unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-04-22  

استنكار تصريحات قيادي بعثي

بهية مارديني

بهية مارديني من دمشق:استنكرت مصادر سورية اعتراف قيادي بعثي رفيع المستوى في سورية بأن حزب البعث الحاكم ارتكب خطأ كبيراً أثناء سنوات حكمه الطويل وانه كان يجب أن يفسح المجال للرأي الآخر ، واعتبرت المصادر اعترافه مؤسفا ومتأخرا .
وعبّر الناشط الحقوقي أنور البني في تصريح لـ"إيلاف" عن أسفه أن تصدر هذه التصريحات من عضو قيادة قطرية للحزب ورئيس مجلس الشعب السوري السابق الذي رفع خلال 5 دقائق الحصانة عن النائبين السوريين رياض سيف ومأمون الحمصي لمجرد مطالبتهم ببعض الإصلاحات الاقتصادية والسياسية ،واستنكر وان يصدر هذا الكلام منه والنائبين مازالا في السجن وكان الأحرى به أن يحاسب نفسه قبل أن يتكلم عن لجنة محاسبة وان يقدم اعتذارا علنيا للنائبين ولجميع أعضاء مجلس الشعب الذين قمعهم خلال تبوأه لمنصبه في سورية.
ولكن البني استطرد قائلا" إننا من المفروض ألا نستغرب أن تصدر هذه الكلمات عن مواقع مسؤولة في السلطة كانت أو مازالت في مواقع القرار الآن وبعد الضغط الخارجي المرّكز وهل يحق لنا أن نتساءل لماذا هؤلاء الأشخاص لايتجاوبون إلا تحت الضغط الخارجي تحديدا" ، من جهته قال الدكتور عمار قربي عضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية في تصريح لـ"إيلاف" انه من المخجل أن بعض المسؤولين السوريين أصبحوا مثل بعض الفنانات المصريات إذ أنهم بعد حياة طويلة مليئة بكل الموبقات يتوبوا إلى الله في أرذل العمر ، وكذلك بعض المسؤولين بعد خروجهم من السلطة يبداوا في التنظير بحجة مسيرة التطوير والتحديث والنقد والإصلاح مع أنهم هم اس المشكلة، وأكد قربي انه ضمن هذا السياق نقرا تصريحات قدورة الذي مارس القمع على ممثلي الشعب عندما كان رئيسا للبرلمان ،قبل أن يمارس القمع على أعضاء حزب البعث بصفته عضو قيادة قطرية ، متسائلا كيف لنا أن ننسى كيف انبرى رادا على منذر الموصلي عندما طالب الأخير بتوضيحات حول تعديل الدستور قائلا " بأنه صاحب نفس إمارة بالسوء وعليه أن يردعها".
ومن جهة أخرى شكر البني جريدة الثورة الحكومية على تكبدها العناء وإرسال مندوبيها للاطمئنان على صحة النائب مأمون الحمصي في سجنه ، وأضاف كنا نأمل أن ترسل السلطات طبيبا مختصا ليعاين نتائج تحليل سكر الدم وارتفاع الضغط الشرياني عوضا عن إرسال مراسلة تزيد له في ارتفاع الضغط والسكر وبحجة إجراء لقاء صحافي استمر حوالي الساعتين عبر فيه النائب الحمصي عن كل أرائه السياسية وموقفه الرافض للفساد المستشري وحالة الطوارئ ووضعه في السجن واستمراره على الاستمرار بنفس المبادئ في بيانه الشهير 2001 ، ولم تقم الثورة بنشره وتحدى البني أن ينشر.
وطالب البني بالكف عن العبث والتلاعب بأعصاب الناس ومستقبلهم وحياتهم أن كان في موضوع إشاعات الإفراج عن معتقلي ربيع دمشق أو بالتلاعب بحياة المنفيين الذين يسمعون من الأنباء بالسماح لهم بالعودة دون تقديم أية ضمانات بعدم مساءلتهم أو اعتقالهم في ظل استمرار حالة الطوارئ وهيمنة الأجهزة الأمنية وبقاء المرسوم 49 القاضي بإعدام كل من ينتمي إلى الأخوان المسلمين وعدم الإفراج عن المعتقلين السياسيين واستمرار حملة الاعتقالات السياسية ، ورأى البني أن الخطوات الحقيقية للإصلاح معروفة وواضحة تبدأ بإطلاق جميع المعتقلين وإلغاء إعلان حالة الطوارئ وإلغاء المرسوم 49 وإعلان عفو شامل عن جميع السياسيين والملاحقين والمنفيين وإطلاق حرية العمل السياسي وحرية المجتمع المدني في تشكيل هيئاته وإطلاق حرية الصحافة ووقف كافة عملية النهب ووقف الفساد ومحاسبة رموزه المعروفين.
وكان عبد القادر قدورة عضو القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم في سورية اعترف في تصريحات صحافية بأن حزب البعث الحاكم ارتكب خطأ كبيراً أثناء سنوات حكمه الطويل، و انه يجب فسح المجال للديمقراطية والرأي والرأي الآخر وإمكانية جعل الإنسان يتحدث ويقول ما يشاء لتضييق هامش الفساد، واعترف أن لنا بعض الأخطاء ومنها أننا اعتبرنا أنفسنا نحن الدنيا، لكن الدنيا لكل الآخرين ونحن شركاء معهم.
وحول إذا كانت ستشكل لجان لمحاسبة المخطئين والمفسدين، قال قدورة إن ذلك قرار يجب أن يتخذه المؤتمر القطري المقبل للحزب.

http://www.elaph.com/Politics/2005/4/57217.htm

   [ POSTED  @ 11:08 م ]


 

يوسف عبدلكي:
انتمائي إلى وطني لا تمنحني إياه أي سلطة سياسية أو عسكرية

باريس - صالح دياب

بعد ربع قرن من المنفى في باريس، قرر الرسام السوري يوسف عبدلكي العودة إلى دمشق، في التاسع عشر من الشهر الجاري (اليوم)، ترافقه زوجته السينمائية هالة عبدالله وطفلته ليلى. هذا التاريخ يشكل مفصلاً أسياسياً في حياة عبد لكي فناناً وإنساناً، هو الذي ما فتئ يردد انه يعيش في باريس جسداً، لكن قلبه وروحه في دمشق. لم يستطع الفنان زيارة أهله، وأصدقائه طوال هذه الفترة، لعدم تجديد جواز سفره، والخوف من المخاطر التي قد يتعرض لها إذا ما عاد. مع ذلك ظل سؤال العودة يؤرقه، كان أشبه بجرح غائر في أعماقه، جرح مفتوح ينز دماً ولد الفنان في مدينة القامشلي، ودرس في مدينة دمشق. غلا أن تجربته الفنية، وعطاءاته كانت في باريس، في الأنواع الثلاثة التي يشتغل فيها: الرسم بالأبيض والأسود، الحفر على النحاس، والكاريكاتير. عبر نتاجاته الفنية نقرأ معادلاً فنياً للتاريخ السياسي السوري المعاصر، سواء في لوحات الأحصنة القتيلة والمجروحة التي رسمها في الثمانينات أو في العناصر التي رسمها بعد ذلك كالأسماك المقطوعة والرؤوس والأحذية والغصون المتقصفة التي تخفي وراءها كمّاً هائلاً من القسوة. من تونس إلى القاهرة إلى الكويت والإمارات إلى باريس ومدن أخرى كانت معارض عبدلكي تدور وتحقق حضورها الفني. وطوال ربع قرن كانت لوحاته تذهب وحدها إلى دمشق ولكن في التاسع عشر من الشهر الجاري يعود الفنان مع لوحاته للمرة الأولى إلى بلده.
هنا حوار مع الحفار والرسام يوسف عبدلكي قبل عودته بأيام إلى دمشق.

* بعد ربع قرن من الإقامة أو المنفى في فرنسا تعود اليوم إلى سورية. كيف تجرأت على اتخاذ قرار العودة على رغم ما يشكله ذلك من مجازفة؟

- عندما أخذت قرار العودة انتابني إحساس إنني على شفير إنهاء حقبة ثالثة من حياتي. الأولى كانت منذ ولادتي حتى عام 1966 في مدينة القامشلي، والثانية حتى عام 1981 في دمشق، والثالثة منذ ذلك التاريخ حتى الآن في باريس. شكلت لي المحطة الباريسية لحظة مهمة جداً في حياتي الفنية، فهي مكنتني من التعرف على الفن الغربي في شكل مباشر وملموس، فلم يبق هذا الفن مجرد تنظيرات وصور مشوهة في الكتب. وعرفتني على ذخائر الفنون القديمة والحديثة في مختلف أنحاء العالم، من الرسم الصيني، إلى النحت الفرعوني، إلى الفن المكسيكي، إلى المنمنمات المغولية والفارسية، إلى الحفر على الخشب الياباني... الخ. وأظن أن عملي في مجالي الحفر والرسم كان سيختلف لو لم تتح لي خلال ربع قرن ملامسة تلك الأعمال التي تتجاوز عشرات الآلاف.
يأتي قرار العودة اليوم وأنا أحس أن جعبتي مملوءة على رغم ان ذلك ليس إلا وهماً. فأشواق الإنسان أكبر من كل حصيلة وقدرته على المعرفة أصغر من أي جزء من فنون العالم. لا يمنع أن هذا الوهم يتملكني اليوم، وأنا أهيئ نفسي للسفر إلى دمشق. على صعيد آخر هذه لحظة عاطفية استثنائية بالنسبة إلي لأنها تشكل عودتي إلى المدينة التي تشكل فيها وعيي الثقافي وحسمت فيها خياراتي المهنية، وفيها صنعت أهم علاقاتي بمجتمعي في مرحلة الشباب، وفيها أقدمت على خياراتي السياسية التي طبعت بقية حياتي وأظن أنها ستطبع، هكذا أعود إليها وكأنني أعود إلى الرحم الحقيقي الذي خرجت منه.

* كيف تتوقع أن ترى دمشق؟ هل تخيلت كيف هم الناس والشوارع؟ ألا تخشى ألا تشبه سورية الصورة التي رسمتها لها في ذهنك؟

- أظن ان أي بلد في هذا العصر يتغير خلال ربع قرن تغيراً يكاد يكون جذرياً. هذا من طبائع الأشياء وغني عن القول أني سمعت عشرات الأحاديث عن مدى تغير دمشق خلال العقود الماضية، وأظن أن ذلك أعطاني حصانة كبيرة ضد أي خيبة أمل، علماً أني أظن أن المدينة القديمة في دمشق باقية على حالها نسبياً على رغم أنها تشوهت بعد أن غزتها عشرات المطاعم السياحية. إن التغيير الذي أخشاه فعلاً والذي أتوجس منه هو الذي أصاب البشر. فأخشى ما أخشاه هو أن تكون نداوة البشر وقدرتهم على العطاء والتضحية واتساع معنى الصداقة لديهم هي ما تغير. أعتقد أنني مهما حصنت نفسي فإنني سأصاب حقاً بخيبة أمل في هذا المجال.

* ألا تخاف من العودة، وردود الفعل التي قد تواجهها، لدى الوصول. ما الذي تشعر به كلما اقترب موعد السفر؟

- ليس خافياً أنني بقيت كل هذه السنوات مبعداً لأسباب سياسية وكانت عودتي في سنوات الثمانينات والتسعينات محفوفة بأكبر المخاطر على حريتي. لذلك كنت مكرهاً على البقاء إلى حين تتغير الظروف وأعتقد أن في السنوات الماضية تمت مجموعة تغييرات على مستوى العالم وعلى مستوى المنطقة وعلى مستوى الحياة السياسية في البلد، تجعل من العودة أمراً محفوفاً بمخاطر أقل. ليس الخوف وارداً في حساباتي ولا متسرباً إلى قلبي. ان الخوف الحقيقي هو أن أجد نبرة الناس لبناء حياة مختلفة قد علاها الصدأ، وقدرتهم على الاحتجاج حاصرها الخفوت.

* ستبقى هناك نحو شهرين بعد رؤية الأصدقاء والأهل ما الذي ستفعله طوال هذا الوقت؟

- لدي هاجسان يكادان لا ينفصلان. الأول التعرف على أحوال البلد السياسي ومعاينة مدى التغيرات التي طرأت على البلد خلال السنوات الماضية كناس ومثقفين وقوى وأفكار. والثانية التعرف على خريطة الفنانين التشكيليين الآن. ولقد ولد ونما جيل كامل من الفنانين الذين لم أتعرف على أعمالهم إلا من طريق الصور وأدلة المعارض والذين على رغم تقديري للمواهب المؤكدة للكثير منهم فإن لدي إحساساً بأن حالاً من الركود تعصف بالحركة عموماً على مستوى الموضوعات وعلى مستوى المعالجات. كل هذه الأفكار المسبقة قد لا تكون إلا محض وهم بدورها. المعاينة المباشرة ستكون دليلي.

* ولدت في مدينة القامشلي وأمضيت فيها كامل مرحلة الطفولة. هل تفكر بزيارتها؟

- قررت منذ سنوات ألا أعود إلى القامشلي، لأنني ببساطة أخشى الذهاب إليها. كانت تلك المدينة الصغيرة والوادعة في شمال شق سورية مدينة تتعايش فيها كل الأقليات بتناغم وبساطة تحسد عليهما. فمنذ العشرينات عاش فيها العرب والأكراد، السريان والأرمن والآشوريون والمحلمية، المسيحيون والمسلمون واليزيديون، وقد كانت مدينة على شيء مؤكد من الجمال والنظافة والترتيب. كل ما أسمعه عنها خلال النوات الماضية هو نقيض هذه الصورة الجميلة. لذلك لا أريد أن أذهب إليها حفاظاً على شيء من نصاعة ذاكرة الطفولة. الإنسان هو مجموع أعماله وذكرياته، وأنا لا أريد أن أمحو واحد من منابع الجمال في قلبي.

* بين دمشق وباريس، ربع قرن من الغياب. هل مرت فكرة الوطن في تحولات ما؟

- أظن أن الأنظمة العربية دمرت الفكرة الحقيقية للوطن منذ زمن بعيد. فبدلاً من أن يكون الوطن ملجأ المواطن وحاملاً لأحلامه ومكاناً للعيش الكريم والعمل الكريم، أصبح مكاناً لا يجسر فيه الإنسان على الكلام الصريح أو المخالف ولا يجد فيه عملاً كريماً ولا عيشاً آمناً. تمكن مراجعة طوابير السوريين الواقفين أمام السفارات الأجنبية طلباً للسفر لإدراك أين وصل معنى الوطن. وكلما أوغلت الأنظمة في إلغاء فكرة الوطن ارتفعت عقيرتها في وسائل الإعلام للتغني بالوطن. كل ذلك يجعلني حذراً كل الحذر من هذا التعبير، وأفضل عليه تعبير البلد لأنه تعبير أكثر حيادية من جهة كما لم يتم ابتذاله في الإعلام الرسمية من جهة أخرى.

* بهذا المعنى ستعود إلى سورية إلى "بلدك". ولكن بماذا يتحدد البلد الذي تحمل رغبة حارة في العودة إليها، إلى أي بلد ستعود؟

- سورية التي أريد أن أعود إليها هي سورية أصدقائي. معهم تفتحت عيناي على العالم ومعهم تشكلت عواطفي وميولي الفنية وخيالاتي السياسية. لذا كنت أحملهم في كل السنوات الماضية في قلبي لأنهم جزء أساس من كياني. لذلك أعود, وأحمل إليهم أربعة وعشرين عاماً من الشوق.

* 19 آذار موعد مفصلي في حياتك، كيف استعددت لهذا الموعد؟

- قمت قبل عودتي بإنجاز عملين كبيرين بالفحم أود عرضهما في معرضي في 5 أيار (مايو) في دمشق. لذا يبدو كل شيء غائباً في ذهني وعواطفي. كنت منغمساً فيهما، غير أن سؤالاً أو هاتفاً من صديق يسألني عن العودة يرد إليّ فجأة ضرورة التفكير في الموضوع وأخذه بما يستحق من الاهتمام. يبدو لي أني أجلت كل شيء إلى لحـــظة اللقــــاء الفعلية. كأني عشت في حالة انعدام وزن. خوفاً من أي تصعيد زائد لعواطفي، كأن حالة الحياد الحالية تقوم بوظيفة الحماية لما أخاف من عصفه لاحقاً.

* تمتلك جنسيتين، وجوازي سفر، أحدهما سوري والآخر فرنسي. هل ستعود بصفتك مواطناً سورياً أم فرنسياً من أصل سوري؟ وأي الجوازين ستستخدم؟

- لا أملك إلا جواز سفر واحداً هو جواز سفري السوري، ولا أحمل سواه جوازاً للسفر ولم أتقدم في حياتي لطلب جنسية أي بلد آخر. وعلى رغم أنني بقيت ست عشرة سنة من دون جواز سفر سوري، على مرحلتين خلال الثمانينات والتسعينات، فإني كنت مصراً دائماً على استعادة جواز سفري السوري. وليس في ذلك رفضاً لجواز السفر الفرنسي، الذي كان يمكن أن أناله منذ زمن طويل بحكم إقامتي الطويلة ودراستي العليا ودفعي الضرائب. بل ان الأمر مجرد عناد. اعتبرت دائماً من حقي كمواطن سوري أن أحمل جواز سفر بلدي، واعتبرت، دائماً، انه لا يجوز لأي سلطة وتحت أي ذريعة أن تنتزع مني هذه الوثيقة الأساسية. فانتمائي إلى بلدي وثقافتي ليس مناطاً بها، انتمائي هذا ليس إذنا يسمح لي به أمين فرع حزب ما أو ضابط في جهاز أمن ما. كان الأمر بالنسبة إلي عسفاً ضد حقوقي كمواطن، وكنت مصراً أن أستعيد تلك الحقوق مهما حدث. ولقد استعدتها من دون أن أقدم تنازلاً لأي كان. ان مسألة استخدام جوازات السفر، كأداة للضغط السياسي ولى زمنها تماماً، وولى زمن الكثير من وسائل الضغط الأمنية المنتهكة لحقوق المواطنين، فنحن يفترض بأننا مواطنون في دولة, ولسنا مواطنين عند حزب حاكم أو سلطة سياسية.

* ماذا ستحمل معك من باريس، وما الذي تفكر أن تعود به من دمشق. ما هو حجم حقيبة الذهاب وحقيبة الإياب؟

- لن أحمل معي أي شيء خاص. سأحمل بضع هدايا لأطفال العائلة، وأطناناً من الأشواق لعائلتي، وأصدقائي ورفاقي الذين قضى بعضهم في السجون ثمانية عشر عاماً، وهم يدافعون عن الحريات لمواطنيهم، والديموقراطية لبلدهم. وهنا يجب أن أذكر أن السفر أنقذني من تجرع كأس السجن مرة ثانية فيما لو كنت بقيت في سورية، وإذا لم يكن للسفر من ايجابية إلا هذه، فشكراً للسفر وشكراً للغربة، ذلك لأن عقوداً في الغربة لا تقارن بساعة واحدة في سجن تدمر.

* ترسم فردتي حذاء الأولى لرجل والثانية لامرأة هما أكبر لوحتين رسمتهما في السنوات الأخيرة. ما تعليلك لذلك؟

- اشتغلت في السنوات العشر الماضية على موضوعات هامشية. واشتغلت على عناصر توحي بما هو أبـعـد مـن دلالاتـها المادية المبـاشـرة كالعـظـام ورؤوس الأسماك المقـطوعة والعلب الفارغة. كان جـاذبي في بداية العمل على الأحذية هو القوة الغرافيكية التي وجدتها في أشكالها. لكنني مع استمرار العمل على الموضوع راحت الأحذية تنطق بشيء يشي بأصحابها مثل أناقتهم، جمالهم، أو تعبهم... وأظن أن الحذاءين اللذين أرسمهما الآن يقعان في هذه المنطقة ولا يوجد سبب للربط بين فكرة العودة وفكرة الحذاء كأداة للسير. إذ سيكون ذلك من قبيل الفذلكة الفلسفية ليس إلا.

* لقد سبقتك إلى دمشق لوحاتك ذات القطع الكبير. ماذا عن المعرض الذي ستقيمه في دمشق؟

- دعتني وزارة الثقافة المصرية لإقامة معرض لأعمالي ذات القطع الكبير، عام 2003 بواسطة الناقدة فاطمة إسماعيل المسؤولة عن قصر الفنون في القاهرة، بغية جمع أكبر قدر من الأعمال التي تشكل حصيلة السنوات الثماني الماضية، عصارة المجموعة التي ما زلت أخوض في تلافيفها المسماة طبيعة جامدة. أقدم معرض لتلك الأعمال في مجمع الفنون في الزمالك بعناية من رئيس قطاع الفنون التشكيلية الفنان أحمد نوار، واهتمام الفنان أحمد فؤاد سليم، وجاء العرض أكبر مما توقعت، ونال صدى أوسع مما تصورت، وكان هذا الصدى القاهري الجميل محرضاً لي كي ألبي دعوة المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب في الكويت فانتقل المعرض، مع بعض الإضافات إلى قاعة الفنون برعاية بدر الرفاعي الأمين العام للمجلس، وكان من الطبيعي بعد ذلك ذهاب الأعمال إلى دمشق. وعليه لبّيت دعوة غاليري أتاسي، وسيقام هذا المعرض هناك في السادس من أيار في خان أسعد باشا في دمشق القديمة وقررت أن أترك كل الأعمال، بعد انتهاء العرض في دمشق، لترتاح في المدينة التي شكلت مصدر محرضاتي وأشواقي الشخصية والفنية. هكذا تبدو لي مسألة عودة أعمالي إلى دمشق، كمحطة نهائية لها - وعلى سبيل المداعبة - كأنها عودة أوليس إلى ايثاكا.

الحياة- 2005/04/19

   [ POSTED  @ 9:56 م ]


 

عودة يوسف عبدلكي الى وطنه و «نصف الكأس الفارغ

دمشق - هالا محمد الحياة

عاد يوسف عبدلكي إلى دمشق ليل الثلثاء 19 الجاري، بعد خمسة وعشرين عاماً في المنفى الإجباري في باريس, قضاها في الإبداع الفني رسماً وتخطيطاً والإيمان بالحرية.

كان محروماً من جواز السفر، هو الذي زار السجن الوطني سابقاً وخرج منه في طريقه إلى المنفى الإنساني, صوناً لإنسانيته.

عاد برفقة زوجته وابنته الصبية التي تدخل بلدها للمرة الأولى منذ مولدها برفقة والدها “اللّغز”. والدها الغائب الحاضر, المحبوب، المحترم، المشهور والممنوع. الذي يحب وطنه ولا يستطيع دخوله! في المطار كان الأصدقاء والعائلة. كانت والدته أم يوسف التي شاب رأسها وتقدم بها العمر وهي تنتظر. لم يكن في وسع المرء أن يحتمل العاطفة الصبور التي تغمر وجهها. الابتسامة التي لا تجرؤ. والعين التي تترقب كمرصاد. اختلط الفرح الطارىء هذا, المربك، الحديث, الذي لم تختبر ثقتها به سابقاً، بحزن مزمن, بيأس، بتعب, بصلابة, وبامتنان ربما لباريس التي احتضنت ولدها بأمان طيلة لجوئه الإنساني إليها. باريس التي استطاع فيها أن يعمل ويحيا ويكوّن أسرة ويكون له أصدقاء ويكون إنساناً حراً لا ينقصه سوى وطن. سوى الوطن بعينه، وطنه سورية. باريس التي احتضنت حزنه حين توفي شقيقه فواز في دمشق ولم يستطع المجيء ليلقي أحمال الوداع وشجنه العالقة في وجدانه وفي وجدان علاقة الأخوة الخالدة.

خرج من باب المطار مبتسماً. صفقنا له. فرحنا، وطوينا صفحة الغياب. بكى البعض، البعض التمعت عيونه فقط. والبعض ذهب في تأمل طويل كمن يحلم. هل تكون هذه إحدى علامات البدء بملء “ نصف الكأس الفارغ “ ؟‍! ليتها تكون.

هل سنستقبل قريباً صبحي حديدي الذي لم يطأ أرض وطنه منذ ربع قرن !؟ وفاروق مردم بك والآخرين. هل سيصبح الاختلاف في الرأي أحد مفردات الممارسة الديموقراطية الضرورية للتطور؟ هل سيصبح القانون هو ضابط العلاقات العادل الذي يحمي مواطن`ة الفرد ؟ ليته يصبح.

هل تكون الأمور بهذه السهولة ؟! بعد أن اعتقدنا أن موطن الأمل هو في الأحلام فقط ! وأن لا وطن للأمل! وبعد أن اجترح سعد الله ونوس قبل رحيله جملته الشهيرة : “ إننا محكومون بالأمل “, كأنما ليقول لنفسه ولنا ان المحكوم محكوم حتى لو كان بالأمل. وأن الأمل في هذه المعادلة ليس خياراً. ليس سياقاً موضوعياً أو ذاتياً لانسيابية حياة سعيدة. هو حتمية إنسانية مرهقة مجلجلة من أجل البقاء. الأمل في هذه المعادلة جندي على خط النار! لا يموت ولا يعيش ولا يـدافع وربما ليس له أعداء!

يعود يوسف عبدلكي عودة مكثفة. فيفتتح شخصياً ولأول مرة منذ ابتعاده عن سورية معرضه الذي تقيمه غاليري أتاسي في خان أسعد باشا في السادس من أيار (مايو) المقبل. أعمال جديدة، لم نرها, عن مراحل كثيرة مرّ بها مشروعه الإبداعي. يرافق بنفسه هذه المرة لوحاته, يبقى قريباً من خطوط الحفر والزمن. كان يرسلها في الماضي ويسند رأسه إلى الهواء ليستمع إلى أصدائها في العيون والنفوس. اليوم سيراها بنفسه معلقة على الجدران, وربما ستراه هي.

   [ POSTED  @ 6:49 م ]


 

فضيحة ايقاف ندوات الحرة عن سورية: برافو.. سرايا الدفاع الاعلامية أفحمتهم !

حكم البابا


لم يعد لدي شك بعدما حدث من إلغاء لندوات قناة الحرّة الأمريكية التي كان من المقرر بثها مباشرة من دمشق بأن هناك واحدة من فرضيتين لاثالثة لهما تستهدف صورة سورية التلفزيونية، فإما أن هناك (شخصاً أو جهة أو شعباً) من ذهب عامداً متعمداً إلي أحد عتاة ممارسي السحر الأسود، وطلب منه أن يعمل عملاً لصورة سورية التلفزيونية، وسعي في الأرض لينفذ كل ما طلبه الساحرمن طلبات تعجيزية، فأحضر ظفر ابهام أيسر في قدم نملة بيضاء، وضرس عقل من الفك اليميني لصرصار أخضر، وشعرة شائبة من حاجب ذبابة حمراء، وقدمهم للساحر الأسود، الذي أشعل النار، ورش البخور، وقرأ التمائم، ونادي حشتروش، واستغاث ببشتروش، ثم التفت لهذا الساعي في تشويه صورة سورية التلفزيونية وقال له: إذهب فقد نلت مبتغاك.
إن لم يحدث ذلك فثمة فرضية أخري وهي أن مظلوماً (شخصاً أو جهة أو شعباً) رفع يديه إلي السماء، وناجي ربه شاكياً إليه ضعف قوته، وقلّة حيلته، وصرخ من قلب محروق: إلهي أرني فيهم يوماً(!!) وبالمصادفة البحتة كانت أبواب السماء مفتوحة لسبب من الأسباب، فوصل النداء وقُبل وأجيب علي الفور.
لا خيار ثالث غير الفرضيتين السابقتين يمكن أن يكون سبباً لما يحدث الآن لصورة سورية التلفزيونية، فمن غير الممكن أن تكون المصادفة وحدها وراء اجتماع هذا العدد الكبير من سرايا دفاع التحليل الاستراتيجي، و الوحدات الخاصة للتعليق السياسي السوريين الذين يورطون بلدهم بآراء ومواقف، وقفزات مظلية بهلوانية، ومناورات كلامية بالسلاح الخلبي، علي جبهات الفضائيات العربية التي يظهرون علي شاشاتها، وهم يظنون أنهم يدافعون عنه!
ومن المستحيل أن يكون سوء الأداء والتقدير (المتلازمين بسوء نية في وحدة مسارات حقيقية لا شكلية) في التلفزيون السوري عند كل حدث مجرد صدفة عابرة، فحين كان الأعداء من المشاهدين العرب والأجانب يتابعون بأعين مبهورة وأنفاس متقطعة، علي الهواء مباشرة وعلي كل شاشات تلفزيونات العالم، صور سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد، أو إلقاء القبض علي الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في حفرته، أو نزول الشعب اللبناني إلي شوارع بيروت مطالباً بالحرية والسيادة والاستقلال، اختلط سوء الأداء بسوء التقدير بسوء النية بمزيج متجانس، فقرر التلفزيون السوري أن الأهم لصحة المشاهد السوري النفسية والجسدية رؤية أفلام وثائقية عن الخصوبة عند الإخوة الحيتان، أو طريقة تكاثر الأشقاء الأرانب، أو فنون العشق لدي الأصدقاء الضفادع!
ومن غير المعقول أن يكون انقلاب كل محاولة رسمية لتحسين صورة سورية التلفزيونية إلي فخ يزيد في (تشويه) هذه الصورة مصادفةً أو عبثاً أو مقيداً ضد مجهول كالعادة، فكل ما يجري اليوم يتم كما لو أن مجلس الأمن الدولي أصدر قراراً بإجماع أعضائه يقول نصه: (علي المسؤولين عن صورة سورية التلفزيونية أن يعملوا وفق قاعدة جاء ليكحلها فأعماها)، ومن منطق التزام هؤلاء المسؤولين بالشرعية الدولية يقومون بتطبيقٍ حرفي وكامل لهذا القرار الافتراضي، وعليه فأنا أري الحل الوحيد المتاح أمام هؤلاء المسؤولين للخروج من دائرة الخطر التي يرسمها القرار الافتراضي السالف الذكر، المواجهة علي خطين متوازيين، الأول البحث عن ساحر خبير يستطيع إبطال العمل المعمول لهم وفك السحر، والثاني هو توزيع الخبز علي المحتاجين علي باب جامع الشيخ محي الدين في دمشق، عسي ولعل أن تساهم تلك الكفّارة في ابطال مفعول دعوة المظلوم أو علي الأقل يتم إيقاف العمل بها ولو بشكل مؤقت.
ولأن أي حل آخر لا يمرّ عبر هذين الاقتراحين مهما كان استثنائياً وانفتاحياً، لا يمكن أن يساعد في تحسين صورة سورية التلفزيونية، فقد أخفقت أخيراً تجربة قناة الحرّة الأمريكية بدمشق، فكل المداولات والاتصالات والرغبة في التعاون التي جعلت الاتفاق علي بث أربع ندوات من دمشق علي الهواء مباشرة ممكناً، أخفقت في أن يكتمل تنفيذ الاتفاق، فبثت الندوة الأولي عن الاعلام في سورية، ووئدت الندوات الثلاث الباقية عن الاصلاح وحقوق الانسان والعلاقات السورية اللبنانية والسياسة الخارجية، والسبب لا كما قد يظن بعض (المغرضين والحاقدين والمستقوين بالخارج) أن سورية لا ترغب بالشفافية وحرية التعبير لا سمح الله، إنما مرده ـ كما أصرّ ـ لعمل ساحر أو دعوة مظلوم.
ولن أستغرب فيما لو ظهر مسؤول إعلامي سوري لينفي تخرصات الاعلام (المغرض) الذي سيرد منع استكمال قناة الحرّه ندواتها في دمشق لانعدام الشفافية وحرية التعبير في سورية، قائلاً: الشفافية متوفرة في سورية وبكافة المقاسات، فبإمكان أي كان أن يذهب إلي أية مكتبة ويشتري كركر لاصق شفّاف بالحجم الذي يريده، أو يمر علي أي محل لبيع البلور ويحضر المقاس الذي يريده من الزجاج الشفّاف، أما حرية التعبير فهي مقدسة فيكفي أن كلمة حرية هي المبدأ الثاني من مبادئ الحزب القائد للدولة والمجتمع، والأرض والسماء، والجداول والأنهار، والبحار والمحيطات، ولو جئنا لكلمة التعبير فهي مشاع للجميع في سورية، وقد خصصنا في المدارس حصة أسبوعية كاملة للتعبير، نعلمهم فيها كتابة مواضيع في وصف مشوار تحت المطر في يوم الثامن من آذار بمناسبة عيد قيام الثورة المباركة، وفي وصف رحلة إلي الطبيعة في يوم السابع من نيسان بمناسبة عيد تأسيس الحزب المجيد. ثم يعود هذا المسؤول الإعلامي السوري مطمئناً مبتسماً إلي بيته، ليتلقي الاتصالات المهنئة من رفاقه الأمنيين، الذين سيقولون له كلمتين: برافو أفحمتهم!
وهذه الـ(برافو أفحمتهم) هي المكافأة التي ينتظرها كل مسؤول إعلامي سوري بعد أن يدلي بحديث أو يشارك بندوة أو يكتب مقالاً، ولذلك يعمل ويقول ويكتب منتظراً الصوت الغامض الذي سيريح قلبه، ويهدّئ نفسه، ويثبته علي كرسيه بهاتين الكلمتين، وبانتظار هذا الهاتف علي ما يبدو دافعت السيدة ديانا جبور مديرة التلفزيون في ندوة الحرّة اليتيمة التي بثت من دمشق، عن استدعاءات المخابرات للصحفيين التي اعترض عليها الصحافي شعبان عبود في الندوة، ورأت ببراءة ملفته للنظر أن المخابرات تستدعي الصحفيين ربما من أجل تصحيح معلومة أمنية له ليس أكثر، وبررت بطريقة من يستشير من حوله وهو غارق في حل شبكة كلمات متقاطعة صعبة إغلاق صحف سورية عديدة، علي رأسها جريدة الدومري أول شهيدة للصحافة الخاصة في سورية، وهي تلوح بقلمها علي الشاشة الذي لو امتلكت قدرة فنان الكاريكاتير علي فرزات علي التعبير عنه كاريكاتورياً، لرسمته وهو يتحول من قلم صحفي يكتب مقالاً، إلي قلم مخبر يكتب تقريراً، وإلي عصا جلاّد يضرب مواطناً!
وبانتظار نفس الهاتف المبارك اعتبر السيد نضال معلوف مدير المركز الاقتصادي السوري أن حادثة اعتقال شخصين أو ثلاثة في سورية بجريمة استخدام الانترنيت أو إرسال رسالة الكترونية التي ذكرها المحامي أنور البني في الندوة غير ذات قيمة، مادام باقي مستخدمي الانترنيت والبريد الالكتروني لم يعتقلوا حتي الآن، مساوياً بين المهمومين بالشأن العام، وبين ممارسي الـ(تشات)، ومتبادلي الصور الاباحية والنكات عبر (الإيميل)، وزائري مواقع (البورنو)!
ومع أني أظن أن السيدين المديرين في القطاعين العام والخاص جبور ومعلوف حصلا علي الـ(برافو) التي عملا من أجلها في الندوة، إلاّ أنني أظن ـ وبعض الظن إثم ـ أن هناك من اعترض علي ظهور أنور البني وشعبان عبود في الندوة، وخبط الأرض بقدمه ثائراً، واستذكر لاءات عبد الناصر الثلاثة، وحلف بشرفه أن لا تتكرر التجربة، ومنعه غضبه من أن يري الفارق بين شعار التلفزيون السوري وشعار قناة الحرّة علي شاشة تلفزيونه، ولذلك أوقفت الندوة الثانية للقناة اعتراضاً علي مشاركة الدكتور كمال لبواني أحد سجناء ربيع دمشق بها، وبتنفيذ حرفي وكامل لقرار مجلس الأمن الدولي الافتراضي ـ السالف ذكره ـ الذي يطالب المسؤولين عن صورة سورية التلفزيونية بالعمل وفق قاعدة (جاء ليكحلها فأعماها)، خرج أحد صغار مسؤولي وزارة الإعلام السورية، ببيان صغير يوضح فيه أن إلغاء قناة الحرّة لندواتها الدمشقية سببه مطالبتها لوزارة الاعلام باحضار ضيوف لندواتها غير موجودين في البلد، وهذا البيان يعبر عن رؤية حقيقية للتفكير الرسمي الذي يري أن كل لسان لا ينطق بالصوت الرسمي غير موجود في البلد، وغادرت الحرّة سورية، بعد رفضها أن تصبح القناة الرابعة للتلفزيون السوري!
خارج نظرية المؤامرة هل يفسّر لي قارئ ما لماذا ألح علي في هذا السطر بالذات من مقالي المثل العربي الذي يقول تموت الحرّة ولا تأكل بثدييها ؟!


كاتب من سورية

القدس العربي

   [ POSTED  @ 12:25 م ]


 

القيادة السورية : أيّ انقلاب أبيض يصلح البنية المستعصية؟


صبحي حديدي


يقرأ المرء التسريبات المثيرة التي نشرتها الأسبوع الماضي صحيفة معاريف الإسرائيلية، علي عهدة المحلل السياسي الإسرائيلي بن كاسبيت، حول مواقف الإدارة الأمريكية ــ سيّد البيت الأبيض شخصياً، ثمّ نائبه ديك شيني، فضلاً عن وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ــ من الرئيس السوري بشار الأسد: شطب الرجل من أيّ تعامل سياسي، تماماً كما صارت إليه حال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. كذلك أخذت الإدارة تري في الأسد شخصاً غريب الأطوار ولا يمكن الاعتماد عليه ، و ينبغي الانتظار إلي حين غيابه عن الساحة ، و نظامه لن يصمد طويلاً بعد انسحاب القوّات السورية من لبنان .
وتنتهي التسريبات ذاتها إلي إنّ هذه هي التقديرات التي توصلت إليها وكالة المخابرات المركزية ، وأنّ كافة الجهات في الإدارة الأمريكية تجمع علي اعتبارها واقعية ، و أصبحت تنظر إلي المستقبل وتخطط للمرحلة التي ستلي سقوط النظام السوري الحالي ... يقرأ المرء، فيخال أنّ النظام يترنح أو يكاد، اهترأ تماماً أو يوشك علي الاهتراء، قاب قوسين أو أدني من هاوية السقوط المبين!
ثمّ يقرأ المرء تسريبات من نوع آخر، نقيض تماماً ويفيد العكس علي طول الخطّ، تناهبتها صحف وفضائيات عربية (خليجية بصفة خاصة!) استناداً إلي تقارير مراسليها السوريين، وأعادت إنتاجها عشرات المواقع والمنتديات السورية علي شبكة الإنترنيت، عن انقلاب أبيض وشيك يزمع بشار الأسد تنفيذه الشهر القادم، وينطوي علي التالي (بين إجراءات أخري لا نأتي علي ذكرها احتراماً لعقل القاريء): يتخلّص الأسد الإبن من إرث أبيه القديم وحرّاس هذا الإرث ، و يطلق يده غبيده، طبعاً!ف في مسؤوليات الحكم متحرراً من كل الاعتبارات العائلية المحيطة به ؛ ويقيل أو يبعد عدداً من المسؤولين الكبار في الدولة ممّن يتقلدون مناصب سياسية وعسكرية ومخابراتية، وسبق وألصقت بهم المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع الداخلية في سورية، وما آل إليه الوضع السوري في لبنان ...
كذلك يلجأ الأسد إلي حلّ القيادتين القطرية والقومية لحزب البعث الحاكم، وإلغاء الأحكام العرفية والاعتقال التعسفي، وتعديل الدستور لجهة كسر احتكار الحزب للسلطة، والترخيص للأحزاب، وتبييض السجون من معتقلي الرأي والمعارضين، ومنح تراخيص للقطاع الأهلي لإصدار صحافة حرّة ؛ و يوقف كلّ التجاوزات الخطيرة التي أحالت الوطن السوري إلي مزرعة ينتهبها غ رجالات الفساد ف، وسيسمح لأبناء الشعب السوري من المتضرّرين بمقاضاة مرتكبي التجاوزات من كبار رجال الدولة وأهل بيت الرئيس (ولا نعفّ عن ذكر الأسماء إلا لأسباب قانونية صرفة)...
وأخيراً، وليس آخراً: تفاصيل هذا الإنقلاب الأبيض وُضعت بمعاونة الجنرال عمر سليمان، رئيس المخابرات العامة المصرية ، موفداً من الرئيس المصري حسني مبارك... وللإيضاح والتوثيق، نُشرت المعلومات أعلاه، جملة أو تفصيلاً وكما اقتبسناها بالحرف، في صحيفة الخليج الإماراتية، و السياسة الكويتية ، وبرنامج الطبعة الأخيرة علي فضائية العربية ، وموقع سيريا نيوز ، بين عشرات الصحف والمواقع الأخري.
المرء، هنا أيضاً، يقرأ فيخال أنّ الأسد ليس ممسكاً بزمام الأمور ــ من الباب إلي المحراب، ومن الثكنة العسكرية إلي قصر العدل، مروراً بالسوق الحرّة في مطار دمشق... ــ فحسب، بل هو الوحيد الذي يمسك باللجام ويقود العربة أياً كانت القوي التي تجرّها: خيول مطهمة أم ثيران عجفاء! صحيح أنّ السيناريو يحشر الجنرال عمر سليمان، علي سبيل دغدغة المخيّلة من جهة، أو إسباغ بعض البُعد الإقليمي علي الإنقلاب الأبيض من جهة ثانية، إلا أنّ الأسد هو صاحب الخطة وصاحب اليد العليا التي تنفّذها في آن!
أيهما أصحّ إذاً: تسريبات معاريف الإسرائيلية، أم هذه التسريبات التي نترك للقاريء حقّ التسلّي بتخمين مصادرها؟ كلا الطرازين مضلِّل بالطبع، وكما لا يخفي علي القارئ النبيه، وكلاهما استطراداً يتصيّد في مياه عكرة أصلاً. ليس نظام بشار الأسد، ولا هو شخصياً كرأس أو واجهة أو عنوان لذلك النظام، علي شفير الهاوية رغم كلّ المصاعب الجدّية التي يواجهها اليوم، وسيواجه المزيد منها غداً وبعد غد. ولكنه، في الآن وبالقدر ذاته، ليس ذلك الحاكم القابض علي أعنّة تكفي لكي ينجز أيّ انقلاب، أبيض أو أحمر أو أسود أو رمادي: ليس ضدّ تماسيح النظام العتيقة أو الوسيطة أو الفتية فحسب، بل أيضاً ليس ضدّ نفسه شخصياً!
الطراز الأوّل من التضليل يربط مصير الأسد بالانسحاب العسكري القسري من لبنان، مفترضاً أنّ هذه هي الجولة الأخيرة في سلسلة معاركه (أو حروبه؟) من أجل انتزاع أوراق القوّة أو الحفاظ علي ما بين يديه منها. والطراز الثاني من التضليل يفترض أنّ انقلاباً أبيض اللون (تتمّ فيه، مع ذلك، جندلة الكثير من الجثث الثقيلة والتماسيح الضارية والوحوش الكاسرة!) يقوده الأسد بيديه لا بيد عمرو (أو عمر سليمان مثلاً!) سوف يجعل البيت الأبيض يعيد النظر في غرابة أطوار الرجل، ولعلّ كوندي رايس ستنصح بشيء من التهدئة الدبلوماسية، وببعض التخفيف من غائلة الشطب العرفاتية التي يُقال إنها أطبقت عليه!
والحال أنّ الأسد، لكي أشدّد من جديد علي مواقفي المبكّرة من نظامه، بدأ ويظلّ اليوم أيضاً إبن النظام الذي شيّده أبوه منذ تشرين الأول (أكتوبر) 1970، وربما منذ تولّيه منصب وزير الدفاع سنة 1966. وهو ليس وريث أجهزة الإستبداد والقمع والفساد والنهب المنظّم فحسب، بل هو جزء لا يتجزأ من (أو هو واجهة، أو عنوان، أو القيّم علي) نظام الحركة التصحيحية ـ 2 الذي يواصل أعراف وأنساق وإرث الحركة التصحيحية ـ 1 . هذا لا يعني البتة أنه الحاكم المطلق المتحكّم كما كانت عليه حال أبيه، ولا يعني كذلك أنّ يده مكبّلة بالأغلال فلا يقوي علي أمر ذي مغزي كبير، وثمة في الأقصَيَين جدل متكامل بين استئناف الماضي السكوني المتماثل والعزوف عن صناعة المستقبل المغاير.
وفي مناسبة سابقة وحديثة العهد ( القدس العربي ، 2005/4/1)، توقفت بالأسماء عند ما أسميته حلقة الستة ، أي الدائرة الأعلي والأضيق التي تسيّر شؤون السلطة وتضمّ إلي جانب الرئيس السوري كلاً من شقيقه والقائد الفعلي للحرس الجمهوري ماهر الأسد، واللواء غازي كنعان وزير الداخلية، واللواء آصف شوكت رئيس الاستخبارات العسكرية، واللواء بهجت سليمان الرجل الأقوي في جهاز استخبارات أمن الدولة، وعبد الحليم خدّام النائب الأوّل للرئيس. واليوم، في صدد مناقشة طرازَي التضليل اللذين أشرت إليهما أعلاه، أجد ضرورة في تصويب مصطلح القيادة السورية بالمعني المفهومي والمؤسساتي، وليس بمعني الأسماء في حلقة الستة ومَن لفّ لفّهم.
وبادئ ذي بدء لا بدّ من التذكير بأنّ المصطلح ذاته، القيادة السورية ، بات غائماً ومبهماً وغير ملموس بعد وفاة حافظ الأسد في حزيران 2000: مَن هي هذه القيادة علي وجه التحديد؟ كيف تشكلت، ومتي؟ ومَن، وما الذي، يمنحها سلطة (ولا نقول شرعية) اتخاذ القرارات بلا أساس دستوري؟ هل هي متماسكة منسجمة متفاهمة، سياسياً وأمنياً وعلي مستوي المصالح والتوازنات بين أطرافها؟ هل بقيت علي الحال التي بدأت عليه حين تشكّلت، أو أعادت إنتاج نفسها، بعد غياب الحاكم الوحيد الأوحد حافظ الأسد؟
وفي تلمّس بعض الإجابة علي هذه الأسئلة، ثمة تفسير أوّل، هو أيضاً ذاك الذي يعتمده أنصار السلطة، يقول ببساطة إنّ النظام متماسك ومستقرّ، وما جري ساعة وفاة الأسد الأب لم يكن سوي محاولة بارعة لتطويق الأمور سريعاً، وتنفيذ القرارات والإجراءات التي كانت القيادة السورية قد أجمعت عليها في الأساس، ومنذ وقت طويل، في عهد حافظ الأسد وبرعايته. وهذا التفسير يضرب صفحاً تاماً عن طبيعة جولات التطهير التي شهدتها البلاد في الأشهر الأخيرة قبيل رحيل