القيم الأخلاقية بين "أبوغريب" والحادي عشر من سبتمبر
د. طيب تيزيني
موقع الرأي: 01/06/2004
تأتي الأحداث المحلية والعالمية المتسارعة لتضع البحث العلمي الاستراتيجي أمام أسئلة جديدة، أو أمام صيغ حادة مأساوية لأسئلة قديمة. ويضاف إلى ذلك أن الزمن، الذي كان الناس يحتاجونه للتدليل على مصداقية مواقفهم وآرائهم، يختصر الآن أكثر فأكثر، نظرا لكثافة الأدلة الآتية من تطورات وتحولات سريعة هائلة. وفي هذا أشارة الى ثورتي الاتصالات والمواصلات وما يتصل بهما من تطورات تكنولوجية اقتصادية وعسكرية. ويدا بيد مع هذه التطورات والتحولات، تعيش الإنسانية حدثين اثنين من حقل واحد هو حقل القيم الأخلاقية، هما أحداث الحادي عشر من سبتمبر و"أحداث" سجن أبوغريب في العراق، ولا يشك المرء في هذه الأيام، خصوصا حينما يكون باحثا في النظرية الأخلاقية، أن هذين الحدثين يقدمان له مادة مهمة لبحثه.
وقد لفتت العلاقة بين الحدثين المذكورين نظر المهتمين: هل ثمة علاقة بينهما وما خصوصيتها؟ وكان من هؤلاء وزير خارجية الفاتيكان، الذي صرح منذ بعض الوقت لصحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية قائلا: إن عمليات التعذيب إنما هي "ضربة للولايات المتحدة أقوى من هجمات الحادي عشر من سبتمبر. لأن تلك الهجمات شنها إرهابيون، لكن الأميركيين هم من وجه ضربة (تعذيب المعتقلين) لأنفسهم".
وفي هذه الحال، يصح القول بأن النتائج، التي ترتبت على كلتا الحالتين المذكورتين، مأساوية ينبغي إدانتها. فضحايا الحادي عشر من سبتمبر هم سواء مع ضحايا سجن أبوغريب، هم جميعا ضحايا الإجرام الدولي. هم جميعا ضحايا ثقافة العنف والرعب والقتل، التي يراد لها أن تتحول إلى الثقافة الأكثر حضورا وحسما في العالم الراهن. بيد أن ثمة أمرا جديرا بنا - إن كنا أوفياء للحقيقة-أن نضعه موضع تساؤل: لماذا وقف السيد بوش وأفراد من إدارته أمام التحقيق، الذي أجراه الكونجرس؟ ومن ثم، لماذا أغفل هؤلاء التحذيرات، التي أتتهم من مصادر "داخلية" وتتحدث عن "التحضير" لأعمال "إرهابية" ستقع أو يمكن أن تقع في الولايات المتحدة الأميركية "وهي التي وقعت، بالضبط، في الحادي عشر من سبتمبر"؟!
وتأتي الحرب على العراق، لتزداد التساؤلات حول مصداقية الإدارة الأميركية في تعاملها مع العالم. فها هنا، كذلك، كيف تتصرف إدارة أكبر دولة في العالم، إذا ما سمعت "شائعات" عن وجود "أسلحة دمار شامل" في العراق؟ كيف تواجه السلطة الأخلاقية الدولية شخصا أو فئة أو مؤسسة أو دولة هي الأقوى في العالم الراهن، إذا تبين أن هذه الدولة العملاقة تدخلت في شؤون دولة أخرى صغيرة عن طريق الحرب، بزعم أن هذه الأخيرة تملك مثل تلك الأسلحة "الشاملة في فعلها التدميري" ولم تجد شيئا من هذه الأسلحة فيها؟ ثم، ماذا بوسع تلك السلطة الأخلاقية الدولية أن تفعل وهي تلاحظ أن الدولة العملاقة المذكورة دخلت حربها ضد الدولة الصغيرة بالرغم من وقوف العالم ومرجعياته الدولية ضد ذلك؟ وثالثا، ما الذي يمكن أن يفعله البشر، ومعهم السلطة الأخلاقية المعنية، إذا تبين لهم أن الدولة العملاقة إياها ظلت جاثمة على صدر الشعب "العراقي"، مع العلم بأن هذا الشعب يطالبها بـ "اليد أو اللسان والقلب"، بالخروج من بلده، غير مأسوف عليها؟
إن ما يمكن استخلاصه من تلك الحيثيات ربما كان "حقيقة" واحدة، يمكن تلخيصها بحقيقة منطقية تفصح عن نفسها كما يلي: إذا كان شخص مثقلا لكل عناصر الاشتباه والتشكيك تلك، فلا يصح النظر إليه على أنه حائز على شروط المصداقية الأخلاقية "والمعرفية". وحيث يكون الأمر على هذا النحو "من المرارة والمأساوية" فإن ما أعلنه وزير خارجية الفاتيكان ربما يغدو بحاجة لشيء من التوسيع متصل بمسؤولية الولايات المتحدة الأميركية في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كما في مجازر سجن أبوغريب: لقد كانت الإدارة الأميركية بحاجة إلى أحداث سبتمبر هذه، لتدخل العالم في نفق الثنائية التكفيرية "ثنائية الشر والخير- إما معنا وإما ضدنا"، كما هي بحاجة إلى "أبوغريب"، لتكسر إرادة الشعب العراقي، الذي لا يقبل بالاحتلال بديلا عن استبداد صدام.
وكي لا نبعد كثيرا، نسوق بضعة مقاطع متوهجة مأخوذة من قصيدة مغناة كتبها "واحد من أهم الروائيين الأميركيين في القرن العشرين واسمه بول أوستر"، كما يرى البعض: "آه ياسيد بوش، أنت تخيفني حقا، من قمة رأسي حتى أخمص قدمي. طيفك ماثل في أروقة الموت في تكساس... آه يالعنة الانتخاب المريب؟ كيف أمكن أن تكون بمثل هذه الخسة؟ تقول: إن الآخرين يمثلون الشر؟ غير أنك تنحني أمام مذبحة الأذية. آه، يا أداة المال والنفط؟ كم تجعل الدم يغلي في عروقي؟."
سيتعين على علماء الأخلاق والسياسة والاستراتيجيات أن يضبطوا "ما يحدث في العالم" وأن يسوقوا النتائج إلى من يناط بهم رهان الحفاظ على العالم والوطن والإنسان.
الرأي/ "الاتحاد"