unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-02-11  

نظرية أم عمار .... بارومتر سياسي برسم السوريين في المغتربات: أحمد علي

الكثير من السورين في المغتربات القسرية أو الاختيارية، وخاصة السياسيين ومن في حكمهم، يريدون التواصل مع الداخل السوري، وخاصة أن الغربة تطول وتطول ... ولا تلوح في الأفق نهاية لها. والعالم قرية صغيرة كما يقول غيرهم. إلا إن سوريا بفضل سلطاتها تصر أن تكون حارة مغلقة خارج هذا العالم .
تستطيع محادثة أحدهم بالصوت والصورة عبر الإنترنت، حتى لو كان في جمهورية ميكرونيزيا ذات الخمسة آلاف شخص، مع سوريا ليس بعد. دقيقة التلفون مع تركيا ستة سنتات، مع سوريا ستين سنت، ليست هذه المشكلة , المشكلة انك تخاف على محدثك من هناك. من أن يكون ضحية لتطاولك، أو لتلهفك لسماع أخبار البلد. عندما تسال: شو أحوال البلد؟. يكون الجواب : نحن كويسين والحمد الله , شلون أولادك؟. يفهمك بلطف إن هذا هو سقف المحادثة . لذا فكرت أن أساعد السوريين في الخارج، بنظريتي التي ابتدعتها في أواسط التسعينات، وهي نظرية أم عمار .
ما حدث معي عند اكتشاف النظرية ،هو بالضبط ما حدث مع نيوتن، .فكما تعلمون، لاحظ نيوتن وهو يستلقي تحت شجرة سقوط تفاحة على الأرض , ورغم أن ملايين الناس قد رأت بالتأكيد، ملايين التفاحات وهي تسقط، ورغم إن نيوتن نفسه بالتأكيد قد رأى التفاحة وهي تسقط على الأرض قبل ذلك مئات المرات . إلا إن الإشراقة تأتى مرة واحدة , وفي هذه المرة اكتشف نيوتن قانون الجاذبية .
هذا بالضبط ما جرى معي، رغم أن نظريتي متواضعة ،لا تقارن بنظريته الكونية، لا من حيث مستواها العلمي أو النظري‘ ولا من حيث شموليتها. علميا، لا داعي للمقارنة. شموليا، إنها نظرية تخص السوريين فقط , وليس كل السوريين أيضا , إنما السوريين في المغتربات. ولأنها تخص السوريين ،فأرجو من الاخوة الآخرين عدم استخدامها أو محاولة تحويرها وتكيفها مع واقع دولهم ، على عادة مثقفي اليسار. وذلك لسبب وجيه ـ عدا كونها ماركة مسجلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ـ وهو، أن الأمة السورية ـ بعد إذن الأصدقاء في الحزب القومي السوري ـ خلال الخمسين السنة الأخيرة من الثورات , والثورات داخل الثورات، وعلى أطرافها والحركات التصحيحية للثورات يمينا ويسارا، وربما بسببها، قد أصبحت أمة جدباء، حدباء، لم تستطع طوال هذه الفترة ولمستقبلاٍ مشرق قادم، كما كان معلمو المدارس الابتدائية يصرون على وصفه عندما يحصل الطالب على علامة عشرة على عشرة في الإملاء ، ولا اعلم على ماذا كانوا يستندون في إصرارهم على وصفه بالمشرق.
نعم لم تستطع أن تنجب مبدع واحد في أي مجال من مجالات الحياة .لا في العلوم، ولا في الاقتصاد، ولا في الثقافة، ولا حتى في الدين .
لا يوجد شيخ دين سوري واحد، مثلا على مستوى الشيخ القرضاوي، الذي يشرع ويفتي لكل شيء، وفي كل شيء. ابتداء من القنبلة الذرية، وانتهاء بالجنس.
ولا حتى في الرياضة، حيث أن فرقنا الرياضية مثلا، تحتل المرتبة الرابعة في بطولات كاس العرب، بشرط واحد، إذا كان عدد المشاركين لا يزيد عن أربعة، بينهم فريق موريتانيا. أو المرتبة الأولى إذا كان عدد المشاركين لا يزيد عن ثلاثة، بينهم فريق فلسطين (مخيم اليرموك) ولبنان.
كانت غادة شعاع استثناء وحيدا، ففي غفلة من الزمن، ومن مسئولي الرياضة، حصلت على ميدالية الأولمبياد . لكن الأمة السورية استطاعت بجدارة ترويضها، وكرسحتها وإعادتها إلى كنف أمة المكرسحين.
السياسة كانت استثناء بارزا، حيث أنجبت هذه الأمة معتقلتين سياسيين، قضوا أطول فترات سجن في العالم ، سواء على صعيد الانفرادي أو الجماعي. لذا فأننا كأمة عندما نكتشف شيء مهما، أو إنجازا مهما كان صغيرا نكون شديدي الحرص على ملكيته لوحدنا .
أما عن كيفية اكتشاف النظرية ـ المقياس ـ فهي أنني كنت متمددا في أحد الأيام في شبه غفوة، بعد يوم عمل متعب، انتظارا لطعام الغداء . صحوت قليلا على صوت نشاز لأحد المطربين الذين يتكاثرون كالفطر بعد المطر، مع الاعتذار للفطر عن سوء المقارنة. بعدها ظهرت المذيعة أم عمار بابتسامتها المعتادة، ومع أنني قد شاهدتها قبل ذلك آلاف المرات، إلا أنني في تلك الغفوة، شعرت أنني اشهدها منذ زمن سحيق في القدم، زمن ليس له بداية. وهي تقدم برنامج ما يطلبه الجمهور. بشارة المقدمة ذاتها والخاتمة وطريقة التقديم نفسها، وربما بنفس أسماء المشاهدين مرتبة بطريقة مختلفة. ذات الأسئلة للمطربين الجدد التي أتحفتنا بالمئات منهم : وين غنيت أول مرة ؟ ـ في الحمام ـ لمين بتغني من الفنانين ؟ لحالي ـ فنانك المفضل ؟ ـ أنا .... وهكذا
مع الرشفات الأولى من القهوة ،اكتشفت أن أم عمار هي وباختصار ملخص للوضع في سوريا، فمنذ مشاهدتي الأولى لها في ذلك الزمن السحيق في القدم، فان كل شيء في البلد مازال على حاله!!!.
ـ حزب البعث ما زال قائدا للدولة والمجتمع .
ـ الجبهة الوطنية التقدمية، مازالت على وطنيتها وتقدميتها، رغم الهرم الذي أصاب أمنائها العامين .
ـ نسبة ال نعم في الانتخابات مازالت تتصاعد من 99,16 ـ ببطء إلى 99,77 بالمئة.
ـ لازالت الاحتفالات ب8 آذار .....7 نيسان ... 23 شباط ......إلى الخ تقام، وتلقى فيها نفس الكلمات ، بنفس الحماس ، و بالنبرة الخطابية ذاتها منتهية بالخاتمة المعهودة : معا إلى المجد والعلياء .
ـ ما زال التلاميذ والطلاب، يرددون كل صباح، أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة . أهدافنا : وحدة حرية اشتراكية.
ـ ما زال الناس يصلون الصلوات الخمس في أوقاتها المحددة .
ـ ما زال إمام الجامع المقابل لبيتنا، في السريان الجديدة، يهاجم سفور النساء، وفجورهن ،في كل خطبة جمعة , حتى لو كان موضوع الخطبة عن أبى هريرة .
ـ مازال الحزب الشيوعي، بطرفيه مصرا على إبراز الوجه المستقل للحزب، هذا إذا كان قد بقي له وجه أصلا.
ـ مازالت الأحزاب القومية العربية، مستمرة في عبادة جمال عبد الناصر، و المزاودة على البعث في قوميته.
ـ ما زالت الأحزاب القومية الكردية، مصرة على تمتين أواصر الاخوة العربية الكردية ـ حب من طرف واحد ـ ولم تكتشف بعد مقولة حقوق المواطنة , وتنشق عن بعضها البعض في متوالية حسابية غير منتهية .
ـ مازال علي عقلة عرسان رئيسا لاتحاد كتاب العرب في سوريا .
ـ ما زال صابر فلحوط رئيسا لاتحاد الصحفيين، رغم أن عيني لم تقع على مقالة واحدة له، في حياتي، بأية صحيفة أو مجلة أو حتى ... جريدة حائط .
ـ ومازالـت..........، ومازال ..........، وما زالت، سوريا سترد على كل اعتداء إسرائيلي في المكان والزمان المناسبين!.
اكتشفت أن أم عمار، هي اكثر من مقدمة برنامج، هي سوريا مكثفة، وكما الهرم أصابها ولم يعد المكياج يخفي آثار الزمن على وجهها. كذلك أصاب الهرم البلد من بابه إلى محرابه، ولم تعد وصفات الإصلاح أو التحديث و التطوير قادرة على إخفائه .
وهكذا وجدتها ............ النظرية :
بما أن أم عمار ما زالت تقدم برنامج ما يطلبه الجمهور، فان كل شيء في البلد باق على حاله .
وهكذا لكم الآن لمعرفة أحوال البلد أن تسألوا سؤالاً حياديا لا تكتشفه المخابرات أبدا:
ـ لــسَ أم عمار بتقدم برنامج ما يطلبه الجمهور؟.
وهكذا لا تحرجون أحدا هناك، وتستطيعون توفير ثمن مكالماتكم، والتبرع بها لضحايا زلزال توسنامي، مساهمة منكم لتذكير العالم بان هناك بلدا اسمه سوريا وانه مازال موجوداً .
"الرأي / خاص"

   [ POSTED  @ 4:01 م ]



   2005-02-10  

رسالة عاجلة إلى الرئيس بشار: راشد خالد الأحمد

سيدي الرئـيس : السلام عليكم و رحمة الله وبعد :
سمعت أنكم تقفون مع المواطن المظلـوم ، وترددت أخبار تقول أنكم تسـعون لخير البلد ومصلحتـه ، ومصلحـة المواطنين جميـعاً دون تفرقة ، بين طائفة وحـزب ، فأنت رئيـس سـوريا كلها ، رئيسـاً لجميع طوائفها ، وقبائلها ، وأحزابها ، ولست رئيساً لحزب البعث فقط ، لذلك تشجعت على عرض حالي وأحوال الألوف أمثالي من الشـباب السـوريين ، خارج سـوريا ، راجياً من الله أن تصلكم هذه الرسـالـة ، وأن لايخفيها عنك بعض أفراد البطانـة ، التي نـظن أنهم ســبب تأخير الإصلاحات التي وعدت الشعب بها في خطاب القسـم ، وكلي أمل بالله عزوجل أن أجـد علاجاً لمشـكلتنا ، نحن أبناء الجيل الثاني في ديار الغربة ، ألوف الشباب السوريين خارج سوريا .
سـيادة الرئيس : أنا مواطن سوري ، ولدت عام (1980م) ، وفي ذلك العام هاجر والدي كما هاجر معه عشرات الألوف إلى دول الخليج ، هؤلاء هم الجيل الأول في ديار الغربة ، وأخرجني والدي مع أسرتي بعد ولادتي بأربعة شـهور ، عرفت فيما بعد أن والدي وألوفاً أمثاله تركوا بلدهم ووظائفهم خوفاً من بطش المخابرات العسكرية ، التي كانت تعتقل أقارب المتهم ، وتزجهم في السجون ، وتقتل دون محاكمة ، ومكث بعضهم اثنتي عشرة سـنة ، فلم يخرجوا حتى عام (1992م) وهم أقارب المتهمين ، لذلك كله قدر الله أن يصحبني والدي معـه إلى بلدان الخليج وأنا رضيـع ، كبرت وسمعت عن بلدي ، وتمنيت لو زرتـه ودرسـت المرحلة الجامعية فيه ، وقـد حرمت من الجامعة لأنني لا أملك جواز سـفر ، بعد أن حصلت على (95%) في الشهادة الثانوية ، واضطرت أن أعمل بعد الثانوية براتب لايزيد عن (400) دولار ؛ كي أجمع خمسة آلاف دولار أدفعها بدلاً عن الخدمة العسكرية .
راجعت السفارة مرات ومرات يقولون لي : نعطيك ورقة ( وليس جواز سفر ) تذهب بها إلى سوريا ، وحكومة البلد حيث أقيم لاتمنح خروج وعودة على هذه الورقة ، ومعنى أن أسافر بمثل هذه الورقة أن أخسر إقامتي وأحرم من رؤية أمي وأبي وأخوتي ، وزد على ذلك فأنا أعرف شـباباً سوريين مثلي نزلوا إلى سوريا فوضعتهم المخابرات العسكرية في السجن ، ومازالوا فيه منذ مايزيد على خمس سنوات ، وأعرف آخرين كثر نزلوا فلم يسجنوا ولكنهم منعوا من العودة وحرموا من رؤية والديهم وأخوتهم في ديار الغربـة .
هذا هو واقعـي المـر يا سيادة الرئيس ، أخرجني والدي من سوريا وأنا رضيع ، وعشت مع أسرتي في ديار الغربـة ، وتفوقت في درجات الثانوية لكني حرمت من الدراسة الجامعية لأنني لا املك جواز سـفر ، وأخاف من النزول إلى سوريا لأننى رأيت ما حل بغيري لما نزل ، ومع هذا كله فأنا ( ابن متهم ) لست مجرماً ، حتى والدي رجل مسالم ويهمه أن يربي أولاده وأن يعبد ربـه وحده لاشريك لـه ، خرج من سوريا خوفاً على دينـه ودمـه وعـرضه وأطفاله ، وهو متهم لأنه لايعود إلى سوريا ، هذه جريمته الآن ، لماذا لايعود إلى سوريا ، لذلك صار مجرماً هو وأولاده وزوجته ، هكذا تقول المخابرات العسكرية ، التي تركت مهمتها في حراسـة الوطن من أعدائه الخارجيين ، وانشغلت بأبناء الوطن .
وأخيراً ماهو الذنب الذي ارتكتبته أنا والآلاف من الشباب السوريين أمثالي أبناء الجيل الثاني ، ومعظمنا ولدوا في دول المهجر ، في ديار الغربة ، لم نتنسم من وطننا نسـمة هواء ولم نشرب منه شربة مـاء ، ومع ذلك نحن مجرمين كما ترى المخابرات العسكرية ، لأننا ولدنا أبناء لهؤلاء الآباء المساكين .
وحتى لو سلمنا جدلاً بأن آباءنا ارتكبوا جرماً ما ، فأنت ياسيدي طبيب وتعرف أن الجريمة لاتنتقل بالوراثة ، ولايمكن أن تنتقل إلينا من آبائنا عن طريق الصبغيات ، فلماذا صنفتنا المخابرات العسكرية مجرمين !!؟
لقد تابعت مقابلتكم مع فضائية العربية حيث قلتم في صدد إجابتكم عن السوريين القابعين على الحدود مع العراق الجريح الفارين من قاذفات (ب52) وصواريخ ( توماهوك ) ، والذين أرادوا اللجوء إلى بلدهم !! ، وانتظروا هناك أملاً في السماح لهم : قلتم كلفنا الجهات المختصة بدراسة حالة كل فرد منهم ، فأما الذين لم يرتكبوا جرائم نسمح لهم بالدخول العادي ، وأما المجرمون يدخلون إلى المحاكمة ، ثم سمحتم للعوائل بالدخول ، واعتقلت المخابرات العسكرية بعض النساء ، اللاتي مكث بعضهن من نيسان حتى تمـوز ، أي أربعة شـهور ، فماذا حل بأطفالها المساكين ، الذين عاشوا مائة وعشرين يوماً ينتظرون عودة أمهم إليهم !! وقد دخلت بلدها مستجيرة من أهوال الموت والقصف في العراق الجريح .
وهانحن ياسيادة الرئيس الذين خرجنا من سوريا مع أسرنا أطفالاً ، ورضعاً ، وأجنة ، ونطفاً في أصلاب آبائنا ، هل ارتكبنا جرائم !!! لماذا لا تصدر أوامركم السامية إلى السفارات السورية في كل مكان بمنحنا جوازات سـفر ، والسماح لنا بزيارة سوريا والعودة منها بسلام وآمان ، كما هو الدستور الذي يسمح للمواطن باختيار مكان إقامته ، وسفره ، ولايحرم من ذلك الحق إلا إذا ارتكب جرماً يقتضي حبسـه ومنعـه من ذلك . فأي جـرم ارتكبنـاه ســـيدي الرئيـس !!؟
نحن آلاف الشباب السوريين ، نحن أبناء الجيل الثاني في المنفـى ، نطلب القليل ، نطلب جوازات سـفر فقط ، نتمكن فيها من متابعة الدراسة الجامعية ، في سوريا أو غيرها ، وكثير منا دفع خمسة آلاف دولار بدلاً عن الخدمة العسكرية ؛ ومع ذلك لم يمنح جواز السـفر !!؟ فنحن مواطنون علينا واجبات ، ولاحقوق لنا ، هكذا تفهم المخابرات العسكرية حقوق المواطنة، اللهم وفق رئيس البجمهورية إلى رفع ظلم المخابرات العسكرية عنا ، إنك على كل شيء قدير .
والآن بعد أربـع سنوات من الانتظار والأمل ، بعد أن سمعنا منكم خطاب القسم ، مازلنا ننتظر ، ونعدكم أن نكون جنداً ندافع عن سوريا الحبيبة ضد أمريكا والصهيونية ، ونحن آلاف الشباب ، وبعضنا جامعيون ، ومهندسون وأطباء ، نحن أبناء الجيل الثاني في ديار الغربـة ، نحن مع بلدنا دائماً ، حتى ونحن مظلومين من المخابرات العسكرية ، نحن مع بلدنا ، مع سوريا التي قرأنا عنها وسمعنا من آبائنا وأمهاتنا أنها قلب العروبة النابض ، وقلعة الصمود ضد أطماع الصهيونية والامبريالية . ودمتم سيدي الرئيس
المواطن : راشــد خالد الأحمــد ، مواطن سـوري من الجيل الثاني من المنفيين القسريين
"الرأي / خاص"

   [ POSTED  @ 5:17 م ]



   2005-02-09  

حديث المقاهي
رشاد أبوشاور
في دمشق العاصمة السورية العريقة اشتهر عدد من المقاهي، التي ما زال بعضها يضجّ بحركة روّاد يقطعون الوقت ـ قالت العرب قديماً: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ـ بلعب الورق، أو الهرب من رتابة الحياة البيتية، وربّما أخذ قسط من الراحة وتأمل السابلة عبر ألواح زجاج تتيح رؤية الأرض والفضاء...من المقاهي التي اشتهرت وما زالت في دمشق: أبوكمال (الصيفي)، الحجاز ـ نسبة إلي محطة قطار الحجاز التي تجاورت معها ـ ومقهي الروضة. من المقاهي التي أفل نجمها وذكرها مقهي (البرازيل)، والذي لم يكن سوي محل لبيع القهوة، يضم بعض الطاولات المتلاصقة، حيث الزبائن من كبار الساسة والشخصيات الاجتماعية. أمّا مقهي (الهافانا)، مقهي المثقفين والكتّاب المشهورين في الخمسينات، والستينات، فما زالت مجاورة لسينما (الأهرام) العريقة، ولكنها مرّت بتبدلات وتحولات...مقهي الحجاز يقع في تقاطع شوارع، بين البريد ومحطة الحجاز وشارع الإذاعة القديمة ـ حيث جرت الانقلابات بما فيها الانقلاب علي الوحدة ـ وقد فقد مهابته القديمة بعد أن اقتطع منه جزء وحوّل إلي مطعم شعبي...أمّا مقهي (الفاروق) الذي كان يقع في مدخل شارع الصالحية فقد اندثر ذكره بعد أن كشط عن سطح الأرض وزرعت مكانه بناية عملاقة. مقهي (الهافانا) مرّت عليه تقلبات، فبعد العز الذي رفل به بفضل روّاده المتميزين الذين كانوا يجلسون وراء الزجاج يكتبون ـ صدقي اسماعيل أحدهم ـ أو يلعبون الورق كباقي عباد الله، نتأملهم بنظرات محرجة سريعة، مبهورين لمرآهم، مندهشين أنهم يلعبون الورق كالناس العاديين، أو يتأملون كالأستاذ زكي الأرسوزي المفكّر القومي..مقهي الهافانا صار مقهي سياحياً ما عاد يتردد إليه زكريا تامر، ومحمد الماغوط، وياسين رفاعيّة، وسليمان عواد، وإسماعيل عامود، وهاني الراهب بعد أن فاز بجائزة (الآداب) عن روايته المهزومون ...حالياً يلتقي الكتّاب الرصينون بخّاصة، والذين لا يشربون سوي القهوة، والشاي، واليانسون، ويقطعون أحاديثهم الحميمة بنوبات سعال وحشرجة صدر، في مقهي (الروضة) يقع في بوّابة الصالحية مقابل مقّر البرلمان السوري العريق بقبّته التي أصابتها قذائف المدافع الفرنسية قبل عقود، عندما زحفت جيوش الإمبراطورية لتلهف نصيبها من اتفاقية (سايكس بيكو) (لنشر) الحريّة، ونشر الوطن العربي بمنشار التقسيم والتجزئة، ثمّ لتتركه مع بريطانيا المجرمة أشلاءً...في مقهي الروضة يلتقي لاعبو الورق الذين يقطعون أوقاتهم بالتسلّي بلعب (الهند ريمي) وألعاب أخري من بينها (البناكل)، وقارئو الصحف مدمنو متابعة الأخبار والتنبيش عنها في زوايا الصحف اللبنانية، والمقالات (الملغومة) بتنفيدات، وكتّاب وصحافيون يطيب لهم أن يتأملوا الناس وحركة الحياة، وأن يكتبوا ما يعّن علي خواطرهم علي طاولات صغيرة منزوية. في مقهي (الروضة) تلتقي بسياسيين قدامي، بوزراء متقاعدين، بمناضلين كنت سمعت بهم في طفولتك، بصحافيين أفلت نجوميتهم وصحافتهم التي انتشرت في الخمسينات...الشاعر الكبير أدونيس من الذين ترددوا علي مقهي (الروضة) بعد أن غادر بيروت إبان الحرب الأهلية. هناك رأيته عدّة مرات وقد تحلّق حول طاولته شعراء وصحافيون وكتّاب مشهورون...منذ سنوات، وكلّما زرت دمشق فإنني أتردد علي مقهي الروضة لألتقي بأصدقائي من الأدباء والناس العاديين، وياما فوجئت بأصدقاء قدامي في مقهي الروضة كنت أفتقدهم منذ سنوات...أستاذنا الكبير عبد الكريم الكرمي (أبو سلمي) كان من رواد مقهي (الروضة)، فبيته علي مبعدة أمتار منه، وعندما كنّا نذهب إلي بيته للسؤال عنه كانت (أم السعيد) تخبرنا باسمة الوجه بأنه في الروضة، فنتوجه إليه هناك لنجده يلعب طاولة الزهر مع أصدقائه الذين من بينهم الفنّان أنور البابا الرجل الرصين الذي اشتهر بتمثيل دور المرأة الدمشقية الظريفة والتي تحمل اسم (أم كامل). في كل مرّة أزور فيها دمشق فإنني أتردد إلي مقهي (الروضة) فهي عنوان سهل، ومكان فسيح صيفاً شتاءً، وبالتأكيد فإنني ألتقي بأصدقاء كثيرين في مقدمتهم زميلنا في القدس العربي حمدان حمدان، الذي له طاولة منزوية معروفة يقرأ عليها صحف الصباح، ويكتب عليها، ويتحلق معه حولها أصدقاؤه الحميمون عندما يفرغ من القراءة والكتابة.علي مقربة منه يجلس القاص والروائي السوري عادل أبو شنب الذي أمره الأطباء أن يتوقف فوراً عن (شرب) الشيشة بعد أن ألمّت به وعكة خطيرة سببها الإفراط في التدخين !...في تأبين الصديق، قل تكريم، ممدوح عدوان، الذي أقيم في دار الأوبرا بدمشق مساء الاثنين 31 الماضي التقيت بالصديق ياسين رفاعية القادم خصيصاً للمشاركة في الاحتفاء بممدوح،وكنّا علي موعد مسبق. أصّر ياسين أن يصطحبني معه إلي بيت أسرته القديم في حارة (العقيبة) بين شارع بغداد وحي سوقساروجة العريق، فمررنا تحت المشربيات الدمشقية الحنون، واستذكرنا أيّاماً لنا في الشام القديمة، حيث عشت مع والدي هنا في سوقساروجة، وفي غرفة بإحدي البنايات وراء سوق الهال...كان مسلسل (ليالي الصالحية) الذي عرض في رمضان قد أعادني إلي حياتي في دمشق نهاية الخمسينات، ولذا فإن التجوّل مع الصديق ياسين رفاعية في الأزقة القديمة، ومن ثمّ اصطحابي معه للقيام بواجب العزاء لجيران أهله، والطقوس العزائية الدمشقية، والسهرة اللطيفة في البيت مع أسرة شقيقته، البيت الدمشقي الذي ما زال بكامل جماليته وأناقته وألفته،ومن بعد المغادرة مع ابن شقيقته المتزوج والذي يعيش في مخيم اليرموك، كل هذا أعادني إلي أيامي الشامية.في صبيحة اليوم التالي كنّا علي موعد في مقهي الروضة، أنا وياسين والأستاذ عادل أبوشنب، وكان أن حضر صديق قديم هو القاص نصر الدين البحرة، فانتحينا في الركن ونشأ بيننا حديث عن الأدب، والحياة، والسؤال عن الصحة، ومكان الإقامة، والعمل، وسط قرقرة النراجيل، وضرب الأيدي علي الطاولات بورق اللعب، وشرب أكواب الشاي وفناجين القهوة...المقاهي ! من قال ان المقاهي مكان غير لائق، وأنها تنبلة شرقية، ومضيعة للوقت؟ إنها ملتقي الخلاّن أحياناً، وهي ندوات أدبية وسياسية مرتجلة أحياناً، وفيها يجلس الغريب الذي يفد إلي المدينة ولا قريب له فيها، فيستأنس بأصوات الناس وحيوية حضورهم شاعراً بالطمأنينة.لقد اكتشفت أن المدن بلا مقاه موحشة. المقهي الشرقي ـ وهو مختلف عن الكافيتريا ـ استراحة المحارب، هو يجمع الرجال غالباً، ولكن النساء بدأن في اقتحامه.الحياة تغيّرت، الحياة كالمقهي أناس يدخلون، وأناس يخرجون، ومن الباب الضيّق كباب الروضة...
القدس العربي
2005/02/09

   [ POSTED  @ 5:51 م ]



   2005-02-08  

ســــــاحـــة عـــلـى صــــــورة وطـــــن
على مدى القرن المنصرم ظل الدمشقيون يرددون منتشين أغنيتهم الشعبية "زيّنوا المرجة والمرجة لينا"، تيمناً بساحة المرجة (ساحة الشهداء) التي كانت أول ساحة عامة تشيّد في دمشق القرن التاسع عشر وتتحول رمزاً لتوسع المدينة ولتموضع النشاطات الدينية والسياسية والإدارية. وفي هذه الساحة علّق جمال باشا مشانق شهداء أيار ومنها انطلقت التظاهرات المطالبة بالاستقلال.
ساحة المرجة اليوم، تجاوزها الزمن والتوسع العمراني والمضاربات العقارية، فأزيلت تباعاً مبانيها العثمانية كدار البلدية ودار البريد، وهُدم جامع يلبغا المملوكي ولم تنجح الدولة في إنجاز مجمع يلبغا الذي كان من المفترض أن يحل مكانه، إذ ظل كتلة باطونية صماء منذ أكثر من ثلاثين عاماً. ساحة المرجة اليوم، فقدت أهميتها وأصبحت نموذجاً فادحاً لثقافة "الكيتش" السائدة في سوريا المعاصرة. لكن الدمشقيين لا يزالون يتغنون بها ويغنّون لها، كمجاز ربما عن ساحة متخيلة تجاوزها الواقع البائس وبقيت في المخيال الجمعي كناية عن هوية دمشقية مفتقدة.
في مقابل ساحة المرجة وماضيها الغابر، ربما تكون ساحة الأمويين من بين ساحات المدينة وأمكنتها العامة كلها، المكان الأكثر تعبيراً عن أحوال العمران وأشجانه كمرآة للسياسة والاقتصاد والاجتماع في سوريا اليوم. فهذه الساحة، وهي الأوسع والأهم داخل المدينة، تكاد تختصر بحاضرها الراهن واقع سوريا الحديثة. ومع ذلك لا يتغنى الدمشقيون بها ولا يغنّون لها، وتظل عصيّة على أي تماهٍ جماعي معها.
تقع ساحة الأمويين في مدخل دمشق الغربي على طريق دمشق - بيروت القديمة في محاذاة نهر بردى. تم تخطيط الساحة وتنظيم الشوارع الآتية منها وإليها وفقا للمخطط التنظيمي الثاني لمدينة دمشق الذي وضعه المعماري الفرنسي الشهير إيكوشار في العام 1968. ويصب في هذه الساحة العديد من الشوارع المهمة والحيوية بالنسبة الى حركة السير داخل المدينة، وجميعها يحمل أسماء لشخصيات ذات أبعاد سياسية، من مثل شكري القوتلي (طريق بيروت) وجواهر نهرو وعدنان المالكي والمهدي بن بركة وباسل الأسد.
تطورت ساحة الأمويين مدى العقود الثلاثة المنصرمة وتبدلت كثيراً، لكنها ظلت على الدوام رمزاًَ للسلطة وتجلياً لبعض تعبيراتها المؤسساتية. ففي هذه الساحة تقع مباني وزارة الدفاع وهيئة الإذاعة والتلفزيون ومكتبة الأسد (المكتبة الوطنية) ودار الأسد للفنون (الأوبرا والمعهد المسرحي والمعهد الموسيقي) وحديقة تشرين (تيمناً بحرب تشرين) وفندق الشيراتون (مكان السهر المفضل لأبناء المسؤولين، ونزل كل وزراء خارجية أميركا الذين زاروا دمشق). ويشرف على هذه الساحة تمثال الرئيس حافظ الأسد المقام في حديقة المكتبة، وهو الأول من نوعه في سلسلة من التماثيل رُفعت له في دمشق وغيرها من المدن خلال التسعينات.
في هذه الساحة كانت تقام الاحتفالات الجماهيرية والمهرجانات الخطابية الرنانة التي كانت تنظمها السلطة لإظهار الشعبية التي تتمتع بها، كونها الساحة الأكثر قدرة على استيعاب الحشود البشرية. ومن هذه الساحة مرت المواكب الرسمية للعديد من رؤساء العالم الذين زاروا سوريا خلال العقود الثلاثة الماضية وكانوا في طريقهم للقاء الرئيس في قصره في حي المهاجرين. ومن هذه الساحة أيضاً عبر جثمانه وهو في طريقه إلى مسقطه في القرداحة.
عدا كونها عقدة مرورية مفصلية، فإن هذه الساحة هي بالمقدار نفسه عقدة سياسية وأمنية غاية في الأهمية في مواجهة كل محاولة للاستيلاء على السلطة بالقوة بسبب وجود وزارة الدفاع ومبنى التلفزيون. فكان طبيعيا أن تنشر السلطة في منتصف الثمانينات الدبابات والمجنزرات في محيط الساحة قرب مبنى التلفزيون والأركان خلال الأزمة التي اندلعت مع شقيق الرئيس السوري رفعت الأسد.
مدى عقود، ظلت ساحة الأمويين تؤدي دورها الأساسي كعقدة مرورية عند مدخل دمشق الغربي. وإذا كانت أيدي محافظة دمشق لم تطل بداية دورها المروري والتخديمي، فإنها تعرضت مع ذلك لمحاولات تجميل (تبشيع) متعددة، خصوصاً لجهة البحرات والنوافير والمساحات الخضراء والإنارة. وهذا كله في غياب أي رؤية اجتماعية وعمرانية وجمالية تحترم حاجات السكان وتملك الحد الأدنى من المعرفة المختصة بتخطيط المدن وتطويرها وتجميلها.
قبل سنوات ظن الدمشقيون أن حال ساحة الأمويين (البقرة الحلوب لمتعهدي المحافظة) ورمز السلطة السياسية قد استقرت، وخصوصاً أن دار الأوبرا، وكانت البناء الوحيد غير المكتمل من بين المباني المطلة عليها، أنجزت أخيراً بعد عشرات السنين من المماطلة وبطء التنفيذ والتكلفة الزائدة، وتم افتتاحها في رعاية الرئيس بشار الأسد. لكن المحافظة أبت إلا أن تفاجئ الدمشقيين بمشروع جديد يقضي بإقامة نفق يخترق الساحة على محور طريق بيروت القديم في محاذاة مجرى نهر بردى. خوف أهل المدينة من المشروع وعواقبه وسلّموا أمرهم في ظل غياب أي إمكان لمناقشة جدوى مشروع كهذا بشفافية وموضوعية أمام الرأي العام. الأدهى أن مؤسسة الإسكان العسكري كُلّفت إنجاز المشروع وهي واحدة من شركات القطاع العام الإنشائية الأكثر إمعاناً في الديون والبيرقراطية والأزمات البنيوية. وجرى تقدير التكلفة بحوالى 500 مليون ليرة سورية وبمدة تنفيذ لا تزيد على 240 يوما (جريدة "البعث" 31\10\2004).
التخوف لم يكن سببه حرص الدمشقيين على البعد الرمزي للساحة لجهة ارتباطه بالسلطة السياسية، ولكن بسبب اختناقات السير التي ستنجم عن التنفيذ وعدم ثقتهم بقدرة مؤسسة الإسكان على إنجازه في الوقت المحدد.
بعد أكثر من سنتين، لا تزال أحشاء الساحة في كل مكان مرتعا للزحام والركام والغبار، ولا تزال أعمال إكساء النفق في طور التنفيذ في حين لم تبدأ أعمال التجميل. هذا إذا بقي هناك شيء اسمه ساحة بعدما ارتفع منسوبها إلى أكثر من 180 سنتيمتراً وقضمت الأنفاق من أطرافها الجانبية وأصبح من المستحيل على الدمشقيين عبورها حتى مشياً على أقدامهم. لقد تم، برغم الأهمية السياسية والرمزية والمرورية لهذه الساحة، تكليف المشروع إلى قطاع عام مفلس بمؤسساته غني بجيوب مديريه، وتالياً عجز هذا القطاع عن تنفيذ النفق في المدة المحددة وبالشكل اللائق، مكلفا موازنة الدولة أموالا طائلة، وحارما المواطنين القدرة على استخدام هذه الساحة مروريا، قبل أن يتماهوا معها رمزياً. وإذا كانت الدولة بقطاعها العام عاجزة عن إنشاء نفق في ساحة بأهمية ساحة الأمويين، فكيف تريد أن تواجه تحدي التنمية والتحديث والضغوط الاقتصادية بمثل قطاع عام كهذا!
قد يصبح مفهوما لماذا يصعب على الدمشقيين اليوم التماهي مع ساحة الأمويين في إطار الهوية والانتماء والتغني. فحال هذه الساحة ومآزقها تشبه حال الوطن ومآزقه. إنها التعبير الأمثل عن مصادرة السلطة ومؤسساتها للمكان وفشلها في إدراته وإمعانها في تخريبه ودفعها الناس إلى المزيد من الاغتراب عنه.
لا يريد الدمشقيون سوى أن يعبروا ساحة الأمويين بسلام وأمان بعيداً عن السلطة وتعبيراتها وأنفاقها. لسان حالهم يقول: "الأمويين ليست لينا" وكلهم خوف اليوم أن تدار شؤون بلدهم بمثل ما أدير به مشروع ساحة الأمويين. آنذاك سيكون مستحيلاً الخروج من هذا النفق.
محمد علي الأتاسي

   [ POSTED  @ 3:31 م ]


 

بــلاد الخـــوف الاخــــيــر
ألمانيا...
حكاية الطبيب السوري المعروف في ألمانيا والذي يعد واحدا من ابرز الاطباء وامهرهم في أوروبا، محزنة حقاً. خلال لقاء معه في مناسبة روى لي هذا الطبيب الكبير والمثقف ما يأتي، بعدما عرفتُ منه انه يتابع كل ما يُكتب في الشؤون الثقافية والسياسية وخصوصا ما يتعلق بالشأن السوري: اشعر بالخوف والقلق في كل مرة اسافر إلى الشام. أخاف أن أذهب وان لا اعود. حين اصل إلى مطار دمشق يزداد خوفي وقلقي، مما يضطرني لأن أبتلع حبة مهدئة قبل النزول من الطائرة. نظرات رجال الشرطة وعناصر المخابرات المليئة بالشراسة والحقد تبدد الحنين الهائل الى الشام. أحس أني حمل وديع وسط قطيع من الذئاب الجائعة والشرسة. قبل ان أنهي اجازتي القصيرة افكر مرة اخرى في المطار: هل أجتاز المحنة وأطير عائداً إلى المانيا أم ان المرور الأول كان طعماً لإلقاء القبض علي؟ ! هواجس وكوابيس فظيعة.حين تقلع الطائرة من مطار دمشق ونصبح في السماء أتنفس الصعداء واشعر اني خرجت من زنزانة إلى قمة جبل عال. أما حين تهبط الطائرة في مطار برلين فأشعر بالامان وأرتاح لرؤية رجال الشرطة الالمانية الذين يستقبلوننا بالابتسامات! لماذا يخاف الإنسان من وطنه؟ لماذا يصير الوطن مرادفاً للخوف: الخوف = الوطن؟ هل يستمر الخوف والى متى؟دمعة حارة سالت على خد الطبيب الكبير. مسح دمعته وتابع: آسف، لقد اشتقت الى الشام. لم ار دمشق منذ اكثر من تسع سنوات. اشتقت الى الوطن والاهل واصدقاء الطفولة. كما ترى، فقد تجاوزت السبعين ولم يعد في العمر متسع. امضي وقتي بين المشفى والمنزل ومقهى تركي، أجلس وأتذكر الشام.أما الكاتب والنقابي السوري بدر الدين شنن فيتحدث في كتابه "الشهادة: كي لا تتكرر الجريمة" عن الفظائع التي تحدث في السجون والمعتقلات السورية على ايدي زبانية التعذيب. إنها شهادة وصرخة في وجه هؤلاء وفي وجه النظام وفي وجه "البعث" الذي حوّل البلاد مقبرة من خلال تجربته في معتقلات أجهزة الأمن السورية وفي وجه وعود الاصلاح الخلّبية البائسة. قبل سنتين او اكثر قليلا نشر لي "الملحق" مقالة. بعد ذلك بعدد أو بعددين، أرسل أحدهم التوضيح الآتي، نشره "الملحق" أيضاً: "إن مروان علي والده أيوب خليل علي والدته نجلاء سالم لحود هو غير مروان علي صاحب المقال الذي نُشر في ملحق النهار عدد 544 تاريخ الأحد 11 آب 2002 وانه لا يمت اليه بأي قرابة أسرية أو فكرية أو سياسية"! سوريا الآن لا تزال بلاد الخوف.لكنه الخوف الأخير ...وستسطع شمس الأمان عليها، شاء الطغاة أم أبَوا.
مروان علي
ملحق " النهار " العدد 674 - الأحد 6 شباط 2005

   [ POSTED  @ 3:23 م ]


 

أيدٍ ملطّخة بالحبر كرم الـضيافة السورية
العراقيون يقترعون في سوريا. إنه الخبر الذي يختلف عن باقي نظرائه من الأخبار، من مثل: العراقيون يقترعون في ألمانيا، أو في أسوج أو في الدانمارك. ليس من النباهة في شيء اكتشاف المأثرة التي تجعل من خبر اقتراع العراقيين في سوريا خبراً مستحقّاً للكتابة والتعليق، ولكمّ كبير من إشارات الاستفهام والتعجب. قبل ذلك، الحديث عن حياد السلطات ونزاهتها هناك. إذاً، ومن دون بساطة، عراقيو سوريا يقترعون قبل سوريّيها!
فضائل الإيدز
أذكر أنّنا في ما مضى، كنّا طلاّباً وعساكرَ ننتخب بالدمّ: يقف الضابط، أو أستاذ التربية العسكرية، حاملاً في يده دبوساً. ونحن طوابيرَ وصفوفاً نلمع بعَرَقنا تحت الشمس، والهدف الذي لأجله تسيل دماؤنا كلمة نعم .
أجب بنعم أو لا ، هي ذي الصيغة المستخدمة والمستحقّة لنترك بصماتنا الدامية على أوراق مُعَدَّة وناجزة سلفاً كي تقول نعم، لتكون بعد ذلك هذه البصمات دليلاً ضدّنا على مثال ما تكون عليه بصمات الجاني. إنّه الاستفتاء الذي يحتقر الحبر، ويعلي من شأن الدمّ. الدمّ الذي يُراق في الاستفتاءات، صنو الجيش الذي لا ينفع إلا في الاستعراضات العسكرية أمام الكاميرات.
من المخجل أن أقول إني لم أقترع بالدم أثناء خدمتي الإلزامية بـ ـفضل فيروس الإيدز. فقد كنت أخاف ذلك الدبوس الذي يخترق المئات من أصابع العسكر ناقلاً الأمراض. وأذكر جيداً علبتَي سجائر المارلبورو الأميركيتين اللتين أنقذتاني منه: رجاءً لا تورية أو كناية في الذي قلتُه.
عرض وتعليق
في هذا الصدد، يروق لي أن أقترح تعليقاً يسعف الإعلام العربيّ المُحْرَج هذه الأيام في خصوص صورة الرئيس العراقي غازي الياور أثناء الانتخابات، عارضاً للعالم إصبعه المغموسة في الحبر، بعدما كان سلفه صدّام حسين يعرض للعالم يده الملطّخة بالدم. وهذا التعليق يقول مثلاً: يد ملطّخة بالحبر.
بعد ذلك فلْيُعلِّقْ إعلامنا التقدّمي على صورة تجمع أيدي ثمانية ملايين عراقي لطّخها الحبر. هذا الإعلام الذي لا يزال يسمّي الإرهاب مقاومة، والقتل استشهاداً، ولا يتوانى عن وضع كلمة الإرهاب بين قوسين، أو إلحاقها بعبارة من مثل على حدّ تعبيره ، دليلاً على عدم تبنّيه المصطلح. هذا الإعلام المرتزق والتحريضي، الذي رأى في خروج دول مثل هندوراس والدومينكان من العراق دلالة عظيمة، بعد أن كان دخولها، قبل عام، محطّ سخريته! قبل ذلك إعلاميّونا الشخصيّون، ابتداء من عماد فوزي الشعيبي (السوري)، وانتهاء بناصر قنديل (اللبناني)، من أصحاب مصطلحات: غالبية الشعب، الإجماع الوطني، أقلية بسيطة جدّاً...
أخشى ما أخشاه أن يكون تعليقي الساذج، الذي سبق ذكره، صادراً عن فعل شماتة، أحمق بالضرورة، أكثر من كونه صادراً عن شيء آخر. أن يكون تعليقاً لا يقلّ سخافة عمّا فعله الديكتاتور العراقي السابق صدّام حسين حين أطلق النار من بندقيته (وبذراع واحدة طبعاً) ابتهاجاً بخسارة جورج بوش الأب في الانتخابات الرئاسية الأميركية.
حدّ الضيافة
يقترع عراقيّو سوريا قبل مواطنيها. لا أفهم كيف يمكن أخلاق الضيافة العربية أن تكون على هذه الحال، وكيف يسع السوري العادي أن يغفر لضيوفه العراقيين ما يقومون به؟ وليس أبعد من ذلك: هل من حقّ السلطة السورية المباهاة بنزاهة الانتخابات العراقية على أراضيها، وتقديم ذلك كدليل على ديموقراطيتها؟
لا بدّ أن يذكّرني سؤال كهذا بـ مهرجان الأيام السعودية في لندن، حيث أنّ جهوداً كبيرة بُذِلت من أجل إزالة الصورة النمطية من التطرّف والإرهاب التي التصقت بالمملكة ، على ما قال سفيرها في بريطانيا تركي الفيصل، لكنّ قوام تلك الجهود/ البراهين (ويا للعجب) كان الصقور والجمال والخيول، وصورة نصفية يتيمة لوجه امرأة، بلا عين أيضاً!!
هكذا نستطيع أن نفهم، وربّما نعلّل، الطريقة غير المسبوقة التي فكَّر فيها صدّام حسين، من أجل إقناع العالم بشرعيته، حين قال بفوزه مئة في المئة.
الشعب عورة الوطن
حدث، وما أكثر ما يحدث في سوريا، أن وصفت جريدة الثورة الرسمية الانتخابات الماضية بـ العرس الديموقراطي . هذا الوصف نفسه الذي عاد واستعاره (من غير علمه طبعاً) أبو مصعب الزرقاوي حين تحدّث عن إفساده على العراقيين عرسهم الديموقراطي . نفهم من أعراسنا الوطنية هذه، والتي يكون فيها الشعب هو الغائب الأكبر، أنّ الشعب هو عورة الوطن، وليس مسموحاً له بالظهور أو التعبير. الشاشة فقط لـ ممثّلي الشعب (لا فرق في هذه التسمية ما بين صابر فلحوط وجمال سليمان). الشعب الحقيقي، أصلاً، هو شعب الكواليس. إنه الشعب الذي لا يُرى. وحين يُكلَّف ان يخرج الى العلن ، يصبح الشعب الذي يقترع بدمائه، ويعيش أعراس قادته التي لا تنتهي. أو الشعب الذي يخرج متظاهراً على مثال ما كانت عليه تظاهرة المئة ألف المليونيّة.
أسماء
عراقيّو سوريا يقترعون قبلي، أنا السوري، والأزمة أمانة تتناقلها الأجيال، ووراء كلّ مقالة نكتبها نحسب حساباً للسجن والقضبان، ورياض سيف، وعارف دليلة، والقائمة التي تطول، من حيث أنّ السجن لم يزل في وطني ثلاّجةً لحفظ جثّة التاريخ، وفُرْناً لتسخين الإنجازات.
في خبر طريف مثلما هو مؤثِّر: والدان عراقيان رُزقا بطفلة يوم الانتخابات فسمّياها انتخابات . في المناسبة، لم يكن والدي فظّاً أو عديم الشاعرية درجة أن يسمّيني استبداد أو قمع أو فساد على سبيل المثال.
ماهر شرف الدين
ملحق " النهار " العدد 674 - الأحد 6 شباط 2005

   [ POSTED  @ 3:19 م ]


 

'لـخـيـر هـذا الـوطن' عن المثقف والسلـطة فـي سوريا
لم يخطر لي أنه سيُعرض عليّ "التعاون" مع أحد أجهزة الأمن في دمشق خلال استدعائي إليه يوم 29/1/2005. التعاون بلغة أجهزة الأمن السورية يعني ان يصبح المرء "عميل مخابرات". يقوم بتسقط المعلومات عن معارفه وأصدقائه والوشاية بهم و"كتابة التقارير" عنهم إلى تلك الأجهزة التي يصح القول فيها إنها لا ترحم الناس ولا تخشى الله. لم يخطر في بالي عرض التعاون لأني كنت أتخيل أن ذهنية التعامل مع المعارض كعدو ينبغي محقه، معنويا وسياسيا وأخلاقيا، على طريقة معاملة عشرات الألوف من السوريين خلال العقدين الأخيرين المظلمين من القرن العشرين، قد انقرضت. وربما كذلك لأني توهمت نفسي "محصنا" بسابق سنوات سجني وبعملي الكتابي.
قال الضابط الذي قابلني إن "التعاون بيننا هو لخير الوطن"، ما يعني ان عملي الحالي لا "يخدم الوطن"، أو على الأقل لا يخدمه مثل الوشاية والتلصص على الناس وبذل الجهد للإيقاع بهم وكشف سرائرهم وتسطير التقارير عنهم. لا أعرف مبرر استدعائي ولا إن كان السيد الضابط يعلم عن عملي شيئا. لكن في جميع الاستدعاءات السابقة، والأخير هو رقم 10، كان السبب شيئا كتبته او قلته أو فعلته ويتصل بعملي ككاتب معارض لنظام الحزب الواحد البعثي. وقد تبين لي بالخبرة ان أجهزة الأمن لا تعرف عنا إلا المعلومات السرية التي تنتزعها بالتعذيب (وأقل بالتقارير)، أما كل ما نفعله علنا فلا تعلم عنه شيئا، ولا تراه إن جرى امام عينيها، ولا تعرف كيف تتعامل معه إن رأته. ففي جميع المرات أيضا استدعيت بناء على تقارير نُقلت إلى الأجهزة عن شيء كتبته علنا وباسمي الصريح او قلته علنا. في عبارة اخرى، تعتمد الأجهزة أساليب عمل مجلوبة من مناخات السرية والكتمان، ولا شك أنها تفضل لو يعمل الناشطون والمعارضون والمثقفون سرا بما يناسب أساليبها ويسوّغ لها التعذيب والتهويل من أخطار "العدو الداخلي".
كان استدعاء 29/1/2005 هو المرة الأولى يعرض عليّ "التعاون لخير هذا الوطن" منذ خروجي من السجن آخر عام 1996. لقد ذكّرني العرض بـ"المساومات" الأمنية التي كنا نتعرض لها في السجن على أيدي لجان مختصة: تتعاون معنا مقابل الإفراج عنك. كان الخيار المطروح علينا أن نكون سجناء أو أذلاء، إما أن تخسر حريتك وإما كرامتك، ولا مجال لأن تكون حرا وكريما في الوقت نفسه في "الوطن". وكانت "المقدمة النظرية" الدائمة لتلك المساومات هي أن المرحلة حرجة والأخطار محدقة بالوطن، وأن "التعاون" والوشاية ببعضنا أو بمواطنينا هو دورنا، نحن السجناء السياسيين، في المعركة الوطنية (تركت لديّ هذه الخبرة المتكررة والممزقة نفورا ثابتا من كلمة وطن؛ استخدم عادة كلمة البلد او البلاد).
قبل ثلاثة اعوام استدعيتُ إلى الجهاز الأمني نفسه. كان الشخص (الأرجح أنه برتبة مساعد) الذي قادني إلى مكتب أحد الضباط هو نفسه الشخص الذي قادني هذه المرة إلى مكتب رئيس قسم الأحزاب في الجهاز المذكور. وقتها أعاد عليّ ذلك المساعد المفترض بالكلمات نفسها وبالنبرة نفسها وباليقين نفسه جملة افترضها مطمئنة لي: "ما في شي! بس نتعاون لخير هذا الوطن!". أعادها مرات وهو يضع يده في جيبه ويشدد على عبارة "هذا الوطن" إلى درجة تبعث على الظن أن ما في جيبه هو الوطن بالذات، وأنه ربما يظهره في أي لحظة لعيني المتشككة. والواقع أنه في العهد الذهبي لأجهزة الأمن السورية كان كل شيء يقول إن "الوطن" شيء لا يلتقيه المرء إلا في غرف التحقيق أو في أقبية التعذيب في تلك الأجهزة. كانت المعادلات الضمنية المستقرة: الوطن هو المخابرات، والوطنيون هم الجلادون، تعذيب السجناء أعلى فضائل الوطنية. وبالطبع خدمة الوطن هي العمل مخبراً!
هذا القلب التام للقيم منبع فياض ودينامي لخراب الوعي والرابطة الوطنية. ولعله لا يتجسد في شيء اكثر مما في تعبير اجهزة الأمن نفسه. فهذا تعبير أورويلي بالفعل معناه الحقيقي اجهزة الخوف. فقد كانت تلك الأجهزة طوال عقود الحكم البعثي المديدة مصدر الخوف ونزع الأمن الأول في البلاد السورية المشدوهة. وكانت سوريا طوال تلك العقود بلدا اورويليا بامتياز. يكفي التفكير في مقابلات واقعية لمفردات الشعار البعثي الشهير: وحدة، حرية، اشتراكية!
في ذلك "الاستدعاء" قبل ثلاث سنوات، وكان الثالث بعد أيلول 2001، امتنع الضابط عن عرض "التعاون" عليّ. ربما شعر بأن من غير اللائق أن يعرض على سجين سابق أن يستأصل نفسه أخلاقيا وسياسيا. فضباط الأمن وعناصره يعرفون جيدا مغزى عرضهم، ولذلك بالذات يعرضونه على ضحاياهم. لسان حالهم يقول: المثقف الجيد هو المثقف الميت.
هذه المرة وفي بداية عام 2005 لم يمتنع الجهاز عن عرض "التعاون لخدمة هذا الوطن" عليّ، تاركا لي ان استنتج أن "وطني" يستفيد مني واشيا بينما قد يتضرر مني مثقفا. يحتاجني ميتا أخلاقيا وسياسيا بينما أفيض عن حاجته إن كنت مستقل الضمير والرأي.
الأمر كذلك بلا جدال. وواقعة العرض الأمني لي معيارية أو نموذج مثالي في ذاتها للعلاقة بين المثقف والسلطة. واقعة لا تحتاج إلى تجريد لأنها مجردة بذاتها، ولا إلى القياس على غيرها لأنها مثال أقصى يقاس عليه: يطالب المثقف بأن يكتب... تقارير بمواطنيه لأجهزة سلطة تتمتع بحصانة مطلقة ولا تحاسب مهما فعلت، وتقاريره يقرأها أفراد مستواهم الثقافي معدوم. وتتكفل بالتجريد علاقة القوة العارية بين الطرفين: المستدعي سلطة لا تحد، والمستدعى شخص محدود حتى الإمحاء (ينبغي القول إن هذه العلاقة مشوبة واقل عريا اليوم: رفضت العرض بلا لبس وخرجت من الجهاز بعد قرابة ساعتين على استدعائي!). ولم أعرف للأسف هل يريد الجهاز الأمني مني التفرغ لكتابة "التقارير" أم أن أمزج بين المثقف والمخبر، بين فنين للكتابة: "التقارير" والمقالات. في المناسبة، لم لا يعترف "اتحاد الكتاب العرب" بفن "كتابة التقارير" ويقبل اصحاب "الخط الحلو" (عبارة يكني بها السوريون عن كتّاب التقارير) أعضاء فيه؟ سيكون هذا إبداعا وطنيا لا يقل "أصالة"عن الجبهة الوطنية التقدمية ومنظمة طلائع البعث!
ربما نلاحظ أن "كتابة التقارير" للمخابرات هي الشكل الأقصى من التزام المثقف، أعني الشكل غير الخاضع لدستور او ضوابط ثقافية واخلاقية مستقلة عنه. بمعنى آخر الالتزام في ذاته ومن دون ضبطه بشيء آخر لا يقف عائقا في وجه النوع الثقافي الأمني الذي هو "كتابة التقارير". ولا شك أن مخابرات ستالين وهونيكر وامثالهما كانت تطلب الوشاية من المثقفين لأن السلطة في ذاتها كانت ثقافة وأخلاقا وخيرا محضا، أي حائزة النسخة الوحيدة الصحيحة من "مصالح الشعب الحقيقية"، المصالح التي يفترض بالمثقف أن يلتزمها. إن "التقرير" هو أعلى اشكال الثقافة والالتزام في انظمة الاستبداد العقيدي (الشمولية او أنظمة الطغيان المحدث). وفيه تتجسد الثقافة سلطة.
ترى، كيف هو "الوطن" الذي يستفيد من "كتابة التقارير" لا من عمل المثقفين؟ وما حال البلاد التي يتقدم فيها الواشي على المثقف، بل لا يثبت المثقف أهليته الوطنية إن لم يكن واشيا؟ وكيف يكون شعب يُفرض عليه مثال للمواطن الصالح هو الواشي المعدوم الضمير و"كتّيب التقارير"؟
من جهتي، لست مواطنا وليس هذا وطني! وطني يقيم في الزنازين لا في المكاتب الفخمة، ويمشي على قدميه أو ينحشر في "السرفيس" ولا يركب المرسيدس والهامر، ويعيش من جهده لا من سلطته الامتيازية، ويسكن بيوتا بائسة لا في فيلات ومزارع! مواطنيّ هم الخائفون والسجناء وليسوا المخابرات وصنّاع الخوف!
دمشق 31/1/2005
ياسين الحاج صالح
ملحق " النهار " العدد 674 - الأحد 6 شباط 2005
ضد الحرية وليس ضد الحرة
سيتعرض اي عضو في اتحاد الكتاب العرب إلى عقوبة زاجرة إذا ظهر على تلفزيون الحرة الأميركي. هذا ما أفتى فيه بـ غالبية ساحقة مؤتمر الاتحاد الذي عقد في بحر الأسبوع الماضي في دمشق. بهذا القرار يظهر الاتحاد الذي يفترض انه منظمة المثقفين السوريين أنه ثابت على نهج العقاب والزجر الفوقيين، ولا يثق بالحكم الشخصي والقرار الشخصي الحر لأعضائه. الاتحاد وفيٌّ بذلك لثابتة راسخة في نظام الحزب الواحد السوري ومنظماته: لا يستفيد الناس من حرياتهم إلا للخروج على الثوابت وخيانتها، ولا يلتزمون الثوابت إلا بقدر ما لا يكونون احرارا. لذا ينبغي زجرهم ومعاقبتهم بـ غالبيات ساحقة إن فكروا واختاروا بحرية. فكل حرية وفقا لهذا المنطق مروق أو خيانة، ولا يلتزم إلا الإمعات والعبيد وغير الأحرار. ليس ثمة ما اساء إلى قضايانا العامة، المحلية والعربية، من فصلها بهذه الطريقة العسكرية عن المنبع الثر لجميع القيم: الحرية. وليس ثمة ما أهان مواطنينا ومثقفينا أكثر من عدم ائتمانهم على أوطانهم وقضاياها. يرمز لانفصال الثوابت عن الحرية ويجسده السيد علي عقلة عرسان رئيس الاتحاد منذ قرابة 30 عاما. و الثوابت هي سلاحه للإقصاء والتخوين والبقاء؛ إنها مطية كتاب من الدرجة الثالثة فما دون إلى السلطة المؤبدة.

   [ POSTED  @ 3:11 م ]