unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-05-07  

امريكا تتبني المعارضة السورية والكونغرس يقر تمويلها

دمشق: وقائع ذات مغزي وأخري مطحنة شائعات.. رياض الترك عقد مؤتمره والركود لم يعد سيد اللعبة
بوش: سياسات حكومة الاسد تمثل تهديدا استثنائيا للولايات المتحدة
باريس ـ لندن القدس العربي :
المراقبون الذين راهنوا علي ان الانسحاب العسكري السوري من لبنان سوف يؤدي تلقائياً الي حدوث سلسلة من التغييرات الداخلية في سورية، يمكنهم منذ الآن الارتياح الي ان الرهان كان رابحاً. اول المتغيرات الجديرة بالانتباه ان الركود السياسي لم يعد سيد اللعبة. وليس هذا بسبب ما يجري علي السنة السوريين في الشارع او في المواقع الالكترونية وبعض وسائل الاعلام العربية حول المؤتمر القطري القادم لحزب البعث الحاكم فحسب، بل ايضاً بسبب ما بات يُعرف الآن باسم حرب الشائعات .
قبل اسابيع قليلة راجت شائعة تقول ان الاسد يزمع تنفيذ انقلاب ابيض يسفر عن الإطاحة بعدد من كبار المسؤولين في الحزب والدولة والجيش والاجهزة الأمنية، فضلاً عن بعض اقربائه اصحاب النفوذ في ميادين المال والاعمال والاستثمار. لكن الشائعة سرعان ما ذهبت ادراج الرياح، ومن الانصاف التأكيد علي انها كانت اكثر انقلابية من ان تكون صحيحة، ولهذا قابلها الشارع السوري بالشك العميق الممتزج بالسخرية المريرة.
وقبل ايام انتجت مطحنة الشائعات حكاية اخري مفادها ان الاسد ينوي اقالة نائبه الاول عبد الحليم خدام، ونائبه الثاني محمد زهير مشارقة، وترقية وزير الخارجية الحالي فاروق الشرع الي منصب نائب الرئيس، وتسمية وليد المعلم وزيراً للخارجية. وذهبت الشائعة ابعد حين أكدت ان الاسد لن ينتظر المؤتمر القطري القادم، التي تقول الترجيحات انه قد ينعقد اواخر هذا الشهر، من اجل تنفيذ تلك القرارات، بل ينوي تنفيذها خلال ايام.
العارفون بالوضع السوري يبدون الكثير من التشكيك في هذه الشائعة الثانية، ويرون انها ستذهب بدورها ادراج الرياح لاعتبارات عديدة، ابرزها ان لائحة الاولويات علي اجندة الرئيس السوري لا تتصدرها اقالة نائبيه القديمين او ترقية نائب جديد، خصوصاً وان خدام ومشارقة هما جزء لا يتجزأ من تركة أبيه الرئيس الراحل حافظ الأسد. وما لم يتخذ اي من افراد هذه التركة قرار التنحي بنفسه (كما فعل وزير الدفاع السابق مصطفي طلاس) فإن الاسد لن يبادر إلي ذلك.
الجانب الثاني في المسألة انه اذا كانت اقالة خدام ومشارقة سوف تخدم منطقياً هدف اضعاف الحرس القديم ، فإن هذا الحرس لا يبدو ابداً في حالة ضعف او تراجع او انكماش، والعكس هو الصحيح كما تقول التقارير عن انتخابات المندوبين الي المؤتمر القطري القادم. ففي فرع دمشق العاصمة مثلاً، لم ينجح اي وجه جديد، وكل الذين نجحوا كانوا من مندوبي المؤتمر السابق. يُضاف الي هذا ان الرئيس السوري نفسه لا يؤمن بانقسام السلطة الي حرس قديم و حرس جديد ، بل ويميل عادة الي التهكم علي الفكرة بأسرها، او يوسع نطاقها لتشمل مختلف الاجهزة البيروقراطية في صفوف الشيوخ والشباب.
والركود السياسي لم يعد سيد اللعبة في ميادين اخري غير الشائعات بطبيعة الحال، وثمة سلسلة من الوقائع الهامة التي جرت مؤخراً، وتنطوي علي الكثير من المغزي في رصد متغيرات الحكم في سورية بعد الانسحاب من لبنان. ففي الجانب الاقتصادي، او ملف الفساد تحديداً، كان لافتاً ان تبادر صحيفة الثورة الرسمية الي تناول ما تردد في مواقع الانترنيت والصحف الخليجية عن افلاس مجموعة الديري لانتاج الخيوط في حلب، وعجزها عن سداد ودائع للمواطنين تقدر بأكثر من تسعة مليارات ليرة سورية. كذلك كان لافتاً أن تنشر الصحيفة ما يلي حرفياً: وكانت اسماء كل من الدكتور محمد مصطفي ميرو رئيس مجلس الوزراء السابق وعضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي والسيد اياد غزال محافظ حمص والدكتور صهيب الشامي مدير اوقاف حلب، قد ذكرت حسب مواقع مجموعة في الانترنت علي انها من كبار الدائنين لمجموعة الديري في الوقت الذي نفت بشدة المجموعة وجود اي صلة تربطها مع هذه الاسماء كما نفي وبشدة الدكتور ميرو ان يكون له اي نشاط مشترك مع اي جهة صناعية او تجارية في سورية او خارجها . وكان اكثر من موقع الكتروني قد زعم ان لميرو ودائع لدي مجموعة الديري تبلغ مليار ليرة سورية (20 مليون دولار).
كذلك كان بين الوقائع البارزة قرار الأسد ضم الحزب السوري القومي الاجتماعي الي الجبهة الوطنية التقدمية . و القومي السوري يدعو الي سوريا الكبري ، بالألف الطويلة، المؤلفة من اقطار سورية ولبنان والأردن والعراق وقبرص، وكان قد ناصر الأسد بقوّة خلال الأزمة الاخيرة في لبنان، وشارك انصاره بكثافة في جميع المظاهرات التي شهدتها شوارع المحافظات السورية تأييداً للاسد في الآونة الاخيرة.
الي ذلك تنفرد القدس العربي بكشف النقاب عن واقعة اخري شديدة الاهمية، هي ان الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي، جناح المعارض المخضرم الشهير رياض الترك (قرابة 20 سنة في سجون النظام)، عقد مؤتمره السادس في مكان سري داخل سورية. وقد تبني عدداً من الوثائق والقرارات، كما قرر تغيير اسم الحزب الي حزب الشعب الديمقراطي السوري . ومن المنتظر ان يرتدي الحدث اهمية فائقة بالنظر الي موقع هذا الحزب، ومكانة رياض الترك شخصياً، ليس في صفوف قوي واحزاب المعارضة السورية فحسب، بل علي نطاق مختلف اللجان والمنظمات والتيارات ومجموعات العمل الوطني الداعية الي التغيير الديمقراطي في سورية.
علي صعيد آخر كشفت صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية الجمعة ان الكونغرس الامريكي وافق مؤخرا علي ميزانية لم تحدد لتمويل المعارضة السورية، وذلك لدعم جهود واشنطن الساعية لزعزعة الاستقرار في سورية وانهاك النظام في دمشق.
وقالت الصحيفة ان جهود امريكا تركز الآن علي ايران، حيث يسعي الكونغرس ايضا الي اقرار ميزانية قد تصل الي 50 مليون دولار، من اجل دعم جماعات وافراد معارضين للنظام الاسلامي في طهران.
يشار الي ان الرئيس الامريكي جورج بوش مدد الخميس العقوبات الاقتصادية علي سورية التي فرضت العام الماضي قائلا ان دمشق مازالت تمثل تهديدا للولايات المتحدة وتدعم الارهاب وتقوض الجهود الرامية لتحقيق الاستقرار في العراق. وقال بوش انه لان اعمال وسياسات حكومة سورية مازالت تمثل تهديدا استثنائيا وغير عادي للامن القومي والسياسة الخارجية واقتصاد الولايات المتحدة .

القدس العربي

   [ POSTED  @ 3:55 م ]


 

الصبر الديموقراطي

عباس بيضون

نودع ثورة الأرز كما سمتها الصحافة الأجنبية. نقول ذلك بلا وقاحة. كانت شابة وأنيسة وفكهة ومتنوعة ونظيفة. بعبارة تستحقها نقول إنها امتعتنا وإنها لخفتها وحريتها لم تعظنا ولم تعلمنا. مع ذلك فإن دروسها لنا وللمنطقة ليست قليلة وستكون مثلها حاسمة وصريحة وعملية. حققت في شهرين ما افنينا شهورا في انتظاره: الانسحاب وتفكيك النظام الامني ولجنة التحقيق الدولية. عملية بدأت للتو ولا تستكمل في يوم وليلة فهي لمرحلة كاملة اذا كان لها ان تستمر. لكن الطريق الآن مفتوحة لتأسيس وطن ودولة ونظام سياسي وقانون. بلغة اخرى فإن جمهورية اخرى على الطريق اذا شئنا وصدقنا مع تطلعاتنا. انها سذاجة محمودة في احيان لنحمي انفسنا من خبثها وحكمتنا من ذكاء عقيم. ليس سرا بالطبع ان النظام الانتدابي لم يقم على إرادة الوحي فحسب ولكن على قوى وشبكات داخلية. وليس سرا ان التجارة بالسلطة وقياسها على اضيق المصالح نزوع بديهي لدى الطبقة السياسية في لبنان، وليس سرا في النهاية ان العواقب الطائفية والمجاري الطائفية لكل تحرك تكاد تكون قانونا في لبنان. ليس هذا سرا ولا التنبه اليه من الفطنة الزائدة، لكن الاحتكام اليه في كل ظرف وكل أوان ليس سوى تكرير لكل شيء.
لا شك ان النظام الانتدابي اصطنع من هذا الواقع نظاما مزعوما ادخل فيه شركاء على هواه ورتبه على هواه من دون رجوع الى مفاتيحه وقواعده وأباحه وأباح الدولة لمنازعات علنية فجة غايتها في الغالب فضح الاجهزة والزراية بها وبأشخاصها وإدخالها في لعبة تناحر كراكوزية، رغم كل شيء فإن نظاما كراكوزيا كهذا استتبع قوى وشبكات ومؤسسات كثيرة. والأرجح انه جعل المجتمع كله على درجة من الاصطناع. في ذلك يختلط الافتراضي بالواقعي ويصعب الفرز بينهما. ثم ان نظاما كهذا له من القواعد والمصالح ما يتيح له ان يواجه وأن يقاوم. بل له من القدرات العسكرية وغير العسكرية ما يتيح له ان يهدد وأن يردع وأن يخيف.
لنقل ان نظاما مزدوجا بل مركبا من شوائب اصيلة وشوائب دخيلة اضاف الى العبقرية اللبنانية في التركيب والاستدخال جديدا وجديدا صعبا، الانسحاب اذن شيء والنظام الانتدابي شيء آخر. قد تسقط اركان هذا النظام لكن آلياته وتشابكاته لا تزول بالطريقة نفسها: احتكار المحاصصة الطائفية، وإباحة الدولة واستتباع المجتمع المدني وجزء كبير من هيئاته ومؤسساته والمافيات الاقتصادية والاجتماعية والهيمنة القوية للأبوات الروحية على السياسة والدولة. كل هذه عواقب يزول الانسحاب ولا تزول فورا بزواله.
هذا ما يعرفه الفطن وغير الفطن. لكنه ليس حجرا مسبقا على تحرك ولا إعداما مسبقا لكل تحرك. كل هذه الدهاليز والمجاري والفخاخ لم تمنع <<ثورة>> ولم تحم نظاما عاتيا. ثمة سوداوية ومزاج منقبض يستكثران على المرء دقيقة فرح صافية. ثمة سوداوية متنكرة بالذكاء وأسوأ منها نوايا دفينة متنكرة بالذكاء والنباهة ينكران على المرء دقيقة فرح صافية. ثمة ما يسعد: الانسحاب بحد ذاته وبأي عاقبة. تهاوي الاركان الامنيين، افتضاح الجريمة. هذه بحد ذاتها مكاسب لنتأملها هكذا ولا نسممها بالوساوس. هذه روحية السوق خانقة وحذرة، وهي ايضا روحية الاتّباع مشككة وموسوسة وعدمية. فما من إيعاز بأسوأ الامور افضل من مساواة الأشياء ببعضها، فيغدو الاستقلال صنوا للانتداب والحرية صنوا للاستبداد والحقيقة صنوا للكذب.
ثمة نزعة اخرى متفائلة الى حد الغص بالذات، اذا كانت اللينينية آخر مثالاتنا الثورية فإننا في لحظات الغليان نستدعيها. تبدو انتفاضة ساحة الشهداء بوعي البعض وبغير وعيهم ثورة من هذا الغرار. انها بحسبهم ذلك بين معسكرين منفصلين، وبين كتلتين مختلفتين وبالطبع خطين وبرنامجين متناقضين، وليس بينهما سوى الحرب فهذه لحظة تتخطى التسويات والمفاوضات والحرتقات السياسية. في تصور كهذا نفترض ان مصالح متقدمة قد خرجت من تحت الموجة وأن علاقات متخلفة شربها الزمن في لحظة، وان ساعة التغيير الكلي قد حانت.
مليون متظاهر عدد اكثر من كاف لتخييل كهذا. فالارجح ان ثورات قليلة حظيت في العالم بمشاركة ثلث السكان. مع ذلك فإن تفاؤلية كهذه تقوم على إسقاطات مضطربة. حين لا نعرف من هو القيصر فإننا لا نعرف ايضا من هو لينين ومن هم البلاشفة. ثم اننا ننتظر بحذر ان يتلبس احد ما دور كيرنسكي. لعل هذا الكيرنسكي تراءى في نظر البعض في هيئة وليد جنبلاط. تكفي زيارة وتصريح مختلف ليصيح البعض: لقد عاد الى طبقته او لقد عاد الى طائفته. لا فرق ما زالت لعبة الإسقاط وتبادل الصور قلما تبالي بهذه الفروقات. يريد المتفائلون ان تبقى المعارضة كيانا متراصا واحدا وان تخوض معركة واحدة وان تمتلك افقا وبرنامجا مشتركا. ليس مهما الخوض في تكوين هذه المعارضة وتاريخ كل من اطرافها، ليس مهما ان لا نرى سوى هذا التاريخ في لحظة المواجهة ومن سؤ النية ان لا نرى سوى هذا التاريخ في منعطف تاريخي، لكن من الطفولة ايضا ان لا نراه البتة او ان ننساه كليا لدى النظر الى المستقبل.
يبدو لذلك ان المتفائلين اكثرنا عرضة الى انقلاب المزاج. اذ لا يفهمون ان انطفاء الثورة طور من اطوارها، وان نزول الجماهير المليونية لم يكن بلا جدوى وان ما تحقق مثالي في حجمه وزمنه. لن يفهموا الا ان الثورة المضادة انقلبت عليها وكسبت الساحة وان الكيرنسكية سادت، وان الهجمة غرقت في الحرتقة والتسويات. وان الثورة قاربت ان تغدر وربما تنحر نفسها بنفسها.
اخشى ان الديموقراطية لا تكفي احدا. لعلها غالبا هكذا في ميراثنا القومي واليساري والوطني. إنها اداة او طريق محمودان لكنها لا تصير غاية، فهي في النهاية لا تغير ولا تمهد لتغيير. قد تضطرنا بالعكس الى خطوة الى الوراء او خطوتين او ثلاث الى الوراء في مقابل كل خطوة الى الامام. ليس في هذا ما يثير وما يحتاج الى مليون متظاهر، بل ليس في هذا اي ضمانة مستقبلية. الاستقلال بالطبع مع الراية المرفوعة غرض يستحق، لكن الديموقراطية لم تكن في يوم خلابة. لعل في الظهورات التلفزيونية غير المنقطعة لبعض قادة المعارضة ما يفسر ذلك، ايا كان تقديرهم لفائدة ذلك لنضالهم فانهم يبالغون. يبالغون، اولا في تقدير الحاجة لكلامهم وظهورهم، ثم يبالغون في تقدير فائدة تعاقبهم على تكرار ببغاوي رتيب للمواقف نفسها، جالسين من شعبهم مقعد المعلم والموجه. لقد كانوا دائما على الشاشة في مواجهة الدفق الجماهيري بمئات الالوف والذي لم يكن يلقي بالا في ساحة الشهداء لكلماتهم، ناهيك بالطبع عن وقفات القسم البغيضة، البغيضة بدون شك، التي كان بعضهم يضطر الشبان اليها. لم يكن في كل ذلك اي شيء من الديموقراطية، قد تربح عاميه هؤلاء الخطباء ولغاتهم المرتبكة احيانا على فصاحة خطباء تظاهرة رياض الصلح الحجاجية لكنه ربح هش. ففي النهاية كانت هذه العامية ايضا تقريرية ملزمة وخشبية ايضا، من كل هذا الفيض الكلامي الذي بذل غزيرا يتساءل المرء فعلا عن الخلق والحوار وقوة الفكر.
الانتخابات آتية. ستكون بالتأكيد مفترقات ومنعطفات وملتقيات شتى، لن تسعد احدا بالطبع. الموسوسون قد يجدون فيها مصداقا لوساوسهم، لكنهم مع ذلك يعرفون ان الامر ليس كذلك تماما. المتفائلون سيجدون دليلا جديدا على الثورة المضادة بل الثورة المغدورة. لن تبقى المعارضة معارضة بقدر ما كفت الموالاة عن ان تكون شيئا اصلا، السند الاصطناعي زال ولم يبق لفصاحة المتكلمين عن الثوابت القومية بعد موطئ لحجة. الانتخابات وهي الفرصة الديموقراطية لن تسعد الديموقراطيين الجدد ذلك لأن الديموقراطية لا تكفي، بل إنها تخيف احيانا اولئك الذين لا يكتفون بها. العودة الى الحرتقة والجمع الانتخابي والتحالفات من اي نوع تخيف اولئك الذين لا يكفون عن الكلام عن اندماجات اكبر وولاءات اكبر، متناسين ان في التعالي على الحرتقة بعض التعالي على السياسة، بل متناسين ما كان لهذه الحرتقة من دور في توليد الوضع الجديد بكليته. في العادة نحتفظ بالصرخة ضد الطائفية للحظة الاخيرة، لكننا احيانا لا نسأل اذا لم تكن هذه اوحال الديموقراطية، اذا لم نخض في هذه الاوحال فكيف يمكننا ان نحاجج ونصارع. الارجح أننا نؤمن بالثورة ولو بيضاء ونؤثرها على العمل الديموقراطي الصبور البطيء. كثيرون يظنون ان ثورة بمليون مشارك تباع بالكساد اذا كان هذا سعرها، فجأة تظهر اهداف أعلى لأن الحرية لا تكفي.
كل هذا في ظني من مواريث سياسية ايديولوجية لا ترحم، ان بناء الديموقراطية صعب وأكثر صعوبته في صناعة الديموقراطيين. الارجح ان الصبر والتوكل على الزمن ليست صفات من ينتقلون من اللافعل الى دائرة الفعل بسرعة الصاروخ ومن يجتازون دهورا من الهمود فورا الى لحظة الغليان، في ظرف كهذا يصعب الانتظار ويصعب استخلاص الدروس. احسب بمعيار تاريخي ايضا ان ترحيل الامنيين وتفكيك نظام انتدابي وعودة الديموقراطية امر عظيم، لا أقيسه بثورة المليون فقط بل ب30 سنة من الاستنقاع والهمود وأجده لذلك عظيما، بل اظن ان استكماله هو برنامج مرحلة. هناك جبل من المشاكل في عالم من المشاكل، من يزعم ان لديه الحل، المهم ان نكون في الطريق. ان نكون متحركين وأحياء فاعلين. ببطء وبصبر، خطوتان الى الوراء وواحدة الى الامام. هذا، لمن لا يخيفه ذلك، عنوان كتاب للينين.

ملحق السفير الثقافي

   [ POSTED  @ 2:07 ص ]


 

تأمّلات في مقهى الثقافة السوري

منذر بدر حلّوم

المقهى السوري، اليوم، مكان فعل وقول. ولا تستعجلوا الفصل بينهما! فالأمّة توضع هنا على الطاولة ويتساقط رماد السجائر على لبنانها وسورياها ونيلها وفراتها وحَرَميها وأقصاها.. ولكن، كل تلك الجغرافيا بعد أن يكون لبنان وسوريا قد أُشبعا باللعاب. هنا تُدمغ حدودٌ بالبُنّ المحروق وتُغرق شعوب بلعاب الاستعلاء والاشمئزاز والمصادرة.. وهنا، هنا بالذات تُقصل أقلام وتوصم ألسنة بكوبيا شتّى الدمغات، دمغات الارتزاق حينا والعمالة حينا آخر والثأرية حينا ثالثا والبحث عن أمجاد حينا رابعا والاستعجال لاقتناص مواقع يُنتظر أن تخليها السلطة التي أخلت مواقعها العسكرية في لبنان حينا خامسا.. وقد تجد ما يجعلك تقول حيناً ألفاً، ولكن سيصعب عليك جدا أن تجد، في مقهى الثقافة السوري، من يُرجع الكتابة السورية السورية بدليل حمولتها التاريخية وهمومها، وليس بدليل دم أصحابها فقط إلى همّ وطني، فأرشيف مقهى المثقفين لا يتسع لتصنيف كهذا.
وأمّا للبنان في مقهى الثقافة السوري فوضع خاص. فلبنان كلّه بجبله وبقاعه وجنوبه وتفاحه وخروبه وبيروته.. لم يحتج لكي يخرج من قلب المقهى، ويمكنك القول من قلوب روّاده، إلاّ إلى نزر يسير من الوقت الذي احتاجه خروج القوات السورية من لبنان. ولكن، هذا اللبنان، رغم خروجه من القلب، لم يبرح مقهى الثقافة بعد، ولا أظنه فاعلاً في القريب! فما علاقة لبنان بما يدور في مقهى الثقافة السوري؟ كيف لا! ومن سواه هو لبنان اليوم يُخرج بَواطنَ العجز السوري ويدفع بأحشاء ثقافته إلى قارعة الطريق!! فثمّة كيمياء لبنانية قادرة على قلب الأشياء السورية رأسا على عقب، قادرة على إزالة الأقنعة السورية أو إذابتها بلمسة واحدة. ففي مقهى الثقافة، وبفضل من الكيمياء اللبنانية، تحدث أشياء مدهشة، أشياء لم يكن ممكنا أن تحدث منذ عهد قريب. فها هي، مثلاً، الكتابة المعارضة للنظام السوري في الصحف اللبنانية تصبح، على إحدى الطاولات المفعمة بحماسة الوطنية، نشراً لغسيلٍ سوري وسخ في بلد غريب. هورّا، أو قُل أوريكا.. فأخيراً! أخيراً! وجدها أرخميدس السوري!.. ألف مبروك للبنان! لقد اعترف المقهى السوري باستقلاله، بل بما يفيض عن حاجته إلى الاستقلال من الغربة. ولا بأس على من يقول ذلك ولا هم يحزنون! فهم أنفسهم وفي المقهى ذاته كانوا يقولون قبل 14 شباط أو قُبيله بقليل بشعب واحد في بلدين وب<<سوا>> وبضرورة خروج القوات السورية من لبنان. فيا لسحر الكيمياء! فما إن خرجت القوات السورية حتى اخترق غازها المسيل للدموع والمُطيّر للعاب زجاج المقهى فغيّر الأحكام، أحكام (المُقهين) الذين في ضباب دخانهم (يعمهون). اليوم، فقط، يعترف مقهى الثقافة السوري بسايكس بيكو. ولكن، ما إن يصبح لبنان سايكس بيكوياً حتى تصبح الكتابة السورية سايكسبيكوية أيضاً. ليس هو الشيء نفسه، طبعا، هنا وهناك. فثمة بين سايكس بيكو لبناني وسايكس بيكو سوري فرق كبير من منظور المقهى السوري. ففي حين قد يعني الأوّل منه الاستقلال فإن الثاني يعني التآمر. وهكذا فما إن تصبح الكتابة السورية سايكسبيكوية حتى تغدو تآمرية ولا وطنية بمؤداها النهائي، خاصّة إذا جاءت في صحف لبنانية معارضة. ولن أقول لأي النظامين فالمعارضة تكون لهما معا بالضرورة. وأمّا الآن، فتعالوا نتأمل الطريق الذي يمكن أن يقود إليه مثل هذا المنطق. فلو أنّ العشائر، التي تختبئ تحت جلودنا، تنتج صحافتها والقبائل والطوائف والمذاهب كمثلها.. فكيف كان سينظر بعض مقهى الثقافة السوري إلى الكتابة في صحيفة عشيرة الغير! هل ستصبح الكتابة آنئذ لاعشائرية بدلا من لاوطنية، وماذا سيعني ذلك؟
وفي مقهى الثقافة السوري اليوم ثمة إبداع آخر، وهذه المرّة أيضا بفضل من الكيمياء اللبنانية. هو إبداع يلغي الحاجة إلى التعبير ويمجّد حقبة ما قبل الكلام في تاريخ النشوء والتطور البشري، إبداع يُختصر بالقول التالي: (المعارضة الصامتة أهم وأجدى من المعارضة الناطقة). ولا يفوتنّك أنّ ما يقال في المقهى لا يلغي صفة المعارضة الصامتة عن قائليه. فالمكتوب هو وحده غير الصامت وفق معجم المقهى. وليس الصامت هنا في مواجهة الصائت. فليس المقصود بالصمت الامتناع عن الهتاف والتمجيد والتأييد الصائتين وإطباق الشفاه في وجه قائد عسكري يطلب إجابة بعينها فيما كمّاشة عينيه تتوعد الصامتين بخلع أبواب أفواههم المغلقة.. لا، إنّما المقصود معارضة غير مُعبّر عنها مقابل معارضة معلنة. قد لا يكون لبضع مئات من آلاف السنين أهمّية هنا ما دمنا نتحدّث عن بضع سنوات من عمر الكتابة المعارضة السورية.
موقع المقهى يقوم، في الواقع السوري، اليوم، بين الصمت والكتابة. مقهى الثقافة السوري يقوم في منطقة اللاتحديد حيث كل شيء لا منتم، وينتمي إلى أي شيء تريده، إن شئت، في آن معاً. قد لا تكون هذه سمة سورية فقط، لكنها سمة سورية أيضا. وبين العمومية والخصوصية السورية لا يخفى على أحد ما في عدم التحديد (المقهوي) من لامسؤولية. فهنا، يمكنك أن تفتح حاوية قمامة خاصّة بك وبمجالسيك وتلقي فيها بمن تشاء، وهنا، أيضاً، يمكنك أن تُنصّب نفسك حاكماً وتحكم بما تريد على من تشاء، وهنا، هنا بالذات، يمكنك أن تعتز بمواقفك المعارضة الجريئة دون أن يكون لك أي موقف معارض صريح خارج المقهى، وربما خارج المطبخ، أو خارج نفر قليل من الأصدقاء في مكان ما آخر قصي، وهنا، بالتالي، يسهل أن يكون المعارضون الآخرون أنذالاً وسفلة ومعدومي مواهب وضعاف نفوس وعملاء وغاوي مناصب وأمجاد.. فهم منشورون أمامك، عراة على صفحات الجرائد المفروشة على طاولتك، تعرف عنهم الكثير، من خلال ما يكتبون وغيره مما تجنيه بحكم ثقافة استخباراتيه موروثة، في حين أنّهم لا يعرفون عنك شيئا. فتأمّلوا كم هي وضعية مريحة ومربحة ووضيعة.
وبعد، فإن يكن مؤسفا، إنّما هو ليس مفاجئا ما تعبق به أجواء مقهى الثقافة السوري اليوم. فهنا بالذات تُنتج آليات التعويض عن العجز المزمن والخوف الساكن لب العظم، التعويض عن العمر الضائع ومعه الفرص والآمال الضائعة، هنا بالذات تجد المصنع الذي يحوّل الهزائم إلى انتصارات، هنا تجد عدّة دونكيشوت وعتاده من كلام.. لا أحد يرتدي القلنسوة ويحمل الرمح هنا. فالقلنسوة والرمح يفضحان! هنا تجد عالقين في منتصف الطريق، لا هم قادرون على الانسلاخ إلى وجود جديد، ولا هم قادرون على العودة إلى وجودهم القديم. وما أمضّ وجع الانسلاخ! فكيف به إذا كان دائما! لا جلد قديماً ينخلع ولا جديد يتشكّل! إلى هنا يأتي أهل الكهف. يتخفون ويأتون، فلا الشارع يعرفهم ولا هم يعرفون، وتأتي معهم قدسيتهم جاعلة التغيير ممكنا ليس قبل (ثلاثمئة سنين). إلى هنا يأتي أشخاص مكتفون بذواتهم وبسِيَرِ بطولاتهم الشخصية، وإلى هنا يأتي أبناء الثورة الضالّون ويأتي آخرون ممن أضناهم الحبر فهجروه إلى اللعاب.. فحذار أن تسير على رصيف مقهى مثقّفين لئلاّ يصيبك بعض من رذاذه الحارق الذي لا يفيد معه الاغتسال، ولا يُعتد به ماءً للوضوء.
أجل، هناك في مقهى الثقافة آخرون من غير أولئك الصامتين الصائتين، هناك من يتأمل المقهى والشارع عبره، ويتأمّل الضحايا الذين تتقاذفهم الألسنة، وكدت أقول الأقدام، وهناك (دو شيش) و(كش مات).. ولكن، أين الذين لا يكونون أولئك ولا يكونون هؤلاء؟ ففيما يقذف مقهى الثقافة بالرجال من على صفحات الجرائد إلى الرصيف، حريصا على أن يقعوا بين أقدام العابرين، وربما بسبب من ذلك تسافر العيون باحثة عن رجال ثقافة يشتغلون بجدّية الباحث وأناته وموضوعيته وعدالته وحماسته الباردة على الهمّ العام.. فما أقلّ هؤلاء، وما أحوجنا إلى قامات ثقافية تعدّل حموضة هواء المقهى القاتلة.
ليس في مقهى الثقافة حواجز بين ظالم ومظلوم. فمن ذا الذي يخترع مصفاة تنقّي هواء المقهى من الظلم والادعاء قبل أن يخرج إلى الناس، ومتى يكون ذلك ممكناً، أو هل يكون؟!
المقهى عنصر رئيس في هوية المدينة. فأين يكون مقهى الثقافة من ثقافتنا، وليس فقط من مدينتنا؟ أخشى أن يكون في القلب منها، فنكون من الخاسرين ونكون من الضالّين، ولا فرق عندئذ أن نكون من المغضوب عليهم أو لا نكون!

ملحق السفير الثقافي

   [ POSTED  @ 2:06 ص ]


 

سورية: الأسباب الموجبة لرفض المؤتمر الوطني: بشير البكر

تتالت في الآونة الأخيرة الدعوات الصادرة من طرف قوى سياسية وشخصيات وطنية وكتاب رأي , تدعو السلطة السورية الاستجابة إلى عقد مؤتمر وطني كمدخل

لحوار جدي"ينفتح على إمكانية صياغة مشروع مشترك للتغيير الديمقراطي,ينهي النظام الشمولي,ويبني الدولة الديمقراطية ومؤسساتها بشكل سلمي ومتدرج وبمشاركة الجميع. "على حد ماجاء في بيان "التجمع الوطني الديمقراطي في سوريا" الصادر في 17 نيسان
ابريل .ويطالب البيان السلطة بالدعوة إلى هذا المؤتمر(مؤتمر وطني للمصالحة والتغيير), وإلا فانه "يمكن للقوى الشعبية المعارضة بمختلف أطيافها أن تبادر إليه إذا تمنعت السلطة عن فعل ذلك".

تأخذ الدعوة اليوم صيغة المؤتمر الوطني،لكن سبق لها وان طرحت تحت مسميات مختلفة،يظل أقربها"المصالحة الوطنية" التي تحمس لها الكثيرون بعد رحيل الرئيس حافظ الأسد في حزيران يونيو سنة ،2000 ، من منطلق أن غياب الرجل الذي ارتبطت ثلاثة عقود من حكمه بتجاوزات كبيرة،لابد أن يأذن بفتح صفحة جديدة بعد طي صفحة الماضي المثقل بالأوزار.لقد ارتقى هذا التقدير إلى مرتبة اليقين لدى أطراف واسعة من الشارع السوري كانت هي الأكثر تضررا من ممارسات الاستبداد.ومنبع ذلك ليس القناعة بإعادة الحق إلى أصحابه،وإنما من منظور حاجة الجميع إلى تأمين انتقال هادئ يجنب المجتمع السوري الخضات الكبيرة.وكان الاعتقاد السائد هو أن السلطة لن تتأخر في تبني هذا الطرح لأنه يؤمن لها مخرجا مناسبا وسهلا لتجاوز حالة الاحتقان التي عاشتها الأكثرية السورية مع عهد الأسدالأب.فبدلا من أن تتواصل وتيرة الجمود السياسي الذي عرفه العقد الأخير من حكم الأسد،ويتعمق الشرخ الذي أحدثه مع الأكثرية السورية،فان المبادرة إلى المصالحة الوطنية عبر مؤتمر وطني كانت الخيار الأكثر عقلانية في حينه،فهي كانت سوف تمهد الطريق أمام الرئيس الشاب القليل الخبرة بلعبة الحكم والتوازنات التي شهدها عهد والده ، وتفتح له باب الشرعية الشعبية،التي كان بوسعه الاعتماد عليها من ابتزاز مراكز القوى والنفوذ التي نشأت في كنف الأب ورعايته بوصفها واحدة من آلياته في الحكم والسيطرة وإضعاف الخصوم

لقد كان من المفاجئ إلى حد كبير أن ترفض السلطة التي تم التوافق عليها في ذلك الوقت من جانب الفريق الذي رافق حكم الأب منذ الحركة التصحيحية، مبدأ"المصالحة الوطنية" وتقرر السير في الاتجاه المعاكس.إن عدم الاستجابة من جانب السلطة في ذلك الحين بدا للكثير من المراقبين، يشبه سلوك من يدير ظهره لطوق النجاة الذي يرمى له، في حين انه يسبح وسط أمواج متلاطمة،مع ملاحظة أن مبدأ الرفض لهذه المبادرة لم يأت من باب التعفف، وإنما من منطلق الاعتراض العميق على التبعات التي حسب أقطاب السلطة أنها سوف تترتب عليها،وفي الخصوص تسديد فواتير الماضي.وليس سرا انه تبادر إلى ذهن مجموعة من المسؤولين بان ذلك سوف يقود بكل تأكيد إلى محاسبتهم عن التجاوزات التي حفلت بها ثلاثة عقود من حكم الفرد الواحد، واستباحة النظام الأمني للسوريين في المجالات كافة.لقد فهم سدنة النظام القديم وورثتهم في النظام الجديد الذي عهد به إلى "سر أبيه" بشار الأسد، إن هذه الصفحة إذا ما فتحت فإنها لن تطو قبل أن تسقط حجارة القلعة الأمنية حجرا على اثر حجر.ومن دون شك هالتهم صورة أن يروا أنفسهم وقد تم سوقهم إلى محاكمة لامجال أمامها لأي شكل من أشكال التلاعب والمساومة.والمفارقة الغريبة في الأمر هنا هي أن المبادر إلى دعوة المصالحة هي الأطراف التي لحق بها الضرر طيلة العقود الماضية،وليس النظام المسؤول عن تاريخ حافل بالتجاوزات .وان دل ذلك على شئ فانه يدل على وعي عميق من جانب الذين دفعوا فاتورة الاستبداد والإقصاء، بضرورة الانتقال السلمي بالبلد إلى بر الأمان، وقطع الطريق على بعض الأصوات التي كانت تدعو إلى تصفية حسابات والأخذ بثارات وإثارة نعرات، قد تؤدي إلى سلسلة من الهزات التي تذهب بالسلم الأهلي وتدخل سوريا في دوامة يصعب الخروج منها،وبالتالي توجيه ضربة إلى مشروع استعادة البلاد بالطرق السلمية الذي يجب أن يضع في حسابه هدف تفكيك البنية الأمنية والسياسية للنظام بعيدا عن موروث الماضي الأسود .

لقد أضاعت السلطة فرصة كانت ممكنة سنة 2000 بعد رحيل الأسد الأب من اجل طي صفحة الماضي، وبالتالي فوتت على نفسها وعلى المجتمع إمكانية بدء مرحلة جديدة قائمة على تفاهم الطرفين على أسس وخيارات في إطار عام للمصلحة الوطنية.لقد ابتعد هذا الهدف كثيرا، وحتى لو حاولت السلطة اليوم استدراك ما فات فلن يكون في وسعها إعادة العجلة إلى الوراء ،وقد صار في شبه المحتم عليها في الوقت الحاضر أن تدفع ضريبة ارتباكها وقصر نظرها وسوء إدارتها للموقف وتعنتها. والقاعدة تقول، إن من يسئ قراءة التاريخ يحكم على نفسه بإعادته بشروط وقواعد مختلفة،لذا لانظن أن أطراف المعارضة السورية من "التجمع الوطني " إلى "الإخوان المسلمين" ماتزال تدعو إلى المصالحة الوطنية على نفس أرضية وشروط سنة 2000ا،هي حتما تنطلق من ذات الروحية ونفس المنطلقات،لكنها ابعد ما تكون عن التسليم للنظام بنفس المكاسب التي كان سوف يحتفظ بها لو وافق على المبادرة في ذلك الوقت.فالمنطق يقتضي أن يقدم النظام نفسه الحد الأقصى من التنازلات لكي يصبح الحوار معه ممكنا،وهذه التنازلات لابد أن تكون معطوفة على حالة الضعف التي يعيشها من جراء تراجع رصيده في الداخل، والضغوط الدولية التي يتعرض لها.إن سياسة ذر الرماد في العيون لم تعد ناجعة، وليس مقبولا من أي طرف في المعارضة أن يكتفي بالفتات أو اللقاء مع النظام في منتصف الطريق.وبالتالي تبدو فكرة المؤتمر الوطني قاصرة كلياعن الاستجابة لما يتطلبه الوضع السوري من علاج في اللحظة الراهنة،فهي عدا كونها أصبحت متجاوزة بالتقادم فهي توفر مدخلا لإعادة تعويم النظام والمد في عمره على أسس وطنية ومنحه شرعية يفتقدها.

إن للمؤتمر الوطني المنشود شروطه ومواصفاته، أولها أ لا تتم الدعوة إليه بالاشتراك مع النظام أو بمشاركته فيه كطرف.وثاني الشروط ألا يكرس للمصالحة الوطنية فقط، وإنما للبحث في وضع برنامج وطني للإنقاذ، والشرط الثالث والابتعاد عن عقلية الإقصاء والاعتراف بكل مكونات المشهد السوري، بالإضافة إلى الإقرار بحقيقتين أساسيتين.الأولى،ليس هناك طرف قادر لوحده على النهوض بمهمة الانقاذ.الثانية ليس من حق طرف لوحده احتكار طريق الحل والخلاص.وقبل ذلك كله، وقف الرهان على تطوير نظام مسدود الآفاق، فليس مهمة المعارضة وقوى المجتمع المدني تقديم طوق النجاة له في الوقت الذي استنفذ فيه القدرة على الاستمرارية.إن المهمة المستعجلة للقوى السورية المعارضة ولمنظمات المجتمع المدني تكمن من دون شك في التفكير بما يمنع سوريا من السير في طريق المجهول الحالي،الذي يتخبط فيه النظام على نحو جلي منذ خطيئة التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود.انه طريق محفوف بالمخاطر، وليس من الحكمة بمكان الاكتفاء بالفرجة على سوريا وهي تتدحرج نحو الحافة.لذا فان المطلوب ليس مؤتمرا وطنيا، بل مبادرة للإنقاذ الوطني، تنطلق من كف يد النظام الأمني

* كاتب وصحفي سوري

   [ POSTED  @ 12:28 ص ]


 

التغيير الديمقراطي في سورية: د. هيثم مناع

بين الاستقلال الثاني والاستعمار الثاني ؟

عندما أطلق منصف المرزوقي قبل عشرة أعوام، اسم "الاستقلال الثاني" على كتاب يشّرح فيه الاستبداد ويتحدث عن الديمقراطية لم يجل بخاطره أن يتم توظيف واستعمال هذا العنوان من قبل أطراف عدة، لا علاقة لها بتصوره للديمقراطية. بل

وأن تتم مصادرته منه من قبل إدارة أمريكية متطرفة، مباشرة أو عبر مهرجيها ومروجيها. لكن ألم توظف كلمة الاشتراكية من قبل أنظمة الحزب الواحد المتعفنة بيروقراطيا؟ ألم تستعمل القيم الكبرى من قبل ألد أعدائها؟ ألم تختزل النازية الحضارة الأوربية في تفوق الآري كما اختزلت كنيسة القرون الوسطى رسالة السيد المسيح في صكوك الغفران؟

سوء الاستعمال والتوظيف جزء لا يتجزأ من طبائع النفس. والأفكار العامة قابلة للاحتواء، بقدر ما هي مجردة وبعيدة عن دينامية الحياة ومطرقة الذهن وسندان الواقع. فما زالت التعاريف عائمة وهائمة كونها حمالة أوجه. ألم نشهد ذلك جليا في تسمية الإرهاب مقاومة والمقاومة إرهاب؟

الجديد في الحركة الفكرية النقدية في المجتمعات العربية اليوم أنها في عملية استجواب ومساءلة للذات والآخر، للممارسة والأفكار. لقد شبعت من التقليد والتبليد. لم تعد تعيش ترف التسطيح العام للأفكار والبرامج، بل صارت بحاجة للتعمق في الإنتاج كوسيلة وحيدة لصيرورة التفاعل الحقيقي مع مجتمعاتها دون مداهنة أو نفاق.

الاستقلال الأول والفشل الأول

لم تولد النهضة العربية في رحم تغيير عاشه المجتمع العربي بأوالياته الداخلية. وإنما في سيرورة عملية اغتصاب غير كاملة تعرض لها باتصاله بأوربة. هذه التي لم تدخله محررة، بل مهيمنة بالبضاعة والمدفع والمطبعة. برموز البرجوازية الأوربية المتجسدة في الثورة الصناعية والاستعمار بأشكاله المتتابعة وعصر التنوير.

رغم طابعه السلبي والتعسفي، شكل ولوج الرأسمالية نقلة تاريخية نحو تفريد قطاعات واسعة من السكان انخرطت في المهن "الغربية" الجديدة في المدن. إلا أن النهضة لم تواصل مسيرة التنوير، إذ اكتفت بتحويل الأفكار والنظريات المطروحة في المخبر المجتمعي-الثقافي في الغرب- في معمعان تناقضاته وصراعاته- إلى إيديولوجيات. لقد تعاملت مع الداروينية والاشتراكية والديمقراطية والحداثة بوصفها وصفات جاهزة. في حين أنها مادة استعمال تتطلب عملية إعادة تعّرف نقدية صارمة تسمح بإنتاج معرفي ينبع مباشرة من الصراعات المعاشة.

الأنكد من ذلك، أن الشطر الأكبر من النخبة الثقافية اعتبر تقمصه للثقافة الأوربية تعبيرا عن النهضة. فدخل في دوامة الإرضاء والاكتفاء، متغربا بسرعته الذاتية لا بالوتيرة العامة للتغيير. الأمر الذي فصم قطاعا كبيرا من النخب عن مجتمعاتها، خالقا حالة غربة بين النهضة والعامة. لم يكن للأسف الشديد، عبد الله النديم حالة سائدة، بل أنموذجا خاصا للتفاعل الدائم بين الريف والمدينة، بين الخاصة والعامة، بين الفضاء غير الحكومي بمختلف مكوناته الشعبية والمعرفية. لكن هذه الحالة لم تشكل قاعدة بقدر ما كانت استثناء. فقد حرم النفي عبد الرحمن الكواكبي من التفاعل المباشر مع جمهوره، وحرم قصر النظر عدد كبير من أنصار الأوربة القدرة على التواصل مع الناس. بحيث تعددت أسباب انفصال النخب عن الناس.

عالجت النخب نفسها على حساب الحركة المجتمعية. فعاشت أوربة بل كانت في أوربة أكثر منه في نهضة عالمية بمقومات عربية. بين انفصامها عن المجتمع وتواصلها مع العالم الخارجي عززت طابع الغربة عن المجتمع (غربة أكملها البعض بوقوفه في صف الدولة التسلطية الحديثة، القامع اليومي لمجتمعه).

كانت الثورة الفرنسية المثال الأهم للثوريين العرب، في حين أنها المثل الأسوأ الممكن أن يتم الاقتداء به من نماذج العلمانية الأوربية. فالإسلام لم يكن حجر عثرة أمام التحرر الوطني بل في صلبه. لقد فشلت المدارس السنية لحسن الحظ في بناء فاتيكان لها، وخاض آيات الله النائيني مبكرا في نقاش المشروطية أو الدستورية. ولم يحدث فرز موضوعي يجعل من الديني قوة مثبطة ومن العلماني قوة دافعة. بل كان التداخل والاختلاط وتناوب الأدوار أقوى مما نتصور. أفرزت المعرفة الدينية حينا رواد إصلاح نهضويين، كما أعطت العلمانية أحيانا أخرى أصولية منغلقة على ذاتها وعلى الإيمان الاجتماعي الثقافي. وفي الحالتين، لم تتم عملية التواصل بنجاح مع العتلات الفعلية للوعي الجماعي. فجرى حينا توظيفها لخدمة الإيديولوجية وأحيانا أخرى للمصالح الآنية.

كانت النهضة أيضا فرصة تاريخية لعودة الأقليات إلى التاريخ السياسي كطرف فاعل فيه. وانعكس فشل النخبة في التفاعل مع الجماهير الواسعة في تداخل مأساوي بين الحداثة واستقصاء الجمهور. هذا الجمهور الذي انتقم من عملية استقصائه بانكفاء على الذات وعلى الماضي، رافضا الحاضر الذي يحوله إلى قطيع للمستبد الحديث. فقد سقطت السلطة الثقافية الجديدة والسلطة السياسية الجديدة كلاهما في امتحان المشاركة والديمقراطية. كما وجدت النخب العسكرية والمدنية في السلطة الدكتاتورية الطريق الأقصر إلى "ثورتها". كانت تظن أنها تحرق المراحل، فحرقت مجتمعاتها وبقيت المراحل.

لم تعد الأغلبية المهزومة والمهمشة تمتلك القدرة على الفعل التاريخي، أي أن تكون قوة جاذبة لكل مكونات المجتمع من أجل التغيير بالجميع مع الجميع من أجل الجميع. وبذلك ارتكس الحاكم والمحكوم إلى العلاقات العضوية ما قبل المدنية وانتشرت العصبيات الطائفية والعشائرية والقبلية انتشار النار في الهشيم. كل يحطم مقومات المجتمع المدني على طريقته وفي مستواه، السلطة الأمنية تحطم عناصر الارتكاز العامة (جمعيات، أحزاب، نواد ونقابات..) والمقموع-الفرد يقوم بتحطيم عناصر الارتكاز الخاصة (الأسرة ومحيطها). التصحر السياسي أصبح الملجأ الأفضل للأمان والخلاص الفرديين في وجه سلطات رفضت أي تناسب عقلاني بين الفعل النضالي وعسف العقاب.

في فشل السلطة التسلطية بعد الكولونيالية وفشل النهضة الثقافية المجهضة والمخنوقة من الحكومات ما جعل من التجهيل البرنامج السياسي الوحيد موضوعيا خلال عقود. برنامج يعيدنا لأيام سقوط الرجل العثماني المريض: كل العيون تطمع في الغنيمة وكل الأطراف تشعر بالحق الطبيعي في التدخل. ألا يقول المثل الشعبي: "المال الداشر (المباح) يعلّم الناس السرقة"! لكن المشكلة أن المال ثروات طائلة والسارق محترف.

تحطيم المجتمع وتجهيل الناس

ها نحن جيل يحمل كل ميراث الهزيمة المبكرة للاستقلال الأول والنهضة الأولى، أحيانا ببعض الدروس وأحيانا دون الخروج بأي درس. فالمجتمع مكسور الجناح والمعارضة السياسية مستأصلة الرئة. كما أن إزمان التجهيل وسيطرة الخطاب الإيديولوجي على الصحافة والتعليم، إضافة لاشمئزاز الناس من التزلف واحتقار الذات والخوف الدائم في تعاملها مع جملة أساليب التواصل التي فرضتها الدكتاتوريات على الناس، كلها عوامل وغيرها خلقت عزوفا عاما عن القضايا المدنية والمواطنية والوطنية. بحيث دفع أكثر من جيل ثمن التدنيس المنظم للوعي.

لقد صمت الغرب "الديمقراطي" نصف قرن عن دكتاتورياتنا المعاصرة، بل اعتبر استمرارها من مقومات هيمنته الأساسية على المنطقة. كما ومارس معها أقذر الصفقات العابثة بكرامة الإنسان وضرورات التنمية وثروات الأمة.

من هنا ردها الصارم ليس على هذه الإدارة الأمريكية أو الأوربية، بل على عملية تدنيس الوعي التي كرسها التسلط. فلا يستغرب المرء اليوم أن يسمع عن ولادة حركة "ديمقراطية" لا تعرف الفرق بين الليبرالية والديمقراطية، أو أن يكون المتحدث باسم الديمقراطية الأمريكية الهوى أشد أعداء الحريات الأساسية. كذلك لا يستغرب أن تطلع علينا الصحف التي تحمد الليبرالية الجديدة دون التطرق لانتهاك واحد لحقوق الإنسان في مسقط رأس ممولها. والحال هذه، لا يستغرب أيضاً أن تتناسى النخب المتأمركة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعات يراد لها أن تكون مقابر جماعية لأطفال الجوع وقمامة بيئية للانتاج الواسع للتلوث في الشمال.

في تقديمه لكتاب منصف المرزوقي الأخير (عن أية ديمقراطية يتحدثون) يقول عبد الوهاب الأفندي:

"لا يسعنا إلا أن نتفق مع الكاتب على أن التناول الفج والسطحي للديمقراطية وتقديمها على أنها شفاء من كل داء يحتاج إلى توقف. هناك نقاط تستحق كثيراً من الانتباه في تشكيكه في نوايا الإدارة الأمريكية وهي تتبنى الديمقراطية للعرب وتبشر بها. ولكن المرزوقي يضيف إلى المقولات الرائجة (حتى لا نقول الغوغائية) حول شرور أمريكا وسوء نيتها تحليلاً نظرياً متعمقاً، حيث يؤكد أن "أمريكا لا تروج للديمقراطية بقدر ما تروج لليبرالية، في داخل أمريكا وخارجها، وهذا الموقف كثيرا ما يتعارض مع الديمقراطية".

لا شك أن هذه الملاحظة على قدر كبير من الأهمية، حيث هناك خلط رائج بين المفهومين حتى في التناول الغربي لهذه القضايا. لكن كثير من المنظرين لاحظوا هذا التمايز، بل والتناقض، بين الليبرالية والديمقراطية. الولايات المتحدة قامت في الأساس على مفاهيم ليبرالية، وكان الآباء المؤسسون لا يستخدمون مصطلح الديمقراطية إلا لماماً. بل يميلون إلى مصطلح "الحكم الجمهوري"، تيمناً بروما لا أثينا. وقد عبر بعضهم في كتاباته عن إشفاقه من أن يتمكن الرعاع والعامة من الفقراء من الاستيلاء على السلطة وإفساد أمر الجمهورية. لهذا حفل الدستور الأمريكي بضمانات كثيرة ضد هذا الخطر. من هذه الضمانات الانتخاب غير المباشر للرئيس، توزيع السلطات بين المركز والولايات، إعطاء دور مهيمن للمحكمة العليا، وغير ذلك من التعقيدات الدستورية.

يدخل في ذلك أن الحزب الديمقراطي، الذي يجسد الاهتمامات الشعبية ويمثل الطبقات الأوسع، يعتبر إلى حد كبير "حزب المعارضة". في حين يعتبر لحد كبير الحزب الجمهوري، الذي يمثل المصالح المتجذرة في النظام الأمريكي، حزب السلطة. الفكر الليبرالي كما هو معروف يركز على الحقوق والحريات الفردية وعلى ضمان حقوق الملكية وحرية التبادل الاقتصادي، بينما الديمقراطية تركز على مفهوم سيادة الشعب. وقد كان المنظرون الليبراليون يتخوفون منذ البداية من أن يؤدي ترسخ المفاهيم الديمقراطية إلى "انقلاب" يقوم فيه الفقراء بالإمساك بالسلطة واستخدامها لسلب الأغنياء أموالهم وجعل أعزة أهل البلاد أذلة.

مثل هذه المخاوف كانت سائدة في الفكر الغربي منذ أيام أرسطو. لقد اكتسبت أهمية جديدة بعد قيام الثورة الفرنسية وما ارتكبته في حق الطبقات العليا. ثم ازدادت بعد ظهور الفكر الماركسي والحركات الاشتراكية التي أخذت تنادي علناً بحق الفقراء في الاستيلاء على السلطة تحديداً لإنهاء هيمنة الطبقات الغنية. وهكذا أصبح ما كان بالأمس خطراً يتخوف منه المنظرون مطلباً ينادي به المنادون ويؤكدون مشروعيته.

التعارض بين الليبرالية والديمقراطية اكتسب بعداً جديداُ في عصر العولمة. حين أصبحت المصالح الليبرالية المرتبطة برأس المال بعيدة كل البعد عن هيمنة الدولة، وبالتالي خارج متناول المحاسبة الديمقراطية. ليس هذا فحسب، بل أصبحت الامبراطوريات الإعلامية العابرة للقارات والواقعة خارج إطار المحاسبة الديمقراطية تتحكم في اللعبة الديمقراطية دون أن تتقيد بشروطها. نرى ذلك في امبراطورية روبرت ميردوخ الإعلامية التي تؤثر في السياسة في أكثر من بلد دون أن تعبأ بسلطات وضوابط المحاسبة الديمقراطية.

وضعت هذا التعريج الطويل على كتاب صديقي منصف المرزوقي لأنه أصبح من الرائج أن نشهد بعض قدماء المحاربين الماركسيين يتحولون لجنود أشاوس لليبرالية الجديدة. وبالتالي فهم يهددون الديمقراطية قبل ولادتها بحقنة مبالغ فيها overdose من النخبوية واللامبالاة تجاه الأغلبية القابعة تحت خط الفقر.

في لبنان الاستقلال، في مصر كفاية وفي سورية كرامة...

تلخصت نظرية الجنرال حافظ الأسد في الحكم بضرورة الاعتماد على العصبيات التقليدية في أجهزة الأمن المختلفة والقوات المسلحة الخاصة. ذلك لضمان ولاء أجهزة القمع المباشر وغير المباشر، ثم معالجة الملفات السياسية على نار هادئة. لقد كان لديه كامل الثقة بصلاحية أسلوبه لكل مكان وزمان. لذا لا يستغرب اعتماد نفس العقلية في إدارة الأوضاع اللبنانية.

إلا أن اغتيال الرئيس الحريري في 14/2/2005 ثم تظاهرة استقالة الحكومة، سجلت ثلاثة دروس تتعدى الحدود:

فشل النهج الأمني في إدارة الحياة السياسية وبناء اقتصاد تنموي ومؤسسات دولة قانون على ضفتي الحدود السورية اللبنانية.

غياب الدينامية عن متكلسي الفساد والاستبداد بحيث لم يروا أن ما كان ورقة جيو سياسية محتملة قبل خمسة عشر عاما (الوجود السوري في لبنان) أصبح ورقة خاسرة بكل المعاني.

أن النضال السلمي هو أضمن الوسائل للانتقال الديمقراطي وإعادة صياغة الخطاب الوطني. وأن أبناء البلد، وليس الدبابة المحتلة، هم أقدر الناس على تحقيق هكذا انتقال في الفكر والممارسة.

من نصائح حكماء العرب والفرس للسلاطين والحكام منذ الدولة الساسانية إلى الدولة العباسية نصيحة بأن لا يتركوا لمن بعدهم عجزا ماليا كبيرا أو نقمة شعبية أكبر أو ارتباطا مبالغ فيه للسلطة بشخصهم. لم يسمع أو يشأ أن يأخذ الجنرال الأسد بهذه النصائح، فأسرف في تفصيل الدولة على مقاس سلطته، ناسيا أن خلافته، لابنه أو لغيره، لن تكون يسيرة. من الصعب إلباس الثوب لشخص آخر. خاصة وأن مادة الطاعة الوحيدة عند الأجهزة الأمنية تنبع من عنصرين: الأول موضوعي، يتعلق بأمن الجماعة الحاكمة بالمعنى العشائري والطائفي، والثاني ذاتي، يقوم على الاستزلام الشخصي والموالاة المباشرة والإفساد المنهجي لضمان الطاعة.

في الأشهر الأولى لحكم الإبن، لعب العنصر الموضوعي دورا هاما. خاصة وأن قطاعات واسعة من المجتمع، من كل الطوائف والأديان والمناطق، انطلقت من المصلحة الوطنية العليا رافضة منطق الثأر أو الصراع المفتوح الذي لم تكن مهيأة له بأي معنى من المعاني. وحيث أن سورية من البلدان القليلة في العالم التي تم فيها تحطيم وتهشيم وتحييد النخب السياسية المعارضة بشكل منهجي خلال أربعة عقود. كان في هذا الإحساس الجماعي بالمسؤولية فرصة تاريخية للانتقال التدريجي من السلطة الأمنية العصبوية لدولة القانون. إلا أن ضعف شخصية وشرعية الخلافة، قد أعطى أجهزة الأمن ومافيات الفساد فرصة لا سابق لها في التحرك دون محاسبة. فتناست المجتمع والدولة والمصلحة الوطنية ووضعت مصالحها الضيقة فوق كل اعتبار، متكئة كالعادة على الخيار الأمني لمواجهة المشكلات المنظورة وغير المنظورة.

في مجتمع تعرض للتحطيم الممنهج لتعبيراته السياسية والمدنية، لا يوجد إنتاج واسع للكوادر والقيادات. يكفي شل قطاع منها بالسجن والحرمان من الحقوق المدنية والتجويع والنفي، للشعور بنوع من "الاطمئنان الكاذب" (ولكن الضروري!) لهذا النمط من ممارسة الحكم.

رغم كل صرخات التحذير من ضرب المجتمع المدني الناشئ، قامت السلطة باعتقال العشرة الأفاضل وتهديد من لم يعتقل. أي أنها وجهت ضربة قاسية لأهم تعبيرات نضوج التغيير في المجتمع السوري. وقد دفع هذا البلد الثمن اقتطاعا له من تاريخ الفعل السياسي الإقليمي، لأن سورية ربيع دمشق امتلكت أهم أسلحة الدفاع الذاتي المعاصرة: المواطنة باعتبارها ترسانة الوطنية في القرن الجديد. لكن عوامل التغيير مازالت ناضجة داخل وخارج البلاد. وعندما نقول خارج البلاد لا نعني المشهد الكاريكاتيري للمرتزقة الجدد. وإنما ال