أمنيات صغيرة على عتبات الـ 2005: أُبيّ حسن
منذ أن هددني مسؤول أمني كبير في دمشق بتاريخ 3/8 /2004بقطع أصابع يديّ إن عدت وكتبت ( ما لا يرضيه طبعاً) لم أتطرق إلى الشأن السوري كثيراً , فالشهادة لله , وبمعزل عن أني خفت , بفضله علمت يومذاك ما لم أكن أعرفه عن نفسي , فأنا من وجهة نظره وبالحرف ( حاقد , موتور , ليس لدي ذرة من الوطنية ) وأخيراً أعلمني بأني (كلب) وهذا أيضاً ما كنت أجهله عن نفسي مع معذرتي من القارئ الكريم؟ وفي الختام أعاد تذكيري بقطع أصابعي وهو يكزّ على أسنانه مشيراً بيديه "الكريمتين" و "الحنونتين" إلى كيفية عملية القص (بتر الأصابع) .
لن أذكر الآن تفاصيل الحوار الذي جرى بيني وبين ذلك "المسؤول" , كما أني لن أدخل في سجال بيزنطي مع أهل بيزنطة, لكن , وبصدق , على أثر ذلك اللقاء الأمني الذي كثيراً ما ذكّرني بصدام حسين( أخشى أن نصل إلى يوم نترحم فيه على المذكور),ً راح يطفو على سطح الذاكرة مشاهد بعض من رأيت من العراقيين المجدوعين من أنوفهم أو آذانهم في دمشق , كما مرّ في ذاكرتي ,بحكم توفر عنصر الإرهاب في الموقف , منظر يدين صارتا (بفضل جلاوزة صدام ) عديمتي الفائدة لصديق عراقي تعرفت إليه في إحدى صحف المعارضة العراقية ( سابقاً) في دمشق . هذه الصور مجتمعة دفعتني منذ ذلك اليوم إلى أن أسقط من قائمة اهتمامي ما يسمّى بالإصلاح في سوريا, بما في ذلك العمل على إسقاط قانون الطوارئ بالوسائل السلمية والمطالبة مع المطالبين بإصدار قانون عصري للأحزاب ( يكون خيره فيه ) والصراخ ملء الفم في وجه من يحتكرون معظم الاستثمارات والخيرات في بلادي من قبل بعض أبناء و"حواريي" الحرس القديم والجديد (إن شئتم) وهلم جرا, ولم أعد أحلم بتداول السلطة في وطني وما يتطلبه ذلك التداول من العمل على توفير جو معقول من الديموقراطية واتساع في هامش النقد والحرية... وأشياء أخرى كثيرة ملحة ومشروعة, وليس ذلك "الإهمال والتقصير" من قبلي بسبب من "انعدام وطنيتي " حسب تعبير المسؤول الأمني ,أو ولكي أكون أكثر دقة, المسؤول الأُمي, بل, ببساطة, لأني مازلت بحاجة إلى يدين معافتين ألمس بهما وجه أمي وشفتين أقبل بهما يد والدي وثغر حبيبتي , كما أني ما زلت بحاجة إلى كف تزينه أصابع طبيعية تليق بمصافحة صديق احترمه ! أما ما تبقى من أسباب الحياة والتعلق بها فليس مهماً إذ ثمة من يحيا بالنيابة عنا ويتمتع بخيرات الوطن أيضاً بالنيابة عنا !
لا أدري إن كان ما ذكرته آنفاً مقنعاً كي أصبح ميالاً للابتعاد عن كل ما يطعن في " وطنيتي" , وبرغم اعتكافي ـ معظم الأوقات ـ في غرفتي الكائنة في دمشق وابتعادي عن الحياة العامة, ما يزال "الشباب" في الأجهزة الأمنية يسألون عني في القرية الأسئلة المكرورة ذاتها ( من هم عماتي وخالاتي وأعمامي وما تبقى من أغصان شجرة العائلة صعوداً ونزولاً , وربما بسبب من حرصهم الزائد لا يفوتهم أن يسألوا عن طبيعة عمل كل فرد يطرحون اسمه) علماً أنهم يعرفون عني كل ما يريدونه من خلال بعض الزيارات إليهم والتي بـ " فضلها" تكوّنت علاقات شبه ودية مع بعضهم وأعترف بأني أرفع القبعة احتراماً لبعض من عرفت من ضباط الأمن وهم قلة بطبيعة الحال !
هل أدرك ,الآن , العاتبون من الأصدقاء لماذا لم أكتب منذ فترة لا بأس بها؟ وهل تراهم يرون هذا السبب كافياً كي أشعر كم باتت سوريا ثقيلة وإن المطلوب مني ومن غيري أن لا نعمل على مواجهة الحطام والوباء الذي أورثنا إياه العبثيون ؟ لكن مع ذلك ثمة أمنيات صغيرة أحلم بتحقيقها هذا العام , وما جرأتي على تمنيها إلا اعتقادي أن وضاعتها و السعي لنيلها لا يشكك في وطنيتي ولا يتعقب عليها " قص أصابعي" حسب ظني , وإليكم بعضها : أحلم أن أعود إلى غرفتي بعد مسير ساعة في يوم ماطر في شوارع دمشق من غير أن أضطر إلى تغيير ملابسي ( على الأقل بنطالي) التي غالباً ما يفضح اتساخها جانباً من فساد البنية التحتية التي نتباها بها ( تصوروا حتى الآن لا نعرف كيف نعبد الشوارع بطريقة تمنع تجمع المياه كلما جادت السماء !؟ ).
بودي أن أسمع خبراً ( طبعاً ليس من الإعلام السوري) بأن السلطات الأمنية نشطت فاعتقلت جاسوساً أو مخرباً أو عميلاً إسرائيليا في سوريا بدلاً من سماعي اعتقالها أحد المواطنين السوريين بسبب من إبدائه لرأي سياسي لا يروق للأصدقاء البعثيين أدام الله ظلهم .
بالتأكيد لم أعد مخبولاً فأحلم بإصلاح الإعلام السوري , الذي أمراضه من أمراض السلطة التي يمثلها, حتى ولو كان الإصلاح فيه لا يتعدى النجاح في تقديم نشرة أخبار تجعل الشخص منا لا يشعر بالندم لأنه أهدر وقته وشاهدها قدر ما أتمنى أن تصل الصحف اللبنانية إلى المحافظات السورية ( باستثناء دمشق ) في اليوم ذاته ولو لمرة واحدة في السنة بدلاً من أن تصل ثاني أو ثالث يوم كالعادة .
أتمنى أن تولي وزارة التعليم العالي اهتمامها بالكتاب الجامعي فقط ( لا الجامعة كلها فهذا مطلب صعب!!) فيستلم الطلاب كتبهم في بدايات العام الدراسي لا قبل الامتحان بشهر أو أقل من شهر؛ بالمناسبة تفرض الأمانة أن أذكر هنا أن أساتذة التعليم الجامعي المفتوح بمن فيهم رئيس المركز يستبسلون في عطائهم علماً أنهم لم يتقاضوا أجراً منذ بداية العام الدراسي حتى اللحظة بما فيها أجرة تأليفهم الكتب, والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لا تهتم الحكومة لدينا بالكتاب الجامعي (أكرر لا الجامعة كلها) وتحسين وضعه كاهتمامها المحموم بالجوامع؟
وباعتبار أن إمكانية التغيير في القيادات "التاريخية" لاتحادات مثل اتحاد الكتاب أو اتحاد الصحفيين حلماً صعب المنال أكتفي بأن أعلن عن رغبتي بإنصاف الصحفيين المشاركين في سوريا وأن يخفف اتحاد الكتاب من طباعة الكتب الرديئة.
أرغب أن أشهد هذا العام الانتهاء من بناء الجسر"الأسطوري" المقام على نهر حصين البحر والذي يختصر المسافات بين مناطق عدة بنسبة 20/100بالمناسبة أصبح لهم في بنائه أكثر من خمس سنوات علماً أن طوله لا يتجاوز 15 متر، و حتى الآن لا نعلم إن كان سيدخل في منافسة مع مجمع في ساحة المرجة الذي أصبح له قرابة الثلاثين عاما و الذي بدوره لا أحد يعرف إن كان سيكتمل بناؤه أم لا ؟ فضلاً عن أننا لا نعرف ما هو بالضبط هذا المنجز العظيم !!
أحلم أن تخف نسبة الفساد والهدر في مؤسسة مياه طرطوس وقد كنت شاهداً في ما مضى على جزء من فساد بنيتها التحتية ( مجدداً التي نحسد أنفسنا عليها) , بالمناسبة فضائح هذه المؤسسة لا تزال مستمرة (يمكننا القول أن فسادها الإداري ,على الأقل, يختزل حكاية فساد السلطة) .
بودي أن تنصف شركة الإنشاء والتعمير"الحكومية" عمالها ولو لمرة واحدة في العام فتعطيهم معاشاتهم مطلع كل شهر بدلاً من أن تعطيهم إياها كل ثلاثة أو أربعة أشهر مرة واحدة , وللتذكير فقط أن هذه الشركة من أكثر الشركات الإنتاجية ربحاً وقد انعكس ذلك الربح جنة ونعيماً على بعض القائمين عليها ابتداء بالقصور وليس انتهاء بالأملاك والأموال , طبعاً بعد أن عززوا مواقعهم من خلال علاقات (...) مع بعض صناع القرار في وطني ( هؤلاء الأشخاص وأمثالهم هم من ساهم في خسارة القطاع العام وهم من يتباكى عليه اليوم و هم كذلك من يغني في المناسبات البعثية " أنا سوري يانيالي " وفعلاً معهم الحق في أن يغنوا هذه الأغنية فلماذا ضيقة العين يا حكم البابا؟).
في ما أنا أكتب هذه المادة اتصل بي المواطن" صفوان محمد حسن" وهو شاب سوري معاق إعاقة تمنعه من العمل المضني أفادني أن أمر توظيفه كمستخدم أتى من قبل ما يسمونه في سوريا مكتب التشغيل التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل, ومع أن توظيفه وتأمين حياته واجب على الدولة بموجب المادة 46 من القانون التي تنص:( تكفل الدولة كل مواطن وأسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليتم ... ) , ناهيك عن الجانب الإنساني , برغم ذلك لم تقبل أية جهة رسمية في محافظة طرطوس أن توظفه حتى كمستخدم يصنع القهوة والشاي ( هذا ما يقدر عليه) تحت ذرائع غالباً ما تسعفهم قرائحهم في إيجادها مع العلم أن ثمة قانوناً آخر في سوريا يلزم مؤسسات الدولة بترك شواغر لديها بنسبة تتراوح بين 2/100 و 4/100 لتوظيف العجزة والمعاقين , لكن هذه الشواغر عادة ما تذهب(...) !
أخيراً إليكم هذه الحكاية وهي ذات دلالة :
سبق أن تولى شؤون محافظة طرطوس ضابط بعثي " استبسل " إبان الحرب في لبنان أواسط سبعينيات القرن الماضي إذ كان يهرب حتى الحشيشة ( يتداول الناس فضائحه حتى الآن ) فأثرى ثراءً فاحشاً فأرادوا أن يعاقبوه فعينوه محافظاً على طرطوس , ولأن العسكري الذي أصبح سياسياً لم يجد طوال وجوده على رأس عمله ( بقي محافظاً في طرطوس حوالي العشرين عاماً) ما يخدم به المحافظة وأبناءها , هداه " وعيه" الفطري إلى التعبير عن ذاته فشبّه المجاهد صالح العلي برجل "العصابات" معتبراً ثورته التي قام بها ضد فرنسا 1918" عصابة تشليح وقطاع طرق" هذا وهو مسؤول , سنتذاك دبت الحمية في نفوس بعض الغيورين على جهاد صالح العلي وتراثه الوطني النقي ومنهم ضابط سابق في الجيش السوري , فخفف عقله وهجا المحافظ لذمه وقدحه أول المجاهدين في سوريا , فكان أن دخل الضابط السجن لهجائه "المحافظ" الذي رُقي وأصبح في ما بعد مسؤولاً عن إحدى المحافظات السورية الكبيرة والهامة لكن بما أن رائحة فساده طبقت الآفاق وكان الحديث سنتذاك يدور حول "محاربة" الفساد استغنوا عن خدماته شاكرين له"حسن" صنيعه. وكي أختم أمنياتي لهذا العام أضيف أمنية أخيرة ألا وهي : أتمنى أن أسمع أن ثمة مسؤولاً شعر بواجب الاعتذار من شيخ الجهاد في سوريا لا لشيء فقط كي لا نعتب على الشيخ صالح العلي وبالتالي الزعيم الوطني إبراهيم هنانو والأمير سلطان باشا الأطرش و الدنادشة في تلكلخ وغيرهم ممن حارب فرنسا وأراق دمه في سبيل سوريا واستقلالها.
بالمناسبة سأنام الليلة , وكل ليلة , قرير العين هانيها و لن أخشى في محبتي لوطني لا صدام حسين ولا الزرقاوي و لابن لادن ولا أبناء عمومتهم وخالاتهم وعماتهم في سوريا , فسوريا ليست هؤلاء فحسب , بل ثمة أناس طيبون وصالحون ويعملون بشرف وصمت و يعيشون في الظل وفي قلبي كذلك ويستحقون كل خير .
ملاحظة : رغم أن الوطنية لا تحتكر لسنا نحن من يحتاج إلى شهادة حسن سلوك في سلامة وطنيته بل أولئك الذين أوصلونا إلى هذه الدرجة من العدم والخواء من يحتاجون إلى أن يثبتوا لنا وطنيتهم ودمتم .
انتهى
"الرأي / خاص"