unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-03-05  

الاسد يستنجد ولا من مغيث: القدس العربي

لم يصدر حتي هذه اللحظة اي تصريح عن مسؤول عربي، كبيرا كان او صغيرا، يؤيد بقاء القوات السورية في لبنان، او يقبل

باعادة انتشارها وتجمعها في منطقة البقاع. الامر الذي يكشف مدي عمق مأزق النظام السوري في لبنان، وربما في سورية نفسها في مرحلة لاحقة.

وكان لافتا ان الرئيس السوري الشاب بشار الاسد الذي ورث نظاما امنيا مهترئا، وسجلا اسود في انتهاكات حقوق الانسان، امضي اليومين الماضيين مستنجدا بحلفائه في الرياض والقاهرة، الذين هم اقرب حلفاء امريكا، طلبا للنجدة، ولكن استغاثاته هذه ذهبت ادراج الرياح. فقد سمع من القاهرة والرياض ما سمعه ويسمعه علي لسان الرئيس بوش، اي ضرورة الانسحاب بسرعة من لبنان والا مواجهة عواقب وخيمة.

فالامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي الذي زاره الرئيس بشار في الرياض امس املاً في توفير مظلة عربية تخفف الضغوط الامريكية علي حكومته، وتتوسط لتطويق الازمة السورية اللبنانية، اكتفي بتوجيه النصح بالانسحاب بسرعة من لبنان و الاعلان عن جدولة لهذا الانسحاب .

وهذه النصيحة السعودية القيمة تعني أن حليفي سورية في القاهرة والرياض لن يقدما صيغة توفيقية، أو تزاوجا بين اتفاق الطائف وقرار مجلس الامن الدولي رقم 1559، يمكن أن يؤدي إلي توفير مخرج عربي لسورية او انقاذ لماء وجه النظام السوري، يؤهله لتبرير انسحابه من لبنان بالقول إنه جاء بقرار عربي، تماماً مثلما جاء دخول القوت السورية الي لبنان وفق قرار عربي صدر عن القمة العربية وتبلور في اتفاق الطائف.

النظام السوري بات يقف وحيدا دون اي حلفاء في مواجهة الضغوط الامريكية، ولم يبق امامه اي خيار غير الانسحاب وبسرعة من لبنان. سحب قواته، وسحب اجهزة مخابراته، ثم انتظار المطلب الامريكي التعجيزي التالي.

الانسحاب السوري من لبنان لن يخفف الضغوط الامريكية والفرنسية، وانما سيعيد جدولتها، لان قرار مجلس الامن رقم 1559 الذي تستخدمه الادارة الامريكية لممارسة هذه الضغوط وتشريعها، لا ينص فقط علي الانسحاب، وانما حزمة من الخطوات والاجراءات علي رأسها نزع سلاح حزب الله ، ووقف دعم فصائل المقاومة الفلسطينية والعراقية، واعادة انتشار الجيش اللبناني علي الحدود مع الدولة العبرية.

الرئيس الاسد كان يريد من حلفائه العرب الوقوف الي جانبه في مواجهة ضغوط ما بعد الانسحاب، ولكنه لم يجد اي تجاوب في هذا الخصوص، لان من طلب مساعدتهم يريدون من يساعدهم في مواجهة ضغوط امريكا، والضغوط الشعبية المطالبة بالاصلاح.

ما لم يستطع الرئيس السوري الشاب استيعابه هو ان النظام العربي القديم في طريقه السريع للانهيار، وان نظاما جديدا بدأ يحل محله. وكانت امامه فرصة ما لكي يشكل نواة النظام العربي الجديد لو انه طبق ما ورد في خطاب تسلمه السلطة من اصلاحات سياسية واقتصادية، ولكنه للأسف لم يفعل فاضاع هذه الفرصة.

"القدس العربي"

   [ POSTED  @ 12:15 ص ]


 

قد تكون دمشق بريئة من دم الحريري!. ولكنها بالتأكيد عملت على اغتياله سياسيا

الطاهر ابراهيم

قد يمر وقت طويل قبل أن يُعرف على وجه التحديد من أمر ب/أو نفذ/ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. لأن عملية الاغتيال كانت من

الدقة بحيث لم يعرف حتى الآن الوسيلة التي تمت بها عملية التفجير الضخمة التي أودت بحياته وحياة آخرين، وخلفت دمارا كبيرا في واجهة الفندق المجاور.

وطالما أن البحث الجدي عمن اغتال الحريري غيرمتوفر حتى الآن. فيمكننا أن نؤكد أن الوحيد الذي يعرف بالضبط من هو الجاني أو الجناة، هو الذي أمر بتصفية الرئيس الحريري، لحسابه أو لحساب آخرين مستفيدين من تغييبه عن الساحة اللبنانية وربما عن الساحة الإقليمية التي وضعتها عملية الاغتيال الآثمة على فوهة بركان.

ومع أنه معروف للبنانيين والسوريين أن اللغة التي كان يفضلها النظام السوري في حواره مع معارضيه هي لغة الاعتقالات والاغتيالات، خصوصا في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وقد لا تكون هذه اللغة قد ألغيت تماما من قاموس الأجهزة الأمنية حاليا، إلا أن الأمر اختلف في عهد الدكتور بشار الأسد بعض الشيء، وإن كنا لا نزعم أن لغة الحوار السياسي قد حلت ،بشكل مقبول، مكان لغة الاغتيال والاعتقال.

وبأخذ ما ألمحنا إليه أعلاه، وبعيدا عن الحماس الذي يبديه أنصار الحريري وفصائل المعارضة اللبنانية لتحميل النظام السوري تبعات تلك الجريمة، وبمقارنتها بمسلسل التصفيات الجسدية التي قامت بها أجهزة أمن النظام السوري ضد معارضي النظام خارج سورية، فإننا قد نعيد النظر باتهام النظام السوري بهذه الجريمة.

ولعل أهم سبب يجعلنا نفتش عن القتلة في مكان آخر جريمة اغتيال الحريري أن هذه الجريمة تتفوق ،من حيث دقة تنفيذها، على جرائم الاغتيالات التي نفذتها تلك الأجهزة ضد خصوم هذا النظام. فهذه الجريمة التي أودت بحياة الحريري تمت بمهنية إجرامية ترقى إلى مستوى فعل المحترفين الكبار الذين نادرا ما كانوا يتركون وراءهم ما يدل على هويتهم.

وإذا كانت السمعة السيئة للنظام السوري في اغتيال الخصوم لا تساعد في وضعه فوق الشبهات ،فإن التحليل السابق قد يجعلنا نقطع ببراءة النظام من دم الحراري، وإنه،على الأقل،غير متورط بشكل مباشر في هذه الجريمة.ومع ذلك فإننا غير متأكدين بأنه سيستطيع إقناع الآخرين ببراءته ،خصوصا وإن جسم النظام "لبّيس" كما يقول اللبنانيون، وأنّ هناك من ينتظر مثل هذه السانحة –جريمة اغتيال الحريري- حتى يشهر في وجهه البطاقة الحمراء.

وإذا ما اضطر النظام السوري لدفع فاتورة اغتيال "الحريري"، فسيكون كالغراب الذي أذن له جاره بأخذ بعض لحم الشواء، فتناوله بمنقاره، وقد علقت في مخالبه جمرة وهو لا يشعر بها. وعندما ألقم الشواء لفراخه وقعت الجمرة في العش وأحرقتها. وعندما أخبر"سليمان" عليه السلام أن الشواء كان من حلال قال له:هذا القصاص عن ذنب آخر. وما أكثر الذنوب التي اقترفها النظام السوري ولم يسدد فاتورتها بعد.

وإذا كان الغطاء الأمريكي للنظام السوري في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين محفزا قويا له لكي يقمع كل الأصوات المعارضة في سورية ولبنان، من دون أن يخشى أحدا على الساحة الإقليمية، فإنه على ما يظهر ما يزال لا يريد أن يقتنع بأن أمريكا الحالية ،بعد أن احتلت العراق، هي غيرها قبل 11 أيلول سبتمبر 2001 ،"وأن زمن أول تحول".

معظم المراقبين يعتقدون أن أمريكا تعمل حاليا لإجبار النظام السوري على تسديد الفواتير التي تراكمت عليه على مدى أكثر من ثلاثة عقود. والعجيب الغريب أن هذه الفواتير ستسدد تحت تهديد واشنطن نفسها التي كانت تغض الطرف عنه أيام كان يدفع لها من حساب التنازلات الجاري، حيث كانت تسحب من رصيد المواقف القومية في سورية ولبنان وفلسطين. ولقد كان النظام يفعل ما يفعل، وهو يظن نفسه في مأمن، لأن أمريكا سيدة العالم تتغاضى عن سياسته القمعية في سورية ولبنان.

ورغم كل المقالات التي كان المخلصون يوجهونها للنظام السوري ومنها مقالنا الذي نشرته "القدس العربي" في 17 كانون الثاني الماضي تحت عنوان "هل تنسحب سورية طوعيا من لبنان؟" فقد فشلت دمشق بإخراج الجيش السوري من لبنان.ورغم أن الجميع أدرك أن الرياح أخذت تهب بغير الاتجاه الذي ترغب به القيادة السورية الحالية، وأن أمريكا قد سحبت التفويض الذي منحته للرئيس الراحل "حافظ الأسد" عند ما سمحت له بإدخال الجيش السوري إلى لبنان في عام 1975 ، فإن هذه القيادة بدت وكأنها في واد آخر.

لقد مضى عهد طويل كان النظام السوري يتفرد فيه بإدارة الأزمات التي كانت تعصف بلبنان، لا يلقي بالا لكل الفرقاء اللبنانيين إلا من رضي أن يسير في كابه.وما يزال بعضنا يتذكر اللجنة العربية الثلاثية التي شكلتها الجامعة العربية -في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين وقبل انعقاد مؤتمر الطائف- لتقويم الوضع المتفجر على الساحة اللبنانية. وقد أفاد التقرير الذي خرجت به تلك اللجنة: أن النظام السوري كان هو العقبة الأهم أمام تنقية الأجواء في لبنان. غير أن استقواء النظام السوري بالنفوذ الأمريكي في ذلك الحين، جعل ذلك التقرير حبرا على ورق، مما مهد لاتفاق الطائف الذي تم تنقيح بنوده بندا بعد آخر من قبل دمشق حتى وصل إلى الصيغة النهائية، ما جعل زمام المبادرة في لبنان بيد سورية.

ولقد استطاع النظام السوري أن يكيّف تنفيذ بنود اتفاق الطائف.فإذا كانت مدة رئيس الجمهورية ستنتهي قبل انتخابات المجلس النيابي، عمل على التمديد لرئيس الجمهورية الموالي له حتى تتم الانتخابات النيابية تحت الضغوط السورية، وتكون أغلبية النواب من الموالاة، وبالتالي تشكيل حكومة موالية، تعمل على إبقاء الجيش السوري في لبنان .

وقد أصبح الفرقاء اللبنانيون نتيجة لذلك فريقين لا ثالث لهما:فريقا انضوى تحت خيمة النظام السوري ورضي بما يمنحه له من كعكة لبنان،وفريقا وقف في صف المعارضة، فتم تهميشه حتى رأينا المجلس النيابي الحالي لا يستطيع جمع ثلث الأصوات اللازمة لرفض تعديل الدستور، فتم التمديد للرئيس "إميل لحود"، ومن قبله للرئيس "الياس الهراوي".

واستطرادا فقد رأينا الفرقاء اللبنانيين تتغير مواقعهم بعد كل انتخابات تشريعية،أوبعد كل تشكيل وزاري. فمن كان في صف الموالاة بالأمس، أصبح اليوم في المعارضة بعد أن دعمت دمشق خصمه في الانتخابات، أو أخرجته من الوزارة وأتت بآخر. والأمثلة أكثر من أن تذكر، ونمسك عن ذكر الأسماء فكل اللبنانيون أشقاء لنا: من كان في الموالاة ومن كان في المعارضة.

وإذا كنا نستطيع أن نقترب من اليقين عندما نؤكد بأن اغتيال "الحريري"لم يكن من صنع دمشق، فإننا نؤكد أنها حاولت أن تغتال مستقبله السياسي، بعد أن تبين لها أنه رقم صعب في السياسة اللبنانية لايمكن احتواؤه. ومما زاد في ذنوب الحريري عند دمشق شعورها بأنه يحاول أن ينأى بقرار الطائفة السنية في لبنان عن الهيمنة السورية. وهي قضية لا يستطيع النظام السوري أن يغفرها له بعد أن بقيت ورقة أهل السنة بيد دمشق خلال عهد الأسد الأب، دون أن يكون لأهل السنة –مع احترامنا لمن ولي رئاسة الوزارة عدا الحريري ورشيد كرامي- ما لباقي الطوائف من وجود سياسي محترم.

وما دعم موقفه ضد الابتزاز السوري، أن الحريري ،وخلافا لغيره من السياسيين، كان يعطي لبنان أكثر مماكان يأخذ منه بكثير.وكان هذا واضحا من ورشة الاعمار التي بدأها وسط بيروت بعد اتفاق الطائف،والخدمات التي كان يقدمها للطلاب الذين أوفدوا للدراسة على حساب مؤسسة الحريري، وقد زاد عددهم على ثلاثين ألفا.

ولذا فإنه، وبعد مسيرة عقد ونصف من المشاركة السياسية، استطاع الحريري ،الذي كان متعدد المواهب،أن يعيد إلى الواجهة دور "السنة" في لبنان بعد أن تضاءل هذا الدور كثيرا منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رشيد كرامي. كما استطاع أن يجعل الآخرين يشعرون بأن أي محاولة لتهميشه إنما هو تهميش لدور أهل السنة في لبنان. ومع ذلك فقد حاول الحريري أن يكون لكل لبنان، ولكن لبنان المستقل بقراره، بمختلف طوائفه.

ومع أنه لم يحاول أن يقطع خطوط الاتصال مع دمشق، فإن هذا الدور المميز للحريري، الذي ألمحنا إليه، لم يكن مما ترتاح إليه دمشق، خصوصا عندما جعل مواهبه وحدها هي التي تجعل رئيس الجمهورية يعهد إليه بتكليف الوزارة، بعد أن مر ما يقرب من عقد ونصف، كان اسم رئيس الوزراء اللبناني يصدر عن مكتب الرئيس السوري قبل أن يعرفه أعضاء مجلس النواب اللبناني.

أخيرا، نريد أن نسجل هنا ملاحظتين هامتين يعرفهما كل اللبنانيين.

الأولى: قد لا تكون دمشق أمرت أو شاركت أو علمت باغتيال الحريري، ولكن الذي لا يمكن أن تنكره أن الحريري قتل في سلطانها وتحت هيمنة الأجهزة الأمنية اللبنانية التي تدين بالولاء للنظام السوري قبل ولائها للبنان.

الثانية: لقد سجلت ضد مجهول جميع الاغتيالات التي تمت بحق السياسيين اللبنانيين الذين كان الود مفقودا بينهم وبين النظام السوري، مثل كمال جنبلاط والرئيس رشيد كرامي والرئيس رينيه معوض والدكتور صبحي الصالح والمفتي حسن خالد...

فهل حان الوقت حتى ينكشف القناع عن مرتكبي جريمة اغتيال الحريري،أم أنها هي الأخرى ستقيد كسابقاتها، ضد مجهول؟.

الطاهر إبراهيم كاتب سوري يعيش في المنفى عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام

"الرأي / خاص"

   [ POSTED  @ 12:13 ص ]


 

سورية وحالة الاستعصاء السياسي: بقلم د. فيوليت داغر

مستجدات كثيرة تتسارع وتيرتها اليوم على الساحة اللبنانية مع تداعيات الجريمة النكراء لاغتيال رئيس الوزراء

السابق رفيق الحريري، وتحرك قوى واسعة في الشارع اللبناني من كافة الطوائف للمطالبة بكشف الضالعين فيها وفي ما سبقها من محاولات اغتيال وتعدي على الكلمة الحرة والرافضة للأمر الواقع. مهّد للحادثة مناخ من اتهامات واستفزازات وتعديات على الحريات، وتبعها تحركات واعتصامات سلمية حاشدة للمطالبة بحجب الثقة عن الحكومة وكشف الجناة ومحاكمة المسؤولين عن تعطيل الحياة السياسية في لبنان. كما تصاعدت لهجة الدعوات من أجل تطبيق اتفاقية الطائف بحذافيرها وانسحاب الجيش السوري من لبنان وكف يد السلطات السياسية والأمنية السورية عن التدخل في الشأن اللبناني والتأثير في القرار السياسي. ورغم الخوف من ردود الأفعال التي يمكن أن تنحو منحى عنفيا غير محمود العواقب، في الوقت الذي يقف فيه المتربصون بمصالح هذا البلد للانقضاض عليه عبر ثغرات يمكن أن تفتح باب جهنم على الغد، بدا مستوى الأداء حتى الآن جيداً. خاصة في بداية الجلسة التاريخية الخاصة للبرلمان اللبناني التي عقدت بعد أسبوعين على حادثة الاغتيال لمناقشة ظروفه والتي تبعها بعد ساعات استقالة الحكومة، وللمرة الأولى في تاريخ لبنان إثر حركة شعبية حاشدة ترافقت بكلمات شديدة اللهجة للمعارضة من داخل قبة البرلمان. وعلى الرغم من بعض مماحكات استفزازية لسياسيين من مشارب مختلفة، جسّد هذا الحراك حتى الساعة حس عال بالمسؤولية يشهد له. كما وأبرز الحرص على وحدة لبنان وسيادته بعيداً عن أي تدخل أجنبي، مظهراً إصرار الجميع على علاقات لبنانية –سورية مميزة وعلى تخوف من عواقب التعنت في الرأي وتغييب الرأي الآخر.

الجميع يعلم أن ما يحصل في لبنان له علاقة وثيقة بوضع دولي طامح لتشكيل خارطة المنطقة الشرق أوسطية على نحو جديد ضمن استراتيجية قوة عظمى ودول متحالفة معها لها مصالحها في هذه المنطقة. لكن ما لم يحسن المعنيون قراءته هو ما يمكن أن تؤول إليه تراكمات كثيرة منذ دخول الجيش السوري إلى لبنان في صيف 1976 إلى تعثر تطبيق اتفاقية الطائف وما جرى من مترتبات خلال الأربعة عشر عاما الأخيرة في العلاقات السورية-اللبنانية تفسر ولا تبرر الانفعالية والتوتر اللذان يطغيان على هذا النقاش. هذه العلاقات التي وإن حملت وجها إيجابيا في تمتين الروابط بين بلدين شقيقين، فيها ما أساء لهما وللعلاقة الوثيقة بين الشعبين ولجبهة المقاومة للمخططات العدوانية. وبقدر كبير أساء للبنان المحتل من قبل نظام عرف في بدايات الحروب اللبنانية كيف يستفيد من تناقضات وضع محلي وإقليمي ليدخل كلاعب قوي على الساحة اللبنانية تحت غطاء دولي بارك لسوريا طموحها هذا حينها قبل أن ينقلب اليوم عليها.

جل من يعارض التواجد السوري في لبنان لا يناقش في ضرورة تمتين العلاقات بين البلدين، وإنما في طبيعة هذه العلاقات وما تفرزه من ظلم وتعسف وشعور بالمهانة عند اللبنانيين. فهناك انتقاص لسيادة لبنان عبر التدخل في قراره الوطني والسيادي في كافة المجالات وخاصة من طرف الأجهزة الأمنية السورية (وبالطبع اللبنانية التي تعمل تحت مظلتها) التي بسطت جواً من الخوف وإرهاب الدولة وفتتت الكثير من المكاسب الديمقراطية وأجواء الحرية.

إن كان هناك من هذه المعارضة من لم يقم كفاية وزناً لنتائج تطبيق القرار 1559 بما يطال حزب الله- الذي حرر لبنان من الاحتلال الإسرائيلي والذي هو لذلك المستهدف الأساسي- والمنظمات الفلسطينية على الأرض اللبنانية، يبقى أن أطرافا واسعة منها تنئي عن الزج بها في تحالفات دولية تشوه صورتها وتضعف مشروعية مطالبها المحقة بتحقيق كامل السيادة في ما تدعوه انتفاضة الاستقلال. لكن لم يكن من الحكمة بشيء الإسراع بتوجيه أصابع الاتهام لسوريا في اغتيال الحريري في الوقت الذي لم ينته فيه التحقيق بعد، هذا إن انتهى لكشف الحقيقة. وفي الحين الذي تساق فيه احتمالات قوية في ضلوع أطراف أخرى في الجريمة، لها كل المصلحة في خلط الأوراق والاستفادة من تردي الوضع وتنفيذ الاستراتيجيات المعدة للمنطقة.

أن نشهد هذا التصعيد العنيف اليوم ليس مفاجئة لمن كان يجيد قراءة مؤشرات الاحتقان على الساحة اللبنانية وكان مضطلعاً على حقيقة ما يجري من عسف عار داخل سوريا بحق مواطنيها. ما أريد الإشارة له هو طبيعة هذا النظام السوري الذي كان بنهجه المتصلب والتعسفي والمصلحي وراء هذه التداعيات والتسبب في تفاقم حالة مرضية تتفاعل منذ زمن بعيد (بما لا يعفي أطراف الموالاة والنظام الحاكم في لبنان من مسؤوليتهم بشئ). مما سمح للطامع الأجنبي بالاستفادة من الثغرات الواسعة والدخول عبرها لتحقيق أغراضه وفرض إملاءاته.

في صيف 2000 قصدت سوريا لإجراء دراسة متعددة الميادين لأوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان فيها. ما حدث حينها أن وافت المنية الجنرال حافظ الأسد. فشهد هذا البلد وضعا انتقاليا ترافق بتطور في حركة المثقفين والمعارضة الديمقراطية التي بدأت بطرح مطالبها وتصوراتها للمرحلة المقبلة. شجعها في ذلك خطاب القسم الدستوري للرئيس بشار الأسد الذي تفاءل به كثيرون.

لكن الحذر غلب على قسم كبير منهم لم يراهن على المظاهر الظرفية معتبراً : أنها قد تكون قصيرة المدى ومرهونة بالحدث الطارئ. ذلك انطلاقا من أن الرئيس الجديد لم يأت بإرادة شعبية وإنما فرض من فوق وبموافقة الأطراف التي تملك موازين القوى الفعلية داخل النظام. وهو إن كان يمتلك بعض الرؤى الإصلاحية، لم يأت بمشروع إصلاحي وبرنامج للتغيير. وافتراضا أن نواياه في التغيير الفعلي جدية، فشخصيته وتجربته لا تساعداه على التأثير في موازين القوى لصالح التغيير. إضافة إلى أن أقطاب السلطة الذين حكموا إلى جانب والده خلال سنوات طوال والزمرة المصلحية والأمنية التي تشكلت حينها ما زال لهم اليد الطولى في كل شئ.

بعد مرور أكثر من سنة على الحدث وقبل الدفع بالكتاب للمطبعة ( الذي خرج بلغات ثلاث وساهم فيه باستثنائي 17 كاتبا وباحثا سوريا معظمهم من داخل سوريا، ولم يدخل بالطبع إلى لبنان أو سوريا إلا تحت المعطف)، عرضت في مقدمته ما مفاده، أنه نظراً لتغيير شخص الرئيس الذي طبع السلطة بطابعه خلال عقود، ولتطور الظروف الموضوعية على الصعيد المحلي والدولي، ولتأثير العلاقات الخارجية، من المستحيل تصور وضع مشابه لما عرفه هذا البلد خلال المرحلة العصيبة التي مر بها. مع ذلك، ليس من تغيير أساسي في الجوهر يؤمل، حيث أن ديناميات هذا التغيير ما زالت عاجزة عن فرض تحول فعلي. فالتكوين القمعي ما برح هو نفسه عند المتحكمين بمقاليد السلطة، وإن اختلف لأسباب مصلحية وموضوعية المظهر الذي تغلف به أحيانا بعض تعبيراته. من أجل تغيير جذري جدي ومجدي، لا بد من تحول يمس عمق الوعي والسلوك عند الذين يقررون سياسات البلد. وهذا لا يبدو ممكنا الآن، بل سيتطلب وقتا طويلا قبل أن يتحقق، خاصة إن بقيت الرموز الفاسدة نفسها في السلطة.

منذ سنوات وليس الآن فقط تقوم تحركات وتظاهرات واعتصامات ضد الوجود السوري في لبنان، أكان ذلك من طرف قوى سياسية أو هيئات دينية. كما كان هذا الموضوع قد طرح للنقاش داخل مجلس النواب، وتناولته الصحافة اللبنانية والعربية مراراً وتكراراً. لكن غلب عليه أحياناً الطابع المسيحي الذي أعطاه بعداً طائفياً فئوياً. بالمقابل، اندفعت بعض الفئات اللبنانية المؤيدة لسوريا لدعم استمرار الوجود السوري في لبنان رافعة راية تقوية العلاقات السورية - اللبنانية.

ردت السلطات السورية بإعلان رفضها الخضوع للضغوطات، مزاوجة ذلك مع بعض انسحابات وإعادة انتشار لقواتها. فهي قد دخلت لبنان على خلفية لعب دور إقليمي هام. لكنها وإن تنبهت أحياناً للشكل، حملت معها في المضمون نفس التكوين والعقلية والممارسات القمعية. فلم تتورع أجهزة الأمن السورية في لبنان عن ممارسة نفس أساليب العسف والفساد التي اتبعتها مع مواطنيها، والتدخل السافر في القرارات اللبنانية والتعيينات ورسم السياسات والائتمان على السيادة.

يقول سمير العادلي (في فصل سياسة سوريا الخارجية في نفس الكتاب) " بعد نجاح المقاومة اللبنانية في تحرير جنوب لبنان من القوات الإسرائيلية، توضحت للعيان حقيقة التواجد السوري في لبنان. هذا التواجد الذي تحول إلى أداة للمحسوبية والولاء السياسيين ووسيلة اغتناء لعدد من الضباط الذين بنوا ثرواتهم الموازية من الشبكة اللبنانية. ولم يعد هناك من ذريعة للتواجد العسكري السوري، بعد أن أعيد بناء قوات الأمن اللبنانية على الطريقة السورية وبعناصر موالية، سوى تقوية الموقف السوري عند العودة لطاولة المباحثات. إلا أن كلفة هذا الوجود كبيرة على صعيد العلاقات الودية بين الشعبين التي شوهتها قوات الردع، وعلى الحريات العامة في بلد حافظ على حد أدنى من التعددية السياسية حتى في ظل الحرب الأهلية. من هنا كبرت النقمة على التواجد السوري في لبنان، ليس فقط من وجهة نظر المدافعين عن احترام الحقوق الإنسانية، وإنما أيضا سياسية باتساع جبهة المطالبين بانسحاب القوات السورية ضمن أو خارج نطاق اتفاق الطائف".

للأسف، لم يكن بمقدور العقلية السياسية الجامدة، التي اعتبرت وجود قوات سورية في لبنان ورقة هامة في المفاوضات السورية الإسرائيلية المعلقة، أن ترى أن هذه الورقة، التي ربما كانت بالمعنى الجيو السياسي رابحة بعد حرب الخليج الثانية، هي بالضرورة خاسرة بعد احتلال العراق. أما سلوكيات أجهزة الأمن السورية فقد استمرت بالاحتماء بعباءة أيديولوجية ومعايير سياسية وتبريرات أمنية، وتجاهلت تبعات الاستهانة بمشاعر ورغبات المتضررين أو غير المستفيدين من وضع فرض عليهم بالقوة. هذه الخلفية الذهنية- النفسية (التي أفردت لها بحثاً في الكتاب المذكور) هي بعلاقة مع البيئة التي انطلقوا منها لصياغة أفكارهم وإيديولوجياتهم، ترجمت لأهداف وأجهزة ومؤسسات تقود المجتمع، ولوسائل وطرق سعوا من خلالها لفرض شرعيتهم.

هذه السلطة التي تعجز اليوم عن استبيان ما اقترفت يداها وقراءة التحولات بشكل صائب، تتشنج في مواكبة ما يفرضه تطور الواقع المتجدد والمتبدل، دون كبير خلاف مع تلك التي سبقتها. تلك التي حجبت الدولة عن المواطن، وتركت المجتمع السوري مغلقا على ما يدور خارجه وفشلت في استخدام وسائل أكثر مرونة وحضارية في التعامل معه. كان الاستقرار الأمني هاجسها، فامتلكت الأدوات وابتكرت الوسائل التي من شأنها إخضاع الآخرين والاستحواذ على حريتهم وضمان الطاعة والولاء لها. لقد أطلقت اليد الطولى لفروع المخابرات المختلفة وأجهزة الأمن تراقب من قريب وبعيد وتحاسب من يشتبه بهم. كما وأشاعت جوا من الذعر الدائم، بحيث أصبح محظور أي كلام يمكن أن يجاهر به المواطن. بقي الحكم حكرا على أقلية يجمعهم الانتماء العضوي العصبوي العقائدي أو الطائفي أو العائلي أو المصالح المشتركة أو المنفعة الشخصية والتملق والإستزلام. تم إغراء بعضهم بالمناصب والمكافآت والاستحواذ عليهم وتكليفهم بمهمات وزجهم في ممارسات ما أفقدهم حيادهم وأجبرهم على الإخلاص للسلطة. فأصبح ما يسئ للسلطة يسئ لهم. وللمحافظة على سلامتهم، كان لا بد أن يدافعوا بكل الأشكال عن استمرار هذه السلطة بفسادها واستبدادها، خاصة عند انعدام الأهلية والكفاءة لأفرادها في ملء المكانة المطلوبة منهم.

خلصت للقول بأنه لاسترداد التوازن المفقود في العلاقة القائمة بين السلطة وبين المواطن، على هذه السلطة أن تصبح تلاؤمية (أي تعتمد على الحوار والتوافق واحترام كرامة المواطن وحقوقه) بعد أن كانت قسرية مع أكثرية (تلجأ معهم للإكراه والعنف لكسب الخضوع واغتصاب الولاء لها) وتعويضية مع أقلية (تخضعها لولائها عن طريق المكافآت والعطايا والمكاسب التي تشتري بها ذممهم مقابل الطاعة والسكوت عنها وحفظ أسرارها).

هل تبدّل أو تطور الوضع منذ ذلك الحين؟ قلة ربما من يعّول على سلامة حس هذا النظام أو مقدرته على حسن قراءة المتغيرات والمطاطية في الاستجابة لما تفترضه من سلوكيات تتأقلم مع الواقع إن كان على صعيد الداخل السوري أو الخارج. وكأنه كتب على هذه المنطقة أن تدفع على الدوام الأثمان الباهظة لأطماع القوى الخارجية في ثرواتها ولتخلّف من ائتمنوا على مقدساتها وحكموا مواطنيها. ومع تقاعس، إن لم نقل غياب، الرأي العام العربي الناقد والمحاسب، كان علينا للأسف أن ننتظر قرارات دولية لفرض تطبيق اتفاقيات لم تنفذّ إلى أن أصبحت المنفذ لمطامع الخارج.

كما يقول أدورنو، التكوينات الستاتيكية تفتقر للدينامية كونها لا تملك جمرة الابتكار والقدرة على متابعة العالم. لكن هل تُفقِد السلطة الأشخاص الحد الأدنى من غريزة الدفاع عن النفس التي تتطلب اليوم ليس فقط الطلب إلى المصنفين في عوالم الممنوع والمحروم العودة للفضاء المرخص به أمنيا، وإنما شراكتهم كموضوع أساسي في ممارسة السيادة، لا كموضوع لممارسة القمع؟

في اللحظات الحرجة للدكتاتوريات، منها من يصيبه العمى التام، بحيث تنطبق عليه مقولة حنا أرندت: "في النظام الدكتاتوري، كل شيء على ما يرام حتى الربع ساعة الأخيرة". ومنها من يستدرك أن مشروعية الغفران الأكبر عن أخطاء، حتى لا نقول جرائم، الأمس يتطلب اللجوء إلى الحكمة واحترام الحقوق الأساسية للبشر والبحث عن المحكوم وراء قضبان السجن والتهميش والملاحقة والنفي لصنع رد تاريخي للخروج من أزمة مستعصية. هذا الرد اسمه المشاركة الجماعية في رسم سياسة البلاد وحفظ كرامة العباد. فلأين نتجه اليوم، وهل لنا أن نطمئن لسعة إدراك وحكمة بعض أقطاب صناع القرار السياسي في سوريا ولبنان لإنقاذ هذين البلدين من المخططات التي تتوعد بالنار والدمار الذي ما زال مستقرا في الذاكرة الجماعية؟ من له الحق بحرمان هذا الجيل الشاب المدرك والواعي من المساهمة في صنع حاضره ومستقبله وتفادي فقدان أمله في وطنه ؟

----------------

رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان

   [ POSTED  @ 12:12 ص ]


 

واشنطن وحقوق الإنسان: لا عزاء للدالاي لاما و«الثورة الصفراء»!: صبحي حديدي

هل أطلق أسامة بن لادن ثورة ديمقراطية في الشرق الأوسط؟

ليس في هذا السؤال دعابة من أيّ نوع، وليس صاحب السؤال من النوع الذي يميل إلى خفّة الدمّ حين يتناول قيمة كونية مثل «الديمقراطية»، وشخصية ـ كونية

بدورها، للإنصاف ـ مثل بن لادن. ففي مقال بعنوان «ديمقراطية الشرق الأوسط: شكراً بن لادن»، نشره في صحيفتَي «لوس أنجليس تايمز" الأمريكية والـ «غارديان» البريطانية، يساجل تيموثي غارتون آش على هذا النحو: لنفترض أنّ «القاعدة» لم تدمّر البرجَين التوأمين في نيويورك، فهل كان الشرق الأوسط سيبدو في حال الاهتياج التي هو عليها اليوم؟

ويتابع أستاذ الدراسات الأوروبية في جامعة أوكسفورد: هل كنّا سنشهد اللبنانيين يتظاهرون من أجل الإستقلال في الساحة التي أطلقوا عليها اسم «ساحة التحرير»؟ هل كنّا سنشهد بداية جدّية لدولة فلسطينية؟ وانتخابات في العراق (أيّاً كان مقدار الخلل فيها، كما يقول غارتون آش)؟ وتباشير ضئيلة عن إصلاح ديمقراطي في مصر والسعودية؟ وهل كانت دمقرطة شرق أوسط أوسع نطاقاً ستصبح شاغل السياسة الأمريكية والأوروبية؟

غارتون آش يحاذر، بالطبع، في الاتكاء كثيراً على روحية هذه الـ «لو» الإفتراضية الفضفاضة، لكنه يذكّرنا بأنّ بين قوانين التاريخ القليلة التي ما تزال سارية المفعول هو ذاك القانون الذي يقرّ بدور العواقب غير المقصودة، حين تسفر أفعال البشر عن اثار مناقضة تماماً لمقاصدهم الأصلية. ويضيف: «نعرف جيداً كيف كانت تبدو سياسة جورج بوش الخارجية قبل 11/9: المزيد من بناء القوّة العسكرية الأمريكية، ولكن مع تحاشي الإرباكات الكلنتونية الخارجية؛ والتركيز علي علاقات القوى العظمى، خصوصاً التنافس مع الصين. كان ثمة القليل فقط من الحديث عن الديمقراطية. وكانت إشاعة الديمقراطية جعجعة كلنتونية، ما خلا أوساط بعض المحافظين الجدد الذين لم يكن الرئيس يعيرهم أذنيه آنذاك»...

طبعاً لسنا بحاجة للتذكير، نحن وليس غارتون آش، بالوضع المقابل على الصفّ الموازي، حيث كانت الدكتاتوريات وأنظمة الإستبداد العربية (وهكذا، إجمالاً، تظلّ حالها اليوم أيضاً) زبونة معلنة عند واشنطن، أو عميلة مستترة في الباحة الخلفية من تابعيات البيت الأبيض، أو في خانة «الدولة المارقة» المسيّجة جيداً داخل قفص الحصار أو العقوبات الإقتصادية. وأمّا الشعوب العربية فإنّ مواقف البيت الأبيض من حقوقها السياسية والإنسانية والدستورية لم تكن تخرج عن النفاق وليس «الجعجعة الكنتونية» وحدها، والتستّر على الطاغية أو التوطؤ معه، فضلاً بالطبع عن شدّ أزره والوقوف خلفه بقوّة في المثال الإسرائيلي حصراً.

وللإنصاف، ولكي لا يبدو سجال الرجل ناقصاً أو كسيحاً، نضيف على الفور أنّ غارتون آش يوضح دون أيّ لبس أنّ افتراضاته هذه لا تعني البتة أنّ الحرب علي العراق كانت صائبة، بل هو يدعو إلى مقاومة «السردية الإحتفالية» التي تشيع اليوم في واشنطن لأنها «خاطئة» وتؤدّي إلى «نتائج معكوسة». وكيف للمرء أن لا يستعيد، هنا بالذات، تلك البلاغة الظافرة التي طفحت في خطبة باولا دوبريانسكي، مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون العالمية، التي تحدّثت عن «ثورة زهرية» في جورجيا، و«ثورة برتقالية» في أوكرانيا، و«ثورة أرجوانية» في العراق، وقريباً «ثورة الأرزة» في لبنان!

ونعترف، مثل غارتون آش في الواقع، أننا لا ندرك تماماً المقصود باللون الأرجواني في نموذج العراق، إلا إذا كان نقيض النظير العنيف (نسبة إلى لون الدم ربما!) للثورات السلمية الزهرية والبرتقالية والأرزية. ومع ذلك فإنّ خروج «السياسة الديمقراطية» لهذه الإدارة من قلب مفاعيل 11/9 وأنقاض البرجين التوأمين في نيويورك، أمر لا يبدو شديد التعارض مع واقع الحال. ولعلّنا هنا ننأى موقتاً عن مجريات الأمور اليوم في بيروت ودمشق والرياض والقاهرة، فنتوقف عند ركن آخر في خطاب دوبريانسكي، ينهض على الوعيد هذه المرّة، ويخصّ انتهاك أو عدم احترام حقوق الإنسان هنا وهناك في العالم.

وفي مناسبة نشر التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية حول أوضاع حقوق الإنسان في العالم، أو في 691 دولة على وجه التحديد، كان مدهشاً أن تخلط دوبريانسكي الحابل بالنابل فتنتقد مستويات احترام حقوق الإنسان في روسيا وبيلاروسيا وكوبا والصين وكوريا الشمالية وبورما ولاوس وفييتنام وزيمبابوي وإيران والسودان ومصر والأردن وسورية والسعودية. كان مدهشاً أكثر أن يلوّح مايكل كوزاك، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، بفرض عقوبات إقتصادية على بعض الدول، بينها السعودية و... الصين!

بالطبع ليس هنا مقام تذكير الولايات المتحدة بأنها، وهي الدولة ذات النظام الديمقراطي العريق، لم تكن في أيّ يوم أفضل مَنْ يعطي البشرية الدروس حول احترام حقوق الإنسان. لقد ردّ كوزاك على أسئلة تناولت سجن غوانتانامو وسجن «أبو غريب»، وصمّ أذنيه تماماً عن أسئلة أخرى تدور حول «تصدير» الإدارة عدداً من المعتقلين إلى دكتاتوريات شرق ـ أوسطية تتولّى التحقيق معهم بوسائل قذرة لا يبيحها الدستور الأمريكي. غير أنّ موضوع الصين تحديداً يظلّ الكاشف الأعظم لمعظم ما يكتنف الخطاب الأمريكي من نفاق حول مسائل حقوق الإنسان.

ففي مطلع العام 2000 باتت الصين «الأمّة الأكثر تفضيلاً» في ميادين التجارة والتبادل»، بموجب تشريع خاصّ خرج من تحت قبّة الكابيتول. وكان «الفوز بالثلاثة»، أو هكذا تقتضي الترجمة الأكثر تواضعاً لتعبير Win-Win-Win، هو الحصيلة التي اختارها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون لوصف جملة البروتوكولات التجارية التي جرى توقيعها مع الصين الشعبية أثناء زيارة الرئيس الصيني جيانغ زيمن للولايات المتحدة. بالثلاثة، أو بالضربة القاضية التي تُقاس بمليارات الدولارات، وبهبوط دراماتيكي في مؤشرات العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين الشعبية، والذي كان آنذاك قد قفز كثيراً لصالح هذه الأخيرة. ولم يكن بالأمر المألوف أن تنقلب تلك المعدّلات لصالح الولايات المتحدة بين زيارة وضحاها فقط، خصوصاً وأنّ المسألة تتصل بأمّة ليست كالأمم العادية: أعداد سكانها تُحسب بالمليارات وليس بالملايين كما هي حال الأمم، وموقعها الجغرافي يجعلها على حدود مشتركة مع 15 دولة دفعة واحدة، واقتصادها ينفلت من عقاله يوماً بعد يوم ويستهلك الأعمال والأشغال، ومثل تنّين آسيوي أسطوري يسأل: هل من مزيد؟

ومع ذلك، أو ربما بسبب من ذلك تحديداً، اعتبر كلينتون ــ ليس دون حشرجة طفيفة، بالطبع ــ أنّ الصين هي «الأمّة التي تقف في الجانب الخاطىء من التاريخ»، وكان يقف على يسار نظيره الصيني في مؤتمرهما الصحفي المشترك! ولكن... مَنْ الذي يؤرقه التناقض، حتى إذا كان صريحاً صارخاً، بين الوقوف خارج التاريخ في ميادين حقوق الإنسان والحرّيات والليبرالية، والصعود على كتف التاريخ في مسائل العقود والتجارة والاستثمار؟ لا أحد كما يبدو، باستثناء حفنة مئات من المنشقين وأبناء التيبت والدالاي لاما، وباستثناء الرهط المحدود المعتاد من جوقة التطبيل والتزمير في «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» و«لوس أنجلس تايمز»، حيث تتواصل معزوفات الحرب الباردة والعداء المقدّس للشيوعية، كأننا بالفعل في الحقبة الخاطئة من التاريخ وليس الجانب الخاطىء منه فحسب.

وهكذا اكتفى الرئيس الأمريكي باستخدام العبارة ـ المسمار التي تضع الصين في الجانب الخاطىء من التاريخ بالمعنى السياسي والحقوقي الأمريكي، وانتقل فوراً وبحماس رسولي إلى العبارات الأهمّ التي تضع الصين في الجوانب الأدسم من التجارة والأعمال والأشغال. ولم يكن ينفرد في ذلك، والحقّ يُقال. بعض فرسان «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» صرخوا في وجه فيليب موراي كونديت، المدير التنفيذي لشركة «بوينغ» آنذاك: وماذا عن حقوق الإنسان؟ فردّ الرجل، دونما حاجة إلى تبطين عبارته بنبرة ساخرة: يا لمحاسن الصدف! لقد كنت في بكين حين عرضت أقنية التلفزة الأمريكية المشاهد الوحشية لاعتداء الشرطة الأمريكية على المواطن الأمريكي (الأسود) رودني كنغ!

للفرسان أنفسهم قال الرئيس الصيني: «ولكن لماذا لا تعودون إلى تاريخ بلدكم أيها السادة؟ ما فعلناه في إقليم التيبت لم يكن سوى عملية تحرير للعبيد من نظام قنانة ينتمي إلى القرون الوسطى. أليس هذا بالضبط ما فعله رئيسكم أبراهام لنكولن»؟ ليس تماماً بالطبع، ولكن المقارنة لا تخلو من منطق براغماتي بارع يتوسّل المماثلة والمطابقة. وهو أيضاً المنطق الذي استخدمه جيانغ زيمن في اختزال مجازر ساحة «تيان آن نمين» إلى «حادث شغب» توجّب قمعه بقوة القانون، لا لشيء إلا لكي تتواصل الإصلاحات السياسية في أجواء الاستقرار الضرورية، ولكي تسير خيارات اقتصاد السوق مثل سكين حادّة النصل في قالب زبدة. وبمعنى ما، لم يكن غامضاً وإن كان حاذق الصياغة، قال الرئيس الصيني: هل تريدون قطف ثمار هذه الإصلاحات؟ عليكم إذاً أن تتناسوا الدماء التي روت شجرة الإصلاحات لكي تعطي الثمار.

براغماتية أمريكية تقابلها براغماتية صينية. الحال ذاتها بدت ناظم العلاقات الأمريكية ـ الصينية حين وقعت حادثة احتجاز طائرة التجسس الأمريكية في الصين، مطلع عهد بوش. لقد بدا واضحاً أنّ الأعمال والتجارة والمال، وليس العقائد والتظريات وحقوق الإنسان والديمقراطية، هي التي تحكم وتتحكّم، وإليها احتكم الطرفان في نهاية المطاف. وبدا أكثر وضوحاً أنّ قواعد العلاقات مع القوى العظمى ليست كثيرة معقدة شائكة، بل هي في حال الصين لا تتجاوز ثلاثة مبادىء.

هنالك أولاً توطيد الأمن الكوني حيث بلوغ عالم آمن مزدهر سيكون أسهل بكثير حين تكون الصين جزءاً من السيرورة، لا تلعب وفق قواعد السلوك الدولي فحسب، بل تساعد في كتابة تلك القواعد وتطبيقها أيضاً. وهنالك، ثانياً وتوسيعاً للمبدأ الأول، الضمانة الصينية لاستقرار أوضاع آسيا حيثما لا تشعر النفس الأمريكية الكونية بالطمأنينة الكافية. والولايات المتحدة تفكّر في دول مثل كوريا الشمالية، وفي أخرى مثل إيران والباكستان، وفي فئة ثالثة مثل سورية. والأمن الكوني هنا يترجم محتواه إلى حظر تصدير التكنولوجيا النووية، سلمية كانت أم عسكرية، وضمان «عدم وقوعها في الأيدي الخاطئة». ثم وقف صفقات بيع الأسلحة الصاروخية، وأيضاً التخفيف ما أمكن من الدعم الأدبي والدبلوماسي الذي تمحضه الصين بين حين وآخر إلى هذه الدول. والولايات المتحدة تفكر في طرائق «عقلنة» صوت الفيتو الذي تملكه الصين الشعبية في مجلس الأمن الدولي، بحيث يكون هذا الصوت جزءاً من جوقة الإنشاد الأمريكي ـ الغربي بدل الروسي ـ الآسيوي.

بيت القصيد هو المبدأ الثالث: توطيد العلاقات التجارية، وتصفية العوائق الجمركية، وفتح بوّابات الصين الشعبية أمام السلعة الأمريكية... دون قيد أو شرط. وضمن حيثيات هذا المبدأ وقّعت الصين عقداً لشراء 50 طائرة بوينغ، وستوقّع عقوداً أخرى لشراء مفاعلات نووية، وبروتوكولات مختلفة ترفع المزيد من قيود التجارة بين البلدين وتهبط برقم العجز في الميزانية التجارية (44 مليار دولار) إلى معدلات دراماتيكية غير مسبوقة.

هل ينتظر المرء من دوبريانسكي أن تتحدّث، ذات يوم منظور، عن «ثورة صفراء» في إقليم التيبت مثلاً، عند الدالاي لاما؟ أم أنّ «الثورة الديمقراطية» التي دشّنها أسامة بن لادن دون أن يشاء، لكي نتابع فرضية تيموثي غارتون آش، جاءت برداً وسلاماً على إدارة أمريكية بلا فلسفة ولا عقيدة ولا سياسة خارجية، لا لشيء إلا لأنّ رئيسها لم يميّز بين الملاّ عمر والجنرال مشرّف، لأنه ببساطة لم يكن يعرف الفارق بين الطالبان والباكستان؟

القدس العربي

   [ POSTED  @ 12:10 ص ]


 

هجرة 70 من العمال السوريين تضر قطاعات الزراعة والبناء

منذ اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري غادرت أعداد كبيرة من العمال السوريين لبنان متوجهين الي سورية خوفاً من موجة الغضب التي انتشرت علي

الاراضي اللبنانية وردات الفعل الانتقامية التي سجلت ضد عدد من العمال في بيروت وصيدا والجبل والشمال والبقاع بالتزامن مع تحميل سورية مسؤولية عن هذا الاغتيال، وما زاد الازمة أن بعض المواطنين اللبنانيين لا يفصلون كثيراً بين نشاط العمال السوريين ونشاط الاستخبارات السورية، لاسيما أن قلة من هؤلاء العمال كانت تجهر بارتباطها بالاستخبارات وتستقوي احياناً بها علي رب عملها اللبناني عند وقوع أي نزاع بين الطرفين. وعبّر عن هذا الامر بيان لاحد الاحزاب المسيحية المعارضة الذي اعتبر أن اجهزة الاستخبارات السورية تتحكّم بالعمال السوريين وتحرّكهم وفق خططها واهدافها بما يشبه جيشاً رديفاً، او افواجاً امنية او طابوراً خامساً . ومع تصاعد مثل هذه اللهجة والخطورة التي تنبيء بها تدخّل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط مناشداً اللبنانيين عدم تحميل العمال السوريين مسؤولية اعمال عناصر الاستخبارات .

كذلك صدرت دعوات عاقلة عن بعض القيادات المسيحية تحذّر من التعرض للعمال السوريين وتنادي بالتعاطي معهم بمحبة، لاْنهم في لبنان يبغون العيش الكــــــريم ولا ذنب لهم أو علاقة بالسياسة أو عمل اجهزة الاستخبارات. وفي تقدير اوساط غير رسمية أن هناك حوالي مليون عامل سوري يدخلون ويخرجون من لبنان، فيما تشير تقديرات رسمية الي أن العدد لا يتجاوز 300 ألف عامل. أما نسبة الذين غادروا لبنان منذ اغتيال الحريري وتصاعد المطالبة بخروج القوات السورية فتشير التوقعات الي أنها أكثر من 70 في المئة وتعدت النسبة هذا الرقم في مناطق جبل لبنان وبيروت وصيدا والضنية الي ما يشبه الهجرة حيث الاكثرية السنية والدرزية والمسيحية التي تتشكّل منها اطراف المعارضة. وبات اللبنانيون يفتقدون الي رؤية أي عامل من التابعية السورية في هذه المناطق بعدما كان هؤلاء ينتشرون بكثافة علي الطرقات سواء طلباً للعمل أو لبيع بعض الادوات الكهربائية والكماليات أو الالبسة التي يصطحبونها معهم من سورية لبيعها بأسعار مرتفعة في لبنان. هذه الهجرة للعمال السوريين تركت انعكاسات سلبية علي حركة العمل في بعض القطاعات، ولعلّ أكثر القطاعات المتضررة من مغادرة هذا الحجم من العمال السوريين هي قطاعات الزراعة والبناء التي سجّلت تراجعاً ملحوظاً بسبب نقص اليد العاملة وعدم وجود البديل الذي لا يعوّضه العمال الاجانب من بلاد شرق آسيا أو افريقيا خصوصاً أن أكثريتهم من النساء اللواتي تعمل في المنازل وتقبض رواتب شهرية بين مئة أو مئة وخمسين دولاراً، أما القلة المتبقية من الرجال فتعمل كسائقي سيارات خصوصية أو في حقل التنظيفات، ويتطلّب استخدام مثل هؤلاء العمال الاجانب رخصة من وزارة العمل ودفع رسوم السفر والتأمين والاستحصال علي اجازة للاقامة من الامن العام اللبناني. ومن يريد من ارباب العمل استخدام عامل اجنبي فقد يطلب الاخير 3 دولارات عن كل ساعة عمل فيما العامل السوري يتقاضي مبدئياً 10 دولارات عن كل 7 ساعات عمل ولا يحتاج الي دفع أي رسوم سفر أو تأمين، فهو يأتي براً ولا يدفع ضريبة عمل للدولة اللبنانية عما يتقاضاه.

واذا كانت قطاعات الزراعة والبناء هي الاكثر تضرراً من غياب اليد العاملة السورية، فإن البلديات في العاصمة والمدن الكبري والبلدات بدأت تعاني بدورها من هذا الغياب، حيث كان العمال السوريون يعملون بشكل يومي في حقل تنظيف الطرقات أو فتح قنوات المياه. كما تأثرت ايضاً حركة التنقّل بين لبنان وسورية وانخفض عمل سيارات الاجرة علي خط بيروت ـ دمشق وكذلك عمل الحافلات الصغيرة. وقال مقاول لبناني انه كان من أول الداعين لخروج للانسحاب السوري، لكنه يفكر اليوم بكيفية تأمين حركة عماله السوريين. مضيفا ان اللبنانيين يرفضون القيام بالعمل الذي يقوم به السوري .

"القدس العربي"

   [ POSTED  @ 12:07 ص ]



   2005-03-03  

مؤتمر وطني سوري يخرج البلاد من مأزقها: ميشال كيلو

عد أن تم تدويل قضية لبنان ووضع سوريا فيه تجري الديبلوماسية السورية وراء حل يعرّب المسألة، وخاصة منها مسألة الوجود السوري في لبنان، ويحد من

مفاعيل تدويلها، لما سيكون لها من نتائج وعواقب وخيمة.

وبغض النظر عن أن السياسة السورية فقدت منذ سنوات روح المبادرة، لأنها ترفض أن تكتسب قابلية التكيف الخلاّق والمفيد من المستجدات الدولية والإقليمية، لسبب جلي هو أن نظامها يعتقد خطأ أنها ليست في مصلحته، فإنه يطرح نفسه هنا السؤال الآتي : هل سيكون بوسع مصر والسعودية منح غطاء عربي للوجود السوري في لبنان، وتاليا للعلاقات السورية / اللبنانية، يحافظ على أكبر قدر ممكن من النفوذ السوري في بيروت، ويقنع الدول العظمى برفع يدها عن القضية اللبنانية، وبتغيير سياساتها تجاه دمشق ؟

وهل للقاهرة والرياض من الوزن والثقل والتأثير ما يتيح لهما قلب استراتيجيات دولية تمت ترجمتها إلى قرارات اتخذها مجلس الأمن، تعتبرها القوى الكبرى، وخاصة منها أميركا، ملزمة وواجبة التنفيذ، وكثيرا ما تقرن تنفيذها بكلمة فوري ؟

إن الرد على هذا السؤال لا يمكن أن يكون غير لا صريحة. فلماذا ترك