unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-05-14  

الاقتصاد السوري – المشكلات والحلول

د. عارف دليلة

أشكر الإخوة في منتدى الدكتور جمال الأتاسي لدعوتي إلى هذا المنبر الهام الذي يحمل هموم هذا الوطن وقضايا هذا الشعب، ويطرح مشكلاته الملحة، والذي يمكن اعتباره أهم مُعِين ومساعد على إخراج البلاد من أزماتها ومشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فيما لو أُخْلِصَت النية وحظي بالتقدير الصحيح.

مازلنا كما سمعنا منذ قليل نعيش في نظام تؤخَذ فيه الناس بجريرة أقوالها، ومازال النظام حتى الآن لا يأخذ الناس بجريرة أفعالهم. أصبح القول جريمة، أما الفعل مهما بلغ من الخطر على البلاد والعباد، فلا يُعتبر جريمة يُحاسب عليها. آن الآن أن نعترف بحرية الرأي والكلمة والقول، وأن نحاسب الناس على أعمالهم ونتائج أفعالهم التي يتحمّل الوطن والشعب والحاضر والمستقبل أعباءها.

من المستحيل في محاضرة أن نحيط بمشكلات الاقتصاد السوري ونرسم وصفات الخروج منها، فهذه المشكلة كانت موضع نقاش دائم في ندوات الثلاثاء الاقتصادية على مدى ال 15 عاماً الماضية، شارك فيها العديد من الاقتصاديين السوريين والمختصين من مختلف الاتجاهات. وكان الفضل لهذه الندوات في الكشف عن القضايا الخطيرة التي تعتمل في واقعنا الاقتصادي والاجتماعي، والتي قوبلت في معظم الأحيان بالإعراض أو الاستنكار أو الاتهام، ولكن حظيت في النهاية بالاعتراف، وأدت إلى بعض التغييرات. لكن هذه التغييرات بقيت تغييرات فوقية اسمية شكلية، لم تصل إلى جوهر القضية، إلى تلك السياسات الاقتصادية والاجتماعية الجاري تخطيطها وتنفيذها على الأرض، وفي رقبة الاقتصاد السوري، وفي رقاب أبناء هذا الوطن.

وهناك الكثير من الأسئلة التي أصبح من الضروري طرحها والإجابة عليها. يجب أن نسجّل الإيجابيات في السنة الأخيرة أن جميع الجهات الرسمية أصبحت تتابع المسألة الاقتصادية، شُكِّلت اللجان العديدة من مختلف المواقف والآراء، وقُدِّمَت الدراسات، نُشِرت الكثير من هذه الآراء في وسائل الإعلام، لكن هذه الإيجابية ما تزال على الورق، لم تتحوّل بعد إلى فعل إصلاحي حقيقي. إذاً هنالك دائرة مسدودة ومازلنا نخضّ الماء ولا نحصد زبدة، ومازال الحديث يدور في الفراغ. تُشكَّل اللجان تلو اللجان، تُقدَّم الاقتراحات، لكن المبادرة والقرار والفعل مازال في واد آخر.

كلنا نعلم قوة الهجمة الوحشية التي نتعرض لها ونواجهها على أرض فلسطين وفي الوطن العربي عموماً. فنحن نعيش عصر الإمبريالية، وتحوّلها إلى إمبراطورية عالمية، وليس لنا مكان في هذه الإمبراطورية إلا أن نكون غذاءً في أحشائها : أرضاً وموارد طبيعية وأموالاً وبشراً، وهذا يتطلب يقظة مضاعفة. حجم الهجمة التي يتعرّض لها الوطن العربي أضعاف ما يتعرّض له أي مكان في العالم. هنا أُضيفت الصهيونية إلى الإمبريالية، الصهيونية التي لا تقبع في ما سُمي بدولة إسرائيل عام 48، وإنما الصهيونية التي أصبح لها امتدادات على مساحة الوطن العربي حيث شُلَّت ألسنة وأيدي الدول والأنظمة العربية حتى في قول كلمة في وجه أمريكا راعية إسرائيل.

الأخطر هو الاقتصاد.. يمكن أن نزاود إلى الأبد بالشعارات والمواقف الثورية، ولكن من المؤسف أن لا نكتشف أنه تحت هذا الغطاء من الشعارات الثورية هنالك من يفعل فعلاً مضاداً على الأرض، ومن يفرّغ إمكانيات هذه الأمة ويمتصّ الدماء من عروق مواطنيها، ومع ذلك فهناك من يغطيه بالشعارات والخطابات والمقالات وكأن شيئاً لم يكن، فكيف يمكن لهذين النقيضين أن يجتمعا في وقت واحد، في سلطة واحدة، في دولة واحدة، في حزب واحد، وفي أجهزة واحدة ؟ كيف يمكن أن يستمر القول نقيض الفعل، والفعل نقيض القول ؟ لقد دفعت سورية، دولة وشعباً، ثمناً غالياً لهذا التناقض. على مدى العقود الماضية عشنا في ظل نظام ذي وجهين، كعملة لا افتراق بين وجهيها : وجه عسكري أمني سياسي يرفع الشعارات القومية الثورية الوطنية الاشتراكية، ووجه اقتصادي اجتماعي يقطّع أوصال الدولة والشعب والمواطن. للغرابة كانت العلاقة بين هذين الوجهين علاقة تحالف ودعم متبادل لدرجة انه كان من الصعب في كثير من الأحيان أن تحكم أي من الوجهين هو الذي يحكم الآخر. كانا يتبادلان المواقع، يحتل هذا الوجه أحياناً مكان الشكل والآخر مكان المضمون، ولكن عندما يختلّ التوازن بينهما كانت تتهدد البلاد أزمة وانفجار، فيسارعان معاً إلى إعادة التوازن وإلى إعادة اقتسام الأدوار والمواقع ليعود التوازن من جديد. آن لسورية أن تخرج من هذه الازدواجية المكلفة وطنياً وقومياً وإنسانياً وأخلاقياً لتظهر بوجه واحد، القول فيها هو الفعل والفعل فيها هو القول.

من متابعتنا للوقائع الاقتصادية والسياسات الجارية لا بدّ أن نتساءل : هل هناك إدارة اقتصادية عامة في سورية ؟ رسمياً هناك إدارة اقتصادية عامة فهنالك حكومة ووزارات وغيرها، فعلياً هل هذه الحكومة والوزارات تؤدي وظيفة عامة في مواقعها العامة أم تؤدي وظائف خاصة ؟ على مدى خمسة عشر عاماً ونحن نبرهن أن هذه الإدارة الاقتصادية تؤدي وظائف خاصة في مواقعها العامة. بالتالي نتساءل : هل نستطيع الحديث في سورية عن اقتصاد وطني ؟ في دول أوروبا وأمريكا وأي دولة في العالم ورغم أنها اقتصادات رأسمالية وطبقية، لكن عندما يزدهر الاقتصاد يرتفع مستوى الجميع : الرأسماليون والعمال والعاطلون حتى عن العمل، وعندما يصاب الاقتصاد بالركود يخسر الجميع : أصحاب المليارات والعاملون برواتبهم وأجورهم والعاطلون عن العمل، لذلك نقول أنه هناك اقتصاد وطني في أمريكا وفي اليابان مثلاً. لكن هل نستطيع القول أن هناك اقتصاد وطني في سورية ؟ هنالك اقتصادان : اقتصاد لا يعرف الأزمة والركود، في ازدهار دائم، في وفرة دائمة، بل في حالات الأزمة والركود يزداد اكتنازاً، وهو اقتصاد القلة، أعضاء الشركة المشتركة، من هم في السلطة وشركاؤهم خارج السلطة، وهنالك اقتصاد القلة الساحقة، وهؤلاء إذا ازدهر الاقتصاد أم مال إلى الركود، خسرت البلاد أم فقرت هم في حالة فقر متزايد، أوضاعهم لا علاقة لها بالوضع الاقتصادي العام، وإنما تتحدد أوضاعهم بسياسات رسمية تُطبّق على مدى عقود بشكل منتظم ومحكم، في الوقت الذي تراجعت فيه الدولة عمّا يسمّى بالتخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، التخطيط الذي يضع مؤشرات على الدولة والسلطة بكل مستوياتها. لكن نلاحظ أن خطة بديلة غير معلنة تُطبق بإحكام وبتناسق شديد، هذه الخطة تقضي بتحطيم مقومات الاقتصاد الوطني، بإفقار المجتمع وتهجير قواه الحية، وبمصادرة مستقبل الأجيال القادمة.

لم تعد إذاً مقولات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التقليدية المعروفة موجودة في حياتنا، وإن كنا أحياناً نسمعها ونقرأها في النصوص الرسمية. لكن هذه النصوص الرسمية لا تساوي الورق الذي تُكتب عليه، أولاً لأنها تتبع منهج النفاق الاقتصادي، الازدواجية، تزوير الأرقام والوقائع والحقائق على طول الخط. إننا في سورية لا نمتلك رقماً واحداً حتى حيث لا يمكن تزوير الرقم، أي في المصارف أو ميزانية المصرف المركزي وخزينة الدولة. هناك في سورية تُطبّق أشد أشكال السرية حيث الشفافية يجب أن تكون كاملة ومطلقة. يجب أن توضع هذه الأرقام المالية والمصرفية والنقدية في أيدي الشعب وكل باحث. فكيف نفسر هذه السرية التي لا مثيل لها في العالم : سرية الرقم المالي، سرية الرقم النقدي في المصرف المركزي، سرية الأرقام المصرفية. لذلك كنا نقول دائماً أننا بحاجة إلى فريق عمل وطني مستقل من خارج هذه الجهات ليقوم بجرد الحقيقة وتقديمها دون أي تزوير أو تحريف مما يستر التلاعبات الخطيرة التي تجري في قلب النظام الاقتصادي وفي جهازه الدموي والعصبي.

ويتحدثون عن الانتقال إلى اقتصاد السوق، لكن سورية لها منهج خاص مميز في الانتقال إلى اقتصاد السوق، أسميه اقتصاد السوق الأوامري، ليس فقط نظام التخطيط الذي اتبعناه كان نظاماً أوامرياً، بل إنهم ينتقلون إلى اقتصاد السوق بطريقة أوامرية. أي يفصّلون المصالح التي تتشكّل في هذا الانتقال على قياسات أشخاص محددين مسبقاً. صدر أخيراً قانون السماح بالمصارف الخاصة والأجنبية، قانون لإنشاء الجامعات الخاصة والأجنبية، لكن كل هذه الإحداثيات الجديدة من مصارف وجامعات وبورصة مصادرة مسبقاً لأسماء محددة مسبقاً. وبالتالي فإن ملكية الشعب السوري تزداد انحصاراً، الملكية الاقتصادية في سورية تزداد انحصاراً، وربما هذا أخطر تحول في أي نظام اقتصادي بغضّ النظر عن طبيعته. الرأسمالية الاحتكارية تضع على راس اعتباراتها الشعب، تحاول قدر الإمكان إشراك الشعب في الملكية وتضمن حداً أدنى لمستوى معيشته. وهنا، مقولة الشعب والإنسان والمواطن لم يعد لها مكان ولا حساب في سياسات إدارتنا الاقتصادية في سورية. لذلك ممنوع إجراء دراسات تكشف الواقع الحقيقي الاقتصادي والاجتماعي، ممنوع إجراء دراسات عن الفقر، ممنوع معرفة البطالة الحقيقية، ممنوع معرفة لماذا يتدفق الناس طلباً للهجرة، ممنوع معرفة كيف يتطور المستوى الغذائي للسكان والمستوى الصحي وكيف يتطور تلبية الحاجات الأساسية من مسكن وملبس وغذاء وصحة وتعليم، وممنوع معرفة كيف يتطور الواقع الاقتصادي والاجتماعي حقيقة على الأرض في سورية.

لذلك أتساءل أمام تلك السياسات الاقتصادية التي فندناها مطولاً في ندوات الثلاثاء الاقتصادية، من هي الجهة الرسمية في سورية التي تضع السياسة الاقتصادية وتناقشها وتقرّها وتتبع تنفيذها ؟ إنهم أفراد، هل هم فعلاً الأفراد، هذا الوزير أو ذاك، هذا المدير أو ذاك ؟ ظاهرياً يبدو الأمر كذلك. وأخطر الوزارات التي تتحمل أخطر المسؤوليات الاقتصادية يبدو وكأن السياسة الاقتصادية تنبع منها وتصب فيها. ولا يوجد جهة رسمية في سورية – رغم أننا نتحدث عن حزب قائد وعن جبهة وطنية ومجلس شعب ومجلس وزراء ولدينا جامعات وآلاف الاقتصاديين حملة الدكتوراه – لكننا لا نرى جهة رسمية في سورية تبحث في ما هي السياسة الاقتصادية – الاجتماعية المناسبة في سورية، تناقشها وتقرها وتتبع تنفيذها وتحاسب على نتائج هذا التنفيذ. ولا أعتقد أن هناك بلداً وصل إلى هذه الدرجة من التسيّب، فأخطر السياسات الاقتصادية التي تحدد مصيرنا هي ظاهرياً تبدو أنها من صنع أفراد تنبع من بين أصابعهم وتصب عندهم، وكان الشعب بكامله والمجتمع بكامله والدولة بمؤسساتها وسلطاتها المختلفة لا علاقة لها بهذه القضية، وهي قضية بيروقراطية فنية لا أهمية لها على الإطلاق.

فعندما نتناول أي سياسة أو أي قرار اقتصادي نتساءل : هل واضع هذه السياسة أو متّخذ هذا القرار أو منفّذه، هل سمع بشيء اسمه المنطق الاقتصادي، علم الاقتصاد، السياسة الاقتصادية المبنية على أساس علمي، المرتبطة بأهداف اقتصادية واجتماعية محددة ؟ إن ما نشاهده من قرارات ووقائع على الأرض إنما يجافي وبشكل صارخ المنطق الاقتصادي والعقلانية الاقتصادية والمصلحة الوطنية والاجتماعية والنظام الأخلاقي وكل شيء إنساني. هذه المجافاة ترجع إلى أننا تجاهلنا أن الإنسان هو الهدف وهو الغاية، رغم أن هذا الشعار معلّق في كل مكان : الإنسان هو هدف التنمية وغايتها، لكننا نعاني ازدواجية. بكثرة ما نعلّق هذه الشعارات بقدر ما نتجاهل حقيقة السياسات التي تعمل ضدها على طول الخط. وهنا أتساءل : ما هي المكانة التي يعطيها نظامنا للإنسان في منظومته الاقتصادية – الاجتماعية، حاجاته، ضرورياته، العلاقات بين الأجيال. عندما ندمر أهم مقومات البيئة الحيوية في سورية حلال عشر سنوات، ونستنزف الثروات الباطنية غير المتجددة من نفط وماء، ونهدرها بوحشية، لا يمكن أن يفعل هذا الفعل إلا عدو، هل فكرنا بالإنسان، بالمستقبل، بالصراع مع الصهيونية والإمبريالية الذي يشغل حياتنا كلها ويبرر كل هذه المفاعيل ؟ إذاً أقول في السجون قد يُهان الآلاف ويُذلون، أما في الاقتصاد فتكرم البلاد أو تُباد العباد.

في سورية أصبح الوضع النموذجي المعتاد للمواطن أن يكون غما حاكماً أو محكوماً. أما أن يكون لا حاكماً ولا محكوماً فهذه وضعية غير مفهومة لا من قبل الحاكمين ولا من قبل المحكومين. أن تكون حاكماً عند أي مستوى كان، من مستوى الشرطي إلخ، يعني أن تكون طليقاً من الضوابط تجاه المجتمع وتجاه القانون وبالأخص القانون المالي، تقول للمحكومين ما تشاء وتفعل في مصالحهم ما تشاء دون أن تسألهم أو ترجع إليهم في شيء. في روما العبودية قبل 2000 عام، كانوا أسياد العبيد يختارون لإدارة مزارعهم الأكثر خبرة في الزراعة والأكثر قبولاً من قِبَل العبيد، أما في سورية النصف الثاني من القرن العشرين فلم يعد لا شرط الكفاءة ولا شرط القبول من العبيد ضروريان في من يتمطعون لإدارة مزارع العبيد. فأسياد العبيد الجدد ليس لهم علاقة بالاقتصاد الوطني، لهم علاقة باقتصادهم الخاص فقط، وليست الإنتاجية من بين شواغرهم لأن مصادر ثرواتهم لا تتوقف لا على وضعية الاقتصاد ولا على مستوى الإنتاجية والربحية. ففي الأزمات والكوارث يمكن أن تكون مداخلهم أكثر منها في الرواج والازدهار. أما أن تكون محكوماً فهذا يقتضي أن تنظر كما كان عبيد روما إلى جميع الأوضاع المحيطة بك والحاكمة عليك باعتبارها الخيار الحتمي الوحيد أو الخيار الأمثل من بين جميع الخيارات الممكنة. وانطلاقاً من هذه النظرة فأنت " حر " في تدبير شؤونك الحياتية على مبدأ " يدك وما تطول ".

أن تكون منظومة مستقلة خارج المنظومتين الحاكم والمحكوم، أي معارضة، فهذا يجعلك في نظر الحاكمين خائناً وفي نظر المحكومين شاذاً. ولعمري إنها الدلالة الأهم على أن سورية كانت خلال العقود الأربعة المنصرمة تعيش خارج العصر. ولهذا نقول : لم يعد أمام سورية أية إمكانية لإضاعة عاماً واحداً آخر بعد ما أضاعت من عقود. لم يعد أمامها إلا أن تدخل العصر بنظام يشتمل على معارضة معترف بها قانونياً وواقعياً تملك جميع شروط العمل الحر في السياسة تنظيماً وإعلاماً، وكفى اختزالاً لشعب تعداده 18 مليون بأربعمائة اسم أو في مائة اسم، مواصفاتهم الأهم أن ثقة الأجهزة المتعددة قد تقاطعت عندهم لتمنحهم بطاقة الدخول إلى منظومة الحاكمين، وفي رقابهم مفاتيح الجنة، ودون استعداد للاستشهاد في سبيل أي قضية.

منذ عشر سنوات عرّفت المسألة الاقتصادية بأنها في سورية هي مسألة غير اقتصادية بالدرجة الأولى. إذا كنا نتحدث عن الإصلاح، أي إصلاح : سياسي أو اقتصادي أو إداري أو تشريعي أو إعلامي، فإن مربط فرس الإصلاح، هنا وليس في أي مكان آخر، أن سورية دولة وشعباًً، اقتصاداً وإدارةً، علماً وأخلاقاً، قد دفعت غالياً ثمن النهج الفوقي والانتقائي في تشكيل وفرز طبقة الحاكمين من الأعلى التي لا ترتبط بشيء ولا تحتكم في شيء إلا طبقة المحكومين. لقد آن الأوان للانتقال من هذا النهج المصطنع المدمر إلى النهج الطبيعي، إلى الشعب ليكون الأرض التي ينبت منها الحاكمون والتي تحكم على جدارتهم. وبالرغم من جميع عيوب ونواقص الديمقراطية التي نعرفها فإن التاريخ لم يخترع أسلوباً أكثر جدوى كنظام حكم ومنهج حياة. ولا يحق لأحد الادعاء بأن الديمقراطية نظام غريب مستورد، فلدى كل شعب على الأرض تراثاً خاصاً في الديمقراطية، ورغم الطيف الواسع لأشكالها فهي من حيث الجوهر واحدة في نهاية المطاف، إنها حكم الشعب للشعب وليس حكم المبشَّرين بالجنة والمنتقين.

إن أربعة عقود أو عمر جيل من التجاهل القانوني الديالكتيكي المحرك للتطور، قانون نفي النفي، والقائل بالتطور من الوضعية إلى نقيضها إلى التركيب بين الاثنين وهو قانون طبيعي إلهي، وقهر هذا القانون وإذلاله بشعار دنيوي وضعي هو الثبات إلى الأبد، قد أدى إلى انتقام هذا القانون لنفسه بأن خالف طبعه في التطور إلى الأمام وإلى الأعلى بوقف منحنى النهوض ونكسه إلى نقطة البدء، وهو ما جرى لكل نظام تجاهل هذا القانون. ففي سورية كما في الاتحاد السوفييتي جرى التحول من نظام التحالف الإقطاعي التقليدي المتفسخ والبورجوازية الصاعدة الوضعية إلى نظام التحالف الثوري المتفسخ والبورجوازية الطفيلية، وذلك عبر النقيض الذي كان يُسمى البناء الاشتراكي المتآمر عليه بالتثبيت المتناقض مع الديالكتيك ليلفظ النقيض أنفاسه بعد عقود وهو مازال يجترّ ذكرى ليلة الدخلة على أنها الليلة القدر ولكنها ليلة قدر غير قابلة للتكرار.

هكذا نجد أنفسنا في سورية اليوم وبعد أربعة عقود ونحن أحوج ما نكون إلى الإحياء لاستعادة الوعي والروح والقوى المادية والمعنوية للانطلاق من جديد. وإذا كان التاريخ لا يكرر نفسه، وإذا ظهر ما يشبه التكرار فإنه يكون تكراراً ساخراً، كذلك شأن من لا يتخذ من التاريخ الدروس والعبر، فلا يعترف بأن العالم قد تغير، وأن الجديد لا يمكن أن يكون لا تقليداً ولا استمراراً للقديم حتى بما له، فكيف بما عليه !، لأن هذا الاستمرار حتى إذا اعتُقد أنه حوامل قوة وإيجابيات، فلن يكون إلا إضاعة للزمن وللفرص وللإمكانيات، فإذا كان متشدداً في التمسك بالأشكال التي أكلت عمرها منذ زمن طويل فسيكون نوعاً من الانتحار.

من هنا ضرورة التجاوز وهو مقتضى فعل قانون نفي النفي الذي إذا لم يُلبَّى بشكل واعٍ فسيفعل فعله بشكل مدمر. فلا بد من تحرير هذا القانون الذي لا يُقهر بخلاف دساتيرنا وقوانيننا وأنظمتنا الإدارية والمالية التي طالما أعلنتُ عن جائزة تقديرية لمن يكتشف فيها مادة واحدة بقيت حية بعد أن جفّ حبرها ومطبّقة فعلاً.. اللهم باستثناء مادة واحدة أصبحت تنافس الشرائع السماوية في الخلود، إذ أنها تُطبَّق من قِبَل كل من هبّ ودبّ وبمناسبة ومن غير مناسبة، ومنذ 50 عاماً وهي تزداد شباباً : إنها المادة 85 في قانون الموظفين الأساسي وسَمِيتها الأكثر قماءة منها المادة 138 من قانون العاملين الموحَّد، ولتكون سورية مع هذا النسل البغيض من التشريع، الدولة التي تدخل القرن ال 21 بهذه الإشكالية.. هذه المواد التي تتدعم بتوجيهات تلغي مادة في الدستور التي تقول أن حق التقاضي للمواطن مُصان، فكيف نتحدث عن الإصلاح والتنمية والاستثمار ونحن أسرى هكذا مناخ عام ؟ وأي استراتيجيات أو خطط أو قوانين تنفع مادام ربيع دمشق الموعود مُحْتَبَس، وتتمنّع أزاهيره من التفتّح، ومادامت وجوه وقوى الشفط والنحس تنغّص العيش على البلاد والعباد ؟

إن شعبنا ميّال بطبعه إلى الاستبشار بالخير، بل وإلى المغالاة أحياناً في استبشار الخير، وكم سيكون الخير عميماً بملاقاته في منتصف الطريق بموكب نظيف من أولئك الذين لم يضيعوا يوماً واحداً من عمرهم في فعل خير واحد لشعبهم، وإنما فقط ودائماً في التعالي عليه وامتهانه وابتزازه واستباحة حقوقه وثمرات كفاحه وحرمانه من فرص الارتقاء واعتباره جموعاً من العوام قاصرة عن التعبير عن حاجاتها وتطلباتها وعن انتخاب من هو أصلح لتمثيلها وإدارة شؤونها ومصالحها، ومن هو أقدر على تعويض البلاد عما ألحقه وجوه الشفط والنحس بها من الإفقار والإذلال والأزمات والكوارث !

إن شعبنا جدير بأن يُقال له : لن نفرض عليك من اليوم بالقوة أو بنص تشريعي حزباً قائداً أو جبهة حاكمة يحتكرون تقاسم مراكز السلطة إلى الأبد، وإنما سيكون الخيار لك في تحديد النظام الاقتصادي والاجتماعي الأفضل لحياتك. فهل بقي أمامنا غير هذا الإصلاح كنقطة انطلاق للخروج من العطالة والجمود إلى الإبداع والنماء والتجدد. سأقدّم نماذج من تلك السياسات، أقول سياسات مرسومة بشكل واعٍ ومخطط وهادف، ولكنني أتساءل وأسألكم : كيف يمكن لهذه السياسات أن تُنَفَّذ ولأية غايات ولأي أهداف ؟ إذا كنت قصير النظر، لم أستطع اكتشاف تلك الغايات السامية لمثل هذه السياسات فأنا سأكون سعيداً لو أن أحداً من المسؤولين تفضّل مرة واحدة وقال : إن ما تقوله خطأ، وأنت لا ترى الحقيقة، والحقيقة هي كذا وكذا. إن ما أسمعه دائماً هو أن ما تقوله صحيح بالكامل، ولكن ونحن نوافقك على كل كلمة تقولها نقول لك لا نستطيع فعل أي شيء.

إذاً من هو الغامض الذي يدير شؤوننا المصيرية ؟ آن الأوان للكشف عن هذا الغامض، ولن تكشف عنه السلطات المسؤولة ولو بقي هذا الغامض ألف عام آخر يفعل ما يفعل، ولن يكشف سر هذا الغامض إلا الشعب المحرر من القيود بالديمقراطية، بالإعلام الحر المفتوح، بحرية التنظيم والرأي، سيجد هذا الغامض نفسه محاصراً، منبوذاً لا مكان له في هذا الوطن. هذا الغامض ليس غامضاً تماماًً، إنهم أصحاب المليارات الذين أصبحوا يمتلكون مليارات الدولارات خارج هذا القطر، ليس من رواتبهم وليس من أرباح مشروعاتهم، لكن أحداً لم يسألهم كيف ومن أين ؟ بل إن أحداً لم يسألهم كيف تحمّل ضميركم أن تفعلوا بشعبكم وباقتصادكم الوطني وبدولتكم ما فعلتم بحرمانهم من كل شروط الحياة والتقدم والنماء والازدهار، وإيداع حصيلة هذا الحرمان عشرات المليارات من الدولارات عداً ونقداً في جيوب المؤسسات الإمبريالية الصهيونية ؟ ومع ذلك يزايدون علينا بالوطنية، ويتهموننا بأننا نحن الذين سنستقدم الإمبريالية والصهيونية.. نحن وليس هم الذين أهدوها على الأقل مائة مليار دولار من ثروة ومداخيل الشعب السوري، وهذا الرقم يعادل خمسة أضعاف كل الاستثمارات الإنتاجية في سورية. ففي السياسة المالية مهمة أية دولة، أية سلطة وأي نظام هي تنمية قوى الإنتاج الوطنية، أي الارتقاء بقوى الإنتاج عاماً بعد آخر، لكن أن نجد قوى الإنتاج في سورية اليوم عام 2001 أضعف بكثير من قوى الإنتاج في عام 1980 فهذه حالة لا يمكن تفسيرها بأية نية طيبة على الإطلاق.

منذ أكثر من 20 عاماً توقف الاستثمار الإنتاجي تقريباً في سورية، الاستثمارات الإنتاجية الجديدة لا تعوض جزءاً من الاستهلاك الذي تتعرض له قوى الإنتاج القائمة في سورية. لذلك فإن الحصيلة بالطبع هي تدهور الإنتاجية العامة، وتعبير ذلك هو أن متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي في سورية اليوم، حسب الإحصاءات الرسمية، هو أقلّ منه عام 1980. إذاً سورية أضاعت 20 عاماً من عمرها، ليس لأن الشعب السوري لم ينتج، ليس لأن الاقتصاد السوري لم يكن لديه قيماً فائضة خلال هذه الفترة، على العكس، ولكن لأن كل هذا الفائض الاقتصادي أدى إلى ازدهار اقتصاد القلة وصبّ في خارج البلاد.

لن أتحدث هنا عن الفساد الفردي الذي لم يعد فردياً، إنما أصبح نظام حياة عام. هناك ما هو أخطر من الفساد، وهو سياسات عامة تخلق الأرضية التي تجعل الفساد حتمياً. منذ بداية التسعينات وحتى اليوم تقوم مثلاً وزارة المالية بوظيفة واحدة هي تجميع الأموال من عروق الاقتصاد الوطني ومؤسساته ومواطني هذا البلد. مثلاً في العام 93 كان حساب ودائع الدولة لدى البنك /100/ مليار ليرة سورية، أصبح في شهر حزيران من عام 2000، أي قبل عام ونيف، أصبح /365/ مليار ليرة سورية. إذاً وزارة المالية أضافت إلى حسابها في البنك /265/ مليار ليرة سورية، بمعدل /3.5/ مليار ل.س شهرياً، وهي حالة غير معروفة في التاريخ الاقتصادي. وهناك تكديس للدولارات خارج القطر وبمعدل، خلال هذه الفترة، /3/ مليار ل.س شهرياً. إذاً نحن أما /6/ مليارات ل.س شهرياً وبشكل منتظم منذ عام 93 وحتى اليوم تُسحب من الاقتصاد الوطني مجموعها السنوي يزيد عن مجموع الرواتب والأجور في سورية ويزيد عن مجموع الاستثمار الإنتاجي في الاقتصاد السوري، بل في الستة أشهر الأولى من عام 2000 ارتفعت حصيلة هذه المسحوبات إلى ما يقارب 14 مليار ل.س شهرياً.

نحن البلد الوحيد في العالم الذي نطّلع فيه على أحدث الأرقام التي مضى عليها عام ونصف أو عامين في أحسن الأحوال، ففي لبنان ومصر والأردن وأمريكا تعطيك وسائل الإعلام دون أن تطلب وتبحث، تعطيك آخر الأرقام المالية وأرقام التجارة الخارجية وكل الأرقام الاقتصادية الهامة يوماً بيوم وأسبوعاً وشهراً بشهر. حكوماتنا اتبعت منهجاً غير معروف في العالم، وهو تأخير المعلومات من 3-5 سنوات لتضع ميزانية العام القادم، وليس لديك إلا معلومات الأرقام الفعلية من ميزانية عام 97 التي لم تُقدَّم حتى الآن إلى مجلس الشعب لقطع الحسابات، علماً بأن إظهار ميزانية العام الماضي كأساس لوضع الميزانية التقديرية للعام الحالي لا يتطلّب غير كبسة زر، فالأرقام موجودة بين أيديهم. فهم يتعمدون هذه التعمية وكتم المعلومات حتى لا يمتلك أحدنا القدرة على التحليل والمواجهة. بعد 5 سنوات عندما تظهر الأرقام الحقيقية يكون " من ضرب قد ضرب ومن هرب قد هرب، واشرب ماء البحر ". فالمسألة الاقتصادية في سورية هي ليست اقتصادية، بل هي سياسية بالدرجة الأولى. أتساءل : هل القيادة القطرية ناقشت هذه السياسة التي أدّت إلى ركود وبطالة وأزمة اجتماعية وهجرة وتردّي مستوى المعيشة... ؟ من ناقش هذه السياسة ؟ ومن أقرّها ؟ وما هي الأهداف المبررة لهذه السياسة ؟

من حسن الحظ أن المسؤولين الاقتصاديين هم أنفسهم منذ 30 عاماً، ولم يتغيروا. فمصارفنا لم تعد مصارف على الإطلاق، ولا شركاتنا شركات، والقطاع العام محمل بديون أكبر بكثير من رأس المال. ومنذ سنوات لم نسمع عن مشروع جديد في سورية يُموَّل إلا بالقروض والمعونات، أي بالتسول.. لماذا هذا الإذلال لوطننا وشعبنا مع أنه لدينا في الخارج /10/ مليار دولار، وفي الداخل ربما لدينا /500/ مليار ليرة سورية.. إنهم يزيدون عن حجم الدخل القومي لمدة عام كامل. وفي موضوع الاقتصاد يمكننا أن نتحدث أياماً طويلة.. وآن الأوان أن ندخل العصر الحديث.. وشكراً.

منتـدى جمـال الأتـاسـي للحوار الـديمقـراطي

   [ POSTED  @ 9:51 م ]


 

مجلة "الشراع": رسائل من رئيس التحرير إلى...رستم غزالة الكردي الذي حكم لبنان

لم يكن الأصل الكردي للشاب رستم غزالة حائلاً دون دخوله الجيش العربي السوري حتى يصل إلى أعلى مرتبة أمنية وعسكرية فاعلة في كل سوريا وهي رتبة الحاكم العسكري الأول للبنان، البلد الذي اعتبره النظام في دمشق جائزته الوحيدة خلال 30 سنة سلفت ولا يجاريه فيها فاعلية إلا رتبة رئيس الجمهورية العربية السورية حافظ ثم بشار الأسد بصفة الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة السورية.


فقد سبق غزالة من الأكراد السوريين من وصل منهم إلى أعلى المراتب السياسية والوطنية والقومية والفكرية والحزبية في سوريا، فكان ابراهيم هنانو الكردي قائداً للحركة الوطنية في كل سوريا ضد الاستعمار الفرنسي وكان خالد بكداش الكردي رئيساً للحزب الشيوعي في لبنان وسوريا معاً وكان يوسف العظمة الكردي قائداً لمعركة ميسلون الشهيرة التي استشهد فيها القائد السوري في مواجهة الاستعمار الفرنسي وكان عبد الرحمان الكواكبي الكردي صاحب أهم ما كتب تعبيراً عن استبداد الحكام تحت عنوان طبائع الاستبداد.. (لكأن الكواكبي وضع هذا الكتاب هدية لقرينه الكردي ونظامه كله).


كان نسيج المجتمع السوري يحتمل التنوع العرقي والإثني (بأغلبية عربية وإسلامية حاسمة) مثلما يحتمل التنوع السياسي والحزبي والثقافي، وما زالت سوريا منذ عهود الاقطاع والرأسمالية الناشئة والحياة الديموقراطية وعصر الوحدة العربية حتى بعد 42 سنة من حكم مستبد جاء مع تسلم حزب البعث العربي الاشتراكي للسلطة في سوريا (والعراق حتى 2003) هي البلد العربي الوحيد الذي يدخلها العربي دون تأشيرة دخول، وما زال كل عربي قادراً على العمل فيها دون إذن مسبق والتملك دون قرار وزاري والاستثمار دون عقبات (نظرياً طبعاً) وكانت سوريا الديموقراطية سابقاً انتخبت اللبناني فارس الخوري رئيساً للوزراء، وقبلت اللبناني شوكت شقير رئيساً للأركان واللبناني عفيف البزري قائداً للجيش السوري..

ولم يكن الضابط الأمني رستم غزالة ليحلم أن يصبح المرجع السياسي والأمني والإداري والدبلوماسي والعسكري والاستثماري لكل من يريد قراراً في كل هذه المجالات في لبنان البلد الذي جاء إليه أقرانه عمالاً في الورش التي بنت لبنان خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات.


ولم يكن الضابط رستم غزالة ليتصور ان يحقق حلماً آخر طالما راوده عندما كان تلميذاً في مدرسة قريته في حوران ان يضع ساعة ذهبية في يده اليسرى أو سلسلة حول رقبته بعد ان أشبع هذا الحلم في لبنان بهواية جمع سبائك الذهب حتى حين ينخفض سعره نتيجة اكتشافات الحقول الهائلة في الولايات المتحدة ثم روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.


ولعل الضابط الأمني رستم غزالة يدرك في أعماق نفسه مثلما يعلم الكثيرون ان هذا الحلم كان أشبه بالمستحيل داخل سوريا، وانه لم يكن ليتحقق لو لم يختره العميد غازي كنعان مساعداً له في بيروت رئيساً لفريق المراقبين السوريين بعد العام 1987 ناقلاً إياه من رتبة ضابط الفصيلة الأمنية في بلدة حمانا الوديعة عند عتبة البقاع الواصلة بين محافظته ومحافظة جبل لبنان، حيث أحبه الناس لدماثة خلقه وطيب معشره وتعففه وهي صفات سابقة على نقله إلى بيروت التي تغوي حتى الملائكة كما وصفها وليد جنبلاط سابقاً.


لم تكن ثقة العميد – اللواء غازي كنعان هي الوحيدة التي أهلت غزالة لتحقيق حلمه، ولم يكن فقط الدور السوري في لبنان المتصاعد منذ العام 1976 حتى يوم 14/2/2005 حين بدأ العد العكسي لهذا الدور مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري بل لعل كل هذا لم يكن ليتحقق لولا سلوكية الانتهازية والنفاق والكذب والجبن والجموح والطموح التي ميزت فئة من المتعاطين في الشأن العام اللبناني سواء من كان سياسياً أو حزبياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو أمنياً أو عسكرياً أو ثقافياً أو إعلامياً.


هذه السلوكية اللبنانية التي كادت تكون الزلزال الذي يدمر كل القيم والأخلاق والوطنية اللبنانية هي التي مكنت غزالة وكل طاقم الإدارة السورية للبنان قبل غزالة بل ومنذ العام 1989 من تحويله إلى أقل من محافظة سورية يحكمها ضابط أمني سوري ويختار لها موظفيها رؤساء الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي ويملأ سلطتها التشريعية بالأتباع ويملأ الأجهزة الأمنية بالمخلصين لها ويملأ حكومتها بالوزراء الذين يكتبون له التقارير ويملأ الإدارة بمن يسهل له كل ما يريد، ويعين السفراء ورؤساء الجامعات ومدراءها وعمداءها.


هذه السلوكية اللبنانية الانتهازية حولت الضابط السوري الطموح والجموح والآدمي واللطيف إلى إله يحكم بقدرة لا ترد (رب غفرانك) حتى ليعجز أي متولٍ لمسؤولية سورية في لبنان ان يصمد أمام تحقيق ما يريد وحوله وكيفما توجه وأياً من استقبل يقول له ((شبيك لبيك نحن عبيد بين يديك)).

هذه السلوكية الجبانة جعلت أعلى الشخصيات اللبنانية مرتبة (رئيساً أو وزيراً أو نائباً أو قاضياً أو رئيساً لجهاز أمني أو سلك قوى أمن داخلي أو مديراً عاماً.. يمدون قاماتهم كي يعبر عليها الحاكم الأمني السوري في لبنان، ويطأطئون رؤوسهم حين يستمعون إلى الشتائم والسباب، وهم يخطئون في مهمة أو تصريح أو موقف أو زيارة أو فشل في صفقة مالية..


البعض كان يقول عن حسن نية أو جهل أو تنظير إن هذه السلوكية اللبنانية الانتهازية هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن الانحراف الذي وسم سلوك معظم جهاز الأمن السوري والعسكري وكل من طال سلطة أو نفوذاً سورياً في لبنان حتى قيل ان هذه السلوكية لم تكن لتترك فرصة حتى للملائكة أن يعصموا أنفسهم عن الانحراف فكيف بضباط أمن أو جنود أو ضباط كانوا مكبوتين في وطنهم ونظامهم ومجتمعهم فجاؤا إلى لبنان حيث الدلال والمال والجاه والعزومات والهدايا والشقق والصفقات والخضوع والنساء والأرصدة والسيارات.. حتى ان الرئيس الراحل حافظ الأسد وفي رده على من طلب منه مرة التنبه إلى ما يجري على الساحة اللبنانية بما يطال سمعة الجيش السوري والسلطة السورية قال: وهل تظنني سعيداً وأنا أسمع وأقرأ التقارير عن أوضاع الجيش السوري وضباطه وأمنه في لبنان..


ان هذا الأمر (والكلام للرئيس الأسد الأب) يجعلني أبذل جهداً مضاعفاً لإعادة تأهيل جيشي وتدريبه حين تعود كل قطعة منه من لبنان إلى وطنها.


ولكن الرئيس الأسد الأب يتابع: وماذا أفعل إذا كان السياسيون اللبنانيون يأتون إليّ كالقطعان (أي كالغنم) يطأطئون رؤوسهم ويتبارون في المديح والغزل بالسلوك السوري في لبنان وسياستنا ودورنا، حتى إذا سمعت ملاحظة مجرد ملاحظة من أحد لم تكن هذه إلا من أجل الطعن في منافس أو غريم وإظهار الطمع في منصب أو دور أو مهمة.


كل هذا صحيح


والصحيح أيضاً ان طبيعة النظام الأمني الذي أقامه الرئيس حافظ الأسد في سوريا منذ العام 1974 وورثه ابنه الدكتور بشار منذ العام 2000 لم تكن لتقبل لا نقاشاً ولا حواراً ولا اعتراضاً على أي أمر سوري صدر في دمشق وسعى الحاكم الأمني السوري لتنفيذه في لبنان..


ولقد عوّد الحاكم الأمني السوري كل اللبنانيين سياسيين وغيرهم على الطاعة ثم الطاعة ثم الطاعة.. ونفذ ولا تعترض.. وحسب الطاعة تكون المكافأة، أما مجرد النقاش قبل الطاعة فقد خبر نتائجه كثيرون وأقلها خسارة موقع او صفقة او دور أما الاخطر فهو المصير الذي لقيه كمال جنبلاط وحسن خالد ورينيه معوض وأخيراً رفيق الحريري.


لقد كان من اساليب رستم غزالة في التعامل مع السياسيين اللبنانيين الاتصال بهم هاتفياً وشتمهم وإهانتهم ثم يقول لهم بعد الشتائم والاهانات: هناك صديق قريب الآن يريد ان يكلمك في اعلان صريح بأن الشتائم والاهانات تمت بوجود شهود لكي يرووا ما سمعوا.


حصل هذا في اتصال هاتفي اجراه غزالة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وأكثر من مرة.


وحصل ايضاً ان اتصل غزالة بالزعيم وليد جنبلاط مهدداً اياه متوعداً شاتماً ساباً ثم ليكتشف جنبلاط بعد ذلك ان هذا الحوار الهاتفي مسجل وان غزالة وزعه شريطاً لعدد من السياسيين والاعلاميين.


على الجانب الآخر كان رستم غزالة وفي لحظات الود النادرة مع رفيق الحريري يبدي إعجاباً شديداً بشخصية رئيس وزراء لبنان ناقلاً إليه إعجاب كل أفراد عائلته والأقارب لهذا الرجل الكبير قائلاً له في كل مرة: يا دولة الرئيس ما هذا الذي تفعله بي؟ ففي كل مرة أزور فيها البلد (حيث بنى غزالة قصراً منيفاً مشهوداً..) أجد أفراد أسرتي وأقاربي يتحلقون حولي يسألون عنك ويدافعون عن أعمالك حتى عندما تكون سوريا غاضبة عليك.. وكان الحريري رحمه الله يكتفي بالابتسام لكن عينيه كانتا تلمعان تعبيراً عن الفرح الطفولي الذي لا يستطيع اخفاءه عندما يسمع إطراء بهذا النوع خاصة من الذين كان مقتنعاً انهم لا يحبونه.

لكن أحداً لم يتعرض لمثل ما تعرض له رئيس مجلس إدارة محطة مرئية ((الجديد N.T.V)) تحسين خياط، الذي لم يسبقه أحد في لبنان في كشف المستور في سلوك رستم غزالة، في جلسات عامة وخاصة متحدثاً في أخطر المعلومات عن وثائق تدين أبو عبدو بتلقي رشاوى من بنك المدينة بواسطة رنى قليلات وشقيقها طه وسيارات بالعشرات وهدايا أخرى (كان غزالة يبيع هذه السيارات لتاجر بيروتي لديه معرض في منطقة الروشة كافأه غزالة بعد ذلك بالمجيء بشقيقه عضواً في المجلس البلدي لمدينة بيروت.. ومكافآت غزالة السياسية مشهودة حتى ان أستاذاً في إحدى الجامعات كتب له رسالة الدكتوراه وعده غزالة بتعيينه وزيراً أو نائباً أو عضواً في مجلس بلدي بعد نجاحه المشهود في الحصول على الدكتوراه في يوم خلت فيه دكاكين بيروت من ورود التهنئة التي أرسلت بالمئات إلى غزالة من المهنئين الذين تسابقوا للإشادة بعلمه وثقافته!!)


كانت أحاديث خياط تصل بالطبع إلى غزالة وبعد دقائق من قولها أمام أي كان، وكان الأخير يرسل إلى خياط يطلب منه وقف الحديث عنه، وخياط يرفض حتى ان الأخير هدد بنشر بعض هذه الوثائق مصورة عبر شاشة المحطة المرئية أرضياً وفضائياً. هنا جن جنون رستم، فبادر بالاتصال الهاتفي عبر الخلوي بخياط مهدداً إياه بالافتعال به جنسياً وبعائلته و.. ليرد خياط بالكلام البذيء نفسه، فيسمع من غزالة تهديداً باعتقاله خلال ساعة.



كان خياط مجتمعاً في أحد أيام شهر ك1/ديسمبر 2003 يوم سبت في الساعة الثانية بعد الظهر مع ثلاث شخصيات إحداها كبيرة
ومعروفة فاجأها بحملة الشتائم هذه فتحدث معها عن غزالة وتهديده ثم انصرف بسيارته المموهة إلى منـزله ليجمع حقائبه استعداداً لسفر مقرر سابقاً فاتصل من منـزله في الدوحة بصديقه وزير الدفاع يومها محمود حمود عبر الخلوي وكان الأخير في المطار لسفر آخر طالباً منه أن يرسل إليه مرافقه العسكري دون الإفصاح عن سبب ذلك، ولم تمضِ دقائق حتى كان المئات من عناصر وضباط الجيش اللبناني قد أحاطوا بمبنى المحطة المرئية في وطى المصيطبة ومنـزل خياط في الدوحة يبحثون عن وثائق مطلوبة نقلوا إليه انها مزورة ومنها جوازات سفر، مصطحبين خياط إلى سجن في وزارة الدفاع في زنزانة قريبة من زنزانة قائد القوات اللبنانية د. سمير جعجع معصوب العينين موثوق اليدين، وهو يعيب على المعتقلين هذا الأسلوب الذي لا يليق بالعسكرية اللبنانية الخاضعة لنفوذ ضابط أمني سوري مرتشٍ.. خاصة وانه اعتقل بأوامر منه والتهمة الجاهزة هي العمالة لإسرائيل فيصدر فيها بيان رسمي عن مديرية المخابرات في الجيش برئاسة ريمون عازار المكلف من رستم غزالة بهذا التدبير المخيف.


وقبل اعتقاله كان تحسين خياط قد اتصل برئيس الجمهورية العماد إميل لحود واضعاً إياه في صورة تهديد غزالة له متصلاً أيضاً هاتفياً بالرؤساء حسين الحسيني وسليم الحص وعمر كرامي ود. كرم كرم (وزير الصحة في حكومة الرئيس رفيق الحريري يومها).


كان تحسين خياط على خصومة سياسية شديدة في الوقت نفسه مع الرئيس رفيق الحريري وكان عضواً غير معلن في التحالف الوطني الذي كان يضم الرؤساء الحسيني والحص وكرامي والنائبين بطرس حرب ونائلة معوض وألبير منصور قبل ان يؤلف كرامي حكومته بعد التمديد القسري لإميل لحود فيوارى التحالف الثرى سراً دون مراسم.


لكن اول من استقبله خياط في زنزانته في الطابق الثاني تحت الارض وفي اليوم التالي أي الاحد وزير الدولة في حكومة الحريري قبل التمديد وأحد اتباع رستم غزالة عبدالرحيم مراد الذي جاء يقنع خياط بلفلفة القضية وعدم تصعيدها والتوجه معه لزيارة رستم وانهاء الموضوع فما كان من خياط الا ان انفعل في حملة شتائم ضد رستم طارداً عبدالرحيم مراد من زنزانته معنفاً اياه قائلاً ((يا عيب الشوم، يا ابو حسين ما حدا منكم عنده كرامة، كيف راضي على حالك هالدور، روح قول لمعلمك انا مش طالع من هون وخليه يشوف شو راح اعمل فيه..)).


خرج مراد من زنزانة خياط محبطاً خائفاً من فشله امام رستم الذي ارسل الى خياط صديقه الآخر عمر كرامي (الرئيس) مصطحباً معه طارق فخرالدين الذي امضى ساعتين مع خياط محاولاً اقناعه ايضاً بزيارة رستم في عنجر لانهاء القضية وخياط رافضاً حتى وجد كرامي صيغة ان يتوجه خياط الى منـزله مع وعد بعدم نشر الوثائق ويتحدث معه بعد ذلك رستم غزالة هاتفياً.

كان خياط علم ان مخابرات الجيش اللبناني وضابط امن سوري ارسلهم جميعاً رستم غزالة الى منـزله في الدوحة قد صادروا وثائق من خزنة خياط، وان غزالة سيكتفي بهذا القدر خوفاً على نفسه وقد أمنها اثر الاستيلاء على هذه الوثائق، دون ان يعلم ان خياط يحتفظ بوثائق اخرى وبيانات ومعلومات تدين رستم غزالة.. حتى ان خياط وبعد خروجه من السجن طبعاً طلب من محاميه اعداد دعوى قضائية ضد غزالة وعازار ومن يثبت التحقيق تورطه في هذه الحملة المدبرة ضده شخصياً في اعتقاله ومحاولة تشويه سمعته وتهديده فضلاً عن ادعاء عام (إخبار) في سرقة المال العام.


لقد دمج رستم غزالة بنجاح بين رصيد السلوكية الجبانة والنفاق والانتهازية اللبنانية تحت قدميه ورصيد النهج الذي عشش في عقله وقلبه ومشاعره حاملاً اياه تربية وثقافة وممارسة من نظامه الذي كلفه ادارة لبنان بأسلوبه فكان الحاكم المطلق مثلما كان سلفه اللواء غازي كنعان حتى مع الفارق بين الشخصيتين.


كان غازي كنعان مديراً لمدرسة تحكم اوضاع لبنان وتفرض منهجها الدراسي على الجميع، وكان رستم غزالة واحداً من اساتذتها، فلما احتاج النظام في سوريا المدير غازي كنعان لدور شديد الاهمية في نظامه نفسه تسلم الاستاذ غزالة مكان المدير وظل طيلة ثلاث سنوات يجاهد كي يثبت وجوده بديلاً ناجحاً عن المدير وسبب له ظل غازي كنعان الثقيل هاجساً وكابوساً لم يكن ليتخلص منه رغم الدعم غير المحدود الذي حصل عليه من رأس النظام الاعلى الرئيس بشار الاسد نفسه الذي أشغل كنعان بمهمة مزدوجة للنظام وهي حفظ الامن الداخلي وخاصة في مرحلة تحرك منظمات او منتديات المجتمع المدني واعطاء خبرته في مواجهة التحرك الكردي المتحمس والمندفع من زلزال العراق وآثاره ((الايجابية)) على الوضع الكردي في بلاد الرافدين.. فضلاً عن خبرته في تثمير الهدوء الذي ساد في العلاقات السورية – التركية.

وسار غزالة على نهج كنعان ورجاله بالممحاة يمحو اثر وواقع كل علاقة لأي سياسي او امني لبناني معه ومن اعترض – او تلكأ - في اظهار الولاء له شخصياً جابهه رستم غزالة بالحرم، حتى استسلم الجميع وتربع غزالة وحيداً على رأس السلطة اللبنانية بواسطة الاتباع رؤساء ووزراء ونواب وقضاة ومديرين عامين ورؤساء اجهزة.. مع استثناءات كان ابرزها حالة مدير عام الامن العام اللواء جميل السيد الذي لم يعد يمر على رستم في عنجر بل اصبح له هناك في قصر المهاجرين حظوة لا تعلوها إلا حظوة سليمان فرنجية المميزة.. كما اميل لحود.

لقد وصلت سلطة رستم في لبنان حد فرض رقابة على حركة اللواء غازي كنعان وهو وزير داخلية سوريا حين زار لبنان للاطمئنان على صحة ولده يعرب بعد عملية جراحية للقلب اجريت له في مستشفى ((اوتيل ديو)).

وكانت سلطته – كما كتبنا – مستمدة من الرئيس بشار الاسد الذي ابلغ الجميع وعلناً ان باب دمشق يمر من عنجر حيث رستم غزالة.. قالها الاسد لرفيق الحريري عندما أمره بالتجديد للحود حتى لا يكون ضده شخصياً، وأبلغه لوليد جنبلاط عندما طلب الحوار معه مخيّراً اياه بين ان تكون معي فتؤيد لحود او تكون ضد لحود فتؤيد اسرائيل!!!.

واذا كان الشهيد الحريري – رحمه الله – استسلم بعد لقائه الشهير مع الاسد قبل التمديد وتراجع عن كل ما كان يقوله علناً من رفض ومعاندة بعد ان سمع خلال مقابلة لم تستمر الا دقائق معدودة وعلى الواقف تهديداً حاسماً اذا كنت انت ووليد جنبلاط وجاك شيراك تظنون انكم يمكن ان ترغموني على الانسحاب من لبنان فإني والكلام لبشار الاسد مع رفيق الحريري، سأهدم لبنان على رؤوسكم ورؤوس اولادكم قبل ان انسحب!!! وعرّج الحريري على عنجر ليسمع من غزالة ما يجب ان يكون، فإن جنبلاط الذي استقبل رستم وسمع منه ما يفيد فتح الحوار معه بعد رفض التجديد للحود قال علناً انه لن يحاور سوريا عن طريق ضابط امن مهما علت رتبته مع احترامه لموقعه.

ولعل الحدثين اللذين رسما الآن مصير رستم غزالة هما موقف وليد جنبلاط واغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفي تكامل الحدثين ما يفيد بداية العد العكسي له وللوجود الامني السوري في لبنان رسمياً وعملياً رغم المعاندة التي يبديها جهازه في لبنان بعد صدور قرار الانسحاب العسكري والامني السوري من لبنان، من خلال اجهزة الامن اللبنانية ومن خلال المخبرين وزراء ونواباً ورؤساء.. ومن خلال الانتقال السري الى شقق ومنازل سرية لعناصره والعمل داخل مكاتب الاحزاب التابعة لها، ومن خلال التمترس العلني في بعض احياء الضاحية الجنوبية لبيروت في حضن حزب الله تحديداً.. وحركة امل.

كان زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري بارتداداته عكس كل تصورات الجهاز الامني السوري – اللبناني الذي تصور للحظة ان غياب الحريري بهذه الصورة البشعة سيرعب كل لبنان سياسيين ومواطنين ومجتمعاً مدنياً ومثقفين واعلاميين.. لكن انتفاضة الاستقلال التي فجرها هؤلاء انقلبت على كل من قرر وخطط ونفذ وموّه وضلل في هذه الجريمة البشعة بعد ان كسرت الانتفاضة بشبابها واحزابها والتفاف الوطن كله حولها عدا المستفيدين من الجهاز الامني اياه حاجز الخوف وانطلقت حناجرها تعبر عما في صدورها من كبت وفي وجدانها من مشاعر وفي ضميرها من صحوة لإنقاذ الوطن والمصير والمواطنين والمستقبل.


وكان لا بد من كبش فداء رسمته الناس صوراً في الشوارع وفي التظاهرات وفي الهتافات وفي المواقف وفي المقالات وفي الحوارات.

واذا كان الصراع في لبنان بدأ الآن داخل صفوف السلطة وأجهزتها الامنية حول من يجب ان يطاح برأسه لينجو الآخرون او النهج فإن مصير رستم غزالة ليس بعيداً عن التضحية في حسابات النظام السوري، والسباق الآن حول من يجب التضحية به في لبنان اميل لحود ام جميل السيد ام رستم غزالة مع آخرين؟

وإذا سحب غزالة الى سوريا تمهيداً لمحاسبته على فشل صنعه امنياً واخلاقياً مشاركة مع آخرين في سوريا صنعوه سياسياً واستراتيجياً، فإن غزالة هو المسؤول السوري الاول الذي اقيمت ضده دعوى قضائية في لبنان (وفي سوريا) بتهمة الاعتداء على حقوق مواطن هو رئيس مجلس ادارة محطة ((الجديد)) المرئية (N.T.V) تحسين خياط واعتقاله وتشويه سمعته بالزعم انه ع