unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2004-12-16  

لمــاذا "أنــا ســوري يانيّــالي" ؟!
حكــم البــابــا
جريدة النهار اللبنانية 15/12/2004
لا أعرف لماذا يستفزني "اسكتش" ( أنا سوري يانيّالي ) الذي يحسد فيه الممثل عبد الرحمن آل رشي السوريين على سوريتهم ، منذ ظهوره قبل أعوام في التلفزيون السوري وحتى اليوم ، مع أني آخذ الاسكتش كلما سمعته على أنه نوع من الأناشيد الحماسية المطلوبة لملئ فترات بث روتينية في احتفالات التلفزيون بالأعياد الوطنية ليس أكثر ، إلاّ أن ذلك لايمنعني من سؤال نفسي : لماذا أنا سوري يانيّالي ؟ وأبدأ بالتفكير بجدية في الأسباب التي تدفعني كسوري لحسد نفسي إلى الدرجة التي يتم فيها تكليف شاعر بكتابة اسكتش وملحن بتلحينه وفرقة بأدائه ونجم ومنشدين فضلاً عن مخرج وكادر فني وتقني لتصويره ، فلو تجاوزنا مسألة الجنسية والمواطنية التي تدفع أي مواطن في العالم للاعتزاز بانتمائه لوطنه وليس السوريون فقط ، لابد من وجود أسباب أخرى تدفع السوريين (وليس غيرهم) لحسد أنفسهم على حياتهم ، فأنا أستطيع أن أقدر مثلاً توليف اسكتش يحسد فيه الأمريكيون أو الفرنسيون أو السويديون أنفسهم على جنسياتهم ، فبإمكان أي من هؤلاء أن يقدم قائمة طويلة بمميزات الحياة المرفهة التي يعيشونها بجد ، بغض النظر ماإذا كانت هذه الرفاهية بنيت من دماء الشعوب المقهورة كما يصفها عادةً ماتبقى من الرفاق الشيوعيين ، ولكن ماهو رد أي سوري لمن يسأله : ماهي الأشياء التي تحسد نفسك عليها إلى الدرجة التي تقف وفي وسيلة إعلامية بحجم التلفزيون ، وليس في اجتماع حزبي داخلي ، لتصرخ بملء فمك : أنا سوري يانيالي ؟! ولو تجاوزنا شخصين هما المعلق السياسي السوري الدكتور عماد فوزي الشعيبي ، والنائب اللبناني ناصر قنديل اللذان سيجدان بديهة مطواعةً ولغة فكهةً (مع اختلاف اسلوبيهما) للرد الفوري على هذا السؤال ، لن نعثر بين الـ 18 مليون سوري من سيجيب بسهولة على هذا السؤال الصعب ، وربما بدافع من عصبية قومية سيتأتئ ويفأفئ طويلاً قبل أن يعثر على أي جواب ، وسيستعين بلفظ الجلالة في صياغة جملته بين الكلمة وأختها ، فإن شاء الله سأحصل على بيت ، وبإذن الله سأجد عملاً ، وسبحان الله كيف مضى هذا الشهر ، والله بيدبرها ، لابسبب خلفية دينية إنما لأنه بدون مشيئة الله لن يتمكن سوري من الاستمرار في الحياة ، فالدخل الشهري للسوري لايتعدى المائتي دولار في أحسن أحواله ، وشراء منزل في أمريكا أرخص من شرائه في دمشق ، وعلى عكس العالم السيارة في سورية يزداد سعرها كلما قدمت سنة صنعها ، وتكلفة دقيقة الحديث في الموبايل هي الأغلى بين الدول العربية ، وكل مافي البلد قديم ينتمي إلى الماضي: الشوارع والأبنية والسيارات والشعارات والإعلام ، وكلمة ممنوع أكثر الكلمات تداولاً ، والفساد هو الذي يحرك الحياة ، فلا يشق طريق ، أو يشيّد جسر ، أو يفتح نفق ، أو يعلو بناء ، أو تمر معاملة مالم يكن لأحد مصلحة ما ، أو يدخل في جيب ما مبلغ ما ، والدوائر الوحيدة التي تعمل بجد وتنشط بدون كلل أو ملل هي أبنية المخابرات ، والناس تضيف إلى طعامها توابل الشعارات لتشبع ، وحلم الوحدة العربية وتحرير فلسطين ومعاداة الاستعمار لايراه إلا السوري العادي فيقاسمه لقمته ، بينما يغيب هذا الحلم (سبحان الله) عن منامات المسؤولين السوريين فيأكلون لقمتهم كاملة ، ومع ذلك فالسوري يدبّر رأسه بإفساد حياته مرة ، وإفساد حياة الآخرين مرة ويعيش ، مثله مثل شعوب عديدة ، لكن الفارق بينه وبين تلك الشعوب أنها لاتملك أغنية من نوع ( أنا سوري يانيّالي ) تحسد فيها نفسها على حياتها التعسة !
قبل أن أنهي وإحقاقاً للحق لابد أن أذكر أن المسؤولين السوريين وأبنائهم ، وأثرياء الخط العسكري بين دمشق وشتورة ، ومليونيرات الوحدة والحرية والاشتراكية من حقهم أن ينشدوا ( أنا سوري يانيّالي ) ، ويانيّالهم فعلاً ، لأنه مامن بلد يمكن أن يجعلهم يحسدون أنفسهم بمثل هذه الطريقة غير سورية !

   [ POSTED  @ 6:46 م ]



   2004-12-13  


ترجمة محمود درويش إلي... العربية!
2004/12/13
القدس العربي
صبحي حديدي
الملحق الثقافي الأسبوعي لصحيفة الثورة ، السورية الحكومية، أتي بما لم يستطعه الأوائل، وبما لم يتجاسر عليه إبن امرأة: لقد ترجم شعر محمود درويش من العربية إلي... العربية! نعم، أكرّر: إلي العربية! قصيدة درويش طباق ، وهي مرثية الراحل الكبير إدوارد سعيد، ترجمها يراع العبقري المدعو أنيس المهنا عن الإنكليزية، ونشرها ملحق الثورة الثقافي في عدد 7/12 الجاري، بتصدير يقول: هنا ترجمة لقصيدة لمحمود درويش يودّع فيها ادوار سعيد بعد مرور عام علي غيابه... نشرت له في Al-Ahram Weekly باللغة الإنكليزية الشهر الماضي !والحال أنّ القصيدة كُتبت بالعربية الفصحي، وبهذه اللغة قرأها درويش للمرّة الأولي حين افتتح مهرجان جرش الشعري في العاصمة الأردنية عمّان أواخر تموز (يوليو) الماضي. وبهذه اللغة الفصحي ذاتها، نُشرت القصيدة بعد ذلك في صحيفة الدستور الأردنية، و المستقبل اللبنانية التي تُوزّع في سورية، ثمّ في عشرات الصحف العربية والمواقع علي شبكة الإنترنت. وبالعربية ألقي درويش القصيدة في مناسبات لاحقة، أبرزها ندوة حاشدة في إحياء ذكري سعيد نظمتها جامعة السوربون، وأشارت إليها الأخبار في معظم الصحف العربية. ويبدو أنّ أياً من عباقرة الثورة لم يسمع بهذه القصيدة، حتي اكتشفها المهنا في مطبوعة مصرية تصدر بالإنكليزية، فترجمها، ونشرها الملحق مزهوّاً فخوراً دون ريب!والنتيجة أكثر من كارثية بالطبع، ومبكية أكثر ممّا هي مضحكة.
وإذا وضعنا جانباً الخيانات المعتادة في الترجمة عموماً والشعر خصوصاً (وهي هنا ليست تلك الخيانات المعتادة التي تراود الخاطر، بل هي جرائم وفضائح وفظائع...)، فلعلّنا نبدأ من بعض العجائب في الأمثلة التالية التي تظلّ ـ صدّقوني ـ غيضاً قليلاً من فيض مذهل:
ـ يقول درويش: ولكن سمعت هنوداً قدامي ينادوننا: لا تثقْ/ بالحصان، ولا بالحداثة ،
ويقول المترجم: مازلت أسمع حكمة قديمة للهنود:/ الثقة، لا حصان ولا حداثة !
ـ درويش: لا الشرق شرقٌ تماماً/ ولا الغرب غربٌ تماماً ،
والمترجم: هناك في الشرق، ليس شرقياً تماماً/ وفي الغرب، ليس غربياً تماماً !
ـ درويش: أدافع عن شجر ترتديه الطيور ،
والمترجم: أدافع عن البلاد والمنفي/ في طيور شجرة مكتظة الأوراق !
ـ درويش: وأكتب: ليس الجمالي إلا بلوغ الملائم ،
والمترجم: فالجمال يكمن في الوصول برباطة جأش !
ـ وخذوا هذه الفريدة، التي حوّلت الخصية إلي رصاصة!
يقول درويش: وأمّا أنا فحنيني صراع علي/ حاضر يمسك الغد من خصيتيه ،
فيترجمها صاحبنا هكذا: حنيني كفاح من أجل حاضر/ سنملكه غداً بالرصاص !!!
ـ وأخيراً، وليس آخراً أبداً، يتبرّع المترجم العبقري فيزيد علي النصّ من عندياته، ويستزيد!
يختم درويش: وداعاً/ وداعاً لشعر الألم! ،
ويترجم صاحبنا: منشغلاً.. باحتفال وداعي..../ الوداع... ادوار/ إنها قصيدة الألم الوداعية...
!الأمر لا يقف عند الاستزادة، لأنّ أنيس المهنا يشطب من قصيدة درويش أكثر من 65 سطراً! والأرجح أنّ أحداً لا يستطيع الجزم حول أسبابه في ذلك، لأنّ الســـــطور المحـــــذوفة لا تنطـــــوي علي صعوبات خاصّة عند الترجمة، كما حـــدث حين عجـــز عن إدراك معني Contrapuntal Reading، (العنوان، غير الموفّق، الذي اختارته مني أنيس في الترجمة الإنكليزية)، فانتقي لنفسه العنوان التالي: قصيدة الألم الوداعية في وداع ادوارد سعيد ، هكذا ببساطة! من جانب آخر، معظم السطور المحذوفة ذري عالية في القصيدة، وبين أجمل مقاطعها و... أيسرها علي الترجمة أيضاً! الأصل في هذه الجريمة هو استهتار لا حدود له بحرمة نصّ أدبي لشاعر أساسيّ، واحتقار لفكرة الحقّ والمسؤولية والمحاسبة، بعد الجهل الأكيد الفظيع الذي يضرب أطنابه في معظم أقسام الثقافة في الصحف الحكومية السورية. ولقد قيل لي إنّ المشرف علي الملحق الثقافي، حسين عبد الكريم، شاعر وروائي وقاصّ. ولا أدري حقاً كيف فاتت هذا الآدمي حقيقة أنّ القصيدة كُتبت ونُشرت وأُلقيت بالعربية، وأنّ درويش الأشهر من نار علي عَلَم لا يكتب بالإنكليزية. ولا أدري كيف تستمرّ هذه الفضيحة منذ أسبوع تقريباً، دون أن تنشر الصحيفة اعتذاراً من خمس كلمات؛ ودون أن يرفّ جفنٌ للمدير العام الجديد فايز الصايغ، الذي وصل إلي المؤسسة راكباً بعيرَين في آن معاً: تطوير الخطاب السياسي والإعلامي و تحسين الرأي العام السوري .وذات يوم كان ملحق الثورة الثقافي ينشر كتابات أدونيس وعلي الجندي وسعد الله ونوس وممدوح عدوان وعلي كنعان وزكريا تامر وعبد الله عبد وهاني الراهب، وكان مطبوعة راقية متميّزة بكلّ المقاييس. فما الذي تفعلونه بالثقافة السورية، يا أبناء الـ ...!

   [ POSTED  @ 1:14 م ]



   2004-12-12  

لمناسبة حملة التضامن مع المعتقلين السياسيين في سوريا السجين 405/ عارف دليلة سابقاً
في التسعينات أشار عليّ أحد طلاب الدكتور عارف دليله والذي كان قد عاد لتوه من الاختصاص في ألمانيا الديموقراطية، وصار أستاذاً في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، بحضور محاضرات جمعية العلوم الاقتصادية التي لعارف الباع الأكبر في وجودها ونشاطها. يومها كانت المحاضرة عن قانون الاستثمار في سوريا، ويومها تداخل عارف قائلاً: إن قانون الاستثمار رقم عشرة مصمم خصيصاً ليستفيد منه عشرة أشخاص مبشرين بالجنة، وأشار بيده الى الصف الأمامي من الحضور حيث كان من كان فيه و صفق الحضور طويلاً قبل أن يتابع عارف مداخلته. في تلك الأيام كان الدكتور عارف دليلة هو الصوت الوحيد المنتقد في العلن ومن الداخل للسياسات الاقتصادية القائمة وللفساد المستشري، ولكونه قد شغل منصبي عميد كلية الاقتصاد في حلب ثم دمشق، ولكونه مؤسس جمعية العلوم الاقتصادية، ويقدم المحاضرات في أكثر من مكان وله الكثير من الكتب والمقالات وقد عمل في دول الخليج، ولكونه يملك الكثير من الإرادة وقوة الشخصية، كان قادراً على الاستمرار وحده في محيط من الصمت والخوف، حتى بعد فصله من التدريس في الجامعة بقرار سياسي تعسفي. وبعد ذلك بسنوات وفي الرياض في السعودية اجتمعت مع اثنين من طلابه واللذين صارا بدورهما أستاذين في الاقتصاد أيضاً، لنشاهده على التلفزيون. يومها كان عارف قد باشر نشاطه في ما يسمّى لجان إحياء المجتمع المدني، وعدت سريعاً إلى سوريا، وكان همي الأول أن ألتقي به. وبالفعل وفي منتدى الحوار الوطني في منزل رياض سيف في أوائل عام 2001 تعارفنا وتواعدنا وتبادلنا الزيارات والحوارات وعملنا معاً في ما سمّي "ربيع دمشق".
وبسرعة وبعد تسعة أشهر من ذاك التاريخ، وعندما كنت أسلّم أماناتي في قبو فرع الفيحاء للأمن السياسي حيث اعتقلت في اليوم السابق وأمضيت ليلتي الأولى في سجن الشعبة لصالح فرع الريف الذي سلّمني الى فرع التحقيق في اليوم التالي، وعلى مكتب مساعد السجن لمحت على مغلف موضوع أمامه اسم عارف دليلة وعلى مغلف آخر كلمة وليد، عندها عرفت أن عارف موجود أيضاً في إحدى المنفردات المجاورة، يومها شعرت (بالارتياح): طبعاً ليس لاعتقال عارف ووليد ولكن لكوني معهما في قضية واحدة، وربما شعرت بالفخر لكوننا ندخل السجن من أجل قضية مشرفة ونظيفة ليس لنا فيها أي مطلب أناني. وسمعت من شق الباب صوت عارف يرفض طعام الإفطار، وكذلك وليد، لكون الزنزانة مغلقة تماماً، معتمة ومتعفنة، يومها تناولت رغيفاً عليه بعض الزيتون الأخضر، كنت في حاجة الى الطعام كي أحتفظ بقوتي، فلا أدري ماذا ينتظرني، وعند الغداء الذي كان بامية وارزّا والذي وضع في صحن بلاستيكي لم أتمكن من غسله كما يجب، لعدم توافر الصابون، طلبت ملعقة فقال لي السجان: "كول بإيدك ولا". قلت: سبق وتعرضت للضرب من أمي كي أتعلم الطعام بالملعقة، وها أنت... أغلق النافذة من دون أن يرد، وأكلت ببقايا الخبز بينما رفض عارف تناول أي شيء.
لم تطل المعاناة فقد كانوا في عجلة من أمرهم. أنهوا التحقيقات في الليل وفي الصباح رحّلونا الى محكمة أمن الدولة العليا. اجتمعت بعارف عند مكتب المساعد الذي أعاد الأمانات إلينا. قبّّّلت عارف ووليد بحرارة وحزنت جداً لأجله وهو يرتدي حزامه ويتسلم حاجياته (أمثل هذا الإنسان يسجن في سجن كهذا؟!). وبعد نهار طويل مثلنا فيه أمام قاضي التحقيق في محكمة أمن الدولة العليا. ذهبوا بنا ليلاً إلى سجن عدرا.
في سجن عدرا في المهجع رقم 4 من الجناح 2 المخصص للسياسيين، كنت شريك عارف وحدنا وكان وليد في المهجع رقم 6 وحده. في ليلتنا الأولى طلبنا طعاماً، وكان السجانون والسخرة كريمين معنا: مكدوس ولبنة وشاي وجبن. لم يكن خافياً أبداً تعاطفهم (جميعهم) معنا، ولم يكن خافياً أنهم يتحينون الفرصة لإبداء محبتهم وتقديم كل مساعدة ممكنة بعيداً عن المراقبة. هنا عرفنا أننا في وطننا رغم السجن وأننا رغم السجن بين أهلنا وأصدقائنا. إن تلك المشاعر النبيلة (المحرمة) التي أظهرها سجانونا كانت أكبر غذاء روحي لنا في مواجهة ظرف جديد وطارئ نتعرض له، خاصة مع سماع صوت المئذنة (الله أكبر). كان ذلك مساء الاثنين 10 /9/2001، وخلال الأيام الأولى كنا نحاول الحصول على بعض الأشياء واللوازم الضرورية: سخانة، إبريق شاي، شراشف، بيجامة، شحاطة. وكنا نوطد العزم على تحسين ظروف الإقامة التي قد تطول. وبالفعل، نقل وليد البني إلينا ثم انضم حبيب عيسى وأمضينا فترة ستة أشهر معاً ووحدنا في المهجع رقم 6 بعدما ركبوا فيه أجهزة تنصت سرية، ثم في غرفة صغيرة قبل أن يفرقونا بسبب إضرابنا عن الطعام في 21/3 /2002.
الأيام الأولى للسجن صعبة، خاصة على من كان يعيش في الخارج حياة مثل حياتنا مليئة بالعمل والنشاط. كنا لا نعرف مصيرنا وكنا منقطعين تماماً عن العالم إلا بعض الجرائد الحكومية. ولا نخرج الى الباحة، وليس لنا زيارات ولم ننزل الى المحكمة. صنعت من العجين حجارة شطرنج، وحاولت أن أجمّل جدران المهجع الكبير بالمادة نفسها، فعجنت بعض بقايا الخبز اليابس بالماْء ورسمت على الجدار راقصة باليه مقابل سرير عارف لكي يحدق بها. كانت بالحجم الطبيعي تقف على أصابع قدم واحدة وترفع يدها فوق شعرها بملامحها الروسية، وكنا نستخدم الخبز والبيض والمربى والشاي والقهوة. شيئاُ فشيئاً بدت أقرب الى الواقع وبدأ عارف يقدم بعض الملاحظات المهمة، ثم صار يشارك معي. يومها اكتشفت أنه يملك عيني فنان وأنامله. ثم تولى هو وضع اللمسات الأخيرة على تلك الراقصة التي زينت جدار مهجعنا.
فعارف ليس فقط إنسانا رقيق المشاعر وفناناً بل صوفي أيضا. شخصيته ليست شخصية السياسي، إنها شخصية المثقف (رجل العلم والمعرفة والحقيقة)، لا يبحث إلا عن الحقيقة والحق بأعلى صورها وأنقى أشكالها، وقليلاً ما يهتم بالتوافقات والمصالحات والحلول الوسط. شخصية واضحة محبة متسامحة صافية ليس عندها أسرار ولا مناطق مظللة، لكنها قوية في نصرة الحق وفي كراهية الكذب.
عندما كنت أرى عارف مستغرقاً في صمته وحزنه، كنت أسأله سؤالاً اقتصادياً، فيصحو فيه الأستاذ النائم ويلقي محاضرة مطولة يشرح فيها ويطيل، وقد كنت مع وليد تلميذين نجيبين نجيد الاستماع وطرح الأسئلة. كان عارف يؤكد على الدوام أن الأزمة الاقتصادية في سوريا سببها ليس اقتصادياً ولا حلها كذلك، وأنها لم تحدث بشكل تلقائي بل صنعت تصنيعاً وبفعل فاعل، وأن الفساد لم يصنعه الأشباح بل أشخاص حقيقيون يجب الإشارة إليهم، وسياسات شجعت عليه ورعته وهيأت له الظروف الملائمة.
وفي لحظات الإحباط رسمت بالعجين أربع جماجم تمثل الأرقام التي أعطونا إياها بدل أسمائنا، قالوا لنا اكتبوا هذه الأرقام وإحفظوها جيداً. وهكذا فعلت: رسمت جمجمة عارف لتحمل الرقم 405، وحبيب 406، وأنا 407، و وليد 408. لكن جمجمة عارف بدت من دون قصد متجهمة وجمجمة وليد مبتسمة. احتج عارف وقال لي: أترسمني متجهماً في الآخرة. أيضاً هناك سأكون تعيساً. أنا أحتج. وعبثاً حاولت أن أجعلها تبتسم. كنت أقول لهم ستخرجون إذا خرجت هذه الجدران، ستخرجون ولكن جثثاً. أردتم إحياء المجتمع المدني، فتحولتم جثثا وجماجم في ماكينة القمع.
لم أكن أتخيل أن يتحول مزاحي إلى حقيقة وأن ننقل الى المنفردات ونعزل عن بعضنا ثم ينال عارف حكماً بعشر سنوات ويتعرض للإهانة، و يمرض بأمراض عدة، بينها مرض قلبي خطير. فقد كنت أظن أن مشكلتنا مع السلطة ليست كبيرة إلى هذا الحد وسرعان ما ستنتهي، لأن الحقيقة واضحة وطريق المستقبل أمام سوريا واحد ووحيد، ألا وهو طريق الحرية والديموقراطية بحسب تعبير عارف.
ومضت السنوات معزولين عن بعضنا في زنزانات انفرادية ولم نتمكن من رؤية عارف ولا سماع صوته لكونه في زنزانة بعيدة عنا. توفيت والدة عارف في الربيع الماضي من دون أن يراها لأنها كانت قعيدة الفراش ولا تتمكن من زيارته، ومنعنا من تقديم كلمة عزاء له. لكنه زرع في باحة السجن التي نخرج إليها فرادى، وردة صغيرة في حوض صغير، وراح يسقيها لتنمو وتفوح رائحتها، فهذا هو الشيء المادي الوحيد القادر على تقديمه لروح أمه الطاهرة التي غادرت هذا العالم مجروحة الفؤاد.
خرجت من السجن بعد ثلاث سنوات أمضيت معظمها في السجن الانفرادي لكني لم أعد الى البيت تماماً حتى الآن، كما لم يرجع لي اسمي الحقيقي. لا أزال أحياناً أظن نفسي 407 وليس كمال. وعندما خرجت، سألت أولادي: هل أنا أبوكم فعلاً؟ تأكدوا، ربما أخطأ السجان وأخرج رقماً آخر غيري. قالت لي زوجتي: ألم تفتح مفاتيحك الباب؟ قلت: بلى. قالت: إذاً أنت هو زوجي. لا أزال استفسر منها بين الحين والحين: هل خرجت من السجن حقاً؟ فتقول لي: جسدياً، نعم. ولا تزال هي أيضاً ترصد موعد الزيارة، ولا نزال نشعر بالقلق ليس فقط من التهديدات المستمرة بالعودة الى السجن، بل على صحة زملائي الذين لا يزالون هناك، وبشكل خاص لأن عارف مريض ولا يزال اسمه 405، وكذلك حبيب وفواز ووليد لا يزالون أرقاماً في زنازين في أوضاع صحية وظروف سيئة، ولا أزال أعمل جاهداً كي يتجاوز بلدنا تلك المرحلة الرمادية من تاريخه، أقصد مرحلة الاستبداد واحتكار السلطة بالعنف والقمع، باحثاً عمن يناصرنا بين محبي الحرية والعدالة،
ومطالباً بالحرية لكل السجناء السياسيين وفي مقدمهم السجين رقم 405/ د. عارف دليلة سابقا
ملحق " النهار " العدد 666 -12 كانون الأول 2004 ً

   [ POSTED  @ 7:11 م ]