unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-02-04  

تألّق الشعر في المناسبة الحاشدة: حضور عربي وسوري متميز في أربعينية ممدوح عدوان
أنور بدر
القدس العربي 2005/02/04
هل شكلت دعوة الناقد جابر عصفور لتأبين الشاعر ممدوح عدوان في مصر مهمازاً لحث وزارتي الثقافة والإعلام في سورية للاحتفاء بذكري مرور أربعين يوماً علي وفاته؟! وهل كنا نخشي أن يُسرق مبدعونا من بيننا بعد رحيلهم؟ أم أنّه المجيء المتأخر بعد فوات الوقت كما قال نزيه أبو عفش؟! وهو يُفضل باسم الشاعر زهرة في الحياة علي أكاليل الورد بعد الممات؟!مهما كانت الأسباب، فقد كان حفلاً تكريمياً كما قال وزير الثقافة الدكتور محمود السيد وليس تأبيناً، لأنّ ممدوح عدوان لم يزل بيننا، حياً بإبداعه وحياً بذكراه وحياً بعلاقاته، والتي تمثلت بالحضور العربي المتميز في هذا الحفل، فمن فلسطين جاء محمود درويش يُعلن فقدَهُ بيننا، ومن مصر حضر أحمد عبد المعطي حجازي و عبلة الرويني بينما غاب الدكتور جابر عصفور رئيس المجلس الأعلي للثقافة والفنون فيها، مع أنّ اسمه مطبوع في برنامج الحفل الذي وزع كبطاقة دعوة.ومن لبنان شارك السيد طلال سلمان رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، بينما حضر العديد من الأسماء الذين لم تُتح لهم المشاركة. ومن سورية كانت أسماء محمد الماغوط و نزيه أبو عفش و عادل محمود و صادق جلال العظم والوزير السابق عصام الزعيم، وهي أسماء حاولت بحضورها وبقولها تأكيد هوية الراحل وانتمائه. وهو الانتماء الذي رددت صداه أكف المحتشدين في دار الأوبرا والذين فاق عددهم الألف وخمسمئة، وهم رغم المناسبة التأبينية، إلا أنّهم صفقوا للشعر والشعراء، كما صفقوا لأوجاعهم المنثورة هنا وهناك علي شفاه المتحدثين.وأستطيع أن أقول بجدارة إنّ أجمل رثاء قرأته أو سمعته في حياتي، كانت قصيدة الرثاء التي ألقاها الراحل ممدوح عدوان من خلال فيلم قصير يصور ممدوح وهو يُلقي شعراً أو رثاء، رثاء للمبدع أو لذاته إذ يقول:كيف حولت بنا الخوف من الموت حنينا إننا ننهضُ عن مائدة العمر وقد تركنا منسفاً من الأحلام والرغبات والشرابا نحن أكملنا مدار العمر فرساناًوقد مُتنا شبابا.ويعرف النُقاد أنّ ممدوح عدوان كان يرتل شعره بصوته المميز، وهو يعرف كيف يتلاعب بمخارج الألفاظ، وأينَ يُتابع أو يتوقف، وكأنه لاعب ماهر يتحرك برشاقة وليونة علي حبال القصيدة.وحين توقف الشريط السينمائي لأسباب تقنية، دخل مُقدّم الحفل الفنان بسام كوسا ليُعلن:كالعادة...حدث خطأ تقني. وبعد التصفيق أكمل: مع أنّ البناء حديث!الممثل بسام كوسا قدّم برنامج الحفل عبر إلقاء مقاطع من شعر الراحل ممدوح عدوان:وحين وقفت أختلس الثقافة عاشقأرجوك أيّ لقاء...ركضت إليك كالمجنون من شوقي.وحين وصلت لم أبصر سوي الصحراء.كما قرأ برقية اعتذار من وزيرة الثقافة الأردنية أسمي خضر، تحمل كلمات التقدير للراحل وللدعوة، وتعتذر لانشغالها عن الحضور.ہہہبعد كلمة محمود السيد وزير الثقافة السوري، تحدّث الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي فقال أنّ موت ممدوح لم يُفاجئهُ، لأنّ ممدوح حاول أن يجعل هذا الموت متوقعاً، ففي شعره ونثره كان يخدعنا:لقد خدعتنا إذن يا صديقيكأنك تُصر علي مواصلة سخريتك حتي بعد رحيلكفالموت الذي نظمت فيه قصائدك، وهو الكائن الذي كنت تحاكيه، وأنا لا أستطيع أن أعرف في سيرتك وشعرك أين تنتهي الحياة ويبدأ الشعر، فشعرك هو سيرتك وسيرتك هي شعرك.أما الوزير السابق عصام الزعيم الذي يُصر علي ممارسة الحياة العامة بعد تبرئته في المحكمة التي أُحيل إليها، فجاء يعتذر عن مُضاهاة الشعراء في مجالسهم، ولكنه أصرّ أن يقول أنّ ممدوح عدوان عالج بالشعر مشكلة الإنسان، الذي يعاني من الحيونة المتزايدة في ظل العولمة، مؤكداً علي تلك القوة العارمة في قلب الشاعر وفكره، والتي أعطته ذلك الإبداع الذي نعتز به اليوم، وتابع يقول أنّ ممدوحاً دخل التاريخ وغادر الحياة وغادرنا... لكنه فتح أمامنا المستقبل ننهل مما أعطي. الدكتور والمفكر صادق جلال العظم أعلن بعكس الشاعر عبد المعطي حجازي أنّه فوجئ بموت ممدوح لأنّه كان يُراهن علي إصرار ممدوح وقوته علي رفض المرض، ورفض الموت، ممدوح الذي لم يتمكن من احتمال نعمة الراحة التي نزلت عليه، لأكثر من ثلاثة أيام دون أن يقرأ أو يكتب. وهو الذي كتب هاملت يستيقظ مُتأخراً كإدانة لانتلجينسيا عايشت الهزيمة وأحاطت بها، فشاء أن يُميز نفسه بالفعل والقول ضدها وضد المرحلة، بقوة التحدي وقوة الحياة.ويعترف أنه ما من مبدع جسد في حياته ونمطه وبديهيته وديناميته وحيويته وذكائه وفوضويته جيل الستينات كما جسده ورمز إليه ممدوح بكل كيانه، ليتساءل في النهاية: هل مات جيل الستينات بوفاة ممدوح عدوان؟ ثمّ كان لنا لقاء آخر مع شريط فيديو، لكنه هذه المرة لصديق ممدوح عدوان، الشاعر محمد الماغوط الذي يقرأ علينا كلمة رثاء يُخاطب بها ممدوحاً بقوة حضور تُغالب الغياب، وهو يصرخ لصديقه ممدوح، مُذكراً باتفاقه مع الله شخصياً في إحدي الحالات، مُعلناً بما أنني وممدوح صحراويان، فإنني لم أكن أريد أن يكون لأي منا مكان تحت الشجر، بل تحت المطر.مُختتماً: لن يُشفِ غليلي من موته المفاجئ سوي القبض... علي أرواح من كان سببا في موتنا.طلال سلمان قدم في رثاء ممدوح رثاءً لجيل ومرحلة، رثاءً لشعارات وأحلام قائلا:أتيناك بأثقالنا قبل أن تكتمل حيونتنايكاد لا يجمعنا سوي الموتها نحن بعض الفتية الباقية، أتيناك من لبنان وفلسطين ومصر، نتلاقي يا ممدوح نحن الذين صارت شعاراتنا التي كانت مُقدّسة في منزلة الأوهام، نتلاقي وكل منا مقتول في منزلة القاتل أنت بهويتك مقتول وقد كانت رمزاًأنت بلغتك مقتول وقد كانت الثقافة جميعاًأنت بدينك مقتول وقد كان رسالة سلامأنت قاتل أحلامك والمبدع في رثائها.الشاعر عادل محمود قال:كان مُتهماً بالحياة وهو حي حتي أطراف غابته.وهو يقيم الآن برقاً......جيلنا كله لا يستطيع أن يكتب سطراً واحداًتعريفاً جامعاً لكلمة واحدة هي الحرية........ممدوح أحد مؤرخي لحظة قبيحة في حياتنا...مات قبل أن يُسجل يهودي آخر بعد كارل ماركسحق الفلسطينيين ولو 22 بالمئة من ارض فلسطين.مات ممدوح قبل أن ينتصر احد من المحيط إلي الخليجإلا برأس مقطوعكان ممدوح ريفياً محترفاً في صناعة الأحلام.........أنقص الشرفاء واحداً في زمن عربي لا يعرف إلاّ النُقصان.ہہہوبعد أن تلقت السيدة إلهام زوجة الراحل ممدوح درع التكريم من القسم الثقافي من صحيفة الأهرام العربي، حدثتنا الناقدة عبلة الرويني عن أول لقاء لها مع ممدوح عدوان في عمان 1989، حين سمعت قصيدته نيابة عن زوجها الراحل أمل دنقل، بعنوان زفة شعبية لسليمان خاطر الجندي المصري الذي أطلق الرصاص علي سياح إسرائيليين في سيناء، ومن يومها ربطتها وممدوح الصداقة، هو القادر علي ابتكار الأصدقاء، بالقوة ذاتها علي ابتكار الأعداء.وتابعت أن ممدوح يكتب لأنّه يريد أن يكتبولأنّ هنالك أشياء لا بد من ذكرهاوهو لا بُد أن يُكمل صرخته.كلمة الشاعر نزيه أبو عفش جاءت محملة بروحه المسيحية، أو بثقل صليبه الذي استعاره من الواقع وهمومنا وهو يُعلن تشاركه بالأمس مع ممدوح في كتابة هذه الكلمة الرثاء .. النص .. المنشور: طائفة أسلاف موتي وئدوا في مصائد أحلامهم فلم يتوفر لنا الوقت لنسند أرواحهم بلقمة أمل أو بلقمة جمال جيش من عاثري الحظوظ والأحلام قتلتهم سموم الحبر وحماقة الأحلام قلت: قتلهم الموت؟ لا، بل قتلتهم الحياة قتلتهم فاقة الكرامة وفاقة الحرية ماتوا مصعوقين بالسرطانات وذبحات القلب وذبحات الضمائر وذبحات اليأس .....ما الذي نفعله نحن الشعراء سوي أننا نعبد طريقنا إلي الموت الشعراء يربحون بقدر ما يحسنون إدارة خسائرهم فيما الآخرون يسهرون علي إدارة أرباحهم المختلسة من حياتنا ثم تحدث عن آل الفقيد ابنه زياد مذكراً بما كتبه في موته: يقول الأب لابنه: كنت أول من رآك حياً. يقول الابن لأبيه: كنت آخر من رآك حياً. وأخيراً، ألقي محمود درويش قصيدة رثاء إلي ممدوح عدوان بعنوان كما لو نودي بشاعر أن انهض، يقول فيها: علي أربعة أحرف يقوم اسمُك واسمي، لا علي خمسة. لأن حرف الميم الثاني قطعة غيار قد نحتاج إليها أثناء السير علي الطرق الوعرة.في عامٍ واحد وُلدنا، مع فارق طفيف في الساعات وفي الجهات. وُلدنا لنتدرّب علي اللعب البريء بالكلمات. ولم نكترث للموت الذي تَدقّه النساء الجميلات، كحبة جوز، بكعوب أحذيتهن العالية.عالياً، عالياً كان كُل شيء... عالياً كالأزرق علي جبال الساحل السوري، وكما يتسلق العشب الانتهازي أسوار السلطان، تسلقنا أقواس قُزحٍ، لنكتب بألوانها أسماء ما نحب من الأشياء الصغيرة والكبيرة:يداً تحلب ثدي الغزالة،مجداً لزارعي الخسّ في الأحواض، شغف الإسكافي بلمس قدم الأميرة، ومصائد أخري لجمهور مطرود من المسرح.ولما التقينا عرفتك من سُعالك، إذ سبق لي أن حفظته من إيقاع شعرك الأول، يُفزع القطط النائمة في أزقة دمشق العتيقة، ويبعثر رائحة الياسمين.ممدوح، لا أطيق سماع اسمك الآن، لأنه يذكرني بما ينقصني من رغبةٍ في الضحك معك علي عورة بردي المكشوفة كأسرارنا القومية. ولأنه يُذكرني بمدي حاجتي إلي استراحة من الركض آناء النوم، بحثاً عن حلم مسروق، أراه واضحاً وأحاور السارق. ويذكرني اسمك بما أنا فيه من طقطقة كأني حبّة بلوط في موقد الفقير ليلة العيد.لهذا، اكتب اسمك ولا ألفظه، ففي الكتابة يتموج اسمك علي ماء الحضور. وفي الكلام أسمع وحش الغياب يطاردني من حرف إلي حرف، ليفترس الشلو الأخير من قلبي الجائع إلي هجائك المادح.ممدوح! ماذا فعلت بك وبنا؟ فلم نعد نحزن من تساقط شعرك المبلل بالزيت، فإنك تستعيده الآن من عشب الأرض. ولكن، في أية ريح أخفيت عنا سعالك، فلم يعد في غيابك متسع لغياب آخر.ممدوح! هذا هو وقت الزفاف الفاحش بين الرعد والصحراء، شرق الشمال، لإنجاب الكمأ إعجازي التكوين. صف لي ولادة الكمأة أصف لك عجزي عن وصف القصيدة، فانظر شرق الشمال!الآن، لا أتذكر شيئاً منك. فالذكري تلي الحرب والموت والزلزال. وأنت، ما زلت معي تكتب هذه المرثية، علي هذه الورقة البيضاء، في هذا الليل البارد... أو نكتبها معاً لشاعر محبط. فلعلها لا تعجبه فيتوقف عن اغتيال نفسه، إلي أن يقوم غيرنا بكتابة مرثية أفضل، لا تعجبه هي أيضاً، فينتظر غيرها ويحيا أكثر.كما لو نُودي بشاعرٍ أن انهض من هذا الألم.يا ابن الحياة الحر، أيها المدافع عن جمال الوردة العفوي، وحرية العشاق في العناق علي مرأي من كهان الطهارة اللوطيين! من بعدك سيسخر ممن يتقنون تسمية الآلهة، ولا يقوون علي تسمية الضحايا؟ يأنفون من الانتباه إلي دم مسفوك علي طريق المعراج، ويسرفون في التحديق إلي غيمة عابرة في سماء طروادة، لأن الدم قد يلطخ نقاء الحداثة المتخيلة، ولأن الغيم سرمدي الدلالات. لعلهم علي حق، ما دامت هزائمنا تستدعي تطوير النقد إلي هذا الحد!لكن هذا أيضاً لا يهمك، أيها المتعالي علي التعالي، أيها العالي من فرط ما انحنيت بانضباط جنديٍ أمام سنبلة، ونظرت، حزيناً غاضباً، إلي أحذية الفقراء المثقوبة، فانحزت إلي طريقها الممتلئ بغبار الشرف. الشرف؟ يسألك المترجم: ما معني هذه الكلمة؟ فلم أجدها في الطبعات الجديدة من المعاجم.ممدوح، يا صديقي، لماذا كما يفعل الطرخون خانك وخاننا قلبك؟ لماذا لم تعلم كم نحبك؟ لماذا تمضي وتتركني ناقصاً؟ لماذا... لماذا؟

   [ POSTED  @ 10:32 ص ]



   2005-02-03  

أطفال سوريون شرّدهم الفقر
2005 الخميس 3 فبراير
حيان نيوف
لا يريدون قانون أحزاب أو إلغاء الطوارئ بل لقمة عيش
حيان نيوف من دمشق: وسط تنامي الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية، ومطالبة قوى سياسية معارضة وتجمعات أهلية بإلغاء قانون الطوارئ وإصدار قانون جديد للأحزاب ؛ يهمل المراقبون حكاية شريحة كبيرة من السوريين لا تطالب بقانون أحزاب ولا بإلغاء الطوارئ وإنما تطالب بمجرد " قرص فلافل " أو " ساندويتش بالزعتر والزيت " في نهاية اليوم تسد رمقها. إنها شريحة أطفال سوريين وجدوا أنفسهم يطرقون الأبواب ليتحولوا إلى " متسولين محترفين " أو بائعين جوالين سرّبهم الجوع والفقر من المدارس أو أخذتهم الظروف الاجتماعية المحيطة والمعاناة إلى السجون و مراكز الأحداث.
المعارض وماسح الأحذية..
في إحدى شوارع دمشق تَوزّع بعض الأطفال ليعملوا في مهنتهم اليومية " ماسحي أحذية " ( بويجي بالعامية السورية ). وكانت لقطة نادرة جدا أن يكون أحد هؤلاء الأطفال يعمل بجهد بفرشاته جيئة وذهابا على حذاء زبون لا يمكن وصفه إلا بأنه أحد المعارضين السوريين وهو من المطالبين باحترام حقوق الإنسان. واستمر هذا المعارض واضعا حذاءه أمام الطفل حتى أخذ يلمع حذاؤه فرمى للطفل قطعة نقدية ومشى دون كلمة واحدة. وفي هذا المشهد الدرامي المتفجّر، سوف يصعب إلقاء العتب على الحكومة السورية بما يخص أوضاع الأطفال في حين أن بعض دعاة الديمقراطية يجدون متعة بالغة في الطلب إلى هؤلاء الأطفال مسح أحذيتهم.
طلاق وفقر يشرّد الأطفال
هؤلاء الأطفال، الذين يمسحون الأحذية لكسب عيشهم، أوصلتهم ظروف عائلية إلى هذه الحالة. ومن العوامل الكثيرة التي تأخذ هؤلاء الأطفال إلى هذا العمل الفقر وطلاق الزوجين. بعض الأسر السورية مكونة من أفراد كثيرين مع وجود دخل محدود لرب الأسرة وهذا ما يدفعه إلى الإلقاء ببعض أبنائه إلى سوق العمل. بعضهم يترك المدرسة ويفضّل الحصول على مائة ليرة في اليوم مقابل عدم الذهاب للمدرسة. وبعضهم يتابع تحصيله العلمي ويوجد أطباء وجامعيون كثر في سورية درسوا نهارا و عملوا ليلا عمال نظافة !. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الأطفال، وأثناء وجودهم في سوق العمل تلك، قد يتأثر " برفاق سوء " لتنتهي به الأمور إلى مراكز الأحداث والتي هي الأخرى " ليست جنة " كما بينت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية في تقرير قريب لها.
تشرّدوا حتى في مراكز رعايتهم !
قالت المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع سورية، في تقرير وصلت شبكة " إيلاف " الإخبارية نسخة منه، إنها تلقت شكاوى من بعض المواطنين حول معاملة الأحداث الجانحين. وذكرت المنظمة بعض الأمثلة على معاملة هؤلاء الأحداث، ومنها : " مراكز الملاحظة التي أنشأتها وزارة الشؤون الاجتماعية في معظم المحافظات للتوقيف الاحتياطي تفتقر للتجهيزات و الأخصائيين الاجتماعيين مما جعل الأحداث فيها يتعرضون للمضايقات والاعتداءات البدنيّة وغيرها، وتعرض الأحداث للعنف والتعذيب، إضافة إلى أن معاهد إصلاح الأحداث موجودة في دمشق وحلب فقط، وهي غير قادرة على استيعاب جميع الأحداث الموقوفين في سوريّة".
وطالبت المنظمة السورية، وهي جمعية غير مرخصة ؛ بإنشاء معاهد لرعاية الأحداث في جميع المحافظات السوريّة، توزيع الأحداث الجانحين وفقا لفئات عمرية متقاربة، وضع معايير وشروط خاصة للعاملين في هذه المعاهد، وتشكيل لجان متخصصة لمراقبة هذه المعاهد والتفتيش عليها، و السماح لجمعيات حقوق الإنسان، والجمعيات الأهليّة المهتمّة بالأحداث بزيارة معاهد إصلاح الأحداث، وتقديم ملاحظاتها لوزارتي الشؤون الاجتماعية والعدل ولمديري هذه المعاهد.
المعاناة تدفع لإتقان فن التسوّل
ويعمل هؤلاء الأطفال، الذي أصيبوا بنقمة الفقر أو الظروف الاجتماعية السيئة، بأعمال مختلفة. بعضهم يبيع الصحف والعلكة، والبعض يبيع أدوات بلاستيكية متنقلا بين الحارات الشعبية ومن منزل إلى منزل. وقسم كبير من هؤلاء ذهب إلى "مهنة" مسح الأحذية. إلا أن بعض الأطفال قرر الابتعاد عن العمل والاكتفاء بالتسول وله أنواعه أيضا من التسول عبر طرق الأبواب كل يوم إلى التسول أمام المصارف التجارية والمحلات التجارية. هذا الطفل أو ذاك أتقن فن طلب النقود، وهو يصرخ في إحدى الشوارع السورية، وبأعلى صوته : من مال الله يا محسنين...
صفقة بطاطا للأوروبيين أفضل من حقوق الطفل !
أعضاء الاتحاد الأوروبي، الذين سبق لهم أن قدموا إلى سورية بزيارات عمل، نزلوا في فنادق فخمة وناقشوا الشراكة مع سورية في صالات مضيئة ومنيرة وفخمة ثم سافروا دون جولة واحدة في الشوارع السورية ليتعرفوا على قصة ماسحي الأحذية. إن هذا الإهمال الأوروبي أيضا لمعاناة هؤلاء الأطفال يذكّر بأن الاتحاد الأوروبي ما زال مهتما بعلاقات تجارية واقتصادية مع سورية، وربما استيراد الطماطم والبطاطا، أكثر مما هو مهتم بحقوق الطفل.

مشهد كوميدي : مجلس الشعب يكافح التسول.. وكيف ؟!
ينقص هذه القصة التراجيدية مشهد كوميدي. مؤخرا، وفي مبادرة من مجلس الشعب السوري لمكافحة التسول، قامت اللجنة المشكلة من مجلس الشعب لدراسة ظاهرة التسول فى دمشق، قامت بزيارة إلى معهد تأهيل وتشغيل المتسولين التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. وتفيد وكالة الأنباء السورية " سانا " أن اللجنة زارت " مهاجع إقامة المتسولين واطلعت على أحوالهم والظروف التى دفعتهم لمخالفة القوانين وممارسة التسول كما اطلعت على الدور الذي يقوم به المعهد في توفير وسائل تعليم الحرف للمتسولات من خياطة وحياكة وسواها". ونقل في حينها عن لجنة مكافحة التسول في مجلس الشعب السوري أنه " توضح وبشكل طبيعي مسؤولية المجتمع حيال هذه الظاهرة والمخاطر الأمنية على المجتمع والتي تشكل ظاهرة التسول والتي لا تقل عن الأخطار الاجتماعية " !.
جاءت هذه الخطوة في الوقت الذي كان فيه أعضاء مجلس الشعب يصوتون على منع العامل من اللجوء إلى القضاء في حال فصله من عمله وذلك وفق المادة 137، إلا أن الرئيس الأسد أعاد مشروع المرسوم وقد نص على منح العامل هذا الحق. ولم يطرح أحد في مجلس الشعب، في وقتها، أن هذا العامل المسرّح من عمله بلا أسباب له عائلة وأطفال سوف يتشردون جميعا.
وظاهرة التسول في سورية ليست ظاهرة عادية برزت بين ليلة وضحاها، وإنما لها ظروفها الاقتصادية والاجتماعية وحتى العائلية التي بلورتها وأبرزتها إلى العلن. والمتسول في غالب الأحيان هو إنسان درويش طيب ومسكين لم يضع في " حساباته التسولية " أن يخالف قوانين بلاده ؛ فهو ضحية ظروف اجتماعية وعائلية واقتصادية رمت به إلى الشارع دون أن يجد منقذا، فعلّمه الدهر مهنة " الدق على الأبواب " أو الجلوس صامتا على الأرصفة فاتحا يديه من أجل بضع ليرات أو علبة زيت يسد بها جوعه وحرمانه.هكذا تستمر شريحة كبيرة من الأطفال السوريين في العمل بأعمال مختلفة، ودون اكتراث لمعنى صدور قانون أحزاب أو تنظيم مظاهرة، طالما أن قانون الأحزاب أو المظاهرة لن يأتيا بقرص الفلافل أو ساندويتش بالزيت و الزعتر لهم في نهاية اليوم ؛ حيث يرجعون من نهار تسولي إلى غرفهم الصغيرة لتجتاحهم قطعان من الأحلام المكتظة بالبؤس البارد والمستقبل المجهول.

   [ POSTED  @ 5:35 م ]



   2005-02-02  

ثلاثة عشر عاما على اعتقال عصفور الحرية في سورية : عبد العزيز الخير
الحوار المتمدن - العدد: 1097 - 2005 / 2 / 2 4.8 / 5

باريس ، 1 شباط / فبراير 2005 تقرير خاص عصر يوم الأول من شباط / فبراير 1992 ، وبعد مطاردة استغرقت زهاء أحد عشر عاما ، وهي من أطول فترات الملاحقة والمطاردة المتواصلة التي عرفها أي معارض في التاريخ ، إن لم تكن أطولها على الإطلاق ، تمكنت دورية مسلحة تابعة للفرع 235 ( فرع فلسطين ) في المخابرات العسكرية ، بقيادة المقدم عبد الكريم الديري ، وبمساعدة دورية مؤللة من الشرطة العسكرية تواجدت في المكان بمحض المصادفة ، من اعتقال الدكتور عبد العزيز سليمان الخير في منطقة " باب الجابية " في دمشق القديمة ، مع عدد من زملائه . لم يكن المقدم الديري مستعدا لبيع فرحته بهذا " الإنجاز " الباهر لأحد في الدنيا . وكيف كان بإمكانه أن يفعل وهو الذي كلف بهذا المهمة ( دون غيرها ) وفرّغ لها من قبل قادته قبل أكثر من عشرة أعوام على ذلك ، فارتبط " مستقبله المخابراتي " بهذا الأمر !؟ ولهذا لم يملك سوى أن يصرخ بسيده اللواء مصطفى التاجرعلى الطرف الآخر من الهاتف المحمول : سيدي لقد وقع العصفور في القفص ! وعلينا أن نسجل اعترافا للمخابرات السورية بأن ضباطها لم ينسجموا مع الحقيقة في يوم من الأيام باستثناء ذلك اليوم . فقد كان عبد العزيز الخير ولم يزل عصفورا بالفعل !لم يحدث أي شيء غير عادي أو غير مألوف لعبد العزيز الخير بعد اعتقاله ! فما حدث له كان أمرا تقليديا .. وتقليديا جدا في عرف جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي الذين مروا على أقبية أجهزة المخابرات السورية : جلسات لا نهاية لها من التحقيق تحت التعذيب . وكان من الطبيعي والطبيعي جدا أن تتركز ضرباتهم على الرأس ـ مكمن الخطر والخوف بالنسبة لجميع أجهزة المخابرات عبر التاريخ . فههنا ، في هذه المساحة الصغيرة من الجسد ، تصاغ الأسئلة الكبرى حول الحرية والديمقراطية والمستقبل . ولو كان أي منا مكانهم لما كان رضي ـ ربما ـ بأقل من تحطيم جمجمته . فالرأس المفكر والمخابرات هما الضدان والمتناقضان الوحيدان اللذان لا يمكن أن يعيشا معا . فحياة كل منهما مرهونة بموت الآخر !خلال الأحد عشر عاما التي قضاها عبد العزيز الخير باسمه المستعار " أبو أحمد " ، لم يغادر دمشق أبدا إلا مرة واحدة ربما ، ولمدة لم تتجاوز عدة أيام . كان يتنقل ، وهو المطارد ليلا نهارا ، بكل حرية . وربما كان حرا آنذاك أكثر من أي وقت مضى ومن أي وقت سيأتي في حياته . فما من حرية بلا ضفاف يمكن أن يبلغها المرء أوسع من تلك التي يمنحها حب الناس لنا . وعبد العزيز الخير أحد أولئك المناضلين الذين يمكن أن يحسدوا ليس على حب الناس لهم وحسب ، بل وإجماعهم على هذا الحب . كان الطبيب الذي يخاطر بأمنه ليلا نهارا ليعبر دمشق من أقصاها إلى أقصاها كي يطبب رفيقا أو صديقا ، والصحفي المحترف والمرهف الذي يشرف على عدة مطبوعات ، والمناضل الذي يحرض الناس على ..الحرية والأمل . وحين اعتقل وانتهى التحقيق معه ونقل إلى سجن صيدنايا العسكري ، لم يتبدل شيء في حياته . فهو الطبيب الذي يعيش على مدار اليوم في حالة استنفار وجاهزية كاملة لتلبية نداء الواجب . فمئات السجناء الذين دمرت أجسادهم سنوات الاعتقال الطويلة ، والمعاملة البهيمية الوحشية التي تعرضوا لها في سجن تدمر الصحراوي وفروع المخابرات ، باتت حيواتهم أمانة في عنقه .. فلا طبيب في السجن إلا السجين ـ الطبيب . هناك ، في تلك الغرفة المتطرفة من الجناح أ ـ يمين من الطابق الأول ، نجح عبد العزيز الخير بمساعدة رفيقه المهندس نزار مرادني في إنشاء عيادة " ميدانية " بما توفر من الأدوات الطبية التي استقدمها من عيادته الخاصة أثناء زيارات أهله ، وبما وقع في اليد من الصناديق الخشبية المخصصة لتعبئة الخضار ( السحاحير ، كما يقول أهل الشام ) . وفوق هذا : نجاحه في وضع جدول منتظم لزيارة وعيادة المرضى من المعتقلين . ولم يكن هذا إلا بعد أن فرض ـ بقوة إرادته ومنطقه وحجته ـ على إدارة السجن أن تتعامل مع " عيادته " وروادها من السجناء كعيادة مرضى لا كاصطبل للحيوانات . وفي هذا العيادة ، وبأدواته البسيطة ، استطاع أن ينقذ أرواح العديد من المعتقلين .في شتاء العام 2001 أطلقت السلطة آخر دفعة من رفاقه المعتقلين على ذمة قضية " حزب العمل الشيوعي " . ولم يبق سواه ! وحده من بين جميع المعتقلين السياسيين العلمانيين في تاريخ سورية من صدر حكم بحقه يحتوي كل هذه الكمية من الحقد واللؤم : 22 عاما تنتهي في العام 2014 !! نطق بها جزار محكمة أمن الدولة فايز النوري .. بالسهولة نفسها واللذة نفسها والنشوة نفسها التي يعيشها حين يهرس عصفورا كي يصنع وجبة يسد بها شهوته وجوعه إلى القتل !جميع المنظمات الدولية المعنية بالدفاع عن حرية الصحافة ، التي قضت معها منظمتنا وزملاؤنا شهورا ، بل وسنوات طويلة في مناقشة قضيته ، وعلى رأسها " صحفيون بلا حدود " ، رفضت تبنيه كصحفي رغم أنه كان في لحظة من اللحظات رئيسا لتحرير ثلاث مطبوعات ، إحداها كانت تطبع وتوزع سرا أكثر مما تطبعه وتوزعه صحيفة الحزب الحاكم ! لماذا ؟ لأنه لم يكتب باسمه الحقيقي ! دافعت " صحفيون بلا حدود " عن مصورين صحفيين من روسيا البيضاء تخصصوا بتصوير الفتيات القاصرات لصالح عصابات مافيا الرق الأبيض في أوربة ، وصنعوا منهم " سجناء رأي ومناضلين " ، ولكنها رفضت أن تتبناه كصحفي ! دافعت عن بشر نكرات لمجرد أن لهم أسماء حقيقية ، ورفضت الدفاع عن صحفيين مناضلين لمجرد أن لهم أسماء حركية !يقول الشاعر السوري وسجين الرأي السابق فرج بيرقدار : " موقفها ( صحفيون بلا حدود ) أعجوبة جديرة بالتأمل ! لقد تبنوا قضيتي ودافعوا عني ورفضوا تبني قضية عبد العزيز ، رغم أنه كان رئيسي في العمل . كنت محررا وكان رئيس تحرير ! اعترفوا بالمحرر صحفيا ، ورفضوا الاعتراف برئيس التحرير على أنه صحفي "!!في العام الماضي ، وبالتنسيق مع معهد الصحافة الدولي في فيينا ، ولجنة " كتاب في السجون " التابعة لاتحاد الكتاب العالمي ، أطلقت المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير حملة دولية للافراج عن عبد العزيز الخير . ونعيد هنا نشر بعض ما جاء في النص العربي للتعريف بقضيته :مساء الأول من شباط / فبراير 1992 , وبعد أحد عشر عاما من المطاردة والتعقب , تمكن عدد من ضباط وعناصر الفرع 235 في المخابرات العسكرية السورية من اعتقال الطبيب والكاتب والصحفي البارز عبد العزيز الخير في حي سوق الحميدية بدمشق القديمة . وفور اعتقاله تم اقتياده إلى زنزانة انفرادية في مقر الفرع المذكور , حيث خضع على مدار شهرين ونصف لتحقيق مكثف مصحوب بتعذيب وحشي أشرف عليه مباشرة كل من العماد علي دوبا رئيس المخابرات العسكرية السورية في حينه , وعدد من الضباط الكبار في الفرع المذكور , أبرزهم العميد(آنذاك) مصطفى التاجر والعقيد عبد المحسن هلال . وفي 14 نيسان/ أبريل تم نقله مع ثلاثة من رفاقه إلى السجن العسكري الأول ( المعروف باسم سجن صيدنايا العسكري , 40 كم شمال شرق دمشق) , حيث لا يزال معتقلا حتى الآن .في آب / أغسطس من العام 1995 , وفي إطار محاكمة المئات من أعضاء وأصدقاء الأحزاب اليسارية والوطنية المعارضة , التي ستعرف لاحقا باسم " المجزرة القضائية الثانية " , أصدرت محكمة أمن الدولة العليا , شبه العسكرية , حكما بالسجن لمدة 22 عاما مع الأشغال الشاقة على الدكتور الخير . وهو أطول وأقسى حكم يصدر في تاريخ سورية ضد سجين رأي علماني . وذلك بعد أن استندت المحكمة إلى مذكرة الاتهام المقدمة من قبل الفرع 248 ( فرع التحقيق) في المخابرات العسكرية , الذي يقوم بدور " مدع عام عسكري " استنادا إلى قوانين الطوارئ المعمول بها منذ أربعين عاما . وقد أدين الدكتور الخير بـ "الانتماء لجمعية سياسية محظورة " (حزب العمل الشيوعي ) , و " القيام بأنشطة مناهضة للنظام الاشتراكي للدولة " و " نشر أخبار كاذبة من شأنها زعزعة ثقة الجماهير بالثورة والنظام الاشتراكي " و " مناهضة أهداف الثورة " ! ومنذ ذلك الحين تبنى قضيته العديد من المنظمات الدولية والإقليمية , مثل منظمة العفو الدولية و هيومان رايتس ووتش ثم اللجنة العربية لحقوق الإنسان التي تأسست في العام 1988 و المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير بعد تأسيسها العام الماضي , بوصفه سجين رأي . وما انفكت هذه المنظمات , وغيرها, تطالب السلطات السورية بإطلاق سراحه دون قيد أو شرط . وقد لاحظت منظمة العفو الدولية في وثيقتها رقم ((MDE, 24.7.2002 أن " حزب العمل الشيوعي منظمة لم يعرف عنها أنها استخدمت العنف أو دعت إلى استخدامه (...) وأن قرار الاتهام (...) استند بشكل أساسي إلى تحليل البرنامج السياسي للحزب (...) . ولم تكن هناك أية أدلة مادية تثبت , أو حتى توحي , بأن المتهم ارتكب أيا من أعمال العنف أو خطط لارتكابها حسبما ادعت النيابة .." .عبد العزيز الخير أمام " محكمة التفتيش البعثية " :أسست محكمة أمن الدولة العليا في سورية بموجب مرسوم رئاسي صادر في العام 1968 جعل منها محكمة متخصصة بالقضايا السياسية المتعلقة بأمن الدولة , وأداة من أدوات نظام الطوارئ المعمول به منذ الانقلاب العسكري الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة في 8 آذار/ مارس 1963 . وذلك إلى جانب المحاكم الميدانية العسكرية الأخرى التي تعقد جلساتها بشكل سري . وخلافا لهذه المحاكم التابعة لوزارة الدفاع , وللمحاكم النظامية التابعة لوزارة العدل , فإن محكمة أمن الدولة تخضع لإشراف مكتب الأمن القومي ( القيادة السياسية العليا لأجهزة المخابرات الأربعة وأركان الجيش) . ومن المهمات الأمنية والسياسية العديدة لهذا المكتب الذي يرأسه عضو قيادة قطرية في حزب البعث الحاكم, تعيين قضاة هذه المحكمة , وبضمنهم جنرال من الجيش أو المخابرات كعضو في هيئتها العليا. واستنادا إلى مرسوم إحداثها , فإن قرارات هذه المحكمة لا تقبل الطعن أو الاستئناف . وقد أجمع فقهاء القانون والمحامون , بمن فيهم رئيس المحكمة الدستورية العليا السابق ( نصرة ملاّ حيدر) , وهو عضو في الحزب الحاكم , على أن وجودها يشكل بحد ذاته خرقا وانتهاكا لجميع معايير القضاء العادل والنزيه المتعارف عليها دوليا , بل وحتى للدستور السوري النافذ نفسه , الذي ثبّت في مادته الثامنة والعشرين(الفقرة 4) حق المتهم بسلوك سبل الطعن في الأحكام الصادرة ضده . ونظرا لأن الأغلبية الساحقة من القضايا التي أحيلت إليها منذ تأسيسها حتى الآن تتعلق بحرية الرأي والتعبير والمعتقد السياسي , فضلا عن خصائصها الشاذة تلك , فقد اصطلح شعبيا على تسميتها بـ " محكمة التفتيش البعثية " , تذكيرا بمحاكم التفتيش التي عرفتها أوربة العصور الوسطى .هذه المحكمة هي التي حاكمت الدكتور عبد العزيز الخيّر, والمئات من رفاقه والمعارضين الآخرين بمن فيهم أعضاء منظمة لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية (1992 ), استنادا إلى المرسوم (القانون الحربي Martial Law ) رقم 6 للعام 1965 . وهو أحد قوانين الطوارئ التي سنها حزب البعث الحاكم من أجل تثبيت دعائم سلطته والانفراد بها . وقد لا حظ المحامون ومراقبو منظمة العفو الدولية أن حكم الإدانة الصادر ضد الدكتور الخير " استند إلى اتهامات تتعلق بانتمائه ومعتقداته السياسية , وليس بارتكابه أي عمل من أعمال العنف أو التحريض عليها" . عبد العزيز الخير : المناضل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسانخلافا لمعظم أحزاب اليسار التقليدي التي ولدت في ركاب الاتحاد السوفييتي السابق وأيديولوجيته الرسمية , ركز " حزب العمل الشيوعي " منذ تأسيسه في العام 1981 , وقبل ذلك بحوالي خمس سنوات حين كان يعرف باسم " رابطة العمل الشيوعي" , على قضية الديمقراطية في سورية و " دحر الديكتاتورية " . وجعل الكفاح من أجل التعددية الحزبية والسياسية وإلغاء حالة الطوارئ وما تمخض عنها من قوانين عرفية , محورا أساسيا من محاور نضاله السياسي والفكري , إلى جانب العدالة الاجتماعية وفضح عمليات القمع والتعذيب والأشكال الأخرى من انتهاكات حقوق الإنسان في سورية . ومن بين المواقف التاريخية المتميزة والمشهودة لهذا الحزب وقوفه ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان والهيمنة السياسية والأمنية السورية على لبنان , فضلا عن مواقفه الحازمة ضد أعمال العنف التي مارسها جناح من الإسلام السياسي الأصولي الراديكالي في صراعه مع النظام الحاكم . وبحكم موقعه القيادي في الرابطة , ثم الحزب , وميزاته الأخلاقية والثقافية والفكرية العالية , والحضور الآسر لشخصيته المحبوبة , لعب الدكتور الخير دورا بارزا ومحوريا في نشاطات حزبه السياسية والثقافية والفكرية . وبعد اعتقال أعضاء القيادة التاريخية للحزب خلال العامين1981ـ 1982, قدّر له أن يضطلع بالدور القيادي الأول في الحزب لأكثر من عشرة أعوام من النضال هي الفترة التي قضاها في الكفاح الديمقراطي متعقبا ومطاردا إلى حين اعتقاله في الأول من شباط/ فبراير 1992 بفضل تعاون أحد " المعارضين " مع أجهزة المخابرات . وبسبب دوره الفعال في فضح الممارسات القمعية للسلطة , والكفاح من أجل الديمقراطية , كرست المخابرات العسكرية السورية مجموعة " متخصصة " من ضباطها وعناصرها برئاسة المقدم عبد الكريم الديري وفرّغتها بشكل شبه كامل لتعقبه ومطاردته . وحين فشلت عدة مرات في اعتقاله , بفعل مواهبه التنظيمية واحتضان الناس له , لم تتورع عن اعتقال بعض إخوته وأقاربه أو ضربهم في الأماكن العامة بغرض الضغط عليه وابتزازه . فقد اعتدي على شقيقته( الأستاذة الجامعية سلمى) بالضرب وسط الشارع العام في مدينة اللاذقية , واعتقل شقيقه النقابي والأستاذ الجامعي هارون ,وشقيقته ندى , وابن عمه , وزوجته المدرسة منى صقر الأحمد التي اعتقلت ( وهي أم لطفل في السابعة من عمره آنذاك ) كـ " رهينة " لأكثر من أربع سنوات ( آب/أغسطس 1987 ـ كانون الأول / ديسمبر 1991 ) , حيث أطلق سراحها بسبب وضعها الصحي السيئ .عبد العزيز الخير : "الإنسان الكامل"حين نتذكر مقولة الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر عن " الإنسان الكامل" , فإن عبد العزيز الخير سيكون بالتأكيد واحدا من أولئك الناس القلائل الذين يستحضرهم المرء إلى مخيلته . فعلى مدى تجاوز الثلاثين عاما من حياته العملية , قبل السجن وبعده وأثناء ملاحقته , كان وسيبقى من الصعب الفصل بين ما هو خاص وما هو عام في همومه . فمنذ أواسط السبعينيات , وفيما انصرف معظم أبناء جيله من الأطباء لملاحقة همومهم الخاصة والتفكير باجتراح أقصر الطرق للحصول على الثروة وتسلق سلم التراتبية الاجتماعية في مجتمع شوهت الديكتاتورية قيمه الأخلاقية وبات ينظر بعين الإجلال لبعض المهن وعلى رأسها مهنة الطب لما تدره من ثروة , وبعين الاحتقار لمهن أخرى , لم تكن مهنة الطبيب تعني أي شيء لعبد العزيز الخير سوى السهر على راحة الناس وتخفيف آلامهم , وفي معظم الأحيان دون أي مقابل .خلال الأحد عشر عاما التي قضاها مطاردا وملاحقا من قبل واحد من أشد الأجهزة الأمنية شراسة ووحشية في العالم , المخابرات العسكرية السورية , ورغم أن هاجس الاعتقال والوقوع في قبضة هذا الجهاز الدموي كان يخيم على مدار يومه الكامل , لم يكن يتورع عن المجازفة ليلا أو نهارا في الذهاب لمعاينة المرضى من الأصدقاء والمعارف حتى في الأحياء البعيدة عن مكان تخفّيه . وبعد اعتقاله قدر له أن يكون في واحد من أكبر السجون والمعتقلات السورية ـ سجن صيدنايا العسكري المصمم كي يتسع لحوالي ثلاثة آلاف معتقل . وبالنظر للانعدام شبه الكامل في الخدمات الطبية التي تقدمها سلطات السجون للمعتقلين , فقد ترتب على الأطباء من المعتقلين السياسيين , وخصوصا عبد العزيز الخير , القيام بجهود خاصة واستثنائية للعناية بالمرضى من زملائهم . وبعد إطلاق سراح الأطباء , واعتبارا من أواسط التسعينيات , أصبح الدكتور عبد العزيز الخير الطبيب الوحيد في سجن يضم أكثر من 750 معتقل سياسي , الأمر الذي ألقى على عاتقه أعباء الخدمة الطبية لهؤلاء جميعا . عن هذه الأعباء المضنية , وعن الاندفاع غير العادي لعبد العزيز الخير للقيام بهذه الأعباء , يقول الزميل نزار نيوف الذي عرفه في السجن عن قرب وتمكن من رسم بورتريه له وتهريبه إلى الخارج , وهو الصورة الوحيدة لعبد العزيز الخير منذ تخفيه في العام 1981 :" رغم أنني كنت أعرفه سماعا قبل عشر سنوات على اعتقالنا , إلا أنه لم يتسن لي الالتقاء به وجها لوجه إلا بعد تسعة أشهر على هذا الاعتقال , أي مساء 5 شباط / فبراير1993 حين استدعوه إسعافيا إلى زنزانتي الانفرادية في الجناح ج / أيسر من الطابق الأول , قبل نقلي إلى سجن تدمر الصحراوي ببضع ساعات . وبعد سبع سنوات ونصف على هذه الواقعة , أي في 13 أيلول / سبتمبر 2000 , تمت إعادتي مجددا إلى هذا السجن بعد إغلاق سجن المزة العسكري. ونظرا لأنه الطبيب الوحيد في سجن صيدنايا , فقد كان المعتقل الوحيد الذي سمح له بزيارتي في زنزانتي الانفرادية . وخلال الأشهر السبعة التي قضيتها في هذا السجن قبل إطلاق سراحي في 6 أيار/ مايو 2001 , قدر لي أن أكون شاهدا على واحدة من أنبل ملاحم التضحية ونكران الذات التي يمكن للمرء أن يشهدها خلال حياته (...) لا أذكر أنه كان يمضي يوم دون أن يسمع المعتقلون طرقات استغاثة قادمة من أحد المهاجع عند الفجر . وكان الجميع يعرف أن إدارة السجن ستوقظ عبد العزيز الخير في هذه الساعة من الليل من أجل الخدمة الإسعافية الطبية . وبالنظر لأنه ليس طبيبا رسميا للسجن , فقد كان بإمكانه رفض ذلك . إلا أنه ما تأخر يوما من الأيام عن القيام بواجبه الإنساني النبيل (...) . وفي مرحلة من المراحل استطاع أن يقنع إدارة السجن بتحويل إحدى الزنازين الشاغرة المجاورة لزنزانته إلى "عيادة ميدانية " يزورها المعتقلون وفق جدول منتظم , فضلا عن الحالات الاسعافية . وقد زود هذه العيادة بتجهيزات كان معظمها من تصميمه وتصنيعه أو تصنيع رفاقه في الحزب , لا سيما المهندس نزار مرادني . وبالأدوات الجراحية البسيطة التي استقدمها من منزله , استطاع أن يجري عمليات جراحية عديدة , وعمليات إسعافية في منتهى الخطورة . صحيح أنها كانت صغرى بحكم الإمكانيات المتوفرة , إلا أنها أنقذت الكثيرين من موت محتم أو عاهة دائمة . غير أن " الأهم" من هذا كله , وهو ما سيتذكره المعتقلون طوال حيواتهم , هو ذلك النبل والشهامة والتواضع الذي لا يفارقه لحظة واحدة , حتى في ذروة آلام عموده الفقري الناجمة عن التعذيب الوحشي الذي تعرض له في فرع المخابرات العسكرية 235 (...) وكنت ألاحظ في كل مرة أراه أن علامات الإرهاق تتزايد على جسده , وأن شحوب الوجه الذي يسببه التعب والاستيقاظ المتكرر بشكل شبه يومي في منتصف الليل وعند الفجر , والسهر على العناية بالمرضى في ظل عدم وجود الأدوية والتجهيزات الطبية الضرورية , قد أصبح علامة فارقة لا تكاد تبارح محياه (...) وإذا كان لا بد لنا من تكثيف شخصيته بعبارة واحدة , فلن نعثر على تعبير أكثر دقة وصدقا من مفهوم " الإنسان الكامل " الذي أبدعه سارتر في سياق حديثه عن شخصية" القديس الأحمر" تشي غيفارا" . عبد العزيز الخير : الكاتب والصحفي و .." مؤرخ أعراس الديكتاتورية" !أجبر القمع , وبالتالي الكفاح السري , عددا كبيرا من الكتاب والصحفيين الموهوبين في سورية , كما في بلدان أخرى كثيرة , على التخلي عن أسمائهم الحقيقية لصالح أسماء مستعارة , خصوصا منهم أولئك الذين كرسوا جهودهم للمؤلفات والأدبيات الحزبية . وريثما ينتهي الوضع السياسي الشاذ , وتنتقل سورية من حكم التسلط إلى الديمقراطية , سيكون من العسير جدا على أي شخص ,باستثناء الكاتب نفسه , وبعض زملائه محدودي العدد , التحقق من الشخصيات الحقيقية التي تقف وراء هذا النص أو ذاك . ولعله أمر مخز ومجلبة للعار , وتعبير عن ذهنية بليدة , أن معظم المنظمات الدولية المعنية بالدفاع عن حرية الصحافة والتعبير قد أسقط من حسابه هذه الظاهرة حين وضع معاييره في تصنيف الكتاب والصحفيين . وهذا ما اصطدمنا به في نقاشنا مع عدد من هذه المنظمات بشأن قضية عبد العزيز الخير , حيث رفضت هذه المنظمات تبني قضيته ككاتب وصحفي , في الوقت الذي تبنت فيه , ونحن متأكدون من ذلك بالأسماء والوقائع , قضايا مصوري أفلام دعارة (بورنوغرافرز) اعتقلوا في بلدانهم لأسباب جنائية تتعلق بتسويق فتيات قاصرات من روسيا البيضاء وبلدان أخرى في" سوق الرق الأبيض" الأوربي , وهو ما سيكشف عنه التقرير السنوي لمنظمتنا في أيار/ مايو القادم.قام عبد العزيز الخير بمهمة رئيس تحرير صحيفة النداء الشعبي خلال الفترة 1981 ـ 1984 . وفي ظل إشرافه عليها, ورغم أنها كانت صحيفة سرية , تحولت إلى أكثر الصحف السورية شعبية وطباعة وتوزيعا , بسبب حساسية وسخونة الموضوعات التي كانت تعالجها وعلاقتها بالحياة والهموم اليومية للمواطنين السوريين . ومنذ التاريخ المذكور وحتى اعتقاله ,كان الدكتور الخير عضو هيئة تحرير صحيفة الراية الحمراء التي وصل عدد نسخها الموزعة أواسط الثمانينيات إلى ما يزيد عن سبعة آلاف نسخة من كل عدد , وعضو هيئة تحرير مجلة الشيوعي الفكرية ـ النظرية التي لعبت دورا مهما في طرح ومناقشة العديد من القضايا التي لم تكن مطبوعة سورية أخرى تتجرأ على الاقتراب منها , إما لأسباب أيديولوجية أو لأسباب أمنية , أو لكليهما معا . وكان من اللافت أن هذه المجلة قد فتحت أبوابها لجميع المثقفين السوريين دون أدنى اعتبار لانتماءاتهم السياسية والأيديولوجية . وبعد أن تمكنت السلطة من اعتقال معظم الكوادر الثقافية والفكرية في الحزب أواسط الثمانينيات , أصبح القيام بالإشراف على هذه المطبوعات الثلاث ملقى على الدكتور الخير وحده تقريبا . خلال عمله في هذه المطبوعات , وعلى مدى أكثر من أحد عشر عاما , كتب عبد العزيز الخيّر مئات المقالات والتحقيقات والتقارير الصحفية والأبحاث الفكرية , فضلا عن مساهمته في تحرير أعداد كبيرة من الكراسات السياسية والنظرية . ويؤكد العديد من رفاقه الذين استطلعت المنظمة آراءهم على" أن كتاباته امتازت بالحيوية والجرأة والعمق وجدة الطرح والحرفية العالية التي يفتقدها محررون كثر حتى في أعرق الصحف" . ولعل الأكثر شهرة من بين ما كتبه هو " الكتاب الأسود " الذي أعده أواسط الثمانينيات وأصبح مرجعا أساسيا للعديد من المنظمات الدولية في قضايا القمع والإرهاب التي تمارسها السلطات السورية ضد معارضيها , فضلا عن بيانه الشهير " عرس الديكتاتورية " الذي كتب ووزع على خلفية الاستفتاء على رئاسة الرئيس الراحل حافظ الأسد في تشرين الثاني / نوفمبر 1991 . وكان هذا البيان أحد الأسباب الأساسية التي دعت محكمة أمن الدولة إلى أن توجه له تهمة " نشر معلومات كاذبة من شأنها زعزعة ثقة الجماهير بالثورة والنظام الاشتراكي " ! ومن المعلوم أن سورية شهدت في ذلك الشهر حملة " تجييش هستيرية " لا سابق ولا لاحق لها لإجبار الناس على المشاركة في المسيرات ليلا نهارا "تعبيرا عن حبها وولائها لقائد الأمة حافظ الأسد " . وقدرت دوائر مقربة من وزارة الداخلية السورية أن عدد الأوراق التي وجدت في " صناديق الاستفتاء" فاق الـ 62 مليون ورقة , أي ما يتجاوز عدد مواطني سورية الأحياء والأموات منذ مطلع القرن التاسع عشر!عبد العزيز الخير : رهينة الحقد الديني والسياسيفي تشرين الثاني / نوفمبر من العام 2001 أطلق النظام السوري آخر ثمانية معتقلين من " حزب العمل الشيوعي " , بحيث لم يبق معتقلا على ذمة هذا الحزب سوى الدكتور الخيّر وحده . ورغم المناشدات العديدة التي وجهتها منظمات إقليمية ودولية لإطلاق سراحه , ما يزال النظام السوري يصمّ أذنيه عن سماعها , ويضرب بها عرض الحائط . ومن الواضح أن هناك سببين أساسيين يفسران هذا التعنت الرسمي الأرعن وإصراره على الإبقاء عليه معتقلا في الوقت الذي أطلق فيه جميع رفاقه , أولاهما تحدّر الدكتور الخيّر من الطائفة العلوية , وثانيهما بيانه الشهير " عرس الديكتاتورية " . فمن المعروف أن الدكتور عبد العزيز ينحدر من عائلة " الخيّر" وهي من إحدى أكبر الأسر في هذه الطائفة , إن لم تكن أكبرها وأكثرها حضورا على صعيد المكانة الاجتماعية والدينية . وهو فضلا عن ذلك ابن بلدة القرداحة التي تنتمي إليها أسرة الأسد . وقد جرت سياسة النظام خلال العقود الثلاثة الماضية وفق عرف يقول بأن عقوبة " العلوي المعارض " يجب أن تكون أشد من عقوبة من ينحدر من طائفة أخرى , لأن الأصل في منطق هذا النظام هو" ولاء العلوي للسلطة وليس معارضتها " ! هذا في حين يرى النظام أن عبد العزيز الخيّر تجاوز في بيانه " عرس الديكتاتورية " جميع الخطوط الحمر التي وضعت حول شخصية الرئيس الراحل حافظ الأسد و " قدسية " هذه الشخصية !عبد العزيز الخير : جرح الحرية النازف منذ أحد عشر عامااليوم , الأول من شباط / فبراير 2003 , يكون قد مضى [ثلاثة عشر عاما ] على اعتقال عبد العزيز الخيّر . وفي هذه المناسبة المؤلمة لضمير كل مناضل من أجل حقوق الإنسان وحرية الرأي في العالم , تتوجه المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير بندائها الحار إلى جميع المنظمات المحلية والإقليمية والدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير , مناشدة إياها جميعا المشاركة الفعالة في حملتها من أجل الضغط على النظام السوري لإطلاق سراحه دون قيد أو شرط . فقد آن الأوان لواحد من أعمق جروح الحرية في تاريخ سورية أن يتوقف بعد أحد عشر عاما من طعنة الديكتاتورية الغادرة !الحرية لعبد العزيز الخير وكافة معتقلي الرأي في سجون النظام الشمولي في سورية , وفي مقدمتهم الكاتبان والصحفيان : عارف دليلة ، حبيب عيسى .

   [ POSTED  @ 3:52 م ]


 


كما لو نُودي بشاعرٍ أن انهض: محمود درويش
على أربعة أحرف يقوم اسمُك واسمي، لا على خمسة. لأن حرف الميم الثاني قطعة غيار قد نحتاج اليها أثناء السير على الطرق الوعرة.في عامٍ واحد وُلدنا، مع فارق طفيف في الساعات وفي الجهات. وُلدنا لنتدرّب على اللعب البريء بالكلمات. ولم نكترث للموت الذي تَدقّه النساء الجميلات، كحبة جوز، بكعوب أحذيتهن العالية.عالياً، عالياً كان كُل شيء... عالياً كالأزرق على جبال الساحل السوري، وكما يتسلق العشب الانتهازي أسوار السلطان، تسلقنا أقواس قُزحٍ، لنكتب بألوانها أسماء ما نحب من الأشياء الصغيرة والكبيرة:يداً تحلب ثدي الغزالة،مجداً لزارعي الخسّ في الأحواض، شغف الإسكافي بلمس قدم الأميرة، ومصائد أخرى لجمهور مطرود من المسرح.لم ننكسر بدويٍ هائل كما يحدث في التراجيديات الكبرى، بل كأشعة شمس على صخور مدَببة لم يُسفك عليها دم من قبل، لكنها أخذت لون النبيذ الفاسد، ولم نصرخ، هناك، لأن لا أحد، هناك، ليسمع: أو يشهد.دلتني عليك تلك الضوضاء التي أحدثتها نملة بين الخليج والمحيط، حين نجت من المذلة، واعتلت مئذنة لتؤذن في الناس بالأمل،ودلتك عليّ سخرية مماثلة!ولما التقينا عرفتك من سُعالك، إذ سبق لي أن حفظته من ايقاع شعرك الأول، يُفزع القطط النائمة في أزقة دمشق العتيقة، ويبعثر رائحة الياسمين.لم يكن لنا ماضٍ ذهبي على أهبة العودة، كما يدّعي رواد المقهى الخائفون من القبض على قرون الحاضر الهائج كالكبش، ولا غد أكيد، خلفنا، كما يدعي رواد الشعر الخالي من الملح، المتخم بفراغ المطلق.لم نبحث إلا عن الحاضر.ولكننا، من فرط ما أُهنّا، بشرنا بالقيامة بصوت مرتفع، أثار علينا غضب الملائكة المنذورين لصيانة اللغة الصافية من غبار الأرض، والباحثين عن الشعر الصافي في جناح بعوضة.ودُعينا، في غرف التشريح معقمة الهواء والكلام، الى بتر المفردات كثيرة الاستعمال. وسرعان سرعان ما علاها الصدأ من قلة الاستعمال، وفي أولها: الحياة... ومشتقاتها.لكننا آثرنا أن نخاصم الملائكة.ممدوح، لا أطيق سماع اسمك الآن، لأنه يذكرني بما ينقصني من رغبةٍ في الضحك معك على عورة بردى المكشوفة كأسرارنا القومية. ولأنه يُذكرني بمدى حاجتي الى استراحة من الركض آناء النوم، بحثاً عن حلم مسروق، أراه واضحاً وأحاور السارق. ويذكرني اسمك بما أنا فيه من طقطقة كأني حبّة بلوط في موقد الفقير ليلة العيد.لهذا، اكتب اسمك ولا ألفظه، ففي الكتابة يتموج اسمك على ماء الحضور. وفي الكلام أسمع وحش الغياب يطاردني من حرف الى حرف، ليفترس الشلو الأخير من قلبي الجائع الى هجائك المادح.ممدوح! ماذا فعلت بك وبنا؟ فلم نعد نحزن من تساقط شعرك المبلل بالزيت، فإنك تستعيده الآن من عشب الأرض. ولكن، في أية ريح أخفيت عنا سعالك، فلم يعد في غيابك متسع لغياب آخر.لا لأن حروف اسمك هي حروف اسمي، لا أتبين من منا هو الغائب، بل لأن الحياة التي آلفت بين ثعلبين ماكرين لم تمنحنا الوقت الكافي لنقول لها كم أحببناها، وكم أحببنا فجورها وتقواها... فتركت ثعلباً منا بلا صاحب.لا جلجامش ولا انكيدو. ولا الخلود هو المبتغى ولا قوة الثور. فنحن الخفيفان الهشان، كواقعنا هذا، لم نطلب أكثر من وقت اضافي لنلعب بالكلمات لعباً غير بريء، هذه المرة، أو لنورث ما لم نقله بعد من لم يقل بعد. ولنجعل من الشعر مزاحاً مستحباً مع العدم. لكن حرف الميم الثاني في اسمك واسمي ظلَّ قطعة غيار لا تنفع.ممدوح! هذا هو وقت الزفاف الفاحش بين الرعد والصحراء، شرق الشمال، لإنجاب الكمأ اعجازي التكوين. صف لي ولادة الكمأة أصف لك عجزي عن وصف القصيدة، فانظر شرق الشمال!هي حسرة التعريف، أنين الرمل على الشاطئ حيث يرفع القمر، بأصابعه الفضية، سروال البحر وقت الجزر، ويرش علينا قصيدة حب، إباحية التصوف.فاغضض من صوتك، لا من بصرك، وانظر. فمنذ ولادة اللغز الكوني، والشعر مختبئ في أشد المواقع انكشافاً. ويظهر جلياً جلياً في اللامرئي من سماء مسقوفة بكفاءة الغيب.كل الأزهار شريفة حيث تترك لحالها، ما عدا القرنفلات الحمر التي يضعها الجنرالات، ما بين وسامٍ ونجمة، على بزة سوداء أو كحلية... لخداع أرامل الشهداء.وكل اليمامات نظيفة، حتى لو بالت على شرفاتنا والوسائد، ما عدا اليمامات التي يدربها الغزاة والطغاة معاً، وعلى حدة، على الطيران الرسمي في أعياد ميلادهم، وفي مناسبات وطنية أقل أهمية.الآن، لا أتذكر شيئاً منك. فالذكرى تلي الحرب والموت والزلزال. وأنت، ما زلت معي تكتب هذه المرثية، على هذه الورقة البيضاء، في هذا الليل البارد... أو نكتبها معاً لشاعر محبط. فلعلها لا تعجبه فيتوقف عن اغتيال نفسه، الى أن يقوم غيرنا بكتابة مرثية أفضل، لا تعجبه هي أيضاً، فينتظر غيرها ويحيا أكثر.كما لو نُودي بشاعرٍ أن انهض من هذا الألم.وأنسى الآن، لتبقى معي، أكثر من غلسٍ لم يدركنا ولم ندركه قبل أن تُفرغ آخر كرم عنبٍ مقطر في كأسك التي لا تخلو أبداً إلا لتنكسر، أيها العاصر الماهر!ليس هذا مجازاً، بل هو أسلوب ليلٍ لا يصلح إلا ضيفاً، وأنت المضيف الباذخ. وإن افتأت عليك، كصديقٍ حامض القلب، عاملته بالحسنى وأرقت عليه حليب الفجر.لكني لا أنسى ضحكتك التي تشبه شجرة زنزلخت مبحوحة الأغصان، عاليةً وعريضة، لا تاريخ لها منذ صار التاريخ قهقهة عابثة. ومنذ عادت الجرار الى حفظ الصدى، كالزيت، خوفاً عليه من آثار الشمس الجانبية.كم حيَّرني فيك انشقاق طاقاتك الإبداعية عن مسار التخصص، كعازفٍ يحتار في أية آلة موسيقية يتلألأ. لم أقل لك ان واحداً منك يكفي لتكون عشيرة نحل تمنح العسل السوري مذاق المتعة الحارق. بحثت عن الفريد في الكثير، من دون أن تعلم أن الفريد هو أنت. وأنت أمامك بين يديك. ألا ترى اليك، أم وجدت نفسك أصفى في تعددها، يا صديقي المفرط في التشظي ككوكبٍ يتكون.فصصت الثوم للقصيدة لتحمي شرايينها من التصلب. فالشعر، كالجسد، في حاجة هو أيضاً الى عناية طبية، والى فصادٍ كلما أُصيب الدم بالتلوث. آه، من التلوث الذي جعل الإيقاع نشازاً، واستبدل حفيف الشجر بموسيقى الحجر، واعتبر الحياة عبئاً على الاستعارة!لكن هذا لم يهمك. لأن الحياة لا تُوهب لتعرف أو تعرض للنقاش، بل لتُعاش... وتعاش بكاملها، وتُلتهم كقطعة حلوى إلهية، أو شفتين ناضجتي الكرز. وقد عشتها كما شئت أنت، لا كما هي شاءت. أحببتها فأحبتك. وشاكست ما يجعلها أحد أسماء الموت، في عصر القتل المعولم الذي يمنح القتلى قسطاً من الحياة لا لشيء... الا لينجبوا قتلى.يا ابن الحياة الحر، أيها المدافع عن جمال الوردة العفوي، وحرية العشاق في العناق على مرأى من كهان الطهارة اللوطيين! من بعدك سيسخر ممن يتقنون تسمية الآلهة، ولا يقوون على تسمية الضحايا؟ يأنفون من الانتباه الى دم مسفوك على طريق المعراج، ويسرفون في التحديق الى غيمة عابرة في سماء طروادة، لأن الدم قد يلطخ نقاء الحداثة المتخيلة، ولأن الغيم سرمدي الدلالات. لعلهم على حق، ما دامت هزائمنا تستدعي تطوير النقد الى هذا الحد!لكن هذا أيضاً لا يهمك، أيها المتعالي على التعالي، أيها العالي من فرط ما انحنيت بانضباط جنديٍ أمام سنبلة، ونظرت، حزيناً غاضباً، الى أحذية الفقراء المثقوبة، فانحزت الى طريقها الممتلئ بغبار الشرف. الشرف؟ يسألك المترجم: ما معنى هذه الكلمة؟ فلم أجدها في الطبعات الجديدة من المعاجم.ممدوح، يا صديقي، لماذا كما يفعل الطرخون خانك وخاننا قلبك؟ لماذا لم تعلم كم نحبك؟ لماذا تمضي وتتركني ناقصاً؟ لماذا... لماذا؟ألقى الشاعر محمود درويش هذا النص في أربعين الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان، في احتفال اقيم مساء أمس في دمشق، بدعوة من وزارتي الإعلام والثقافة في سورية وعائلة الفقيد. وتحدّث في الاحتفال: الشعراء محمد الماغوط وأحمد عبدالمعطي حجازي ونزيه أبو عفش وعادل محمود، الناقدة عبلة الرويني، الصحافي طلال سلمان، المفكر صادق جلال العظم ووزير الثقافة السوري محمود السيد.
"الحياة"

   [ POSTED  @ 3:48 م ]


 

أنا لقمان ديركي اصنعوا لي تمثالاً
أنا لقمان ديركي من شعراء الثمانينات في سوريا ، ولكن هذا الأمر غير مهم أمام إنجازاتي الأهم وسأورد بعضاً منها :شاهدت وبشكل شبه
يومي المطرب عصمت رشيد على شاشة التلفزيون العربي السوري وهو يغني بالمصرية(ليه بتشكي من الدنيا يا ورد ليه دمعك يجري على الخد ) ومع ذلك بقي شعري محافظاً على لونه الأصلي حتى الآن ، كما شاهدت الأغاني الكاملة لعبد الكافي أحمد وتابعت المسيرة الفنية لسمير سمرة من رائعته ( وحبيبي شكله حلو روحوا عنه واسألوا برجه برج الدلو )إلى رائعته ( حقي عليك حقك عليّ ) ولم تهر شعرة واحدة من رأسي ، كما قرأت الأعمال الكاملة لعلي عقلة عرسان من شعر ومسرح ودراسات ، وتابعت قصص حسن حميد المختص بالبالغين و صبحي سعيد المختص بالأطفال ، ولم تفتني قصائد عيسى أيوب في غمرة انهماكي بأدب صبحي سعيد ، وربيت نظري على مسبحة عيسى مسوحوسمعي على أغاني فريد اسكندر ، وبقيت حيّاً .أنا الذي شاهدت (والأصح شاهد ) يوسف الصيداوي كل يوم بعد الأخبار وبالطبع كنت قبله قد شاهدت الأخبار ، أنا الذي شاهد مهران يوسف وهو يبهدل المتسابقين ويضربهم على أيديهم عندما يحاولون الغش ، ورضيت بقسمتي صباح كل جمعة مع منير الجبان ، بل وحاولت تقليده في سف كميات كبيرة من حبة البركة التي كما قال بأنها تشفي من كل الأمراض ، وأنا نفسي شاهدت هيام أبي سمرة تقول وهي تعرض مباراة من الدوري السوري :ننتقل بكم إلى استوكهولم لنقل وقائع مباراة بين فريقي الجيش والحرية ، وها أنا بينكم ولم أذهب إالى السويد .أنا الذي قرأت رواية مسلسلة لسليم عبود على صفحات ملحق الثورة الثقافي ، وطلبت طيلة عمري الأغاني التي أفضّل من شخص واحد هو ( أم عمار ) ، كما تسمرت أمام الشاشة وتابعت بقلب مرتجف علاء الدين الأيوبي وهو يحقق مع المجرمين ، وما زلت حراًطليقاً ، وانا نفسي كنت أقلب على القناة الثانية لأمتع نظري بإطلالة يحيى العريضي الإنكليزية .أنا الذي قرأت لنهاد الغادري وعماد فوزي الشعيبي ونبيه البرجي وسمعت أشعار عمر الفرا .أنا الذي سمعت عدنان بوظو يصرخ (كول لسوريا الأسد ) ورزحت تحت كلمات وجيه شويكي السوري الية لمدة عشرين عاماً وما زلت حياً .أنا الذي أضطر لسماع أسماء مثل ( مروان ناصح وعصام خليل ) ولا أجرؤ على قول ( من هؤلاء ) كي لا أتهم بالجهل ، أنا الذي سمعت وشاهدت الثلاثي الديني (مروا