خزعة من قامة ممدوح عدوان
2004/12/22
صبحي حديدي
القدس العربي
هل من الممكن تخيّل المشهد الأدبي السوري المعاصر بدون هذا الرجل ـ المؤسسة، ممدوح عدوان (1491 ـ 4002)؟مَن مثله سوف يمارس، بإجادة وتميّز وأصالة وعمق ودأب، الشعر والرواية والمسرح والمقالة والدراما التلفزيونية والترجمة... في آن معاً؟وفي الأساس، هل كان مشهد الحداثة الشعرية السورية علي امتداد النصف الثاني من القرن العشرين سيكتسب تلك النكهة الخاصّة والمعطيات المنفردة، لو أنّ ممدوح عدوان لم يرفد عمارته بمداميك كبري، مبكّرة وطليعية في آن، مثل تلويحة الأيدي المتعبة ، 0791؛ و الدماء تدقّ النوافذ ، و أقبل الزمن المستحيل ، 4791؛ و أمّي تطارد قاتلها و يألفونك فانفر ، 7791؟ومَن سوي ممدوح عدوان كان سيشاطر الراحل الثاني، سعد الله ونوس، عبء الارتقاء بالمسرح السوري الحديث والمعاصر، وزجّه في قلب ورشة مذهلة تطرح الأسئلة الضرورية والجوهرية وغير المألوفة من جهة، وتمارس التطوير في كتابة النصّ وتنفيذ العرض وتحريض التنظير النقدي؟ لم يكن هذا ممكناً من دون ونوس في حفلة سمر من أجل 5 حزيران و الفيل يا ملك الزمان ، ولكنه أيضاً لم يكن ممكناً من دون عدوان في محاكمة الرجل الذي لم يحارب و ليل العبيد و كيف تركت السيف . وبمعني الوظيفة الإجتماعية والمعرفية والسياسية للإنتاج الثقافي، هل كان اتصال القاريء العربي بالإبداع الإنساني سيكون علي الحال ذاتها في غياب الترجمات النوعية التي أنجزها عــــدوان: تقرير إلي غريكو السيرة الذاتية والفكرية للروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكيس؟ أو سفر الإلياذة ؟ أو ذُري هيرمان هيسه: الرحلة إلي الشرق ، و سيد هارتا و دميان ؟ أو أوديســـــة الشاعر الكاريبي ديريك ولكوت، عودة أوليس ؟ أو مقالات أوكتافيو باث، الشعر ونهايات القرن ؟ أو دراسة كيث وايتلام الشجاعة، تلفيق إسرائيل التوراتية ؟ وخلال مروره الأخير في باريس، قبل نحو عام، أهداني الراحل كتابه الأحدث آنذاك حيونة الإنسان ، وهو مجموعة مقالات حول مقدار ما فقد البشر من كرامة وتضامن إنساني وإحساس بعذابات الآخر، حتي صاروا معتادين علي الإذلال المحيط بهم وبغيرهم، وصاروا أكثر استعداداً لقبول التعذيب والمهانة والعنف علي شاشات التلفزة وبالنقل الحيّ المباشر. ولقد كتب إهداء شخصياً مؤثراً، جاء في بعض سطوره: سيقول لك هذا الكتــاب إننا هناك لم نكن نتفرج محايدين .والحال أنّ الكتاب كان يقول لي هذا، وأكثر. ولكني لم أكن البتة بحاجة إلي هذا الكتاب أو سواه لكي أتذكّر كيفية وقوف عدوان وطبيعة مواقفه من قضايا البلد السياسية والفكرية والثقافية. كنت، منذ مطلع السبعينيات، أعرف ما تعرّض له من تنكيل وإبعاد من الوظيفة وتجميد وتهميش ومضايقات، فضلاً عن الحرب المخابراتية الخفيّة التي كان يديرها وزير تارة أو مدير عام طوراً، لكي لا نحتسب العشرات من صغار الكتبة... كتبة التقارير، قبل القصائد والقصص والدراسات!وذات يوم، في الفترة ذاتها، همس في أذني أحد هؤلاء (وكان دون ريب ينفّذ المهمة الأمنية العتيقة: نشر الإشاعة المدروسة) أنّ وزير الإعلام قد يقرّر إبعاد ممدوح من القسم الثقافي في صحيفة الثورة لأنه... عميل عراقي! وقلت له: عميل عراقي، خبط لزق؟ قال: نعم! إنه يوزّع كاسيتات عراقية!وللإنصاف، كان الكاتب ـ العميل علي حقّ في هذه، لأنّ الراحل كان قد قام بزيارة إلي بغداد في وضح النهار وبعلم السلطات وضمن وفد ثقافي، واصحب معه أشرطة للمغنّي العراقي الرائع حسين نعمة، وبأريحيته المعتادة سجّل بعضها لأصدقائه. ومن جانبي أعترف أنني، وأنا إبن منطقة الجزيرة السورية التي تحاذي العراق، لم أكن حينذاك قد سمعت بأسماء حسين نعمة وسعدون جابر وياس خضر، وأنّني أدين للراحل بفضل ترقية ذائقتي الغنائية إلي ذلك المستوي الرفيع من الشعر والطرب والوجد الذي يبلغه حسين نعمة في نخل السماوة و يا حريمة علي سبيل المثال فقط... وحين بلغني نبأ رحيل ممدوح، فكّرت في زوجته الصديقة إلهام، واتصلت بها لكي أقول الكثير، ولكن لكي تعزّ اللغة فلا أدمدم إلا بـ شدّي حيلك ! ومثل الكثيرين ربما، قضيت الليل أقرأ قصائد ممدوح الأخيرة التي تناولت موضوعة الموت علي نحو يجمع عبقرية التسامي علي الألم بحسّ الإنتماء الإنساني التامّ إلي الحياة. ولكني، أيضاً، شعرت بحنين جارف إلي عملاق آخر من صانعي مداميك تحديث المشهد الشعري السوري الحديث والمعاصر: محمد الماغوط. وهكذا، وجدتني أعود إلي قراءته قصيدته التي جاءت بمثابة مقدّمة لعمل عدوان الأخير حياة متناثرة .وسأسمح لنفسي باقتباس بعض سطورها هنا:
لن تصدّقْ إنني أهوّل عليك
لا أكثركما كان سليمان عواد يهوّل علي أمير البزق،
مهدّداً إياه بلفافة الـ خصوصي للجيش
.أتذكر تلك اللفائف؟
وذلك السعال المديد والمتقطع،
كالتدريبات الأولية في المستعمرات علي نشيدها الوطني؟
ومع ذلك لا أقلّ عنك جهلاً في هذه الأمور.
فللآن لا أعرف سعال الشاعر من القاريء من الناقد
من المترجم من الراوي.
لا أعرف إلا سعالي!
صحيح أنّ معظم التبوغ مصنّعة،
لكن سعالي الطبيعي مكفول لمئة عام من العزلة!
ومع ذلك أقدّمه بكل سرور
مقابل شعرك المتساقط ولونك الرصاصي،
وأهوال العلاج ونفقات الأمل.
(...)والآن دعنا من هذه الترهات
أريد خزعة من رئتيك وجبينك وأحزانك...
إنّ نسيجها أكثر متانة ومماطلة
من قلعة مصياف وجبال دير ماما
وأكثر فطنة وثقة من أعلام الغزو في الظلام.
وأنا واثق أنك ستزهر من جديد كالوراقة، وفي عزّ الشتاء.
وإذا خطرت لك زيارتي حيث أقيم
فعلي الرحب والسعة..