unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-01-28  

لماذا سحب أدونيس توقيعه من عريضة فرج بيرقدار؟: يوسف عبدلكي

لا أريد لهذه الأسطر أن تبدو رداً على مقالة أدونيس («الحياة» 2005/1/13)، أولاً لأنني لم أشأ يوماً أن أدخل في حلقة الأخذ والرد الشائعة بين المثقفين العرب كتابة وشفاهة، ولسوء الحظ شفاهة أكثر بكثير منها كتابة، بسبب ما تتطلبه هذه الأخيرة من درجة ما من المسؤولية يتنصل منها بالطبع كل كلام مرسل. والسبب الثاني هو تقديري للرجل.
فأدونيس يكاد لا يضارعه شاعر عربي معاصر في تأثيره في حركة الشعر في بلادنا، هذا التأثير مرده الى ناحيتين: كتابته الشعرية، وتنظيره للأدب. ومن علامات هذا التأثير كثرة مريديه... وكثرة مخاصميه. والحقيقة ان كثرة مخاصميه نفسها تحسب له، إذ انها من علامات حضوره الكبير في خريطة الشعر العربي في العقود الأخيرة.
الوجه الآخر لأدونيس هو وجهه التنويري، فمن كتبه الكثيرة الى مقالاته الأكثر يلمس المتابع المكانة الرفيعة التي يوليها هذا الرجل لمسألة الحرية. حرية المجتمع، حرية السياسة، حرية الثقافة، حرية الفكر، حرية القول... الخ. ولا تضارع هذه المكانة لديه إلا المكانة التي تحتلها مسألة تحديث مجتمعاتنا في عقله ووجدانه. ويمكن الرجوع الى عشرات النصوص التي كتبها على مدى أربعين عاماً حول هذه المحاور، فمن نقده للفكر الغيبي، الى نقده للديكتاتوريات العربية، الى نقده لنظام الملالي في إيران، الى نقده للنظام الطالباني، الى موقفه الرائع من مسألة الحجاب في فرنسا أخيراً، كل ذلك يضعه من دون لبس في صف التنويريين العرب المعاصرين أمثال: حامد أبو زيد ومحمد وعابد الجابري وصادق العظم وجورج طرابيشي ومحمد أركون وهشام شرابي وعلي عبدالرازق وعبدالله العروي... الخ. والذين يخوضون معارك فكرية قاسية نيابة عن أنفسهم، وعن المثقفين المترددين، بل أكاد أقول نيابة عن القسم الأعظم من أبناء مجتمعاتنا الغارقة في أحوال التخلف والاستلاب.
من هنا، من تصوري لهذه المكانة الرفيعة، فوجئت بأن يرد أدونيس على رسالة على الانترنت وجهت من جهة مجهولة أو تكاد الى الاكاديمية الملكية السويدية التي تمنح جوائز نوبل. فلا شك في أن الأكاديمية الملكية تصلها آلاف الرسائل لمئات الأسباب، ولا أخال ان هذه الرسائل تدخل في حساباتها السنوية، وإلا لفقدت الأكاديمية السويدية الكثير من رصانتها وصدقيتها.
معروف ان في سورية هيئتين لحقوق الإنسان، تنشطان في شكل شبه علني، وان كان غير مرخص حتى الآن، وتصدران البيانات من دمشق، وناشطوهما وكوادرهما معروفة، أما الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان فليست معروفة، وهي في الأغلب مكونة من أشخاص عدة، وربما شخص واحد! كما ان الأخطاء الفادحة واللغة المتوترة الواردة في نص الرسالة تظهر بوضوح مدى خفة المسألة برمتها، والتي لم تكن لتستحق من أدونيس إلا الإهمال.
المسألة التي تعنيني شخصياً هي مسألة الشاعر فرج بيرقدار. وشبهة إلصاق صفة «شاعر» به أثناء اعتقاله، بينما لا يعدو كونه معتقلاً سياسياً فحسب.
والحكاية يمكن سردها على هذا النحو: سُجن الشاعر فرج بيرقدار مدة تزيد على أربعة عشر عاماً، وتعرض لأهوال لا عد لها وبخاصة في سجن تدمر، مثله مثل آلاف المعتقلين السياسيين في حقبة الثمانينات من القرن المنصرم، والذين لم يتح لعدد غير معروف منهم الخروج من ذلك السجن أبداً.
بسبب المعلومات التي تسربت الى خارج السجن عام 1998 عن تدهور صحته عملنا الكثير، نحن الأصدقاء المثقفين والسياسيين ووقعنا عريضة تطالب بإطلاق سراحه. اتصلت بأدونيس - من ضمن من اتصلت بهم - فقال لي: أنا لا أعرف هذا الشاعر. فقلت له انه شاعر معروف في سورية ينشر منذ السبعينات وطبع ديوانين وقصيدة طويلة في بيروت، ومن المرجح انك لم تسمع باسمه لأن دواوينه تم توزيعها في شكل سيئ، وعلى أي حال فنحن لسنا بصدد تقويم شاعريته بل الدفاع عن حريته. وقّع أدونيس العريضة بحماسة، ولكن في اليوم التالي اتصل بي وأثار معي مسألتين، واحدة سياسية وأخرى أمنية حول العريضة. تحاورنا في المسألتين، وفي النهاية قال لي: أريد سحب توقيعي لأحتفظ به لمناسبة كبيرة مقبلة. قلت: لك ما تريد.
وقد أبدى أدونيس صدقاً جلياً في حديثه حيث وقّع بعد فترة بيان الـ100، وهو بيان أقوى بكل المقاييس من بيان المطالبة بإطلاق سراح الشاعر فرج بيرقدار، حيث يتناول أحدهما موضوع شاعر واحد، بينما يصادم الثاني الوضع السياسي العام في سورية، ويرسم خطاً ديموقراطياً حاسماً لخروج سورية من مأزقها التاريخي المعاصر.
وجدت بعد فترة ان من واجبي أن أوصل الى أدونيس ديوان فرج بيرقدار الذي كتبه في السجن، والذي تسربت مخطوطته الى بيروت حيث طبع بعنوان: «حمامة مطلقة الجناحين»، وقد قام بترجمته الى الفرنسية ترجمة باهرة الشاعر عبداللطيف اللعبي وصدر عن دار ALDANTE عام 1998 بعنوان مقترح من المترجم: NI VIVANT, NI MORT (ليس حياً، ليس ميتاً) وقد أرسلته باليد مع أحد الأصدقاء رغبة مني بتعريف أدونيس بشعر بيرقدار.
بعد خروج الشاعر بيرقدار من السجن عام 2000، أصدر ديواناً خامساً بعنوان «تقاسيم آسيوية» عن دار «حوران» في دمشق وذلك عام 2001، ولم أحاول إيصاله الى أدونيس، لاعتقادي بأن الشاعر وقد أصبح حراً، له وحده أن يتصرف بإهداء دواوينه لمن يشاء. وليس في الأمر تزوير من أي نوع.
(باريس 2005/1/20)
"الحياة"

   [ POSTED  @ 11:55 ص ]



   2005-01-26  

   [ POSTED  @ 2:00 م ]


 

وطن بين الواقع والحلم أو الأمل: كنان جسومه
كان حلماً، أملاً، و لا زال، على مدى أكثر من نصف قرن، أن يكون الوطن:
- وطن حدوده واضحة، غير مهم أن يكون كبيراً مثل كندا، أو صغيراً مثل لكسمبورغ.-
وطن أهدافه محددة، غير مهم إذا كانت ضئيلة أو عظيمة، المهم أن تكون قابلة للتنفيذ ببرامج زمنية وبتمويل معروف المصادر والكميات.- وطن يوفر ويحمي الفرص المتكافئة لكل مواطنيه في الحياة الإنسانية الكريمة والعمل، وغير مهم ماذا يحمل المكلف بتوفير وحماية تلك الفرص من اسم (مجموعة الأفراد المتواجدون على رأس سلطات الدولة)، سواء كان محمد أو علي أو جورج أو شيركو أو إيواس أو وارتكس أو إيهودا.
- وطن يسير وفق ضوابط مشرعنة، ملزمة للجميع دون استثناء، لعلاقة الفرد مع الفرد أو مع المجموع، ولعلاقتهم مع الدولة، وكذلك علاقة سلطات الدولة مع الأفراد أو الجماعات، وأن يكون المسموح مسموح به للجميع، والممنوع ممنوع على الجميع.
- وطن لا يهم ما يكون عليه شكل الحكم من تنوعات معروفة، المهم أن يكون المثال المتبّع واضح الصورة والآفاق، ولا يبتعد عن مثال الدولة الحديثة.
- وطن لا يهم أن يكون المسؤول فيه من قمم المعرفة والخبرة في مجاله، المهم أن لا يتردد في الأخذ برأي من هم كذلك.
- وطن متاح للجميع فيه معرفة آلية تعيين المسؤولين من جميع المراتب، ومن هم الذين لهم القول الفصل في ذلك؟ وما هي البرامج أو المشاريع المطلوب منهم تنفيذها، قبل التعيين؟ والمهم أن يتم اختيارهم على أساسها، ومن ثم محاسبتهم على مدى التزامهم بحسن تنفيذها.
- وطن من المهم أن يكون لكل من ينتمي إليه، وغير "مجير" لشخص أو فئة أو مجموعة من الناس لينهبوا موارده، ويكون الولاء والانتماء إليه، وليس الولاء لأشخاص يزعمون ملكيته وينتمون لمصالح جيوبهم.
- وطن متاح للجميع فيه معرفة كل مصادر ومقادير المال العام الخارجية والداخلية، وكيفية توزيع وإنفاق هذا الدخل؟ وما هو مردوده على ما أنفق عليه؟ وغير مهم إذا كان هذا الدخل كثيرا أو قليلا.- وطن لا يوجد فيه من يعيش تحت خط الفقر، ولا يسمح بظهور أحد من أغنياء الهبش.
- وطن من المهم أن يكون من ينتمي إليه مواطناً، لا فردا من القطيع، أو الجنود، أو اليتامى.
- وطن يمكن أن يتعايش فيه المؤمن بعقيدة ما - وضعية أو سماوية – مع غير المؤمن بهما، ولا يسمح لأي فرد أو جماعة فيه احتكار الحقيقة أو الصواب، أو التكلم باسم المجموع، ولا وجود فيه لسلاح الاتهام بالكفر؛ أما الاتهام بالخيانة أو المؤامرة فيكون بناءاً على نص دستوري يوصفهما بشكل لا يقبل التأويل أو الالتباس أو التعميم.
- وطن يستفيد من تجاربه السابقة ولا يخفيها أو يجمّلها أو يخجل منها.هل هذا الحلم أو الأمل مجرد وهم غير قابل للتحقيق، أم يبدأ بخطوة على الطريق؟!.
هل السؤال كيف ولماذا ندور بحلقة مفرغة حيناً، نرجع إلى الوراء ونبتعد عن آمالنا وأحلامنا أحياناً أخرى؟؛ هل سبب ذلك مفرزة الأمن المقيمة في عقولنا!!!، أم عقود الخوف وما نجم عنه من رهاب معطل لدينامية المجتمع!!!. أم...أم الآمال والأحلام التي من هذا النوع والأسئلة المنبثقة عنهما مقدسات أو خطوط حمر!؟؛ إذا كانت غير ذلك، فليدلِ كل من له اهتمام بها بدلوه.
دمشق في 25/1/2005

"الرأي خاص"

   [ POSTED  @ 1:07 م ]



   2005-01-24  

أدونيس.. حجاب على جبلة أم حجاب على القلب؟: منهل السراج

يقول أدونيس في زاويته ( مدارات ) المنشورة في جريدة الحياة 13/1/2005، إنه كان مبعداً عن سورية عشرين سنة كاملة( 1956- 1976 ). ماأعرفه أن سورية في تلك الفترة كانت أجمل مما بعد ذلك، أي بعد أن سُمِح له بالعودة.
ويقول أدونيس بعد هجائه لصحراء البيوت البلاستيكية التي غزت أحشاء الأرض والطبيعة على طول الشاطئ الممتد بين طرطوس وبانياس، كأن في ذلك "ما ينذر بأن البشر أنفسهم يكادون أن يتفتتوا إلى قطع من البلاستيك الاجتماعي متناثر في الفراغ".
أما أنا فبودي أن أقول:
بعد ذلك التاريخ الذي كان فيه أدونيس مبعداً، ذات شباط قارس لم يكن بإمكاننا إلا أن نشهق حين رؤية معدة ملتصقة على جدار، وقلب مرمي تحت بقايا جسر مهدم، وذراع فتاة ما متشبثة بذراع أبيها ولانعرف أين صارت أشلاء جسدها وأشلاء جسد أبيها.. كانت النواعير تدور بهستيريا، ونهر العاصي يجري أزرق أحمر مجنوناً، والناس تتراكض مذعورة..
أين كنت أيها الشاعر حين رمتْ أمٌّ طفلها في النهر تحت القناطر بدل بقجته التي أعاقت حركتها وأخرتها عن جموع الراكضين باتجاه مصير غامض؟!
أين كنتَ حين جُمِع الآلاف ولا أحد يعرف أين صاروا. والآن ربما قبل أبناؤهم بموتهم، ولكن أين ثبوتياتهم كي يجد الأبناء ما ينتمون إليه غير أصل غائم مجهول وحاضر فقير ويائس..؟!
أفهم أحياناً أننا نبكي سقوط الشجرة أمام النافذة أكثر من موت جارتنا العجوز.. وأنت تتحدث عن قصابين وكورنيش جبلة، وتنقهر لقسمه الجنوبي المحجَّب. الحجاب، كما تقول، يجعلك تتخيل الجمال المختبئ خلفه، وأنت تريده مرئياً ملموساً!!
أسأل نفسي أحياناً ما الفرق بين الواقعي وبين مانتخيل؟
لا أدري.. ولكن بودي لو تسمع هذه القصة القصيرة جداً.
بعد أحداث حماة 1982، توقف أحد الرحالة الأجانب أمام الضفة المهدمة من نهر العاصي، وراح يبكي بحرقة.. ضحك شخص كان قبل ذلك يبكي بيته الذي هُدم هناك، وأبناءه الذين فقدوا، وزوجته التي قُطعت ذراعها لأنها تأخرت بنزع أساورها لأحد مقتحمي بيتها. ضحك على احمرار وجه الأجنبي وسأله: لم تبكي؟ فأجاب: كانت ضفة جميلة جداً... سأله الرجل: ما دخلك أنت وماذا يعنيك؟ فصرخ الأجنبي: ماذا يعنيك أنت؟
علي أحمد سعيد.. ألم تعنِكَ كل تلك السوريالية الرهيبة، كل ذلك وهذا الخراب؟! أم انك ترى ما رآه كثير من السياسيين الذين قالوا ومازالوا يقولون: كان لابد من هذا..
قل إن حنجرتك في ذلك الشباط غصت وأصابعك ارتعشت.. قل إنك لم تقبل ولكن لم يعرض عليك أحد قائمة لتثبت رفضك. قُلْ وقلْ .. سيقبل الكثيرون ما تقول، ماداموا قبلوا بواقع رهيب صارت وجبتهم اليومية فيه مقبِّلات واقع ..
قلت إنك تكره قسم الكورنيش الجنوبي المحجَّب، وإن ما رأيته على الشاطئ الممتد بين طرطوس وبانياس لا يضرب البصر وحده وإنما يضرب كذلك البصيرة، وأرى أنك أهلتَ مثلهم الحُجُب حتى على قلبك؟!
صرنا نكتفي بخط من قلمك الأزرق الناشف، ليعبر عن رأيك بأن عارف دليلة مظلوم ومريض، لكنك تقول لم يخبروك!!
ألم تتساءل ماذا حل بالرجل في زنزانته، ألم تتخيله كي تهجم اللغة كما تهجم عادة عند الشعراء؟
أإلى هذا الحد أنت منعزل وغير مكترث بمتابعة آلام الناس حتى لو كانوا بوزن وأهمية وجرأة عارف دليلة؟! كيف استطعت أن تبقى سنوات صامتاً على اعتقاله وضربه ومرضه؟!
عارف دليلة مثل الأنبياء في زنزانته، صابر وينتظر، وفي الخارج كتاب بأسماء لامعة ينتظرون من آخرين أن يدقوا عليهم الأبواب أو الهواتف ليتسولوا توقيعهم من أجله ومن أجل المئات غيره..
ثم من هم أصدقاء الشاعر فرج بيرقدار الذين، حين قلتَ لهم إنك لا تعرف شاعراً بهذا الاسم لتوقع على عريضة تطالب بإطلاق سراحه، أجابوك "استخدمنا هذه الصفة لكي نحقق أكبر قدر ممكن من مساندة الكتاب والشعراء في الغرب"؟! إذا لم يردوا على مغالطتك فسوف أصدِّق أنك كنت أميناً في نقل ما حدث، وسأعرف أنهم هم أيضاً لم يقرؤوا قصائده منذ السبعينيات، أي قبل إمكانية الخلط بين شعره ونضاله. ولكن هل صحيح أن كل شاعر لا يعرفه أدونيس هو بالضرورة ليس شاعراً!!
حسناً.. لقد انتهى سجن الشاعر الآن ولكن كلماته التي سمعت أو قرئت مترجمة، أبكت الكثيرين من أمثال ذلك الرحالة الذي أجهش وبكى آسفاً على ظلم الجمال وقتله..
ليتك أطلت في الحديث عن ميلاد أمك المئة وألححت عليها أكثر كي تحدثنا عن أسرارها، ليتك سألتها إن كنت قد حزت رضاها ثم أخبرتنا، لكنك اختزلت الحديث عنها ورحت تحكي عن بيوت بلاستيكية ونظافة ومالاأعرف ما يعنيك .... يعني إذا أصغوا إليك ونزعوا البيوت البلاستيكية وكنسوا الأراضي فهل سترضى؟ ومتى يعنيك ما في قلوب أهل هذه البلاد من الخوف واليأس والانتظار..؟
18 / 1 /2005
"الرأي / خاص"

   [ POSTED  @ 4:03 م ]


 

أمنيات صغيرة على عتبات الـ 2005: أُبيّ حسن

منذ أن هددني مسؤول أمني كبير في دمشق بتاريخ 3/8 /2004بقطع أصابع يديّ إن عدت وكتبت ( ما لا يرضيه طبعاً) لم أتطرق إلى الشأن السوري كثيراً , فالشهادة لله , وبمعزل عن أني خفت , بفضله علمت يومذاك ما لم أكن أعرفه عن نفسي , فأنا من وجهة نظره وبالحرف ( حاقد , موتور , ليس لدي ذرة من الوطنية ) وأخيراً أعلمني بأني (كلب) وهذا أيضاً ما كنت أجهله عن نفسي مع معذرتي من القارئ الكريم؟ وفي الختام أعاد تذكيري بقطع أصابعي وهو يكزّ على أسنانه مشيراً بيديه "الكريمتين" و "الحنونتين" إلى كيفية عملية القص (بتر الأصابع) .
لن أذكر الآن تفاصيل الحوار الذي جرى بيني وبين ذلك "المسؤول" , كما أني لن أدخل في سجال بيزنطي مع أهل بيزنطة, لكن , وبصدق , على أثر ذلك اللقاء الأمني الذي كثيراً ما ذكّرني بصدام حسين( أخشى أن نصل إلى يوم نترحم فيه على المذكور),ً راح يطفو على سطح الذاكرة مشاهد بعض من رأيت من العراقيين المجدوعين من أنوفهم أو آذانهم في دمشق , كما مرّ في ذاكرتي ,بحكم توفر عنصر الإرهاب في الموقف , منظر يدين صارتا (بفضل جلاوزة صدام ) عديمتي الفائدة لصديق عراقي تعرفت إليه في إحدى صحف المعارضة العراقية ( سابقاً) في دمشق . هذه الصور مجتمعة دفعتني منذ ذلك اليوم إلى أن أسقط من قائمة اهتمامي ما يسمّى بالإصلاح في سوريا, بما في ذلك العمل على إسقاط قانون الطوارئ بالوسائل السلمية والمطالبة مع المطالبين بإصدار قانون عصري للأحزاب ( يكون خيره فيه ) والصراخ ملء الفم في وجه من يحتكرون معظم الاستثمارات والخيرات في بلادي من قبل بعض أبناء و"حواريي" الحرس القديم والجديد (إن شئتم) وهلم جرا, ولم أعد أحلم بتداول السلطة في وطني وما يتطلبه ذلك التداول من العمل على توفير جو معقول من الديموقراطية واتساع في هامش النقد والحرية... وأشياء أخرى كثيرة ملحة ومشروعة, وليس ذلك "الإهمال والتقصير" من قبلي بسبب من "انعدام وطنيتي " حسب تعبير المسؤول الأمني ,أو ولكي أكون أكثر دقة, المسؤول الأُمي, بل, ببساطة, لأني مازلت بحاجة إلى يدين معافتين ألمس بهما وجه أمي وشفتين أقبل بهما يد والدي وثغر حبيبتي , كما أني ما زلت بحاجة إلى كف تزينه أصابع طبيعية تليق بمصافحة صديق احترمه ! أما ما تبقى من أسباب الحياة والتعلق بها فليس مهماً إذ ثمة من يحيا بالنيابة عنا ويتمتع بخيرات الوطن أيضاً بالنيابة عنا !
لا أدري إن كان ما ذكرته آنفاً مقنعاً كي أصبح ميالاً للابتعاد عن كل ما يطعن في " وطنيتي" , وبرغم اعتكافي ـ معظم الأوقات ـ في غرفتي الكائنة في دمشق وابتعادي عن الحياة العامة, ما يزال "الشباب" في الأجهزة الأمنية يسألون عني في القرية الأسئلة المكرورة ذاتها ( من هم عماتي وخالاتي وأعمامي وما تبقى من أغصان شجرة العائلة صعوداً ونزولاً , وربما بسبب من حرصهم الزائد لا يفوتهم أن يسألوا عن طبيعة عمل كل فرد يطرحون اسمه) علماً أنهم يعرفون عني كل ما يريدونه من خلال بعض الزيارات إليهم والتي بـ " فضلها" تكوّنت علاقات شبه ودية مع بعضهم وأعترف بأني أرفع القبعة احتراماً لبعض من عرفت من ضباط الأمن وهم قلة بطبيعة الحال !
هل أدرك ,الآن , العاتبون من الأصدقاء لماذا لم أكتب منذ فترة لا بأس بها؟ وهل تراهم يرون هذا السبب كافياً كي أشعر كم باتت سوريا ثقيلة وإن المطلوب مني ومن غيري أن لا نعمل على مواجهة الحطام والوباء الذي أورثنا إياه العبثيون ؟ لكن مع ذلك ثمة أمنيات صغيرة أحلم بتحقيقها هذا العام , وما جرأتي على تمنيها إلا اعتقادي أن وضاعتها و السعي لنيلها لا يشكك في وطنيتي ولا يتعقب عليها " قص أصابعي" حسب ظني , وإليكم بعضها : أحلم أن أعود إلى غرفتي بعد مسير ساعة في يوم ماطر في شوارع دمشق من غير أن أضطر إلى تغيير ملابسي ( على الأقل بنطالي) التي غالباً ما يفضح اتساخها جانباً من فساد البنية التحتية التي نتباها بها ( تصوروا حتى الآن لا نعرف كيف نعبد الشوارع بطريقة تمنع تجمع المياه كلما جادت السماء !؟ ).
بودي أن أسمع خبراً ( طبعاً ليس من الإعلام السوري) بأن السلطات الأمنية نشطت فاعتقلت جاسوساً أو مخرباً أو عميلاً إسرائيليا في سوريا بدلاً من سماعي اعتقالها أحد المواطنين السوريين بسبب من إبدائه لرأي سياسي لا يروق للأصدقاء البعثيين أدام الله ظلهم .
بالتأكيد لم أعد مخبولاً فأحلم بإصلاح الإعلام السوري , الذي أمراضه من أمراض السلطة التي يمثلها, حتى ولو كان الإصلاح فيه لا يتعدى النجاح في تقديم نشرة أخبار تجعل الشخص منا لا يشعر بالندم لأنه أهدر وقته وشاهدها قدر ما أتمنى أن تصل الصحف اللبنانية إلى المحافظات السورية ( باستثناء دمشق ) في اليوم ذاته ولو لمرة واحدة في السنة بدلاً من أن تصل ثاني أو ثالث يوم كالعادة .
أتمنى أن تولي وزارة التعليم العالي اهتمامها بالكتاب الجامعي فقط ( لا الجامعة كلها فهذا مطلب صعب!!) فيستلم الطلاب كتبهم في بدايات العام الدراسي لا قبل الامتحان بشهر أو أقل من شهر؛ بالمناسبة تفرض الأمانة أن أذكر هنا أن أساتذة التعليم الجامعي المفتوح بمن فيهم رئيس المركز يستبسلون في عطائهم علماً أنهم لم يتقاضوا أجراً منذ بداية العام الدراسي حتى اللحظة بما فيها أجرة تأليفهم الكتب, والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لا تهتم الحكومة لدينا بالكتاب الجامعي (أكرر لا الجامعة كلها) وتحسين وضعه كاهتمامها المحموم بالجوامع؟
وباعتبار أن إمكانية التغيير في القيادات "التاريخية" لاتحادات مثل اتحاد الكتاب أو اتحاد الصحفيين حلماً صعب المنال أكتفي بأن أعلن عن رغبتي بإنصاف الصحفيين المشاركين في سوريا وأن يخفف اتحاد الكتاب من طباعة الكتب الرديئة.
أرغب أن أشهد هذا العام الانتهاء من بناء الجسر"الأسطوري" المقام على نهر حصين البحر والذي يختصر المسافات بين مناطق عدة بنسبة 20/100بالمناسبة أصبح لهم في بنائه أكثر من خمس سنوات علماً أن طوله لا يتجاوز 15 متر، و حتى الآن لا نعلم إن كان سيدخل في منافسة مع مجمع في ساحة المرجة الذي أصبح له قرابة الثلاثين عاما و الذي بدوره لا أحد يعرف إن كان سيكتمل بناؤه أم لا ؟ فضلاً عن أننا لا نعرف ما هو بالضبط هذا المنجز العظيم !!
أحلم أن تخف نسبة الفساد والهدر في مؤسسة مياه طرطوس وقد كنت شاهداً في ما مضى على جزء من فساد بنيتها التحتية ( مجدداً التي نحسد أنفسنا عليها) , بالمناسبة فضائح هذه المؤسسة لا تزال مستمرة (يمكننا القول أن فسادها الإداري ,على الأقل, يختزل حكاية فساد السلطة) .
بودي أن تنصف شركة الإنشاء والتعمير"الحكومية" عمالها ولو لمرة واحدة في العام فتعطيهم معاشاتهم مطلع كل شهر بدلاً من أن تعطيهم إياها كل ثلاثة أو أربعة أشهر مرة واحدة , وللتذكير فقط أن هذه الشركة من أكثر الشركات الإنتاجية ربحاً وقد انعكس ذلك الربح جنة ونعيماً على بعض القائمين عليها ابتداء بالقصور وليس انتهاء بالأملاك والأموال , طبعاً بعد أن عززوا مواقعهم من خلال علاقات (...) مع بعض صناع القرار في وطني ( هؤلاء الأشخاص وأمثالهم هم من ساهم في خسارة القطاع العام وهم من يتباكى عليه اليوم و هم كذلك من يغني في المناسبات البعثية " أنا سوري يانيالي " وفعلاً معهم الحق في أن يغنوا هذه الأغنية فلماذا ضيقة العين يا حكم البابا؟).
في ما أنا أكتب هذه المادة اتصل بي المواطن" صفوان محمد حسن" وهو شاب سوري معاق إعاقة تمنعه من العمل المضني أفادني أن أمر توظيفه كمستخدم أتى من قبل ما يسمونه في سوريا مكتب التشغيل التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل, ومع أن توظيفه وتأمين حياته واجب على الدولة بموجب المادة 46 من القانون التي تنص:( تكفل الدولة كل مواطن وأسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليتم ... ) , ناهيك عن الجانب الإنساني , برغم ذلك لم تقبل أية جهة رسمية في محافظة طرطوس أن توظفه حتى كمستخدم يصنع القهوة والشاي ( هذا ما يقدر عليه) تحت ذرائع غالباً ما تسعفهم قرائحهم في إيجادها مع العلم أن ثمة قانوناً آخر في سوريا يلزم مؤسسات الدولة بترك شواغر لديها بنسبة تتراوح بين 2/100 و 4/100 لتوظيف العجزة والمعاقين , لكن هذه الشواغر عادة ما تذهب(...) !
أخيراً إليكم هذه الحكاية وهي ذات دلالة :
سبق أن تولى شؤون محافظة طرطوس ضابط بعثي " استبسل " إبان الحرب في لبنان أواسط سبعينيات القرن الماضي إذ كان يهرب حتى الحشيشة ( يتداول الناس فضائحه حتى الآن ) فأثرى ثراءً فاحشاً فأرادوا أن يعاقبوه فعينوه محافظاً على طرطوس , ولأن العسكري الذي أصبح سياسياً لم يجد طوال وجوده على رأس عمله ( بقي محافظاً في طرطوس حوالي العشرين عاماً) ما يخدم به المحافظة وأبناءها , هداه " وعيه" الفطري إلى التعبير عن ذاته فشبّه المجاهد صالح العلي برجل "العصابات" معتبراً ثورته التي قام بها ضد فرنسا 1918" عصابة تشليح وقطاع طرق" هذا وهو مسؤول , سنتذاك دبت الحمية في نفوس بعض الغيورين على جهاد صالح العلي وتراثه الوطني النقي ومنهم ضابط سابق في الجيش السوري , فخفف عقله وهجا المحافظ لذمه وقدحه أول المجاهدين في سوريا , فكان أن دخل الضابط السجن لهجائه "المحافظ" الذي رُقي وأصبح في ما بعد مسؤولاً عن إحدى المحافظات السورية الكبيرة والهامة لكن بما أن رائحة فساده طبقت الآفاق وكان الحديث سنتذاك يدور حول "محاربة" الفساد استغنوا عن خدماته شاكرين له"حسن" صنيعه. وكي أختم أمنياتي لهذا العام أضيف أمنية أخيرة ألا وهي : أتمنى أن أسمع أن ثمة مسؤولاً شعر بواجب الاعتذار من شيخ الجهاد في سوريا لا لشيء فقط كي لا نعتب على الشيخ صالح العلي وبالتالي الزعيم الوطني إبراهيم هنانو والأمير سلطان باشا الأطرش و الدنادشة في تلكلخ وغيرهم ممن حارب فرنسا وأراق دمه في سبيل سوريا واستقلالها.
بالمناسبة سأنام الليلة , وكل ليلة , قرير العين هانيها و لن أخشى في محبتي لوطني لا صدام حسين ولا الزرقاوي و لابن لادن ولا أبناء عمومتهم وخالاتهم وعماتهم في سوريا , فسوريا ليست هؤلاء فحسب , بل ثمة أناس طيبون وصالحون ويعملون بشرف وصمت و يعيشون في الظل وفي قلبي كذلك ويستحقون كل خير .
ملاحظة : رغم أن الوطنية لا تحتكر لسنا نحن من يحتاج إلى شهادة حسن سلوك في سلامة وطنيته بل أولئك الذين أوصلونا إلى هذه الدرجة من العدم والخواء من يحتاجون إلى أن يثبتوا لنا وطنيتهم ودمتم .
انتهى
"الرأي / خاص"

   [ POSTED  @ 4:00 م ]