unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-01-22  

زراعة الياسمين في سورية: مشمولة أيضا برعاية قانون الطوارئ والأحكام العرفية

فريد حداد
نشرت صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 20-1-2005 في موقعها على شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) خبراً من دمشق لمراسلها السيد ابراهيم حميدي تحت عنوان ( حملة أهلية لاسترجاع الياسمين الى دمشق .. من " وحش الأسمنت") يقول فيها :
1
(كي يقوم رئيس «مجموعة ماس الاقتصادية» فراس طلاس بـ«التحرك للتعبير عن حبنا الحقيقي للشام» عبر.
بعد موافقة محافظ دمشق محمد بشار مفتي وشعبة الامن السياسي اعلن رئيس «مجموعة ماس الاقتصادية» فراس طلاس في مؤتمر صحافي عن تخصيص عشرين ألف دولار اميركي لمشروعه الياسميني حاضّاً الحاضرين من شخصيات شامية وممثلين لجمعيات مدنية - اهلية، كي يكونوا «جنوداً للشام» يزرعون الياسمين الذي تقول الاسطورة ان لونه وشكله يمثلان رفضه ان ينحني... مثل الشام» الرافضة للضغوط، )
ناهيك عما جاء في الخبر عن مساعي روؤس المافيات الأقتصادية المنبثقة عن الأستبداد والفساد السياسي , لتلميع صورهم المقيتة في نظر الشعب السوري , وتقززه من سماع اسمائها . الا ان المضحك المبكي في الخبر المذكور هو الإشارة الى حصول أهل حملة زراعة الياسمين على موافقة شعبة الأمن السياسي , وكأن ضرورة وشرعية وجود تلك الموافقة أصبحت من المسلمات في حياة شعبنا .
فاذا سلّمنا بضرورة الحصول على موافقة محافظ المدينة للحيلولة دون قيام المواطنين بـ:" زراعة الياسمين في منتصف الشوارع واعاقة حركة المرور" , فما هو مبرر الحصول على موافقة الأمن السياسي ؟ .
1 – هل هناك انواع من الياسمين تسيء الى "الوحدة الوطنية وتناهض أهداف الثورة" مما يقتضي تحليلها في مختبرات الأمن السياسي قبل غرسها في الأرض؟.
2 – هل هناك انواع من الياسمين تحمل في أغصانها أجهزة تنصت للعدو الصهيوني كتلك الأجهزة التي تُكتشف على خطوط الهواتف العسكرية بين الفينة والأخرى. لذا توجب التدقيق بها من قِبل الأمن السياسي قبل غرسها في تربة الوطن؟.
3 – هل تعلمت أجهزتنا الأمنية من تجارب أوروبا الشرقية درساً مفاده, أن الورود والزهور أصبحت رموزاً للمعارضة, وأداة من ادواتها في اسقاط الاستبداد , لذا وجبت الحيطة والحذر لئلا تكون النهاية على يد الياسمين الدمشقي؟.
4 – هل زراعة الياسمين هو أحد المجالات الضيقة التي مازالت الأحكام العرفية وقانون الطوارئ مطّبقة فيه, كما اتحفنا واعلمنا جهابذة التنظير السلطوي, عندما انكروا استمرار سريان مفعول قانون الطوارئ الا بحدود ضيقة والتي تمس امن الوطن. لذا استوجب تدخل الأمن السياسي في حملة زراعة الياسمين؟.
ولكن لنأخذ نصف الكأس المليء كي لا نُتهم بالتعصب والاستفزازية, ونعتبر ان الأجهزة الأمنية في سورية قد تحولت من زرع الرعب والفساد في طول البلاد وعرضها , الى زراعة الياسمين , فلماذا اذاً لم يُفرج عن عارف دليلة وحبيب عيسى وعبد العزيز الخير وغيرهم المئات من الأكراد والاسلاميين والطلاب والنشطاء, طالما ان محكمة امن الدولة العليا بدمشق لم تدنهم بمناهضة مشاريع زراعة الياسمين.
والسؤال الأخير والمحير هو : طالما أن المافيات المتعددة الاختصاصات في سورية, قد سمحت لنفسها ان تتدخل في ظل قانون الطوارئ في حملة زراعة الياسمين في التربة الدمشقية, فلماذا تستكثر على نفسها, تدخل مجلس الأمن في ظل قانون الطوارئ العالمي الذي ترعاه أمريكا , لخلعها من التربة اللبنانية؟.
2
كما ورد في مقدمة الخبر ما يلي: (لم يكن غياب الياسمين عن شوارع دمشق وما تبقى من غوطتها الخضراء، وركنه مرسوم في لوحات الفسيفساء المعلقة في المعالم الاثرية، السبب الوحيد وراء اطلاق حملة لغرس نحو مئة زرعة ياسمين في العاصمة السورية، بل ان حملة تولاها سفير اليابان السابق لتنظيف نهر بردى، المعلم الثاني لدمشق، كان «المستفز» لحملة اخرى هدفها زرع عشرة آلاف شتلة.)
يقول لنا هذا الخبر بأن أحد الاسباب التي استفزت المافيات الأقتصادية للقيام بحملة زراعة الياسمين , هو بقايا خجل من الحملة التي قام بها السفير الياباني السابق لتنظيف نهر بردى العابر لدمشق "عرين قائد العرب!"
حدثني صديق كندي سبق له ان زار دمشق مرات عديدة فقال : ( ان التخريب الذي تمارسه حكومتكم في دمشق لا تستهدف منه الدمشقيين فقط , بل تستهدف البيئة الدمشقية ايضاً , فنسبة تلوث الهواء الذي يبلغ اضعاف النسبة المسموح بها صحياً , وتحويل نهر بردى الى مجرى للمياه الآسنة , وانعدام المساحات الخضراء داخل المدينة , والتدمير المستمر لغوطة دمشق , كل هذا لم ينجم عن فوضى او سوء ادارة, بل انه نهج مدروس ومبرمج لتدمير عاصمة الأمويين كبشر وبيئة).
تمنيت ان يكون كلامه خطأً من ناحية مقاصد "حكومة الثورة". ولكن هل يكون السفير الياباني السابق قد توصل لنفس الأستنتاجات وبادر بشخصه لحماية البيئة الدمشقية من حكامها "الثوريين" محرري الجولان ؟ .
"الرأي / خاص"

   [ POSTED  @ 3:36 م ]



   2005-01-19  

صالة الجسر في حلب تغلق بأوامر رئيس الوزراء دون ذكر الاسباب
تصريح صحفي :
تم إغلاق صالة الجسر بأمر عرفي (دون ذكر الأسباب أو التهمة) من رئيس الوزراء بتوصية من وزير الثقافة الحالي وموجه إلى محافظ حلب الذي نفذ الأمر بتاريخ 12 تشرين الأول 2004 بعد انفضاض الملتقى الدولي الثامن للتصوير الضوئي الذي نظمته أسوة بتنظيمها لكل الملتقيات السابقة على مدار السنين.
من المؤسف أن يتم الإغلاق بحضور وتواجد مجموعة كبيرة (أكثر من ثلاثين) من الفنانين العالميين حيث تم إخراجهم من الصالة وتشميعها بالشمع الأحمر مما ترك أثراً وسمعة سيئين في نفوس هؤلاء وللأسف فقد وجدوا في عملية الإغلاق موضوعا استثنائيا للتصوير فقاموا بتخليده بكاميراتهم مما يشيع ذلك سمعة سيئة إلى المعنيين في سورية.
طبعاً بسبب الإغلاق تم حجز مجموعة كبيرة من اللوحات الفوتوغرافية لفنانين دوليين شاركوا في الملتقى الدولي الثامن للتصوير الضوئي الذي قامت الصالة بتنظيمه في مدينة حلب من 25 أيلول وحتى الخامس من تشرين الأول.
ويقوم بعض الديبلوماسين الأوروبيين بزيارة الصالة المغلقة دوريا لمعرفة فيما إذا كان الإغلاق مستمرا.
وكانت الصالة قد اعتادت تنظيم هذا الملتقى سنوياً منذ عام 1997 لغاية 2004 حيث يشترك فيه العديد من دول العالم ومن جميع القارات ويعتبر من أهم الملتقيات الدولية ويحرص كثير من المصورين الضوئيين العالميين الاشتراك في نشاطاته.. ويزوره الآلاف كل سنة من داخل سورية ومن خارجها.
بالإضافة إلى الملتقى الدولي للتصوير الضوئي فقد نظمت الصالة ستة ملتقيات دولية سنوية "فنانات من العالم " 1999 – 2004 حيث يشترك في نشاطه كل سنة 48 دولة عربية وأجنبية.
تنظم الصالة في أيام الملتقيين الكثير من الأنشطة الفنية من مسرحية وموسيقية وندوات ولقاءات يقوم الفنانون خلالها بتبادل وجهات النظر حول تجاربهم في مختلف الحقول الفنية.

اليوم في 18-1-2005 تم فك التشميع عن الصالة ليصار إلى سحب بعض اللوحات لفنانين فرنسيين ومن ثم إعادة تشميعها في إصرار غريب من قبل السلطات على مصادرة أي نشاط مدني أو ثقافي في مدينة حلب، مما ولد شعور لدى المثقفين في هذه المدينة بأن السلطة تتعامل بحساسية مفرطة مع أي نشاط عام ولو كان فني أو ثقافي، واعتبر الكثيرون أن السلطات تقيس الأمور بأكثر من مكيال.
وللأسف ليس هناك من سبب يراد من إغلاق هذه الصالة إلا توجيه ضربة أليمة إلى الثقافة السورية والمساعي الخيرة لنشرها في العالم ولتعريف الفنانين السوريين بالفنون العالمية.
و إغلاق الصالة في مرحلة تدعي فيها السلطات السورية أنها منفتحة على العالم يعد سابقة خطيرة باعتبار أن قانون الطوارئ والأحكام العرفية قد امتدت اذرعه لتصل إلى قمع الحالة الثقافية والفنية .
إننا في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية ندعوا جميع المثقفين والفنانين والغيورين على سمعة سورية الدولية التضامن من أجل فك أسر هذه الصالة لتعود إلى عملها الذي اعتادت عليه مدينة حلب
د. عمار قربي
رئيس مكتب الأعلام في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية
في 19-1-2005
"الرأي / خاص"

   [ POSTED  @ 4:11 م ]


 

بيان بتأسيس لجنة التنسيق الوطني للدفاع عن الحريات الأساسية وحقوق الإنسان

منذ أربعين عاماً ونيف ونحن نعيش في ظل حالة الطوارئ والمحاكم الاستثنائية التي شلت فاعلية المجتمع وحرمته من المشاركة في الحياة العامة، ومن ممارسة دوره الرقابي على أداء السلطة مما أدى إلى احتكار وهيمنة هذه (السلطة) على جميع مستويات التنظيم الاجتماعي، والى إلغاء القيود والضوابط الدستورية والقانونية بصورة كاملة، كما أحكمت سيطرتها على المجتمع ومؤسساته.
لقد أدى تغييب المجتمع المدني بكافة مؤسساته الاجتماعية والسياسية إلى تحرر السلطة من كل ما يحد من ميولها، والى خرق القوانين واللوائح التنظيمية بالشكل الذي يناسبها، مما أسفر عن التأميم الفعلي للسياسة، ومصادرتها وإخراج الشعب من دائرة الفعل السياسي ورهنه إلى منطق السلطة الحاكمة ومصلحتها، كما استخدمت السلطة إعلان حالة الطوارئ سلاحاً فعالاً للتخلص من خصومها وإخضاع القضاء لهيمنتها، ونؤكد في هذا السياق أن سيادة القانون لا تتحقق بمجرد فرض النظام واستتباب الأمن، ما لم تضمن هذه السيادة تقييد الحكام و إلزامهم باحترام القانون، وإخضاع السلطة لرقابة قضائية، شريطة أن يكون القضاء نزيها مستقلاً عن السلطتين التشريعية والتنفيذية على حد سواء، وهذا لن يتحقق إلا في ظل دولة الحق والقانون، دولة الكل الاجتماعي، دولة المواطنين الأحرار المتساويين في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن الدين والجنس والاثنية. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن حالة الطوارئ وغياب الحريات والأحزاب أطلقت يد السلطة التنفيذية وهيمنتها على سائر مؤسسات الدولة وإصدارها التشريعات على مقاسها.
إن الأمر برمته، وبشكل خاص ضرورة مواجهة التهديدات الخارجية، وسحب الذرائع من يد هذا الخارج وهذه المسائل لن تتحقق إلا بمتابعة تطوير عملية الانتقال الديمقراطي، ومن أجل ذلك تداعى ممثلو قوى وفعاليات سياسية ومدنية وثقافية تتبنى خيار الإصلاح الوطني الديمقراطي إلى لقاء تشاوري تم الاتفاق فيه على أن تتكثف الجهود في عام 2005 للعمل على إنجاز المشتركات التالية التي تشكل مدخلاً أساسياً وجوهرياً لأي إصلاح:
إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي بمن فيهم المعتقلون على خلفية أحداث 12 آذار والحسكة لأسباب سياسية، وطي ملف الاعتقال السياسي وما يتفرع عن ذلك و عودة آمنة للمنفيين إلى الوطن.
إعادة الحقوق المدنية للمجردين منها بموجب أحكام المحاكم الاستثنائية والعسكرية وما نتج عنها، وتسوية مشكلات المفقودين، والتعويض على المتضررين.
إلغاء كافة أشكال التعذيب الجسدي والنفسي أعمالاً لأحكام الدستور والقوانين المحلية والمعاهدات الدولية.
تفعيل المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتي وقعت عليها سورية والتزمت بتنفيذها .
إعادة الجنسية للمواطنين السوريين الأكراد الذين جردوا منها في إحصاء عام 1962 أو المكتومين منهم وجميع المحرومين الآخرين.
العمل على إيجاد حل ديمقراطي للمسالة الكردية ومسائل الأقليات القومية الأخرى في سورية.
إصدار قانون عصري جديد للأحزاب والجمعيات.
إصدار قانون جديد يضمن حق الاتصال وحرية الصحافة والإعلام والمطبوعات.
وكل عام وشعبنا في سورية بألف خير.

دمشق في السابع من ذو الحجة 1425هـ
الموافق 17/1/2005م
الموقعون:
التجمع الوطني الديمقراطي في سورية.
لجان أحياء المجتمع المدني.
منتدى الأتاسي للحوار الديمقراطي.
جمعية حقوق الانسان في سورية.
لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع سوريا.
حزب العمل الشيوعي في سوريا.
التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا.
الجبهة الديمقراطية الكردية في سوريا.
حزب يكيتي الكردي في سوريا.
11-حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا.
12-لجنة الدفاع عن حقوق المجردين من الجنسية.

   [ POSTED  @ 3:57 م ]



   2005-01-18  

الـحــريــة الـثــكــلـى
محمد علي الأتاسي -
ملحق " النهار " العدد 671 - الأحد 16 كانون الثاني 2005

في السادس من هذا الشهر، رحل شيخ المثقفين السوريين أنطون مقدسي عن نحو من تسعين عاماً، وجرت مراسم الدفن في دمشق في أجواء مهيبة ومتواضعة، احتفظ خلالها أنطون مقدسي لنفسه ومحبيه وأصدقائه بمفاجأة أخيرة. إذ نقل عنه الأب الياس زحلاوي في كلمته الموجزة التي ألقاها بعد انتهائه من أداء الطقوس الدينية، أن مقدسي أوصى أن تخلو جنازته من كل تمثيل رسمي للسلطتين الدينية والسياسية، وأنه في حال مشاركة أيّ من ممثلي هاتين السلطتين، فهم يشاركون في صفاتهم الشخصية لا السلطوية.
قد يقول قائل أمام رحيل مثقف في العقد التسعيني من العمر: أن الموت قضاء وقدر وكلنا سواسية أمامه. لكن ما يجعل من موت شيخ المثقفين السوريين أنطون مقدسي فجيعة وفقداً كبيرين، هو أن الرجل كان في ذروة عطائه ورجاحة عقله وعمق تفكيره وخفة ظله. فلا المرض ولا تقدم السن ولا استحالة مغادرة المنزل بسبب صعوبة الحركة، حدّت من تألق الرجل وتوقد ذهنه وسعة صدره. كان أنطون مقدسي من طينة أولئك الرجال الذين كلما تقدمت بهم السن، توقدت روحهم شبابا ومعرفتهم اتساعاً.
في منزله المتواضع في حي الشعلان بمدينة دمشق، كنا نزوره شباناً في العقد الثالث من العمر، وهو الرجل التسعيني الذي يفيض تواضعا ودماثة وعطاء. كان قادراً بملاحظة ذكية أو كلمة عابرة أن يخففنا من عبء النصف قرن الذي يفصلنا عنه. لم ندخل عليه مرة إلا كان يقرأ أو يكتب على طاولة صغيرة. الكتب، بهمة زوجته وشريكة حياته، كانت دائما في متناول يده، تحيط به من كل جانب، بعيدة عن رفوفها، بسبب الصعوبة في الوقوف والتنقل التي كان يعانيها في السنوات الأخيرة.
نبادره بالسؤال: أستاذ أنطون ما هي مشاريعك وعلى أي موضوع تشتغل الآن؟ تتوقد عيناه وينظر إلينا، الواحد تلو الآخر، ويبدأ بسرد مشاريعه التي لا تنتهي: من مقالة بالفرنسية يعدّها عن المثقف ودوره، إلى دراسة عن حزب البعث، إلى مقدمة ديوان لصديقة طلبت منه كتابتها، إلى قراءات متراكمة في الفلسفة والرواية والشعر. ومع ذلك كان دائما هو الأول، ليس فقط في الانتهاء من قراءة آخر ما نُشر من روايات ودواوين، ولكن في التعليق عليها وإيجاد العبارة المختصرة والمعبّرة بدقة وذكاء عن قيمة هذا العمل أو ذاك. أما التاريخ فهو، في حضرة أنطون مقدسي، صفحة مفتوحة مليئة بالحكم والعبر والأحداث المغيبة.
ولد أنطون مقدسي في قرية يبرود السورية عام 1914 لعائلة من الروم الكاثوليك، ودرس في بداية حياته في مدرستها الأسقفية قبل أن يتابع تعلمه في مدراس زحلة ففي جامعة القديس يوسف في بيروت ومنها إلى فرنسا حيث تخصص في الفلسفة الإغريقية. باشر مهنة التدريس في ثانويات حمص ودمشق ثم في قسم الفلسفة في الجامعة السورية حيث درّس الفلسفة الإغريقية لعشرات السنين وتخرج على يديه خيرة المثقفين السوريين. ترك مقدسي الجامعة السورية، عندما شعر أن "مهنة التدريس أصبحت تهريجاً"، على ما قال لنا في أول حوار أجريناه معه لـ"الملحق" (9\ 9\2000)، وتفرغ لعمله في وزارة الثقافة مسؤولاً عن مديرية الترجمة والتأليف التي أصبحت شيئاً فشيئاً ومع التدهور العام في البلد مديرية لـ "الترجمة بدون تأليف"، بحسب الأستاذ أنطون الذي قال في الحوار نفسه: "التأليف غير ممكن في بلادنا، لأن الجامعة السورية لا تخرّج قارئاً للكتاب، فكيف لها أن تخرّج باحثاً أو مؤلفاً".
بقي أنطون مقدسي بعد تقاعده على رأس هذه الهيئة متعاقداً من خارج الوزارة، ومساهماً في مشروع ترجمة، هو واحد من أهم المشاريع التي غذّت الثقافة العربية خلال العقود الماضية. إلى أن وضعت وزيرة الثقافة السابقة مها قنوت حداً لخدماته بشكل مجحف في العام 2000.
إلى جانب نشاطه الفكري والتعليمي، كان أنطون مقدسي، واحداً من أوائل المثقفين الذين شاركوا في الحراك السياسي الذي طبع بطابعه الأربعينات والخمسينات من القرن المنصرم. فإلى جانب صداقته وقربه من زكي الأرسوزي، نشط في التحركات المطالبة بإنصاف الفلاحين السوريين وأنضم إلى الحزب الاشتراكي العربي الذي أسسه أكرم الحوراني وساهم في النقاشات التي أدت إلى دمجه بحزب البعث في العام 1953 وظهور ما بات يعرف باسم حزب البعث العربي الإشتراكي. وحال وصول حزب البعث إلى السلطة محمولاً على دبابات العسكر إنسحب منه أنطون مقدسي وغادر نهائيا النشاط السياسي المباشر وتفرغ لعمله الفكري. وفي العلاقة بين حزب البعث الحالي وحزب البعث الذي عرفه خلال الفترة الديموقراطية السورية في الخمسينات استعاد مقدسي في الحوار المذكور أعلاه قول أرسطو: "إن المشترك الوحيد بين مجموعة نجوم الدب الأكبر وحيوان الدب هو الاسم فقط".
كتب أنطون مقدسي في رحلته الفكرية المديدة عشرات المقالات المطولة في الفن والأدب والسياسة والفلسفة والروحانيات ورثاء الأصدقاء، لكنه لم يؤلف كتابا واحداً. أما الكتاب الصادر في العام 1992عن "دار الريس" تحت عنوان "حرب الخليج، إختراق الجسد العربي" فهو أساسا مقالة كتبها لمجلة "الناقد" ونشرتها الدار لاحقاً في كتاب من دون علم المؤلف. ورغم أن الكثير من مقالات أنطون مقدسي يتجاوز عدد صفحاتها المئة، أي أن كل واحدة منها تصلح منفردة لأن تكون كتاباً، فإن مقدسي ظل مصراً على بقائها طي المجلات المتخصصة، ورفض نشر أي منها في كتاب مستقل، كونها جميعاً، بحسب رأيه، في حاجة إلى مراجعة وتدقيق. فتواضعه الجم لم يكن يكافئه سوى توقه إلى الاقتراب من الكمال ومعرفته الفلسفية باستحالة هذا الوصول.
دور المثقف
كأن يحلو له أن يردد كلما أتى الحديث على علاقة المثقفين بالسلطة وتوهم بعض المثقفين بإمكان سيطرتهم على الحاكم، حكاية أفلاطون مع تلميذه حاكم سرقسطة الذي بعدما دعا أستاذه إلى زيارة مملكته إنتهى به الأمر إلى بيع أستاذه في سوق النخاسة.
يجسد أنطون مقدسي في كتاباته الفكرية ومواقفه السياسية مثالاً نادراً للمثقف المستقل والنقدي الذي يخدم السياسة في معناها النبيل متحملاً العواقب، بدلا من أن يستخدمها سعياً وراء المناصب الزائفة والمكاسب الآنية. وإذا كان مقدسي فضّل ترك حزب البعث حال وصوله إلى السلطة، فإنه في المقابل كان يلوم الكثير من المثقفين الذين خدموا النظام وتعاونوا معه. ففي حوار ثان أجريناه معه ونشره "الملحق" بتاريخ 17\2\2001 أفصح عن الآتي: "مسؤولية بعض المثقفين كبيرة في ما حدث بعد العام 1963، فقد أعطوا مشروعية لحكم العسكر، وعلى المثقفين اليوم أن لا يسلموا أنفسهم مرة ثانية للعسكر. على المثقف أن يقول رأيه بصراحة ووضوح وقوة وليفعل العسكري بعد ذلك ما يريد". وإذا كان مقدسي قد أشار في الحديث نفسه إلى ضرورة "أن يوحد المثقفون صفوفهم في مواجهة القوة الضاربة داخل السلطة السياسية، أي المخابرات والجيش والقيادة القطرية"، بحسب تعبيره، فإنه مع ذلك لم يكن يحمل أية أوهام حول حدود دور المثقف. ففي الحوار الثالث الذي أجريناه معه في أعقاب انقضاض السلطة على "ربيع دمشق"، ونشره "الملحق" بتاريخ 12\1\2002، ولدى سؤالنا له هل لا يزال للمثقفين من دور يضطلعون به، أجاب بالآتي: "طبعاً، ولكن يجب على المثقفون أن لا يشكلوا تنظيماً سياسياً في وصفهم مثقفين. فالمثقفون في طبيعتهم يتميزون بتعدد الآراء وتنوعها. وضمن حدود معرفتي أنا، لم يسبق في التاريخ أن شكل المثقفين حزباً سياسياً. لكن عليهم أن يظلوا يكتبون وينتقدون ويتكلمون، وان لا يتوقفوا، ولا يخافوا. لقد اعتقلوا عشرة، ولنفرض أنهم صاروا عشرين، سيصبح عبءاً على السلطة. للحرية ثمن لا بد من دفعه".
كيف مارس أنطون مقدسي دوره خلال تحرك "ربيع دمشق"، وما الثمن الذي دفعه؟
ربيع دمشق
كان صوت أنطون مقدسي من أوائل الأصوات التي ارتفعت داخل سوريا بعد وصول الدكتور بشار الأسد إلى السلطة مطالبةً بالإصلاح السياسي. فما هي إلا أيام قليلة على خطاب القسم الذي أشار فيه الرئيس السوري للمرة الأولى إلى الرأي الآخر وضرورة إحترامه، حتى أسمع أنطون مقدسي السلطة والمجتمع في سوريا ما هو الرأي الآخر، فسطّر رسالة مهذبة إلى الرئيس أثنى فيها على "كلمات وردت في بيانك، حقاً واعدة"، ومن ثم طالب بضرورة الإنتقال بالشعب "من وضع الرعية إلى وضع المواطنة"، وفي الرسالة نفسها صارح الرئيس الأسد بالآتي: "لقد كفانا يا سيدي من الكلام الفضفاض: مكاسب الشعب، إنجازات الشعب، إرادة الشعب. الشعب غائب يا سيدي منذ زمن طويل". وختم رسالته بأن تمنى التوفيق للرئيس الجديد في "السير على درب محفوف بالمزالق من كل الأنواع".
بعث أنطون مقدسي في البداية برسالته إلى جريدة "تشرين" السورية متصوراً أن الإعلام الرسمي سيفسح المجال، في أعقاب خطاب القسم، للرأي الآخر. لكن هيهات! واضطر بعد طول انتظار، أن ينشر رسالته المفتوحة في جريدة "الحياة" اللندنية بتاريخ 13\8\2000. وبعد يومين، ذهب إلى عمله في وزارة الثقافة فوجد في انتظاره قرارا وقّعته وزيرة الثقافة مها قنوت بتعيين شخص آخر على رأس مديرية التأليف والترجمة لشغور المنصب! فما كان منه إلا أن أخرج عقده وذيّله بكتاب استقالته وعاد إلى بيته هو والثقافة السورية مرفوعي الرأس.
أحدثت الرسالة صدى واسعا لدى المثقفين وكانت لبنة أساسية من لبنات الحراك الديموقراطي الذي بات يعرف في ما بعد باسم "ربيع دمشق"، وما هي إلا أسابيع حتى كان اسم أنطون مقدسي يتصدر بيان المثقفين السوريين الـ 99 الذي صدر بتاريخ 27\9\2000 وكان الأول في المطالبة بإطلاق الحريات العامة وبرفع حال الطوارئ وبإطلاق سراح السجناء السياسيين. كذلك وقّع الأستاذ الوثيقة الأساسية للجان إحياء المجتمع المدني أو ما بات يعرف بـ "بيان الألف"(9\1\2001). وعندما قامت السلطة بهجومها المضاد وبدأت حملة الاعتقالات في بداية شهر أيلول من العام 2001 ظل صوت أنطون مقدسي مرتفعاً في وجه العسف والاضطهاد، كما أنه وقّع كل البيانات المنددة بحملة الاعتقالات. وكان من الأصوات القليلة التي دافعت علنيا عن تصريحات رياض الترك التي أدخل على أثرها إلى السجن، وفي هذا السياق قال لنا: "مواقف رياض الترك مواقف رجل دولة، وكلامه لم يكن استفزازياً، أخذ عليه استخدام أوصاف الديكتاتورية ولكن هل سبق للنظام أن قدّم كنظام ديموقراطي؟ في بلادنا ليس هناك انتخاب ولكن استفتاء، والديموقراطية الشعبية مصطلح من اختراع ستالين" (الملحق 12\1\2002).
أما آخر ما وقّعه أنطون مقدسي فكان بيان المثقفين السوريين واللبنانيين الذي احتجوا فيه على تعديل الدستور اللبناني والتمديد للرئيس لحود، وأكدوا فيه أن معركة الديموقراطية واحدة في البلدين.
لم يتوقف أنطون مقدسي عن الكتابة وبث الأمل وتنشئة الأجيال مدى حياته كلها، وخصوصاً في الأعوام الأربعة الأخيرة. ففي كل مرة كانت جذوة الأصوات المعارضة تخفت بسبب القمع أو اليأس أو القنوط، كان صوت الرجل التسعيني يعود مجدداً ليذكّر الجميع بأن لا مخرج لسوريا إلا بالإصلاح السياسي، وبأن القمع سيرتد في النهاية على أصحابه. وفي هذا السياق كانت رسالته الرائعة إلى حفيده والتي ختمها مخاطبا أنطون الصغير بالآتي: "ما قلته لك ليس نصاً من نصوص القراءة قد يكون صعباً او سهلاً، بل هو دستور حياة نفهمه عندما نعيشه. وستعيشه أنت وجيلك في السنوات القليلة المقبلة اذا قررتم أن تدفعوا ثمن الحرية. فالمستبد جبان، يزج الناس في السجون. قد يقتلهم، لكن دفاعاً عن نفسه. ويبدو لي حسب تجربتي أن عهد الاستبداد صار من الماضي البعيد. وهو اليوم في موقع الدفاع عن النفس. لقد دخلنا القرن الحادي والعشرين الذي جعل القرن العشرين من الماضي ليدفعنا باستمرار نحو المستقبل. وكلي ثقة بأن مستقبلكم سيكون مشرقاً كالحرية، لا حد يحدها".
نعم أستاذ أنطون، لا حدّ يحد من الحرية، لكنها اليوم ثكلى بغيابك .

   [ POSTED  @ 2:22 م ]



   2005-01-17  

العيش في مسقط الرأس كسائح: عارف حمزة

لطالما سألني الأصدقاء: "ماذا تفعل هناك في الحسكة؟". سواء من الذين أصبحوا في مدن كبيرة داخل سورية، مثل حلب ودمشق، أو من الذين هاجروا الى خارج البلاد.
"كيف تستطيع أن تكتب فيها؟ هل بقي فيها شيء؟". وعلى الرغم من عدم بقاء شيء فيها، بالطريقة التي يكيلون فيها الأشياء، إلا أنني لا أعرف بماذا أجيبهم. فأنا لست من مدمني هذه المدينة، أو محبيها على الأقل، فلا أستطيع أن أقول بأنني لا أغادرها لأنني أحبها أو متعلق بها، فالمحبة ليست هي ما يجعلني أن أبقى فيها. وليست الكراهية أيضاً. هناك شيء خفي، ربما العزلة وكبر والدتي في السن، يجعلاني لا أغادر هذه المدينة. وربما لمحبتي لمدن أخرى، أجمل وأكبر منها، ولي فيها مآزق وماض لم يمت، مثل حمص وحلب، جعلني أسكن فيها وأمد نظري الى المدن التي أحب.
"عشت في مدينة لا تستحق" كتبت ذلك في كتابي الشعري الأول، حياة مكشوفة للقنص.
"مدينة صنعناهامثل حلم لا يستكينثم خرجنا الى الأطرافورأيناكم أسرفنافي مدينةلا تستحق..".
الحسكة، التي تقع في أقصى الشمال الشرقي من سورية، بين العراق وتركيا، لا يعترف بها أبناء مدنها. ابن مدينة القامشلي، التي تتبع إداريا للحسكة، يجيب عندما يسأله أحد ما، في الجامعة، من حبيبته الغريبة، أو في قطعة الجيش أو في السويد..، أنا من القامشلي، وهكذا أبناء عامودا وديريك والقحطانية ورأس العين والدرباسية... وتفرط سبحة المدن من يد الحسكة لتبقى وحيدة لا يتبعها أحد.
كنت أقول، للذين لا يعرفونها، بأن الحسكة كانت تملك تنوعاً هائلاً ورائعاً في القوميات والأديان والطوائف، ومنافسة بينها في صنع الحياة والمحبة الجديدة على نار هادئة، إلا أنني أخاف الآن، بعد مواسم الهجرة الكثيرة والمتلاحقة، والإهمال الذي سكن فيها مثل مرض عضال، أن يتحول ذلك التنوع الى معمل للأزمات، في أن تفقد ذلك التنوع وإلى الأبد.
نهر الخابور... يا سلام.. مَن يستطيع أن يفرط بهكذا نهر؟ بالقرى الآشورية التي كانت تطلق فتياتها الى مائه ويُطلق علينا بياضهن وجمالهن النار؟ بالصيادين الجالسين على ضفافه، مع أجهزة الراديو الصغيرة وعلب "الحمراء الطويلة" للتدخين ساعات طويلة، والنظر في هذا الوحش الجريح؟ ببقايا القطن والصوف، والتعب القروي العالق بالثياب، وهي تُغسل على ضفة بعيدة فتفوح، طوال النهر، رائحة برية يحملها نهر سعيد؟..
الخابور الذي بنى حوله الحضارات، طوال مسيره للقاء الفرات، ما عاد يجري الآن، بالكاد ينظر في أصابعه. لا يجري ولا يندفع، بل أصبح مثل مريض، على سرير النهر، يُعالج بالسيرومات، بضخ مياه الآبار إليه، كي يفتح عينيه قليلاً ويطرد البعوض والنفايات بعيدا، ثم يغمى عليه من جديد.
أسأل نفسي أحياناً: ماذا يعني أن نبني ثلاثة سدود كبيرة على نهر لا يستطيع أن يبصق كل المياه المطلوبة الى بحيرات ثلاث؟ ألا يعني ذلك جفاف النهر وجفاف البحيرات الثلاث؟ ألا يعني إهداراً، بالإضافة للمال العام والماء العام، لماضينا وحكاياتنا ولمدينة بكاملها؟
إذا جف النهر، أو لم يجف، سنلحق بالآشوريين الى شيكاغو أو أستراليا، يجيب أحد الشبان الجامعيين من الحسكة، أو سنلحق بالأكراد الى ألمانيا أو السويد أو كندا أو إيطاليا، أو بالسريان الى أمريكا أو السويد.... الخ.
"ماذا يوجد في الحسكة؟". والحسكة لا يوجد فيها شيء. أو بكلام أدق ما عاد يوجد فيها شيء. فلا توجد فيها أي دار للسينما، بعد إقفال وحريق وخسارة كل من سينما دمشق وفؤاد والقاهرة.
المقاهي تعني وجود العاطلين عن العمل والمقامرين والزعران وثلاثة رجال أمن ومخبرين متطوعين.
نادي الجزيرة لكرة القدم أصبح منذ سنوات في الدرجة الثانية، وفي هذا العام يلعب مبارياته من دون جمهور، بعد الأحداث المؤسفة التي حصلت في آذار الماضي بعد مباراة فريقي الجهاد والفتوة !!؟؟
لا يوجد فيها أي مقهى رصيف. ولا صالة معارض ولا مسرح ولا مكتبات تبيع الكتب الصادرة في دمشق فما بالك بالتي تصدر في بيروت...
قبل أكثر من سنة ظهر في شارع القامشلي "سناك بار" الأصدقاء، وقبله بستة أشهر أعيد افتتاح مطعم "الشلال" الذي يبيع البيرة والشاورما، ثم ظهر مطعم ومشرب "فينوس" في نفس الشارع المتقاطع مع شارع "المحطة" المكنى بشارع العشاق والذين تغنى به الكثيرون من مطربي ومهاجري الجزيرة.
كل الحدائق، التي بمعنى الكلمة، تحولت الى استثمارات توجب عليك الأكل والشرب. لا توجد حديقة عامة تستطيع أن تذهب إليها للمشي أو شم النسيم. ولا مدينة ملاهٍ ولا فنادق يمكن الإشارة إليها... الحسكة تحولت الى مبان حكومية وحزبية، ومنظماتها، ومطاعم للأكل.
الحسكة، بما فيها مدنها، عانت من إهمال شديد طوال عقود طويلة، على الرغم من أن أكثر من نصف الاقتصاد الوطني، من نفط وغاز وحبوب وقطن..، يعتمد على هذه البقعة الجغرافية الحزينة من البلاد..
أشعر بالوهن عندما أقرأ شاعراً يكتب كثيراً ومطولاً عن مدينته، وقريته وبلده وقارته، إذ من أين يجلب جسارة الكتابة عن هذه الأشياء المهملة؟ ثم هل الشعر يذهب الى محطة محبة المدن وامتداحها؟
في الصيف لا يوجد شيء في الحسكة سوى الشمس الحادة والإشاعات. الشمس الحارقة على صلعة مدينة صحراوية، لدرجة أن لا أحد يقول للآخر: صباح الخير، قبل الحادية عشرة قبل الزوال. وليس هناك من شجاع، ابن عالم وناس، يمشي في الشارع بين الواحدة والرابعة ظهراً حيث تكون درجة الحرارة في الظل أكثر من ستين درجة مئوية. ومع وجود العدد الهائل من المكيفات المائية، الصحراوية، والغازية تحولت الشوارع الى نهر من الحرارة العالية المشفوطة من جوف الناس والبيوت. لذلك يجلس الناس في بيوت تشبه الأفران، ويتناولون النميمة، باصقين من أفواههم، بين تقلب وآخر، بقايا الحياة المرة.
في الشتاء لا شيء في الحسكة سوى البرد. البرد القارس. البرودة التي تصل الى عشرة تحت الصفر، من دون غيوم في السماء أو رأفة.
في الشتاء نفتقد الإشاعات التي كانت حياتنا تُطهى عليها في الصيف. والحياة سقيمة ومملة، كما يقول هيروسترات، من دون إشاعات.
لم يبق، بعد جفاف نهر الخابور، تقريباً، في هذه المدينة سوى الحزن والتفكير في الهجرة. أصبح العيش، بعد سفر الكثير من الأصدقاء والأقارب والجيران والأتراب وهجرتهم، في مسقط الرأس مثل عيش الغريب أو السائح المغبون. فمن المحزن، وربما من الأفضل، ألا تعرف سوى عشرة أشخاص من أصل مليون ومائتين وخمسين ألف شخص في هذه المدينة الأكثر إهمالاً في العالم.
أشعر بالحرج عندما يسألني أحد ما عن هذه المدينة البائسة، ولا أعرف بماذا أجيب شعراء من مدن أخرى يرغبون بزيارتها وإلقاء قصائدهم على مسامع أبنائها، أفكر عندها: ماذا سيفعلون في الحسكة؟ أين سيذهبون؟ وبماذا سأجيبهم إذا سألوني عن شيء ما فيها؟.. أنا الذي عشت فيها كغريب.
وعلى الرغم من الجمال الموجود في الحسكة، ومحبة فتياتها للبياض والموضى الجديدة، إلا أنها تبقى مدينة أقرب للحزن والنسيان.
شعرت بالحرج عندما طلب مني الكاتب صبحي حديدي، المولود في القامشلي والذي في باريس منذ سنين طويلة، في إحدى بطاقاته أن أسلِّم "على مطعم البيروتي والخابور وعلى كراج خط الحسكة ـ قامشلي...". أرسلت له بطاقة بريدية عن الحسكة وفيها إطلالة مطعم البيروتي على جسد الخابور (بطاقة من السبعينات)، فأعاد الكتابة لي بشكر كبير، وكلمات عن الحنين والكهولة والصبا..، على "المفاجأة الكبيرة". وأنا لم أستطع أن أقول له: سلّم عليها من هناك، من باريس، فهي تعيش معك هناك، في باريس، وليس هنا.
"المستقبل"

   [ POSTED  @ 4:18 م ]


 

ثلاثة في واحد ليس إعلاناً لمنتج بل توصيفاً لوزير: حكم البابا

قد لاينطبق الوصف الذي أطلق على وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بأنه يفقد أمريكا صديقاً كلما أطلق تصريحاً ، على وزير الخارجية السوري فاروق الشرع بالكامل ، لكن مجموعة من التصريحات التي أطلقها رئيس الدبلوماسية السورية منذ التحضير لغزو العراق وحتى اليوم تدخل بشكل أو بآخر ضمن هذا الوصف ، فهو لم يترك جهةً تعتب عليه لأنه لم يتناولها بأحد تصريحاته ، أكثر من ذلك لم يكتف الأستاذ الشرع بمهام وزير الخارجية بل اختصر بشخصه وزارة كاملة مصغرة ، فجمع بين تصريحات يفترض أن يكون مطليقها ثلاثة وزراء معاً ومن أصحاب الحقائب السيادية ، فتارة يقوم بمهام وزير الدفاع ، وتارة بمهام وزير الاعلام ، وتارة ثالثة بمهام وزير الداخلية ، إضافة إلى صفته كوزير للخارجية ، وقد أصبح تصريحه الشهير بعد قصف الطيران الاسرائيلي لأحد المواقع العسكرية السورية في لبنان بأن (سورية تحتفظ لنفسها بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين) شهيراً إلى الدرجة التي تجعلني أتجرأ على القول بأنه ذهب مثلاً ، واكتشف السوريون عبر هذا التصريح طرافةً (لم ينتبهوا لها قبله) في الشخصية السورية وتحديداً بعد قصف الطيران الاسرائيلي لمنطقة عين الصاحب القريبة من دمشق ، حين بدؤوا يتداولون فيما بينهم بأن الرد لن يتجاوز إعادة إطلاق الاستاذ الشرع لتصريحه الشهير ، وهكذا كان ..
وقد بدأت شعبية الأستاذ الشرع العربية بالارتفاع مع وصفه للغزو الأمريكي للعراق بـ"السطو المسلح" ، الذي نال عليه تصفيقاً شديداً كون غالبية الشعب العربي كانت ضد هذا الغزو ، ولم يكن ينقصه في ذلك المشهد الحماسي الذي جرى خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي في لحظة مفصلية من تاريخ العالم الحديث ، إلاّ حذاء خروتشوف الشهير ليضرب به الطاولة ، أو عدداً كبيراً من النياشين العسكرية التي كان يضعها جنرالات الاتحاد السوفييتي على صدورهم ، وأن يكون هو ممثل دولة تملك ترسانة نووية وجيشاً عرمرماً وأسلحة عابرة للمحيطات ، لكن بما أن ذلك كلّه لم يكن بمتناول يد الأستاذ الشرع فقد جرّ تصريحه (إضافةً إلى التصفيق العربي سالف الذكر) على سورية تهديدات أمريكية بدأت ويبدو أنها لن تنتهي ، كانت في منجى منها لو وصّف رئيس الدبلوماسية السورية غزو العراق بالاحتلال ، وهي مفردة تتسق مع مهمته كدبلوماسي وتؤدي نفس الغرض ، دون أن تكون لها نفس النتائج التي جنتها سورية جرّاء إفراطه في الحماسة ، ورغم ذلك لم يشعر أحد بالأسى على خسارة أمريكا لأن السوريين لايعدونها من الأصدقاء أصلاً . لكن الأستاذ الشرع عاد وفي نفس الموضوع ليطلق تصريحاً من نفس النوع الذي يفقد الأصدقاء أو على الأقل الذي لايهتم بالعلاقات العامة التي هي أحد أسس العمل الدبلوماسي حين اعتبر أن المستفيد من الاحتلال الأمريكي للعراق هم الأمريكيون والاسرائيليون والأكراد ، متجاهلاً تاريخاً من التحالف السوري الكردي (عبر شقهم العراقي) وصل إلى حد المساندة والدعم وتقديم الملاذ الآمن والأرض التي يتم التحرك من خلالها ، مما أثار مجموعة من الردود التي صدرت عن شخصيات كردية تم احتواؤها بسرعة وبأسهل الطرق الاعتذارية وأقلّها إقناعاً عبر انكار التصريح سبب المشكلة وتكذيبه .
ومع صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن بشأن العلاقة السورية اللبنانية وجد الأستاذ الشرع ميداناً آخر للنزال غير المتكافئ كسابقه إنما بطريقة مختلفة عن قضية أمريكا والعراق ، ففي الوقت الذي كان التوجه الرسمي للسياسة السورية يطلب أخذ القرار على محمل الجد ، كان وزير الخارجية السوري يصر على تتفيه القرار ، مرةً بـاعتباره لقضية الوجود السوري في لبنان (قضية تافهة لاينبغي أن تشغل مجلس الأمن ..) ، وثانيةً باعتباره القرار الذي أصدره مجلس الأمن الدولي (تدخل بما لايعنيه) وإشارته إلى دول (وافقت عليه وضللت لتسلمها تقارير ليست صحيحة وليست دقيقة لكنها ستصحح مواقفها كما نأمل) وكأنه يتحدث عن شيوخ منسر يتقاسمون غنائم غزواتهم أو مجموعة حشاشين في جلسة كيف ، لا عن ممثلي دول تملك بعضها حق النقض وبعضها الآخر يملك ألاّ يوافق أو على الأقل ألاّ يصوت ، لكن تصريحات الأستاذ الشرع تتجاوز كل منطق وتفوق أي خيال في المرة الثالثة التي يتناول فيها القرار والبيان الصادر عن رئاسة مجلس الأمن حول تطبيقه حين يعتبر أنه (لايوجد فيهما مايمس سورية أو لبنان) ، وهنا يتجاوز التعامل مع أعضاء مجلس الأمن على اعتبار أنهم مجموعة من الحمقى ، ليسم كل بني البشر (من الذين قرؤوا القرار والبيان ، أو قرؤوا حولهما ، أو سمعوا نشرة أخبار ورد فيها ذكرهما) بالبلاهة !
ولم يكتف الأستاذ الشرع بالشأن الخارجي ، بل أدلى بدلوه في الشأن الداخلي ، حين تناول بنفس أسلوبه الممازح موضوع المعارضة السورية ، واصفاً إياهم بأنهم (غير قادرين على إدارة مدرسة إبتدائية) غير عابئ بالظرف المناسب أو الحالة الافتراضية التي يمكن أن يكون فيها مثل هذا الكلام مقبولاً ، وذلك في وقت يتم فيه الحديث عن حوار وطني يجمع مختلف الأطياف السورية في مواجهة التهديدات الخارجية !
يمكن لي ولغيري تسطير موسوعة في دبلوماسية الأستاذ فاروق الشرع التي تخترع تعريفاً جديداً للسياسة يناقض أبسط تعريفاتها بكونها فن الممكن ، وتبتكر نوعاً جديداً من العمل الدبلوماسي المبني على أساس تدمير الطرق وهدم الجسور مع الآخرين ، وقطع كل شعرات معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وزياد بن أبيه والمغيرة بن شعبه مجتمعين !
حادثة من التاريخ تلح علي كلما سمعت تصريحاً للأستاذ الشرع عن خليفة أموي جاء إليه قاضي مدينة (قم) المشهور بعدله للسلام عليه ، فقال له الخليفة : ياقاضي قم ، قد عزلناك فقم ، ويبدو أن سجعته راقته ، فنظر بزهو إلى من في مجلسه وقال : والله لو أن سجعةً حضرتني وذهبت بملك بني أمية لما ترددت في قولها !!
دمشق 16/12/2004
"الرأي / خاص"

   [ POSTED  @ 4:12 م ]