unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-03-19  

سورية الطلاب والمعارضة: تطور جديد


بقلم: أسامة المصري *


أخبار الشرق - 19 آذار 2005


على الرغم من حفظ الفارق من حيث الهدف والنية؛ فإن هجوم الطلاب بلباس عسكري بإمرة القائد كما كان يسمى رفعت الأسد عام 1981 على الشارع الدمشقي لنزع الحجاب عن رؤوس النساء المحجبات من أجل تحرير المرأة - لكن على طريقة القائد آنذاك - تلك العملية التحررية دفعت العديد من النساء السوريات إلى ارتداء الحجاب وكانت النتيجة عكسية. وقيل يومها إن سفير النمسا بكى لما رأت عيناه.

وبعدما يقارب بع القرن على تلك الحادثة التي أدينت علناً من قبل الرئيس الراحل حافظ الأسد، قام طلاب الجامعة بلباس مدني لكن مسلحين بالعصي "التي كانت تحمل أعلام سورية" هذه المرة لضرب وتفريق اعتصام سلمي حضر إليه عدد من المعارضين الذين أمضى عدد منهم سنوات طويلة في السجن، ربما أكثر من سني حياة هؤلاء الطلبة.

هؤلاء أرادوا فقط أن يطالبوا برفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام الاستثنائية ويطالبون بسيادة القانون. وهذا ما سينعكس إيجاباً على حياة هؤلاء الطلبة ومستقبلهم وليجربوا الحياة دون حالة الطوارئ وفي ظل سيادة القانون ودون فساد. فهل هؤلاء الطلبة لا يعرفون معنى لتلك الكلمات وتصرفوا بما تمت تعبئتهم به ضد هؤلاء المعتصمون على أنهم خونة وعملاء للغرب؟

في كل دول العالم المتحضر وغير المتحضر قاد الطلاب المظاهرات من أجل أهداف وطنية نبيلة ولعبت الجامعات دوراً ريادياً في عملية التغيير، لأن الطلاب هم من يرفضون القديم ويتمردون على الواقع ويكون لديهم الحماس والإرادة للتغيير والسير نحو المستقبل لأن المستقبل لهم، إلا في سورية فإن الطلاب يقفون عكس حركة التاريخ، فهم يريدون حالة الطوارئ والأحكام الاستثنائية ولا يرغبون في سيادة القانون ويدافعون عن الفساد بل ولديهم الاستعداد لضرب الآخرين بالعصي وربما بغير ذلك إذا دعت الحاجة!

أليست هذه مفارقة يجب الوقوف عندها ودراستها؟ وهل هذا مؤشر على مرحلة جديدة من العنف؟ أم أنها فكرة عابرة خطرت على بال أحد جهابذة فن القمع؟!

أما المفارقة الثانية فهي تتعلق بالمعارضة وحجمها ودورها وطروحاتها وموقف السلطة منها، فهل هناك نظام لديه معارضة مثل المعارضة السورية يرسل طلابه لقمعها والاعتداء على رموزها؟

إن المعارضة السورية التي نظمت أو حضرت الاعتصام كانت طوال عمرها تلعب دور المعارضة السلمية، بل أكثر من ذلك "الحملية" (مأخوذة من حمل) وهي لا تختلف في أيديولوجيتها عن السلطة ولا تختلف عنها في كثير من المواقف السياسية إن كانت وطنية أو قومية، وربما لا تختلف عن السلطة إلا في أنها غير موجودة في السلطة. إن أي سلطة أخرى يجب أن تكون حريصة على معارضة على شاكلة المعارضة السورية فهي غير مؤذية أبداً ويمكن أن تبقى كما هي طالما بقيت السلطة في الحكم، فوجودها مرتبط بوجود السلطة. فهذه المعارضة ملتزمة بكل الثوابت الوطنية وبالموقف من أمريكا وربما هي أكثر حساسية اتجاه أمريكا من السلطة، وهي كما هي عبر تاريخها الذي هو عمر النظام السوري أو يزيد. ولن تطالب بأكثر مما يطالب به بعض أعضاء حزب البعث. فمنذ أيام تحدث السيد محمد إبراهيم العلي قائد الجيش الشعبي سابقاً وعلى القناة الفضائية السورية مطالباً بحل القيادة القومية ووصف القيادة القطرية بأنها متكلسة وقال إن أي محامٍ أو مهندس يمكنه أن يجلس مكان أي من أعضاء القيادة القطرية ويصرف أعماله، واعترض على وجود البعث في قيادة الدولة وقال: إن على البعث أن يتخلى عن قيادة الدولة ويكتفي بالمجتمع .. إلخ. أليس تلك مطالب أعلى من إلغاء حالة الطوارئ مثلاً؟

لكن تحريض الطلاب وإرسالهم لقمع هذه المعارضة المطالبة بمطالب جزئية على طريق مستقبل أفضل لسورية وشبابها وطلابها إن كان في رفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام الاستثنائية أو سيادة القانون؛ يشكل مفاجأة. أليس لدى السلطة أجهزة أمن أو ما يسمى بعناصر حفظ النظام لتفرق المعتصمين؟ وهل هي بحاجة إلى هذا التصرف على الطريقة القبلية والعشائرية (اذهبوا يا شباب وأدبوا هؤلاء العملاء بالعصي)؟ أم هو تأديب على الطريقة الأمريكية بامتلاك القوة اللامحدودة واستخدام كل الوسائل المتاحة؟

أعتقد من لديه معارضة كما المعارضة السورية يجب أن يعاملها كـ "نبتة" صغيرة بالرعاية والسقاية فهي ليست عنيفة أو مؤذية وليست ذات مطالب صعبة، فعدد من أعضاء حزب البعث يطالب بتغييرات أكثر مما تطالب. فالسلطة السورية مطالبة اليوم بانفتاح أكثر على قوى المجتمع الحية وعلى المعارضة، من أجل وحدة وطنية في مواجهة المستقبل بشجاعة أكبر،. وليكن التعامل مع الانسحاب من لبنان على أنه ليس خسارة بل فرصة للالتفات إلى الداخل السوري ووضع خطة إصلاح حقيقية تشفي سورية من أمراضها، وليس المزيد من القمع أو تحريض الطلاب على استخدام العنف مضللين بكلام عفى عليه الزمن.

__________

* كاتب صحفي سوري - دمشق

   [ POSTED  @ 4:07 م ]


 

بورتريه مختصرة لأحد قادة منظمي الهجوم الطلابي... : محمد خليل السباعي

على تجمع قصر العدل أو على الكومونة الدمشقية كما وصفه أحدهم.

هيلا هيلا يا قامع..هيلا هيلا هيلاـ.

لم تكن الدنيا بطولها وعرضها تتسع لمحمد عمار الساعاتي الشاب، والتي بدت له ربيعاً تتزاحم فيه الزهور وإن بدت لمن حوله خريفاً

جحيماً تتساقط فيه الأوراق، وتحترق الثمرات ويموت الحب ويبلى المستقبل.

لم تعرف دمشق الثمانينات أقسى من ذلك الخريف ، فأنين ضحايا حماة وجسر الشغور وسرمدا ... كان يملأ جنبات المدى، وكان البشر يصطفون كالأغنام على أبواب " المؤسسات العامة الاستهلاكية " بانتظار حصة الرز والسكر حاملين كوبونات القهر وأكياسهم البيضاء ورفات أحلامهم الكبيرة والصغيرة . طوابير طويلة ومترامية ورعاة متوحشون من الشرطة والمخابرات يراقبون كل شيء بعيونهم وسياطهم وويل لمن حاد أو تنفس.

ولكن رياح محمد عمار بن محمد نوزاد الساعاتي هبت فلا بد أن يغتنمها، والفرصة لا تتكرر مرتين.

لقد قادت الصدفة عمار كونه دخل كية الهندسة الميكانيكية والكهرباء " كلية الهمك" بنفس الوقت مع شاب من عمره، وأي شاب، وأي صدفه مع ماهر حافظ الأسد . كان عمار مثله مثل ملايين الشباب يعرف أن الدنيا ليست ربيعاً وأنها سعير ملتهب، وكان عمار الصغير قد استرق السمع في مجالس عائلته المحظورة على الأطفال كي لا يكرروا ما سمعوه غداَ في مدرستهم فتحدث الكارثة عرف كل هذا ونجا من المحرقة. وأتاه الحظ كالبرق وعليه أن يعرف كيف تؤكل الكتف. عرف عمار أن زميله ابن طاغية افترس دمشق.... والتهم الريف والمدينة والقطن والقمح والبترول .. .ومثل القوة والغطرسة التي نراها في ملامح الوحوش ترطن بمقولة: " من ليس معنا فهو ضدنا".

أدرك عمار أنه لا بد من الوصول " فلا حياة في هذا القطر إلا للانتهازية والوصولية" ، ووجد الأبواب مفتوحة على مصراعيها حتى من دون حاجة أن يقرأ ما تيسر حفظه وصعب فهمه على أي طالب سوري من المنطلقات النظرية ، ودستور الحزب ، وأقوال القائد التي يجب ، أن تكون في قلب كل سوري، قبل " الفاتحة" و" أبانا" .

وتعلم عمار الكثير من خضٌار الحارة وسمٌانها وفقيهها العجوز ما يملؤ جعبته من سهام الكذب ومظاهر الرياء، فلا يهم ، المهم الكلمات المنمقة:

أمرك مـولاي

خدامـك يـا بيـك

حـنا رجـالـك سـيدي.

فسطا على عقل وقلب ابن " القائد الضرورة" ونال النعمة وفاز بالحظوة .. فلا جناح عليه بعد اليوم في ملاعب اللهو وحور العين.. إلى يوم الدين.

وبسرعة الصواريخ الأمريكية طار عمار من الهيئة الإدارية لكليته إلى رئاسة فرع جامعة دمشق للإتحاد الوطني لطلبة سورية ، ليصبح بعد ذلك نائب رئـيـسه، فـرئيـسه فعضواً في مجلس الشعب عن قائمة " العمال والفلاحين"

.

لكن الدنيا التي ابتسمت له عادت لتعبس في وجهه، ها هم أقرانه البغداديون في خبر كان..... ولكن هيهات لم يعد خلفه سوى الجدار، لكنه أدرك أنه أسير زميله وولي نعمته ماهر، وعليه أن يصدع للأوامر. وهكذا وجد نفسه في الخندق الأمامي وواجبه أن ينفذ ما يؤمر به وتتالت الامتحانات:

-على اثر الانتفاضة الكردية، خرج الطلبة الأكراد من المدينة الجامعية بدمشق لملاقاته بعد أن سمعوا نبا استشهاد زميل لهم وانهزم في نقاشه معهم وفشل في إقناعهم بمنطقه الأخرق وكل من يعرفه يذكر جيداً أنه عندما كان في المكتب الإداري لجامعة دمشق لم يعرف في إحدى الندوات من هو أكرم الحوراني ، ومن هو ميشيل عفلق .. ، لم يكن مضطراً حتى أن يقرأ أدبيات حزبه المتهاوي، بسبب إدراكه أن السلطة أهم وأثمن من الثقافة في دولة العصابات والميليشيات، وما كان منه ثأراً لكرامته إلا الانتفاض في وجه هؤلاء الطلبة " أكراد نجران": سأفصلكم من الجامعة والمدينة "

الشهادة لله أنه رجل فعل ، وحينما يتوعد يفعل. ......

وبمناسبة اليوم الوطني للاحتجاج على قانون الطوارىء، وعندما أصبحت كل الدنيا تتحدث عن المخابرات السورية وسطوتها في سورية وفي لبنان، كان على عمار أن ينفذ المسرحية التي رسمها له ولي نعمته العقيد الركن ماهر حافظ الأسد. فجمع عمار جهازه في مزرعته " الاتحاد الوطني لطلبة سورية" وقال لهم :

هناك اعتصام لبعض الخونة، يطالبون بالتدخل الأمريكي والصلح مع إسرائيل وعليكم أن تلقنوهم درساً لن ينسوه، ووزع عليهم العصي الغليظة ولم ينسى صور " الرئيس" بشار.. وشعارات الحملة ، وطمأنهم أنه على اتصال مع الشرطة والأمن فلا غبار عليهم ولا حرج في هذه الغزوة المباركة .

وسجل بذلك هذا النظام وبقرار من أعلى المستويات العائلية الأسدية ، وعبر أحد أكثر جلاوزتهم ولاءً وسفاهة اعتداءه الغاشم على المدافعين عن ضمير الشعب السوري وشرفه الذي طالما مرغه هذا النظام بسلوكه وممارساته على مدى أكثر من ثلث قرن.

وما نقوله لهم ونردده مع شعبنا الذي طال صبره : رياح الديمقراطية هبت في الجوار وهي قادمة لا ريب في ذلك على أكتاف الشرفاء من أبناء الكومونة الدمشقية ولو كره الساعاتيون.

يا دامي العينين والكفين لا تحزن

لا السجن باق

ولا حجرة التوقيف بما فيها ولا زرد السلاسل

نيرون مات، ولم تمت روما بعينيها تقاتل.

الرأي / خاص

   [ POSTED  @ 3:59 م ]



   2005-03-18  

يتمني العودة إلي ما قبل اختراع الطباعة: كيف يواجه الاعلام السوري الواقع؟

2005/03/17

القدس العربي

حكم البابا
لا يزال في أذني صدي كلام وزير الإعلام السوري الدكتور مهدي دخل الله الذي اعتبر قرار وقف بث تلفزيون (المنار) في فرنسا قبل أشهر (تطور خطير يتنافي مع مبادئ الديمقراطية الاعلامية والتسامح) ورأي (في جوهره عمل موجه ضد الحرية الاعلامية في العالم)، وكذلك سطور رئيس اتحاد الصحفيين السوريين الدكتور صابر فلحوط عبر بيان أصدره اتحاده ورأي أنّ القرار (شكل ضربة موجعة لمبدأ حرية الصحافة والاعلام .. وان الصحفيين في سورية ينظرون بقلق بالغ إلي هذا القرار غير المبرر) ، ولكن التصريح والبيان السابقين يبدو انهما لاينطبقان علي الواقع الإعلامي في سورية صاحبة الوضع الخاص، كما يحب كل المسؤولين هنا أن يرددوا، مما يذكرني بدور الفنان أحمد زكي في مسرحية (مدرسة المشاغبين) الشهيرة الذي كان يرفض مشاركة زملاء فصله المشاغبة بسبب وضعه الخاص، ومما يذكرني أيضاً بالمصطلح الشهير في قاموس إعلامنا السوري حول الكيل بمكيالين، فمن يتدبر أمر الإعلام السوري، يعتبر صحفاً مثل (النهار) اللبنانية، و(القدس العربي) اللندنية موتورة وحاقدة ومرتبطة (وعلي مايبدو أن جريدة المستقبل اللبنانية قد ضُمت أخيراً إلي القائمة المعادية) ولذلك فهم يتكفلون بحماية القارئ السوري من سمومها، وجاء استشهاد الرئيس رفيق الحريري ليضيف قائمة طويلة عريضة من الصحف اللبنانية والعربية إلي هذه القائمة السوداء بسبب مقال أو خبر منشور فيها، فاختفي عدد من هذه الصحف نهائياً من الأسواق السورية، وتأخر توزيع عدد منها لأيام وأيام، ولذلك أصيب كثير من السوريين بما يشبه دوار البحر، حين صاروا يشترون عدد السبت من جريدة ما يوم الإثنين، ودخلت أيام الأسبوع في بعضها فأصبح بعض السوريين يذهبون إلي عملهم يوم السبت (وهو يوم عطلة رسمية في سورية) لأن عدد الجريدة الذي اشتروه بعد خروجهم الصباحي من البيت هو عدد يوم الخميس(!!)، وفي تقييم الإعلام السوري هناك قنوات تلفزيونية معادية، فـ(الجزيرة) كانت صهيونية ويهودية إلي أن تم تكليف مدير مكتب لها في دمشق يعتبر من الموالين، فهنا لا أحد يعبأ بالمهنة الصحفية، وتعرضت قناة (العربية) مؤخراً إلي هجوم علني في صحافة سورية، لأن أخبارها لم يقم بتحريرها السادة المبدئيون في دائرة الأخبار في التلفزيون السوري، وأفتي اتحاد علي عقلة عرسان للكتّاب بتحريم وبالثلاثة التعامل مع قناة (الحرّه)، وهذا ينطبق علي شبكة الأنترنيت فموقع جريدة (إيلاف) الالكترونية محجوب، وكذلك موقع (القدس العربي) وكل المواقع التي تقول بأن هناك حقوقاً للانسان، وللانصاف يجب أن أعترف إن كل المواقع المخصصة للدفاع عن حقوق الحيوان مفتوحة أمام مستخدم الأنترنيت السوري (!!) .
هذه المعلومات يعرفها كما أعتقد كل مواطني العالم، فلو كنت ماشياً في شارع في كركاس الفنزويلية والتقيت بمواطن أمريكي لاتيني، وعرف بالصدفة أنك سوري لكان أول سؤال يوجهه لك: هل حُلت مشكلة الإعلام لديكم؟ وأعتقد أن ملاكي القبر الشهيرين أنكر ونكير يسألان المتوفي عندما يعرفان بأنه سوري: متي ستجدون حلاًّ لمشكلة الإعلام لديكم؟ أما الجديد والذي يعتبر آخر ابداعات الإعلام السوري فهو ايقاف مراسل تلفزيون (الحرّه) وراديو (سوا) الأمريكيين الزميل عمار مصارع عن العمل في سورية، بسبب (لا يخفي علي كفيف فكيف بالمبصرين) تغطيته للاعتصام الذي قامت به مجموعة من نشطاء حقوق الإنسان السوريين في ساحة الشهداء في دمشق (أكرر ساحة الشهداء في دمشق وليس في بيروت)، للمطالبة بإلغاء قانون الطوارئ وإطلاق سجناء الرأي والحريات العامة، وتصريح رافق التغطية للأستاذ رياض الترك عمّا تعرضت له التظاهرة من ضرب واعتداء من أشخاص صفتهم الرسمية الوحيدة انتماؤهم لحزب البعث، وفي حضور الشرطة والمخابرات المحايد والسلمي للغاية، وبغض النظر عن كون هاتين الوسيلتين أمريكيتين أو هندوراسيتين، فهما أولاً وأخيراً وسيلتا إعلام من واجب كل إعلامي التضامن معهما كي لايتم أكله لاحقاً بعد الانتهاء من التهام الثور الأبيض، وطبعاً لم يدل وزير الإعلام السوري بتصريح استنكاري لهذا الاعتداء علي الحرية الاعلامية، لأن وزارته هي التي قامت بهذه الخطوة، ولم يصدر رئيس اتحاد الصحفيين بياناً استهجانياً، رغم أن تصريحاته الأخيرة زوادت علي كل الذين يطالبون بانفتاح الإعلام السوري، ولكن الدكتور فلحوط طلب مني أن أقول علي لسانه (حين اتصلت به لأتأمل الطريقة التي سيزاود بها عليّ في موضوع الحرية الإعلامية) أنه يعتبر هذا القرار غلط.. غلط.. غلط، وبقي يكررها حتي ظننت أنه سيستقيل احتجاجاً من رئاسته الأبدية للصحفيين السوريين، أما معاون وزير الإعلام الأستاذ طالب قاضي أمين فقد اعتبر أن وزارة الإعلام لامشكلة لها مع قناة (الحرّة) وراديو (سوا) الأمريكيين(!!)، ومشكلتها مع المراسل الذين يريدون تغييره، وحين قلت له: ألا يكفي أنكم تتحكمون بمن يظهر ومن يُلغي من علي شاشاتكم، ومن يكتب ومن يمنع في صحفكم، فهل ستفرضون هذا علي الآخرين، رد بايجاز بليغ ومعجز ورسولي: هذا هو القانون (!!).
ليست مشكلة الإعلام السوري في طرد مراسل، أو حجب موقع الكتروني، أو منع صحيفة، مشكلته الحقيقية أنه يريد العودة إلي عصر ماقبل اختراع الطباعة، حتي لايجد موتور أو حاقد أو عميل وسيلة يقول فيها رأياً مخالفاً، ولو قدّر له أن يعود بالتاريخ إلي ماقبل اختراع الأبجدية لعاد حتي إلي عصر ماقبل اختراع الكلام، ومشكلته أيضاً في أن الكهرباء موجودة ويكفي المواطن أن يشتري جهاز استقبال وصحناً لاقطاً وتلفزيوناً ليقوم بثورة عقلية تلغي حزام العفة الذي يريد الإعلام السوري فرضه علي تفكير مواطنه!!

اقطعوا البث: الثورة علي الهواء مباشرة

ما يجري في لبنان مربك لأي نظام استبدادي في العالم والعربي منه خاصة، ليس لأن هناك مظاهرات وحشودا تسقط حكومات، ولا لأن هناك شعارات عن الحرية تعلو، ولا لأن العالم كلّه ينفعل ويتفاعل فهذا يدلي ببيان وذاك بتصريح، فالأهم من هذا كلّه أن الثورة تنقل علي الهواء مباشرة، وبكلمة أدق الثورة تقاد عبر الشاشات التلفزيونية التي لم تكن من وظيفة في السابق سوي تسلية المواطن العربي قليل الحيلة الذي سلّم أمره لله ولحكامه ولأمريكا .
شيء خطير فعلاً علي هذا المواطن المدجن الذي لايعرف من النقل المباشر علي الهواء إلاّ فترات خطب زعمائه، ولم يتسن له سابقاً مشاهدة تهديد نظام واسقاطه لحظة بلحظة وكأنه يتابع مسلسلاً تلفزيونياً مشوقاً، ومنعه حاجز اللغة والجغرافيا من أخذ ثورات جورجيا أو أوكرانيا علي محمل جد الحقيقة الواقعة، فاعتبرها نوعاً من المسلسلات المكسيكية المدبلجة التي يشاهدها لكنها (ومن الآخر) لا تمسه مباشرة، لكن هنا وفي لبنان وباللغة العربية الأمر مختلف، لنقل إذا أردنا الدقة معجز، فلأول مرة يقف نواب وزعماء أمام الشاشة وفي مواجهة عدد من الميكرفونات ليتحدثوا وبالصوت العالي عن المخابرات، للوهلة الأولي اعتبر المواطن المشاهد نفسه آثماً وقد يُحمّل مسؤولية لمجرد سماعه شتيمة للمخابرات. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فهناك بشر ينزلون إلي الشارع ليتظاهروا، لا علي طريقة المظاهرات التي يشاهدها المواطن العربي المستعبد في بلاده، والتي تشبه (في بؤسها وضعتها وتهافت شعاراتها وقلّة إيمان من يردد الشعارات بما يردده) تظاهرة مجموعة كومبارس في مسلسل تلفزيوني منتجه بخيل و كحته ، فهنا الآن يصبح المتظاهرون الذين كانوا كومبارساً في السابق أبطال المشهد يقودون الفعل، ويقولون كل الحوار، ويتحول نجوم السياسة التقليديين إلي كومبارس حقيقي مرعوب. ويضيف الهتاف الذي تتعانق فيه الكلمة بالصوت الذي ينطقها عناقاً إيمانياً، والشعار المكتوب بذكاء تنامي خفية في سنوات القهر والكبت، والأعلام اللبنانية النظيفة التي ولفرط نظافتها يمكن أن تستخدمها أية شركة تنتج مسحوق غسيل كدعاية لها، وأي بلد تحت الاستبداد كرمز للحرية، والبالونات الحمراء والبيضاء التي ترتفع في السماء مع الموسيقا المناسبة، وكأنك تشاهد عرضاً خارقاً لسوبر ستار النصر، والأغاني المختارة بعناية، والشالات التي تحيط الأعناق بأناقة.. يضيف كل ذلك الاكسسوار المناسب والموسيقا المصاحبة لتظهر أمامنا صورة فنية لثورة مكتملة نظيفة وكأننا أمام فيلم سينمائي بإبهار وقوة وعمق وتأثير عمل ميل غيبسون (قلب شجاع)، وهنا تبدأ مشكلة المواطن العربي المستعبد الذي لا يستطيع إلاّ أن يتماهي مع ما يشاهده، وبالتوازي معه تبدأ مشكلة النظم الاستبدادية التي تتماهي أيضاً مع نجوم السياسة التقليديين الذين يتم الهتاف ضدهم وإسقاطهم، ويصبح التلفزيون ساحة الصراع بين الفريقين، الأول يريد أن يفتحه ويتنقل بين قنوات الحرية ليدقق في شعار لم يسمعه هنا، ويؤكد في لافته لم يرها بوضوح هناك، والثاني يريد إغلاقه أو عرض أفلام ثقافية عن الدلافين والأوابد الأثرية والمومياءات لتدخل الطمأنينة والسكينة إلي روع الفريق الأول، لكن هيهات فزمن القناة التلفزيونية (الوطنية) الرصينة الواحدة قد ولّي إلي غير رجعة، ولأن التلفزيون هو الذي هدم جدار برلين حين قدّم لمواطن ألمانيا الشرقية المناضل المنتوف، رفاهية ورغد عيشة مواطن ألمانيا الغربية المارق واللامنتمي إلي صفوف الحزب الثوري، فهو خطر علي كل ماتبقي من أحجار جدار برلين الهشة داخل الوطن العربي، ولأن قناتي الفرفشة والشو الفني (المستقبل) والـ(LBC) أصبحتا في هذه اللحظة الأكثر من تاريخية، لحظة انكسار الاستبداد، يمكنهما أن تنافسا بعضهما البعض الآن في دخول موسوعة غينس، بعدد كلمة (الحرية) التي قيلت علي شاشتيهما، ولأن الشاشة الوطنية جداً لم يعد لها من مشاهدين إلاّ المراقب الفني والمراقب الأمني بحكم لقمة عيشهما، فقد أصبح التلفزيون خطراً والحل الأكثر سهولة وفي متناول اليد هو: اقطعوا البث.. الثورة علي الهواء مباشرة، وكلمة الحرية خطيرة ومعدية مثل الكوليرا!
كاتب من سورية

   [ POSTED  @ 11:10 ص ]


 

يهود سورية: التطهير العرقي وصناعة الخرافة

2005/03/17

القدس العربي

صبحي حديدي


في أزمنة استثنائية مثل هذه، حاسمة في تحديد مصير النظام الحاكم في دمشق مثلما هي عصيبة علي كلّ سورية وسوري، يحدث أن يتعمّد خصوم البلد والشعب (وهم ليسوا بالضرورة خصوم النظام أنفسهم) الدمج الخبيث بين الحاكم والمحكوم وبين السلطة والشعب، بحيث يجري تأثيم سورية قبل وربما أكثر من نظام الإستبداد الذي يحكم شعبها. وهكذا يُخلط ــ ولا يختلط فقط، اعتباطاً واستطراداً ــ مأزق النظام الراهن في ما يخصّ العلاقة مع واشنطن وملفّات لبنان والعراق و مدّ الديمقراطية المصنّع في واشنطن، بقضايا لا تخطر علي بال، لأنها ببساطة مغلقة أو ساكنة أو غير قائمة أصلاً، مثل... التطهير العرقي لليهود في سورية!
نعم: التطهير العرقي لليهود ، والتعبير لا يجيء علي لسان رجل موتور ركيك العبارة بليد العقل مسطّح التفكير مثل وزير خارجية الدولة العبرية سيلفان شالوم مثلاً، بل علي لسان وبقلم جيفري ألدرمان، البروفيسور البريطاني البارز ونائب رئيس الجامعة العابرة للقارّات في لندن. لقد كان يردّ، كما لم يفعل أعتي وأسوأ وأردأ الصهاينة، علي مقالة عمدة لندن كين لفنغستون الشهيرة التي نشرتها الـ غارديان مطلع هذا الشهر، بعنوان الأمر يخصّ إسرائيل، وليس العداء للسامية . والبروفيسور لا يتورّع عن الجزم بأنّ أسوأ أحداث التطهير العرقي التي شهدتها الأزمنة الحديثة هي تلك التي تعرّض لها اليهود في الأراضي العربية ، فتبدو كلماته الرهيبة هذه وكأنها بالفعل مرشّحة للنقش في الحجر، والتحوّل إلي أسطورة جديدة راسخة لا يرقي الشكّ إلي صحّة منطوقها التاريخي والإصطلاحي!
الحقيقة ليست عكس هذا الكلام تماماً فحسب، بل هي نموذج صارخ علي حقيقة كبري ومحزنة لا صلة تجمعها بالأساطير أو اللفظ الملقي جزافاً علي عواهنه: عجز معظم الجاليات اليهودية عن الإندماج في أية ثقافة وطنية، والعزوف عن بلوغ درجة عالية أو كافية من حسّ المواطنة والمشاركة المجتمعية، ورفع الولاء لإسرائيل ــ حتي قبل أن تولد! ــ فوق كلّ ولاء. والمرء يتذكّر ذلك الإعلان الذي واصلت رابطة مكافحة الإفتراء الأمريكية الصهيونية نشره في صحيفة نيويورك تايمز ، والذي يقول: سورية تحتجز اليهود ضمن أقسي الشروط... في عقر دارهم ، حين كان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد يستقبل إبراهيم حمرا كبير حاخامي يهود سورية، علي الرحب والسعة، وليـــس فــــــي القصر الرئاسي، بل في بلدة القرداحة مسقـــط رأس الأسد!
آنذاك، في العام 1992 وعلي ذمّة مراسلة الـ واشنطن بوست في العاصمة الأردنية عمّان، دار حديث وجداني ودّي رقيق بين الأسد وحمرا، حين قصد الأخير القرداحة لتعزية الرئيس بوفاة والدته. الأمّ الطيّبة أشبه بالأرض الخيّرة، وفقدانها بمثابة خسران لأثمن ما في حياتنا ، قال الحاخام الشاب وهو يشدّ علي يد الأسد متأهباً للصورة الفريدة التي سوف تتصدّر في اليوم التالي الصحف الرسمية الثلاث، بما فيها البعث الناطقة باسم حزب البعث الحاكم. والمشهد كان سيبدو أكثر من مألوف وروتيني، بين رئيس دولة وراعي ديانة توحيدية أساسية، لولا أنه كان يكسر محرّماً بعثياً عريقاً حول حدود التعامل مع يهود البلاد.
في ربيع العام ذاته قال الدكتور نسيم حاصباني، الطبيب خرّيج جامعة دمشق والناطق الرسمي باسم يهود سورية، إنّ مغادرة قرابة 700 يهودي علي اثر قيام السلطات السورية برفع قيود السفر عنهم ليست خروجاً، بل حيازة لحقوقنا . ونقلت رويترز عن حمرا قوله إنّ التغيير الهائل في التفكير السوري جاء في أعقاب اجتماع بين الأسد والمجلس اليهودي السوري بمناسبة قيام الوفد بتقديم التهنئة في الولاية الرئاسية الرابعة. وقال الحمرا: كلّ ما طلبه الوفد، نفّذه الرئيس الأسد .
وقبل سنتين من ذلك الحدث كان الصحافي الأمريكي المعروف ملتون فيورست، وهو يهودي بالمناسبة، قد نشر تحقيقاً مطوّلاً في نيويوركر ، ذكر فيه حاصباني أنّ اليهود متساوون في الخضوع للرقابة الأمنية وإجراءات السفر مع مجموع المواطنين السوريين، مع فارق أنهم يمتلكون حظوة خاصة لدي السفارات الغربية عند التقدّم لطلب التأشيرة . قبلها كانت منظمة العفو الدولية قد أطلقت حملة واسعة (من النوع الذي سيختار له البروفيسور ألدرمان صفة التطهير العرقي ) للإفراج عن عشرة يهود احتُجزوا وهم يزمعون مغادرة سورية خلسة إلي إسرائيل.
وخلال أقلّ من سنتين أطلق سراح أربعة منهم، وحُكم علي أربعة بالسجن سنتين بعد اعترافهم بالتخطيط لرحلة الي إسرائيل، وبقي إثنان منهم دون محاكمة حتي أفرج عنهما في مناسبة الولاية الرئاسية الرابعة. آنذاك كان آلاف المعتقلين السياسيين يقبعون في سجون النظام دون تهمة أو محاكمة، منذ 20 سنة (القيادة البعثية السابقة)، و15 سنة (مختلف مجموعات الإخوان المسلمين)، و12 سنة (قيادة وأعضاء الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي )، و10 سنوات (قيادة وأعضاء حزب العمل الشيوعي )، فضلاً عن الناصريين والبعثيين (قيادة قومية) ومجموعات من العرب الفلسطينيين والأردنيين واللبنانيين...
ذلك كان يعطي الحاخام حمرا الحقّ كلّ الحقّ في أن يفرح ويتهلل، فلا أحد من أبناء رعيّته قضي تحت التعذيب في أقبية المخابرات السورية (كما حدث مع العشرات من أعضاء التنظيمات المعارضة)، وفرسان تدمر والمشارقة وجسر الشغور وحماه أعملوا السيوف في رقاب أخري غير تلك التي تحمل رؤوس بني إسرائيل وأحفاد شاول الطرسوسي. إنهم في دمشق، وفي الشارع المستقيم دون سواه، يقيمون ويعملون ويتعبدون ويعيشون في فيء العهد الذهبي ذاته الذي قطعه الملك الآرامي بنهدد إلي الملك اليهودي آخاب قبل أكثر من 2000 سنة: إني أردّ المدن التي أخذها أبي من أبيك وتجعل لنفسك أسواقاً في دمشق كما جعل أبي في السامرة .
أكان الحاخام حمرا يلمّح إلي هذا العهد حين حدّث حافظ الأسد عن الأرض الخيّرة كمن يتوجّع وهو يوشك علي مغادرتها... طائعاً تماماً (غادر سنة 1995، وهو اليوم يقيم في الولايات المتحدة)؟ أكان يشير إلي عقر الدار وكأنه يعيد ترجيع العبارة المتكررة في إعلان المنظمة الأمريكية الصهيونية، أو يستظهر نصّ المشناه (أبرز كتب التلمود) الذي يقول: مَن يشتري أرضاً في سورية مثله كمثل مَن يشتري أرضاً في ظاهر أورشليم ؟ ألهذا غادر يهود سورية، طواعية تماماً مرّة أخري، فانخفض عددهم حتي بات لا يتجاوز الأرقام التالية: 150 في دمشق، و30 في حلب، و20 في القامشلي؟
هذا هو التطهير العرقي في الأزمنة الحديثة، فماذا عن الأزمنة الأخري؟ ليس بجديد التذكير بأنّ اليهود عاشوا في وئام وسلام وطمأنينة بين ظهراني أبناء سورية (أو حيثما تواجدوا في العالم العربي) منذ غابر العصور، كما تعترف الموسوعة اليهودية ذاتها. لقد هاجروا تحت ضغط نبوخذ نصّر إلي فارس وآسيا الوسطي، قبل أن تصل أولي موجاتهم إلي حوران ودمشق وساحل المتوسط الفينيقي. شاول الطرسوسي، أقدم جدّ توراتي معروف ليهود سورية، كان ينفث تهديداً وقتلاً علي تلامذة الربّ، فما وجد أناساً من الطريق رجالاً ونساء إلا وساقهم موثقين إلي أورشليم حسب الإصحاح التاسع من أعمال الرسل . لكنّ اليهود هم أنفسهم الذين تشاوروا لقتل شاول (ملكهم السابق، والذي سيصبح بولس الرسول بعد أن استجاب لنداء يسوع بواسطة حنانيا الدمشقي)، فأنقذه التلاميذ حين أنزلوه من السور في سلّة!
وتذكر الموسوعة اليهودية أنّ اليهود لم يخرجوا عن إجماع السواد الأعظم من السكان في الترحيب بالفاتحين المسلمين، وسرعان ما تحسنت أحوالهم وازدهرت تجارتهم وتوطدت الثقة بينهم وبين الحكام المسلمين. وعلي سبيل المثال، إثر انحلال الخلافة العباسية والخراب الذي لحق بالعراق، كان يهود سورية علي درجة من الدعة والجاه سمحت لهم باستقبال الآلاف من يهود العراق، الأمر الذي أطلق يدهم في شؤون الصيرفة والصناعات الحرفية كما يذكر المقدسي في أحسن التقاسيم .
وبعد أن فتح الفاطميون مصر وبسطوا نفوذهم علي جنوب سورية، أصبح يعقوب بن كلّس اليهودي أوّل وزير للعزيز، فلعب دوراً كبيراً في سياسة الدولة المالية والإدارية، وبلغ شأناً رفيعاً جعله لا يتردد في تسمية اليهودي مناشيه بن إبراهيم القزّاز حاكماً علي سورية. وكان اليهود آنذاك يقيمون في دمشق وحلب وصور وطرابلس وجبيل وبعلبك وبانياس. ولا ضرورة لإعادة تكرار ما تمتّع به اليهود من رخاء وحرّيات في العهد الأيوبي وعقود الحملات الصليبية، والتي يسردها بإسهاب الشاعر العبراني يهوذا الحريزي.
الوقائع الأخري اللاحقة ليست أقلّ دلالات: الشاعر اليهودي موسي بن صموئيل الدمشقي رافق أحد الوزراء المملوكيين في رحلة الحجّ إلي مكة، وفي العام 1605 أنشئت أوّل مطبعة عبرية في دمشق، وفي منتصف القرن الثامن عشر عُيّن شاول فرحي صرّافاً (أو وزير مال) لدي والي دمشق، وخلفه إبنه حاييم علي المنصب، وفي غضون ذلك تعاون يهود دير القمر وحاصبيا مع قوّات الأمير بشير الشهابي في قمع الثورة الشعبية ضدّ عبد الله باشا، وحين دخل إبراهيم باشا سورية في العام 1832 أبقي علي صرّاف دمشق اليهودي الحلبي يحيي أفندي...
وبالطبع، هنالك حكاية حادثة دمشق التي وقعت سنة 1840 حين وُجّه إصبع الإتهام إلي اليهود بقتل الأب توما الكبوشي وخادمه إبراهيم عمارة، لاستخدام دمهما في صنع خبز الفطير اليهودي كما شاع في التفكير الشعبي. ومن الثابت أنّ السلطان عبد المجيد تدخّل علي الفور وأصدر الفرمان الذي أعلن براءة اليهود من تهمة الدم، وحذّر من التعدّي علي الملّة الإسرائيلية .
التحوّل الحاسم بدأ مع تبلور الفكرة الصهيونية وفتح سؤال الهوية في الشتات، حيث انقسم يهود سورية إلي مجموعة حلب التي نادت بضرورة الهجرة إلي فلسطين لبناء دولة إسرائيل، ومجموعة دمشق التي كانت قريبة من خطّ اليهود الأوغنديين الذين وافقوا علي فكرة التاج البريطاني إقامة دولة يهودية في أوغندا. ولقد تمتع يهود حلب بدعم خارجي واسع، فأنشأوا مطبعة وأصدروا في عام 1921 أوّل صحيفة يهودية بالعربية تحت اسم العلم الإسرائيلي ، جري تبديل إسمها في عام 1946 إلي السلام .
متي، والحال هذه، وقعت عمليات التطهير العرقي ليهود سورية؟ لا الحاخام حمرا الذي هاجر إلي أمريكا، ولا الحاخام خضر شحادة كباريتي الذي حلّ محلّه ويقيم اليوم في دمشق، دَعْ جانباً رجل الأعمال السوري اليهودي البارز يوسف جاجاتي، سيوافق البروفيسور ألدرمان علي الذهاب بعيداً إلي حدّ استخدام ذلك المصطلح ذي العيار الثقيل. العكس هو الصحيح، سيقول الثلاثة أغلب الظنّ! وذات يوم تجشّم كريستوفر هتشنز عناء السفر إلي دمشق ليتأكد بنفسه من أنّ حكاية تأييد يهود سورية لحافظ الأسد لم تكن فبركة إعلامية رسمية أو مظهر نفاق ذاتي ناجم عن الخوف أو الضغط. ولقد وقف هتشنز في الشارع المستقيم دون سواه، طريق دمشق الأشهر الذي شهد تحوّل شاول (ملك اليهود المتعطّش للدماء) إلي بولس الرسول (حامل رسالة يسوع إلي آخر أرجاء المعمورة)، وشهد بأمّ عينيه مرور التظاهرة اليهودية التي تصدّرها الحاخام حمرا ورُفعت فيها لافتات تفتدي الأسد بالروح وبالدم. وبعد أن اجتمع بأقطاب يهود سورية علي حدة، بعيداً عن الرقباء والعسس، خرج بالنتيجة الدراماتيكية التالية: إنهم يحبّونه كما يحبّه أيّ بعثي، وأكثر أحياناً!
واليوم، ليس كثيراً أن يُطرح علي البروفيسور ألدرمان السؤال التالي: هل تأكد أنّ عدداً من اليهود العاملين في تجارة يوسف جاجاتي لم يكونوا في عداد ممثّلي الفعاليات الإقتصادية التي تظاهرت في دمشق قبل أيام... تأييداً للرئيس السوري بشار الأسد؟

   [ POSTED  @ 11:06 ص ]


 

صورتان للتغيير في العالم العربي

2005/03/17

القدس العربي

أمجد ناصر


هناك، الأن، صورتان للتغيير في العالم العربي تكشفان عن الفوارق بين التغيير العنيف المدبّر في الخارج والتغيير السلمي الذي تصنعه إرادة الداخل.
الأولي: صورة العراق الذي حدث التغيير فيه من خلال الصدمة والترويع ، وزحف أقوي جيوش العالم لتحطيم أركان الدولة القائمة، جالباً معه، تحت صريف الحديد، صنائع محلية لتكون واجهة التغيير المراد.
والثانية: صورة لبنان الذي فجرّ اغتيال الحريري مكنونه الصامت من الغضب المتراكم طيلة عقدين، أو أكثر، وفتح أفقاً لشوق مقموع إلي حرية تصنع وطناً لم يعرفه الشباب المرابطون في الساحات، ولا عرفه، من قبل، ذووهم.
لكن الأهم، أن هذين الشكلين للتغيير يذهبان في اتجاهين متعاكسين تماماً، وأخشي أن أقول ان التغيير العراقي يدخل نفقاً يحاول اللبنانيون، اليوم، الخروج منه: الطائفية ومحاصصاتها.
وبصرف النظر عن نوايا و خلفيات بعض القوي اللبنانية التي تتلطي وراء مسيرة الشباب الساعي للتغيير، فالمؤكد، تماماً، أن المناخ العام لحركة التغيير لا يصدر من ذلك الموزاييك الطائفي الذي انحشر فيه لبنان منذ استقلاله عــــام 1943، فيما يكتشف العراق، في لحظته الأمريكية، طائفيته واثنيته ويخوض في غمارهما الداميين حتي الركب.
لافت للأمر أن يقف أحد الطائفيين اللبنانيين المعروفين في تظاهرة المعارضة المليونية ليقسم أمام الملأ، بأغلظ الايمان، ان لا شيء سيفرق اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، بعد اليوم، في الوقت الذي لم يستطع الطالعون من الملل والنحل والطوائف في العراق، أو المرتدون إليها بعد عمر طويل في العلمانية والتقدمية، الاتفاق علي قسمة ضيزي لكعكة انتصار الدبابة الامريكية.
لافت، أيضاً، أن أحداً من القوي التي تحرك، أو تركب، موجة الشارع اللبناني، لم يرفع راية حزبية، أو شعاراً طائفياً أو جهوياً.
كان العلم اللبناني، العائد من نفي طويل، وحده يتصدر الجموع، فيما انزوت أعلام الأحزاب والطوائف إلي الزوايا والأركان المعتمة التي تليق بها.
هذا، بالضبط، نقيض ما يجري في العراق (الأمريكي)، حيث تتقدم رموز الطوائف والاثنيات علي ما عداها من رموز وشعارات عراقية جامعة.
يكفي أن نعود إلي قوائم القوي التي فازت بالانتخابات العراقية الأخيرة لنري الي اي جهة يرجح الميزان. فباستثناء قائمة، او قائمتين، صغيرتين، انطلقت من تصور سياسي أو طبقي (الشيوعيون، مثلاً)، فإن باقي القوائم كانت مكللة بالعمائم واللحي، او مرتدية الأزياء الاثنية، وناطقة بحديث الملة والعرق لا بحديث العراق الواحد.
من المؤكد ان عراق صدام حسين لم يكن براءً من الطائفية والاثنية، لكنه، في الأقل، لم يجعلهما قاعدة مكشوفة، علي رؤوس الاشهاد، للعبة القوة والحكم!
هذا ليس رأيي، بل ما قاله معارض عراقي علماني في نقاش استضافته الجزيرة ، مؤخراً، بينه وبين مسؤول أمريكي.
كان المعارض العراقي العلماني يلوم المسؤول الامريكي، بمرارة، علي المأزق الذي يجد العلمانيون العراقيون أنفسهم محشورين فيه، وسط الاستنفار الطائفي والاثني الذي يطبع المشهد السياسي العراقي اليوم.
المعارض العراقي امريكي الهوي، وهو لم ينكر ذلك، ولكنه حمل الأمريكيين مسؤولية غياب البعد الوطني العراقي (أي الناطق باسم العراقيين بصرف النظر عن مذاهبهم وأعراقهم) في عملية التغيير.
لم يقل المسؤول الأمريكي كلاماً مقنعاً.
قال، ما معناه، ان هذه هي مكوّنات العراق، ناسياً ان المجتمع الامريكي يتكون، أيضاً، من منابت وأصول متباينة، لكن أعضاء الكونغرس، أو مجلس الشيوخ، لا ينتخبون علي أساس كوتا الأصول والمنابت، بل انطلاقاً من برامجهم الانتخابية