتمع العربي الشامي ، مثل تيار الآداب العربية ، وانصرف المسيحيون بالذات لدراستها بعمق و تمعن ، ونشر المخطوطات العربية .. واخذ الصالح من مظاهر حضارته ، إلا أن بعضها الأخر كان وبالا على هذا المجتمع ، وهو بذر بذور التفرقة الدينية و الفكرية ضمن الطائفة الواحدة ، وخلق تيارات فكرية معادية لكيان المجتمع العربي الشامي ، و ترابطه ووحدته ، ويخص بالذكر العقيدة الكابالية اليهودية ، التي اتخذت طابعا قوميا ، والتي يمكن القول إنها البذرة العميقة للحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر - د. ليلى الصباغ ).
استمرت الاعتداءات على الطائفة اليهودية بعد كارثة عام 1948 ، حيث انفجرت قنبلة في كنيس يهودي بدمشق وتسببت في مقتل وجرح عدد من اليهود ، وختمت كلمة (موسوي) على البطاقات الشخصية لكل يهودي( ألغيت كلمة موسوي من البطاقات في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد ) و فرضت التقييدات على أموال اليهود ومنعوا من السفر ، وصودرت أملاك من هاجر منهم إلى خارج سوريه من مبدأ المعاملة بالمثل .ولكن لم يتعرض لهم احد في حرية ممارستهم لشعائرهم الدينية و بقيت دور عبادتهم مفتوحة .
قبل عامي 1947 و 1948 كان من المتعذر الفصل بين الطائفة اليهودية و أهل البلاد كون سورية تتمتع على مر العصور بالتسامح الديني ، لذا تغلغل اليهود في المجتمع الشعبي السوري وتكلموا لغته واخذوا الكثير من عاداته وتسموا بأسماء أهل دمشق وتكنوا بكنياتهم ، وفي الوقت نفسه حافظوا على تقاليدهم وعقائدهم ولغتهم التي كانوا يستخدمونها بشكل خاص في يوم السبت ، وقد شغلوا فيما مضى مناصب هامة في الدولة فكان منهم أصحاب البنوك،و الأطباء المرموقين و النواب في المجلس النيابي.. لكن الظرف السياسي والكارثة التي لحقت بالعرب من جراء تقسيم فلسطين ومن ثم قيام الكيان الصهيوني كان لهما الأثر الكبير على العلاقة بين يهود سورية وأهل البلاد ..ثم جاءت حرب 1967 لتفتح باب الهجرة اليهودية على مصراعيه فتضاءل عددهم إلى 6 الآف يهودي دمشقي. وخير دليل على كلامنا هذا أن المهاجرين المسلمين واليهود ( حسبما يقول ايغنازيو كليش ) إلى الأرجنتين في بدايات القرن العشرين ، نقلوا معهم عاداتهم و تعايشهم تحت سقف واحد فيشير إلى وجود جمعيات عربية تضم مهاجرين عربا من مختلف الطوائف بمن فيهم اليهود ، فالعلاقة بين يهود دمشق وأهل البلاد قبل بداية النزاع العربي – الإسرائيلي كانت علاقات طبيعية ودية لا يشوبها شائبة ..
ومن أشهر حاخاماتهم في العصر الحديث في دمشق خضر شحادة كباريتي و إبراهيم أبو حمرا (هاجر إلى إسرائيل ) الذي خلفه يوسف جاجاتي ، في حين اشتهر منهم الحاخام موسى أبو العافية والذي كان له اليد في جريمة قتل الأب توما التي شهدتها دمشق في عام 1840 ، حيث اتهم يهود دمشق بقتل أحد الرهبان الفرنسيسكان( الأب توما) وخادمه المسلم إبراهيم عمارة بعد أن تم اختطافهما ، ويقال أن الحاخام أبو العافية اسلم وأطلق على نفسه اسم محمد المسلماني،حين أعلن اعتناقه للإسلام أمام القاضي العثماني وخلع الرداء الأسود ولبس محلّه جبّة بيضاء ..؟
وقبل ان نسترسل في الحلقات القادمة عن يهود دمشق أود الإشارة إلى الجمل التالية التي وردت في رواية أعدائي لممدوح عدوان:
اليهود لم نعد نستطيع أن نفهمهم ، يهود يتبرعون للجيش العثماني ويدعون إلى التطوع فيه . ويهود يتجسسون لصالح الإنكليز ضد العثمانيين ، يهود يحتالون لسرقة الأراضي ويهجرون سكانها العرب ، ليقيموا فوقها مستوطنات تتحول إلى ملاجئ للعرب الهاربين من الأتراك …")
يتبع
البيانوني: السلطة في دمشق سلطة فاسدة بكل معنى الكلمة
البيانوني: السلطة في دمشق سلطة فاسدة بكل معنى الكلمة
الأخبار الواردة من سورية تشير إلى أن الحالة المعيشية هناك صعبة فمثلا الكهرباء تقطع طوال10 ساعات والمياه ملوثة والدولة بدأت بتعبئة مياه الفيجة وبيعها للناس.. فهل تشرح لنا عبر مصادركم من داخل سورية عن الحالة المعيشية فيها؟
وما هي رؤيتكم لما يحدث في سورية هذه الأيام؟
- الأوضاع الداخلية في سورية لا تحتاج إلى مصادر خاصة لأن معاناة الشعب السوري بكل فئاته وشرائحه أصبحت فوق طاقته ولم تعد تُحتمل. ولا ننسى أن نسبة البطالة بين السوريين مرتفعة جدا مما أدى إلى انتشار الفقر وجاءت الآن قضية الكهرباء والمياه ثم الأمن المفقود عبر عصابات السطو وجرائم القتل لتزيد الأوضاع سوءا.. والغريب أن في سورية موجة ضد المعارضين للنظام وضد كل من يطالب بالحرية ويقمع هؤلاء ويحاكمون أمام المحاكم الاستثنائية.. بينما المجرمون الذين يعيثون في الأرض فسادا لا يهتم بهم النظام. كل ذلك يزيد من معاناة الشعب السوري المقهور والوضع قابل للانفجار ولم يعد يمكن الاحتمال أكثر من ذلك.
لكن كيف يمكن لهذا الشعب تحمل حرمانه من الأساسيات مثل الماء والكهرباء..؟
- لم يعد من الممكن الاستمرار في ذلك الوضع المفتوح لكل الاحتمالات.. وهذه المعاناة ستزيد من شعور المواطن بأهمية التغيير. ولا تنسى أن موضوع الاستفتاء والانتخابات التشريعية المزعومة المزيفة ساهمت في عزلة النظام.وموقف عامة الناس من هذه الانتخابات كان سلبيا وبدون سابق اتفاق. وهناك من يقول إن الشعب استجاب لنداءات المعارضة لكنني أعتقد أن المعارضة هي التي التزمت مع نبض الشارع. والشعب السوري وصل إلى حالة لم تعد تنطلي عليه مثل هذه التمثيليات.. ففي الوقت الذي يعانى فيه من شظف العيش ومن الفقر والبطالة، نجد أن الملايين من الدولارات أهدرت بمناسبة الاستفتاء.. ولم يعد الأمر يطاق.
الغرق في الفساد.. ماذا يريد النظام من وراء كل هذا؟
- أولا: إن النظام السوري ليس لديه أي توجه للإصلاح أو الانفتاح على المواطن السوري.
- وثانيا: النظام غارق في الفساد من رأسه إلى أخمص قدميه.. أي أن السلطة في سورية سلطة فاسدة بكل معنى الكلمة. ثالثا: النظام همه الوحيد البقاء في السلطة وكلما ازدادت عزلته الداخلية والخارجية، بسبب سياساته القمعية في الداخل وسياساته الخارجية والتي يتدخل فيها في شؤون العراق ولبنان، كلما ازداد قمعا وانتقاما من المواطنين. فالمحاكمات الأخيرة التي تمت سواء في محكمة أمن الدولة التي تحكم أسبوعيا على العشرات من المواطنين بموجب القانون 49 أو على الأكراد..أو المحاكمات الهزلية لميشيل كيلو ورفاقه... كل ذلك يدل على شيء وحيد فقط، وهو أن النظام يعيش في هاجس من الخوف والرعب من المستقبل وهاجس المحكمة الدولية التي كلما اقترب موعدها كلما ازداد النظام قمعا ويزيد محاولات التفجير في لبنان. ويحاول النظام إطالة عمره والبقاء في السلطة وتقديم التنازلات لإسرائيل وعرض المفاوضات بدون أى شروط أو مقابل.. ولا يبالى بمعاناة المواطن الأمنية والمعيشية والاقتصادية والسياسية.
وما هي طروحات جبهة الخلاص الوطني والإخوان المسلمين لإحداث التغيير في سورية.. ومتى ستتحركون..؟
- لا يمكن أن نغفل أنه بعد 4 عقود من الاستفراد بالسلطة وتغييب الحياة السياسية هناك فراغ سياسي في سورية..ورغم المعاناة الشعبية المستمرة والطويلة لم يصل الشعب إلى مرحلة يستطيع أن يعبر فيها عن واقعه وتطلعاته من خلال أطر سياسية محددة. نحن الآن في مرحلة مخاض ولابد أن تتمخض عن وعى والاستعداد للتغيير والتحرك ونحن وبقية فئات المعارضة السورية نتحمل مسؤولية في قيادة الشعب إلى هذه الحالة.
ما هي السبل لتطبيق هذه الطروحات والتي تطرحونها بعد اجتماعات الجبهة في بروكسل..؟ ألم يصبح الوضع السوري جاهزا للتغيير؟
- إن معاناة الشعب السوري في الماضي من القمع وحملات الإبادة تركت الخوف عند الناس.
- ويجب أن نعترف أن هناك هاجس رعب يعيشه المواطن السوري. لكن هذا الأمر تدريجيا يتحرر منه المواطن..وأعتقد أن حالات الشباب الذين حوكموا منذ فترة وحكم عليهم بـ10 سنوات وأقل وأكثر هي مظهر من مظاهر الوعي عند الشعب السوري والاستعداد للتضحية والبذل. إننا قريبون جدا من حالة النضج للتغيير ولن تطول الأمور كثيرا، بل ستشهد سورية قريبا حالة من التمرد الشعبي والعصيان المدني وسيدفع الشعب إلى ذلك دفعا نتيجة هذه السياسات والممارسات.
لكن ماذا عن دوركم كمعارضة إخوانية وتتحالفون مع البعثيين واليساريين والعلمانيين..هل ستقودون الجماهير أم أن الجماهير هي التي ستقودكم؟
- نحن جزء من هذه الحالة الشعبية التي تحدثت عنها ولاشك أننا نتحمل مسؤولية في ذلك..والخطوات التي نقوم بها في داخل سورية تواجه صعوبات وعقبات لكنها قائمة ومستمرة وفي تطور إيجابى ولن يستمر هذا الوضع طويلا.
في الوقت الذي يقال فيه إن النظام السوري يخطط لحرب مع إسرائيل، فإنه يعرض التفاوض مع الدولة العبرية عبر إرساله مبعوثين سوريين للإسرائيليين مثل إبراهيم سليمان أو رياض الداوودي.. فماذا يفهم من هذه الإشارات المتناقضة..؟
- مازال المجتمع الدولي والنظام العربي الرسمي أيضا حريصا على بقاء النظام السوري على الرغم من كل جرائمه في سورية وخارجها.. هم يتخوفون من البديل القادم وأن تعم حالة تشبه الحالة العراقية. أعتقد أنه آن الأوان للمجتمع الدولي وللنظام العربي الرسمي أن ينفضا يدهما من هذا النظام السوري نهائيا، لأن هذا النظام غير قابل للإصلاح وأن يكون جزءا من حل أي مشكلة من المشكلات الإقليمية. لذلك يحاول استعادة دوره الإقليمى في لبنان والورقة الفلسطينية والورقة العراقية ويحاول أن يوهم الآخرين أنه هو الوحيد القادر على معالجة هذه الإشكالات وحل هذه الأزمات مع أنه في الحقيقة هو جزء من هذه الأزمة وسبب الكثير من هذه المشكلات. وللأسف مازال النظام السوري يحظى بتأييد ودعم عربي ودولي مما يجعل خطوات الشعب السوري نحو التغيير خطوات مترددة ومتخوفة.ولابد أن يكون هناك تعاون وتناغم بين الداخل والخارج في محاولات التغيير، ولا يجوز أن يبقى الشعب السوري وحيدا في مواجهة هذا الطغيان.
التحالف مع إيران
بعض المراقبين يرى أن تحالف النظام السوري مع إيران قد يمنحه بعض المناعة المؤقتة إقليميا..وبالمقابل يسهم النظام السوري في مد النفوذ الإيراني في المشرق العربي والخليج.. فما تعليقك على ذلك؟
- إن استقواء النظام السوري بإيران هو أمر واضح ومشهود وهناك تغلغل للنفوذ الإيراني في سورية على المستوى الاقتصادي والثقافي، ومعروف أن المد الشيعي تقوم به دوائر إيرانية..بالإضافة للتعاون العسكري أيضا، إن ابتعاد النظام السوري عن محيطه العربي والاستقواء بإيران لن يكون لصالحه. وليس من مصلحة إيران أن تضع ثقلها في حماية هذا النظام لأنه ورقة خاسرة لا ينبغى المراهنة عليها.
هل صحيح أن النظام السوري تخلى عن ثوابت الأمة وقدم الكثير من التنازلات مثلا لإسرائيل؟
- إن النظام السوري لديه أمل من هذا الموقف المخزي أن يقبل إسرائيليا وأميركيا، ولكنني أعتقد أن الجهات الخارجية تعرف حقيقة هذا النظام وهشاشته ولا توجد أى مصلحة للتعامل معه لأن أى معاهدة معه لا يمكن أن تقوم على أساس صحيح ومتين..ووضع هذا النظام لا يسمح له بمثل هذه الصفقات.
قال لنا مسؤول الخارجية الأميركية عن سورية ولبنان سكوت كاربنتر: إن نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام يده ملوثة بالدماء وأنهم في واشنطن لا يريدون إعطاء إشارات خاطئة بأنهم يدعمون وصول الإسلاميين للسلطة، ولهذا لا يتحاورون معكم كإخوان مسلمين سوريين.. فما تعليقكم؟
- إنني متأكد أن استمرار النظام السوري بهذا الشكل هو نتيجة لرغبة القوى الدولية لبقائه لأنها لا ترتاح للبديل القادم. والتخوفات من البديل القادم لا تقوم على أساس صحيح. ونحن كإسلاميين أو فئات المعارضة الأخرى نؤكد على بديل وطني متنوع وليس هناك أى جهة في المعارضة السورية تريد أن تستحوذ على السلطة..بل نطالب ببديل ديمقراطي. ولكن يبدو أن هذه الدول تنظر إلى مصالحها وترى أن مثل هذا النظام يمكن أن يحقق مصالحها أفضل من أى نظام ديمقراطي.. وهذا وهم كبير لأن هذا النظام فاقد للشرعية وللشعبية وليس له أي قاعدة ولهذا لا يمكن أن يكون عامل استقرار في المنطقة ولا يمكن أن يحقق حتى مصالح هذه الدول. وأعتقد أن هذه النظرة الخاطئة ستتغير وبدأت بالتغير.
لكن لماذا هذا الموقف الأميركي تجاه الإخوان المسلمين السوريين وهل ستتحولون إلى حزب..؟
- نحن كإخوان مسلمين برنامجنا للحكم نطالب فيه بدولة مدنية وليس دولة دينية ولما اطلع الكثير من الغربيين على برنامجنا السياسي وصفوه بأنه برنامج لحزب ليبرالى، ونحن فعلا نطالب بدولة مدنية وأن نكون وغيرنا شركاء في الحكم. أما هذه التخوفات فإنها لا تقوم على أساس صحيح والنظام يخيف الغرب وأميركا من البديل الإسلامي. والمسلمون في سورية مع التيار الإسلامي المعتدل وليسوا مع المتطرف، ومحاصرة الإسلاميين المعتدلين وتجاهلهم وعدم السماح لهم بأخذ مواقعهم سيؤدى في النتيجة إلى تنامي التيار المتطرف والمتشدد..وهذا واضح حتى في سورية الآن فهناك أرضية خصبة للتطرف والإرهاب نتيجة هذا القمع والتضييق على التيار الإسلامي المعتدل.
- إن مصلحة الجميع أن يفسحوا المجال أمام الشعب السوري لأن يعبر عن رأيه ويختار ممثليه عن طريق انتخابات حرة ونزيهة..وكإخوان مسلمين فإننا لن نكون البديل بل نكون جزءاً من البديل ونشارك مع غيرنا بقدر ما يتاح لنا عبر صناديق الانتخاب. وينبغي أن نخرج من هذه الازدواجية.. فإما أن نكون مع الديمقراطية والشعب يختار ما يريد، أو أن نقول إن هذا مجرد كلام للتصدير وليس له سند في الواقع.
(حماس) غزة لكننا نرى ما قامت به حركة حماس في غزة - التي تعتبر الجناح العسكري للإخوان المسلمين في فلسطين المحتلة - ونجاحها الانتخابي والذي قاد لما سمى بالانقلاب..؟
- أوضاع الفلسطينيين في غزة جعلت وضع حماس له خصوصية لأن هناك احتلالاً إسرائيليا.. كذلك هناك ممارسات ضد الشعب الفلسطيني والإسلاميين كان لها دور كبير في الوصول إلى هذه النتيجة ومع ذلك ينبغي الخروج من هذا الوضع وليس من مصلحة حماس وفتح ولا القضية الفلسطينية أن يستمر هذا الوضع الشاذ وتصبح فلسطين دولتين.. وما جرى في غزة لا يخدم القضية الفلسطينية ويجب إيجاد مخرج من خلال الحوار.. أما الكلام عن الإسلاميين فإن طروحاتنا بل تاريخنا الديمقراطي أيام البرلمانات السورية والحياة الديمقراطية السورية يؤكد أننا لسنا إقصائيين وأننا نتعايش مع الآخر ونفهم اللعبة الديمقراطية ونتعامل معها بكل إيجابية..
كحركة إخوان سوريين كانت طرابلس ملجأ ومنطلقاً لكم ما حدث في قضية منظمة فتح الإسلام في مخيم نهر البارد والتي تتهم بأنها صنيعة سورية، بينما آخرون يقولون إن هذه المنظمة تنتمي لـ القاعدة، البعض الثالث يقولون إن أفرادها إسلاميون هدفهم تحرير فلسطين.. فهل يقمع السنة عندما يحملون السلاح بينما يحق للشيعة ولكل طائفة أخرى حمل السلاح..؟
- بالنسبة لـ فتح الإسلام فلا أحد يشك أنها صنيعة سورية وقد يكون بعد أن صنعها السوريون وأرادوا لها أن تنفذ هذه العمليات لخدمتهم، أن يكون دخلها أناس متحمسون ليس لديهم تلك الخلفية.. ولكن في الأصل فتح الإسلام انشقت عن فتح الانتفاضة وأصابع المخابرات السورية ليست بعيدة عن الأولى أو الثانية..والتحقيقات التي تتم حالياً مع بعض عناصر فتح الإسلام تثبت هذا الكلام.. وأفراد هذه المنظمة لا يمثلون السنة بل هم فئة صغيرة..ولم يقمعوا لأنهم سنة.. بل لأنهم مدفوعون من قبل سورية لتفجير الأوضاع في لبنان، ويتبنون أفكارا تكفيرية ومتطرفة.. المشكلة تتمثل في أصابع النظام السوري التي تريد تفجير الوضع اللبناني لتحاشى المحكمة الدولية وتعطيلها.
كحركة إسلامية كيف ترى ما يحدث في المسجد الأحمر الذي يقال إن هناك 15 ألف جامع يشبهه في باكستان والذي يتخوف الغرب وأميركا أنه دولة داخل الدولة.. وأنها إرهابية؟!
- عندما تضيق على الحركات الإسلامية المعتدلة والتي تنبذ العنف وتقبل الحياة الديمقراطية، فعندها ينمو التيار المتطرف في كل الأماكن.. وفي باكستان هناك حركة إسلامية معتدلة وهي الجماعة الإسلامية ومنهجها قريب من منهج الإخوان المسلمين، ولكن عندما تقمع هذه الحركة ينمو التيار المتطرف ويجد شعبية وتأييداً..
يقال إن جبهة الخلاص تعانى من انشقاقات وانسحابات بسبب تفرد خدام والبيانونى باتخاذ القرار؟ ـ إن مكونات جبهة الخلاص عديدة وصحيح أن هناك كتلاً أكبر ولكن انسحاب شخص أو فريق لن يؤثر على عمل الجبهة، وقد يكون لهؤلاء أسبابهم للانسحاب ولكن لا توجد أسباب جوهرية حقيقية تؤدى إلى مثل هذه الاختلافات داخل الجبهة التي مضى على قيامها سنة وعدة شهور، ووضع ميثاقها بالتوافق والإجماع، ويجرى تقويم للخطط الماضية وتخطيط للمرحلة القادمة..وفي شهر سبتمبر أيلول المقبل سيجرى عقد مؤتمر عام للهيئة التأسيسية لجبهة الخلاص للنظر في الأوضاع العامة لوضع خطة جديدة للمرحلة القادمة.
حزب الإخوان
وماذا عن تهمة تفردكم وخدام بالقرارات..؟
- أنا لا أعلم أن هناك قرارا اتخذ في الأمانة العامة إلا بموافقة الجميع..ونظام الجبهة يصر على التوافق في القرارات، وإذا تعذر ذلك يجب التوافق بأكثرية الثلثين وحتى الآن لم نضطر إلى ذلك.
وهل ستتحولون كإخوان إلى حزب؟
- مؤكد أنه عندما نجد الوقت المناسب في داخل سورية سنشكل حزبا يمارس العمل السياسي وعندئذ تهتم الجماعة الإخوان المسلمون بالدعوة والتربية بالإضافة للعمل السياسي.. وعندما يقوم حزب سياسي بهذه المهمة ستخفف الجماعة من أعبائها السياسية.
هل أصبح لكم وجود في لبنان حالياً؟
- لدينا علاقات مع جميع الفئات السياسية اللبنانية.. ولابد من تمتين العلاقات السورية - اللبنانية. ونحن لا نريد أن نحرج اللبنانيين في الحديث أكثر من ذلك.
ة موقع القنا
جبهة الخلاص الوطني في سوري
جبهة الخلاص الوطني في سورية: استمرار النظام السوري سيؤدي إلى زيادة معاناة الشعب..
"وبروز تنظيمات متطرفة" تستخدم في الصراعات الإقليمية
انتقدت جبهة الخلاص الوطني في سورية ما جاء في خطاب الرئيس السوري بشار الأسد الذي ألقاه بعد تأدية اليمين الدستورية لولاية دستورية ثانية، معتبرة أن استمرار النظام السوري "لا يؤدي فقط إلى زيادة معاناة الشعب السوري، وإنما إلى بروز تنظيمات متطرفة" أيضاً، لكن الجبهة بشرت "إخواننا المعتقلين في سجون النظام بأن التغيير والحرية قادمان قريباً".
وكانت الأمانة العامة للجبهة قد عقد اجتماعات بين 20 و22 تموز/ يوليو الجاري. واستعرضت الأمانة العامة للجبهة خطاب بشار الأسد الذي ألقاه بمناسبة أداء القسم، وقد توقفت عند ما يلي:
أولاً- بدأ بشار الأسد خطابه بالاستخفاف بعقول السوريين عندما تحدث عن حبه للناس، وثقة الشعب به وهو يعلم مقدار معاناة السوريين من فساد نظامه واستبداده، فقد حول سورية إلى سجن كبير وحول السوريين إلى سجناء.
ثانياً- تحدث بشار في خطابه عن إصلاحات اقتصادية وهمية لم يقطف الشعب من ثمارها غير الفقر وارتفاع الأسعار وانتشار البطالة وانقطاع الكهرباء والماء والجمود في الأسواق وزيادة معاناة المواطنين.
ثالثاً- في حديثه عن الإصلاح السياسي، ربط بين الإصلاح والاستقرار الأمني في ظل ظروف ضاغطة على سورية، كان له دور محوري في افتعالها، رافضاً اتخاذ أي خطوة جدية باتجاه الإصلاح السياسي وتقوية الوحدة الوطنية، غير مدرك أن مقاومة الضغوط الخارجية لا تتم إلا بتعزيز الوحدة الوطنية وتوسيع المشاركة السياسية وإطلاق الحريات العامة، فهذه هي المتطلبات الحقيقية لحماية السيادة والاستقرار. لقد وعد بشار الشعب السوري بتشكيل مجلس للشورى، وكأن مشكلة البلاد تكمن في إنشاء هيئة شكلية جديدة تضم مجموعة جديدة من العاطلين عن العمل والذي تشدهم الانتهازية نحو القبول بهيئة يعرفون سلفاً أنها مؤسسة شكلية، ومحاولة لصرف الناس عن مطالبهم من أجل تحقيق التغيير. ومن الأمور التي تدعو للسخرية حديثه عن الجبهة الوطنية التقدمية ودورها في قيادة البلاد، وهو يعلم أن جميع السوريين يعلمون حقيقة أوضاع هذه الجبهة ومكوناتها، فقد تحولت إلى مأوى للعجزة والمنافقين الذين لا دور لهم غير التصفيق لحاكم مستبد وفاسد، كما يعلم هذا الحاكم الصلات المعدومة بين الجبهة والشعب وبين القيادات وقواعدهم بصورة خاصة.
رابعاً- تذرع بشار الأسد بانشغاله بمواجهة الضغوط الخارجية الأمر الذي تسبب في إهمال عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، وهذا التذرع يكشف حقيقة النظام، حيث إن الحاكم المستبد يمارس دور الدولة، ودور الرئاسة، ومهام مجلس الوزراء، ورؤساء أجهزة الأمن، وصولاً إلى دور مخفر من مخافر الشرطة. إن مهام الإصلاح وتطوير الدولة ومعالجة الأزمات المختلفة هي من مسؤولية المؤسسات المختلفة، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وليست محصورة في رئيس الدولة. إن اختزال مؤسسات الدولة في فرد واحد تفسر أسباب الفوضى المتفشية في الأجهزة الحكومية وانتشار الفساد.
خامساً- تحدث بشار الأسد عن الوحدة الوطنية وهو يدرك دوره في إضعافها عبر ممارسة سياسة العزل والإقصاء والتمييز، من قبله ومن قبل سلفه، مما أدى إلى توترات طائفية وعشائرية تعصف بالبلاد وتشكل تربة صالحة لنمو تنظيمات وأفكار متطرفة تهدد الاستقرار الوطني ومستقبل سورية. وإلى جانب ذلك، فإن هذا النهج أنتج مشكلة جديدة في البلاد بسبب ممارسات مبنية على التعصب والتمييز في التعامل مع السوريين، ويأتي في مقدمة ذلك تفاقم المشكلة الكردية في سورية والتي جعلت شريحة من الشعب السوري تعاني معاناة شديدة، مما يشكل خطراً على الوحدة الوطنية. لقد كان واضحاً في خطاب بشار عدم جديته في إيجاد حل ناجع لها، كما أن قراره بتوزيع أراضي الإصلاح الزراعي في منطقة ديريك، وحرمانه المواطنين السوريين من أبناء تلك المنطقة بالتوزيع، رغم حقهم المضمون بقانون الإصلاح الزراعي. إن وحدة المصير بين العرب والأكراد، وسائر مكونات الشعب السوري، تجعل الخلل في التعامل مع هذه المكونات عاملاً لإحداث فتنة في البلاد، في وقت أشد ما تحتاجه سورية هو تعزيز الوحدة والوطنية وترسيخ الاستقرار.
سادساً- في إطار حديثه عن الوضع في المنطقة، وعن احتمالات التغيير، بدا بشار الأسد قلقاً ومضطرباً وخائفاً، لأنه يخشى عواقب أفعاله في لبنان وفلسطين والعراق، سواء بشكل فردي أو من خلال تحالفه من النظام الإيراني.
إن ما ورد في هذا الخطاب بات استمراراً لنهج النظام وممارساته، وخاصة في السياستين الداخلية والخارجية. كما تكشف تلك الممارسات الخطورة الكبيرة على أمن واستقرار ومستقبل سورية في المحاور التالية:
1. في تحالفه مع النظام الإيراني، ربط النظام مصيره باستراتيجية إيران الإقليمية، بكل ما يمكن أن ينتجه هذا الربط من أضرار على مصالح البلاد وأمنها واستقرارها، وعلى علاقات سورية العربية، وعلى أمن ومصالح الدول العربية الشقيقة. لقد أنتج هذا التحالف حالة التوتر في لبنان، وزاد من تعقيد الوضع في فلسطين والعراق.
2. إن حديثه عن الممانعة والمقاومة والصمود لا يستند إلى مقومات قابلة للتحقيق بسبب طبيعة النظام الشمولية وممارساته القمعية، فعليه أن يدرك أن الحديث عن المقاومة والصمود في الوقت الذي تقمع فيه الحريات، وتنهب ثروات البلاد، ويعاني ملايين السوريين البطالة المترافقة مع انتشار الفقر، كل ذلك يكشف زيف هذا الادعاء.
3. إن استخدامه مسألة السلام لفتح باب الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية تهدف إلى تعطيل المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، لإنقاذ نفسه ونظامه، وبهذا يقدم مصيره ومصير أفراد في نظامه على مصير الجولان وتحريره. وفي هذا المجال، فإن جبهة الخلاص إذ تؤكد التزامها بالمبادرة العربية للسلام، تعلن أن أي اتفاق سلام يعقده بشار الأسد مع إسرائيل هو اتفاق بين رئيس مغتصب للسلطة ودولة محتلة، وبالتالي فلا شرعية له.
إن جبهة الخلاص الوطني تؤكد من جديد أن استمرار هذا النظام لا يؤدي فقط إلى زيادة معاناة الشعب السوري، وإنما إلى بروز تنظيمات متطرفة في سورية تُستخدم أداة في الصراعات الإقليمية.
إن جبهة الخلاص الوطني تدعو الشعب السوري إلى التنبه لخطورة استمرار هذا النظام، وبنفس الوقت تدعو السوريين إلى التمسك بالوحدة الوطنية ورفض وإدانة كافة المحاولات والممارسات التي يقوم بها النظام وأعوانه لزعزعة هذه الوحدة، كما تدعوه للعمل بشجاعة لكسر جدار الخوف والاستعداد للانطلاق نحو تحقيق التغيير السلمي وبناء دولة ديمقراطية مدنية قادرة على استرجاع الجولان والانطلاق بعملية النهوض والتقدم وتعزيز العلاقات العربية، والقيام بدور فاعل في الساحتين الإقليمية والدولية لخدمة مصالح سورية والأمة العربية.
إن جبهة الخلاص الوطني تقف بكل امكانياتها مع شعبنا الصامد والصابر الذي يعاني من الظلم والقهر والاستبداد ومضاعفات فساد الحكم المستبد، وتبشر إخواننا المعتقلين في سجون النظام بأن التغيير والحرية قادمان قريباً بإذن الله، وفق تعبير البيان.
موقع أخبار الشرق
وصول الممرضات والطبيب المتهمين في قضية الايدز الى بلغاريا
وصول الممرضات والطبيب المتهمين في قضية الايدز الى بلغاريا
صدر رئيس بلغاريا جورجيو بارفانوف عفوا عن الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني (يحمل الجنسية البلغارية) الذين اطلقت السلطات الليبية سراحهم في وقت سابق، وذلك فور وصولهم الى مطار صوفيا.
وكانت الطائرة الحكومية الفرنسية التي تقل الطاقم الطبي البلغاري قد وصلت الى العاصمة صوفيا في الساعة السادسة وخمسة واربعين دقيقة صباحا بتوقيت جرينتش بعد أن اطلقت السلطات الليبية سراحهم في إطار الاتفاق الذي توصل اليه مؤخرا.
وعمت فرحة غامرة أقارب المفرج عنهم الذين كانوا في انتظارهم بالمطار بالورود وقد اغرورقت أعينهم بالدموع.
وكان الستة، الذين صدرت بحقهم احكام بالاعدام بتهمة التعمد في نقل فيروس مرض نقص المناعة المكتسب (الآيدز) لاطفال ليبيين، قد غادروا ليبيا على متن طائرة رئاسية فرنسية في وقت سابق.
وكان مكتب رئيس الجمهورية الفرنسي نيكولا ساركوزي اول المعلنين عن الافراج عن البلغار الستة ومغادرتهم الاراضي الليبية.
وجاء في بيان رئاسي فرنسي رسمي صدر ليل الاثنين-الثلاثاء: "غادرت طائرة رئاسية فرنسية ليبيا للتو حاملة على متنها كل من عقيلة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمفوضة الاوروبية بنيتا فيريرو والدنر والممرضات الخمس والطبيب الفلسطيني الاصل."
ومضى البيان الرئاسي الفرنسي للقول: "يرحب كل من الرئيس ساركوزي ورئيس المفوضية الاوروبية جوسيه مانويل باروسو بالاتفاق الذي اتاح اطلاق سراح الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني بعد ثماني سنوات قضوها في السجن،."
وقد أعلن الرئيس الفرنسي أنه " سيقوم بزيارة سياسية لليبيا يوم الأربعاء المقبل للمساعدة في عودة البلاد للمجتمع الدولي".
مطار صوفيا
الممرضات استقبلن في المطار بالورود
وفي بيان اصدره من مقره في بروكسل، شكر الاتحاد الاوروبي السلطات الليبية "للفتتها الانسانية" المتمثلة باطلاق سراح الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني الاصل. وتعهد البيان الذي حمل توقيعي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس المفوضية الاوروبية جوسيه مانويل باروسو، بالعمل لمساعدة الاطفال المصابين بمرض الآيدز.
وكانت عقيلة الرئيس ساركوزي سيسيليا والمفوضة والدنر قد وصلتا الى ليبيا على رأس وفد من الاتحاد الاوروبي يوم الاحد في محاولة لاطلاق سراح المحتجزين الستة.
ويذكر ان هذه هي ثاني زيارة تقوم بها سيسيليا ساركوزي الى ليبيا في سياق جهدها الهادف الى اطلاق سراح المحتجزين الستة.
وقد اثارت هذه الزيارة ادانة اليسار الفرنسي الذي اتهم ساركوزي بمحاولة استثمار الجهود التي بذلها الاتحاد الاوروبي نيابة عن المحتجزين لسنوات عديدة.
وكان مسؤولون ليبيون قد قالوا إن عقيلة الرئيس الفرنسي اجتمعت بالزعيم الليبي العقيد معمر القذافي يوم الاحد الماضي.
وتجدر الاشارة إلى أن السلطات الليبية قد خففت أحكام الاعدام الصادرة بحق الستة في الاسبوع الماضي الى السجن المؤبد، كما منحت السلطات البلغارية في شهر يونيو، حزيران الماضي الجنسية البلغارية للطبيب الفلسطيني اشرف الهزوز الذي احتجز كما الممرضات الخمس منذ عام 1999 حتى ليل الاثنين-الثلاثاء.
محاكمة المتهمين الستة
افرج عن المتهمين في اطار اتفاق بين ليبيا والاتحاد الاوروبي
وفي مكالمة هاتفية أجراها مع الرئيس ساركوزي، عبر الرئيس البلغاري جورجي بارفانوف عن "شكره للدور الفعال الذي لعبته سيسيليا ساركوزي والمفوضة بنيتا فيريرو والدنر في حل هذه القضية."
اتفاق
وفي تصريحات لبي بي سي عبرت والدنر عن فرحتها الشديدة ووصفت قرار الافراج عن الطاقم الطبي "بالقرار الإنساني الصائب".
وأضافت أن القرار رسم صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وليبيا.
وقالت ليبيا إن قرار الإفراج عن الطاقم الطبي تم بعد استيفاء الشروط التي وضعتها.
واوردت وكالة رويترز للانباء لاحقا ان اطلاق سراح الكوادر الطبية المحتجزة في ليبيا قد تم في نطاق اتفاق ابرم بين الحكومة الليبية والاتحاد الاوروبي.
ونقلت الوكالة عن مصدر ليبي مقرب من المفاوضات التي جرت مؤخرا بين الطرفين قوله إن الاتفاق تضمن تزويد المستشفى الذي كان يعمل فيه الستة ببنغازي بالمعدات الطبية، ومعالجة الاطفال الذين اصيبوا بمرض الآيدز.
ونقلت رويترز عن مصادر دبلوماسية في العاصمة الليبية قولها إن ليبيا طلبت بتطبيع علاقاتها مع الاتحاد الاوروبي، كما طالبت بمساعدة مالية لمعالجة الاطفال المصابين.
على صعيد آخر، قال مسؤولون في الاتحاد الاوروبي إن المفوضة والدنر وقعت في طرابلس على مذكرة تفاهم ستؤدي الى تطبيع كامل للعلاقات الليبية الاوروبية.
ويقول المراسلون إن المذكرة تتضمن ايضا تعهدا بفتح الاسواق الاوروبية للمنتجات الزراعية والسمكية الليبية، اضافة الى توفير الخبرات الفنية اللازمة لترميم الآثار الليبية ومنح دراسية للطلبة الليبيين.
لحية أتاتورك
لحية أتاتورك
دلور ميقري
صباحاً، أفقنا على هدير مزلزل، منبعث من مكبرات الصوت. كان الوقت فجراً، وهذا الصخب لا يمكن أن يكون مصدره إلا آذان المساجد، الألفية العديدة، في مدينتنا المباركة، اسطنبول. "حيّ على المعجزة.. ! "، تناهى صوت مكبر الصوت وأصداؤه. ما هذا، أيضاً، بربكم : هل أدخلوا تحويراً ، جديداً، على ترتيلة صلاتنا، كيما يتفاقم شقاق أهل الإسلام؟ فكما تعلمون ، كان القزلباش (الشيعة) قد جاؤوا ببدعة مماثلة، زعمت أنّ الترتيلة، الأصلية، للرسول الكريم (ص)، هيَ "حيّ على خير العمل " ـ كذا، بمحل ما إعترف به فقهاء المذاهب الأربعة لأهل السنة، " حيّ على الفلاح ". نعم ، مفردة جديدة. وهذا ما كان ينقصنا، في الحقيقة، نحن الذين نجز رقاب بعضنا البعض منذ نيّف وخمسة عشر قرناً. قولوا لي، بربكم الواحد الأحد ، هل نحتاج نحن المسلمون لقرن جديد.. أعني، لعهد جديد من المجازر !؟ وهذا مثال العراق، اليوم. فمن أجل هذا المفردة ـ صانعة الشقاق ـ لم يعرفوا فلاحاً أو عملاً مفيداً، إلا النحر والتفجير والتدمير. كان الله قد أنعم عليهم بحاكم عادل ، ودود المعشر، أعلن وهو السنيّ أنه متسلسل من السلالة الحسينية ـ عليها السلام. وكان فوق ذلك، يٌشبه أتانوركنا، أي أنه علماني ومؤمن في آن. مرة كان رئيسهم ، ذاك ، يخرج عليهم بطقم بيير كاردان وببرنيطة وسيجار، ومرة بعباءة حجازية وعقال بريم ومسبحة. ولكنهم ناسُ البطر ـ وقانا الله من هذه الخصلة غير المحمودة. إستدعوا إذاً الأمريكي الذي لا يعرف ربّه، وهللوا وهزجوا لعسكره حينما دخل بغداد غازياً. أما رئيسهم المسكين، فأنتم أعلم بحاله بعد أسره ومحاكمته وإعدامه. كان بطلاً، بحق. والأهم، أنه أثبت تقواه، هوَ الذي حمل المصحف الشريف طوال جلسات المحاكمة، ثم مات مردداً الشهادتين. الشعب العراقي ، يا حسرة، يدفع ثمن دم الرجل. الله تعالى، سيعاقبهم في الآخرة، أيضاً. وخصوصاً، على معصية تحطيم تماثيل زعيمهم. هكذا فعال، قبيحة، لم تعرفها تركية الحديثة: فليكن الحاكمون مسيئين، وليسقطوا، الواحد بعد الآخر، في الإنتخابات أو في الإتقلابات العسكرية. ولكن تماثيل زعيم الأمة، أتاتورك ، باقية مخلدة لا يستطيع كائناً من كان مسّها أو تدنيسها بفعلة قبيحة !
قلنا أنّ هدير مكبرات الصوت، على الأرجح، كان مصدرها المساجد. من جهتي، ما كنت أرتاد الجامع إلا في الأعياد وبعض المناسبات الدينية. المهم ، أنّ الفضول إجتاحني وقررت الخروج للشارع، كيما أستجلي وجه المسألة. لماذا لا تقول، أنّ أمة الله أكبر، جميعاً، متجمهرة هناك، تحت مأذنة جامع الحيّ. "ما هذا الهراء، ولاه ؟.. من جرأ على تعكير رقادنا بهذا النداء، السفيه؟ "، كان يصرخ هذا وذاك متوجهاً بكلامه نحو الأعلى، حيث المفترض أن المؤذن ثمة، في حجرته. لم يخرج أحد من ذلك المكان، وإنما على حين بغتة تقاطر علينا صبية صغار، متشردون، وهم يهتفون بصوت واحد: " معجزة !.. معجزة ! ". وبالكاد فهمنا منهم معنى الإعجاز، المقصود. يا سيدي، يقولون أنّ تمثال أتاتورك، المعتلي صهوة جواده، والمتشامخ في المستديرة المؤدية لحينا، قد نبتت له لحية طويلة ، مسترسلة. سأل أحدهم الأطفالَ، وهوَ لم يفق بعدُ من الذهول: " وشاربه، أمحفوف أيضاً بحسب السنّة الشريفة؟ ". هزأه الحاضرون، بطبيعة الحال: فأتانورك، كما هو معروف، كان حليق الشارب حياً وميتاً، على السواء ! السيل البشري، المتجمهر هنا قدام الجامع، ما لبث أن زحف نحو تلك المستديرة. رأيتني منقاداً معهم، بنفس المقصد. بالفعل ، هذا هو التمثال المهيب وهي ذي اللحية، الموعودة. إنها على ما يبدو من نفس طينة زعيمنا.. أعني، طينة تمثاله ! للحقيقة، لحية أنيقة وتليق بزعيم قوميّ، محبوب. وذهب المجتمعون في مذاهب شتى، بحثا عن تفسير للأمر ـ أو المعجزة. ولكنني إستقريت على رأي، قال صاحبه أنّ المسألة سياسية بحتة، فلا معجزة ولا قزلقرط. كيف، أوضح الرجلُ أنّ حزب عدالتسي وتنميتسي، الحاكم، سيخوض الإنتخابات المقررة تحت شعار : " نحو جمهورية تركية علمانية، عثمانية ".. وهل لدينا ، هنا في تركية، ما هو أكثرَ تقديساً وتبجيلاً من تمثال أتاتورك، لكي يبارك شعارهم ـ بحسب المعجزة ـ مقدماً لحيته لهم، عربوناً على الفوز القادم، المبين ؟
لا أخفيكم أن كلام ذلك الرجل قد جعلني، عندئذٍ ، محبطاً تماماً. ما هذا، أيعقل أن يكون قادة عدالتسي وتنميتسي الورعين المؤدبين على هذه الأخلاق، الوضيعة؟ فلا كانت العدالة، إذاً، ولا التنمية !.. هكذا فكرتُ مهموماً، حانقا. لقد أعطيتُ صوتي ـ أنا العلمانيّ المتحرر ـ للحزب المذكور ذي التوجهات الإسلامية، بعدما خاب أملنا جميعاً بالأحزاب العلمانية، التي لا همّ لقادتها ومسؤوليها سوى هبش ميزانية الدولة وعقد الصفقات مع المافيا ومفسدي الأرض. الأخوان في عدالتسي وتنميتسي وعدوا بالمستقبل المشرق لبلادنا الحبيبة، وبالرفاه والبنين لأبنائها البررة. العلمانية سيحترمونها. وما هيَ هذه العلمانية، التركية ، بربكم: إنها حرية الرجل في أن يتوجه للملهى، حال قبضه الراتب، فيشرب هناك كم كأس عرق وهو يزهزه على أنغام الموسيقا والحركات المثيرة للراقصة. وإذا ما تبقى بعد نقود، من الراتب المنكود، يمم صاحبنا شطره ناحية تلك الناحية، المعلومة! حتى لو كان الرجل متزوجاً، فهل يعيبه بعدئذٍ عودته للمنزل البائس، فجراً، وصياح وعويل زوجته على رأسه حتى غروب الحضارة التركية !؟ على أنّ خيبة أملي، الموصوفة، بحزبنا وقادته، سرعان ما تبددت ولله الحمد. نعم. فالمعجزة تلك، ما كانت عمل نحات ما، مأجور، وفي حيّ فقير من أحياء اسطنبول وإنتهى. لا، بل تأكدت بنفسي وبعينين سيأكلهما الدود، أنّ تماثيل أبي الأمة، جميعاً، قد نبتت لها لحى ـ وكأنه أضحى فتىً بالغاً للتو ! تسألونني، وربما تحلفونني، أبشرفك قد عاينتَ تلك التماثيل كلها، المتناثرة في أرجاء مدينتك، الكبرى؟ نعم، ووالذي نفسي بيده، أني تجشمتُ يومذاك الأهوالَ في سفري من مدينة لأخرى، ومن قرية لأختها، لكي أحظى بمنظر اللحى تلك، المباركة، المسترسلة بوقار جدير بإسم صاحبها. الحافلة تسير، وعيني على الطريق لا تغمض أبداً. حتى لقد تناهى "سفر برلك" فضولي إلى قلب المنطقة الجنوبية الشرقية. ولأعترف لكم، بأنّ بصري راح يهمل لحية أتاتورك، فيما لاح له ثمة من مناظر البؤس والتخلف، المريعة. وتذكرت للفور قضية كاتبنا الكبير، الفائز بنوبل الآداب للعام المنصرم. لم أقرأ له شيئاً، في الحقيقة. فأنا عادة ً أتصفح الجرائد، لتضييع الوقت فقط. إلا أن تكرار إسم الرجل، لفت نظري وخاصة ً ما إنهال عليه من إتهامات وبذاءات صحافييناعلى شرائه تلك الجائزة، الثمينة، بثمن بخس، ألا وهوَ بيعه لسمعة وطنه وشعبه، وخاصة بقبوله ما يسمى " مجازر الأرمن "، التي إخترعها الغرب الكافر ليمنعنا من الدخول في إتحاده، العتيد.. الخ.
وإذاً، فما رأيته تطابق مع ما كان أديبنا ذاك، النوبليّ، قد وصفه ـ بحسب الصحافة ـ في روايته الأخيرة، عن زيارة له لمدينة " قارص "، الكردية، وصدمته بالأوضاع المشينة لساكنيها. فعلاً المرء يخجل من كونه تركياً، فيما هو يرى كل هذه الأوضاع المزرية، وبالرغم من أن تماثيل الوالد، المعظم، هنا وهناك مجللة بهذه اللافتة المخطوطة بعبارات كبيرة: " سعيدٌ من يقول أنني تركيّ "!.. ليسعدنا الربّ، إذاً، وليساعدنا أيضاً. ولكنني خلال الطريق، إهتديت إلى طريقة ترضي سواءً بسواء ضميري ـ كمؤمن يخاف من آخرته، وواجبي ـ كتركي غيور على سمعة وطنه. فالحواجز الكثيرة التي أقامها الجيش والجندرمة، ذكرتني بالخطر الإنفصالي، الكردي، الذي يهدد كيان الوطن العظيم. هذه مسألة لا يختلف عليها أحدٌ هنا، أكان علمانياً أم عثمانياً أم عشماوياً! رئيس الأركان يصرخ، بأنّ قواته ستسحق الإنفصاليين وتبيدهم عن آخرهم. فيزاود عليه فضيلة شيخنا رئيس الوزراء، بأنّ وحدة الوطن أهم بكثير من الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي وحتى من الحلف الإستراتيجي مع أمريكة. لا بل وسماحة الملا، وزير الخارجية، ذهب إلى أبعد من ذلك حينما توعّد الأمريكان بالويل والثبور إذا ما ثبت أن قواتهم في شمال العراق متورطة بتسليح الإنفصاليين هناك. كيف، لم يحدد سماحته، الإجراءات الرادعة: أهيَ قطع مساعداتنا الإقتصادية عن واشنطن، حتى يفطس شعبها الجائع أصلاً، أم إرسال جيشنا الباسل فرد مرة إلى بلادهم لقطع دابرهم، خاصة وأن نظامهم فيدرالي ويهدد أسس كياننا ويشجع أكرادنا على المطالبة بالفيدرالية؟ ولأعد إلى اللحية المعجزة، حيث لحظت أنّ تماثيل والدنا هنا، في المنطقة الجنوبية الشرقية، مصبوبة من الإسمنت، وعلى غير ما إعتدناه في غربنا التركي من مادة رخامية، فاخرة. هذا ظلم فادح، يعاني منه أهالي المنطقة، أتجرأ وأقولها بصوت عال ودونما خوف من المقاضاة أمام المحكمة بتهمة تأييد الإرهاب والإنفصالية. ولوْ ! فليكونوا أكراداً أو قروداً، ألا يستحقون تماثيلَ من رخام لا من السخام، على الأقل لخاطر هيبة أبينا في الأرض ولحيته الجديدة، المقدسة !؟ يحدثونك عن الإصلاحات في المنطقة الجنوبية الشرقية: فلنبادر إذاً لتخصيص ميزانية لهذه المنطقة ، كي لا يبقى تمثال واحد لأتانورك من تلك المواد الرخصة. وهكذا، نكون قد حققنا المساواة المطلوبة بين رعايانا وخلصنا ضميرنا ـ كمسلمين مؤمنين، وأسكتنا إلى الأبد أصوات المنتقدين لدولتنا في الغرب الكافر والساعية لمنعنا من الدخول في الإتحاد الأوروبي. والأهم، أن واحدنا حينها سيكون سعيداً ، حقاً ، بأن يقول بالفم المليان : أنا تركي !!
ايلاف
ازدواجية تركية
ازدواجية تركية
ساطع نور الدين
ليس من السهل إدراج الفوز الساحق لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات التركية قبل يومين في أي سياق اسلامي او اقليمي عام، كما لا يمكن مقاربته من أي زاوية عربية. ثمة خصوصية تركية قادت الى هذه النتيجة الباهرة، التي تمثل نقطة تحول في الصراع السياسي الداخلي في تركيا، من دون ان يعني ذلك بالضرورة انها ستؤدي الى انعطافة حادة في السياسة الخارجية التركية.
فكرة تركيا كنموذج لدولة المستقبل العربي سقطت منذ زمن بعيد. الاحتلال الاميركي للعراق ادى الى تعميق الانشقاق ما بين نظرية الحاكمية المعتمدة من قبل تنظيم القاعدة والتيارات الاسلامية المرتبطة به وبين فرضية الحداثة الرائجة في بقية الانحاء العربية، ذات الشكل العلماني... لكنه رسخ في المقابل تجربة التعايش التركية ما بين الاسلام الذي يدين به 95 في المئة من الاتراك وما بين العلمنة التي يحترمها 95 في المئة من الاتراك ايضا.
ليس هناك ما يمكن استيراده من تركيا: الاسلام قائم بذاته، من دون أي ادعاءات، ومن دون مؤسسة دينية تحكم على الجمهور بالبقاء عند حدود النصوص الاولى ولا تسمح بمغادرتها الا بإذن رسمي، ومن دون رجال دين يطمحون الى قيادة بلادهم نحو الآخرة... وكذلك العلمنة، هي من المكونات الاساسية للوعي الشعبي والهوية الوطنية والنظام الجمهوري الذي ليس له بديل حتى بالنسبة الى اشد الاسلاميين تعصبا.
تجربة حزب العدالة والتنمية كانت ناجحة بكل المعايير. قرر الناخبون تجديدها، ورفض الانذارات التي وجهها العسكر والعلمانيون وهم اكثر تطرفا وانغلاقا من الاسلاميين المنفتحين على الجميع، المتكيفين مع اميركا، يشاركونها في حرب افغانستان ويحذرونها من احتلال العراق، والراغبين في دخول الاتحاد الاوروبي من البوابة العريضة.. فقط لأن في ذلك ارتقاء في مشروع الاصلاح السياسي والاقتصادي التركي.
لا تبحث تركيا عن ادوار خارجية كبرى. تتولى حاليا امانة منظمة المؤتمر الاسلامي، لكنها لا تتطلع الى زعامة، او الى منافسة مع السعودية او باكستان او اندونيسيا او مصر... ولهذه الدول احجام محددة لا يمكن تخطيها من دون الاصطدام بالأميركيين، وهو ما لا يرغبه احد في انقرة ، برغم ان القرار الاول لحكومة العدالة والتنمية سيكون إرسال الجيش التركي الى كردستان العراقية، لإبعاده ربما عن مراكز صنع القرار في العاصمة.
لم يكن الفوز انقلابا، كان تتويجا لمسار سياسي طويل، ليس له أي بعد او حافز خارجي، مثله مثل أي انتخابات تجرى في أي بلد ديموقراطي في العالم، حيث البرامج والتفاصيل المحلية هي التي تحسم نتائج فرز الاصوات.لكن التفويض الشعبي المتجدد كان مغريا الى حد الذهاب في المخيلة الى ابعد من فكرة التعايش بين الثقافتين الاسلامية والعلمانية في تركيا، والوصول الى الكوابيس التي كانت ولا تزال تنتاب جمهورا عاش تلك الازدواجية منذ عام 1923 وحتى اليوم.
السفير
الزلزال التركي: ما هو حجم انتصار أردوغان...وماذا يعني؟
الزلزال التركي: ما هو حجم انتصار أردوغان...وماذا يعني؟
محمد نور الدين
أجمعت الصحافة التركية على أن «حزب العدالة والتنمية» حقق انتصاراً ساحقاٍ على خصومه، وهو ما يعني أن على القوى التركية بما في ذلك أساساً، المؤسسة العسكرية، احترام خيار الشعب هذا.
وكان لافتاً عنوان صحيفة «راديكال» العلمانية المعارضة لزعيم الحزب الحاكم رجب طيب اردوغان، الذي جاء فيه «وهذا إنذار الشعب»، في إشارة إلى انه ردّ على «إنذار 27 نيسان» الذي وجهه الجيش على موقعه على شبكة الإنترنت، وحال دون وصول عبد الله غول إلى رئاسة الجمهورية.
وعندما مُنع غول من أن يكون رئيساً للجمهورية توعّد قادة «العدالة والتنمية» بأن الردّ سيكون في صناديق الاقتراع، وهذا ما حصل أمس الأول. وعنونت صحيفة «زمان» الإسلامية المعتدلة «الكلمة الأخيرة قالتها الأمة»، في ما عنونت «بوسته» العلمانية «الشعب قال حزب العدالة والتنمية». وذكرت صحيفة «وطن»، «اردوغان مسح وكنس». وفي عناوين «صحيفة تركيا»، «حزب العدالة والتنمية سحق ومرّ»، وميلييت «رقم قياسي لحزب العدالة والتنمية»، وحرييت «فترة طيّب الثانية».
وكانت كتابات المعلقين أكثر تعبيراً عن حجم الانتصار الذي حققه «العدالة والتنمية». وقد وصفه المعلق العلماني غونيري جيفا اوغلو، المعارض بشدة لرئيس الحكومة، بأنه زلزال بقوة سبع درجات لن تمنعه كل السواتر الحديدية.
ويشير أوغلو إلى انه سيكون للنتائج وقع كبير على الاقتصاد، موضحاً أن الناس كانوا يحتفلون بالفوز بإطلاق العيارات النارية، وغداً ستنفجر الرصاصات إيجاباً في البورصة.
وكتبت صحيفة «اكسام» أن النتائج تظهر أن على الجيش، الذي هو حارس القيم العلمانية في بلد يدين 99 في المئة من سكانه بالإسلام، «التوقف تماماً عن التدخل في السياسة».
لقد أكد الشعب التركي بانتخابات مرة أخرى أنه يقف إلى جانب الضحية، وكم كانت معبّرة كلمات اردوغان عندما وصف النتيجة بأنها «ردة فعل للأمة على الذي حصل تجاه غول» في انتخابات الرئاسة، لكن أحداً لن يجادل في أن الناس انتخبت أيضاً لمصلحة الإنجازات الاقتصادية والاستقرار السياسي وترسيخ الديموقراطية.
ولم يستطع زعيم «حزب الحركة القومية» دولت باهتشلي، الذي دخل البرلمان، تفسير سبب ارتفاع أصوات «العدالة والتنمية» برغم «سياساته الفاشلة»، مرجحاً أن يكون السبب التركيز على طريقة الغدر التي عمل عليها أردوغان، داعياً باهتشلي إلى انتخاب رئيس توافقي للجمهورية. لكن «الحركة القومية» ضاعف من الأصوات التي حصل عليها من 8.3 في المئة في العام 2002 إلى 15 في المئة الأحد الماضي.
وكان «حزب الشعب الجمهوري» الخاسر الأكبر في الانتخابات، وانطوى زعيمه بايكال على نفسه في منزله، مع ارتفاع الأصوات داخل الحزب المطالبة باستقالته، في حين يتجه نواب حزب «اليسار الديموقراطي» الـ,13 الذين فازوا على لوائح «الشعب الجمهوري» للعودة إلى حزبهم.
وتبرز أهمية انتصار «العدالة والتنمية» أنه الوحيد الذي أخرج نواباً له في 80 من أصل 81 دائرة انتخابية، باستثناء محافظة تونجيلي، أي على امتداد مساحة تركيا، كما اكتسح المدن الكبرى في اسطنبول وأنقرة وكان نداً لـ«حزب الشعب الجمهوري» في ازمير المعقل التاريخي للعلمانيين. وللمرة الأولى يتقدم على بايكال في معقله ومسقط رأسه أنتاليا. وزادت أصواته بحوالى خمسة ملايين صوت، من عشرة ملايين في 2002 إلى 15 مليوناً هذه المرة.
ولا شك بأن «حزب المجتمع الديموقراطي» الكردي كان من كبار الرابحين، وقد اعتبر نائبه الجديد احمد تورك أن الحزب انتقم من اعتقال نوابه في العام .1994 لكن الأهم أنه سيكون لنواب الحزب الـ23 دور المفتاح، في تامين نصاب الثلثين في أي مشروع لتعديل الدستور في المستقبل، كما في انتخابات رئاسة الجمهورية.
يشار إلى أن فوز الأكراد بـ23 نائباً، للمرة الأولى، لا يعني انه الحزب الأول في مناطق الجنوب الشرقي، فقد تفوق «العدالة والتنمية» على «المجتمع الديموقراطي» في ست محافظات مقابل المركز الثاني في ثلاث، ما يعني أن الناس هناك تريد الاندماج بتركيا لا الانفصال عنها. وهذا يتعارض بعض الشي ء مع التصريحات التي أدلى بها بعض نواب «المجتمع الديموقراطي» من أنهم سيسعون إلى نظام الولايات في تركيا، لتكون للأكراد ولايتهم الخاصة بهم.
ويتوقع المراقبون أن يكون البرلمان الجديد ميدان حرب بين نواب «المجتمع الديموقراطي» و«الحركة القومية»، ما ينذر بتوترات قد يكون العسكر المستفيد الأول منها لتدخلات مستقبلية.
ووفقاً لنتائج الانتخابات فقد يكون في البرلمان ثمانية أحزاب، بعد عودة بعضها، مع آخرين إلى قواعدهم الحزبية، وهم «العدالة والتنمية» و«الشعب الجمهوري»، الذي سينفصل عنه النواب الـ13 لـ«اليسار الديموقراطي»، و«المجتمع الديموقراطي»، و«الوحدة الكبير» الذي نجح زعيمه محسن يازجي اوغلو بالفوز مستقلا، و«التضامن والحرية» اليساري ممثلاً برئيسه افق اوراس، وربما «الوطن الأم» إذا عاد مسعود يلماز على رأسه.
وفي حسابات الأرقام، فإن «حزب العدالة والتنمية» فاز بـ 341 نائباً، و«حزب الشعب الجمهوري» بـ ,112 و«حزب الحركة القومية» بـ,70 و«حزب المجتمع الديموقراطي» الكردي بـ23 نائباً وأربعة نواب مستقلين آخرين. وفي حسابات الثلثين فإن مجموع نواب «العدالة والتنمية» و«المجتمع الديموقراطي» سيكون 365 أي اقل من الثلثين بثلاثة أصوات، لكن إذا أضيفت إليهم أصوات المستقلين الآخرين فسيتم بلوغ، وربما تجاوز، الـ 367 مقعدا، من دون الحاجة إلى «الشعب الجمهوري» و«الحركة القومية».
أما الجيش فلم يصدر بعد أي تعليق عنه، وإن وضعته نتائج الانتخابات في موقف حرج جداً في المواجهة مع «العدالة والتنمية».
ماذا سيحدث الآن؟
بعد إعلان النتائج النهائية بصورة رسمية من جانب الهيئة العليا للانتخابات، والمتوقع قبل الخميس المقبل، يؤدي النواب قسم اليمين، وخلال خمسة أيام يتقدم المرشحون لرئاسة البرلمان بطلباتهم على أن تجري انتخابات رئاسة المجلس خلال الخمسة أيام التالية، وفي هذه الوقت يمكن للمرشحين لرئاسة الجمهورية الإعلان عن أنفسهم، حتى قبل انتخاب رئيس البرلمان الذي سينتخب الرئيس الجديد للجمهورية خلال شهر من أداء النواب قسم اليمين الدستورية، أي انه إذا تم أداء القسم في الأول من آب فيجب انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية قبل نهاية الشهر.
وفي حال فشل البرلمان في انتخاب رئيس جديد، ستذهب البلاد من جديد إلى انتخابات نيابية جديدة خلال ستين يوماً، ويرجح في هذه الحال أن تتم في اليوم نفسه الذي سيجري فيه الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي تقضي بانتخاب الرئيس من الشعب أي في 21 تشرين الأول المقبل، وفي هذه الحال لن ينتخب البرلمان الجديد رئيس الجمهورية بل، في حال نجح استفتاء انتخاب الرئيس من الشعب، ستتم الدعوة لانتخابه من الشعب خلال كانون الأول المقبل، وسيبقى الرئيس الحالي أحمد نجدت سيزير في موقعه الى حين انتخاب رئيس جديد.
السفير
إسلام ... وإسلام
إسلام ... وإسلام
حسام عيتاني
تغري الانتخابات التشريعية التركية بعقد مقارنات بين أحوال الاسلام السياسي في عدد من الدول الاسلامية غير العربية وبين حاله في ديار العرب. وتغري أكثر في التأمل في جاذبيته لشرائح واسعة من المتعلمين تعليما حديثا وأصحاب المهن وبين ما يمثله الاسلام في العالم العربي.
تبرز تركيا مؤخرا كدولة ينشط الاسلاميون فيها من داخل مؤسساتها الدستورية محاذرين في الوقت ذاته المساس بما يعتبر حتى الآن مسلمات الكيان. ومن دون استفزاز القوة الضاربة للأتاتوركية، يخوض الإسلاميون صراعا معقدا لرفع سقف حرياتهم هم في الدرجة الاولى، وحريات باقي مكونات المجتمع التركي. هذا توصيف يكاد يكون مدرسيا للحال التركية.
غير أن تركيا ليست وحيدة في المضمار هذا. فما تشهده اندونيسيا وماليزيا، على سبيل المثال، من نهوض للتيارات الاسلامية التي لا تسعى الى التصادم مع الدولة بل الى «الاستيلاء عليها من الداخل»، وهذا حق لها طالما انها تمارس العملية الديموقراطية وفق التوافق السياسي العام في بلدانها، وذلك في ظل نوع من المصالحة مع فكرة الدولة الامة او بالاحرى من دون الخروج بشعارات أممية إسلاموية لا طائل منها الا توفير الذرائع للسلطات للتضييق على الناشطين الاسلاميين. يجوز الرد على تهمة ان الاسلاميين «ديموقراطيون لمرة واحدة» بأن على الشعوب ان تتحمل مسؤولياتها التاريخية عند الوقوف امام صناديق الاقتراع.
بل يمكن القول ان ايران ذاتها قد انجزت مصالحة من النوع ذاته بين الدولة والثورة بحيث باتت الثانية في خدمة الاولى، وانتهت تلك الايام التي كانت ايران ترى في نفسها رافعة لاحداث ثوري اسلامي على الصعيد العالمي. يمكن الحديث عن استنثاءات في الدول الاسلامية غير العربية وابرزها باكستان التي لم ترسخ قدمها بعد حتى بين الدول الديموقراطية. قد تكون صدمة التأسيس التي رافقت نشوء الدولة الباكستانية وحالة العداء الشرس بينها وبين الهند وما رتبته من حروب وسباق تسلح باهظ الكلفة، من الاسباب التي يمكن سوقها لتفسير استثنائية الحالة الباكستانية.
زبدة القول في المجال هذا، ان التجربة التركية وغيرها من التجارب غير العربية، بينت إمكان التفارق بين الاسلام وبين جملة من الاتهامات التي يوجهها خصوم القوى الاسلامية لها من نزوع اصيل الى الاستبداد والتسلط وإلغاء الآخر وفرض معايير اجتماعية وثقافية وأخلاقية لا تحوز على القبول اللازم بين المواطنين غير المؤيدين للمشاريع الاسلامية. على انه لا تنبغي المبالغة هنا في نفي مباعث التوجس والحذر من عطب بنيوي في الاسلام كأيديولوجيا سياسية لا تنقص حَمَلَتُها الدوافع لتحويلها الى ايديولوجيا شمولية.
السمات الشمولية هي ما يظهر على سطح الاسلام السياسي في العالم العربي اليوم. صحيح ان الاجواء العربية قد تكون اشد قسوة على جميع التيارات السياسية وأن التجارب الاخرى القومية واليسارية اصيبت هي الاخرى بآفات العنف والاستبداد والقمع الدموي للآخرين، الا ان العوارض المرضية هذه تتابع ظهورها على مدى اعوام مديدة من تطور تجارب هذه القوى، في حين ان الامر هذا لا ينطبق على الاسلام السياسي العربي الذي استسهل دعاته استسهالاً لا يمكن غفرانه اللجوء الى العنف في سبيل الوصول الى السلطة، ما اعطى نتائج عكسية مثالها ما جرى في الجزائر ومصر.
إفلاس الانظمة العربية التقليدية وإخفاقاتها في جميع المجالات وفي مقدمتها طريقة تعاطيها مع الصراع العربي ـ الاسرائيلي، والامثلة السيئة التي قدمتها باستيلاء حكامها على السلطة بالوسائل الانقلابية والاحتقار الشديد للديموقراطية كآلية لتدوال السلطة، أمور تتيح للإسلاميين العرب الحديث عن حقهم في السير على الطريق عينه، والدفاع عن مشاريعهم السلطوية حتى لو اتخذوا من اجل تحقيقها طريق العنف الانقلابي.
من جهة ثانية، لا يمكن اغفال جملة من الحقائق الموضوعية المتعلقة بالمجتمعات العربية التي لم يخرج اكثرها بعد من ربقة التسلط الابوي البطريركي على المستوى الاجتماعي قبل الوصول الى الواقع السياسي.
عليه، تبدو اكثرية حركات الاسلام السياسي العربية كحالات تمرد على السلطة التقليدية، تتأرجح بين قطبي العنف الارهابي الاعمى وبين التسليم والخضوع «لشرعية» الحكومات القائمة. في حين ان الاسلاميين غير العرب استطاعوا تطوير لغة سياسية، بمعنى قدرتهم على مخاطبة جمهور واسع بالتركيز على مصالحه وكيفية خدمتها كأي حزب سياسي في العالم، من دون ان يبدأوا خطاباتهم بالتهديد بالويل والثبور من عذابات الجحيم اذا لم يستلموا هم السلطة.
يعيد هذا الكلام الى مقولة قديمة عن ان الاسلام، مثل كل الايديولوجيات، يتخذ شكل المجتمعات التي ينشط فيها انصارها. وها هي المجتمعات العربية المأزومة تفرز اسلاما مريضا، في حين ان مجتمعات سليمة تعرف كيف تتعاطى مع اسلامها.
السفير
نهاية التدخلات الخارجية النشطة
نهاية التدخلات الخارجية النشطة
د. برهان غليون
لا يرى أنصار السياسة الخارجية السورية، التي أرسى أسسها الرئيس حافظ الأسد، وقامت على توسيع دائرة نفوذ سوريا ودورها الإقليمي في المنطقة، مقابل مصالح استراتيجية حيوية تتعلق أساساً باسترجاع الجولان، سوى إنجازات فذة لا تقارن بحجم الخسائر أو التضحيات التي تحملتها. ففي ما يتعلق بأهم الجبهات التي فتحتها السياسة الخارجية السورية واستثمرتها، أعني جبهة العلاقات السورية -اللبنانية، وفر لبنان لسوريا مسرحاً جانبياً للحرب، حلَّ معضلةً استراتيجيةً كبرى بمنعه إسرائيل من النوم على قرار ضم الجولان (14/12/1981)، وفي الوقت نفسه عدم المغامرة بالتورط بحرب شاملة مع الدولة العبرية تكاد نتائجها تكون محسومة لصالح الخصم. وقد أثمرت هذه الحرب المحدودة بالفعل مشروع تسوية كاد يتحقق تحت إشراف الرئيس الأميركي "بيل كلينتون" عام 2000.
ولا يختلف الوضع في فلسطين. فليس هناك أي شك في أن وجود منظمات فلسطينية حليفة لسوريا، داخل الحركة الفلسطينية، قد أعطى لدمشق هامش مناورة كبيرا تجاه السياسة الفلسطينية والدبلوماسية العالمية، ومنعَ "منظمة التحرير الفلسطينية" بشكل خاص من عقد اتفاق منفرد مع تل أبيب على حساب سوريا. لكن ربما كان العراق هو المثال الأنجح في سياسة التدخل الإقليمي النشطة. فقد أمكن لدمشق أن تضع حداً لغطرسة القوة الأميركية، التي لم تخفِ منذ دخولها العراق رغبتها في أن تجعل من احتلاله منطلقاً لتغيير شامل في النظم العربية. فلم تفرض المقاومة العراقية على واشنطن التراجع عن شعاراتها السياسية ووضع مخططاتها الشرق أوسطية ومشاريعها التغييرية على الرف فحسب، ولكنها عملت أكثر من ذلك على وضع الإدارة الأميركية في مشكلة استراتيجية عويصة، عندما أغرقتها في مستنقع لا تعرف الخروج منه، وعرضتها لانتقادات داخلية ودولية عنيفة.
من زاوية النظر هذه، كانت سياسة التدخل النشطة في نزاعات الشرق الأوسط، مثمرة لدمشق من دون شك. فقد أمّنت لها مزايا استراتيجية عديدة، وحولتها إلى قوة إقليمية فعلية. ونجمت عن هذا النجاح مكاسب استراتيجية عظيمة، كما حصل بعد "اتفاق الطائف" الذي كفلَ للنفوذ السوري شرعية عربية، ومن ثم دولية في لبنان. وأعطى للقيادة السورية رصيداً سياسياً كبيراً في الداخل السوري وفي المحيط العربي والدولي.
لكن بالإضافة إلى أن سياسة التدخل الخارجي النشط لم تكفل لسوريا تحقيق أهم أهدافها الوطنية التي تسعى إليها، فقد كان لهذه السياسة تداعيات إنسانية واستراتيجية ملحوظة؛ إذ أدخلت سوريا في نزاعات جانبية استنفدت جزءاً من طاقتها. كما أن مردودها السياسي لم يكن بالمستوى المتوقع.
فعلى الجبهة الفلسطينية، كانت هذه السياسة رديفاً لمعارك مع حركة "فتح" بقيادة ياسر عرفات، أي مع القوة الرئيسية للحركة الوطنية الفلس
