ترجمة محمود درويش إلي... العربية!
2004/12/13
القدس العربي
صبحي حديدي
الملحق الثقافي الأسبوعي لصحيفة الثورة ، السورية الحكومية، أتي بما لم يستطعه الأوائل، وبما لم يتجاسر عليه إبن امرأة: لقد ترجم شعر محمود درويش من العربية إلي... العربية! نعم، أكرّر: إلي العربية! قصيدة درويش طباق ، وهي مرثية الراحل الكبير إدوارد سعيد، ترجمها يراع العبقري المدعو أنيس المهنا عن الإنكليزية، ونشرها ملحق الثورة الثقافي في عدد 7/12 الجاري، بتصدير يقول: هنا ترجمة لقصيدة لمحمود درويش يودّع فيها ادوار سعيد بعد مرور عام علي غيابه... نشرت له في Al-Ahram Weekly باللغة الإنكليزية الشهر الماضي !والحال أنّ القصيدة كُتبت بالعربية الفصحي، وبهذه اللغة قرأها درويش للمرّة الأولي حين افتتح مهرجان جرش الشعري في العاصمة الأردنية عمّان أواخر تموز (يوليو) الماضي. وبهذه اللغة الفصحي ذاتها، نُشرت القصيدة بعد ذلك في صحيفة الدستور الأردنية، و المستقبل اللبنانية التي تُوزّع في سورية، ثمّ في عشرات الصحف العربية والمواقع علي شبكة الإنترنت. وبالعربية ألقي درويش القصيدة في مناسبات لاحقة، أبرزها ندوة حاشدة في إحياء ذكري سعيد نظمتها جامعة السوربون، وأشارت إليها الأخبار في معظم الصحف العربية. ويبدو أنّ أياً من عباقرة الثورة لم يسمع بهذه القصيدة، حتي اكتشفها المهنا في مطبوعة مصرية تصدر بالإنكليزية، فترجمها، ونشرها الملحق مزهوّاً فخوراً دون ريب!والنتيجة أكثر من كارثية بالطبع، ومبكية أكثر ممّا هي مضحكة.
وإذا وضعنا جانباً الخيانات المعتادة في الترجمة عموماً والشعر خصوصاً (وهي هنا ليست تلك الخيانات المعتادة التي تراود الخاطر، بل هي جرائم وفضائح وفظائع...)، فلعلّنا نبدأ من بعض العجائب في الأمثلة التالية التي تظلّ ـ صدّقوني ـ غيضاً قليلاً من فيض مذهل:
ـ يقول درويش: ولكن سمعت هنوداً قدامي ينادوننا: لا تثقْ/ بالحصان، ولا بالحداثة ،
ويقول المترجم: مازلت أسمع حكمة قديمة للهنود:/ الثقة، لا حصان ولا حداثة !
ـ درويش: لا الشرق شرقٌ تماماً/ ولا الغرب غربٌ تماماً ،
والمترجم: هناك في الشرق، ليس شرقياً تماماً/ وفي الغرب، ليس غربياً تماماً !
ـ درويش: أدافع عن شجر ترتديه الطيور ،
والمترجم: أدافع عن البلاد والمنفي/ في طيور شجرة مكتظة الأوراق !
ـ درويش: وأكتب: ليس الجمالي إلا بلوغ الملائم ،
والمترجم: فالجمال يكمن في الوصول برباطة جأش !
ـ وخذوا هذه الفريدة، التي حوّلت الخصية إلي رصاصة!
يقول درويش: وأمّا أنا فحنيني صراع علي/ حاضر يمسك الغد من خصيتيه ،
فيترجمها صاحبنا هكذا: حنيني كفاح من أجل حاضر/ سنملكه غداً بالرصاص !!!
ـ وأخيراً، وليس آخراً أبداً، يتبرّع المترجم العبقري فيزيد علي النصّ من عندياته، ويستزيد!
يختم درويش: وداعاً/ وداعاً لشعر الألم! ،
ويترجم صاحبنا: منشغلاً.. باحتفال وداعي..../ الوداع... ادوار/ إنها قصيدة الألم الوداعية...
!الأمر لا يقف عند الاستزادة، لأنّ أنيس المهنا يشطب من قصيدة درويش أكثر من 65 سطراً! والأرجح أنّ أحداً لا يستطيع الجزم حول أسبابه في ذلك، لأنّ الســـــطور المحـــــذوفة لا تنطـــــوي علي صعوبات خاصّة عند الترجمة، كما حـــدث حين عجـــز عن إدراك معني Contrapuntal Reading، (العنوان، غير الموفّق، الذي اختارته مني أنيس في الترجمة الإنكليزية)، فانتقي لنفسه العنوان التالي: قصيدة الألم الوداعية في وداع ادوارد سعيد ، هكذا ببساطة! من جانب آخر، معظم السطور المحذوفة ذري عالية في القصيدة، وبين أجمل مقاطعها و... أيسرها علي الترجمة أيضاً! الأصل في هذه الجريمة هو استهتار لا حدود له بحرمة نصّ أدبي لشاعر أساسيّ، واحتقار لفكرة الحقّ والمسؤولية والمحاسبة، بعد الجهل الأكيد الفظيع الذي يضرب أطنابه في معظم أقسام الثقافة في الصحف الحكومية السورية. ولقد قيل لي إنّ المشرف علي الملحق الثقافي، حسين عبد الكريم، شاعر وروائي وقاصّ. ولا أدري حقاً كيف فاتت هذا الآدمي حقيقة أنّ القصيدة كُتبت ونُشرت وأُلقيت بالعربية، وأنّ درويش الأشهر من نار علي عَلَم لا يكتب بالإنكليزية. ولا أدري كيف تستمرّ هذه الفضيحة منذ أسبوع تقريباً، دون أن تنشر الصحيفة اعتذاراً من خمس كلمات؛ ودون أن يرفّ جفنٌ للمدير العام الجديد فايز الصايغ، الذي وصل إلي المؤسسة راكباً بعيرَين في آن معاً: تطوير الخطاب السياسي والإعلامي و تحسين الرأي العام السوري .وذات يوم كان ملحق الثورة الثقافي ينشر كتابات أدونيس وعلي الجندي وسعد الله ونوس وممدوح عدوان وعلي كنعان وزكريا تامر وعبد الله عبد وهاني الراهب، وكان مطبوعة راقية متميّزة بكلّ المقاييس. فما الذي تفعلونه بالثقافة السورية، يا أبناء الـ ...!