unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-02-18  

دمشق إزاء اغتيال الحريري: اشتدّي أزمة تنفرجي!
صبحي حديدي
ذات يوم نُسب إلي الرئيس السوري بشار الأسد قوله، علي سبيل تأكيد استمرارية نهج الحركة التصحيحية الذي سنّه أبوه وسهر علي تطبيقة قرابة ثلاثة عقود، إنّ حافظ الأسد يحكم سورية من قبره . وكان ذلك القول ــ فضلاً عن رائحة التمنّي الضمني التي تفوح منه ــ ينطوي علي الكثير من الصحّة عملياً، خصوصاً في المسائل الأمنية وإدامة الإستبداد والحفاظ علي بنية النظام وتوازناته الداخلية الأساسية ومعادلات محاصصة القوّة وحُسن توزيعها علي الأطراف.لكنّ القول ذاته لم يكن، كما برهنت السنوات الأربع منذ أن خلف بشار أباه صيف 2000، ينطوي علي مقدار مماثل من الصحّة في ما يخصّ السياسة الخارجية لسورية، بل الأحري القول إنّ الافتراق والفارق أخذا يسجّلان العكس تماماً: اهتراء الدبلوماسية السورية، وتعرّضها لنكسات متتالية، وانحطاط موقعها الإقليمي تدريجياً، وخسران معظم أوراق القوّة التي كانت ترسانة الأسد الأب في استراتيجية كبري ضمنت منجاة عهده طويلاً، ونقصد تحويل السياسة الخارجية إلي اقتصاد سياسي مادّي ومنعة عسكرية افتراضية!والحال أنه ليس مبالغة أن نستمدّ روحيّة الحكم من القبر، وإنْ معكوسة بعض الشيء، فنقبل الافتراض الذي يري الأسد الأب يهتزّ اليوم في قبره إذْ يصغي إلي وزير إعلام نظامه مهدي دخل الله يقول التالي، وفي مناسبة رهيبة مثل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، تشكّل ضربة قاصمة للوجود السوري في لبنان، قد تكون الأشدّ والأقسي منذ ثلاثة عقود: أريد ان أوضح أن هناك من يستعد لاتهام سورية ربما بالمسؤولية عن مأساة تسونامي ! والسيد الوزير لم يكتفِ بهذه الخفّة اللفظية السوداء التي ما كان الأسد الأب سيتسامح إزاءها فحسب، بل استبقها بما لا يفيد إلا في تصنيع المزيد من الظنون حول المسؤولية السورية في اغتيال الحريري: هذه الفوضي الأمنية في لبنان سببها انسحاب الجيش السوري من أكثر من منطقة في لبنان وكذلك الانسحاب الأمني السوري ! وأيضاً: استقرار لبنان الأمني مهدد فعلاً حالياً ، و من يريد انسحاب الجيش السوري بشكل كامل من لبنان عليه أن يعزز استقرار لبنان ككل ...!في شرح أبسط، ولكن أكثر تراجيدية، لهذه التصريحات الميلودرامية نفهم الرسالة التالية: هل تريدون من دمشق الإلتزام بقرار مجلس الأمن الدولي 1559؟ هل تريدون تطبيق القرار بحيث ينتهي إلي انسحاب القوات السورية من لبنان؟ علي الرحب والسعة، سنفعل... ولكن بعد أن نعيد لبنان إلي حال أسوأ ممّا كانت عليه حين دخلناه سنة 1976! وبعد أن نشعل فتيل الفتنة الذي يردّ البلد إلي أسوأ سنوات الحرب الأهلية بين الأحزاب والطوائف والمذاهب والميليشيات! تريدون لبنان؟ نعيده، شئنا أم أبينا، ولكن في هيئة أشلاء ممزّقة!وكيف، في الواقع، يمكن أن نفهم عكس هذه الشروحات من تصريحات دخل الله؟ وكيف لا يفهم أيّ متلهّف علي تأثيم النظام الحاكم في دمشق أنّ لسان الوزير لم ينطق بدخيلة خافية من باب زلاّت اللسان وحدها، بل بغية توجيه رسالة أولي مبكرة حول أغراض وعواقب ومآلات اغتيال الحريري؟ وإذا وضع المرء حكاية تسونامي جانباً (ولكن كيف يفعل، حقاً، دون أن يعضّ علي النواجذ!)، فإن الوزير يقول فعلياً:ـ سوف يشهد لبنان المزيد من الفوضي الأمنية، والتي سببها انسحاب الجيش السوري من أكثر من منطقة في لبنان ، بالإضافة إلي الإنسحاب الأمني السوري ؟ وما الذي تعنيه هذه العبارة الأخيرة بالذات؟ ومتي، وكيف، انسحبت سورية أمنياً من لبنان؟ـ وسوف يشهد البلد المزيد من زعزعة الأمن والاستقرار لأنّ استقرار لبنان الأمني مهدد فعلاً حالياً ؟ مهدّد من جانب مَن؟ وكيف، والهيمنة السورية العسكرية والأمنية والسياسية ما تزال علي أشدّها؟ـ وأنّ علي المطالبين بانسحاب القوّات السورية، من أهل المعارضة في البريستول والمختارة وبكركي وقرنة شهوان وقصر قريطم، إلي واشنطن وباريس وبروكسيل، أن يضمنوا أمن لبنان، ولهذا قالها دخل الله دون مواربة: مَن يريد انسحاب الجيش السوري بشكل كامل من لبنان عليه أن يعزز استقرار لبنان ككل ؟ولعلّ الرئيس الفرنسي كان بين أوائل الذين استلموا مثل هذه الرسالة، وأعادوا إنتاجها دون إبطاء ليس من سدّة الإليزيه فحسب، بل أيضاً علي مدرّج مطار بيروت: الاغتيال يذكّر بأساليب إجرامية تعود إلي زمن مضي ... والحقّ أنّ الناظر إلي مشاهد الدمار والحريق والأشلاء والجثث في موقع اغتيال الحريري لا يمكن له إلا أن يستعيد ذلك الزمن الذي يقول شيراك إنه مضي، وتقول الوقائع الراهنة إنه مضي وما انقضي! ولا يمكن لهذه المشاهد إلا أن تعيد الذاكرة اللبنانية إلي حقبة ظنّ اللبنانيون أنها انطوت خلال 15 سنة في أوج اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية، وخلال الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، ثمّ حرب تصفية عون وإخضاع بيروت الشرقية.هذا، بالطبع، إذا وضعنا جانباً المغزي الكبير لوقائع التشابه الصارخة بين هذه المشاهد وما يتكرر يومياً في شوارع بغداد ومدن عراقية أخري. كذلك تذكّر هذه العملية، المنفّذة بإتقان مذهل وسويّة عالية للغاية من الاحتراف، أنّ ما اعتُبر في باب الاستقرار و السلم الأهلي طيلة العقدين الماضيين قد يتضح أنه وهم كبير يخفي النار تحت الرماد. وهذا يرسّخ أيضاً رسالة دمشق الضمنية التي نطق بها وزير الإعلام السوري: دمشق هي ضامنة أمن لبنان، ولا استقرار في لبنان بمعزل عن الوجود السوري.ولكن هل كان توجيه مثل هذه الرسائل يقتضي كلّ هذه الدرجة الفظيعة من العنف العاري؟ أليس اغتيال شخصية مثل الحريري مقامرة بكلّ ما سعي حافظ الأسد إلي بنائه من توازنات بين الطوائف والقوي والمجموعات اللبنانية؟ ألا تسفر هذه المقامرة عن تحويل السنّة، الذين بات الحريري أبرز رموز وجودهم علي رقعة الشطرنج السياسية، إلي طائفة مناهضة للهيمنة السورية بعد أن كانت مؤيدة أو صامتة علي الأقل؟ وهل بلغت السلطة في دمشق، سواء بعلم الرئيس السوري بشار الأسد أو بتدبير انفرادي من بعض النافذين القلّة في الأجهزة العليا، هذه الدرجة من النزعة المغامرة لكي تخوض هذا المستوي من الحرب القذرة المفتوحة علي كلّ الاحتمالات؟وضدّ مَن؟ الرجل الذي كان إلي عهد قريب حليف دمشق الصدوق في لبنان وفي المنطقة؟ وكان بمعني ما أقرب إلي وزير خارجية سورية الأهم غير المسمي؟ ولعب دور الوسيط الفعّال في بناء وتفعيل العلاقات السورية ـ الفرنسية في عهد حافظ الأسد كما في عهد نجله وخليفته بشار الأسد؟ أليست ذروة المفارقة أنّ الحريري، الذي فتح بوّابات الإليزيه أمام بشار الاسد حتي وهو مجرّد نجل للرئيس السوري الراحل، هو اليوم ضحية اغتيال يطالب الإليزيه بتشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في ملابساته، الأمر الذي يعني تلميحاً قوياً إلي إصبع سوري وراء الاغتيال؟الذين تدفعهم هذه الأسئلة إلي استغراب، وبالتالي استبعاد، أن تكون الأجهزة السورية هي التي تقف خلف اغتيال الحريري ينبغي أن يعودوا إلي الوراء بضعة أسابيع فقط، حين أصرّت دمشق علي الخطوة العجيبة المتمثلة في تعديل الدستور اللبناني بما يكفل التمديد للرئيس الحالي إميل لحود، وكأنه لم يعد في لبنان من حلفاء لسورية سوي هذا الرجل. تلك الخطوة المدهشة نجحت في التمديد لرئاسة لحود، هذا صحيح، ولكنها في الآن ذاته أنجزت نجاحات أخري دراماتيكية ومن نوع مختلف: لقد وحّدت صفوف المعارضة اللبنانية أكثر من ذي قبل، ونقلت الحريري من حليف لدمشق إلي حليف ضمني وقويّ للمعارضة، وقرّبت الموقفين الفرنسي والأمريكي في مجلس الأمن ممّا أثمر القرار 1559 الذي يعدّ أوّل قرار أممي يدوّل الوجود السوري في لبنان ويطالب صراحة بخروج القوّات السورية، وذلك منذ دخولها إلي لبنان قبل قرابة ثلاثة عقود.كذلك علي الذين قد يستغربون احتمال مقامرة دمشق باغتيال الحريري أن يضعوا في الاعتبار حجم التهديد الذي بات القتيل يمثله للنظام السوري بعد انضمامه، حتي بصفة غير مباشرة، إلي صفّ المعارضة اللبنانية بعد تعديل الدستور والتمديد لرئاسة لحود. ويتردد أنّ الحريري أدرك، اعتباراً من تلك اللحظة، أنه لا يمكن إلا أن يكون في صفوف المعارضة، فانخرط فيها علي نحو غير مباشر واختار أن يلعب دوراً محورياً مزدوجاً: توظيف صداقته الشخصية مع جاك شيراك، واستثمار علاقاته الدولية والعربية الواسعة خصوصاً مع السعودية، لتعزيز موقع المعارضة وتغطية مواقفها دولياً؛ ثمّ استثمار كامل رصيده المالي والشعبي في الانتخابات النيابية القادمة بما يكفل واحداً من نتيجتين: إمّا فوز المعارضة بمقاعد الأغلبية وبتوزّع ديني ومذهبي تعدّدي ناجح وضاغط علي الحكم، أو إجبار دمشق وجبهة حلفائها في الحكم اللبناني علي تزوير الانتخابات والتورّط أكثر في الصدام مع فرنسا والولايات المتحدة ومعظم المجتمع الدولي. في عبارة أخري تحوّل الحريري إلي الشخصية الأهمّ في المعارضة اللبنانية، حتي دون الإنضمام إليها مباشرة وعلانية، وباتت أوراق القوّة العديدة التي يملكها بمثابة عوامل ضغط شديد علي دمشق وحلفائها. وإذا كانت من يد سورية وراء الاغتيال، فالأرجح أنّ الدماغ الذي خطّط لليد وحرّكها زانَ كفّتَي الربح والخسارة علي النحو التالي: إذا كان الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان سوف يتقلّص أو يضعف أو حتي ينتهي بانسحاب تامّ ذات يوم، فإنّ الوجود السياسي ينبغي أن لا ينحطّ إلي درجة تضع سورية علي هامش المسألة اللبنانية، فتخسر دمشق آخر ما تملك من أوراق قوّة. المطلوب، إذاً، إزاحة هذا الرجل الأقوي عن المشهد، ومن الخير أن تتمّ الإزاحة بطريقة توجّه الرسالة القوية التي تقول ببساطة رهيبة: نحن استقرار لبنان، ولا استقرار في لبنان دون هيمنتنا!حتي ساعة كتابة هذه السطور، كانت مفاعيل اغتيال الحريري الأولي قد قلبت جمهور السنّة علي دمشق وحلفائها، بحيث اتضح أنّ هذا الجمهور كان يغلي معارضةً في الأساس، وأنّ القتيل كان أبرز لاجميه ومهدّئيه. كذلك جعل الاغتيال الرئيس الفرنسي جاك شيراك يشارك في التشييع دون إلقاء التحية علي الدولة، الأمر الذي يرسل أيضاً رسالة قوية شديدة الوضوح حول إصرار باريس علي الإنخراط المباشر في قضية الحريري وكشف ملابسات جريمة الاغتيال من جهة، والمضيّ أبعد في الدعم السياسي للمعارضة اللبنانية من جهة أخري. وأخيراً، استدعت وزارة الخارجية الأمريكية سفيرة واشنطن في دمشق، مارغريت سكوبي، في أوضح إجراء حتي الآن حول أسلوبية البيت الأبيض القادمة في التعامل مع الملفّ السوري.ويبقي السؤال الكبير، من جديد: إذا صحّ ان دمشق وراء اغتيال الحريري، فهل بلغ اليأس بدمشق هذه الدرجة؟ البعض يقول إن النظام يجد ظهره إلي الحائط تماماً، وهو في خطّ الدفاع الأخير وليس لديه ما يخسره أكثر، أو لم يعد لديه ما يكسبه إلا عن طريق المقامرة القصوي. ساعة اغتيال الحريري كان مطلوباً من دمشق أن تضبط الحدود مع العراق، وتجمّد نشاطات قيادات حماس والمنظمات الفلسطينية المقيمة في سورية، وتهدئ حزب الله اللبناني علي الجبهة مع إسرائيل وتضبط صلاته بإيران وشيعة العراق أيضاً، وتمارس ما تمتلك من نفوذ عند حماس والفصائل الفلسطينية الأخري لقبول ما يقترحه الرئيس الفلسطيني محمود عباس من هدنة مع الإسرائيليين...كلّ هذا كثير... كثير! والنظام كان يبذل ما في وسعه، فيلبّي هنا وينحني هناك ويخدم ذات اليمين وذات الشمال، ولم يكن يلقي من واشنطن جزاء وفاقاً أو مثوبة أو حتي ترضية بسيطة! فهل قرّر النظام، سواء بائتلاف سلطته أو بانفراد أجهزته، اللجوء إلي الحكمة القديمة حول الأزمة التي لا تنفرج إلا إذا اشتدّت، وقال: عليّ وعلي أعدائي؟
القدس العربي
2005/02/18

   [ POSTED  @ 4:31 م ]



   2005-02-17  

أفضل علاقة بين سوريا ولبنان كانت تحت الانتداب الفرنسي
-1 خروج الجيش السوري من لبنان، إن حدث في فترة قريبة مقبلة استجابة لقرار مجلس الأمن، كما يتوقع البعض، لن يكون مثل الدخول إليه. فبين الواقعة التي من الماضي، والأخرى المتوقعة، قرابة الثلاثين عاماً. وهي مدة ليست قليلة، وليست بدون آثار عميقة على البلدين، وخصوصاً على لبنان. من حيث الشكل، سيرتبط الخروج بالقرار 1559، الذي وضع حداً للوصاية السورية، منهياً بذلك ( من حيث الشكل أيضاً ) عهداً طويلاً من الاتفاقات الجانبية بين النظام السوري وبعض الدول الكبرى، والولايات المتحدة خصوصاً. وبموجبه التزمت الهيئة الدولية بمتابعة الوضع والتنفيذ. لكنّ القرار العتيد، قابل للاستعمال كتمهيد وتغطية، لما يمكن أن تقدم عليه الولايات المتحدة، إن بواسطة حليفتها إسرائيل، أو مباشرة، بعد أن تحولت باحتلالها للعراق، إلى أكبر قوة إقليمية، وأصبحت" جاراً " شرقياً لسوريا على حدود طويلة. هنا مكمن الخطر. في هذا السياق، لا بدّ من التذكير أيضاً، بالقرارات والمداولات الدوليّة التي سبقت الغزو الاميركي للعراق ومهدت له.
الانسحاب، وبغضّ النظر عن الدافع له ( مطاوعة للقرار، أو لقرارات أخرى، أو خضوعاً لإكراه خارجي، ونستبعد مبادرة بالجلاء بدوافع ذاتية بحتة)، لن ينجم عنه كما قد يتوهم البعض، عودة الأوضاع في لبنان إلى ما كانت عليه عشية بدء الأحداث في ربيع 1975. وذلك ليس بسبب مقاومة يُنتظَر أن تبديها الفئة الواسعة من المرتزقة الجدد المرتبطة مصالحهم واستمرارهم في مواقعهم بالوجود السوري واستمراره، وليس أيضاً بسبب فعل الأجهزة الأمنية اللبنانية الطامحة والعاملة للتحكم بمصير لبنان، تطبيقاً لما تعلمته، ونسجاً على منوال ما هو قائم في سوريا، بل لأن تغيرات عميقة حدثت خلال هذه العقود الثلاثة المنصرمة، تجعل من المستحيل عودة لبنان إلى سابق عهده. لا أدلّ على هذه التحولات من أن شرف تحرير الجنوب لم يكن من نصيب السلطة الممثلة للدولة اللبنانية، بل نالته قوة أهلية نمت وتطوّرت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين. ولا يقلل من شأن هذه الحقيقة، ما تلقته وتتلقاه تلك القوة من دعم ورعاية من سوريا وإيران.
فاقمت ممارسة الأجهزة الأمنية السورية في لبنان في اهتراء أوضاعه، المتدهورة أصلاً، من الحرب الأهلية الطويلة والغزو الإسرائيلي، وسرّعت في انتشار الفساد، وفي انحسار سيادة القانون، والانتقاص من استقلالية القضاء، وبالنتيجة ثلّمت سيادة البلاد وأساءت لها، فأصبح رفع يدها عن لبنان، شرطاً لازماً من شروط الإصلاح. لكنها أيضاً أساءت لوطنها وللجيش الذي تستمد قوتها منه ومن وجوده، وألحقت أذىً عصياً على الإصلاح بالعلاقات بين الشعبين والدولتين والبلدين.
كل ذلك، رغم فداحته، ممكن تحمله، وقابل للتعويض. ما هو غير ممكن التعويض، هو الفرصة التاريخية المهدورة التي جاد بها الزمان، على من لا يدرك مغزاها ويقدّر أهميتها، فرصة بناء وتطوير علاقات صحيّة سليمة قابلة للاستمرار والنمو بين بلدين مستقلين، لكنهما أخوان يرتبطان بالجغرافيا والتاريخ والمصالح الكثيرة والمستقبل، دون أن نتحدث عن رابطة اللغة والقرابات. على الأقل انحفرت هوة، لا تني تتوسع، من التوجس والشكوك، بل والعداء، وصلت عند بعض اللبنانيين إلى رفض السوريين جملة وتفصيلاً.
-2 لم يوجد في كل المشرق العربي، مثيل للحريات التي تمتع بها اللبنانيون، والتي يستحقونها، وذلك منذ إعلان الدولة ما بعد الحرب العالمية الأولى. هذا الواقع أصبح أحد الأمور المثيرة للجيران، القريبين منهم والبعيدين، خصوصاً بعد أن استولت الجيوش على الحكم في عدد من البلدان العربية. بل يمكن الزعم أن هذه الحريات النسبية في لبنان، كانت "الخاصرة الضعيفة" للنظام السوري الذي جعل البلاد تعيش في حالة طوارئ منذ اثنين وأربعين عاماً ونيِّف. ورغم المحن والحرب الأهلية، وخراب ما بعد الحرب الأهلية فما زال الفارق، في موضوع الحريات، نوعياً بين لبنان وباقي جيرانه في المشرق العربي، ومن ضمنهم سوريا. هذا الامتياز الذي ينبغي الدفاع عنه في وجه العاملين (من الداخل والجوار ) على إلغائه، لا ينسينا الاختلالات أو العيوب البنيوية في ما يسمى الديموقراطية اللبنانية، القائمة على التوافق بين الأطراف الاجتماعية. فالعقد الاجتماعي المؤسس للكيان، لا ينعقد بين أفراد المجتمع الأحرار، كما هو الأمر في الدولة الديموقراطية، بل بين الطوائف، وهذا هو "عقب آخيل" النظام اللبناني، الذي يجعل الإطار السياسي للدولة قاسياً، عديم المرونة وقابلا للانكسار عند غياب التوافق بين مكونات الكيان، إن بسبب تغير نسبة القوى ما بينها، أو لأسباب أخرى، داخلية أو خارجية، فلا تسمح قسوته بالتعامل المرن مع الأوضاع الناشئة، مما يقود إلى تفككه، خلافاً للنظام الديموقراطي، الذي في مقدور مرونته استيعاب التناقضات الاجتماعية وتوفير الحلول لها . لذلك، تحدث في هذا النظام التوافقي، بين فترة وأخرى، انفجارات صغيرة وكبيرة، يذهب النظام نفسه ضحيةً لها، كما حدث في الحرب الأهلية الأخيرة، التي استدعت التدخل السوري.
فمن المغالطة وخداع الذات ما يزعمه البعض بأنّ ما جرى هو حرب الآخرين على الأرض اللبنانية. ضرر هذا الزعم ليس في جعل المشاركين اللبنانيين في الحرب، وهم أكثرية المشاركين، مرتزقة ومأجورين عند الغير، وليس كذلك في التنصل من مسؤولية الأحداث وإلقائها على الخارج، انسجاماً مع "التفكير المؤامراتي"، بل لأنه يحول دون التقصي الحقيقي لأسبابها، وبالتالي لا يساعد على إدراك عيوب النظام للتخلص من نواقصه.
إن كون الحرب حرباً لبنانية - لبنانية لا يمنع من أنها أفسحت في المجال لقوى من الخارج، بالتدخل ولتقوم هي الأخرى، بدورها في حربها في لبنان مستخدمة لبنانيين كأدوات ومرتزقة ووكلاء ومتعهدين عندها. ولا ننسى أيضا أن أطرافاً لبنانية بحثت باستمرار عن قوى من الخارج ( العربي والدولي ) للاستقواء بها واستجرار المال والسلاح منها. جملة هذه الأسباب وراء استمرار النزاع، ووراء تجدده.
بكلام آخر، الخلل البنيوي في النظام اللبناني، هو الذي يستدعي تدخل الآخرين، أو يسمح به. وهو يكمن في نظام المحاصصة الطائفية، الذي يعني الوقوف في منتصف الطريق إلى الدولة الديموقراطية. فلا عودة إلى الوراء بالانهيار النهائي للكيان وحلول أوضاع أخرى محلّه، ولا سير إلى الأمام نحو دولة من نمط جديد، تنفي الحرب الأهلية، التي هي التعبير الفصيح، عن الأزمة العميقة للنظام السياسي، التي تتفجر بشكل شبه دوري، والتي لا يجري تجاوزها، إلاّ بتوافق جديد بين الأطراف، وبمساعدة وتدخل من الخارج. لا يمكن الخلاص من الأزمات، إلاّ بالخلاص من النظام المولد للأزمات، عبر السير التدريجي الوئيد والمتوافق عليه بين الأطراف نحو الدولة الديموقراطية الحديثة، ومن خلال بناء علاقات جديدة مع المحيط.
-3 إذا تجاوزنا الوضع الحالي للعلاقات بين السلطتين السورية واللبنانية، وهي ليست كما تتطلبه مصلحة الشعبين. وعدنا الى مرحلة تأسيس الكيانين بعد الحرب العالمية الأولى، سنضطر للاعتراف بأسى، بأن أفضل العلاقات بينهما قامت خلال فترة الانتداب الفرنسي، وكذلك نشأت أفضل المؤسسات (حق المرور والعمل، العلاقات الاقتصادية كما في بلد واحد، بنك سوريا ولبنان الفرنسي...)، بينما التوتر والتردي والقطيعة والتدخل في الشؤون الداخلية، والتهديد، والتآمر، نتاج سياسات حكومات البلدين في السنوات التي تلت استقلالهما. واقع الحال بين لبنان وسوريا، لا يختلف عن مثيله بين سوريا والأردن، وسوريا والعراق، ولا نتحدث عن القطيعة التاريخية المديدة بين سوريا وتركيا. فكأنّ العلاقات الطبيعية بين هذه الدول المتجاورة محرّمات لا يجوز التعاطي معها.
والحقيقة أن سوء العلاقات بين سوريا ولبنان، لا يعود إلى سوء فهم تاريخي بين الشعبين السوري واللبناني، كما يتصور البعض. فسوء الفهم هذا غير موجود عند الشعبين. ولا هو موجود عند شعوب البلدان التي عدّدناها. ورغم وجود إشكالات من الماضي هنا أو هناك، الا أن التاريخ لا يصنع سياسات. قد يساهم في وضع إيديولوجيات تستخدم لتبرير السياسات. لكنّ السياسة تصنعها مصالح القوى الاجتماعية النافذة. وعندما تُغيَّب الرقابة الشعبية وتزول القدرة على التأثير على نظم الحكم أو تكاد، كما هي الحال في بلدينا، تكون السياسات تعبيراً حصرياً عن مصالح الفئات الحاكمة والقوى الخارجية الداعمة لها. وهي عادةً، أي فئاتنا الحاكمة لا تنظر الى البعيد، ولا تهتمّ إلاّ بالآني، ترى مصالحها الضيّقة بعينين صاحيتين، وتزورُّ عن مصالح المجتمع.
لذلك لم تنجح بلادنا في إنجاز أي هدف كبير من الأهداف التي أعلنتها، ولا قطعت نحوه خطوات جدّية ( بالعكس فقد قطعت خطوات في الاتجاه المعاكس )، الأمر الذي يطرح مركزية المسألة الديموقراطية ( من حيث هي تمكين للمجتمع من توجيه الحكم وسياساته ) في كل بلد على حدة، من جهة، وترابط النضال الديموقراطي بين البلدان المتأثر بعضها بالبعض، وهي مسألة تهربت القوى السياسية العربية من مواجهتها. الديموقراطية هي قضيّة اليوم والغد، وهي قضيّة صراع داخلي شديد، يدافع فيه أصحاب السلطة عمّا يستأثرون به من ثروة ونفوذ بعيداً عن رقابة المجتمع وحسابه.
بل الصراع على الديموقراطية أشدّ ضراوة من النضال الوطني، مما يتطلب تعاضد الديموقراطيين وتبادل الدعم. على العكس من ذلك مارس بعض القوى السياسية سياسة الاستقواء بنظام استبدادي ضد النظام الاستبدادي الذي يحاربه هذا البعض، متجاهلاً محنة الديموقراطيين في البلد الذي ينشد العون منه. ومارس البعض الآخر اللعبة ذاتها مع الطرف الاستبدادي الآخر. نتائج مثل هذه السياسات لم تكن إلا التبعية والخيبة.
خلاصة القول، إنّ العلاقة وطيدة بين قضية الديموقراطية في سوريا وقضية الديموقراطية في لبنان، وانتصار أو انكسار الواحدة، ينعكس إيجاباً أو سلباً على الأخرى، مما يشير إلى واجبات القوى الديموقراطية ، بعضها تجاه البعض، والتي على عاتقها لا تقع مهمة انتزاع الحرية وبناء الديموقراطية وحسب، بل أيضاً تهديم أسوار العزل وبناء عالم آخر يصون كرامة الإنسان ويكفل له العيش الكريم.
بعد الحرب العالمية الثانية، ومن الخراب والدمار والجوع والموت وذكريات الاحتلال والمقاومة والنصر والهزيمة بين الأمم الأوروبية والملايين من الرجال والنساء الذين شاركوا في الحرب بطريقة أو بأخرى، انبعثت فكرة أوروبا موحدة تتجاوز كل هذا الماضي الثقيل، الذي يعيش بأمواته وأشباحه في الحاضر ويكاد يدمر المستقبل. انبعثت فكرة أوروبا موحدة، معتمدة على اتحاد الفحم والحديد، كقاعدة ماديّة، وعلى حُلم ( رؤيا ) بعض الرجال وارادتهم، قلّة من الرجال. ظلّت الشكوك تحيط بمشروع أوروبا الموحدة حتى الأمس القريب. ورغم ذلك قامت الوحدة فوق الأرض، التي نظّفت من خراب الحرب، وهاهي تشير للبشرية إلى طريق جديدة، لم تكن سالكة من قبل.
(دمشق)
كاتب سوري
أحمد فائز الفواز
النهار
الخميس 17
شباط
2005

   [ POSTED  @ 9:20 م ]


 

سورية ولبنان بعد الحريري
عبد الباري عطوان
جاءت جنازة الرئيس الراحل رفيق الحريري امس بمثابة استفتاء شعبي علي شرعية الحكومة اللبنانية الحالية، واحقية وجودها في قمة السلطة في لبنان. ومن سوء حظ هذه الحكومة ان اداءها كان منخفظا جدا في هذا الاستفتاء.فالحكومة اللبنانية التي غابت رسميا عن مراسم التشييع بطلب من اسرة الحريري، وتحريض من احزاب المعارضة، فقدت الكثير من شرعيتها، وباتت تعيش عزلة شبه كاملة، ربما تزداد اتساعا فيما هو قادم من ايام.وهذه هي المرة الاولي في تاريخ لبنان، يحضر فيها رئيس دولة بحجم جاك شيراك، الذي تعتبر بلاده الحليف الطبيعي الاوثق للبنان، الي العاصمة اللبنانية، ويحط علي ارض مطارها ولا يكون في استقباله رئيس الجمهورية، او اي وزير لبناني، وانما ابناء الفقيد الراحل، وكأن لبنان اصبح دولتين، واحدة للرئيس اميل لحود، واخري للرئيس الراحل رفيق الحريري.لبنان، وللأسف الشديد، ينزلق بسرعة قياسية نحو ظاهرة الاستقطاب الخطيرة، وباتت انقساماته واضحة للعيان يوم امس، في وقت هو بأمس الحاجة الي الوحدة الوطنية، والترفع عن الاحقاد والثارات والنعرات الطائفية.المعارضة اللبنانية التي تملك طروحاتها الكثير من المصداقية، لأنها طروحات تريد اعادة السيادة لبلادها، ودفعه بخطوات اسرع علي درب الاستقلال الحقيقي، استغلت هذه العواطف الشعبية المتأججة التي تجلت فيها لتحقيق مكاسب سياسية في معركتها مع احزاب الموالاة، ولكنها مكاسب محدودة جدا، لأنها لن تجد بلدا تحكمه اذا ما انزلقت البلاد الي الفوضي الدموية، مثلما يتوقع اكثر المراقبين تفاؤلا.نحن هنا لا نعفي الموالين للنظام من اللوم، كما اننا لا ننزه سورية والقابضين فيها علي الملف اللبناني. فتعديل الدستور بالطريقة التي تم عليها، وبما يؤدي الي التمديد للرئيس لحود لثلاث سنوات، كان المفجر لكل الأزمات الحالية التي يعيشها لبنان، وتهدد وحدته وسيادته واستقلاله. كما ان اتهام رئيس الوزراء اللبناني عمر كرامي المعارضة بالخيانة والعمالة خرج عن كل الاعراف، واشعل فتيل القطيعة.لا شك ان ما حدث في اليومين الماضيين صب في مصلحة المعارضة، ووسع من حجم جبهتها اللبنانية، واضاف اليها زخما سنيا كبيرا كانت تفتقد اليه، ولكن هذه المعارضة ستكتشف، وبعد هدوء عواطف الجنازة وتراجع احداثها وصورها من صدر نشرات التلفزة والصفحات الاولي للصحف اليومية، انها تساهم بدور كبير في جر البلاد الي مواجهة ربما تكون الاخطر في تاريخها، وتفتح الابواب علي مصراعيها امام التدخلات الخارجية، وهي التدخلات التي طالما اشتكت منها، وطالبت بمنعها، حفاظا علي سيادة لبنان واستقلاله، وكأن التدخل الامريكي ـ الفرنسي حلال زلال، اما التدخل السوري فمن اكبر الكبائر!لم يكن السيد وليد جنبلاط موفقا، وهو السياسي الحصيف، والشخصية الوطنية المحترمة، عندما لم يمانع بوضع بلاده تحت الانتداب الدولي، كما ان زملاءه جانبهم الصواب عندما طالبوا بلجان تحقيق دولية لمعرفة الجهة التي تقف خلف اغتيال السيد الحريري. فالمعارضة حق مشروع، ولكن الغاء الدولة وسيادتها وكرامتها، ونسف مؤسساتها وسحب الشرعية منها شيء مختلف كليا. فالرئيس لحود ليس حاكما مخلدا للبنان، كما ان الوجود السوري يظل عرضيا ومصيره الي الزوال.سورية ارتكبت اخطاء كارثية في لبنان، عندما تعاملت اجهزتها الأمنية مع هذا البلد وابنائه كما لو انه بلد قاصر، وشعب ناقص الاهلية، ولكن معالجة هذه الاخطاء باللجوء الي الاجنبي، والولايات المتحدة الامريكية علي وجه الخصوص، ربما يكون خطيئة كبري. ولكن سورية ايضا لها فضائل علي لبنان واهله، ولولا تدخلها المكروه هذا لما ظل لبنان لبنانا، ومن سمو الاخلاق عدم نسيان هذه الحقيقة. ونشعر بالحزن الشديد ونحن نري العمال السوريين الابرياء يتعرضون للضرب من قبل الجموع اللبنانية الغاضبة، فهؤلاء ربما يختلفون مع نظام بلادهم اكثر من اللبنانيين الغاضبين انفسهم، وجاءوا الي لبنان هربا من الفقر والظلم وبحثا عن لقمة العيش التي لم توفرها لهم حكومة بلادهم.سورية باتت مستهدفة، واغتيال السيد الحريري بهذه الطريقة الاجرامية البشعة ربما يسرع المخططات الحالية الرامية للانتقام منها، ليس بسبب اخطائها في لبنان، وانما لعدم تعاونها لانجاح المشروع الامريكي الفاشل في العراق، وتحويل سورية الي دولة فاشلة علي النمطين العراقي والافغاني لن يخدم لبنان ووحدته واستقراره، بل ربما يؤدي الي تفجيره من الداخل، وتحويله الي ملاذ آمن لكل من يريد ان يقاوم امريكا واسرائيل.وربما يفيد التذكير بأن الأكثرية العراقية الموالية للاحتلال الامريكي لم تنجح في ضبط الاوضاع، واقامة دولة مستقرة، رغم انها تستند الي مئة وخمسين الف جندي امريكي مدججين بأحدث الاسلحة المتقدمة من كافة الانواع والاصناف.لبنان بحاجة الي عقلاء من الجانبين، المعارضة والموالاة، للانخراط في حوار بناء بعيدا عن الاحقاد والنزعات الانتقامية لانقاذ البلاد، وتصحيح العلاقة مع سورية بعيدا عن كل اساليب الاستقواء بالاجنبي الامريكي.بقي ان نقول بأن سورية تتحمل المسؤولية الأكبر مما جري ويجري وسيجري علي ارض لبنان، وربما يكون طريقها الوحيد لاصلاح خطاياها هو الانسحاب وبسرعة، وترك اللبنانيين يحلون مشاكلهم بعيدا عنها وعن تدخلات اجهزتها الامنية، فلعلها بهذه الخطوة تسحب الذرائع ممن يريدون اذلالها، سواء في لبنان او واشنطن.
القدس العربي 2005/02/17

   [ POSTED  @ 10:59 ص ]



   2005-02-16  

وردة ســـــوريــة علـــى صـــدر لبنان الجريح
رغم هول الجريمة وشدة الفاجعة التي أصابت لبنان وشعبه، تنجلي الصورة اليوم وتسقط الاقنعة. لكن، وكما هي الحال مع معظم الجرائم السياسية الكبرى في لبنان، يبدو أنه من غير الوارد اليوم أن يتم وضع اليد على مخططي جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومنفذيها. فهذه الجريمة النكراء والحدث السياسي الجلل في تاريخ لبنان والمنطقة، من الغالب أن يظل المخططون الفعليون لها بعيدين عن يد العدالة. فهؤلاء هم الحاضرون الغائبون وهم الرقم الاصعب في معادلة نزع الوصاية واستعادة لبنان سيادته واستقلاله وعودة الديموقراطية الى سوريا.اذاً، ومع بقاء الفاعل مبنياً للمجهول، يمكن منذ الآن المجازفة بقراءة بعض التداعيات المباشرة لهذه الجريمة على لبنان والمنطقة:

-1 اسلوب العملية الاحترافي وما يتطلبه من تحضيرات لوجيستيكية، يبين بكل وضوح أن هناك أجهزة مختصة ومنظمة تقف وراء هذه العملية. والسؤال الكبير هو: في أي مستوى سياسي او أمني تم اتخاذ القرار بتصفية الرئيس الحريري؟ واذا كانت تداعيات اغتيال الرئيس الحريري على لبنان وسوريا والمنطقة ستكون غاية في الخطورة، فالاكيد أن الجهة التي قررت التخلص منه، كانت ترى في بقائه خطراً أكبر عليها من ذلك الذي يمكن أن ينشأ من تداعيات بسبب اغتياله.

-2 ستواجه المعارضة استحقاق الانتخابات النيابية، هذا في حال تم، بغياب الرئيس رفيق الحريري أحد أهم أركانها وزناً وتأثيراً. واذا افترضنا قيام الانتخابات وتمكن المعارضة فيها من الفوز بغالبية المقاعد النيابية، فإنها ستواجه استحقاق تشكيل الوزارة في غياب فادح في صفوفها لرجل يمكنه أن يتبوأ سدة رئاسة الوزراء ويكون بحجم الرئيس رفيق الحريري. لقد تم سرقة الانتصار الانتخابي من المعارضة قبل وقوعه.

-3 الطائفة السنية اللبنانية، هي الاخرى، اصبحت ميتّمة. وليس هناك في المستقبل القريب والمنظور، أي شخصية سياسية سنية قادرة على لعب الدور القيادي السياسي والاقتصادي ذاته الذي لعبه الرئيس رفيق الحريري داخل طائفته.

-4 مع اختلاف الزمن والشخصيتين، فإن هناك امراً مهماً يجمع كمال جنبلاط برفيق الحريري، فالرجلان نجحا في نسج تحالفات سياسية أوسع بكثير من طائفتيهما ولعبا دوراً وطنياً لبنانياً بامتياز. ترى أمن أجل هذا قتلا؟

-5 الرئيس الحريري، ليس فقط زعيماً سنياً او لبنانياً، أنه كذلك لاعب على الساحة السورية والاقليمية والدولية. علاقاته ومصالحه وشبكات نفوذه تمتد الى كل من سوريا والسعودية وفرنسا والغرب عموماً. وهذه جميعها مستهدفة بشكل او بآخر من عملية الاغتيال هذه

.-6 سيعتبر الرئيس شيراك، الصديق الشخصي للحريري، بأن عملية الاغتيال تستهدفه شخصياً كما تستهدف مواقفه الاخيرة تجاه لبنان وسوريا. لذلك من غير المستبعد أن تتجذر هذه المواقف وتزداد حدة، وأن يستخدم شيراك كل ما يملكه بلده من نفوذ، لتنفيذ القرار 1559.

-7 بدورها لن تفوّت الولايات المتحدة الاميركية هذه الفرصة، لزيادة الضغوط على النظام السوري وحشره في الزاوية وانتزاع المزيد من التنازلات منه.

-8 هناك احتمال كبير بأن تكون تداعيات عملية الاغتيال كبيرة على النظام الحاكم في سوريا. ومن المؤكد ان الضغوط الدولية ستشتد عليه، ومن غير المستبعد أن يتم فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على سوريا من خلال مجلس الامن.

-9 قوة شبكة المصالح المتبادلة والتداخلات المالية والسياسية الموجودة حالياً بين المستفيدين في البلدين من الوضع القائم، تدل على أن المضي قدماً في طريق استعادة لبنان سيادته واستقلاله، يستدعي حصول تغيرات حقيقية في الداخل السوري في اتجاه الاصلاح والانفتاح. ومن هنا صعوبة المسألة وتعقيدها.

-10 الذين نجحوا في اغتيال الرئيس الحريري، سيزداد نجاحهم اذا هم استطاعوا زرع الخوف والرهبة في صفوف المعارضين.

الزمن اليوم للكلام والفعل الجريء والحر والمسؤول.باليد التي تمسك في هذا اليوم الحزين بالقلم، أقدم وردة حمراء مضرّجة من سوريا الصامتة والمكبلة، من سوريا المشتهاة، على صدر لبنان الجريح. من كمال جنبلاط الى رفيق الحريري، جميعهم قضوا، وبقي لبنان وسيبقى.
محمد علي الاتاسي
الأربعاء 16 شباط 2005 النهار

   [ POSTED  @ 2:26 م ]


 

مــــوقــــــع الـجــــــولان فــي الــوعــــــي الـســــــوري الـحــــــالــي

مــــوقــــــع الـجــــــولان فــي الــوعــــــي الـســــــوري الـحــــــالــي
سجناء سوريون؟ في إسرائيل؟ يبدو هذه غريبا. متى اعتقلوا وكيف؟ هل حاولوا التسلل والقيام بعمليات ضد المحتل على غرار بعض المواطنين الذين يحاكمون الآن امام محكمة أمن الدولة العليا الفائقة الشهرة؟ ومن أين؟ من الجولان؟ يكاد لا يخطر في بال أن السجناء السوريين يمكن أن يكونوا من الجولان، وان نظام الاحتلال سجنهم لأنهم قاوموه بهذه الصورة او تلك. حين أشار رينود ليندرز من "المجموعة الدولية لمقاربة الأزمات" إلى الموضوع، شعرتُ بالعار: ليست لديّ ايّ فكرة عن عددهم وعن ظروفهم ولا أتواصل مع أي منهم. ورغم اني قرأت بضع مقالات لأيمن ابو جبل لم يخطر في ببالي أن أحاول التواصل معه. وها هو هولندي يلفت نظري إلى قضية سجنائنا.
إلى هايل ابو زيد
غياب قضية السجناء السوريين عن بال عامة السوريين جزء من هامشية موقع الجولان وخفوته في وعينا وتفكيرنا. احتلته إسرائيل فنسيناه كأننا تحررنا من عبء. بصرف النظر عن أية أسباب لهذا الوضع فإنه شاذ وغير عقلاني وجدير بنا ان نشعر بالخزي حياله. وعلى كل حال لا اسباب تجعل الخزي خزيا أقل. الجولان وسكان الجولان وقرى الجولان وتاريخ الجولان ليست حاضرة في نقاشنا السياسي (المفرط التسييس) ولا في ثقافتنا (المفتتة وغير الفاعلة) أو في مجتمعنا المدني (المحطم) أو في نشاط حقوق الإنسان (المؤدلج والبائس) في بلادنا. هيئات حقوق الإنسان لا تضمّن بياناتها معلومات عن الأسرى السوريين في السجون الإسرائيلية: هل عددهم 11 أم 20؟ كيف يعيشون؟ في اية سجون؟ كم تبلغ أحكامهم؟... ولم تتحدث اي منها عن هايل ابو زيد (أفرج عنه حديثاً بعد قرابة 20 عاما في السجن ويعالج من سرطان الدم في مشفى بحيفا)، او تجري حوارا مع ايمن ابو جبل أو تراسل حسان شمس. الجولان منفصل عن سوريا لا لوقوعه تحت الاحتلال فحسب ولكن لهامشيته السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية بالنسبة الى الوطن الأم. ولذا لا ترتد المشكلة التي يطرحها هذا الانفصال إلى ضرورة قيام الحكومة بالتزامات بديهية حيال أهالي القسم المحتل بل تتعداه إلى وجوب توطين الجولان في الوعي والثقافة والذاكرة السورية، ولا تختزل إلى التغلب على حواجز الاحتلال المادية بل تتجاوزه إلى تكثيف شبكات التواصل والتفاعل المعنوي والشراكة الوطنية بين السوريين الذين يفصلهم المحتل. لا مجال للمقارنة بين موقع الجنوب قبل ايار 2000 في وعي اللبنانيين وموقع الجولان في وعي السوريين اليوم. هذا يقول شيئا عن سوريا ولبنان اكثر مما يقول عن الجولان والجنوب.
أما أن تكون "الحكومات السورية المتعاقبة" قد "تنصلت من اي التزام أو استحقاق حيال اهالي الجولان المحتل، سواء على صعيد البنى التحتية او المراكز الخدمية"، وأما انها "لم تساهم في بناء مدرسة أو مركز صحي أو ثقافي منذ وطئت أقدام المحتلين أرض الهضبة"، فشأنان يندرجان في علاقة غير سوية بين النظام السوري ومجتمع الجولان (والمجتمع السوري) ككل (الاقتباسات من حسان شمس: الجولان المحتل: تقصير رسمي، النهار 2/12/2004). فالنظام مهتم بالجولان كقضية لا كمجتمع حي، كتجريد نضالي لا كحياة يومية قاسية في ظل احتلال كثيف الحضور. ومصدر تلك الأولويات اللاإنسانية هو أسبقية مقتضيات السلطة والشرعية الداخلية عند النظام على أي شيء آخر. الجولان نفسه من تلك المقتضيات. ووقوعه تحت الاحتلال يحرر من كل التزام حياله ويغني عن متابعة أوضاع مواطنيه وقراه الخمس وسكانها العشرين الفا. المفارقة أنه يناسب هذا الشكل من الشرعية أن يكون الجولان محتلا لا محررا، وأن تكون اوضاع الجولانيين أسوأ لا أقل سوءا، وأن تتفاقم معاناتهم عوض أن تخف. فالأوضاع السيئة في الجولان تخلق قضايا جيدة في دمشق وتدر شرعية مضمونة على نظام حكمها. هذا وجه أساسي من وجوه اللاعقلانية السياسية التي تفتك بسوريا وبالسوريين جميعا: تكرَّم القضايا، فيما يُذلّ الناس ويُسحقون. من الطبيعي ألا يهتم العقل السياسي المتمحور حول "القضايا" ببناء شروط داخلية تقوّي ارتباط الجولانيين ببلدهم وتبعث في نفوسهم الاعتزاز والفخر به. يقول حسان شمس في المقالة المشار إليها إن لا شيء يشغل بال مواطني الجولان أكثر من وطنهم "ابتداء من اعتقال عدد من أعضاء مجلس الشعب وآخرين من أصحاب المنتديات الفكرية والمدافعين عن حرية الرأي، مرورا بحادث المزة والعقوبات الأميركية... وصولا إلى القرار 1559". هذه الإشارة تلقي ضوءا ساطعا على سبب ضعف اهتمامنا بسجنائنا في إسرائيل: فقد ثلم حساسيتنا حيال عدوان المحتل ووحشيته تطبيع السجن والقسوة في بلادنا. ورغم أن السجون الإسرائيلية وأجهزة الأمن الإسرائيلية تسجل معدلات قياسية من القسوة والحقد والوضاعة، وفوقها جميعا العنصرية، فإن تلوثنا الأخلاقي يخذل قدرتنا على النقد ويفل حدة شعورنا ببشاعة الاحتلال.
يشير شمس في مقالته إلى قضايا الفساد وسد زيزون والمشكلة الكردية وقانون الطوارئ، ويسجل تناقضا رصده أحد مواطني الجولان بين اعتقال "اثنين من أعضاء برلماننا" لمجرد دعوتهما إلى "إصلاح احوال العباد" وبين احتفال الفضائية السورية بقضية عزمي بشارة الذي استطاع "انتزاع حقه عبر قضاء الدولة المحتلة، فيما فشل آخرون في تحصيل حقوقهم من سلطتهم الوطنية!"؛ يشير إلى ذلك كله ليشخص "تردي مستوى العمل الوطني ووتيرته على ساحة الجولان في السنين العشر الأخيرة".
هذه كلها عوارض لسياسة نظام منشغل بسلطته وصورته وشرعيته أولا. ومن وجهة نظر هذه السياسة، الجولان القضية أو الجولان الأرض اهم من الجولان المجتمع والتعليم ومستوى المعيشة والتفاعل الإنساني وعشرات السجناء. الجولان القضية يمنح سلطة مطلقة فيما لا يمنح الجولان الحي سوى سلطة نسبية وخاضعة للمساءلة. ولعله لذلك بالذات، فإن سوريا ذاتها محض قضية، ومعاناة السوريين، مهما بلغت، تبقى نسبية في مقياس "القضية" التي وحدها مطلقة.
ولعل أحدا لم يعبّر عن تلك السياسة أكثر ممن وصف بأنه "مسؤول رسمي سوري" اعتبر مشكلة الأسرى مشكلة "تقنية" قبل ان يضيف "نريد حل القضية الحقيقية الأصلية، الانسحاب من الجولان" ( روبرت مالي ورينود ليندرز، عروض سوريا تحتاج إلى تتمة، "السفير" 27/12/2004). تلخص في هذه العبارة كل فلسفة الحكم في سوريا: "القضايا الحقيقية الأصلية"، أو "المصيرية" في لغة اخرى، او "الكبرى"، هي وحدها التي "نريد حلها". أما حياة هايل ابو زيد مثلا، وكذلك قضايا الحريات والقانون والتعليم والعمل فهي "مشكلات تقنية" تقبل التأجيل. وواضح أن حرية الجولان تنتمي إلى عالم مختلف تماما عن حرية الجولانيين (دع عنك السوريين الآخرين): عالم "القضايا الحقيقية والأصيلة" مقابل عالم "المشكلات التقنية".
المشكلة أن هذا التناول غير عقلاني حتى من وجهة نظر براغماتية وتفاوضية، بل ودعائية. فمن مصلحة سوريا أن تبقى قضية الأسرى السوريين ومستوى حياة السوريين والخدمات في الجولان حية وقيد التداول كي تكون مصدر ضغط على إسرائيل. ومن مصلحة سوريا ايضا بروز مجتمع جولاني حي ومتفاعل، موحد وقادر على التعبير عن نفسه بعمق وقوة. وتقتضي المصلحة السورية توسيع دائرة التفاعلات بين السوريين على ضفتي الحدود. وهذا ما يجدر بالقادرين من المواطنين السوريين، مثقفين وناشطين ...، ان يبدوا مزيدا من الاهتمام به. فالجولان قضية اهم من أن تترك لأجهزة سلطة منشغلة بصورتها ونفوذها قبل اي شيء آخر. وإنه لمما يحز في النفس المقارنة بين اهتمام الإسرائيليين بمصير رون آراد أو حتى بجثة إيلي كوهين الذي اعدم في دمشق قبل قرابة 40 عاما، وبين اهتمامنا، سلطة ومعارضين ومثقفين، بالجولان ومواطنينا الأسرى من اهله. من الطبيعي أن ينعكس هذا مرارة واسى في قلوب الجولانيين، والأسرى في الخصوص.
يقول هايل ابو زيد إن السجناء اللبنانيين والفلسطينيين كانوا يحسدون السجناء السوريين على أن وراءهم دولة وجيشا، ما يفترض ان يعني أن مقامهم في سجون المحتل لن يطول. ما حصل فعلا لم يقتصر على تحرر سجناء لبنانيين وفلسطينيين وعرب آخرين في الصفقة التي فرضها "حزب الله" على المحتل وبقاء السوريين رهائن محبسَي سجون الاحتلال الإسرائيلي والنسيان من دولتهم، بل تعداه إلى إن السيد حسن نصر الله سوغ استثناء الأسرى السوريين بكونهم حائزين الجنسية الإسرائيلية. المعلومة هذه ليس خاطئة فحسب، بل إن المفصل الأساسي لمقاومة الجولانيين للاحتلال وسبب وجود الأسرى السوريين في السجن هما رفضهم الجنسية الإسرائيلية حين ضمت حكومة بيغن الجولان عام 1981.
يرى هايل أيضا (36 عاما، منها 20 في السجن) أن "بقاءنا في الأسر الإسرائيلي عشرين عاما هو مدعاة للخجل لكل المسؤولين في سوريا" (حوار معه أجراه موقع "اخبار الشرق" الإلكتروني، 30/1/2005). ويتساءل "إن كانت عظام جاسوس إسرائيلي أثمن من زهرة شباب، أو حرية، أو حياة، عشرات الأسرى الجولانيين الذين يقبعون في المعتقلات الإسرائيلية؟". ويعلق: "اعتقد ان حياة المواطن السوري يجب ألاّ تكون بهذا الرخص". ويقترح مبادلة عظام كوهين بأسرى الجولان وبأعداد من الأسرى العرب الاخرين "وخاصة الأسرى ذوي الملفات الصعبة، وأخص بالذكر أولئك الأسرى من عرب 1948 والقدس، الذين ليس هناك من يطالب بهم وهم يقضون أحكاما مؤبدة".
تعطي هذه الاقتباسات فكرة حية عن المقاربة الإنسانية والتحررية لقضية الجولان الأسير وأهله. وهي مقاربة تتعارض بصورة جذرية مع عفونة المقاربة السلطوية المتمركزة حول الشرعية ولا عقلانيتها ولا إنسانيتها، والتي تتحدث عن "القضايا الأصلية والحقيقية".
ما يضفي مزيدا من التعقيد على المسألة أن إهمال السلطات السورية لمواطنيها الأسرى يهين المكافحين لتحرير الجولان ويقوي موقع "الناس الذين نحاربهم في مجتمعنا، (...) الذين انحرفوا عن الخط الوطني والالتزام بالانتماء الى سوريا"، بحسب هايل ابو زيد في حديثه الى "أخبار الشرق" (يسجل لهذا الموقع الوثيق الصلة بالإسلاميين السوريين أنه ثابر على الاهتمام بقضية الجولان دوما وكان سباقا إلى تغطية اخبار الجولانيين والاهتمام بأسراهم).
عانى الجولانيون انقساما وجدانيا مستمرا بين الدافع نحو مقاومة المحتل وما تبثه أوضاع بلدهم فيهم من إحباط وخيبة، وكانت مقاومتهم للمحتل مغالبة لمشاعر الإحباط تلك وجهادا ضدها. ولا شك في انه لو كانت الأحوال السورية أكثر استواء واقوى دعما لكانت قاعدة المقاومة أوسع وأكثر فاعلية. وإذا كانت أصواتهم تعلو اليوم أكثر واكثر في نقد تعامل الحكم السوري مع الجولان، ما تعبر عنه مقالة حسان شمس وحوار هايل أبو زيد، فلأن "مرارتهم فاضت" ولم يعد الصمت يطاق. وما يزيد المأسوي مأسوية أن بعض السر في هامشية الجولان في وعينا يكمن في كون الشأن الجولاني شأنا سياديا أو "قضية حقيقية اصلية". في اللغة الرسمية السورية لا يعني هذا الكلام ان الجولان شأن يهم السوريين جميعا، وإنما هو شأن مقصور على حفنة صغيرة في قمة هرم السلطة. الشأن السيادي قضية "أمن قومي" ملفعة بالخوف والأسرار وليس قضية مصيرية تمس حياة سكان البلاد وأجيالهم. وهو وسيلة لعزل السوريين عن قضاياهم العامة لا لحفز اهتمامهم بها.
يعتقد رينود ليندرز أن مسألة السجناء السوريين في السجون الإسرائيلية مسألة سياسية من النوع الممتاز، بند يحرص المفاوض الشاطر على حشده في اجندته. إنها ليست كذلك للأسف. ليست مسألة سياسية لأن ليس ثمة سياسة، ليس للسياسة منزلة مستقلة عن "القضايا الحقيقية والأصلية" التى تخدم في عزل السوريين عن عالم السياسة.
إن نسيان السجناء السوريين في بلدهم اخطر واغنى بالدلالة من وقائع سجنهم المريعة نفسها. دلالتها اننا مجتمع ذاهل عن نفسه، أسير، هو ذاته، للضياع والتشوش والغربة والخوف. مجتمع "أكل قتلا" حتى شبع باسم "القضايا الحقيقية الأصلية"، ولم يعد يشعر بشيء. وإن استعادة سوريا لوعيها وتحرير ذاكرتها هما أول استرجاع الجولان الضائع.
ياسين الحاج صالح
ملحق " النهار " العدد 675 -الأحد13 شباط 2005

   [ POSTED  @ 2:21 م ]


 

خياران للدولة السورية بعد الانتخابات العراقية

من المرات النادرة التي يحصل فيها نوع من الإجماع على أن ثمة مرحلة مقبلة ستكون صعبة وربما قاسية جداً على السياسة السورية، فنجاح العملية الانتخابية في العراق يعني في أحد وجوهه نجاحاً للسياسة الاميركية في المنطقة وتالياً حضوراً أوضح وأكثر جدية لضغوطها على النظام السوري والتي يرجح أن تطاول هذه المرة ليس فقط دوره الإقليمي وإنما أيضاً البنية الداخلية وضرورة تغير بعض آليات السيطرة السياسية.
في الأمس القريب أجمع المراقبون على ربط ضغوط واشنطن على الحكم في سوريا بحاجتها لتحوير دوره الإقليمي في خدمة مخططاتها بما في ذلك مقايضة صمتها عن سياساته الداخلية وهيمنته على لبنان بتنازلات يقدمها في صيغ تعاون صريح وملموس لضمان أمن العراق واستقراره. لكن بعد الانتخابات العراقية تبدو إدارة البيت الأبيض أكثر تحرراً من هذا العبء مما قد ينعكس مزيداً من العزم في ممارسة ضغوطها السياسية والاقتصادية ومزيداً من الجدية في مطالبها بإجراء إصلاحات سياسية، والأهم مزيداً من الحزم لفك ارتباط الوضع اللبناني بسوريا مما يرجح احتمال تشددها في تطبيق كامل القرار 1559 دون أن يعني ذلك أن الأمور لن تشهد في بعض اللحظات والمحطات عودة لسياسة الابتزاز والمقايضة وبناء التفاهمات.
من جهة ثانية يفضي نجاح الانتخابات العراقية موضوعياً الى تراجع وقع عمليات القتل والتفجير في الحياة السياسية العراقية وقد سقط الرهان على تهديداتها في إفشال المسار الديموقراطي، لتتراجع تالياً أهمية ورقة التدخل بأمن العراق واستقراره التي عولت عليها دول الجوار لإرباك الخصم الاميركي والبحث عن دور أفضل في المسرح الجديد. وإذا كان من المبكر توقع انحسار العمليات العسكرية وشدة تواترها لكن ثمة بداية يمكن تلمسها في انكماش كتلة المتعاطفين معها، وان ببطء وبصورة متدرجة، بدليل الاعتدال الذي بدأ يسم خطاب بعض زعامات الطائفة السنية في التعاطي مع نتائج العملية الانتخابية.
أيضاً أثار زخم اندفاع العراقيين الى صناديق الاقتراع هموم السوريين الديموقراطية وكشف عمق معاناتهم من غياب الحريات المزمن، وبت تسمع أصواتاً ما كانت لتجرؤ بعد سنين طويلة من القمع وقهر الرأي الآخر على كشف مشاعرها ومواقفها الديموقراطية، ناهيك عن أن نجاح الانتخابات عزز هزيمة العقلية الوصائية وهز بقوة الصورة التي روج لها عن نجاعة نموذج الحكم الشمولي، كل ما سبق يعزز قلق النخبة الحاكمة في سوريا وخشيتها من أن يهدد تقدم عراق ديموقراطي الاستقرار القلق لنظام لا يزال يعتمد أساليب الاستبداد ويرعاها، ويضعها أمام تحدٍ حقيقي لصياغة أشكال جديدة في بنية الحقل السياسي وعلاقاته، الأمر الذي يحاصر محاولات بعضها للإفلات من استحقاق الإصلاح الديموقراطي، كما يضعف الممانعة الشرسة ضد التغيير التي تبديها قوى متنفذة ومنتفعة من بقاء القديم واستمراره.
فلا شك سوف ينعكس الحصار الذي يحتمل أن يشتد على السياسة السورية بعد الانتخابات العراقية ويهدد وزنها ودورها الإقليميين اضطراباً وارتباكاً ليس فقط في أدائها الخارجي وإنما أيضاً في طرائق سيطرتها الداخلية، مثلما انعكس نجاحها في تحسين شروط حضورها الإقليمي عنصراً رافداً وداعماً لتأكيد الهيمنة وتمتينها داخلياً. فمعايرة وزن أي سلطة في شبكة العلاقات الإقليمية هو أحدى الطرائق الأساسية لقياس قوتها ومدى ثبات مصالحها وامتيازاتها، خاصة إذا كانت على شاكلة السلطة السورية تستمد شرعيتها في الحكم من أيديولوجيا وطنية وقومية وليس من آليات سياسية ديموقراطية.
إن احتمال ارتفاع حرارة الضغوط الاميركية على السياسة السورية في المرحلة المقبلة يضعها هذه المرة وأكثر من أي مرة على مفترق طرق لاختيار مسارٍ من بين توجهات متعددة بأمل وقف التدهور الحاصل أو على الأقل تجاوز حال الاضطراب والارتباك التي تكتنفها، ومن بين هذه التوجهات ثمة خياران رئيسان ومتعارضان في آن واحد.
الأول، إصرارها على الدفاع عن الوضع القائم وخوض الصراع المفروض عليها بالممانعة والمماطلة في إجراء أي تغيير جدي أو جوهري على طرائق الحضور الإقليمي وأساليبه، بما في ذلك محاولة لجم الضغوط الاميركية بتوظيف ما لديها من قوى وأوراق تكتيكية في محيطها الإقليمي، اللبناني أو الفلسطيني أو العراقي، مثلاً تنشيط دور "حزب الله" وتأزيم الحال اللبنانية والتشجيع على توتير أجواء الصراع في الأراضي المحتلة لإفشال المسار السلمي الذي بادرت القيادة الفلسطينية الى تبنيه او اعاقته، وأيضاً الرهان على ما يساعد في خلخلة الأوضاع العراقية، أمنياً وسياسياً لإشغال السياسة الاميركية وكف أذاها. وتلقائياً يتطلب هذا المسار تحويل الداخل الى ما يشبه قاعدة مواجهة، وما يترتب على ذلك من اندفاعات قمعية لإحكام الضبط والسيطرة الأمنية، تتوج بعودة مظفرة لسياسة القبضة الحديد وخنق هوامش الحراك الشعبي والسياسي المحدودة، وتالياً المزيد من العزلة والانغلاق.
هذا الخيار يحمل في أحشائه مخاطر جمة، فان نجحت السياسة السورية في الماضي عبر وسطاء متعددين في الرد على محاولات عزلها وإضعافها، وأحياناً لإرباك خصومها أو الضغط عليهم، لكن الأمور سوف تأخذ اليوم منحى مختلفاً تماماً. فإثارة الاميركيين في العراق وتسخين الجبهة اللبنانية وتحريك الصراعات الفلسطينية ربما ينقل المعركة، بل هو الاحتمال الأرجح، من معركة بالوساطة إلى معركة ضد الأصل، خاصة أن اللعبة باتت مكشوفة وتحت أضواء ساطعة ولم تعد المسافة بين الوكيل والأصيل تؤخذ في الاعتبار. وكلنا يتذكر الغارة التي شنت ربيع العام المنصرم على موقع عين الصاحب قرب دمشق، والتهديدات الإسرائيلية ضد سوريا اثر عملية بئر السبع ومثلها التهديدات والضغوط الاميركية لكف اليد السورية عن العراق وما أشيع عن توغل متكرر للقوات الاميركية في الأراضي السورية في محاولة لضبط الحدود واقتفاء آثار المتسللين.
الخيار الثاني، وهو الأرجح في ظل الشروط الإقليمية والعالمية الراهنة لكنه الأصعب على السلطة السورية والأفضل لخير المجتمع ومستقبله، يقوم على تعاطي عقلاني مع الواقع القائم واتجاهات تطوره تحسباً من أن تصل الأمور إلى حافة حرب شاملة محسومة النتائج سلفاً في ضوء اختلال موازين القوى، مما يستدعي المسارعة الى استثمار مساحات الوقت الضائع لكن هذه المرة ليس من أجل الركون الى أوراق الضغط ومنطق حسابات القوة والتوازنات العسكرية بل من أجل تصحيح العلاقة مع لبنان وتحصين البيت الداخلي ديموقراطياً بإطلاق دور الإرادة الشعبية في مواجهة ما يستجد وأيضاً الرهان على الشرعية الدولية ومنظماتها لرد الضغوط وتهدئة أية اندفاعات عدوانية إسرائيلية أو اميركية، كبديل لا غنى عنه لتجنب ما هو أسوأ، ربطاً مع اضمحلال ما كانت تملكه سوريا من تحالفات عالمية وإقليمية في ظل اهتراء النظام السياسي العربي وانحسار الدورين الروسي والإيراني الداعمين لها تاريخياً، ثم تراجع حظوة الرعايتين الفرنسية والأوروبية.
ولعل المجدي في مواجهة الأساليب العتيقة التي كانت تدار بها الأزمات الإقليمية هو تقدم سياسة من نوع آخر تأخذ في الاعتبار هذا المتغير النوعي في توازن القوى وتتعامل ليس مع منطق الرغبات بل مع حقيقة ما يحصل على الأرض كي لا تغدو نوعاً من المغامرة أو المجازفة غير المحمودة النتائج. كما أن المنطق الطبيعي يؤكد على أن ثمة تناسباً طردياً بين شدة الضغوط الخارجية وضرورة الانفتاح السياسي وأن من الضروري في ظروف الحصار والأزمات المبادرة نحو تغيير علاقات السلطة مع المجتمع لتوفير المناخات المساعدة على الوحدة والتلاحم.
لقد " نفض البعض يده " من السلطة وفقد الثقة بدورها ووعودها الإصلاحية بعد مراوحة في المكان دامت سنين وسنين، لكن اليوم يصح المثل القائل " مكره أخوك لا بطل " مما يعني أن النظام السوري بات مجبراً أكثر من أي وقت على التغيير وخصوصاً لجهة نقد العقلية السياسية القديمة وربما اقتلاعها من جذورها. فالخروج من أتون الظروف العصيبة التي يعيشها تعني الالتفات أساساً صوب مهمة مركزية يَنْظُمها خيط واحد هو إجراء إصلاحات ديموقراطية جدية وجريئة تؤدي إلى تغيير صورة السياسة السورية نوعياً في أوساط الرأي العام العربي والعالمي كي تلامس المعايير والتوجهات العامة حول الحريات وحقوق الانسان واحترام إرادة الجماعة الدولية، وأيضاً المبادرة لنزع صواعق التفجير الداخلي بتقديم تنازلات مجزية للمجتمع وقواه الحية بدءاً من تخفيف حضور القبضة القمعية ودرجة استئثارها بالثروة والأنشطة السياسية والاقتصادية، انتهاءً بضمان حقوق الناس وبصورة خاصة حرياتهم السياسية وحقوق المواطنين الأكراد.
ربما من المجازفة القول أن ثمة أملاً بحصول التغيير المرتقب أو بعضه، وتغذيه شائعات تنتشر عن عزم النخبة الحاكمة استثمار فرصة انعقاد المؤتمر القطري لحزب البعث في مطلع الصيف المقبل، للبدء بإجراء إصلاحات واسعة يفترض أن تعيد صياغة أشكال جديدة من العلاقة مع المجتمع تأخذ في الاعتبار مصا