unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-04-29  

سورية أمامها فرصة لبناء علاقة جديدة مع لبنان

وإجراء تغيير داخلي... إذا استفادت

من الأخطاء

نيويورك - راغدة درغام الحياة

ما يحدث داخل سورية ليس من شأن اللبنانيين، بعد خروج القوات والاستخبارات السورية من لبنان. هذا شأن السوريين الذين يعود اليهم قرار نوعية العلاقة مع قيادتهم. ولا حاجة الى تطفل أفراد أو مجموعات لبنانية على القرارات الداخلية لسورية، الشعبية منها خاصة. فإذا أراد الشعب السوري التمسك بحكومته، ليس من حق أي لبناني استباقه الى القول انه يريد الآن تغيير النظام في دمشق بعد اخراج السوريين من لبنان.

إذا اراد الشعب السوري المساعدة الخارجية، انه يعرف كيف يطلبها، ولن يريدها بمبادرة لبنانية.

شغل اللبنانيين يجب ان ينحصر الأن في حماية التجربة اللبنانية من التصدع وهذا يتطلب حمايتها من الاستغلال والاستخدام. فالتحديات ضخمة أمام المسيرة اللبنانية الداخلية، حيث تتلاقى أو تفترق الدول الكبرى في اعقاب التحقق من الخروج السوري من لبنان.

القيادة السورية باقية تحت المجهر الدولي بقدر ما تختار ان تبقى تحت المراقبة والمحاكمة. انها تملك خيار القاء الثقل الدولي عن اكتافها إذا قررت حقاً التخلي عن كل مفاتيح نفوذها التقليدي في لبنان. فالأمر عائد اليها.

المحطة الأولى هي في اثبات الخروج الكامل لأي نوع من الاستخبارات السورية من لبنان، وعدم السماح لأي اجهزة استخباراتية التلاعب بهذا الأمر. فاأي هفوة أو غلطة ستكلف غالياً. وعلى القيادة السورية ان تتنبه الى أهمية ما ذكره الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان، في تقريره الى مجلس الأمن الثلثاء الماضي عن تنفيذ القرار 1559.

لفت انان الى ان «بعض الدول وكذلك أعضاء في المعارضة اللبنانية، أكدوا لي ان الاستخبارات السورية اتخذت مواقع جديدة لها جنوب بيروت وفي مواقع أخرى، وهي تستخدم مراكز أطراف لها علاقة مع حكومة سورية وكذلك شققاً مستأجرة خاصة لهذه الأهداف». وذكر ان «حكومتي سورية ولبنان أكدتا لي ان هذا ليس صحيحاً». لكنه تعمد اضافة ان مسؤولين في الحكومة اللبنانية وغيرهم اشاروا الى «صعوبات» قد تبرز في اطار التحقق من «الانسحاب الكامل لجميع المسؤولين ذوي العلاقة مع الاجهزة الاستخباراتية السورية بسبب العلاقات العائلية التي أقامها مسؤولون سوريون في لبنان خلال السنوات الـ30 الماضية، وبسبب وجود شبكة مخبرين بين المواطنين اللبنانيين».

من مصلحة القيادة السورية التأكد من اغلاق أبواب الشقق، وتجميد العلاقات العائلية للقيادات الأمنية. كما للاجهزة الاستخباراتية، والاستغناء عن شبكة المخبرين المزعومة. من مصلحتها اتخاذ قرار قطع العلاقة الاستخباراتية كلياً مع لبنان، وهذا يتطلب بالضرورة، عقلية جديدة تتقبل ان جديداً نوعياً طرأ هذا الاسبوع على العلاقة السورية ـ اللبنانية يتطلب استبدال العلاقة الاستخباراتية بعلاقة ديبلوماسية رسمية.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة الى ان تقرير انان عن تنفيذ الـ1559 نصح الحكومتين السورية واللبنانية بإضفاء «الرسمية الملائمة» بعد «إعادة تعريف العلاقة الخاصة بينهما"، قبل تقريره المقبل الى مجلس الأمن عن تنفيذ القرار. وهذا جعل تلك العلاقة جزءاً من متطلبات تنفيذ القرار 1559 انطلاقاً من ان القرار نص على ضرورة الكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للبنان.

فلا داعي للرد بالقول ان هذا ليس من شغل مجلس الأمن ولا انان، وانما يدخل في العلاقة بين البلدين. ذلك ان العلاقة اللبنانية ـ السورية خرجت من الخانة الثنائية عند تبني القرار 1559 الذي وضع العلاقة تحت الرقابة الدولية، والتي اتخذت منعطفاً جذرياً عندما خرج آخر جندي سوري من لبنان يوم الثلثاء. فقد انتهت حقبة الهيمنة والخصوصية التي جعلت من لبنان مرفقاً أو ملحقاً للقيادة السورية وورقة من أوراقها الاقليمية.

في الماضي، ارتكبت القيادة السورية خطأ نكران الواقع عندما رفضت الإقرار حتى مع نفسها ان لبنانيين يعارضون هيمنة سورية عليهم، واستخدمتها الاجهزة الأمنية اللبنانية ضدهم لتحكمهم بالنيابة عنها.

اليوم، انها ترتكب خطأً ضخماً إذا استمرت في التظاهر ان لبنان ما زال عمقها الاستراتيجي، وانها تمتلك مفاتيح اخضاعه لأنه لن يتمكن ان يعيش من دونها، ترتكب خطاً كبيراً حقاً اذا مضت في الاعتقاد بأن «حزب الله» أداة من أدوات النفوذ السوري في لبنان وفي المنطقة، وانه يمكن لها الاحتفاظ بالإدارة وبالنفوذ معاً.

الأفضل للقيادة السورية ان تعترف الآن ان لبنان ليس الجبهة البديلة للمقاومة ضد اسرائيل. فإذا أرادت دمشق المقاومة ضد اسرائيل، وهذا حقها كاملاً لأن اسرائيل تحتل أراضيها، أمامها جبهة واسعة في الأراضي السورية. فإذا كانت تريد إعادة مزارع شبعا الى ملكيتها اللبنانية، لتودع الوثائق لدى الأمم المتحدة، ولتفتح ملف قوة فك الاشتباك بينها وبين اسرائيل لاخراج المزارع من ولاية قوة فك الاشتباك لإعادتها الى لبنان.

بكلام آخر، حان للقيادة السورية ان تدرك ان مشكلة اللبنانيين ليست مع مبدأ المقاومة المشروعة للاحتلال الاسرائيلي، مشكلتهم هي مع اغلاق دمشق الجبهة السورية للمقاومة واصرارها في الوقت ذاته على فتح الجبهة اللبنانية وحدها وكبديل.

هذا لا يعني عدم الاعتراف لسورية ولـ"حزب الله» بالفضل في تحرير جنوب لبنان من الاحتلال. انما لا يستطيع اللبنانيون رد الجميل لسورية بمساعدتها في تحرير الجولان من الاحتلال لأن تلك الجبهة أغلقت بقرار سوري. ولربما هو قرار حكيم، هذا عائد الى التاريخ.

أما اليوم، فإن لبنان ليس مهرولاً الى اتفاق سلام مع اسرائيل، وليس فيه اجماع على انه سيبقى الجبهة الساخنة الوحيدة للدول العربية المجاورة لاسرائيل. هذا نقاش أصبح اليوم حديثاً لبنانياً - لبنانياً لا شأن لسورية فيه.

كذلك «حزب الله» فإنه مسألة لبنانية ـ لبنانية، الأفضل لسورية التأكد من عدم التدخل فيها على الاطلاق. فالعيون تحدق تماماً في هذه الناحية من العلاقة السورية ـ اللبنانية بعد سحب الجنود السوريين من لبنان.

قد تستمع القيادة السورية الى محللين يعتقدون بأن «حزب الله» سيكون نقطة الافتراق بين الولايات المتحدة من جهة وفرنسا وأوروبا من جهة أخرى. رأي هؤلاء انه بعد الانسحاب السوري من لبنان ستنهارالقاعدة المشتركة عبر الاطلسي بسبب الاختلاف على تسمية «حزب الله» منظمة «ارهابية». قد ترى دمشق ان هذه فرصة لها لاستعادة النفوذ وإعادة خلط الأوراق. فإذا فعلت، تكون اساءت القراءة والاستماع والحسابات.

ما تريده أوروبا هو ان توافق الولايات المتحدة على تطبيق النموذج الذي تبنته أوروبا مع ايران على العلاقة مع «حزب الله"، بمعنى ابلاغه ان أمامه خيار الانخراط السياسي وإلا فإنها تترك الساحة للقرار الاميركي وتدعمه ايضاً. حتى الآن، جورج بوش يوافق. وهذا مهم لأوروبا، كما لايران، وربما أيضاً لـ"حزب الله».

أفضل ما يمكن لدمشق تحقيقه الآن، بعد سلسلة الأخطاء التي ارتكبتها في لبنان لسنوات عدة، ان تجعل من انسحابها فرصة لإطلاق فكر جديد يمكن أوروبا من اقناع الولايات المتحدة بتطبيق النموذج الايراني على سورية ايضاً. انه نموذج اعطاء الفسحة الديبلوماسية حقها في العلاقات، انما بوضوح معادلة «الجزرة والعصا».

هذه المعادلة تمارس مع سورية الآن من منطلق ان الجزرة هي عبارة عن حجب العصي موقتاً. في الوقت ذاته، تتمسك القيادة السورية بمنطق المقايضة، مطالبة بالتعرف مسبقاً على المقابل قبل اتخاذ الخطوات.

دمشق لا تملك هذا الخيار الآن، وقد أصبح الإقرار بهذا الواقع أمراً ملحاً وضرورياً، فكل «الأوراق» السورية زال مفعولها من ايران الى لبنان. وليس صحيحاً ان العلاقة السورية ـ الايرانية تشكل تحالفاً استراتيجياً لن يهتز اطلاقاً. ليس صحيحاً ان لبنان وسورية توأمان برأس واحد.

سورية الآن في مرحلة حاسمة لم يسبق لها مواجهتها، ولذلك فإن تحديات القيادة السورية والشعب السوري كبيرة جداً: فلسطين لم تعد قضية عربية وانما هي الآن قضية فلسطينية، دور العرب فيها هو دعم القرار الفلسطيني وليس المزايدة عليه أو تعطيله. وهذا جديد على الفكر السوري التقليدي في شأن القضية الفلسطينية التي اعتبرها قضية عربية ولسورية دور حاسم فيها. لذلك استضافت دمشق المنظمات الفلسطينية المعارضة للسلطة أو تلك التي تبنت المقاومة بدلاً من المفاوضات منطلقاً لها.

الآن أمام دمشق فرصة البناء على علاقة جديدة مع لبنان لفتح صفحة جديدة في علاقتها بفلسطين وبالبيئة الاقليمية والدولية. أمام الرئيس بشار الأسد ان يفكر بصورة خلاقة وتجديدية فيها من الحداثة ما يمكنه من طرح مفاجأة الجديد والنوعي داخل العلاقة السورية - السورية، كما على الصعيدين الاقليمي والدولي. أمامه مؤتمر الحزب الشهر المقبل حيث يمكنه ليس فقط توديع الطاقم الذي رهن سورية بفكر خاطئ. في وسعه ان يبادر الى استدعاء القاعدة الشعبية السورية حليفاً له، إذا جعل من نفسه حليفاً لها، بطرحه رؤية الغد وأخطاء الأمس بصدق وصراحة.

هذا يتطلب ان يقرر الرئيس السوري من هو وماذا يريد، فليس مسلماً به كون الانسحاب من لبنان اضعافاً لسورية، بل العكس تماماً. انه اضعاف للفكر القديم المخطئ بحق لبنان وسورية ايضاً. وهو درس ضروري لمن لا يقدر ضرورة المبادرة. فلو بادرت دمشق الى الانسحاب من لبنان لاستفادت من زخم المبادرة. أما وانها «قاومت» فإنها دفعت الثمن، اذ جاء انسحابها «اخراجاً» من لبنان وليس «خروجاً» منه. وهذا في حد ذاته درس ينبغي التأمل به.

كل هذا يبقى شأناً سورياً، وليس شأناً لبنانياً سوى بقدر اصرار دمشق على الاحتفاظ بمفاتيح لها في لبنان. وإذا انقلبت القيادة جذرياً على التوقعات، وراهنت على علاقة التحالف مع الشعب السوري، فإنها ستدهش المنطقة وتدخل جديداً لا سابق له في علاقة اقليمية ودولية ليس لها مثيل.

انها مغامرة، لكن نتائجها أضمن وأفضل من الخيار البديل المبني على حسابات خاطئة.

   [ POSTED  @ 8:00 م ]


 

التغيير في يدنا لا في يد الغير

بقلم: محمد علي الأتاسي *

أخبار الشرق

إلى رياض سيف مناضلاً ليبرالياً سورياً

السؤال الوحيد الذي يسكن سطور المقالة هو الآتي: ماذا يمكن الواحد منا أن يقدم من جديد؟

لقد تعب الكثير منا، من الكلام والكتابة، من التنبيه والتحذير، عشية كل كارثة وغداتها، من دون أن تجد أصواتنا آذاناً صاغية أو تساهم في تجنب تكرار الأخطاء والإمعان في مسلسل الذهاب بالبلاد من كارثة إلى أخرى أكبر منها، بمعزل عن أي مراجعة أو مسألة أو محاسبة.

اليوم، وبعد خمس سنوات تقريباً من العهد الحالي، علينا الاعتراف بأن لا فائدة ترجى من الكلام التحريضي والمقالات النقدية لدفع السلطة إلى إعادة النظر في خياراتها الإستراتيجية. الرهان اليوم هو في أن تعيد المعارضة السورية النظر في سياساتها تجاه الاستحقاقات المصيرية التي تواجه البلاد، علها تعيد الناس إلى السياسة وتدفعهم إلى أخذ مصيرهم بيدهم.

القصة باتت معروفة، وإن يكن لا مناص من التذكير بها. فرغم تعديل الدستور وتوريث الحكم، استبشر الكثيرون بأن المستقبل سيحمل خيراً وأجمعت أطياف المعارضة، من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها، ومن الإخوان المسلمين إلى الشيوعيين مروراً بالمثقفين ولجان المجتمع المدني، على إعلان الاستعداد لطي صفحة الماضي والنظر بإيجابية إلى المستقبل شرط أن تعمل السلطة على إعادة المظالم لأهلها، وأن تباشر الإصلاحات الديمقراطية الحقيقية التي تحتاجها البلاد والتي عبّرت عنها وفصلت فيها جميع البيانات والعرائض التي طالبت بإلغاء حال الطوارئ وبحرية الرأي والتعبير وبالتعددية السياسية وتبييض السجون وعودة المنفيين.

لم يجد أي من هذه المطالب آذاناً صاغية لدى السلطة، اللهم إلا بعض التنازلات هنا وهناك، وفترة سماح نسبية بالكلام الحر، سمّيت ربيع دمشق، سرعان ما تم الارتداد عليها وسجن أهم رموزها. هذا في وقت استمر معظم رموز الطبقة السياسية الحاكمة في مناصبهم وزادوا في تكديس ثرواتهم والإمعان في سياسة الشعارات الجوفاء واللغة الخشبية المحنطة، التي لا تمت إلى الواقع بصلة.

أما على الصعيد الإقليمي فاستمر مسلسل الكوارث السورية ابتداء بالتعامل الخاطئ مع انقلاب العلاقات الدولية في أعقاب زلزال 11 أيلول / سبتمبر 2001، إلى الرهان على صدام حسين وصموده في وقت كان واضحاً أن سقوطه ما هو إلا مسألة وقت، إلى تضييع فرصة توظيف انتصار المقاومة في الجنوب اللبناني وتحقيق انسحاب سوري سريع؛ ونقل ملف العلاقات السورية - اللبنانية من المستوى الأمني إلى المستوى السياسي، إلى المماطلة في توقيع اتفاق الشراكة الأوروبية المتوسطية عندما كانت شروطه أكثر تساهلاً مع سورية، إلى العجز الفاقع في الاستفادة من سياسة الأبواب المفتوحة التي مارستها معظم العواصم الأوروبية في البداية على أمل تشجيع دمشق في المضي قدماً في مشروع الإصلاح، إلى إتقان سياسية تحويل الحلفاء أعداء من فرنسا إلى السعودية إلى الحريري وجنبلاط في لبنان، وصولاً إلى سياسة تقديم التنازلات والتخلي عن معظم الأوراق الإقليمية حتى لا تضطر السلطة إلى التنازل أمام شعبها.

خلال الأعوام الماضية تذرعت السلطة في إبقائها جمود الأوضاع السياسية بهاجس صون الوحدة الوطنية والحرص على استقرار البلاد، وروجت في المقابل لمشروعها في التحديث والتطوير القائل بأولية الإصلاح الاقتصادي والإداري والقانوني على الإصلاح السياسي. وها نحن في نهاية السنوات الخمس من العهد الجديد - القديم نعود إلى المربع الأول لجهة نموذج الإصلاح الذي قالت به السلطة: فلا رؤوس الأموال المهاجرة عادت ولا الاستثمارات، أتت ولا البطالة انخفضت، ولا أعيد تأهيل القطاع العام، ولا تم إفراز نخب جديدة مؤهلة، بل ظل النمو الاقتصادي أسير أرقامه المخجلة وبقيت معظم القوانين الجديدة حبراً على ورق، أو تم تدويرها خدمة لمصالح مراكز القوى والنفوذ الممسكة بالبلاد. ويكاد التطور الوحيد الذي يبرز في هذا المجال هو نجاح طبقة أولاد المسؤولين في تحقيق تقدم ملحوظ في تحويل نفوذ آبائهم السياسي والأمني والمادي إلى رأسمال مالي سرعان ما انضم بدوره إلى رؤوس الأموال السورية المهاجرة.

أمام هذا الواقع الخطير يظهر جلياً أن محاولات بعض أطراف المعارضة إيجاد آذان صاغية لها في صفوف السلطة باءت كلها في الفشل، وأن الرهان الوحيد في تجنيب البلاد كوارث محققة هو في أن تعيد المعارضة السورية النظر في السياسات التي اتبعتها إلى يومنا هذا، وأن تعمل على تجاوز خلافاتها وأن تتوجه إلى الناس قبل السلطة؛ ببرنامج حد أدنى يجد لديهم آذاناً صاغية ويؤهلهم للعب دور حاسم في تقرير مصير بلدهم. وحتى لا يبقى كلامنا أسير العموميات، سنحاول في السطور اللاحقة تقديم بعض الاقتراحات العملية آملين دفع النقاش إلى آفاق أرحب وأكثر واقعية:

1 - ملامح برنامج الحد الأدنى وبنوده باتت معروفة لكل الناشطين في الشأن العام، وسبق لمعظم البيانات والعرائض والمقالات التي وضعها المثقفون والمعارضون السياسيون أن تناولتها. ويمكننا أن نورد بعضاً من أهم بنودها؛ كإلغاء حال الطوارئ، وإطلاق المعتقلين السياسيين، وعودة المبعدين، والتعددية السياسية، وفصل السلطات، وإرساء دولة القانون، وحرية الرأي والتعبير والصحافة والنقابات، وصولاً إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة لتشكيل جمعية تأسيسية تكون قادرة على وضع دستور جديد وإفراز قيادات ورموز يعبرون فعلياً عن مكونات الشعب السوري وتياراته الحية.

2 - أهمية تأكيد اعتماد وسائل النضال السلمي في العمل السياسي، والمحافظة على الوحدة الوطنية، وعدم الارتباط بالمخططات والأجندات الأجنبية، والإصرار على أن يدار الصراع السياسي وفق مبدأ الانتقال السلمي من الاستبداد إلى الديمقراطية بعيداً عن أي تعبئة على أساس طائفي أو إثني، مع ضرورة العمل على تحييد الجيش وإبقائه بعيداً عن أي صراعات سياسية يمكن أن تنشأ في المستقبل المنظور.

3 - إذا كان المجتمع السوري غنياً بتنوعه الطائفي والإثني، فإن انقساماته السياسية كانت، وعليها أن تبقى، عابرة لهذا التنوع وحاضنة له وغير متعامية عنه. من هنا؛ تأتي أهمية إقصاء وعزل أي خطاب يحاول أن يؤثم الطائفة العلوية ويجعلها مسؤولة عن ممارسات النظام الحاكم. لقد دفع عدد كبير من أبناء الطائفة العلوية الضريبة الباهظة ثمناً لمعارضتهم الاستبداد في سورية، ويكاد يكون عدد المعتقلين السياسيين من أبناء هذه الطائفة هو الأضخم مقارنة بتمثيلهم نسبةً إلى بقية الطوائف.

4 - ضمن التوجه نفسه لا بد من عزل وإقصاء أي خطاب يحاول أن يختصر الطائفة السنية في تيار الإسلام السياسي. فهذه الطائفة لا تجسد في أي شكل من الأشكال كتلة واحدة سواء أكانت سياسية أم إثنية أم مناطقية، بل هي موزعة على كل التيارات والتنوعات التي يضمها المجتمع السوري من يسار ويمين، ومن علمانيين وإسلاميين، ومن عرب وكرد، ومن أهل مدينة وأهل ريف، ومن بدو وحضر، ومن دمشق وحلب، ومن مدن الساحل ومدن الداخل ومدن الجزيرة.

5 - تيار الإسلام السياسي، وفي مقدمه جماعة الإخوان المسلمين، جزء أساسي من الخريطة السياسية السورية، حاله كحال التيارات القومية والليبرالية واليسارية، ولا يمكن أن تقوم حياة سياسية سليمة وصحيحة بمعزل عن أي من هذه التيارات. لكن على الجميع القبول بشروط اللعبة الديمقراطية وبمبدأ التناوب السلمي على السلطة، مع ضرورة تأكيد أن تحترم كل غالبية سياسية حقوق الأقليات السياسية والدينية والإثنية. فمن حق الأكراد مثلاً أن يتعلموا لغتهم وثقافتهم، ومن حق الطوائف الدينية أن تمارس شعائرها ومعتقداته، ومن حق النساء أن يرتدين الحجاب، لكن ليس من حق أي تيار من تيارات الإسلام السياسي أن يحتكر لنفسه تفسير الإسلام، كأن يفرض مثلاً على جميع المسلمات ارتداء الحجاب!

6 - برغم تبني معظم قوى المعارضة السورية الخيار الديمقراطي، فإنها لا تزال مع الأسف أسيرة ماضي الستينات في انشقاقاتها وبناها التنظيمية وخطابها الإيديولوجي، في حين أن أكثر من 60 في المائة من الشعب السوري هو من الجيل الشاب الذي يقل عمره عن ثلاثين عاماً. من هنا تنبع أهمية أن تتجاوز هذه القوى خطابها الموروث وأنانيتها التنظيمية، وأن تنفتح على الأجيال الشابة وهمومها وتطلعاتها الجديدة.

من أجل التأسيس على هذه النقاط التي يمكن أن تتقاطع حولها الكثير من القوى المعارضة، ومن أجل الوصول بها إلى شرائح واسعة من الناس والضغط من خلالها لانتزاع تنازلات حقيقية من السلطة، لا بد للمثقفين والشخصيات والأحزاب المعارضة وجمعيات حقوق الإنسان والمجتمع المدني أن يلتقوا ضمن هيكلية تنسيقية جامعة، يمكن تسميتها مؤتمراً وطنياً أو منبراً ديمقراطياً أو لقاء دورياً، يستطيعون من خلالها أن يوحدوا جهودهم وينسقوا خطواتهم ويكسروا العزلة الإعلامية المفروضة عليهم. إن وجود مثل هذه الهيكلية المرنة سيسمح بتجاوز الجمود التنظيمي والنرجسيات المتضخمة والتنافر الإيديولوجي، من أجل أن تصب الجهود جميعها في طريق ابتداع أساليب جديدة في النضال السلمي تتجاوز سياسة البيانات والعرائض وحتى الاعتصامات الصغيرة؛ نحو المزيد من الانفتاح على الناس والدفع بهم إلى ميدان الفعل والعمل السياسي.

ما بين المثال العراقي في التغيير الدموي الآتي من الخارج والمثال اللبناني في التغيير السلمي المستند إلى الخارج، هناك أمل في أن يتمكن الشعب السوري من أن ينهض من جديد ويعمل على تحقيق التغيير السلمي المستند إلى الداخل. اليوم، تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية مدة عامين تقريباً، ويمكن الجميع أن يكون على موعد مع هذا الاستحقاق الكبير، إذا استطاعت المعارضة أن تدفع لأن يكون هذا الاستحقاق حراً، متعدداً وديمقراطياً. فعلى هذه الأرض يرتفع التحدي وهنا يكمن الأمل.

   [ POSTED  @ 2:33 م ]


 

الحوار الوطني ليس شعاراً

رأي أخبار الشرق

الحوار الوطني ليس شعاراً يرفع، وليست لافتات تعلق في قاعات المؤتمر الحزبي القادم، بل الحوار الوطني يعني أن يشمل جميع القوى في الوطن، فإذا ما استثني فريقاً أو اتجاهاً انحسرت عنه السمة الوطنية، وبات اجتماعات تؤسس لتحالفات على نمط "الجبهة الوطنية التقدمية" دون أن يكون لهؤلاء الحلفاء سوى حضور الاجتماعات والتصفيق، أما القرارات وشؤون السلطة فهي مما يخص فريقاً واحداً أعلن "امتلاكه" (وليس قيادته فقط) للدولة والمجتمع.

فطالما لم يتجرأ أحد في السلطة على إعلانه حواراً عاماً لا يضع عوائق أمام قوة وطنية مهما اختلفت مع الحزب الحاكم، فلن يكون هناك حوار وطني. لقد قيل كثيراً عن توسيع إطار "الجبهة الوطنية التقدمية" لاستيعاب تطورات المرحلة، والواضح أن هذه التطورات تتمثل في "رضى" السلطة عن أطراف وأحزاب جديدة، وليس استجابتها لنداءات قوى لها جذورها في الشارع السوري، وليس ممكناً تجاهلها إذا أردنا التأسيس لمرحلة جديدة تتجاوز أخطاء الماضي الكارثية، وتفتح المجال أمام مساهمة الجميع في السعي للخروج من الأزمات التي باتت تعصف بأركان المجتمع السوري والدولة بأكملها، وليس النظام فقط، فالمرحلة استثنائية باعتراف الجميع في سورية، وبالتالي فإن الحلول يجب أن تكون استثنائية.</