تجمع "كلنا منتدى جمال الأتاسي"

2005-07-04

تجمع "كلنا منتدى جمال الأتاسي"

من عشرين منظمة عربية وأوربية وكل المدفعين عن الحقوق المدنية في سورية

حالت أجهزة الأمن بالأمس دون عقد ندوة السبت، فيما يلي كلمة السيدة سهير الأتاسي لهذه الندوة، نطلب منكم نشرها وترجمتها وتوزيعها على أوسع نطاق ممكن صوت المنتدى سيصل لكل الأحرار بفضل تضامنكم

ليس إلا الوضوح طريقاً إلى الحقيقة

"جزيرة صغيرة نلتقي عليها خروجاً بأفكارنا ومحاوراتنا من الغرف الضيقة والأطر المحدودة والخاصة.. بودّنا أن نقوى على حمايتها، لا بإقامة أسوار من العزلة والكتمان من حولها، وإنما بفتحها لمختلف التيارات الوطنية الديمقراطية.. فليس لدينا ما نحرص على إخفائه وكتمانه، وليس إلا الوضوح طريقاً إلى الحقيقة ".

كانت تلك كلمات الدكتور جمال الأتاسي عن الحوار الديمقراطي، كتبها عام 1979، حيث اعتبر حرية الكلمة وحمل مسؤولية الالتزام بها، مطلبَنا الديمقراطي الأول ونقطة البداية في ممارساتنا لهذه الديمقراطية. كما أراد وأردنا أن يكون الحوارُ الديمقراطي مفتوحاً لكل من يريد المساهمة فيه وصولاً إلى القناعة بأن مبدأ هذا الحوار وطريقه هو حرية التعبير والمعتقد والقَبول بالتنوع والتعدد في إطار التوجه الوطني الديمقراطي العام، وهدفَه الأساسي خلقُ التفاعل والتواصل بين كافة الأطياف لتطوير الحراك المجتمعي وتعزيز إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في الواقع والتغيير فيه، والعمل على استرداد دوره ومسؤوليته في الفعل الوطني. على هذا الأساس عقد منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي في السابع من أيار الماضي ندوة مفتوحة حول "الإصلاح في سورية.. كيف تراه القوى والهيئات الوطنية"، وقام بدعوة الطيف السياسي والحقوقي والمجتمعي الواسع بمكوناته الأساسية للعمل على بلورة رؤية شاملة غيرِ منقوصة للإصلاح المطلوب في سورية. وبدلاً من أن تعتمد الجهاتُ المعنية الحوارَ الديمقراطي والاعترافَ بحق المواطنة والمشاركة في بناء الوطن دون إقصاء، وسماعَ الرأي الآخر، تحديداً إذا كان هذا الرأي يتعلق بالشأن الوطني الراهن: الإصلاح، لجأت إلى الأساليب الأمنية المعهودة من اعتقال مجلس إدارة المنتدى لمدة أسبوع بذريعة عرضِ وجهة نظر حزب الأخوان المسلمين، والإبقاء على الكاتب علي العبد الله معتقلاً لقراءته كلمةَ الأستاذ علي صدر الدين البيانوني، على الرغم من تأكيدنا في مجلس الإدارة تكليفَه بقراءة تلك الورقة واعترافِ الجهات الأمنية بوحدة الموضوع بيننا وبتسرعهم بإحالته لمحكمة أمن الدولة. كما تجلّت تلك الأساليب بتهديد الكاتب سلامة كيلة عضو الهيئة العامة بالإبعاد أو المنع من دخول سورية في حال مغادرته لها على الرغم من كونه مقيماً فيها منذ خمسٍ وعشرين عاماً. كما وجهت تلك الجهات تحذيراً أمنياً شديداً من عقدِ الجلسةِ الحوارية المقررة في بداية شهر حزيران، وأخيراً المطالبة الأمنية اليوم بتعليق نشاط المنتدى.

ولم تكن ممارسةُ الضغوط الأمنية على نشاط المنتدى جديدة، فقد سبق واعتُقِل المحامي حبيب عيسى الناطق الرسمي باسم المنتدى منذ أربع سنوات والذي يقضي فترةَ حكمه في زنزانة انفرادية في سجن عدرا.. وهو من أوائل قاطني هذه الجزيرة ومدافعٌ أساسي عن حرية الحوار.

ونحن نعلن اليوم استمرار أعمال المنتدى ببرنامجه المقرَّر، وندافع عن بقائه ساحةً للحوار الوطني الحر في البلاد، معتمدين الفعلَ الحواري العلني. ونشكر الشخصيات والهيئات والمنظمات التي تضامنت معنا محلياً وعربياً ودولياً، ووقفت دفاعاً عن حرية مجلس إدارة المنتدى، ونخصّ بالشكر الشباب، أصحاب المبادرات الفاعلة التي من شأنها أن تساهم في تمكين المجتمع من بناء دولة الحرية والديمقراطية. وندعو الجميع إلى التضامن معنا من أجل العمل على إطلاق سراح حبيب عيسى وعلي العبد الله وكافة معتقلي الرأي والضمير في سورية، ومن أجل الدفاع عن حرية الكلمة والتعبير والحوار، وإطلاق نشاط المنتديات الفكرية الحوارية التي سبق وأُغلِقت.

وأخيراً، نتوجّه إلى كل من اختار العزوف عن الاهتمام بالشأن العام، أو اللجوء إلى الانتظار والتأمل، أو التمسك بالشعور المرير باللاجدوى أو العجز، نتوجه إليه وندعوه إلى استرجاع إيمانه وحقه بوجوده الفاعل والاستمرار على طريق العمل والنضال والتلاحم الوطني من أجل وطن حرّ كريم.

دمشق 2/7/2005

مجلس إدارة منتدى جمال الأتاسي

للحوار الديمقراطي

سهير الأتاسي

تجمع "كلنا منتدى جمال الأتاسي"

اللجنة العربية لحقوق الإنسان (باريس)

منظمة العدالة العالمية (لاهاي)

مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية (استوكهولم)

مؤسسة ابن رشد للفكر الحر (برلين)

الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان (المنامة)

اللجنة السورية لحقوق الإنسان (لندن)

جمعية الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان (جنيف)

اللجنة العربية للدفاع عن الصحفيين (الدوحة)

جمعية حماية المدافعين عن حقوق الإنسان (باريس)

مركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة (تونس)

صوت حر (فرنسا)

جمعية مساعدة ضحايا العسف في المنفى (نانتير)

معا من أجل حقوق الإنسان (ليون)

اللجنة الدولية للدفاع عن تيسير علوني (مدريد وباريس)

فدرالية العمل المسيحي ضد التعذيب (جنيف)

الجمعية الفرنسية للفكر الحر (باريس)

قائمة أوربة-فلسطين

جمعية الحجر والزيتونة (فرنسا)

جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب

اللجنة الفرنسية لمناهضة العنف ضد المرأة

C.A. DROITS HUMAINS

5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff - France

Phone: (33-1) 4092-1588 * Fax: (33-1) 4654-1913

E. mail achr@noos.fr www.achr.nu

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

ARAB COMMISSION FOR HUMAN RIGHTS

COMMISSION ARABE DES DROITS HUMAINS

International NGO in special Consultative Status with the Economic and Social Council of the United Nations

خاص – صفحات سورية -

حول ما جرى بتاريخ 2/6/2005 مع "منتدى الأتاسي"

الحصار

حول ما جرى بتاريخ 2/6/2005 مع "منتدى الأتاسي"

وردنا في "الشفّاف" أن عدداً من المنظّمات العربية والفرنسية ستدعو إلى تنظيم تظاهرة في باريس تضامناً مع أعضاء "منتدى الأتاسي" وللتنديد بمحاولات السلطة السورية لإسكات آخر منبر حر في البلاد، وكذلك للمطالبة بإطلاق سراح معتقلي الرأي.

وقد وردتنا من دمشق الرواية التالية لما حدث يوم السبت (أمس)، حيث تحوّلت محاولة منع "المنتدى" إلى تظاهرة، علماً بأن المنتدى عقد جلسة استمع فيها لكلمة السيدة سهير الأتاسي التي نحيّي شجاعتها ورفضها لأوامر الإقفال التعسّفية:

بدأ الحصار لمحيط مقر منتدى الأتاسي للحوار الديمقراطي من قبل سيارات عناصر الأمن والشرطة بدءاً من الساعة الرابعة بعد الظهر من يوم السبت 2/ 6/2005 الموعد المقرر للأمسية الدورية المفتوحة لرواد المنتدى من كل شهر، والتي عنوانها "التغيير في سوريا على ضوء نتائج المؤتمر العاشر لحزب البعث". وقد وجهت دعوة المشاركة إلى ممثّلي: حزب البعث العربي الاشتراكي – حزب الإتحاد الاشتراكي الديمقراطي – حزب الشعب الديمقراطي – حركة الاشتراكيين العرب – حزب العمال الثوري –حزب العمل الشيوعي – الحزب القومي الاجتماعي السوري – الاتحاد الديمقراطي الكردي –الجبهة الديمقراطية الكردية.

لم يتمكن أحد من الرواد والمحاضرين الوصول إلى مقر الاجتماع في منزل الأتاسي في مشروع دمر بسبب اعتراض عناصر الأمن والشرطة إلا العشرات منهم حيث منعوا من دخول البناء، وقليل منهم نجح في الدخول لساحة المنتدى.

فتحت مكبرات الصوت على أغاني الحرية في مقر المنتدى بدءاً من الساعة الخامسة، تعلن إصرار المنتدى على الاستمرار رغم الحصار.

تجمع رواد المنتدى بدءاً من الساعة الخامسة في ساحة نهاية مشروع دمر حيث توقف عدد كبير من شرطة مكافحة الشغب يمنعون الناس من الاقتراب لمدخل التوسع الذي يوصل إلى المنتدى. وبذات الوقت وبهذا المشهد وقف الناس يتجمعون ويصرون على الوصول للمقر وهم ينشدون النشيد السوري وأغاني الحرية، ويهتفون لاستمرار نشاط المنتدى ورفعوا لافتات تدعو إلى حرية معتقلي المنتدى الأستاذ حبيب عيسى والكاتب علي العبد الله وكل معتقلي الرأي، وتم تخويفهم بتوقيف البعض مما ألهب حماسهم وإصرارهم على تحرير زملائهم فوراً وقد نجحوا.

وفي تمام الساعة الثامنة، أقام المنتدى أمسيته بطريقة رمزية وهو تحت الحصار وبحضور قلة ممن نجحوا في الوصول إلى مقر المنتدى بإلقاء كلمة رئيسة مجلس الإدارة السيدة سهير الأتاسي أعقبها تلاوة بيان تضامن مع منتدى الأتاسي للجّنة العربية لحقوق الإنسان موقعة من قبل عشرين منظمة حقوقية عربية وأوروبية واختتمت الأمسية بتصفيق الحضور.

وبهذا المشهد الحافل في الشارع وفي المقر، أكد المنتدى إصراره على استمرار نشاطاته بناءً على قرار هيئته العامة، وخاصة المحاضرة الشهرية المفتوحة والعلنية في أول يوم السبت من كل شهر رغم العقبات حتى تزول.

والملفت والمشجع هذا الموقف التضامني الواسع من المثقفين والمنظمات الحقوقية في الداخل والخارج دفاعاً عن المنتدى، والادانة لهذه الممارسات التي تضيق من حرية التعبير وحرية الكلمة وتعطل آليات الحوار الديمقراطي المتاح، وهو منتدى الأتاسي ساحة الحوار الحر العلني المتبقية في سوريا

شفاف الشرق الأوسط.

خــــبــرات قــــمـــعــــيـــة

خــــبــرات قــــمـــعــــيـــة!

بعدما قُمعت تظاهرة المعارضة السورية في ساحة الشهداء في دمشق بواسطة بعض من أبناء الشعب السوري الحاملين صور الرئيس السوري، قُمعت تظاهرة حركة المعارضة المصرية "كفاية" بواسطة بعض من أبناء الشعب المصري الحاملين صور الرئيس المصري، ومنذ أيام قُمعت المعارضة الليبية (في لندن هذه المرة) بواسطة بعض من أبناء الشعب الليبي الحاملين صور الرئيس الليبي. وهكذا دواليك (كاد هذا الأمر يحصل خلال انتفاضة الاستقلال اللبنانية لولا توافق العقلاء على القيام بمحاصصة ساحاتية فأخذت المعارضة ساحة الشهداء، والموالاة ساحة رياض الصلح).

لا نعرف تماماً هل يدخل الذي قلناه في إطار تبادل الخبرات القمعية بين الأنظمة العربية، تعويضاً عن فشلها في مجال تبادل خبرات أخرى، سياسية أكانت أم اقتصادية أم حتى إدارية.

تعميم هذا الأسلوب، وفي هذه السرعة، يعد بحق سابقة "تكنولوجية" اضطلع العرب بمهمة اختراعها في سياق مسلسل اختراعاتهم الذي لم يبدأ بـ"الرأسمالية الشعبية" التي يعود الفضل في ابتكارها إلى شيخ المخترعين العرب معمر القذافي، ولم ينتهِ، أي هذا المسلسل، بـ"معارضة الأبناء" التي اخترعها السيد حسني مبارك، من أجل الإمساك بالسلطة والمعارضة في آن واحد: الأب سلطة، والابن معارضة!

إذاً، الشعب يقمع الشعب، والمعارضة والسلطة شيء واحد... في بلاد تدخل الحداثة القمعية من أوسع أبوابها. في بلاد لا يكف مسؤولوها الإعلاميون عن تعيير الغرب بانتهاكهم مبادئ حقوق الإنسان، من طريق الاستشهاد بغونتانامو وأبو غريب ومنع الحجاب في فرنسا.

لا يبدو ذا أهمية في هذا السياق التذكير بأن معظم هؤلاء المستخدَمين في قمع المعارضين هم من الطلاب والشباب: رافعتا التغيير المفترضتان. أقول ذلك لأن واقعية مقيتة لا تفتأ تطل علينا من شبابيك الذاكرة، يوم كنا طلاباً وعساكر لا نجرؤ إلا على تنفيذ ما يقال لنا. البطولة في مكان آخر.

في المناسبة، إذا كان المسؤول الليبي قذاف الدم سُمّي هكذا يوم كان الدم خطاباً رائجاً، فما الذي كان سيسمّى في هذه الأيام، التي ازدهرت فيها وعود الديموقراطية؟

قذاف الدمـ... ـقراطية، على سبيل المثال؟

ماهر شرف الدين

حاجتنا ماسة الى الصعاليك الرافضين للطاعون الطائفي

حاجتنا ماسة الى الصعاليك الرافضين للطاعون الطائفي

هناك أشخاص ولدوا فوق الطائفية، وكأنّ لديهم لقاحاً طبيعياً يقيهم الوقوع في مثالبها. من هؤلاء كان الفقيد جورج حاوي. في لحظة صعبة من تاريخ منطقتنا، نحتاج إلى ومضة فكرية كتلك التي اختصر بها هذه الخاطرة حين قال: "النظام الطائفي يولّد الفتنة ويستورد التدخل".

جاء في "طريق الشعب" الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي، في معرض تشخيص السيد حميد مجيد موسى الاسباب والعوامل التي ساعدت على تصعيد الإرهاب وتأجيج النزعة الطائفية، أن سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي يعتبر أهم أسباب ذلك: "تكريس نهج المحاصصة الطائفية، هذا الوباء الخطير الذي يسمم الحياة السياسية، ويتناقض مع الديموقراطية، ويقزم معنى الانتخابات ومدلولاتها، ويحجم مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين، ويضر ببناء الوحدة الوطنية". وطالب الجمعية الوطنية بالتصدي "لكل ما يحفز الفتنة الطائفية، والأخذ بما يؤمن بناء العراق الجديد على أسس ديموقراطية سليمة".

تذكرت، وأنا أقرأ هذا التحليل، لقائي مع السيد حميد في بغداد قبيل تشكيل مجلس الحكم. قال لنا يومها في مقر الحزب: "بعد سنوات نضال، اكتشفت في مشروع بريمر أنني شيعي أولا، عراقي ثانيا وشيوعي عاشرا". الحقيقة أنني بعد سماعي له، كنت شبه متيقن أنه سيرفض عرض بريمر لعضوية مجلس الحكم ضمن الحصص الشيعية. فليس من الغريب على الجلبي وعبد المهدي والجعفري أن يتحدثوا في العصبية الشيعية، أما أن يقبل علماني ديموقراطي بهذا المنطق، فتلك مصيبة المصائب(...).

خارج كل الديكورات الخارجية الجميلة والمجملة، تشكّل مركز قوى "كارتل المعارضة العراقية" من القطب الكردي، وهو ديموقراطي بقدر ما الديموقراطية قومية، والأحزاب الإسلامية الشيعية، وهي لم تخض معركة الإصلاح السياسي والفكري أو التنظيمي، ولم تجعل الديموقراطية دينها يوما. وكما كنا نتداول دائما في نقاشاتنا الخاصة مع العرب والكرد، خطاب المعارضة "مقبول" لأن ممارسات صدام حسين متخلفة جداً ويداه مضرجتان بالدم. إلا أن المعارضة لم تواجه نفسها بالأسئلة الكبيرة لإعادة بناء حداثة سياسية قضت عليها في الشارع العراقي ديكتاتورية الفرد. وهي عندما استلمت السلطة، كانت طرفا أساسيا في تصور تعايش قائم على توازنات عصبوية وقبل مدنية تعتمد الطائفة والقوم (وليس القومية). لم يتوقف أحد عند هذا الجانب الكارثي الذي جعل من مقاومة العصبية الشيعية "مهمة وهابية" تصل أصداؤها إلى مدينة العيينة؟ فالطائفية حاضرة ناضرة في اللاوعي السياسي لكل الدول المتعددة الطائفة والدين: من أندونيسيا إلى المغرب(...).

كل مؤسسة طائفية تعلن تمايز الجماعة الاعتقادية عن غيرها في الإيديولوجيا والشعائر والسلوكات وعلاقات إنتاج الإنسان بعضها أو كلها، مع إعلان تحريم اختراق منظومة قيمها والتشريع لإجراءات رادعة للخارجين عن هذه الركائز: تكفير، نبذ، طرد...

أما السلطة الطائفية، أو المتواطئة مع المؤسسات الطائفية، فهي التي تمنح الإعلان الطائفي فرصة التحقق المادي: تمييز السلطة الطائفية ، القانوني أو الفعلي، بين أبناء الطوائف، في تعصب لها أو عليها. أو منح السلطة السياسية للمؤسسة الطائفية سلطات تفرض بها مجبراتها(من الأحوال الشخصية إلى المنهاج التعليمي وتنظيم الحياة اليومية، وليس فقط السياسية للناس) على الجماعة، بما يكرس الجماعة الاعتقادية كطائفة. أي كجماعة يترتب على تمايزها مجبرات مادية ومعنوية وإجراءات رادعة بحق من يخترق هذه المجبرات. الأمر الذي يعزز أسس التعارض بين النحن والآخر بفواصل مادية هي في الوقت نفسه مرتكزات جماعة تسلطية.

العصبية الطائفية، كالعصبية القربوية، تقوم على منطق ذوبان الفرد في الجماعة التسلطية عبر تقوية المفهوم البعلي للأسرة، دعم الروابط والقيم الرجالية، العائلية والعشائرية، وربط السلطة الداخلية أيضا بوسائل إنتاج الحياة وليس فقط القرابة والمصاهرة والتحالفات. إن تقاطع المشكلة الطائفية مع مشكلة الأقليات لا يعني بحال أنهما شيء واحد. السلطة السياسية المنبثقة من "الغالبية الدينية الاسمية" طائفية منذ إعلانها مذهب الغالبية عنصر تمييز سياسي أو دستوري. كما هي حال الوهابية في المملكة العربية السعودية والجعفرية في جمهورية إيران الإسلامية.

تعتمد الإيديولوجيات الطائفية في الشرق باستمرار على ترسيمات وأحكام مسبقة متبادلة المواقع، كل واحد منها يعلن تفوقه الذاتي ودونية الآخر (ين).

من المفارقات التاريخية أن اوروبا، التي ضغطت على الخلافة العثمانية لإلغاء نظام الملل الطائفي، كانت وراء قيام النظامين الطائفيين المقوننين فيه (إسرائيل ولبنان)، في حين فشل مشروع الدويلات الطائفية الذي سعى له الانتداب الفرنسي بالمقاومة الوطنية السورية(...).

المنطق الطائفي منطق مغلق منتج لإيديولوجيا مغلقة وصانع لسقف محدود. إلا أنه يعطي طمأنينة خاصة لأصحابه تذكرنا بمواصفات الجماعة التسلطية التي يتحدث عنها طبيب الأمراض النفسية لوسيان إسرائيل بالقول: "في الداخل، يشعر المرء بأنه في بيته، وهذا ما يطمئن في هوية الطباع هذه. إخوة في ما بينهم، يتفهمون بعضهم، يفهمون على بعضهم بالإشارة. يفهمون على بعضهم الى درجة أنهم لم يعودوا بحاجة إلى الكلام. ها نحن أمام نتيجة مفاجئة ولكن أساسية وغاية في الخطورة، التواصل في داخل مجموع من المتشابهين يفقد بُعْد الكلام. يصبح تبادلا للإشارات. كل شيء يتم كما أن تقهقرا يحدث، تقهقرا يلغي العلاقة التواسطية بهذه الأداة غير المحددة إلى درجة، لاستبدالها بالمباشرة الحيوانية.

القول تقهقر هو بالتأكيد رأي، بل تفسير، لأن التواصل عبر وسائل أخرى غير الكلام قد يبدو للبعض أمثولة مرغوبة، كينونة الواحد في كلّ، ولن يعدم محللون نفسيون يقرأون في خطاب مرضاهم ما يسمونه فانتازيا الاختلاط، التي تحقق الرغبة الأساسية المفترضة لإعادة بناء موضوع موحد مع الأم... الجماعة الحاملة لطباع تسلطية ومحمولة بهذه الطباع تفرز ميتولوجيا تكوينية، تأسيسية، مسارية وأصلية: الأب المشترك، الله، القائد، الطوطم، يؤسسون الاعتراف المتبادل عبر مراجع بيولوجية كاذبة: نحن من اللحم نفسه، لقد استهلكنا الضحية عينها، الدم نفسه يجري في عروقنا، لم يعد ثمة ضرورة للكلام، فنحن عناصر مرتبطة ببعضها البعض، خلايا متضامنة في جسم واحد... تتشكل الجماعة كما قلنا بالتعارض مع الخارج (الآخر)، وهكذا ينبثق الطبع التسلطي. إذا كنا داخل الجماعة بين أخوة الدم، فالآخر الخارجي يتحدد بعلامات وصفات تختلف عن صفات الجماعة، وهذا الاختلاف يصبح حاملا لقيم: الآخر خارج الجماعة يصبح حاملا للشر. التجمع يسمح للطبع التسلطي بأن يحمل دون توجس ولا قلق حكما تحقيريا حول الآخر، حكما يسمح بكل العداوات وكل المظالم". أ.هـ

دولة إسرائيل هي المنتج النوعي للجماعة التسلطية الطائفية هذه. "نحن دين وشعب تميّزه يمنع من أن يتساوى مع غيره في المواطنة وتكافؤ الفرص. الفصل عن الآخر شرط لنظافة المشروع نفسه والمحافظة على التوحيد الحقيقي الأول والأقدم والأنقى الذي لم يخسر أصالته بعمليات الاندماج التافهة". هذه الجملة، لمستوطن يرفض الخروج من غزة، تعطي فكرة عن إنتاج الشخصية التسلطية في المجتمع الطائفي والدولة الطائفية. نحن أمام عنصرية من نوع خاص تدمج المعتقد بمفهوم الشعب ومفهوم الدولة اليهودية وتعتبر العناصر الثلاثة هذه شرطا لاستمرارها. الأمثلة العربية لا تقل أحيانا في تطرفها عن المثل الإسرائيلي. ففي أمثلة متعددة في لبنان وسوريا والعراق والخليج عملية بناء السلطة الداخلية للجماعة لم تكن سلمية كما في الأنموذج الإسرائيلي، وكان العنف معمما داخل الجماعة وخارجها.

كل سهم يوجه الى المجتمع المدني هو بالضرورة حجر يضاف الى مدماك الطاعون الطائفي. ضرب حقوق الأشخاص يبعدهم بالضرورة عن مفهوم المواطنة ويزج بهم في العصبيات العضوية قبل الرأسمالية. فالعلاقات المدنية تبني الجمعية والنادي والهيئة والفريق المتعدد. تجعل من الانتماءات المعاصرة وسائل تعبير واكتشاف لذات جديدة. تسمح باكتشاف الآخر خارج جدران العشيرة. الجمال يصبح إنسانيا والإبداع يتحرر من جدران اللون والعرق والجنس والمعتقد. يعود الإنسان ليكتشف ما هو خلاّق(؟) عند الجميع، معيدا بناء طبيعة العلاقة مع الجميع على أسس مختلفة عن تلك المتقوقعة في مستنقع الدم: دم العشيرة والقبيلة والملة. لا يمكن الحديث عن حقوق الإنسان والنزول في الوقت نفسه إلى بورصة الطوائف. عندما انتقل الإسلام بالمجتمع العربي من وشائج القربى إلى وشائج الرأي، تحول العرب من القبيلة إلى الإمبراطورية. أما عندما انتقلت الدولة القومية بالمجتمع العربي من المدينة الى الريف ومن المدنية الى العصبية والطائفة، صارت نقمة علينا جميعا.

نحن اليوم بأمس الحاجة إلى الصعاليك الرافضين الطاعون الطائفي لنتمكن أخيرا من مواكبة مفهوم حقوق الأشخاص على الصعيد العالمي. وبالتالي التمكن من طرح كل القضايا في نطاق الحقوق المدنية والسياسية بمفهومها المعاصر.

هل يمكننا أن نجعل من اغتيال جورج حاوي، أحد هؤلاء الصعاليك، لحظة تأمل جديدة لرسم معالم شخصية مدنية حديثة قيد التأسيس؟

-----------

مفكر عربي من سوريا، محرر موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان و"مستقبل حقوق الإنسان"، المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان

هيثم مناع

خاص – صفحات سورية -

الرقابة في سوريا

الرقابة في سوريا:

الكاتب يحتفظ بذاكرة مريرة تجاهها والرقيب يراها ضرورية

ابراهيم حاج عبدي

المستقيل – نوافذ –

في الحديث عن الرقابة يتشعب الكلام ويأخذ مسارات ملتوية، ومعقدة، ذلك أن قضية الرقابة هي من أكثر القضايا تشابكاً والتباساً في المشهد الثقافي العربي الراهن، ومقص الرقيب، الحاد والكريم يعمل في حديقة الإبداع الملونة ليستأصل منها أجمل الورود، وأرق الأزاهير، وأعذب البراعم... تلك التي نبتت "ضارة" في الزوايا المعتمة، بحسب عرف الرقيب الذي يجهد نفسه في محاولة منه، لجعل الحديقة الغنّاء للإبداع، ذات لون، وطعم، ونكهة واحدة، إذ لا يسجل للرقابة، في مختلف الأزمنة والعصور، سوى ذلك الوجه الكالح الكئيب، وتلك اليد الآثمة التي مزقت صفحات وصفحات حَوَتْ خلاصة الفكر الإنساني، بل أحرقت كتباً قضى المؤلفون في إنجازها، ربيع أعمارهم، وزهوة شبابهم.
ولن يقتصر الأمر على الحاضر بل تمتد جذور الرقابة إلى الماضي البعيد، فهي قديمة قدم الكتابة، وهي موجودة، وبدرجات متفاوتة، منذ وجدت السلطة دينية، كانت أم سياسية أم أخلاقية، فقد دعا أفلاطون إلى استبعاد الشعراء من جمهوريته الفاضلة وأمر بمراقبة "رواة الأساطير"، مثلما أمر الإمبراطور الصيني كين شي هيوانغ منذ القرن الثالث قبل الميلاد، بحرق كل الكتب التي كتبت قبل بداية عهده، والأمر نفسه حصل مع الفيلسوف ابن رشد حين أمر الخليفة المنصور بحرق جميع كتبه إبان العصر الأندلسي.
من الطبيعي، والحال هذه، أن يشعر الكتاب والباحثون والمفكرون بحساسية وخشية مفرطة تجاه الرقابة، فهي وجدت أساساً للتضييق على حرية الفكر والمعتقد، ولتحجيم قدرة المبدعين على مقاربة المسكوت عنه، ولتقليص مساحة دورهم في الحياة العامة، ومصادرة حريتهم في الحوار والنقاش والجدل، وفرض الوصاية عليهم وفق معايير شديدة الغموض؛ ففي جميع دوائر الرقابة التي تمارس دورها الآن من المحيط إلى الخليج ليس ثمة ضوابط معينة، ومقاييس محددة، بل هي تعتمد على محاذير، وممنوعات مفتوحة على احتمالات واسعة وعرضة لتأويلات شتى، والمشكلة أن أمر البت في تقدير المسائل المحظورة أو المسموحة، يعود إلى الرقيب وحده، فهو الذي يقرر ما هو النص الذي يضر بالمصالح العامة، وما هو النص الذي يدعو إلى التعصب، والتزمت، وأين يوجد النص الصالح والمهادن... إلى غير ذلك من المسائل الخلافية التي تعتبر "مصالح عليا لا يجوز المساس بها"، وفق نظرة الرقيب ومن يمثله، وفي ظل هذه الممارسة الرقابية العشوائية، إن الكاتب العربي مدان إلى أن تثبت براءته، فأنّى له إثبات براءته في واقع يصح فيه ما قاله الشاعر "... فيك الخصام، وأنت الخصم والحكم".

آلية الرقابة السورية


يتحتم على الكاتب السوري حين يزمع نشر كتاب أن يعرض مخطوط الكتاب قبل الطبع على مديرية الرقابة في وزار الإعلام؛ وهذه المديرية، بدورها، تحيل المخطوطات الإبداعية، كالقصة والشعر والرواية، إلى اتحاد الكتاب العرب الذي يحسم في موضوع الموافقة أو المنع في مجال الإبداع. أما المخطوطات الأخرى كالدراسات والأبحاث، فإن المديرية تبت في شأن الموافقة عليها، وثمة حالات نادرة تلجأ فيها المديرية إلى جهات استشارية، كأن تستشير وزارة الأوقاف في شأن مخطوط ديني، أو وزارة الدفاع في شأن موضوع عسكري، أو "القيادة القطرية" في الحقل السياسي... وهكذا.
والمخطوط يبقى في الرقابة بشكل متوسط نحو الشهر، وقد تتم الموافقة على طباعته دون شروط، أو تتم الموافقة مشروطة ببعض التعديل، والحذف، أو يصدر القرار بعدم الموافقة على طباعة المخطوط، خصوصاً إذا كان عنوانه مثيراً للجدل. وإذا حصل الكاتب على الموافقة وطبع كتابه، فإنه مجبر، مرة ثانية، على أن يحصل على موافقة أخرى تسمى "موافقة التداول"، فيقدم الكتاب المطبوع، هذه المرة، إلى المديرية نفسها، وبعد أن تتأكد الأخيرة أن الطباعة تمت دون أي إضافة أو تعديل تمنح له موافقة التداول في القطر، ولا شك أن هذه الإجراءات تعيق عملية النشر، وتجبر الكاتب على القيام بإجراءات إدارية روتينية كان الأجدر به أن يستغل الوقت الذي تستغرقه في دراساته، وأبحاثه؛ وثمة حالات كثيرة أظهرت ان الموافقة؛ أولاً على المخطوط، خاضعة لمزاج الرقيب. فكم من مخطوط منع بسبب عنوانه، وحين أقدم الكاتب على تغيير العنوان حصل على الموافقة، وكم من مخطوط منع مما اضطر الكاتب إلى طباعته خارج سوريا، ففوجئ بموافقة الرقابة، التي منعت المخطوط من قبل، على منح ترخيص بتداول الكتاب.
الرقابة في سوريا لا تختلف عن مثيلاتها في الدول العربية إن لم تكن أشد وطأة من بعضها، ومختلفة عن بعضها الآخر في زاوية النظر، ولئن أخذت تتخفف تدريجاً من التشدد وفق مقتضيات العصر الذي يصعب فيه حجب المعلومة، فالواقع أنه "لا يوجد كاتب سوري لا يمتلك في ذاكرته ذكرى سيئة عن الرقابة، ووطأة الرقيب" كما يقول الروائي السوري خالد خليفة الذي يرى بأن هذه الرقابة الصارمة "جعلت من الكتاب السوريين عباقرة بتحاشي الاصطدام بالرقيب، إلا أن السيد الرقيب على ما يبدو يأبى أن يترك مكانه، ويغادرنا أو يسمح لنا بالمرور، فيخترع أسباباً للمنع لا تخطر على بال أحد، كأن يكتب رقيب على صفحات مخطوط بقلمه، ويؤنب الكاتب على قلة أدبه، ثم يعطيه درساً في الأخلاق تنتهي بموعظة عن السلوك القويم، وهذا ما حصل على الأقل مع روايتي "دفاتر القرباط"، فقد اعتبر فيها الرقيب بأن مجرد التأشير بقلمه إلى بعض السطور كافياً كي أفهم سبب المنع أول الأمر".
ويعرب خليفة عن استغرابه من كون الرقيب لدينا "هو كاتب نعرفه ويعرفنا، نلتقيه أحياناً فيأخذنا بالأحضان، إلا أنه لا يستطيع التخلي عن طريقته الأبوية في تربيتنا، فيقول وشفتاه تفتران عن ابتسامة صفراء "آخ منكم يا مشاغبين"، ومن تجهمنا يفهم هذا الرقيب، الذي هو كاتب برتبة رقيب أول بالمخابرات في أفضل الأحوال، بأننا أبناء ضفتين مختلفتين، ضفة الرقيب وعسكري السلطة، وضفة المشاغبين والكتاب التي انتمينا إليها، والكارثة الكبرى بالنسبة لهذا الرقيب أتت من حيث لا يحتسب، ففضاءات الإنترنت جعلت من الرقيب، والرقيب السوري خاصة، أضحوكة، يستأهل الشفقة؛ فمع الثورة الرقمية توسعت ضفتنا، وضاقت أقلامهم إلى درجة أنهم الآن يتمسحون بنا كي نغفر لهم، ونخفف من سخريتنا، وشماتتنا بهم".
رأي مختلف
إذا كان هذا هو لسان حال أحد الكتاب السوريين، إذ يشرح همومه ومعاناته مع الرقابة، ليصل إلى نتيجة مفادها عدم جدوى الرقابة في عصر التدفق الحر للمعلومات والإنترنت، فإن لمدير الرقابة في وزارة الإعلام السورية د. ممتاز الشيخ رأياً مختلفاً حين يقول بأن لمديريته "الحق في مراقبة الصحف، والمطبوعات التي تدخل القطر، وكذلك لها الحق في مراقبة المخطوطات المعدة للطبع داخل سوريا"، لكنه يؤكد بأن "الرقابة لم تعد صارمة كما كان الحال من قبل"، ودليله على ذلك أن وجود سبعة مراقبين، فقط، في مديريته، "وكل واحد منهم مكلف بقراءة وتقويم أكثر من 35 عنوان في الشهر، وهذا يوضح التساهل الذي نراعيه تجاه الكتاب".
بيد أن هذا الأمر يؤكد، من زاوية أخرى، أن ثمة معايير غير معروفة، بل ثمة مزاجية في التقويم، فأنّى لمراقب أن يقرأ أكثر من 35 عنواناً في الشهر ليمنع هذه العناوين أو يسمح بها، وكيف سيكون قراره صائباً؟ يرد الشيخ بأن هذا "يدعم رأيي في توسيع هامش المسموح، على أن هذا لا يعني المزاجية التي أشرت إليها، فالمسألة لا تحسب هكذا. ثمة عناوين لا تحتاج إلى قراءة كأن يكون الكتاب في الرياضيات أو الفيزياء أو العلوم الطبيعية أو غيرها من العلوم التي نوافق عليها فوراً دون مراجعتها، لكن هناك كتب معينة تثير عناوينها، وبالتالي مضامينها، إشكالات معينة، فتجب رقابتها".
وحول صحة ما يقال من أن مخطوطاً منع ثم غيّر الكاتب عنوانه فحصل على الموافقة، يرد الشيخ بان "هذا الأمر قد يكون صحيحاً لكن لا يعني ذلك المزاجية، بل يعني أن عمل الرقابة خاضع، أيضاً، لحسابات وتوازنات معينة، فقد نمنع مخطوطاً في فترة ما لأساب معينة ثم تنتفي هذه الأسباب فنوافق على نفس المخطوط بعد أن منعناه، وفي عمل الرقابة الزمن له دوره، بمعنى ما هو محرَّم الآن قد يكون محللاً في فترة قادمة، وقد نشدد على بعض الأفكار، في ظرف ما، إلى أن تزول حساسية هذه الأفكار بعد عام أو عامين، فنتساهل معها. إن منظار الرقابة يختلف تبعاً لعوامل كثيرة، فضلاً عن أن كل مراقب له رؤاه، ووجهات نظره الخاصة، فهناك مراقب جريء ومنفتح، وآخر منغلق، ومتزمت، ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الأمر على طبيعة تقويمه لهذا المخطوط أو ذاك.
ويشير الشيخ إلى أن ثمة جهات استشارية تكون أكثر جدارة من المديرية في تقويم المخطوط، فوزارة الأوقاف، مثلاً، أجدر بالاطلاع على موضوعات تفسير القرآن، والفقه، والحديث وغيرها من المسائل، وكذلك الحال بالنسبة للجهات الأخرى، مع الإشارة إلى أن كل الجهات الرسمية في الدولة لها الحق في طباعة ما تشاء دون مراجعة مديرية الرقابة في وزارة الإعلام. وفي ما يتعلق بالكتب الوافدة إلى القطر من الخارج فيرى الشيخ بأن "للمديرية الحق في البت بشأن السماح بها أو منعها دون مراجعة الجهات الأخرى"، وكدلالة على سعة صدر مديرية الرقابة يقول الشيخ إن عدد الدوريات والصحف التي تدخل القطر يومياً يصل إلى نحو 450 مطبوعة، لا يمنع منها سوى عدد ضئيل، وتشير إحصائية إلى أن نسبة المنع، للمطبوعات الدورية وللكتب، لا تتجاوز ستة في الألف".
قائمة الممنوعات
ويؤكد الشيخ بأن الرقابة موجودة في كل الدول غير أن طريقة الإخراج تختلف، فنحن نمارس الرقابة بصورة فجة، ومباشرة غير أن دولاً أخرى، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، تمارسها بصورة خفية متقنة الإخراج، فالكتابة تمثل أيديولوجيا، وتروج لأفكار، وتوجه رسائل... وهي بالتالي مراقبة في كل مكان". ولدى سؤاله عن الخطوط الحمر أو قائمة الممنوعات التي على أساسها يتم منع المخطوط، يجيب الشيخ بأن "الرقابة تمنع الكتب التي تحرض على العنصرية والمذهبية والطائفية، أو تعمل على تأجيج مشاعر الكراهية والتمييز بين المواطنين، أو تدعو إلى العنف والتوتر في المجتمع، أو تخل بالأمن الوطني والمصالح الوطنية، والسلم الاجتماعي، أو تسعى إلى بث الفوضى، والإساءة إلى الأخلاق العامة وحقوق وسمعة الجماعات والأفراد"، لكن المشكلة التي تجاهلها الشيخ هي أن تقدير ذلك يعود إلى الرقيب وحده، وليس للكاتب أي دور في تحديد دلالات وأبعاد هذه الممنوعات، والمحظورات.
ورغم إعرابه عن أمله في أن يضمحل دور الرقابة ذات يوم، فإنه يبرر وجودها قائلاً بأن الرقابة موجودة لحماية الأوطان، ومع اعترافه بأن الرقابة "لم تعد قادرة على حجب المعلومة لكن بإمكانها الحد من انتشارها، وهذا ما يجعلنا نستمر، إذ نسعى إلى الحؤول دون وصول المعلومة إلى أناس من مستويات ثقافية متدنية لا تستطيع الفرز بين الغث والسمين، فلم نعد نخشى من شخص مثقف، بل نخشى من أولئك الذين لا يميزون بين المعلومة الصحيحة والمعلومة الخاطئة، وهذه الشريحة هي هدفنا، وهي لا تملك وسائل التكنولوجيا الحديثة ولا زالت نافذتها الرئيسة هي الورق، فنحاول أن نمنع عنها كل ما يسئ إلى معتقداتها ومسلمّاتها"، ويتفق مع هذا الرأي الناشر السوري محمد عدنان سالم صاحب "دار الفكر" العريقة، إذ يقول "لا أخاف على القارئ النهم من الضلال، فنهمه للقراءة وتوقه للاطلاع سوف يهديانه إلى سواء السبيل، فالقراءة الواعية تصحح أخطاءها، إنما الخوف الكبير على القارئ أن يحيد عن درب القراءة، وتتراخى يده عن الكتاب، فتلك هي الطامة الكبرى...".
ويشير الشيخ إلى مسألة هامة، وهي أنه "كلما كانت الدولة قوية خفّت وطأة الرقابة، وكلما بدت ضعيفة ازدادت الحاجة إلى الرقابة"، ومن هنا تجد تفاوتاً في نسبة التشديد بين مرحلة، وأخرى، وذلك تبعاً لقوة الدولة، أو ضعفها، وهذا ما يؤكده، أيضاً، محمد عدنان سالم، إذ يقول: "لا يخاف من الآخر إلا إنسان فاقد لثقته بفكره، عاجز عن إقناع الآخرين به".
ويشدد الشيخ بأن مديريته "ليست قوامة على الإبداع من الناحية الفنية، والجمالية، والأسلوبية، بل هي معنية بالأفكار، والمضامين فحسب، وفي الآونة الأخيرة منعنا كتاب "الإسلام والمسيحية: حوار انتهى إلى الفشل" لأحد الكتاب الغربيين لأنه يمس الدين الإسلامي الذي يعتبر أحد المسلمات في مجتمعنا، ولا يجوز المساس بقداسته، ومكانته الرفيعة لدى شرائح المجتمع"، أما الكتب التي ترد فيها مسألة الجنس فنحن نتساهل معها شريطة أن تكون موظفة في سياق فني صحيح لا يقصد منها الإثارة الرخيصة، مع الإشارة إلى أن ثمة أسماء مكرسة ليس لنا الحق في فرض وصايتنا على كتبها مثل حنا مينة، ومحمد الماغوط... وغيرهما، أما في شأن تهمة الجهل التي تلتصق بالرقيب فيدافع الشيخ عن رقبائه، فيقول بأن "معظم الرقباء في مديريته يحملون شهادة الماجستير، وليس بينهم من لا يحمل، على الأقل، إجازة جامعية".
رقباء بلا موهبة
الشاعر السوري لقمان ديركي يطالب، صراحة، بإلغاء الرقابة، وأن يرفع اتحاد الكتاب العرب يده عن الكتب، وأن يترك، في أسوأ الأحوال، لمديرية الرقابة في وزارة الإعلام، البت في شأنها، فهي الأجدر على التقويم من "اتحاد علي عقلة عرسان" بحسب تعبيره، الذي يضم رقباء عديمي الموهبة. ففي الماضي كان الاتحاد جديراً بهذا الدور، وينقل ديركي عن القاص زكريا تامر قوله إن الاتحاد، وقبل مجيء عرسان، لم يمنع كتاباً واحداً، عندما كان تامر مسؤولاً عن الرقابة فيه. وبدا ديركي في حديثه حانقاً على رقابة الاتحاد فأضاف بأن الأمر وصل بهم في الاتحاد إلى التدخل في طريقة التعبير، بل إن أحد رقباء الاتحاد منع لي أربع قصص من مجموعتي القصصية "توربيدو" بحجج واهية، منها أنه لا يجوز لي تشبيه القطط بالفرسان!! فهل يترتب علي أن أجلب القطط التي شبهتها بالفرسان إلى الاتحاد حتى يعاينها الرقباء ويسمحوا لي بالتشبيه المذكور، وهل علي مثلاً أن أصطحب معي فتاة شبهتها بملكة الجمال إلى اتحاد الكتاب كي يتأكد رقيبه من أن وصفي لها مطابق للفتاة التي أصفها، ألا يعلمون أن ثمة شيء اسمه خيال الكاتب!!
ويتابع ديركي: "في إحدى المرات قدمت مخطوطاً بعنوان "حجل نامه" ورفض مع ملاحظة تقول: يمنع للعجمة؛ كما منع لي نص في إحدى المجموعات بحجة أن النص لا ينتمي إلى جنس أدبي محدد، والغريب أن ثمة أكداساً هائلة من مطبوعات اتحاد الكتاب العرب ذات مستوى رديء محفوظة في المستودعات ولا يقرأها أحد، وأنا أتشرف بأنني لست عضواً في اتحاد الكتاب العرب"، ويعترف ديركي بعدم جدوى الرقابة في عصر الإنترنت، لكنه يقول إن "القارئ السوري يعتمد على المطبوعة الورقية أكثر من الالكترونية، فالإنترنت مقتصر على عدد قليل، وهذا الأمر يجعل القرّاء يعانون بعض الشيء من هذه الرقابة الصارمة، خصوصاً في ظل غياب صحافة خاصة، ومستقلة بالمعنى الدقيق للكلمة، فالتراخيص تمنح لأبناء المسؤولين، وهؤلاء يصدرون صحافة هي عبارة عن نسخ مشوهة عن الصحافة الرسمية".
مهمة الرقابة ساذجة في عصر الإنترنت
الأديب والمترجم التونسي محمد علي اليوسفي، المقيم في دمشق، يعقد مقارنة بين الرقابة في تونس ومثيلتها في سوريا، فيقول "الرقابة، بديهياً، تختلف من بلد إلى آخر حسب ظروف كل بلد، فأحياناً يكون الممنوع هنا مسموحاً هناك، والعكس بالعكس، ففي كل دولة تنطلق الرقابة من أوضاع البلد نفسه، خصوصاً من خلال مستوى ثقافة فئاته السكانية، وطبيعة مكوناته الاجتماعية... أي ما يشكل الحساسيات التي تبدو مهددة للأمن والاستقرار في نظر السلطة، فمن السهل في تونس، مثلاً، طرق مواضيع تخص الجنس والدين بجرأة وأحياناً بتهور، فيما لا تستطيع ذلك في موضوعات سياسية بسيطة يمكن طرح أخطرها في سوريا، على أن الدين والجنس يمثلان مشكلة في سوريا، بعكس ما هو قائم في تونس.
وينتقد اليوسفي الدور السلبي للمثقف الرقيب، ويذكر الحادثة التالية التي جرت معه: "قدمت كتاباً لجهة نشر رسمية في سوريا، ففوجئت بتقرير الرقابة يقول "إن اليوسفي يرى بأن (الكردي سفاح...)، وهذا الكلام المجتزأ خطير طبعاً، وكأنه يدعو إلى حرب أهلية، لكن المعنى الموجود في الكتاب مختلف، فأنا لي صديق كردي يهوى الصيد والقنص فقلت عنه في قصيدة: (الكردي سفاح زغب وفرو)، في إشارة رمزية إلى تعلقه بالصيد، ولك أن تستنتج أي نوع من الرقابة المجانية التي يمارسها مثقفون ـ رقباء، وليس سلطة سياسية محددة، وللإنصاف، يتابع اليوسفي، قدمت نفس المخطوط إلى جهة نشر رسمية أخرى فتمت الموافقة بدون أي تعليق أو حذف.
وحول جدوى الرقابة في عصر الإنترنت، يقول اليوسفي: "تبدو مهمة الرقابة في عصر الإنترنت مهمة ساذجة، وكأن هناك إيماناً بقدسية المكتوب، لأن الرقابة تتوجه إلى المكتوب بشكل اكبر، أترى لأننا أمة "كتاب"؟ والحال أن العالم قد هاجمنا بالصور، ونحن ما زلنا نحاربه بالكلمات، وهذا يفضي إلى نتيجة تقول: إن من يحارب بالكلمة بالمعنى التقليدي يجب أن يحارب، أيضاً، في ساحات القتال بالسيف، وليس بما وصلت إليه البشرية من تقنيات حديثة في مجال الأسلحة، وهنا تحل الهزيمة. فالفضائيات والإنترنت اخترقت كل الحواجز، والحدود، وصارت تساهم في صياغة العقول بعيداً عن الرقابة التقليدية التي تبدو وكأنها تراقب الماضي فيما الحاضر يهاجمها، ويعلن انتهاء دورها".
الكاتب والمترجم الكردي العراقي صلاح برواري، المقيم في دمشق، له تجربة مع الرقابة السورية، فيقول: "في عام 1990 قدمت مخطوطي الأول إلى مديرية الرقابة في وزارة الإعلام، للحصول على الموافقة الرسمية لطبعه وتوزيعه في سوريا، وبعد مرور أكثر من شهر، فوجئت بعدم الموافقة على الطباعة، رغم أن المخطوط كان عبارة عن مذكرات قائد انتفاضة كردية في كردستان تركيا (انتفاضة آكري، 1926). والذي فاجأني أكثر، هو وجود ختم "القيادة القطرية" لحزب البعث على المخطوط، ولدى إصراري على معرفة سبب وجود ذلك الختم، بدلاً من ختم وزارة الإعلام، قيل لي إن موضوع الكتاب سياسي! فاضطررت إلى طباعته دون موافقة ووزعت نسخه الثلاثة آلاف باليد، وفي عام 1991 تقدمت بطلبٍ آخر، لطباعة كتاب أدبي لي بعنوان "مختارات من الشعر الكردي المعاصر"، وحصلتُ على الموافقة بسهولة، بعد اشتراط حذف كلمة "كردستان"، من أحد الهوامش.
وبعد ذلك بعام، أي عام 1992، تقدمت بطلب للموافقة على إعادة طبع كتاب أدبي قديم للبروفسور عز الدين مصطفى رسول (رئيس اتحاد كتّاب كردستان العراق)، عنوانه "الواقعية في الأدب الكردي". وعند سؤالي عن الموافقة، بعد أكثر من شهر، قيل لي بضرورة مراجعة اتحاد الكتّاب العرب بدمشق. وهناك فوجئتُ بعدم الموافقة، دون بيان السبب!. وعند إصراري على معرفة السبب، حُوّلت إلى السيد رئيس الاتحاد علي عقلة عرسان، الذي طلب مني إمهاله نصف شهر آخر، لتكليف شخص آخر بقراءة المخطوط وبيان رأيه فيه، وبعد انقضاء تلك المدة، فوجئت ثانية بعدم الموافقة، واعترضت على ذلك لدى السيّد عرسان، الذي طلب مني إمهاله نصف شهر آخر، كي يتولى بنفسه قراءة النص والموافقة عليه!. وعند الموعد المحدد، اعتذر عن عدم الموافقة على الطباعة، لأن الكتاب يتضمّن، بحسب رأيه، أفكاراً انفصالية وانعزالية! فأدركت، عندها، بأنه لم يقرأ المخطوط. حملتُ الكتاب بأسى، وقلت له: أنا متأكد من أنك قد قرأته من الغلاف إلى الغلاف، لكن من دون المرور على النص أو المتن: أنت لم تقرأ من الكتاب سوى غلافه، والذي استفزتك فيه عبارة "الأدب الكردي".
ويضيف برواري علّمتني هذه "التجربة"، أن لا أطرق الأبواب الموصدة ثانية، طالما أنني أعرف ـ مسبقاً ـ أنها لا تُفتح!
حديث ذو شجون
حديث الرقابة، إذن، حديث ذو شجون، وإذا كان كل طرف، أي الرقيب من جهة، والكاتب من جهة أخرى يدافع عن وجهة نظره، فإن الضحية في هذا السجال هو القارئ دائماً الذي لا حول له ولا قوة، ويمكن لنا أن نستشهد بأمثلة وشواهد كثيرة، كانت الرقابة خلالها تمارس دورها الإقصائي في إقامة جدار صفيق بين المبدع والمتلقي، ومن المفيد هنا أن نذكر بعضها، ومنها مثلاً رواية "غابة الأشجار الصغيرة" لمحمد كامل الخطيب التي بقيت سنوات في أدراج الرقابة بين السماح حيناً والمنع حيناً، وكذلك رواية فيصل خرتش "موجز تاريخ الباشا الصغير" التي طبعها في بيروت، لكنها منعت من التداول في سوريا، وأيضاً رواية "المد" لمنهل السراج التي منعت بشكل صريح، فيما شهَّر رقيبان برواية "هشام أو الدوران في المكان" لخيري الذهبي بحجة الإساءة إلى الدين، وإثارة النعرات الطائفية، ومنعت كذلك رواية "ألواح من ذاكرة النسيان" لبهيجة مصري الأدلبي، وكذلك منعت المجموعة الشعرية "القبائل" للشاعر عادل محمود من التداول في سوريا بذريعة أنها "تثير النعرات الطائفية، وتشكك في حرب تشرين"، وثمة كتب كثيرة منعت للكاتب السوري الراحل بو علي ياسين فقد سمح بكتابه "عين الزهور... سيرة ضاحكة" ثم منعته الرقابة استجابة للضغط الاجتماعي ـ الديني، وكذلك كتابه "بيان الحد بين الهزل والجد" الذي رفض بو علي ياسين حذف فصل منه فبقي في المستودعات، أما الروائي نبيل سليمان فله تجربة مريرة مع الرقابة فقد سمح بروايته "جرماتي" بعد 18 عاماً من نعته باللا وطنية، فيما سمح لكتابه "الأيديولوجيا والسلطة" في عام 1989م ومنع في عام 2001 دون أن يبدل فيه الكاتب حرفاً، أما نهاد سيريس فقد طبع روايته "حالة شغف" في بيروت لكنها منعت من التداول في سوريا.
على ضوء ذلك لا يمكن لأحد أن يدافع عن الرقابة، فبإمكان أي رقيب جاهل أن يمنع كتاباً هاماً عن أمة بكاملها، ولا حاجة بنا إلى القول بأن ثورة التكنولوجيا والمعلومات قد قلّصت إلى حد بعيد دور الرقيب، لكن هذا الرقيب، من جانبه، يطور أدواته في الحجب والمنع، فالرقابة تطال، الآن، لا الكتب والمطبوعات الورقية فحسب، بل كذلك مواقع الإنترنت، ولعل الحل الأمثل في هذا الواقع المتخم بالمعلومة، وباحتدام الأفكار، ووجهات النظر هو أن نحصن المجتمع بمزيد من القراءات، والأفكار، وإتاحة المجال أمامه للاطلاع على مختلف التيارات، والتوجهات، والتصورات... حتى ننمي لديه الحس النقدي الرفيع كي يتمكن من التمييز بين الجيد والرديء، ولا يمكن التوصل إلى هذه النتيجة إلا بجعل الرقابة إجراء هامشياً في حياتنا المعاصرة، والتركيز بدلاً من ذلك على تنمية وتطوير المجتمعات بشتى السبل ليس بينها، بالتأكيد، سبيل حجب المعلومة.

عن واقع المعارضة السورية....

عن واقع المعارضة السورية....

أكرم البني

يبدو أن مطلب التغيير الديمقراطي في سورية أصبح مسلمة لا يختلف أحد على مشروعيتها وراهنيتها. ويتضح مع استمرار تسويف السلطة وممانعتها للإصلاحات، أن شرط الإنجاز يحتاج إلى معارضة ديمقراطية قادرة على انتزاع ثقة المجتمع وعلى استنباط المهام المناسبة لتعديل ميزان القوى في مصلحة التغيير. فما هي حال القوى السياسية التي تقف اليوم في صف المعارضة وما الأسباب التي تحول بينها وبين هذا الدور؟!..

أولاً، إن الطابع الشمولي للسلطة، وسيطرتها لعقود متوالية على مختلف تفاصيل الحياة، ورفضها القاطع لوجود أي مستوى من الاعتراض على سياساتها تحت طائلة الاعتقال والسجن المديد، عكس نفسه بقوة على بنية المعارضة السورية ودورها، لنجدها ضعيفة ومترددة، أسيرة الخوف والتحسب من طرح جديد أفكارها واجتهاداتها السياسية، لا يزال بعضها يصوغ مواقفه بدلالة ما يحتمل أن تكون عليه ردود أفعال السلطة وليس تبعاً لحاجات المجتمع ومتطلبات تطوره. فيطلّ برأسه كلما ارتخت قبضة النظام، ويرجع القهقرى، ما أن يستشعر احتمال التشدد. في حين اختار بعضها الآخر سياسة المهادنة والمناورة، أو العمل "بذكاء وحربقة" كما يحلو له وصف ما يفعله، لتصدير خطاب نقدي خجول أو " مغربل جيداً " يمكن أن يقيه شر القمع العاري والصريح. بينما لم يُخفِ البعض الثالث هدفه المتواضع في الحصول على جزء من كعكة السلطة، يعتقد أنه أحق من غيره بها!!..

ثانياً، ان الفصائل الأهم في المعارضة السورية خرجت الى العمل السياسي العلني من سراديب العمل السري أو غياهب السجون، وما يعنيه ذلك من نمو مشوه ترك أثاره السلبية والعميقة على صحة أحوالها وورثها حزمة من الأمراض لا تزال تربك دورها وتحد من فعاليته. وهنا لا نقصد نشر الغسيل الوسخ، بل الوقوف موقفاً نقدياً يدعو للتجاوز، عند الإشارة الى غياب التقاليد والقواعد الديمقراطية وإلى استمرار روح التنافس المَرَضي بين صفوف قوى المعارضة، والى وجود من لا يزال يدعي ملكيته "الحق التاريخي" في الزعامة والريادة، أو من تحكم سلوكه الحسابات الذاتية والمصالح الحزبية الضيقة، أو لا يخجل من استخدام وسائل بيروقراطية وفوقية، أو سلطوية إن صح التعبير، يعيبها على غيره، في تعامله مع الرأي المختلف.

ثالثاً، صحيح إن القوى السياسية التي تحتل موضوعياً الجسم الرئيس للمعارضة السورية، هي خليط غير متجانس ينحدر من منابت أيديولوجية وسياسية شديدة التنوع. وصحيح أن التطورات العالمية شجعتها، مع حفظ الفوارق بين هذا الفصيل أو ذاك، على تعديل برامجها ومواقفها ودفع النضال الديمقراطي إلى المرتبة الأولى من سلم اهتماماتها. لكن الصحيح أيضاً أن معظمها لا يزال عملياً عاجزاً عن التحرر، إن لم نقل متردّداً في نفض يده من ثوابت إيديولوجية وفكرية عفا عنها الزمن وغدت تتناقض مع جوهر الفكر الديمقراطي وروحه، كما لا يزال دوره ضعيفاً في بناء ثقافة الديمقراطية ونشرها، بصفتها مجازاً ثقافة المعارضة، التي افتقدها المجتمع لزمن طويل. ولا تغير من شيوع هذه الحقيقة الخطوة التي خطاها الحزب الشيوعي السوري (جناح رياض الترك) بتغيير اسمه الى حزب الشعب الديمقراطي إيذاناً بالانفكاك عن الثوابت الإيديولوجية التي حكمت نشأته، ثم التحول الجديد نحو الديمقراطية لجماعة الأخوان المسلمين والذي طاول معظم مستويات العمل السياسي، أهدافاً وآليات ووسائل، وأيضاً التراجع اللافت للحسابات القومية عند معظم الأحزاب الكردية السورية وتقدم همومها الوطنية ومهامها الديمقراطية بعد انتخاب جلال طالباني رئيساً للعراق.

رابعاً، أن الوحدة الموضوعية على هدف التغيير الديمقراطي، لا تخفي، أبداً، الواقع المشتت فكرياً لقوى المعارضة السورية، وغالباً إخفاقها في توحيد إيقاع ممارساتها السياسية. ولعل الإشكالية الأهم التي لا تزال تؤثر بمواقف هذه المعارضة وتصوغ اصطفافاتها هي علاقة الداخل والخارج في عملية التغيير الديمقراطي. وقد ظهر للعيان مدى عجز الفكر المعارض عن إحداث قطيعة معرفية مع أفكار الماضي وتصوراته الإيديولوجية، خاصة لجهة تأخره في قراءة جديد العلاقة بين الوطني وبين الإقليمي والعالمي. فرغم مرور زمن غير قصير على انهيارات الدول الاشتراكية وما خلفته من دروس وعلى ثورة الاتصالات وتعزز مكانة العولمة الاقتصادية وانتشارها في حقول السياسة والثقافة، ثمة من لا يأخذ في الاعتبار المعنى الحقيقي للقول بأن العالم أصبح قرية صغيرة ويستمر في الترويج لأوهام الماضي عن السيادة والاستقلال كصورة من صور الانعزال التام عن الغرب الرأسمالي، متوهماً أنه يتمكن برؤيته الأيديولوجية من بناء أسوار حديدية يتحصن خلفها.

الحقيقة أن العلاقة بين الداخل والخارج أخذت أبعاداً جديدة بعد التحولات الكبرى التي عرفتها البشرية في العقدين المنصرمين. فبقدر ما ازداد حجم انتقال السلع والناس والرساميل والتقانة والمعلومات وتحررت الثقافة والأفكار من العبء الأيديولوجي بقدر ما اختصرت المسافات وضعفت الحدود والموانع الذاتية بين الدول، ليتحول العالم من غلبة منطق الخصوصية والسيادة إلى غلبة المنطق الكوني العام وتفاعلاته، ولتحتل العوامل العالمية أسبقية ملموسة في تقرير نتائج الأزمات الإقليمية والصراعات الوطنية. وبات سير الأحداث ونتائجها يتوقف إلى درجة كبيرة على مدى حضور الإرادة العالمية وطابع قراراتها. حتى ذهب البعض إلى اعتبار ما يحدث من تطور في شبكات الاتصال والتفاعل الكثيف بين المجتمعات يسير نحو إلغاء حدود الدول ويؤدى إلى ظهور مجتمع عالمي واحد، لعل أحد تجلياته بروز تيارات سياسية تنادي بواجب التعاون العالمي لردع أسباب الاضطهاد أينما كانت، ونصرة المشروع القيمي الإنساني العام.

أن ضعف المعارضة السورية وحضور قراءات مشوهة أيديولوجياً لعلاقة المسألتين الوطنية والديمقراطية أكرهها على الوقوف أمام خياري قوة، السلطة أو الأمريكان. وطالما من الصعب الاستقواء بمشاريع واشنطن للإصلاح بعد احتلال العراق وفي ظل السياسات الأمريكية المنحازة ضد الحقوق العربية المشروعة، كان السائد والحال القائمة هو مناشدة السلطة وتكرار المناشدة دون ملل أو كلل من أجل التغيير. بل تذاكى بعض المعارضين السوريين في التهويل من خطر المشاريع الخارجية بصفتها ضرراً عاماً سوف يلحق بالجميع، لعلها تخيف السلطة وتقنعها كي تحث الخطى للسير في عملية الإصلاح السياسي.

خامساً، مع الأخذ في الاعتبار الهامش المحدود لنشاط المعارضة في بحر السنوات القليلة المنصرمة، ونجاحها مراراً في النزول الى الشارع وتكرار اعتصامات رمزية وتجمعات احتجاجية محدودة، فهي لا تزال عاجزة عن التواصل والتفاعل مع القطاعات الاجتماعية المختلفة وبصورة خاصة الأوساط الشبابية صاحبة المصلحة الأعمق في التغيير الديمقراطي. ويبدو إن فصائلها لا تزال تفتقر عموماً الى طرائق ناجعة تعيد إحياء وعي المواطن ودوره، ولنقل الى آليات تحرره من الخوف وتساعده على تجاوز روح السلبية واللامبالاة. ومثل هذا الأمر ربما يرجع الى سبب مزدوج: فمن جهة نجاح السلطة في خلق هوة كبيرة بين الناس والسياسة يصعب ردمها بسرعة، ومن جهة ثانية حضور أزمة من الثقة بين فصائل المعارضة وجمهرة المواطنين خلقتها أسباب تاريخية متنوعة لم يصار الى معالجتها أو على الأقل التخفيف من أثارها.

أخيراً، يجب الاعتراف بصراحة وجرأة، إن قوى المعارضة السورية وإن ظهرت على السطح، ليس بفعل قوتها ووزنها وعزم حضورها، بل لملء الحيز الذي تركه النظام في سياق إعادة صياغة علاقاته، كسلطة مع المجتمع ومع العالم فإنها اليوم صارت واقعاً جديداً، وصار بالإمكان الحديث، بصوت مسموع عن قوى معارضة في سورية، بدأت رغم ما يعتريها من أمراض ورغم ضعفها ومحدودية دورها وتأثيرها، تشكل موضوعياً رد الفعل السياسي الطبيعي على واقع الحياة الشمولي والأحادي الذي عرفته البلاد خلال عقود. بل صار يشار إليها بالبنان بأنها صاحبة مبادىء التعددية وحرية الرأي والتعبير واحترام حقوق الانسان. وربما لن تتأخر في نفض الغبار عن دورها وتصحيح التشوهات التي تكتنف خطابها السياسي وآليات ممارساتها بما يجعلها الرقم الفاعل في الراهن السوري ومستقبل تطوره الديمقراطي.

شفاف الشرق الأوسط

لقاء المعارضة السورية في واشنطن: انتهى زمن الحوار

لقاء المعارضة السورية في واشنطن: انتهى زمن الحوار

سي.ان.ان

دبي، الإمارات العربية: أعرب رئيس " التجمع من أجل سورية " المعارض الدكتور محمد الجبيلي عن أمنياته في أن يأتي التغيير المطلوب لمصلحة سورية، من داخلها، و بشكل سلمي، و دون أي تدخل خارجي. و عاد وتراجع الجبيلي مشككا في حصول هذا الأمر. وق ال في حديث لـCNN بالعربية عبر الهاتف من واشنطن "أشك بذلك.. و لا أعتقد أن هذا سيحصل".

و قال الجبيلي أن النظام السوري " يراهن على نظرية أن الغرب لم يتخذ القرار بتغييره بعد "، رغم أن الدلائل تشير عكس ذلك أميركيا و أوروبيا، على حد قوله.

كلام الجبيلي جاء عقب لقاء جمع في واشنطن أحزابا سورية و قوى سياسية معارضة يومي 18 و19 يونيو(حزيران) تم خلاله انتخابه متحدثا رسميا باسم " المجلس الوطني السوري" الذي انبثق عن لقاء المعارضة.

و فشلت قوى المعارضة في التوصل إلى صيغة الوقوف بوجه النظام و إسقاطه، رغم أن ذلك كان المطلب الأساسي للمجتمعين. إلا أن الجبيلي قلل من ذلك الأمر، مشيرا إلى أنهم اتفقوا على النقاط الأساسية و أهمها " ضرورة تخليص سورية من النظام الفاشي الديكتاتوري الذي ارتكب جرائم بحق الشعبين السوري و اللبناني". و قال المعارض السوري ، أن التيارات السياسية التي شاركت في اللقاء اتفقت على أن النظام السوري الحالي أغلق أبواب الحوار، " فوقت الحوار قد انتهى، خصوصا بعد مؤتمر حزب البعث الأخير، حيث اعتقدنا أنهم سيتركون مجالا للتفاوض، إلا أنهم على العكس عمدوا إلى تعزيز نظام المخابرات، و انتهاك الحريات التي كان آخرها اقفال منتدى الأتاسي".

و عن سبب اختيار المعارضة للعاصمة الأميركية، واشنطن، مكانا للاجتماع، و عما إذا كانت تحظى بدعم سياسي أميركي، خصوصا أن المسؤول في وزارة الدفاع الأميركية السابق، ريتشارد بيرل، حضر اللقاء، نفى الجبيلي ذلك بشدة، مؤكدا أن " المعارضة تختلف مع وجهة نظر بيرل السياسية أو الفلسفية لتغيير نظام الحكم في سورية".

و شرح المعارض الاختلاف بين وجهة نظر تجمع المعارضة و الإدارة الأميركية الحالية بقوله " ريتشارد بيرل و الأميركيين يؤمنون بأنه يجب تغيير هذا النظام السوري الحالي بأي شكل من الأشكال، أما وجهة نظرنا، فنحن لا نريد عراق ثانية، و نريد التغيير من الداخل، و نؤمن أن الشعب السوري قادر على تغيير هذه السلطة من دون تمزقات طائفية."

و في حال فشلت جهود المعارضة في إحداث تغيير سلمي، يرى الجبيلي أن الخطوة التالية ستكون من خلال " الدعوة إلى ممارسة ضغوط أجنبية سياسية و اقتصادية من أجل دفع هذا النظام إلى التغيير الحاسم و الكامل، أي إلى تغييره برمته."

و عن مستوى اللقاءات القائمة بين المسؤولين الأميركيين و المعارضة السورية، قال الجبيلي، الذي يحمل الجنسية الأميركية " الإدارة الأميركية تلتقي مع المعارضة السورية الموجودة في الداخل و الخارج. و أنا كمواطن أميركي أملك الحق في طرح كل القضايا أمام الكونغرس و وزارة الخارجية و البيت الأبيض."

أما عن اختيار اللحظة السياسية لإطلاق تحرك المعارضة، فقال " هناك تغيرات في المجتمع السوري ، لأول مرة تجرؤ منظمات حقوق الإنسان على انتقاد ممارسات النظام". و أضاف " كما اعتقدنا أن العلم الأخضر الذي رفع في لبنان سيكمل مسيرته نحو سورية، إلا أن ما حصل هو أن شعور النظام بالخوف بعد انسحابه من لبنان بذاك الشكل، جعلتهم يتجهون نحو قدر أكبر من القمع، بدل الاعتراف بالجرائم التي ارتكبها النظام بحق لبنان."

و شكك في مصداقية جهات تعتبر نفسها معارضة من داخل سورية، معتبرا أن المجموعة التي تسمي نفسها " الحزب الليبرالي " هي أحزاب مشكك في أمرها و لقد تم إرسالهم لواشنطن من قبل النظام السوري في إطار عملية اختراق سياسية، للتعرف إلى نوعية المعارضة السورية في الخارج."

كما نفى الجبيلي وجود أية علاقة بين " التجمع من أجل سورية " و لقاء المعارضة من جهة، و بين شقيق الرئيس السوري الراحل، رفعت الأسد، الذي يعيش في المنفى حاليا، بل وصفه بأنه " المسؤول عن جرائم كبيرة معروفة من سورية، و هو مرفوض من كافة الشعب السوري".

و اتهم الجبيلي، المتحدث باسم لقاء المعارضة السورية النظام الحالي " بارتكاب رموزه جرائم عديدة ".

و شدد على انه بعد اصدار واشنطن قرار تجميد أرصدة رئيس جهاز الأمن و الاستطلاع السابق في لبنان رستم غزالة، و وزير الداخلية غازي كنعان، " فهناك قائمة طويلة سوف تسمي أسماء كثيرة مثل رفعت الأسد وبهجت سليمان وعلي ديب و غيرهم".
و أضاف " لدينا قائمة كبيرة سوف نقدمها و وثائق تاريخية تثبت تورط هؤلاء في سرقة الشعب السوري و ابتزازه، و جرائم الحكم العسكري المجرم القاتل".

و أضاف: " قدمنا وثائق تاريخية و هي قيد الدراسة، و نحن الآن نسعى إلى تجميع وثائق تاريخية تثبت تورط هؤلاء في سرقة الشعب السوري و ابتزازه، و جرائم الحكم العسكري المجرم القاتل، ليصار إلى ضمها إلى تلك التي نملكها حاليا، و هي موجودة ضمن الأرشيف السياسي في الكونغرس و الإدارة الأميركية و الإدارات الأوروبية."

و طالب الجبيلي بمحاكمة المتهمين من رموز النظام الحالي في محكمة دولية، "لأنهم ارتكبوا جرائم ضد الشعب السوري، و هذه حقوق الشعب السوري،" على حد قوله.

و سوف يعقد القائمون على لقاء المعارضة مؤتمرا صحفيا الأربعاء في واشنطن للإعلان عن ولادة "المجلس الوطني السوري و عن خطواتهم المقبلة.

الانحلال حلاً: تأملات لا عقلانية في الشرط العربي

الانحلال حلاً: تأملات لا عقلانية في الشرط العربي

ياسين الحاج صالح

السفير

القراءة السياسية للأوضاع العربية الراهنة لا تعطي أفضل فهم لها. ولا القراءة الاقتصادية والاستراتيجية والجيوسياسية. ولا مجمل القراءات الموضوعية العقلانية. قد يكون أنسب مقترب من أحوال العرب المعاصرين مقترب يرى أننا نمر في زمن أصلي معكوس، زمن رث، لا تأسيسي، غير حقيقي. سواء كان سابقا للتأسيسي، أو ناجما عن فشل صنع تأسيسية جديدة عربية أو يشارك فيها العرب، تطلق تاريخا قويا وحقيقيا. حداثتنا زمن خفيف، وكيل، سلسلة من الحركات الغامضة المخفقة. الفروق بين ما يبدو مهما وما يبدو تافها منها اقل مما يفرقها عن الحركات الواضحة الفاعلة في الغرب. مناسب، على أية حال، تجريب هذا المنظور. قد نسميه منظورا رمزيا أو حضاريا او لاعقلانيا.
مثل غيرها لا تعطي هذه القراءة أفضل فهم (ليس هناك قراءة تعطي أفضل فهم)، لكنها تساعد على إضفاء النسبية على القراءات الأخرى جميعا. ما قد يسوغ هذه النظرة ان التاريخ العربي المعاصر هو تاريخ مشتق من غيره، فاعلوه ليس من ينسب إليهم، اي العرب. هذا التاريخ لم يؤهل أطرا تراكمية جديدة، ولم يحقق قطائع خلاقة مع قديم، ولم يبدع تأسيسية جديدة، لم يحسم أمرا.
ضمن هذا المنظور يكون صدام حسين رمزا سلبيا للسلطة وليس رجل دولة، وفي الوقت نفسه ضحية لخداع الغرب. قد يكون أنور السادات قوة ثانوية لم تع أن الفشل محتوم، وأن كل نجاح مزور وغير حقيقي، وأنه مثل صدام ضحية أخرى لخيانة الغرب، وأن فشل جمال عبد الناصر هو جزء من فشل أوسع، فشل أي مسعى آخر لأن النجاح ممنوع. ربما يناسب أن نعتبر جهد ناصر حركة غامضة مخفقة قد يضيؤها ما بعدها من نهوض محتمل بعد قرن أو قرنين.
اليوم هناك زمن أصلي فقط في الغرب. وهناك معان قوية وتاريخ أصيل فقط في الغرب. وهناك صناعة للكينونة فقط في الغرب، مهما أمكن لهذا التعبير أن يكون متناقضا. مقابل ذلك نحن نعيش وجودا وكيلا، مخلع الأركان، ضعيفا.
التغييرات المؤثرة في الوجود العربي مصدرها الفاعل الأصيل الوحيد في عالم اليوم، الغرب. هذا أيضا جزء من قدرة أوسع: فوسع مصدر تعويق تغيير اختراقي حقيقي هو، أيضا، الغرب. من 1798 حتى أيار 1948 وحزيران 1967 ونيسان 2003، ثمة تاريخ ازاداد تعقيدا وعنادا على المقاربات العقلانية. العقدة هي شيء له أسباب، لكنه لا يزول بمحض ارتفاع الأسباب. فقد احيت لنفسها جذورا قديمة، منذ ظهور الإسلام والحروب الصليبية، وربطت ذاتها بقوى وعادات ومصالح راهنة. العقدة تزول بقطعها بالسيف أو ما يشبه ذلك. العقدة الغوردية هي العقدة، نموذج لكل عقدة.
التفاعلات المعقدة لكل من السلطة والغرب والإسلام في بلادنا ربما تحتاج إلى قرن أو أكثر لتنفتح على حلول خصبة (تمر بانحلال محتوم، كما سنلمِح، تحت). نحتاج إلى كثير من الشجاعة واليأس كي نقول ذلك. ولسنا، ربما، أحوج إلى شيء أكثر من اليأس البناء كمؤهل إعدادي للعمل العام في بلادنا. أعني باليأس البناء العيش للعمل دون تعويل على الثمار، أو الخروج عن رق الكائنات وقطع جميع العلائق والأغيار، حسب تعريف الجرجاني للحرية عند أهل الحقيقة، المتصوفة.
القوى الثلاث المذكورة تطفو اليوم، ومنذ قرابة عقدين، على السطح: كانت الحرب الباردة قد غطست الطرف الغربي، ونصبت دونه سياجا؛ وكان المشروع القومي العربي قد غطس الإسلام، غطس كذلك السلطة. انتهت الحرب الباردة وانهار السياج وتدفق الأميركيون، الطليعة المحاربة للغرب. وتفكك المشروع القومي لعنصرين: قوة بلا معنى جنحت أكثر وأكثر لأن تكون مطحنة للبشر، ومعنى بلا قوة جنح إلى التطابق مع الإسلام أكثر وأكثر.
الكل الآن فوق الماء. خارج هذا الثالوث ليس ثمة غير تسويات غير مستقرة وطرق ثالثة وتوفيقيات لا تنجب حرية ولا تعبر عن حرية. أية تسوية، اليوم، بين السلطة والغرب تثير سخط الإسلام فيتفجر عنفا. واية تسوية بين السلطة والإسلام تثير عداوة الغرب خشية أن تؤسس لاستقلالية حقيقة في مجالنا. واية تفاهم بين الغرب والإسلام يثير حنق السلطة فتختطف المجتمعات المحلية رهائن. هل يمكن إنجاز تسوية تاريخية كبرى بين الإسلام والغرب والسلطة؟ لا يمكن. الخيارات الحقيقية المتماسكة (الغرب، الإسلام، السلطة) غير مقبولة، وما قد تبدو خيارات مقبولة وعادلة (تسويات ما بينها) ليست خيارات بالمرة. غير متماسكة خصوصا. هذه مأساة الخط الثالث: هو الأصلح والأعدل لكنه ليس خيارا متماسكا حقيقيا. يفتقر إلى إمكانية الوجود. الأصح ان نقول الخط الرابع. كيف يمكن للمرء أن يكون ضد الأميركيين وضد نظام صدام حسين دون ان يجد نفسه إسلاميا؟ كيف يكون ضد الإسلاميين والسلطة في سوريا دون أن يجد نفسه اميركانيا؟ لا يمكن. ليس هناك خط رابع حاليا. هناك خطوط ثلاثة لا غير: الإسلام (هوية: دمج بلا فروق، وإقصاء بلا شراكة)؛ السلطة (حاضر مطلق بلا مشروع وبلا تاريخ، وقوة بلا معنى)، الغرب (تجديد وتهديد، حضارة وهيمنة، تفوق بمعنيين: اسبقية وطلب تبعية، أو مثال وسيطرة).
وما لا يمكن الآن في جيل أو جيلين او عمر إنسان، قد يغدو ممكنا بعد آنات وأجيال واعمار. عمران أو ثلاثة. يكون البترول قد انتهى، ويكون الغربيون قد خف شعورهم بالذنب حيال اليهود، ويكون الإسرائيليون قد قتلوا من العرب ما يكفي لمساعدة الغربيين على التخفف من ذنب الهولوكوست؛ يكونون كذلك قد أكدوا ذاتهم بعد طول ذلة ومسكنة واستعادوا ثقتهم بأنفسهم تدفعهم نحو الاعتدال، يكونون، أخيرا، قد تأكدوا من عجزهم عن إخضاع العرب نهائيا، وانكشفوا قوة مثل غيرهم تحركهم الدوافع ذاتها. تعلمنوا وفقدوا استثنائيتهم.
المواجهة، اليوم، تعيد تشكيل كل من هذه الأطراف مبرزة خواصها الحربية العدوانية، ما يجعلها غير صالحة للاستناد إليها من أجل نهضة حقيقية للمنطقة وشعبها. تراجع المواجهة، وحده، هو الذي يمكن من الاستفادة من هذه الأطراف. الدعوة إلى الاستفادة من الغرب المتقدم والحر متهافتة حين يكون الغرب مهددا وعدوانيا. مسعى البناء على الإسلام الضامن لاستقلالنا واهي الأساس حين الإسلام منكفئ على الهوية أو منخرط في حرب متعددة الأشكال. إصلاح السلطة المطلقة عسير حين تكون حلا لمشكلات لا تنفتح على أفق نسبي. المشكلة أن الغرب والإسلام والسلطة حلول. حلول جزئية، مؤقتة، غير شاملة وغير عادلة، لكنها حلول شاملة وكاملة وعادلة ودائمة للبعض. فالحل الجزئي لمشكلة من وجهة نظر المجموع هو حل شامل من وجهة نظر البعض. وهكذا. هذه هي المشكلة. انتهاء المواجهة، وتاليا تحلل الأطراف، هو الشرط المسبق لبلورة خيار متماسك مختلف عنها جميعا. ولظهور إرادة مستقلة. هي اليوم متماسكة لا تترك مجالا لخيار مختلف. ولا لإرادة حرة.
انعدام خيارات أخرى، اليوم، ليس مسألة ثقافية أو فكرية، ليس مسألة اهتداء إلى خيارات أخرى أو اقتناع بها. إنه مسألة افتقارنا إلى إرادة مستقلة، تختار لنفسها دون أن تنقسم على نفسها. إذا اخترنا اليوم ننقسم، إذا اخترنا الإسلام ننقسم، وإذا اخترنا الغرب ننقسم، وإذا اخترنا السلطة تقسمنا هي. السلطة تقنع عجزنا عن الاختيار وتكرسه في الوقت نفسه. تظهر استقلالا، لكنها تفاهة مخيفة فحسب. نبقي على بعض وحدتنا بعدم الاختيار. نمنح بذلك زمام الاختيار والمبادرة وتقسيمنا للغير. ونرتاح. فعل الغرب في العرب مقبول، رغم فداحته، أكثر من فعل العرب في بعضهم. الغرب يخفي فاعليته بارتفاعه إلى مستوى القدر. قدر عبيده.
نعود لنقول إن أصل غياب الخيارات هو غياب القدرة على الاختيار. لو استطعنا أن نختار الغرب او الإسلام أو السلطة لاستطعنا أن نختار غيرها. لكننا لسنا مختارين. حيث يكون العالم تصورا لا يكون إرادة مستقلة، وحيث يكون إرداة لا يكون تصورا موحدا. حداثتنا فصام أصيل.
المشكلات التي لا تقبل حلا عقلانيا لا تمتنع على انحلال وفساد، بمعنى استحالة وانمساخ، وبمعنى تفكك وتفسخ. ومن لا يحل مشكلاته يتحلل هو، تتحلل إرادته ويتحلل تصوره لذاته. هذا لا مناص منه من أجل إرادة وتصور جديدين. جلي أن صورة العرب الموروثة عن الخمسينيات والستينيات وإرادتهم التي نسيمها أحيانا المشروع القومي العربي، كفا عن كونهما صالحين لتسديد خطى العرب الأحياء الملموسين. تحللهما والتحلل منهما خطوة في سياق ينفتح على تأسيسية جديدة، توحد تصور الذات واستقلال الإرادة، وتندمج قدرتها على الاختيار مع قدرتها على بناء خياراتها.
هذا مقترب لا عقلاني، حضاري بمعنى ما. للمقترب العقلاني عيوب ظاهرة حين يرد العلاقة بين القوى المذكورة إلى موازين قوى ومصالح وخطط عقلانية. هذا لا يكفي ولا يقنع.

كــــــلام عـــلـى هـــــيــــبـــة الــــدولــــة

كــــــلام عـــلـى هـــــيــــبـــة الــــدولــــة

سوّغ مسؤولون أمنيون سوريون اعتقال أعضاء مجلس الإدارة في منتدى الأتاسي خلال الأسبوع الأخير من شهر ايار الفائت بأنهم مسّوا بهيبة الدولة، وبأن من الضرورة استعادة هذه الهيبة وفرضها على المشككين فيها. هيبة الدولة أمر مهم بالفعل. فالدولة الفاقدة الهيبة فاقدة ركناً اساسيا من اركان سلطتها وقدرتها على الحكم. وتدهور هيبة الدولة السورية أمر واقع بالفعل أيضا. وهو يستوجب معالجة سريعة وفعالة. لكن ما هي هيبة الدولة؟ وكيف حصل ان تدهورت هيبة الدولة في سوريا خلال الأعوام الأخيرة؟ وكيف يمكن استعادتها؟ سنناقش هذه الأسئلة لراهنيتها السياسية ولأنها مهمة لترقية الوعي المدني وحس المواطنة والدولة.

الرهبة والاحترام

ينطوي مفهوم هيبة الدولة على عنصرين، أولهما الرهبة والخشية، اي ما تبثه الدولة في نفوس الناس من شعور بالوجل والتهيب يمنعهم من تحديها أو انتهاك نظامها، وهذا ما يثبته اقتناعهم بأنهم إن فعلوا سيلقون عقابا رادعا. وقد تسعفهم ذاكرتهم بأمثلة من هذا العقاب في كل مرة تم التعدي على حرمة الدولة. العنصر الثاني هو الاحترام، اي الشعور بالتقدير لأفعال الدولة، وهو شعور ينبعث من التزام هذه الأفعال قيما وقواعد مطردة، ومن خدمة هدف عام يتعدى مصالح القائمين عليها. فالاحترام مرتبط بالقانون. العقاب نفسه حين يكون منضبطا بقانون وساريا على جميع الحالات المشابهة يبعث الاحترام في النفس. اللااحترام في المقابل مرتبط بالاستثناءات والمزاجية والاعتباط.

الفرق بين جهاز أمن وعصابة متوحشة من قطاع الطرق، أن الأخيرين مخيفون فحسب، فيما يفترض ان اجهزة الأمن مهابة، هدفها المتضمن في اسمها هو صون الأمن، وعنفها يخضع لمنطق مستقر لأنه عنف دولة. غياب هذا المنطق يمحو الفرق بين الدولة واجهزتها وبين العصابات. إلى ذلك، فإن الفرق بين الدولة وكل مجموعة من المواطنين أو كل طرف اجتماعي في عينه (حزب سياسي، طائفة، عشيرة، جماعة دينية أو إثنية) أن الدولة تمارس عنفا منظما، متجردا من الحيثيات الشخصية لكل واحد منا، لكنه متصل بما ارتكبناه من أفعال خارجة على القانون، ومتجرد أيضا من حيثية الحاكم وأعوانه، غير مهين، وهو أيضا عنف محتكر، لا يسمح لأحد غيرها ممارسته؛ عنف الدولة لكل ذلك عقلاني، مقنن، وغير مسفوح في كل مكان، ولا يثير دوافع ثأرية؛ فيما عنف المواطنين او الأطراف دون الدولة شخصي، مهين، غير مقنن، ومثير للدوفع الثأرية. الفرق ليس في كمية العنف بل نظامه ونوعيته. فقد يكون، وغالبا ما يكون، عنف الدولة اشد من عنف غير الدولة، لكن عنف الدولة ممركز، منضبط، خاضع للقانون.

قد نخاف من عصابة لكننا لا نحترمها. وقد تكون العصابة مخيفة لكنها لا يمكن أن تكون مهيبة. فهي تمارس العنف لمصلحة أفرادها بينما تمارس الدولة العنف لمصلحة مواطنيها. عنف الدولة، بكلمة واحدة، عادل مبدئيا.

الدولة المهيبة تقمع لكنها ليست قمعية. الدولة العاجزة عن القمع، في المقابل، لا يمكن أن تكون مهيبة. أما الدولة القمعية فحسب فتكون مخيفة ومكروهة، فحسب.

مرت الدولة السورية بعهد كانت عاجزة فيه عن القمع، مرحلة ما بين انفكاك الوحدة مع مصر في ايلول 1961 والانقلاب البعثي الأول في آذار 1963. كانت الدولة ترى عسكريين من كل صنف يسنّون سكاكينهم لقطع رقبتها من دون أن تقدر على فعل شيء. في النتيجة خسرت هيبتها، وكان ذلك وجها من وجوه انهيار طبقة أعيان المدن التي حكمت سوريا بعد الاستقلال. مرت الدولة كذلك بمرحلة غلب فيها عنصر الاحترام على عنصر الخوف، عهدَي شكري القوتلي قبل 1949 وبعد 1954. وعرفت عهودا انقلابية غير متوازنة غلب فيها الخوف على الاحترام. وحاول الديكتاتور أديب الشيشكلي منح نظامه الاحترام بأن اسس حزبا سياسيا (حركة التحرير العربي) واصطنع لنفسه إيديولوجيا قومية. وكان عهده المتأخر أول عهد تعرف فيه سوريا نظام الحزب الواحد قبل عهد الوحدة والثالث الثابت البعثي.

"هيبة" بلا دولة

سنلاحظ إن دققنا في تاريخ الدولة السورية في عقود الحكم البعثي، ان المكوّن القمعي لهيبة الدولة أقوى وأكثر حضورا من المكوّن المعنوي والقانوني. هذا ينطبق في صورة خاصة على ربع القرن الأخير من القرن العشرين. كانت الدولة مخيفة ورهيبة وليست مهيبة. وقد فشلت في منح معنى اجتماعي أو وطني متماسك ومقنع لعنفها في تلك الفترة، سواء اثناء ممارستها له او بعد إلحاقها الهزيمة بخصومها الداخليين. لا يبتعد المرء عن الإنصاف إن قرر أنه كان عنفا منفلتا، عشوائيا، حقودا، مفرطا، تداخلت فيه حيثيات ممارسي العنف وحيثيات الذين مورس ضدهم العنف، وتم فيه تعمد الإهانة والإذلال، واندمجت فيه من دون أدنى ريب عناصر أهلية. كان عنفا غير عادل. وحتى لو سلّمنا بعدالة تلك المعركة، فقد كان يمكن النظام الذي يحتل موقع الدولة ان يخوضها وأن يفوز فيها بعنف أقل وأكثر انضباطا وتجردا في آن واحد. وفي الخصوص بعنف يعتمد على الدولة وحدها من دون مزجه بعنف أهلي (حزبي وميليشيوي). كانت النتيجة "أهلنة" الدولة ونزع صفتها العمومية، وبالطبع هيبتها. كان الناس يخافونها، وأي خوف! هل كانوا يحترمونها؟ هذا مجادل فيه كثيرا. خلال تلك الفترة كانت سوريا دولة قمعية وليست دولة تقمع.

لم يكن هذا فاتحة الأضرار التي اصابت هيبة الدولة، لكنه كان كارثيا إذ أتى على الدولة نفسها وحطمها. إنه لأمر مناف للعقل، بالطبع، ان تصان هيبة الدولة بتحطيم الدولة نفسها. في السياق هذا تم تدمير فكرة القانون وتحكيم الاعتباط في حياة الناس اليومية. عقد الثمانينات كان مظلما لهذا السبب بالذات، وليس فقط لأن الألوف قُتلوا والألوف سُجنوا والألوف عُذّبوا. الاعتباط والخوف يفككان المجتمع. الناس يخافون من بعضهم فيبتعدون عن بعضهم وينكفئون على انفسهم. ويسعى كل منهم، كل فرد وكل اسرة وكل عشيرة وكل جماعة، أن ينجو بنفسه ويصل حباله بمن يفيد وصل الحبال معه وليس مع جيرانه وشركائه. المجتمع السوري انهار لأنه لا يقوم مجتمع على كثير من الخوف وقليل من الاقتناع والاحترام. كان دالا أن السلطة نفسها لم تطالب الناس بأن يحترموها. طلبت منهم أن يحبوها. لكن الإنسان يكذب إن زعم أنه يحب من لا يحترم. وهو يكذب لأنه يخاف، وهو يخاف من شيء مخيف، نازع للأمن، يشعر انه لا يحبه ولا يحترمه. واضطراره للكذب وخوفه يجعلانه يفقد كرامته واحترامه لنفسه.

فقد الناس احترامهم للدولة لأنها لم تكن تحترمهم، ولأنها أفقدتهم حبهم واحترامهم لأنفسهم.

رجال غير محترمين

ثم جاء "الفساد". لقد ثبت ان صناعة الخوف مجزية ماليا. استولى المخيفون على الدولة وعلى المال العام والثروة الوطنية. ولم يكن أحد يجرؤ على الاعتراض. المخيف يسرق والخائف يسكت.

تغيرت الحال الآن قليلا: المخيف تحول من السرقة إلى النهب غرفا، والخائف يتجرأ على الكلام.

في الأشهر الأخيرة تحدث الناس عن رئيس وزراء سابق خسر مليار ليرة سورية حين أفلست إحدى الشركات. وقالت مراسلة الصحيفة الإلكترونية التي أوردت المعلومة إنها تلقت هواتف تهدد وتتوعد. قيل إن الرجل نفسه هرّب 100 مليون دولار من أمواله إلى الأرجنتين. وتداول الناس أخبارا عن رجل مات وتخاصم ورثته، فتكشف أنه يملك 5,4 مليارات دولار، أي أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي لأي عام من الأعوام القليلة الماضية وقرابة ثلثي موازنة الدولة. وتحدثت الأخبار ان من أملاكه 200 كيلوغرام من السبائك الذهب، و100 كيلوغرام من المجوهرات، وصناديق ملآى بعملات متنوعة، و180 عقارا في داخل البلاد وخارجها، وأموالا في فرنسا توشك أن تضيع بسبب خلاف الورثة على التركة. ولم يعرف عنه أنه كان صناعيا ولا تاجرا ولا مزارعا، كان "أخا" فحسب. قيل كذلك إن رئيس إحدى المحاكم الاستثنائية كان يضبضب امواله ويبيع مزرعته القريبة من دمشق، وفيها قصر، ويجري من تحتها النهر الأعوج. وقال كثيرون إن محاكمات قضية انهيار سد زيزون كانت أسوأ من انهيار السد نفسه لأنها عاقبت البريء وبرأت المذنب. ومل السوريون من الكلام على ثراء متنفذ وصاحب شركة للهاتف الخليوي. ولا يزال نائب في السجن بسبب ما يعتقد كثيرون أنه إثارته للموضوع. والحديث عن اساطيل سيارات المرسيدس المسدلة الستائر أمام فيلات "المسؤولين" أعدل الإشياء قسمة بين السوريين.

قد يكون في كل ما سبق شائعات، لكن في شائعات السوريين قلة احترام أكيدة للمشاع عنهم، حتى لو لم يكن مضمون الشائعات نفسها دقيقا دوما.

المشترك بين جميع هذه القصص ان اصحابها اثرياء سلطة، أو لصوص دولة سرقوا مال الشعب السوري لأنهم أقوى منه وقادرون على التنكيل به. والسوريون مثل غيرهم من الناس لا يحترمون اللصوص حتى لو كانوا يخافونهم.

هذا الضرب من خصخصة الدولة ايضا ضرب هيبة الدولة وقلل من احترام الناس لها. ومن جانبهم هؤلاء "المسؤولون" لم يُسألوا عن شيء، ولم يبادر أحدهم للظهور على التلفزيون أو يكتب مقالا في الصحف ينفي ما يقال عنه أو يقدم براهين على براءته. ومن جانبها، الدولة لم تسائل أو تحاسب أحدا منهم أو تطالبه بإثبات براءته.

من حفر حفرة لأخيه...

هكذا ضاعت هيبة الدولة. ضاعت لأن عنصري هيبة الدولة تراجعا معا. فلم تعد الدولة قادرة على إرعاب مواطنيها بطريقة الثمانينات، ولم تتحول نحو مفهوم متوازن للهيبة يعيد الاعتبار الى عنصر الاحترام فيها. هذه مشكلة العهد الحالي. لا يستطيع لأسباب عديدة أن يحكم على نهج سلفه، ولم يحاول أن يبلور لنفسه نهجا جديدا. بل حفر لغيره حفرة وقع هو فيها: حفرة الاستقرار والاستمرار. كان أنصح له لو أدرك ان الاستقرار يحتاج إلى قطيعة لا إلى استمرار، وان الاستمرار المحض بات نازعا للاستقرار. وإذا شئنا الدقة فإن ربط الاستقرار بالاستمرار فخ نصبه المتنفذون الأشد فسادا لعهد كانوا يخشون ان يظهر عزما إصلاحيا حقيقيا، لكن ما أظهره العهد هو براعة متواضعة في تجنب الأفخاخ. فللاستمرار وظيفة إيديولوجية مهمة: التغطية على مصالح غير شرعية بمحاولة انتحال شرعية العهد السابق التي اضفيت عليها القداسة بالضبط لهذا الغرض. فليس غير المقدس يحجب المصالح الأكثر دنسا.

تبددت هيبة الدولة على أيدي اللصوص والمخيفين الذين لا يحترمون أنفسهم ولا شعبهم. لم تضع لأن عددا من المثقفين تجرأوا على نقدها أو تجاوزوا خطوطها الحمر الاعتباطية. في المناسبة، مفهوم الخطوط الحمر غير محترم ولا يبعث على الاحترام. هناك قيم وطنية هي قيم السوريين، وهناك قانون يفترض ان ينتظمهم جميعا. الخطوط الحمر ليست هذا ولا تلك.

استعادة الهيبة

كيف يمكن الدولة ان تستعيد هيبتها؟ بأن تستعيد احترامها. وهذا ما يقتضي معاقبة اللصوص الأقوياء وليس المثقفين الضعفاء، وإحالة السارقين على محاكم عادية أمام قضاة نزهاء وأكفاء، بدلا من إحالة المعارضين على محاكم استثنائية، وتقديم عدالة واحدة للسوريين بدلا من عدالة استثنائية وعزيزة لحماية السلطة، وعدالة مبتذلة وذليلة لا تحمي العامة. ويمكن الدولة إشباع غريزتها القمعية بالقمع الصارم للصوص والمتنفذين. فهذا نوع من القمع يجمع بين بث الخوف لدى مخالفي القانون وإثارة احترام عامة الشعب معا. وهو أيضا النوع الذي يلبي حاجة الدولة الى الهيبة وحاجة المجتمع الى العدالة.

الحال اليوم معكوسة: فعامة الشعب التي لم تنتهك قانونا ولم تعتد على أحد تخاف، أما منتهكو القانون والمعتدين على الناس فهم سالمون غانمون دوما.

تأميم العنف

الدولة القمعية معرضة أكثر من الدولة العادية (التي تقمع في إطار القانون) للتحول دولة عاجزة عن القمع. هذا منقلب خطير. لأن الدولة القمعية العاجزة عن القمع أسوأ حتى من الدولة القمعية المدمنة على قمع مواطنيها. عجز الدولة عن القمع قد يتخذ شكل وكالات قمعية خاصة. لكن خصخصة القمع هذه هي بالضبط النزاع الأهلي. وقطع الطريق على هذا الاحتمال يستوجب من الآن التحول نحو نهج مختلف لهيبة الدولة في سوريا، نهج يقوم على أن القمع وظيفة للدولة وليس الدولة جهازاً للقمع. على "تأميم" العنف وضرب كل مشاريع خاصة لزراعته أو صناعته او الاتجار به أو الدعوة اليه.

والأهم لاستعادة هيبة الدولة استعادة الدولة نفسها، اي كونها مؤسسة عامة تحكم بالقانون وتبرأ من الاستثناءات والاعتباط، ولا تميز بين المواطنين. على أهل الدولة أن يثبتوا أنهم يحترمون مواطنيهم. فمن لا يحترم الناس لن يحترمه الناس .

ياسين الحاج صالح

ملحق النهار الثقافي

«القاعدة» في سورية

«القاعدة» في سورية


عبد الرحمن الراشد


الشرق الأوسط

هم الذين قالت السلطات الأمنية السورية انها اشتبكت مع متسللين متطرفين، ونجمت المعركة عن قتل احدهم كما راح في المواجهة اثنان من القوة السورية. ليست الحادثة الأولى بل بداية معركة مؤجلة بين الجانبين. ظلت سورية بعيدة عن المواجهات مع الأصوليين المسلحين خلال السنوات الماضية ، التي ضربت تقريبا كل الدول العربية الكبيرة. ظلت بعيدة لسببين: أولهما ان الأمن السوري بقبضته الحديدية وسيطرته الشاملة على الأرض حرم هذه الجماعات من أن تطأ اقدامها البلاد. والثاني ان تنظيما مثل «القاعدة» اختار دولا محددة كأهداف فورية وأجل اهدافا أخرى، من بينها سورية.
إلا ان سورية مثل غيرها من الدول العربية تنظر الى التنظيمات كأدوات عمل سياسية ميدانية، وان التحالف معها في فترات، ضرورة وجزء من اللعبة، وهذا صحيح الى حد كبير، حيث استخدمت حكومات المنطقة في الماضي فصائل فلسطينية منشقة وتنظيمات شيوعية وقومية لأغراضها، وبكل أسف نجحت تلك الممارسات التي شاعت في المنطقة. لكن التنظيمات الأصولية مختلفة الهوية لان قدرتها على الاستقلال ببرنامجها والحركة على الأرض تفوق بكثير التنظيمات الأخرى. سورية دخلت في زواج مصلحة على اعتبار ان الجانبين يلتقيان في مواجهة الأميركيين في العراق. ومن اجل محارية العدو المشترك مرت الجماعات المنظمة من خلال سورية أرضا وتمويلا وعلاقات. هنا في ظني بدأت سورية تمر بنفس المركب الصعب الذي عرفته الدول الأخرى.
السعودية كانت تعتقد انها محصنة دينيا، ولهذا تعاملت معهم في محاربة المد الشيوعي في الثمانينات، وسورية اليوم تعتقد انها محصنة أمنيا، لهذا لم تجد بأسا في فتح معابر وتقديم مرشدين لهم للحرب في العراق.
النتيجة غالبا واحدة، وها نحن نرى مظاهرها من خلال المصادمات التي بدأت تشغل بال السوريين. التنظيم الديني الدولي يرى سورية هدفا اساسيا منذ زمن بعيد، وتنظيم الاخوان المسلمين رغم كل بياناته الأخيرة المتبنية للمصالحة، يملك مشروعا واحدا، وهو تغيير النظام وتسلم السلطة، ومهما كانت الهدنة زمنا وموضوعا، فان مشروع الحكم باق في برنامجهم وعقولهم.
أما «القاعدة» فتعتبر سورية، مثل معظم الدول العربية، نظاما كافرا مرفوضا ويجب تغييره بالقوة ، وهي ان نامت معه في نفس الفراش من اجل مقاتلة الاميركيين ، فانها تعتبر نفسها دخلت غرفة النوم وصار لها موطئ قدم. والنتيجة مصادمات جديدة دموية آتية. وهنا يصبح موقف سورية في غاية الصعوبة ، فهي من جانب اما ان تواجه العقوبات الاميركية التي هي في اساسها مشكلة مرتبطة بالعراق، لا لبنان، او ان تواجه «القاعدة»، التنظيم الخطير الذي أثبت انه قادر على زعزعة اقوى نظام، مهما كان محصنا فكريا وأمنيا. والمصادمات الأخيرة مع متطرفين تعني ان «القاعدة» بالفعل بدأت حربها ضد سورية ، بعد ان مرت على مصر والسعودية والجزائر والمغرب.

أن تديـر مفـتاحاً فـــي سـيارة صــحــــبـــة الـقـــــتـــل

أن تديـر مفـتاحاً فـــي سـيارة صــحــــبـــة الـقـــــتـــل


لحظة ذيوع نبأ اغتيال جورج حاوي كنتُ وأحد الأصدقاء نقرأ مقالاً لكريم مروة يحمل عنواناً يقول: "من مهدي عامل إلى سمير قصير". كانت فكاهة سوداء تلك التي أطلقناها صباح ذلك اليوم عندما قلنا: لو انتظر كريم مروة يوماً واحداً كان عَنْوَن مقاله بالآتي: "من مهدي عامل إلى جورج حاوي"!

ليس من رذيلة جديدة نضيفها إلى رذائل القتل حين نقول إنه يجعل من كل ما كُتب قبله كلاماً عديم القيمة. لكن في وسعنا الاعتراف بأنه بات في وسع الشهداء رثاء الشهداء: لنا أن نتذكر ما قاله رفيق الحريري في محاولة اغتيال مروان حمادة، ثم ما قاله سمير قصير في رثاء رفيق الحريري، وبعد ذلك ما قاله جورج حاوي في رثاء سمير قصير، ولا ندري ما قاله (من؟) في رثاء جورج حاوي... إلخ.

كم تبدو انتهازية هذه الـ"إلخ" في موضع كهذا!

الشهداء يرثي بعضهم البعض، ونحن لا نفعل شيئاً سوى أن نقرأ لهم ونستمع إليهم كي نفتش بين كلمات الأحياء منهم على علامة أو إشارة تفيد باقتراب مقتلهم.

أحنينا ظهور القبور بالورود، وأحرقنا جلودها بالشموع، وخنقناها برائحة البخور، والجميع منا يوصي الجميع، في بلاد بات فعل إدارة المفتاح في سيارة فعلاً وجدانياً: تشغيل السيارة والذاكرة معاً، وربما القنبلة.

استئذان

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تحسب حساباً للموت، وتحسب حساباً للانفجار، وللرحيل من دون استئذان.

السان جورج، الأشرفية، وطى المصيطبة... أماكن تحمل اللقب نفسه: موقع الجريمة.

عما قريب قد يصبح اسم لبنان على الخرائط: موقع الجريمة.

أرامل

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تستعيد في لحظة واحدة أعز ذكرياتك عليك، وأن تسامح.

بمن تبدأ الوداع؟ هكذا تسأل نفسك، وتجيب: لا فرق.

في المناسبة، لماذا يقولون زوجة الشهيد ولا يقولون أرملته؟!

ضجيج

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني تشغيل موتور الذاكرة، وموتور الدم، وموتور السيارة في آن واحد.

هكذا في ضربة واحدة - ضربة معلّم - تلهب العالم بالضجيج، وتغادر.

دموع مستعملة

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تتوقع تطاير يديك، وانفجار رأسك، وتقيؤ أحشائك.

الواحد تلو الآخر، الطريقة نفسها في القتل، والحزن نفسه.

من نخسر هذا اليوم؟ نسأل أنفسنا ونختار الأكثر شجاعة بيننا. لا نفعل شيئاً سوى الكتابة، وليس في وسعنا غير ذلك. أحياناً نستعمل الدموع نفسها، ومع كل عملية تفجير ليس من كلمة سوى: وداعاً... وداعاً... وداعاً.

كأنها صباح الخير أو مساء الخير أو كيفك!

مسّاحات معطلة

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تتوقع موتك، ويعني أنهم لم يفاجئوك، ويعني أنك تنتظرهم.

كل يوم الصورة نفسها على هيئة خبر عاجل: كاميرات ترتج فوق أكتاف المصورين، ومراسلون مذعورون أخبارهم مليئة بالهمهمات والدمع، وجثة مستقرة في سيارة منفجرة، أبوابها مفرودة على وسعها كالأجنحة، وأحشاء مبعثرة في المكان، ودماء على الزجاج الأمامي و... المسّاحات معطلة.

تواطؤ

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تساعدهم في قتلك، ويعني أن تتواطأ معهم، وأنك قررت الانتحار.

لا شيء نفعله أمام كل قتل جديد سوى أن نكتب ونتهم. في بلاد تبدو أشبه بصور ناجية من زمن الحرب: الحرب التي عادت حارّة وطازجة بدمائها ودمارها ودويّ قنابلها.

لا وطن يموت بالضربة القاضية، لم يفهم القتلة هذه الحقيقة بعد.

مراثٍ شخصية

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تتدبر موتك بنفسك، ويعني أن تكون وصيتك جاهزة على الدوام، ويعني أنك مستعد.

المراثي نفسها - هي أيضاً مراثٍ شخصية - نقولها لكل من يرحل مع فارق في السيرة الذاتية. ننتظر من هو التالي، فقط كي نرثيه، أو كي نوجه اتهامنا بالسبابة إلى قاتل مفترض.

هكذا بات في وسع المرثية أن تكون عملاً جماعياً، مثلما لم يعد في وسع الموت أن يكون شخصياً إلى هذه الدرجة.

مواعيد

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن أحداً في انتظارك اليوم سيخيب أمله، وأن مواعيد قطعتَها للناس ستتأخر عنها... إلى الأبد.

من المحزن أن يكون القتل مجرد رسالة أمنية مثلاً، ومهما يكن نوعها و"أهميتها". مثلما من المعيب الاعتراف بأننا مللنا مسيرات الشموع، وشارات الحداد السوداء على وجوه صحفنا وجرائدنا، والتفتيش في السير الذاتية، وحمل الورود إلى مواقع الانفجار و... الكاميرات.

وحده الموت لا يحتمل المحاصصات والتسويات.

صحبة القتل

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن أسراراً خبأتها ستغيب معك، وآمالاً أجّلتها ستنفجر معك، وأحزاناً ووجوهاً وذكريات كلها ستندفن معك.

صحبة القتل تعني أيضاً صحبة التوقع. نوع بغيض من الانتظار: أن ننتظر التالي في موته. العيش في هاجس أن أحداً منا سيُقتل في أي لحظة، والإصرار على أن نفوّت على أنفسنا "متعة" المفاجأة، و"راهنية" الفجيعة.

ما الذي يمكن أن نزيده إذاً في كل رثاء جديد سوى السيرة الذاتية؟

تراجع

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن توقف العالم للحظة كي تعيد حساباتك، وكي تفكر في التراجع، وكي تناقش شروطهم... ويعني أن تقرر إدارة المفتاح.

رفقة القتل تعني أيضاً الإحساس الدائم بخواء قريب، ومكان شاغر، وخسارة مستمرة.

لذا نراهم دائماً يتساقطون كالمطر على عيون الكاميرات... يشوّشون الرؤيا، وينسحبون!

تمهيد

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تكون نقطة رمي حيّة، ويعني أنك متهور، ويعني أنك عنيد.

كان قد سبق سلسة القتل هذه سلسلة موت وديع - أصبح كذلك هذه الأيام - لمثقفين وكتّاب وقادة. وقد لاحظ جميعنا وكتب يومذاك عن هجمة الموت التي ضربت نخبتنا، وكم استشهدنا بقول سيدنا ومولانا أبي الطيب: "الموت ضرب من القتل".

هل بالموت يكون التمهيد للقتل؟

شجرة المفاتيح

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك لن تحتاج بعد اليوم باقي مفاتيحك: مفتاح الشقة، مفتاح المكتب، مفتاح الخزانة، مفتاح البوابة الخارجية... أيضاً، علاّقة المفاتيح.

بكل بساطة: أن يكون للقتل مفتاح.

مستقلاً سيارته إلى موته!

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك تلعب في ماكينة الموت، وتركلج من دون قصد أجهزتها، وتوصل أسلاكها، وتشد براغيها، و... تستعملها.

يا رجل، أهذا كله من أجل أن تسافر إلى الموت مستقلاً سيارتك؟

استعداد

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تكون مستعداً لرؤية صورتك مبتسماً على الصفحات الأولى في جرائد الصباح، ولسماع ريبورتاج عن حياتك الشخصية، ولاستيعاب الكم الهائل من اللافتات الكبيرة والصغيرة التي تحمل اسمك تملأ شوارع العاصمة، وقبل ذلك لفهم لغز صورك التي علّقها أصدقاؤك في صالونات بيوتهم.

أكثر مما ينبغي

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تعترف بأنك عشت أكثر مما يجب، وبأنك عشت زيادة عن عمرك، وبأنه حان الوقت لوضع حد لكل ذلك.

عمر الزهور، تعبير غير لائق في حق من يموت بكل ذلك التصميم، وبكل تلك الروعة.

انتخاب الشهداء!

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تفكر في الأعمال غير المنجزة، ويعني أن تندم لتركها ناقصة، ويعني أن تموت مشغول البال.

شهداؤنا المنتخبون، نعم... نعم. كان الناس منشغلين في انتخاب نوّابهم، وكان القتلة منشغلين في انتخاب ضحاياهم.

كان الوقت لانتخاب النوّاب وانتخاب الشهداء.

تهذيب

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنه لن يكون من قلة التهذيب عدم استئذان الآخرين في الرحيل وفي الموت، ويعني أن الذي كان حراً في حياته لا بد أن يكون كذلك في موته.

هل من يسأل: إلى متى تحتمل القبور هذا الحجم الهائل من باقات الورد، وأعواد الشموع المنتصبة كأعمدة الكهرباء؟

أحذية

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك أقرب إلى الموت من أي وقت مضى، ويعني أنك في أحضانه تلعب معه، وتشاكسه.

لم نفكر نحن الذين لا نملك سيارة أن قَتَلَتنا ربما يفخخون لنا وجوه حبيباتنا، وعيون أمهاتنا، و... أحذيتنا.

لقب

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن لا تدير مفتاحاً بعد اليوم، ويعني أن تستحي بمشاعرك المنفعلة، ويعني أن تستبدل ألقاباً صرفت عليها ثلاثة أرباع عمرك (دكتور، أستاذ جامعي، شاعر، كاتب...)، بلقب لم يستغرق نيله أكثر من ثانيتين. لقب لم تبذل جهداً في الحصول عليه: شهيد.

حبال صوتية

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تكون مسرفاً في التفاؤل، ومسرفاً في اليأس، وفي الحديث مع نفسك بصوت عالٍ. صوت انفجار سيارتك هو صوتك الذي فاض عن حنجرتك، وقطّع حبالك الصوتية كي يصل.

لم يقل الجميع للجميع: انتبهوا. لكنهم شدوا على أيديهم وأكتافهم، وابتسموا لهم عندما غفلت عين الكاميرا عنهم، حين كانوا يحملون صور فوتوكوبي لصحافي مات قبل تسليم مقاله الأسبوعي.

لم يكن هجاء أن نبدأ مرثاتنا بالقول: وطن يمرّن عضلاته بحمل صور شهدائه!

حنجرة

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك قررت تعطيل المدارس، وتنكيس الأعلام، ونثر الشائعات، وإعلان الحداد أياماً، ويعني أنك قررت تكديس الناس في تظاهرات أطول من أنهار الدم التي تجتاح أرجاء بلادك. القتل، القتل فحسب، يمكنه جمع كل هؤلاء الألوف حول قضيته. بعد اليوم، من يستطيع الادعاء أن القتل ليس مرافقاً أميناً لكل ذي صوت عالٍ، وأن تفخيخ السيارة ليس من قبيل تفخيخ الحنجرة؟

حفرة

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تحفر في الإسفلت حفرة أصغر من أن تكون قبراً لجثة، وأكبر من أن تكون عيناً لشاهد. حفرة هي كل ما تبقى لنا من إرثك، وثروتك، وإبداعاتك.

يا رجل أتهرب من العالم بحفرة؟ أتقبل أن تجعل منا مجرد حفاري قبور على صفحات الجرائد، وتجعل من الأقلام مجرد معاول للحفر؟

في كل يوم نجلس وراء المكاتب كي نرثي، ونزور مواقع الانفجار كي نرثي، ونرثي كي نرثي. بتنا لا نجيد فناً كالرثاء والحفر. هكذا دائماً لا شيء يعيننا على الهروب مثلهما: نهرب من العالم بحفرة، ونخرج من العالم بحفرة.

من لم يفكر أن الحفرة هي آخر أعمال الشهيد، خانته مخيلته.

صفح

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تغفر للذين أساؤوا لك يوماً، وأن تمحو لوائح سوداء بأسماء قررتَ نسيانها، وأن تصفح حتى آخر قطرات دمك.

لا عليك، دائماً هم هكذا المشيّعون... غاضبون.

وحشة

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تذهب بالموت إلى آخره، وبالعمر إلى آخره، وبالصوت إلى آخره، ويعني أنك ستذهب من دون مرافقين أو أصدقاء أو أحبة. سيكون الطريق موحشاً تماماً، وستكون وحيداً تماماً كوتر ربابة. وحشة الموت كوحشة الحياة مردّها الوحدة.

بوصلة

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن للموت وجهين: مقعّر يأخذ شكل حفرة، ومحدّب يأخذ شكل وسادة.

لا داعي للتجريب، فالقنبلة مصممة على قياس شخص واحد، وموت شخص واحد. هذا الموت الضيّق الصدر لم يتسع لسواك، فُصِّل على مقاسك.

لا عليك، المارة لن يُمسّوا بمكروه. فقط عليك أن تقرر موتك بملء إرادتك، لأنك حيثما ذهبت تجد الموت يتجه صوبك: أنت جهته.

الموت كالبوصلة، جهة وحيدة هي كل ما يملك.

صفقة

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تقتنع بالصورة الأخيرة والأشهر التي ستصيرك: وجه مدمّى، وشعر محترق، وعينان مغمضتان من دون أهداب. ويعني أن تتنازل عن كل الصور الأنيقة التي طالما اعتنيت بمظهرك أثناء التقاطها، والتي طالما تحيّرتَ في اختيار مكانها الأنسب، وشكل ابتسامتك فيها، ولون ربطة العنق.

صفقة مضطر إلى القبول بها فقط لقبول شهادتك.

قلة المعنى

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك عارف في كل شيء، وهازئ من كل شيء، ويعني أن طفولة سابقة تختبئ تحت جلدك، وهرماً لاحقاً تسرب من مسامك.

كان من دون معنى أن نقول إن الغياب أقوى من الحضور في مناسبة كهذه: كان من قلة المعنى أن نقول ذلك. لكننا جازفنا وقلناه فقط كي نتأسف على قوله في ما بعد، وكي ندّعي أن للفجائع، كما الجرائم، لغتها المنحرفة وحروفها الشديدة الالتواء.

وفي اللحظة التي نستذكر فيها مآثر الراحلين، نكون لا نفعل شيئاً أكثر من أن نؤكد لأنفسنا أننا بخير. فنجرّب عيوننا بالنظر إلى أسفل، وأقدامنا بالركوع والسجود، وشفاهنا بقول المراثي، وفي تلك اللحظة بالذات نكون قد اكتشفنا أن المقصود في وفرة الدم هو قلة المعنى.

مرايا جانبية

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تشهر مسدساً في وجه الزمن، ويعني أن تقول له: قف. ويعني أن تطلق... ويعني أن تنظر في مرايا السيارة الجانبية كي تتأكد أن الطريق خالية، وأنك لا تريد أن تؤذي أحداً، أو أن تصيب أحداً.

انتحار

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك انتحرت، ويعني أنك المذنب، ويعني أنك المُلام.

صحبة القتل وصحبة الوطن... يبدو أن لا فرق كبيراً بعد اليوم.

هي ذي الأوطان الشبيهة بعلب السجائر التي تحمل على غلافها الخارجي عبارة من مثل: "ذات نكهة فاخرة"، وعلى الوجه الآخر: "مسببة لأمراض القلب والسرطان والرئتين"!

تأخير

أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تُخرج كل الوجوه القديمة والمكدسة في ذاكرتك، وتنفض عنها الغبار لتعتذر منها وجهاً وجهاً... فقط كي تؤخر رحيلك.

فلنوقّع بيانات احتجاجنا على وجه السرعة إذاً، كي نلتحق بمسيرات شموعنا فوراً، وكي نجد الوقت الكافي لشراء الزهور الحمراء لشهدائنا وحبيباتنا.

ماهر شرف الدين

ملحق النهار الثقافي

ثــــقــــــافــــــة الـحـــــــيــاة

ثــــقــــــافــــــة الـحـــــــيــاة

كيف نصنع ثقافة الحياة في لبنان اليوم؟

هذا هو السؤال الذي علينا الاجابة عنه في مواجهة موجة الاغتيالات الوحشية التي ضربت بيروت.

منطق الاغتيال الذي مزج الانتقام بالترهيب، لا يقاوم فعليا الا بثقافة الحياة. أي ثقافة الحرية والقدرة على اتخاذ المواقف العقلانية في مواجهة الخوف والموت.

بل لعل التخويف هو الهدف الحقيقي الذي يحرك غريزة القاتل الذي اختار ضحاياه بمنطق من يصطاد الارواح النبيلة.

قد أبدو مكابرا، وهذا صحيح، اذ لا سبيل لمواجهة آلة اجرامية تقتل كاتبا لأنه كتب، او مناضلا لأنه عبّر عن رأيه، كحال سمير قصير وجورج حاوي، الا بالكبر والمكابرة والكبرياء. فنحن معشر الكتاب والصحافيين والديموقراطيين، لا نملك سوى كبريائنا وحبنا. من يعتدي علينا يوجه سهام الحقد الى آخر معاقل الدفاع عن حس الكرامة في مجتمع انتفض دفاعا عن كرامته، ليجد نفسه امام ثمن باهظ لاستقلال لم ينجز بعد، ولحرية تتشكل وسط غابة من الالغام السياسية والاجتماعية.

هنا وقبل كل شيء اريد ان اضم صوتي الى صوت كريم مروة احتجاجا على خطاب رئيس مجلس النواب الذي لم يشر الى استشهاد سمير قصير وجورج حاوي، في خطاب تنصيبه الذي واجهته عاصفة الاوراق البيضاء. غير اني، وربما خلافا لمروة، وجدت هذا السلوك طبيعيا. فطبقة امراء الطوائف ليست معنية بالدفاع عن الثقافة او الفكر الحر. انها معنية بالدفاع عن مصالحها، وهذا ما نعرفه من زمان. فمن يحتفل بفوز انتخابي عبر اطلاق النار في الشوارع، لن يهتم للمصير الدموي لاحد انبل المثقفين اللبنانيين والعرب.

قد يكون الثمن باهظا جدا، ولا نعرف حتى الآن ماذا يخبىء لنا المستقبل. هل تتابع آلة القتل اصطياد رموز انتفاضة الاستقلال، ام تنتقل الى صفحة جديدة اكثر دموية ووحشية، عبر تفجير القنابل الموقوتة التي زرعتها آلة المخابرات خلال فترة هيمنتها السوداء؟

هنا يبرز الخوف الكبير والحقيقي من التلاعب بالوضع الفلسطيني، لأنه يشكل النقطة الاكثر سهولة بالنسبة الى من يريد تدمير احتمالات الاستقلال اللبناني.

لا اريد الدخول في سيناريوهات الرعب، لكني اريد التوقف عند نقطتين كفيلتين اطفاء فتيل يمكن ان تكون العقلية الاجرامية تستعد لاشعاله.

النقطة الاولى تتعلق بالقرار النبيل والشجاع الذي اتخذه وزير العمل طراد حمادة، حول حق الفلسطينيين بالعمل في لبنان. وبمقدار ما بدا القرار سهلا، فانه كشف لعبة وحدة المسار والمصير التي طبقت في عهود وزراء العمل العقائديين، الذين جعلوا من البؤس الفلسطيني عنوانا للتعبير عن حبهم لفلسطين وكراهيتهم لشعبها. ورغم النواقص الكبيرة في قرار وزير العمل، لأنه لا يشمل المهن الحرة والحقوق النقابية، فانه يشكل الخطوة الاولى على طريق فك الحصار عن المخيمات، والتعامل مع الشعب الفلسطيني في وصفه رهينة، وتحويل المخيمات قنابل موقوتة، يعتقد اصحاب آلة القتل انهم يستطيعون استخدامها.

بالطبع لا علاقة للقرار بفزاعة التوطين، فالفلسطينيون لا يريدونه، واللبنانيون لا يريدونه ايضا. الهدف هو الحد الادنى من الكرامة الانسانية.

النقطة الثانية تتعلق بالسياسة. منذ اتفاق الطائف، بل منذ العام 1982، لا تعترف السلطة اللبنانية فعليا بمنظمة التحرير. مكتب المنظمة في بيروت اقفله الاسرائيليون ولا يزال مقفلا، ثم جاءت اوسلو وتأسيس السلطة، لتعطي حجة اضافية لاستمرار الوضع الراهن. عدم اعتراف لبنان بالسلطة الوطنية الفلسطينية، لاسباب قومجية واضحة، وكاستمرار للتبعية المطلقة للسياسة السورية، قاد الى غياب المرجعية السياسية للفلسطينيين في لبنان. هذا التغييب لا يخدم سوى دعاة بناء جزر امنية يمكن تحريكها بأوامر قوى الهيمنة، وبذا يجري تحويل المخيمات ورقة تقتات من البؤس وغياب التمثيل السياسي الشرعي.

ان احدى المهمات الاولى لحكومة الاتحاد الوطني، هذا اذا لم يعرقل تشكيلها تمسك لحود بصلاحياته، هي فتح سفارة فلسطينية في لبنان، واستكمال اعطاء اللاجئين حقوقهم المدنية، تمهيدا لايجاد حلول واقعية لمسألة امن المخيمات، ومسألة التأكيد ان الامن على جميع الاراضي اللبنانية يجب ان يكون شرعيا.

تبدو هذه المسألة هامشية امام المهمات الكبرى التي تنتظرنا، ويأتي في مقدمها تفكيك الدولة الامنية، وانتظار نتائج التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي، وتأكيد الوفاق الوطني عبر اصدار قانون العفو عن سمير جعجع.

لكني اعتقد ان ثقافة الموت لم ترتو من الدماء التي سفكت، وانها تسعى الى استغلال الفخاخ الكثيرة التي زرعتها خلال مرحلة هيمنتها المديدة. من هنا فان التعامل مع القضايا الشائكة يجب ان يكون سياسيا في الدرجة الاولى، ساعيا الى سحب فتيل الانفجار عبر موقف يتحلى بالعقلانية والاخلاقية الوطنية في آن واحد.

الشائعات والتسريبات عن ان قتلة جورج حاوي يختبئون هنا او هناك، يجب ان لا تقود الى الوقوع في الفخ. قتلة المقاومين والديموقراطيين من امثال حاوي وقصير هم اعداء الحرية والثقافة والاستقلال، ومقاومتهم تكون بالدفاع عن هذه القيم، وبالعودة الى القاموس السياسي والاخلاقي الذي صنعته الثقافة اللبنانية وهي تقاوم الاحتلال الاسرائيلي والديكتاتوريات العربية.

طريقنا الى الحياة وثقافتها، تبدأ في النضال من اجل القيم الاساسية التي تخرج المشرق العربي من الانحطاط وخطر الانحلال.

الحياة اقوى من الموت، شرط ان نؤمن بها، ونحتكم الى العقل كي لا يعود هذا الوطن الصغير ملعبا للموت المجاني.

الياس خوري

النهار

بيانان صحافيان أرسلا لـ صفحات سورية

2005-07-03

بيانان صحافيان أرسلا لـ صفحات سورية

تصريح صحفي صادر عن الجبهة الديموقراطية لتحرير سورية

حول اعتقال مواطنين سوريين على خلفية مشاركتهم في برنامج الاتجاه المعاكس

تصريح صحفي صادر عن الجبهة الديموقراطية لتحرير سورية حول اعتقال مواطنين سوريين على خلفية مشاركتهم في برنامج الاتجاه المعاكس


تعرب الجبهة الديموقراطية لتحرير سورية عن إدانتها لقرار بشار بن حافظ الأسد اعتقال كل من الأخوة المواطنين يحيي الطالب وبركات سليمان وسالم القاسم في برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة القطرية الذي اتهم فيه مع والده بالديكتاتورية في 24 أيار (مايو) الماضي


إن الجبهة إذ تذكر العالم بمدى بربرية نظام يعاقب مواطنيه على بضعة كلمات بضرورة عزل النظام السوري تمهيدا لإحلال الديموقراطية في سورية



الجبهة الديموقراطية لتحرير سورية

بيروت 2 تموز 2005

الجبهة الديمقراطية لتحرير سورية حركة يسارية سلمية ديمقراطية سورية مقرها المؤقت بيروت

_____________

التـّجـمـع مـن أجـل ســـوريّــة

Rassemblement pour la SYRIE

بيان صحفي ـ تهنئة

إن التجمع من أجل سورية(مؤسسة مجتمع مدني سوري ـ باريس ) إذ يتقدم بأحر التهاني والأمنيات الطيبة بالتوفيق والنجاح والمزيد من العمل والمثابرة والتألق بمناسبة النجاح الذي توصل إليه الزملاء والأصدقاء في حزب التجمع من أجل سورية / واشنطن بتحقق وتكليل تضافر الجهود والكلمة الوطنية الصادقة في مؤتمرهم الذي عقد مؤخراً في العاصمة الأمريكية والذي أتت ثماره بالتنسيق بين هيئات القوى الوطنية السورية الشريفة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى تشكيل المجلس الوطني السوري، وبهذه المناسبة السعيدة لنجاح مؤتمر حزب التجمع من أجل سورية وميلاد المجلس الوطني السوري نتقدم من السيدات والسادة ( مراد إسماعيل ـ مرح البقاعي ـ محمد الجبيلي ـ فاروق جمل ـ محمد الخوام ـ فهمي خير الله - حسام الديري ـ سلمى الديري ـ عبد المهيمن السباعي ـ أحمد عمران- نجيب الغضبان ـ هيثم قضيماتي ـ إياس المالح- دياب محمد- أحمد خير المسكي ) أعضاء المجلس الوطني السوري بأسمى التهاني آملين من كامل أطياف المعارضة الوطنية الديمقراطية السورية في جميع أنحاء العالم أن تحذو حذو زملائنا في لم الشمل على أهداف وطنية مشتركة من أجل عملية التغيير الديمقراطي في بلادنا.

و نؤكد أن رص صفوف المعارضة الوطنية الديمقراطية (حتى لا توصف بالوهن والضعف) وتجمعها على جملة مبادئ وأهداف وورقة عمل وطنية مشتركة هي السبيل الوحيد للإنقاذ الوطني في عملية التغيير الديمقراطي وللخروج من المأزق الذي تعيشه بلادنا ولنكون عند حسن ظن أبناء سوريا في الداخل الذين يعولون على السوريين في الخارج آمالاً كبرى لذا تقتضي المصلحة الوطنية الترفع عن الخلافات العقائدية والإيديولوجية لنعمل على تشكيل جبهة المصالحة الوطنية والعمل المشترك.

وبالتالي فإننا نؤكد مجدداً ورغم كل المحاولات المغرضة من العديد من الأطراف ولغايات متعددة إحباط وتثبيط عزيمتنا وتشويه صورتنا الوطنية لإفشال مبادرتنا بعقد المؤتمر الوطني في باريس لكافة أطياف المعارضة الوطنية الديمقراطية إننا نؤكد أن كل تلك المحاولات قد زادتنا عزيمة وإصراراً على المضي قدماً في التنسيق المشترك لإطلاق التحضيرات الأولية و لعقد المؤتمر المذكور في العاصمة الفرنسية في النصف الثاني من شهر أيلول / سبتمبر المقبل.

عشتم وعاشت سوريا وطناً واحداً أرضاً وشعباً في دولة ديمقراطية وتعددية وللجميع بكامل الحقوق والواجبات.

فهد الأرغا المصري ( كاتب وصحافي سوري)

الناطق الرسمي باسم التجمع من أجل سورية / باريس

الأمن السوري يمنع ندوة لمنتدى الاتاسي

الأمن السوري يمنع ندوة لمنتدى الاتاسي

بهية مارديني

ايلاف

منعت قوات الامن السورية وقوات حفظ النظام ومكافحة الشغب عقد ندوة منتدى جمال الاتاسي للحوار الديموقراطي مساء اليوم في منطقة دمر بدمشق، وحاصرت قوات الامن مداخل المنتدى ومنعت عشرات الناشطين من الدخول اليه، في وقت كانت قد إستنكرت منظمات مدنية وحقوقية عربية ودولية بشدة المضايقات المستمرة لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديموقراطي في سورية ، معتبرة أي اعتداء على المنتدى وأعضاءه والنوافذ المدنية السلمية في سورية ليس فقط اعتداء جسيما على حرية التعبير والرأي والتجمع، وإنما تشجيع مباشر للعنف والتوتر في سورية ، وحذّرت من انها سترد على أي اعتداء على المنتدى بالنشاط اللازم، على صعيد العالم العربي وأوروبا..

وقالت سهير الاتاسي رئيسة المنتدى في تصريح لـ"ايلاف" ان منتدى الاتاسي اكتسب شرعيته من خلال وجوده على مدى اربع سنوات ، مستغربة ان يقول الرئيس السوري ان منتدى الاتاسي منتدى وطنيا وهو مفتوح ومسموح به كلما ُسئل عن التضييق على الحريات في سورية ، ثم يغلق اليوم بهذا الشكل بحجة عدم وجود ترخيص رغم اننا تقدمنا بطلب الى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل فرفضت طلبنا لعدم اختصاص الوزارة وعندما استدعيت من الامن سالتهم من هي الجهة المختصة بمنح الترخيص فكان ردهم لاوجود لاية جهة ترخص للمنتديات في سورية.

وحول سبب اغلاقه وهل هو قراءة مداخلة الاخوان المسلمين في الندوة الاخيرة واعتبار حركة الاخوان من جانب السلطات خطا احمر قالت الاتاسي لو كان الخطأ هو قراءة مداخلة المراقب العام للاخوان المسلمين علي صدر الدين البيانوني عن الاصلاح السياسي في سورية لما اعتقل حبيب عيسى منذ اربع سنوات وهو كان ناطقا باسم المنتدى ولما طلب مني اغلاق المنتدى ولما ابلغت منذ سنة بانه سيتم اغراقه بالبعثيين وعناصر المخابرات ، واشارت الاتاسي ان هذه استراتيجية متبعة تجاه المنتدى منذ تاسيسه وماكانت قراءة مداخلة الاخوان في الشهر قبل الماضي الا ذريعة والا فماذا تفسرين بقاء علي العبد الله عضو هيئة ادارة المنتدى خلف القضبان لانه قرا مداخلة البيانوني علما اننا اكدنا على وحدة الموضوع بيننا وبينه .

واكدت الاتاسي انه كلما كان المنتدى فعالا ويمارس دوره في الفعل الحواري ويناقش قضايا الشان السوري العام يحاولون منعه ، وعندما تركته يزاول نشاطه كان يخدمها اكثر مما يخدم الحركة الديمقراطية لانه في فترة من الفترات خفت نشاطه واشارت الى انها طلبت قرارا خطيا بالمنع الا انهم لم يقدموا لها اية ورقة .

من جانبه قال جهاد مسوتي في تصريح لـ"ايلاف" ان ندوة المنتدى المقررة اليوم كانت تحت عنوان "افاق التغيير في سورية على ضوء نتائج المؤتمر العاشر لحزب البعث "، وتضم مداخلات لـ 8 احزاب معارضة وحزب البعث الحاكم واعتقد لو كانت هناك محاكمة عقلية للاشياء لما قامت الاجهزة الامنية بهذه الممارسات في تعليق وتعطيل نشاط المنتدى لان هذا يقدم ضجة ودعاية وتضامن مع المنتدى بشكل اكبر مما لو تركت الامور تمضي على طبيعتها وهو يقدم انطباعات سلبية عن نهج النظام .

واكد فاتح جاموس من حزب العمل الشيوعي في تصريح لـ"ايلاف" ان اغلاق المنتدى خطا شنيع من السلطة ويكشف حقيقة موقفها بعد مؤتمر حزب البعث والادعاءات بالاصلاح والتطوير.

واوضح اكرم البني امين سر المنتدى في تصريح لـ"ايلاف" ان ابسط العلاقات المجتمعية الصحيحة هي الحوار وهاهي السلطات تقطع الطريق عليه ، وتساءل معاذ حمور عضو لجان احياء المجتمع المدني في سورية في تصريح لـ"ايلاف" عن اية ماساة تلك التي نعيشها ، وهل هذه نتائج مؤتمر البعث وهل هذا هو شكل الانفراج الذي يتم الحديث عنه ؟.

وقال غالب عامر عضو المنظمة العربية لحقوق الانسان في سورية في تصريح لـ"ايلاف" "انه من الغريب ان تكون هذه الخطوة الاولى التي يتخذها النظام في مواجهة الحوار الوطني الديمقراطي بعد انعقاد المؤتمر وتوصياته والتحدث عن المشاركة السياسية الواسعة"، واعتبر"ان هذه بداية مواجهة بين القوى الوطنية وهيئات المجتمع المدني وتوتير للاوضاع الداخلية ".

وايد بيان وقعت عليه اليوم اللجنة العربية لحقوق الإنسان (باريس) ،ومنظمة العدالة العالمية (لاهاي)، ومركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية (استوكهولم) ،ومؤسسة ابن رشد للفكر الحر (برلين)، والجمعية البحرينية لحقوق الإنسان (المنامة) ،واللجنة السورية لحقوق الإنسان (لندن) ،وجمعية الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان (جنيف) ،واللجنة العربية للدفاع عن الصحفيين (الدوحة)، وجمعية حماية المدافعين عن حقوق الإنسان (باريس) ،ومركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة (تونس) ،وصوت حر (فرنسا) ،وجمعية مساعدة ضحايا العسف في المنفى (نانتير)، ومعا من أجل حقوق الإنسان (ليون) ،واللجنة الدولية للدفاع عن تيسير علوني (مدريد وباريس)، وفدرالية العمل المسيحي ضد التعذيب (جنيف) ، والجمعية الفرنسية للفكر الحر (باريس) ،وقائمة أوربة-فلسطين ،وجمعية الحجر والزيتونة (فرنسا) ،وجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب، واللجنة الفرنسية لمناهضة العنف ضد المرأة ، ايد " قرارالهيئة العامة لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي استمرار أعماله بالبرنامج المقرر والدفاع عن بقائه ساحة للحوار الوطني في البلاد باعتبار حق المنتدى في الوجود مسألة لا تقبل النقاش في عصرنا"، وراى البيان أي اعتداء على المنتدى اعتداء على المنظمات العربية والدولية ، واضاف "إذا أرادت السلطات القمعية أن تغلق المنتدى عليها أن تعرف أننا كلنا منتدى جمال الأتاسي ، وكلنا لحمايته بكل الوسائل القانونية والسلمية".

واعتبر البيان أي اعتداء على منتدى جمال الأتاسي والنوافذ المدنية السلمية في سورية ليس فقط اعتداء جسيما على حرية التعبير والرأي والتجمع، وإنما أيضا، تشجيع مباشر للعنف والتوتر في سورية. وهو بوصفه كذلك، انتهاك يعرض القائم به للقانون داخل وخارج سورية.

وحذرت المنظمات الموقعة بانها تراقب بيقظة ما يحدث وسترد على أي اعتداء على المنتدى بالنشاط اللازم، على صعيد العالم العربي وأوربة.

من جهة اخرى اعلنت المنظمة العربية لحقوق الانسان في سورية اليوم ان سلطات الامن اعتقلت في مدينة دير الزور المواطنين مرشد إحسان العلايا و أمير الحريب بن احمد الحمادي و عبد الستار خضر الشلاش الاسبوع الماضي ،واوضح بيان للمنظمة ، تلقت ايلاف نسخة منه ، ان حيث مجموعة من الأمن العسكري في مدينة الميادين داهمت منزل العلايا والحريب والشلاش مساء الاثنين الماضي واقتيدوا إلى جهة غير معروفة دون أن توجه إليهم أية تهمة ، ولا زالوا حتى الآن قيد الاحتجاز .

واعتبر البيان اعتقال هؤلاء وعدم تقديمهم للمحاكمة مخالفا للدستور والقانون ، وانتهاكا سافرا لحقوق الإنسان التي كفلتها الاتفاقيات الدوليّة التي وقّعت عليها سوريّة والتزمت بتنفيذ أحكامها ، مدينا هذا الاعتقال ، مطالبا السلطات السوريّة بتقديمهم للمحاكمة أمام القضاء الدستوري المختص ، وتوفير جميع الضمانات القانونيّة له لكي يلقوا محاكمة عادلة ، أو إطلاق سراحهم فورا.

واكد الدكتور عمار قربي الناطق الاعلامي في المنظمة العربية لحقوق الانسان في تصريح لـ"ايلاف "إن اعتقال هؤلاء لم يصدر عن جهة قضائيّة مختصّة بل صدر عن أجهزة الأمن استنادا لحالة الطوارئ المعمول بها في سورية منذ أكثر من أربعين عاما، معتبرا ان عدم استجابة السلطات السوريّة لمطالب المجتمع السوري بإلغاء حالة الطوارئ وطي ملف الاعتقال السياسي يبعث على الاستغراب والقلق .

رفض الإفراج عن نائب برلماني سوري

في هذه الأثناء ردت محكمة النقض في دمشق الطعن المقدم لوقف الحكم النافذ واخلاء سبيل النائب البرلماني السوري السابق مأمون الحمصي المعتقل في 7 اب (اغسطس)2001 بتهمة تغيير الدستور بطرق غير مشروعة ، والاعتداء الذي يهدف منع السلطات من اداء واجبها ، والذي أنهى ثلاث ارباع مدة الحكم عليه ، وحسب المادة 172 من قانون العقوبات السوري فانه يمكن "وقف تنفيذ الحكم النافذ بحق السجين السوري وإعفائه من ربع مدة الحكم ان صلح في السجن".

وقال هيثم المالح محامي النائب الحمصي في تصريح لـ"ايلاف" ان المحكمة ترفض اطلاق سراح الحمصي لان الفهم القانوني للمادة 172 هو فهم خاطىء باعتبار ان القانون انما وضع في عام 1949 اثر اغتصاب السلطة من قبل حسني الزعيم الذي اصدر قانون العقوبات دون ان تناقشه السلطة التشريعية التي تمثل الشعب ثم ان نص المادة المذكورة انما يتعلق بالجرائم العادية من قتل وخلافه ولم يكن المشرع يتصور حينها ان عضوا في مجلس الشعب يمكن ان يحاكم بسبب آرائه السياسية وبالتالي فانه لا يجوز اخذ نص المادة 172 على علاتها بحق الحمصي ، علما ان إدارة السجن بينت في جوابها الرسمي ان النائب السابق كان يتمتع بسلوك جيد ولم تفرض عليه اية عقوبات اثناء مدة اعتقاله .

الى ذلك اجريت للنائب السابق في البرلمان السوري رياض سيف المعتقل منذ 1 ايلول (سبتمبر) 2001 ، على خلفية محاولة تغيير الدستور ومحاولة الاجتماع بطرق غير قانونية اثر افتتاحه منتدى الحوار الوطني، عملية قسطرة قلبية في مشفى دار الشفاء امس اذ تبين ان لديه شريانا مسدودا وقد يحتاج الى عمل جراحي .

وادان انور البني محامي النائب سيف في تصريح لـ"ايلاف" استمرار اعتقال سيف والحمصي ، واعتبرهما بحكم المعتقلين تعسفيا خارج اطار القانون .

وكان الوفد البرلماني الاوروبي الذي زار دمشق الشهر الماضي طالب باطلاق سراح النائبين المحكومين بالسجن 5 سنوات ، كما طالب بزيارتهما الا ان السلطات السورية رفضت ذلك .

كلنا منتدى جمال الأتاسي

عشرون منظمة عربية وأوربية تطلق صرخة تضامن:

"كلنا منتدى جمال الأتاسي"

إن المنظمات المدنية والحقوقية العربية والدولية الموقعة أدناه، تستنكر بشدة المضايقات المستمرة بحق منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي.

فبعد اعتقال الناطق باسم المنتدى المحامي حبيب عيسى في 12/9/2001 مع تسعة آخرين من رموز ربيع دمشق، وقعت مضايقات عديدة ومختلفة على المنتدى، وقد تم تهديد إدارته بوقف نشاطه عدة مرات. إلا أنه ومنذ اعتقال عضو مجلس إدارة المنتدى الكاتب علي العبد الله، في 15/5/2005 ومن ثم باقي أعضاء مجلس الإدارة في 25/5/2005 بدا واضحا أن هناك توجه سياسي وأمني لضرب هذه الرئة التي تنفس منها قطاع واسع من السياسيين والحقوقيين والمثقفين السوريين. وقد علمنا بعد يوم من الإفراج عن ثمانية من أعضاء المنتدى، أن قرار إغلاقه ينتظر نهاية مؤتمر حزب البعث. كانت أولى الإشارات في التحذير من جلسة اليوم السبت، وهي جلسة تقييمية لمؤتمر حزب البعث الأخير. وفي 30/6/2005 تخطى الأمن كل الخطوط الحمر، طالبا تعليق نشاط المنتدى نهائيا.

إننا، ومن منطلق التضامن مع أهم مظاهر النضال المدني السلمي في دمشق، نؤيد قرار الهيئة العامة لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي استمرار أعماله بالبرنامج المقرر والدفاع عن بقائه ساحة للحوار الوطني في البلاد. باعتبار حق المنتدى في الوجود مسألة لا تقبل النقاش في عصرنا، ونعتبر أي اعتداء على المنتدى اعتداء علينا، فإذا أرادت السلطات القمعية أن تغلق المنتدى عليها أن تعرف أننا كلنا منتدى جمال الأتاسي وكلنا لحمايته بكل الوسائل القانونية والسلمية.

إننا نعتبر أي اعتداء على منتدى جمال الأتاسي والنوافذ المدنية السلمية في سورية ليس فقط اعتداء جسيم على حرية التعبير والرأي والتجمع، وإنما أيضا، تشجيع مباشر للعنف والتوتر في سورية. وهو بوصفه كذلك، انتهاك يعرض القائم به للقانون داخل وخارج سورية.

إن منظماتنا تراقب بيقظة ما يحدث وسترد على أي اعتداء على المنتدى بالنشاط اللازم، على صعيد العالم العربي وأوربة.

صباح السبت 2/7/2005

أولى التواقيع

اللجنة العربية لحقوق الإنسان (باريس)

منظمة العدالة العالمية (لاهاي)

مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية (استوكهولم)

مؤسسة ابن رشد للفكر الحر (برلين)

الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان (المنامة)

اللجنة السورية لحقوق الإنسان (لندن)

جمعية الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان (جنيف)

اللجنة العربية للدفاع عن الصحفيين (الدوحة)

جمعية حماية المدافعين عن حقوق الإنسان (باريس)

مركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة (تونس)

صوت حر (فرنسا)

جمعية مساعدة ضحايا العسف في المنفى (نانتير)

معا من أجل حقوق الإنسان (ليون)

اللجنة الدولية للدفاع عن تيسير علوني (مدريد وباريس)

فدرالية العمل المسيحي ضد التعذيب (جنيف)

الجمعية الفرنسية للفكر الحر (باريس)

قائمة أوربة-فلسطين

جمعية الحجر والزيتونة (فرنسا)

جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب

اللجنة الفرنسية لمناهضة العنف ضد المرأة

المصدر: اللجنة العربية لحقوق الإنسان

مشاغل أمنية

مشاغل أمنية

رأي أخبار الشرق

الأمن السوري مشغول اليوم بقضايا مصيرية حاسمة .. قضايا تمس أمن الوطن والأمة.

منتدى الأتاسي يعصي الأوامر، ويود أعضاؤه أن يجتمعوا، في ندوتهم الشهرية، وفي هذا أكبر الخطر على استقرار الوطن وأمنه وأمانه. هؤلاء الذين لا يملكون إلا ألسنتهم، يحرجون البلاد، ويجرون عليها الانتقادات، فقط لو أنهم كفوا عن

عقد لقاءاتهم، وعن معارضة السلطة، لأضحت سورية اليوم بألف خير.

مشاغل الأمن كبيرة جداً، وخطيرة. ثمة خطر آخر يتربص، هو نائب الرئيس السابق رفعت الأسد، الذي قد يعود سراً أو فجأة، فيحرج الأجهزة ومؤسسات الدولة، والقضاء .. إلخ.

كي تكتمل الصورة، لا بد من القول إن الأمن ينظر هنا إلى الوطن باعتباره "النظام" السياسي القائم حالياً فيه، وليس باعتباره ذلك الحيز الذي يعيش فيه نحو 20 مليون إنسان، يحلمون بأن ينعموا بغدٍ أفضل. ليس الوطن أكثر من كَراسٍ، يهددها رفعت بتحديه أقرانه السابقين الذين يحارون كيف يتصرفون لو عاد، وقد يهددها الناشطون المدنيون السوريون بنشاطهم "السلمي" لأنهم يطلبون العدل والحرية والمساواة.

في خضم هذه المشاغل، لا تبدو التهديدات الإسرائيلية للأمن السوري ذات بال. ليس ثمة استراتيجية، أو حتى تكتيك للتعامل معها. أولئك المواطنون الذين يطلقون الكلمة في سماء دمشق، أخطر - على رجال الأمن - من الذين يجولون سماءها بطائراتهم، ويقصفونها بصواريخهم، ويقتلون على أرضها!

العملاء في القاموس السلطوي السوري، وصف يُطلق على المطالبين بالإصلاح، بينما يتراجع بخجل إزاء أولئك الذين من خلالهم ضرب الموساد في دمشق قبل شهور.

هيبة الدولة الأمنية تعاني تحت ضربات الإسرائيليين، الذين لا يكتفون باحتلالهم الأرض السورية، بل ينتهكون مجالها الجوي ويعتدون عليها. ورجال الأمن السوريون يهربون من مواجهتهم، باحثين عن هيبتهم المفقودة في صالة منتدى الأتاسي، وفي أزقة دمشق وشوارعها، من خلال إرسال البعثيين لقمع المتظاهرين. لكن الوقت يجري، والرصيد المزيف الذي يشترونه بالقمع ينفد أسرع من ذي قبل.

حزب البعث في أسر السلطة وحيداً على قيد البقاء المطلق

حزب البعث في أسر السلطة وحيداً على قيد البقاء المطلق

ياسين الحاج صالح

المستقبل – نوافذ –

يحتل حزب البعث السوري موقعاً يؤهله أكثر من غيره للإصلاح الوطني. فالحزب المكون من قرابة مليوني عضو (11% من السكان) ينتشر في جميع ارجاء البلاد، وينتسب له سوريون مدنيون وعسكريون، مدينيون وريفيون، يتحدرون من مختلف الجماعات الأهلية المكونة للشعب السوري. ويسيطر منتسبون للحزب على مرافق الحياة العامة في سوريا جيمعا دون استثناء، بما في ذلك المدارس والجامعات والنقابات. ودون أن يكون الحزب دينيا، فإنه بعيد عن أن يكون معاديا للدين. وهو حزب عربي عروبي، يجمع بين أعضائه مسلمين ومسيحيين، وسنيين وعلويين واسماعيليين ودروزاً.. قبل أن يستولي على السلطة، واجتذب حتى أكرادا وسريانا بعد استيلائه عليها، بالخصوص في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد.
بيد ان احتلال حزب البعث ذلك الموقع المحمي بحالة طوارئ هي الأقدم عالمياً وبقوانين استثنائية تحمي سلطته وليس شعبه، وما يرتبط بهذا الموقع من امتيازات ومكاسب، قد أفسد الحزب وجعله فاقد الإرادة الإصلاحية وغير قادر على بلورة أي نوع من أنواع الاستراتيجية الوطنية للإصلاح. تقول معلومات حزبية إن نسبة من يشاركون في اجتماعات هيئات الحزب يتراوح بين 5 و10 % من أعضائه. وتقول المعاينة المتكررة كل يوم إن الناس لا ينتسبون للحزب بل يتم تنسيبهم إليه، مكرهين أو طامعين، وأن سيطرته على الحياة العامة تحصلت بوسائل تمزج الإكراه والإغراء ولا يشغل الاقناع بينها غير دور ثانوي، وأنه يحتكر الجيش وأجهزة الأمن ويسيسهما، وأن كون الحزب غير ديني وغير معاد للدين يعكس كونه أداة حكم فاقدة لأي نوع من المبادئ الفاعلة، وأن عروبته ممسوحة الملامح لا تترتب عليها أية حقوق إيجابية للمواطنين العرب بينما يقصى منها مواطنون آخرون، وأنه إذ فرّق العرب عن غيرهم فإن النظام الذي حكم باسمه فرق عربه ذاتهم وميّز بينهم، وأن هناك فارقا بين حزب البعث بوصفه أحد الأحزاب السورية، وربما أهمها، وبين "الحزب القائد للدولة والمجتمع" الذي يحمي سلطته بالاستثناء والقوة، والذي لا يضيره ما يفعل، وقد فعل الكثير مما هو ضار إن فتحنا السجل التاريخي بموضوعية.
لقد دلل حزب البعث نفسه على حساب السوريين، وأفسده الدلال. بات يعتبر السلطة حقا طبيعيا له بصرف النظر عن قدرته على تحليل مشكلات البلد المحكوم واقتراح الحلول الفعالة لها. وأظهر درجة من التعصب تفوق التعصب المنسوب لتنظيمات دينية وأحزاب عقيدية. وألف أن يمنح لنفسه الحق في الحكم على وطنية السوريين وإخلاصهم، رغم ان كبار الفاسدين متحدرون من صفوفه، ورغم أن إخفاقه في حل قضايا وطنية يفوق نجاحه.
وبذلك تحول حكم حزب البعث إلى حكم رجعي يدافع عن امتيازات ومواقع غير عادلة. وكف منذ وقت طويل عن توفير العدالة والمساواة والأخوّة للسوريين. بل إنه يحتل موقع طليعياً في التمييز بينهم. وإذ لم يعد قادرا على النقاش المتكافئ مع المواطنين، صار يلجأ إلى سجن وتعذيب منتقديه ونظام حكمه.
وبفعل الدلال تدنى مستوى أكثرية المنتسبين له على الصعد الفكرية والسياسية والأخلاقية والمهنية. والتدني هذا هو أثبت قوانين نظام الحزب الواحد الذي يفضل الولاء على الكفاءة، ويمنح الصدارة للواشي على الأمين وللمتزلف على النزيه وللمنافق على الكريم. وقد بلغ التدنى مستوى حرجا جعل الحكم البعثي يراكم "الأخطاء" بتسارع غير مألوف ويعجز بالمقابل عن إصلاح حتى القدر القليل الذي يعترف به هو بالذات منها.
بالجملة، أضحى الحكم البعثي عاجزا عن وضع استراتيجية لانتشال البلاد من وضع مأزقي على الصعد الاقتصادية الاجتماعية والوطنية الاستراتيجية والسياسية الحقوقية. التفاوت الاجتماعي يتعمق، البلاد تضعف أكثر واكثر في مواجهة أعدائها، حقوق المواطنين غير مصانة والتمييز بينهم راسخ.
وفوق ذلك لا يبدو أن البعثيين يدركون أن غياب استراتيجية للإصلاح الوطني والخروج من المأزق أخطر من المأزق ذاته. وأنه حين سيدفع البلد ثمن الفراغ الإصلاحي لن يكونوا هم بمنأى عن دفع الثمن (اعني بالبعثيين دوما السلطة البعثية التي جعلت الحزب أداة معدومة الشخصية لحكمها). يبدو أنهم يظنون أنهم إن أبقوا طريقتهم في الحكم كما هي يتجنبون المخاطر المرتبطة بالتغيير. لكن هذا الظن يعني التسليم بخسارة زمام المبادرة، ويجعل كلفة التغيير الذي بات محتوما أصعب وأشد كلفة في المستقبل. اليوم هو خطر على بعض عناصر النظام، غداً سيغدو خطراً على البلد ككل.
كل ذلك جعل حزب البعث غير مؤهل لقيادة التحول السوري نحو نظام جديد يطلق معدلات التنمية ويضمن العدالة للشعب ويستعيد الجولان المحتل ويقوّي الرابطة الوطنية بين السوريين ويمكّن البلاد من الثبات في مواجهة تحديات الهيمنة الأميركية الصارخة. ورغم أن مطالب التنمية والعدالة واستعادة الجولان وتمتين الوحدة الوطنية... هي ما يعلن الحكم البعثي أنه يعمل من أجلها، فإنه لم يظهر الحد الأدنى من الجدية لمقاربتها. فمن يكون هذا مسعاه يعمل بمقتضاه. ومن يريد الثبات في وجه مخاطر إقليمية ودولية كبيرة لا مفر له من بناء تحالف وطني عريض يساعد البلاد على الثبات. ومن يريد استعادة أرض محتلة وتحرير مواطنين من الاحتلال يعامل شعبه بالحسنى. ومن يريد التنمية والعدالة يضرب على يد الفاسدين المفسدين. ما يجري هو العكس تماما: تثبيت الانفراد بالسلطة، وضرب المعارضة والتشكيك بها، ومكافأة الفساد بدلا من مكافحته، والإمعان في غرور السلطة الذي أوصل البلاد إلى المأزق الحالي.
أعلم أني أظهر سذاجة غير محمودة حين أتحدث عن تحديات خارجية ينبغي أن تواجه بثبات داخلي وما إلى ذلك. سذاجة من يظن أن النظام إذا كان لا يعمل بمقتضى المخاطر التي تواجه البلاد فلأنه لا يدركها تماما أو لأنه أساء تحليلها أو ما شابه. (لكنها ضريبة ضرورية من أجل خاطر المناقشة).
بل يدركها جيدا. لكن للنظام أولويتان. الثانية منهما صون كيان البلد، والصمود أمام.. والوقوف في وجه.. وتمتين... وتحصين.. مما تسعى إليه دول الأرض جميعا عند الضرورة، وإن بلغة أكثر مدنية وأقل ابتزازا لمواطنيها. أما الأولوية الأولى فهي بقاء النظام واحتفاظه بموقع الهيمنة والتحكم بالدولة والموارد الوطنية. ككتلة مليونية، حزب البعث أداة لتحقيق هذه الأولوية؛ وكإيديولوجية وطنية مطلقة، عقيدته تفيد في تحجيبها وإظهارها في شكل غيرية مطلقة مبرأة من الأنانية. وبالخصوص في إظهار المواجهة والصمود شروطا وجودية ضرورية وليست شروطا تاريخية سياسية. وراء ذلك، إذا ترجمناه إلى لغة صدق، رغبة في الخلود في السلطة ولا شيء آخر.
ضعف البلد استراتيجيا، تدني معدلات النمو، استشراء الفساد وانتقاله إلى مواقع الهجوم،... كلها ثمرات محتومة لأولوية البقاء غير المقيدة وغير المشروطة. لكن النظام بات أسير أولويته هذه، ولم يعد قادرا على الخروج عليها أو تقييدها فحسب. أعني بالتقييد إما ربطها بمحددات دستورية أو ممارستها عبر شراكة داخلية، إشراطها زمنياً او سياسياً. فمن شأن أي من هاتين الصيغتين ان تحرر النظام ذاته من أسر البقاء على قيد البقاء المطلق. أن تجدد شبابه كذلك. لكن أيا منهما تقتضي ان يظهر بعض اطراف النظام إرادة للتحرر من الحرية المطلقة التي يتمتع بها النظام ككل على حساب السوريين. اي كذلك إرادة لمواجهة الذات ومقاومة عناصر التخريب والنهب والانحطاط داخل النظام ذاته. بكل بساطة يصعب أن ينجو النظام ككل. يحتاج إلى أن يكون أرشق وأخف حركة ليبقى.
لم يظهر مؤتمر حزب البعث الأخير علائم إرادة واضحة للانتصار على الذات. لم يتبين أن التضحية بأعضائه الأفسد، وحدها، تساعده على تجديد سبل بقائه، وأن الشراكة وحدها قد تساعد البلد المحكوم على التجدد. مصرا على امتطاء عربة البقاء وحيدا، سوف يتبين له انها لا تقود إلا إلى الهاوية.

البعث السوري أسير (عقدة السلطة)

البعث السوري أسير (عقدة السلطة)

سليمان يوسف يوسف

أختتم (حزب البعث العربي الاشتراكي) الحاكم في سوريا، يوم الخميس في التاسع من شهر حزيران 2005، مؤتمره القطري العاشر .جاء انعقاد هذا المؤتمر في مرحلة حافلة بالأحداث والتطورات، وفي عالم سريع الحركة، يضغط على سوريا ونظامها السياسي ، لتتحرك هي الأخرى وتواكب حركة التاريخ باتجاه الانفتاح والديمقراطية والحريات قيل الكثير عن مؤتمر البعث هذا، بانه سيشكل محطة مهمة ومفصلية و انعطاف سياسي وتاريخي وسيحدث قفزة كبيرة في حياة الحزب والدولة.لكن انتهى المؤتمر من غير ان نرى أي تحول سياسي مهم ولم يخرج بقرارات من شانها أن تحدث نقلة نوعية في مسار الحزب ونهج النظام، فقد خرج الرفاق البعثيين من مؤتمرهم، مثلما دخلوا، حريصين على بقاء السلطة بيدهم، متمسكين بثوابت نظامهم السياسي ومبادئ حزبهم المقدسة، لا للديمقراطية....لا لتعديل الدستور...لا للحريات السياسية لا للإعلام الحر والمستقل..لا لتداول السلطة .. لا للإصلاح السياسي. لا للتعددية السياسية والقومية في سوريا ..لا لرفع قوانين الطوارئ والأحكام العرفية....لا للمعارضة....لا، لا.....نعم للتمسك بالحكم واحتكار السلطة والثروة ، نعم لحزب البعث قائد الدولة والمجتمع.. مما يعني استمرار العطالة والبطالة السياسية والاقتصادية والفكرية والإبداعية في الحياة السورية حتى إشعار آخر. طبعاً لم يكن متوقعاً أن يحدث مؤتمر البعث تحول ديمقراطي حقيقي في البلاد، طالما بقي البعث أسير عقدة استمرار (النظام القائم) وبقائه، و نزعة الإمساك بالدولة والاحتفاظ بالسلطة .
إن كل ما خرج به (مؤتمر البعث) من قرارات وتوصيات، لا ترتقي الى مستوى التحديات والاستحقاقات التي تتطلبها المرحلة، وهي ليست أكثر من تجميلية وشكلية واصلاحات محدودة لا تمس طبيعة النظام السياسي والسلطة المطلقة للحزب، إنما الغاية منها تحسين صورة النظام وتخفيف من حالة الاحتقان في المجتمع السوري.لهذا جاءت نتائجه مخيبة للآمال بنظر العديد من شخصيات المعارضة،وزادت من حالة الإحباط واليأس المسيطرة على الشارع السوري،وقد أبقى حزب البعث، سوريا تدور حول ذاتها ودولة خارج الزمن والتاريخ.حتى القرارات والتوصيات التي خرج بها المؤتمر، على تواضعها ومحدوديتها، هناك من يشكك بتنفيذها وتطبيقها، فهي ستحال الى لجان وهذه اللجان ستجتهد في تفسيرها وتطبيقها بعد أن تكون قد فرغتها من مضمونها ومحتواها.بالنسبة للتعددية الحزبية والسياسية وقانون الإعلام التي اوصى بها المؤتمر، لن تكون أكثر من ترخيص أحزاب الجبهة الوطنية المتحالفة معه في الحكم وبكل حزب أو منبر إعلامي يرضخ لشروط العمل السياسي والحزبي التي يحددها ويفرضها عليه حزب البعث وبشرط أن لا يتعارض نشاط وأهداف هذا الحزب أو تلك الصحيفة، مع نهج وسياسة البعث، وسيتم استبعاد حزب الأخوان المسلمين واحزاب القوميات الغير عربية، آشورية وكردية وأرمنية، في أي قانون قد يصدر للأحزاب، بحجة محاربة ورفض الطائفية والتعصب الإثني والديني، وكأن (حزب البعث) حزب منزه عن هذه النزعات والانتماءات، فهناك دراسات اجريت حول حزب البعث تقول:إذا خرج (حزب البعث) من السلطة سينقسم الى عدة تيارات، تيار اسلامي معتدل، تيار اسلامي متطرف، تيار قومي عربي صرف، تيار قومي سوري صرف.أما بالنسبة لمراجعة قانون الطوارئ والقول: بان تطبيقه سيبقى محصوراً( بكل ما يمس أمن البلاد وسلامتها، وبما لا يسئ الى كرامة المواطن) هذا تعبير فضفاض ومطاط، قد تقمع أية تظاهرة سلمية مهما كانت مطالبها ويوقف أو يعتقل أي شخص لنشاطه أو لموقفه المعارض لنهج النظام وسياسته، تحت ذريعة( المس بأمن البلاد).ولا أعتقد تغير غالبية أعضاء القيادة القطرية يعتبر أمراً مهماً أو مؤشراً على أن هناك تحولاً أو تجديداً في مسار الحزب، لأن العبرة في تغيير الأفكار والمناهج وليس في تغيير الأشخاص.
لا شك، كان يشكل في الماضي (حزب البعث العربي الاشتراكي) قوة سياسية واجتماعية وفكرية مهمة وكبيرة في المجتمع السوري،لها مكانتها ودورها التاريخي في حياة سوريا. لكن اليوم يعتقد الكثير من السوريين بان حزب البعث يعاني من أزمة بنيوية شاملة،وصل الى مرحلة الإفلاس السياسي والتكلس الايديولوجي، لهذا يرون فيه، عبئاً سياسياً ومادياً، على الدولة والمجتمع السوري، فهو لم يعد يشكل جزءاً من حل الأزمة التي تعيشها البلاد، وإنما جزءاً من المشكلة ذاتها ومسبباً لها، فهو يتحمل القسط الأكبر من المسئولية عما وصلت اليه الحالة في سوريا، عبر مسيرته الطويلة في السلطة التي تميزت بالحكم الشمولي والاستبداد السياسي والفكري ونزيف في الثروة الوطنية، عبر تعميم الفساد المالي والاداري وغياب المحاسبة، إذ تعد سوريا اليوم من أكثر الدول في الشرق الأوسط، فقراً وتخلفاً وتأخراً وفساداً، تقدر أموال السوريين في بنوك الدول الغربية بأكثر من( 120 مليار دولار) معظمها أموال مسروقة من المال العام. فمنذ استلام حزب البعث السلطة في سوريا عام 1963وهو يعمل لاحتكار كل شيء لنفسه ولابقاء الدولة والمجتمع رهينة سلطته ونظامه السياسي، الى درجة بدأنا نسمع من بعض البعثيين بأن مصير سوريا وبقائها دولة موحدة وآمنة ومستقرة، بات مرهوناً بمصير حزب البعث وبقائه على راس السلطة، قائداً للدولة والمجتمع،وأن إبعاد حزب البعث عن السلطة قد يحصل لسوريا ما حصل (للإتحاد السوفييتي) عندما ابعد غورباتشوف (الحزب الشيوعي)عن السلطة وقرر حله.أعتقد، أن الشعب السوري هو على قدر كبير من المسؤولية والوعي الوطني، وسوريا ليست (الاتحاد السوفيتي) المصطنع، جمهوريات ودويلات مختلفة الثقافات والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا، جمعها النظام الشيوعي وحكمها بالقوة ، تفرقت بمجرد سقوطه عن السلطة، سوريا وطن طبيعي وتاريخي واجتماعي واقتصادي وديني وجغرافي واحد متكامل لكل السوريين، سوريا لم تأت مع حزب البعث ولم تذهب معه ، سوريا وطن وتاريخ وحضارة بناه الشعب السوري بكل فئاته ومكوناته القومية والدينية والسياسية، عبر صيرورة تاريخية طويلة تمتد لآلاف السنوات قبل الميلاد.إن صمام أمان الوحدة الوطنية السورية، لا يمكن أن يكون حزب البعث وبقائه على راس السلطة، وإنما وجود دستور جديد وديمقراطي للبلاد، ينهي احتكار حزب البعث للحكم ويكفل التداول الديمقراطي والسلمي للسلطة لجميع القوى السياسية في البلاد وعبر صناديق الانتخاب، دستور يخلو من أية مادة أو فقرة تميز بين المواطنين على اساس ديني أو قومي أو سياسي، دستور يجعل من سوريا دولة ووطن لكل مواطنيها.
أعتقد بان حزباً فشل في تحقيق الحد الأدنى من أهدافه ( الوحدة والحرية والاشتراكية) بعد أكثر من أربعة عقود من انفراده في الحكم والسلطة وصناعة القرار السياسي والاقتصادي، كما فشل في تحرير الأرض السورية (الجولان) التي احتلتها اسرائيل عام 1967، في ظل حكمه، فقد مشروعيته وحقه، في استمراره في السلطة وبقاءه، حزباً قائداً للدولة والمجتمع.

كاتب المقال سوري... مهتم بحقوق الأقليات.
عضو مكتب سياسي في المنظمة الآثورية الديمقراطية

خاص – صفحات سورية -

ربيع المخابرات السورية؟

ربيع المخابرات السورية؟

داود البصري

ايلاف

مع الهجوم العلني والمباشر على المنتديات ومؤسسات المجتمع المدني التي أطلقتها حركة (ربيع دمشق) عبر الإغلاق النهائي لمنتدى الأتاسي، تكون الرؤية الأمنية والمستقبلية التي حددها المؤتمر القطري العاشر للحزب الحاكم في سوريه قد أكدت فاعليتها، وحددت طبيعة التوجه المستقبلي للنظام الذي حاول جاهدا التوافق مع المتغيرات والصبر على التحديات التي واجهت هيمنته المطلقة دون جدوى أو نجاح!، لأن الثعابين وإن غيرت جلدها فهي ليست على إستعداد لتغيير سلوكياتها ولا نمطها الحياتي!!، وهكذا يؤكد النظام السوري وعلى الطبيعة مباشرة من أنه لا بديل عن القمع وعن الدولة القمعية وعن حكم الحزب الإرهابي الواحد!، وإن البعث أمين لقناعاته الفاشية ولتراثه القمعي المتأصل!، و إن النظام الذي بنيت مؤسساته على جماجم الأهل والرفاق والشعب لا يمكن أن ينزوي نحو ظلال التاريخ ويترك الشعب يمارس حقه في السيادة والتعبير وكما فعلت الأحزاب الإشتراكية في شرق أوروبا التي إنسحبت من التاريخ والحياة السياسية بسلاسة وبعيدا عن الدموع والدماء!، فبإستثناء رومانيا (تشاوسيسكو) تخلصت دول أوروبا الشرقية من تراثها الستاليني بهدوء وإنتقل الشعب برمته لمرحلة تاريخية جديدة!!، أما في عالمنا العربي، و تحديدا في القطرين السوري والعراقي فيبدو أن الدماء العبيطة هي ثمن واجب الدفع لتغطية إنسحاب الدكتاتورية وإنهاء حكم الطغاة، لقد صمتت المخابرات السورية زمنا وهي تراقب تبلور الحركة الديمقراطية السلمية الإنسانية في سوريه وشعبها المتحضر، و نخبه الثقافية والسياسية التي ترفض العنف ومنظر الدماء والأشلاء، و التي كانت تراهن على قطاعات معينة في النظام السوري لتغيير الأوضاع نسبيا و تدريجيا!!، ولكن كل حسابات ورهانات التغيير سلميا قد فشلت بعد أن ركب موجة القيادة الحزبية مماليك المخابرات، و إنكشارية القمع، وجنرالات الموت والتعذيب، وأهل المنظمة السرية القمعية الطائفية التي تحكم بإسم حزب كان قد مات وشبع موتا منذ عقود!.
ويبدو أن (الإنفتاح) وتحسين الصورة على المستوى الخارجي من خلال التقرب للإدارة الأمريكية و إطلاق النوايا الحسنة نحو إسرائيل، وخطواتها التكتيكية نحو الوضع العراقي، و محاولة الإفلات من المستنقع اللبناني، و جميعها خطوات إتخذتها القيادة السورية الجديدة / القديمة، لم يرافقها أي تحسن أو تطور على مستوى التعامل مع الداخل الذي يشهد إنتكاسة حقيقية في ظل الإلتزام بقوانين الطواريء والأحكام العرفية وإطلاق يد الأجهزة الأمنية بل وتولي قادتها الإدارة السياسية والتخطيطية العليا في البلد والحزب الحاكم الذي تحول لمؤسسة أمنية قمعية مثل توأمه النافق في العراق سابقا!!، لذلك لم نخطأ أو نتجاوز على الحقيقة سابقا حينما أكدنا على فشل المؤتمر القطري العاشر بنتائجه الهزيلة، و إنه كان مؤتمرا لإدارة الأزمة البنيوية المعقدة في السلطة والنظام، وإن التغيير المنشود سلميا وتوافقيا قد بات من أحلام العصافير، وإن البعثيين والمؤسسة الطائفية العسكرية المخابراتية الحاكمة قد رفعت عصا التأديب لكل المخالفين في مخالفة صريحة لروح العصر ولطبيعة الإتجاهات الدولية.
ربيع دمشق لقوى المجتمع المدني قد تحول اليوم للأسف لربيع دائم للمخابرات السورية لتسرح وتمرح وتمارس سطوتها التاريخية في ظل نظام قد فقد البوصلة و معرفة إتجاهات الرياح، والحرية كما علمتنا تجارب الشعوب وأحكام التاريخ تنتزع وتؤخذ غلابا ولا تمنح هبة من نظام متعسف غارق في أوحال فاشيته!!، والشعب السوري أمام خيارات التاريخ يقف أعزلا ومتحضرا في وجه نظام خارج سياق التاريخ!، و ستكون المعركة شاقة وعسيرة، ولكن النصر سيكون للأحرار في خاتمة المطاف..!... تلك هي سنة الله و التاريخ، فسلاما لك يا دمشق وأنت تنسجين خيوط الحرية الذهبية.

حقوق الإنسان في العالم العربي: مجموعة من الرؤى والأبعاد

حقوق الإنسان في العالم العربي: مجموعة من الرؤى والأبعاد

تركي علي الربيعو

الحياة

انطلاقاً من أن الوصول إلى حقوق الإنسان مسألة جهد ونضال يومي يقومان على الرؤى والتفكير، يأتي كتاب «حقوق الإنسان: الرؤى العالمية والإسلامية والعربية» (مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت 2005) ليخلق تراكماً نوعياً في مجال رؤية حقوق الإنسان، وذلك مع الاتساع الأفقي والرأسي الذي شهدته الساحة العربية في العقود المنصرمة بالمطالبة بالديموقراطية وحقوق الإنسان، فالاهتمام الحقيقي لا المزيف هو دالة نهوض واستنهاض. وشاهد على حالة من الوعي خصوصاً في واقع عربي ما زال يبخس مواطنيه بعض الحقوق إن لم نقل جلها.

الكتاب محكوم بهاجس دفع مسألة حقوق الإنسان إلى الواجهة، فثمة خوف يحرك العاملين عليه من طغيان مسائل الإصلاح الديموقراطي على حساب مسائل حقوق الإنسان والتي قد ترتد الى مرتبة ثانوية، من هنا نفسر السؤال الذي يتصدر الكتاب: هل حلّت مسائل الإصلاح الديموقراطي محل مسائل حقوق الإنسان؟ وفي رأيي أن السؤال السابق سؤال مصطنع مسكون بهاجس التضاد، فالغاية من الديموقراطية المنشودة هي تحقيق حقوق الإنسان السياسية والمواطنية وليس طمسها. وهذا ما تكفلت به الرؤى الثلاث التي تجيب بمعظمها بقول «لا»، فلا يمكن لمسائل الإصلاح الديموقراطي أن تغيّب مسألة حقوق الإنسان.

أهمية الكتاب الذي يضم مجموعة دراسات لأربعة عشر باحثاً عربياً، أنها تمثل بحق مداخل ورؤى عدة لمسألة حقوق الإنسان، وهذا ما دفع إلى تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أقسام. وهذا ما يفرض على مراجع الكتاب أن تكون مراجعته انتقائية بمعنى أنه ينتقي من كل قسم دراسة أو أكثر تمثل الجهد الأوفر في مجال حقوق الإنسان دون أن تطمس حقوق البقية.

في القسم الأول الذي يضم مساهمات كل من مصطفى الفيلالي ومحمد فهيم يوسف ومحمد فائق. أقف عند رؤية الفيلالي الموسومة بـ «نظرة تحليلية في حقوق الإنسان من خلال المواثيق وإعلان المنظمات». يؤكد الفيلالي على أن معظم الوثائق الدولية والوطنية المقررة لحقوق الإنسان، نشأت وأبرمت بعد الحرب الكونية الثانية. انطلاقاً من «وثيقة الأطلس» بين روزفلت وتشرشل، وصولاً إلى «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» عام 1948، مروراً بعشرات الاتفاقات التي شكلت مكتبة ضخمة وصلبة أصبحت المرجعية لمعظم حركات التحرر المطالبة بالحريات والحقوق والمقرونة بمنازعة السلطات الاستبدادية في كل مكان. وفي هذا السياق يعرج الفيلالي على مشروع الدستور الإسلامي 1978 ومشروع رابطة العالم الإسلامي وعلى البيان الإسلامي العالمي الأول لحقوق الإنسان 1980، وبيان عن حقوق الإنسان في الإسلام 1980الصادر عن جامعة الكويت، وصولاً إلى الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي تولته جامعة الدول العربية 1993.

يؤكد الفيلالي أن الكثير من هــــذه المواثيق معطلة مرة بحجـــة الخصوصـــية ومرات بحجج عدة، من هنا قوله أن «لا عبرة بحقوق لا يتمتع بها أهلها، ولا بحريات معطلة عن الممارسة في الحياة اليومية» ومع استفاضته بالمعوقات التي تقف دون الوصول إلى الحقوق الكاملة، فإنه يرصد إلى جانب الأمية، ضعف الطبقة الوسطى الذي هو من أهم المعوقات الهيكلية لممارسة الحقوق والحريات. من هنا تأكيده في خاتمة البحث على أن الطريقة إلى حقوق الإنسان هو أن نعوّل على أنفسنا لا على المؤسسات الدولية ولا على الإيديولوجيات المستوردة.

في القسم الثاني الذي يضم الأبعاد الإسلامية، ويضم دراسات محمد عبد الملك المتوكل وعلي عيسى عثمان و» الإسلاميون وحقوق الإنسان» لرضوان زيادة و»حقوق الإنسان المتنازع عليها بين الغرب والإسلام» لسامي أبو ساحلية، يرى عبد الملك المتوكل في دراسته عن « الإسلام وحقوق الإنسان « أن الإسلام بمبادئه السمحة قد شكل الدعوة الأولى واللبنة الأساسية لحقوق الإنسان. لأن الإسلام لا يميز بين البشر إلا على أساس التقوى، لكن الخوف كل الخوف، أن منهج المحافظة على الدين من قبل الغيّرين عليه، يمكن أن يكون القاع لأشد أنواع الطغيان والاستبداد، وهذا ما يفسر المقولة الشائعة من أن الإسلاميين يستخدمون الديموقراطية كجسر للوصول إلى أهدافهم ثم ينقلبون عليها. وهذا ما يسعى لأن يقطع معه المتوكل، فالإسلام كما يرى الكثير من المفكرين الإسلاميين « لم يهزم في ظل الحرية، وإنما انهزم في ظل الاستبداد، وهو لا يحمى بسوط السلطان، وإنما بالقوة والرهان «. من هنا أهمية الجهود النضالية والفكرية التي من شأنها كما يقول علي عثمان أن تنقل حقوق الإنسان من حقل اللامفكر إلى حقل المفكر فيه والذي من شأنه أن يدفعنا جدياً إلى رؤية متكاملة حقيقية للإنسان وحقوقه.

في القسم الثالث والذي يضم الأبعاد العربية ويشمل مشاركات كل من محن عوض وبرهان غليون وثامر محمد والصادق شعبان ومحمد عصفور وحسين جميل سوف أقف عند رؤية برهان غليون والتي تقدم الجواب على السؤال الذي طرحه الكتاب في المقدمة: هل إن مسائل الإصلاح الديموقراطي يمكن لها أن تنشأ على حساب حقوق الإنسان؟

من وجهة نظر غليون المعنونة بـ «الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي: مشكلات الانتقال وصعوبات الديموقراطية «أن الديموقراطية وحقوق الإنسان هما في الواقع حركة واحدة وذلك انطلاقاً من أن أصل الحديث عن الديموقراطية ووجودها في المجتمعات العربية مثلما هو الحال في المجتمعات كلها، هو تأسيس الشرعية والتي تعني انبثاق السلطة عن إرادة الجماعة الوطنية عامة. وما يلحظ غليون هو ضعف الإرادة الجماعية الوطنية عامة بمسألة الديموقراطية وحقوق الإنسان، وهو يعزي ذلك إلى سمتين، الأولى نخبوية القوى السياسية والثقافوية الرافعة للديموقراطية وحقوق الإنسان. والثانية السطحية والهشاشة النظرية والسياسية التي تطبع معظم المحاولات والمقالات التي تصدرها هذه النخبة. من هنا فهو يرى أن تطوير العمل من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان يقتضي من المعارضة تطوير نفسها وسلوكها تجاه المجتمع وتعميق حوارها معه. وبالتالي الانفتاح على الرأي العام الذي تقوم هي ببنائه.

تعود أطروحة غليون إلى مطلع عقد التسعينات من القرن المنصرم، ويهمنا هنا أن نستشهد بأطروحة محسن عوض مساعد الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان الذي يقدم لنا خلاصة سريعة كخبرة عملية لحال حقوق الإنسان والذي يرى أن حقوق الإنسان في الممارسة تسير من سيئ إلى أسوأ، وبخاصة في ظل ما يسميها «توحش» سلطات الدولة العربية، وكذلك فإن ما يجمعه بغليون وبمعظم المهتمين بالشأن العربي هو البحث عن لغة مشتركة لحقوق الإنسان، والأهم تعميق الوعي بهذه الحقوق المهمة وذلك من خلال برنامج بحوث ومن خلال نضال يومي لما يزل بعيداً!

كاتب سوري.

الدور الإقليمي السوري... راهنه ومستقبله وخياراته

الدور الإقليمي السوري... راهنه ومستقبله وخياراته

غازي دحمان

الحياة

يواجه الدور الاقليمي لسورية في اطار البيئة الدولية ذات المتغيرات المتلاحقة والمتسارعة، تحديات كبيرة قد تثني السياسة السورية عن اهتماماتها وتوجهاتها التي اعتادت عليها منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي. ويشهد هذا الدور متغيرات كبيرة، سواء في وقته او أولوياته، او في القوى المساعدة له داخلياً وخارجياً، مما ينذر بوصوله الى درجة الازمة في المستقبل القريب.

وكانت دمشق صاغت دورها الاقليمي في ظل ظروف دولية مختلفة تماماً، توافرت لها الحماية من قبل قطب دولي مهم، والرغبة في لعب ادوار معينة ومحددة من قبل الطرف الآخر. وهكذا استطاع صانع قرار السياسة الخارجية السورية في حينه تأمين هوامش مقبولة لتحركه السياسي على المستوى الاقليمي، سمحت له مع مرور الزمن بوضع يده على عدد من اوراق القوة، والتي سيكون لها دور مهم في ضبط التوازنات الاقليمية، وادارة الصراع في المنطقة بطريقة جعلت من سورية لاعباً اقليمياً مهماً.

كما كان للسياسة التي اتبعتها دمشق تجاه الصراع العربي – الاسرائيلي اثر كبير في فتح مجال العمل العربي والعالمثالثي امام سورية، في وقت شهد نهوض منظمات دولية واقليمية ذات فاعلية وأثر مهم في الساحة الدولية، كمنظمتي عدم الانحياز والمؤتمر الاسلامي وسواهما والتي استفادت من مناخات الانقسام العالمي وحاجة القطبين الكبيرين الى حلفاء اقليميين على امتداد الجغرافيا العالمية، وفي المناطق الحيوية والمهمة كالشرق الاوسط.

ولأن الشرق الاوسط كان منطقة نزاعات ملتهبة وساحة حروب للقوى العظمى، ونظراً الى وجود اسرائيل حليفاً اساسياً للإمبريالية الغربية (في حينه)، وقوة محتلة تقف عائقاً في وجه المشروع الثوري العربي، (أقله في الأدبيات السياسية العربية)، قام الدور السوري على اساس السعي الى تغيير الاوضاع الراهنة في شكل جذري، خصوصاً بعد نكسة حزيران (يونيو) 1967، متقمصاً دور «قاعدة الثورة»، والذي رأت سورية بموجبه انها مسؤولة عن قيادة الحركات الثورية في المنطقة، ومدها بالمعونة وتوفير قواعد التدريب لها، اضافة (إن أمكن) الى الارشاد الايديولوجي لتلك الحركات.

غير ان متغيرات البيئتين الدولية والاقليمية المتواترة منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي، راحت تثير جملة من الشكوك حول مستقبل الدور السوري وقدرته على الاستمرار وفق الصيغة التي تشكل على اساسها. فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، السند الاكبر لدمشق ومن ثم اعلان المنطقة عن رغبتها في صنع سلام نهائي مع اسرائيل، والتي اصبحت في الحسابات الاستراتيجية والعسكرية القوة المنفردة في المنطقة من دون منازع، بدت سورية بعدتها الايديولوجية وواقعها الاقتصادي والتقني، وطموحات قيادتها السياسية في احتلال موقع مهم على الخريطة السياسية للمنطقة، وكأنها تعيش خارج زمان الشرق الاوسط المستجد.

وعلى رغم قرار سورية الاستراتيجية عدم التخلي من دورها، ومحاولتها الإمساك بأوراقها الاقليمية، والسعي الى ترجمتها الى قوة سياسية مؤثرة، الا ان هذا الدور واجه عدداً من الاشكاليات الخطيرة التي وقفت عائقاً في وجه الطموح السوري، اهمها:

1- تخطي هذا الدور مقدرات سورية الوطنية، خصوصاً من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية، الامر الذي حوّله عبئاً كان من نتيجته فشل هذا الدور ذاته في مراحل لاحقة.

2- عدم مراعاة ضغوط ومصالح القوى الكبرى، والتوازنات الدولية والاقليمية، مما ادى الى الاصطدام بأكثر من قوة دولية وإقليمية كبرى في آن.

3- تصاعد الدور النسبي للمنافسين الاقليميين، اذ ادت التوجهات العالمية الجديدة الى ظهور منافسين اقليميين جدد، بدأوا يطرحون انفسهم كقوى قادرة على مسايرة، او محاكاة، الاهتمامات، التي تطرحها البيئة الدولية الجديدة، وخصوصاً في القضايا الاقتصادية والتنموية، ومسألة التحول الديموقراطي، وهي القضايا التي باتت تحتل الاولوية في اللحظة الدولية الراهنة المشدودة بقوة الى منطق العولمة واستحقاقاتها.

ماذا عن مستقبل الدور السوري وخياراته؟

يتوقع كثير من المراقبين ان تحتل المشكلة الاقتصادية مكان الصدارة في اهتمامات القيادة السورية، وهو ما عبر عنه اخيراً في توصيات المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم، وذلك في ظل ظروف داخلية تستبد فيها الازمة الاقتصادية، وتحاصر الاقتصاد السوري رويداً رويداً، الامر الذي يعني عدم توفير أي امكانات ذاتية يمكن ان تسخر لخدمة اهداف السياسة الخارجية السورية.

وفي هذا الاطار، ثمة من يتوقع ان تقدم دمشق على تنازلات مهمة في اطار دورها الاقليمي التاريخي، في مقابل بعض الامتيازات الاقتصادية، والتي ربطت بقصد او من غير قصد، بمدى تجاوب سورية مع الشروط الدولية والمتطلبات الاقليمية. ويمكن الاشارة في هذا الصدد الى اتفاق الشراكة مع اوروبا، وكذلك اعادة فتح المجال التجاري مع العراق، او حتى انضمام سورية الى بعض المنتديات والمنظمات الاقتصادية الدولية، كمنظمة التجارة العالمية على سبيل المثال.

هل من خيارات وبدائل متاحة امام سورية في هذه الظروف الأولية والاقليمية الصعبة.

ثمة من يرى ان العلاقات القوية مع ايران، والنامية مع تركيا، من شأنها موازنة متغيرات الوضع الاقليمي الحرج، بحيث تمنح دمشق هامشاً ومقدره اكبر للتعامل مع القضايا الاقليمية، وخصوصاً ان الدوليتين ذاتا ثقل ووزن مؤثرين في قضايا السياسة الاقليمية، إلا أن هذه العلاقة في احد جوانبها، تتطلب من سورية تنازلات، ان لم يكن خضوعاً، لتوجهات البلدين ومصالحهما التي لا تتطابق بالضرورة مع المصالح السورية، ان لم تكن تتناقض مع تلك المصالح في احايين كثيرة.

كاتب سوري.

برلماناتنا وبرلماناتهم

برلماناتنا وبرلماناتهم

فالح عبد الجبار

الحوار المتمدن

حملتني مصادفة الى بيروت، وأوقعتني مصادفة أخرى في لجة سجال يكاد يكون عقيماً في العالم العربي
المصادفة الأولى هي عقد ورشة «فكرية - علمية» في بيروت نظمتها وكالة التنمية في الأمم المتحدة حول البرلمانات العربية، أما المصادفة الثانية فهي حضور برلمانيين وجامعيين من خمس دول عربية هي: اليمن، لبنان، الجزائر، السودان والعراق.
من بين هذه البرلمانات الخمسة، اثنان منتخبان حديثاً بفعل تدخل خارجي (العراق ولبنان)، واثنان معينان تعييناً (اليمن والسودان)، وثالث (الجزائر) لا يقع في هذه الخانة ولا في تلك، فلا هو حديث العهد، ولا هو ثمرة «تدخل»، ولا صنيعة قرار بيروقراطي.
ما يجمع البلدان الخمسة هو النزاع: حرب أهلية ضارية في لبنان تداخلت مع احتلال أخوي فكك كل عتلات ديموقراطيته العتيدة. وحربان أهليتان في اليمن داخل الجنوب، ثم داخل دولة الوحدة، بين جنوب وشمال. والسودان لا يزال يعاني من احتكار الحزب الواحد، سواء في قسمه العربي المسلم، أو في جنوبه الأفريقي - المسيحي، حيث حرب أهلية طاحنة. والجزائر، كما هو معروف، لا تزال تلعق جراح العنف الأهلي، الأصولي، منذ 1991.
شاطرت وأقراني المنفيين العراقيين مثقفي لبنان بعضاً من عناء الحرب الأهلية، ورزايا الغزو، ومغبة التدخل، حتى وإن كان أخوياً، كما أعرف، لمس اليد أو بالواسطة، أو بكليهما، تبعات النزاع أو العنف الأهلي في العراق. الغريب في هذا النزاع، انه قديم على أهله، جديد على الاعلام العربي، الذي اكتشفه بعد سقوط بغداد فحسب.
أعجبت بالوقائع السلسة، الجلية، التي أوردها البرلمانيون أو المحللون عن برلماناتهم. وتكاد ملاحظاتهم تنطبق، مع شيء من تعديل، على جل البرلمانات العربية، حيثما وجدت بإرادة سامية، أم بأوراق اقتراع.
الملاحظة الأولى ان البرلمان، كهيئة تشريعية يبدو مثل كائن معتل ازاء سطوة وجبروت السلطة التنفيذية، وهذه في الغالب، عسكرية الأرومة، شاهرة السلاح، من وراء الكواليس، على أمم بأسرها. الاستثناء الوحيد هو لبنان. لكن هذا الاستثناء فقد عذريته بفعل وتدخل الجار الكبير، الذي راح يبرمج انتخابات الرئاسة، ويعطل تجديد البرلمان، ويختزل النظام البرلماني، على مثالبه الكثيرة، الى صورة الجار التوتاليتاري نفسه.
والملاحظة الثانية ان البرلمان، كهيئة تشريعية، افتقد القدرة على التشريع، في معظم الأحوال، متحولاً الى ما يشبه جمعية خيرية للعجائز.
والملاحظة الثالثة، ان البرلمانات في أحوال كثيرة، أججت بدل أن تطفئ النزاعات الأهلية.
ولعل الوصف الذي قدم لنا عن عذاب الجنوبي في اليمن أو السودان، يتكرر في جنوب العراق وشماله، أو في المناطق الناطقة بالأمازيغية في الجزائر.
والملاحظة الرابعة، ان هذه الهيئات التمثيلية تعتمد في بنيتها على أنماط من التعبئة والشرعية تعود الى عالم الملل والنحل العثماني، الذي بدأنا الخروج منه في مطالع القرن العشرين، لنسير على درب الحداثة السياسية والاجتماعية، لا لشيء إلا لنعود القهقرى الى الماضي التقليدي (عودة موقتة كما نأمل)، إما بفعل التدمير المنظم للنسيج المدني الذي تولته النظم القومية الأهلية، أو بفعل المحيط التقليدي النافذ في المنطقة العربية - الإسلامية، أو بمزيج من الاثنين.
لم أجد من الحاضرين من يقر ويعترف بأن النظام البرلماني، وهو شكل حضاري ضروري لتطور المجتمع المدني، نشأ في حاضنة التوسع الرأسمالي الآتي من الخارج، وبفضله. وان انهيار الصروح البرلمانية صناعة محلية، أساساً، مشفوعة بتأثيرات الحرب الباردة، التي أوردت كل حركة نحو الحرية مورد الردى. الأنكى من ذلك، ان العودة الخجولة الى الحياة البرلمانية تأتي بضغوط برانية، لا بديناميكيات محلية، أو ان هذه الديناميكيات المحلية تفتقد القدرة على الحركة الذاتية من دون بيئة دولية أو اقليمية مؤاتية.
لم أجد في النقاشات من يلتفت الى تقسيم السلطات، أساس أي حياة ديموقراطية - برلمانية.
لم ينشأ تقسيم السلطات ثمرة ابداع فكري (نظرية مونتسكيو في كتابه: روح الشرائع)، بل ثمرة نشوء قوى اجتماعية ومؤسسات راسخة فرضت تقسيم السلطات لكسر احتكار الملوك، واحتكار النبالة، لمراكز السيادة، أي الحق في الحكم. نشأ تقسيم السلطات الحديث أول ما نشأ في انكلترا، بصعود الطبقة الثالثة، المهيمنة على مقاليد الثروة، بإزاء قوة العرش، المهيمن على الجهاز البيروقراطي - العسكري المركزي الحديث، وقوة النبلاء الذين هيمنوا على الأرض، والشرعية المدعمة بتقاليد الشرف ونبالة الدم.
وكان تقسيم السلطات على شكل مؤسسات هو، في واقع الأمر، انقسام اجتماعي تتفتت فيه منابع القوة والهيمنة بدل ان تتمركز وتتركز في بؤرة واحدة. وكانت نظرية مونتسكيو عن تقسيم السلطات هي تمثلات ذهنية للواقع الانكليزي الذي أخذ ملامحه في القرن السابع عشر، وبخاصة بعد «الثورة المجيدة» التي عاصرها جون لوك أبو الديموقراطية الحديثة.
وكان همّ المفكر الفرنسي، المتحدر من النبلاء، ان يحاكي النموذج الانكليزي، ليمنع تركز السلطات في يد العاهل، ويفتح الباب لاندراج القوى الاجتماعية الثلاث، العرش، النبلاء، الطبقة الوسطى (الثالثة)، في مساواة تاريخية على الغرار الانكليزي، باعتبار هذا الغرار السبيل الأنجع للانتقال المتدرج، السلس، نحو الديموقراطية البرلمانية، ومبدأيها الأساسيين: الحكم بالتوافق (الانتخاب)، وحكم الأكثرية.
وإن بحث العربي عن الطبقة الوسطى في المنطقة عاد خائباً، وان عنّ له انتظارها، فسينتظر على غرار انتظار غودو صامويل بيكيت الغائب/ الحاضر. بدل الطبقة الوسطى سيجد المرء قوى اجتماعية أخرى، سيجد الجندي - السياسي (عبدالناصر، بومدين، وعبد السلام عارف، والسلال، وأضرابهم أو أخلافهم)، ممثل المؤسسة العسكرية، التي نضجت كجزء من جهاز الدولة الحديث، قبل نضج مجتمع الحواضر، حاضنة الطبقة الوسطى، والطبقات الحديثة الأخرى. ويقف هذا الجندي - السياسي بازاء مجتمع قبلي مفتت (اليمن)، أو مجتمع فلاحي طاغ، لا فعل فيه للمدن الحديثة، أو ان هذه الأخيرة ضعيفة لا تزال: ربع سكان البلدان العربية يتركزون في العاصمة، والسيطرة عليها كانت تعني السيطرة على الأمة بأسرها.
أو يجد المرء، عوضاً عن العسكر، طوائف وقبائل متناحرة، تقف بين عصرين، قدم في عالم الملل والنحل، وقدم في عالم الدولة الحديثة. قد تجد هذه الملل من يسعفها على ترتيب جديد ابتكرته التجربة التاريخية لأجل تدعيم التطور الديموقراطي: التوافقية، أو الفيديرالية، أو اللامركزية. أو قد لا تجد هذا الاسعاف، فتلجأ الى نخب حاكمة تستمد شرعيتها من الدين والتقاليد، وهي نخب ذات منحدر شريف (علوي أو هاشمي)، أو تدعم شرعيتها باسم الدين.
هذه الحال تتغير، ببطء، وألم، لكنها تتغير. ففي حالات غير قليلة يتفكك دور الدولة أو نخبة الدولة كمالك للثروة الاجتماعية، وفي حالات غير قليلة أيضاً تنمو المدن المليونية متقاسمة النفوذ مع العاصمة، خالقة فضاءات متعددة للفعل السياسي والاجتماعي. وفي حالات كثيرة تأتي الفضائيات والانترنت لكسر احتكار المعلومات ولغة الاتصال، لكن ذلك كله يجري وسط خبل جماعي لحمته انحطاط الثقافة، وسداه صعود الخطاب المقدس، أو بالأحرى اللابس لبوس المقدس، ليستولي على عقول الطبقة الرابعة، الأساسية لديموقراطيات القرن العشرين، نعني بذلك الطبقات العاملة، والفئات الدنيا، والهامشية، التي تشكل كتلة اجتماعية كبيرة لا تقل أهمية عن الطبقة الوسطى (الثالثة)، غير انها سديمية، غارقة في غبش الرؤية الصوفية. ولعل حلول لابس العمائم محل الأفندي علامة على عدم نضج هذه القوى الاجتماعية المدنية، لكنه أيضاً علامة على فقدان نخب الدولة العاتية لاحتكارها المديد.
نحن في مرحلة انتقالية، جديدة، شائكة، منهكة، لكنها جديدة. شرط الديموقراطية المكتمل هو فكاك الطبقة الوسطى (الثالثة) من أسر الدولة (وهذا يتحقق جزئياً) وفكاك فئات الطبقة الرابعة من أسر العمائم.

الأمن السوري في استنفار غير عادي خوفاً من عودة رفعت الأسد فجأة

* الأمن السوري في استنفار غير عادي خوفاً من عودة رفعت الأسد فجأة

دمشق - أخبار الشرق (خاص)

ذكرت مصادر سورية مطلعة أن الأجهزة الأمنية السورية في حالة استنفار غير عادي منذ نحو أسبوع بعد أن سرت شائعات بعزم رفعت الأسد على العودة بشكل مفاجئ أو سري.

وقالت المصادر إن الفروع الأمنية وضعت في حالة الاستنفار القصوى بعد أو وصلت معلومات مؤكدة بأن رفعت سيعود ويضع السلطات أمام الأمر الواقع.

وكانت أخبار الشرق كشفت في 18 حزيران/ يونيو 2005 أن متحدثين باسم نائب الرئيس السوري السابق رفعت الأسد بدأوا بالتحرك في بعض الأوساط السورية تمهيداً لتأسيس نواة لحركة سياسية معارضة. ونقلت عن مصادر سورية وثيقة الاطلاع أن بعض الشخصيات السياسية والعسكرية المسرحة المحسوبة على رفعت الأسد (شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد وعم الحالي بشار الأسد) وعلى "سرايا الدفاع" التي حُلّت في الثمانينات مع إبعاد رفعت عن البلاد إثر خلافه مع شقيقه الرئيس بسبب محاولته الإمساك بزمام السلطة أثناء مرضه؛ بدأت بإجراء اتصالات وتحركات من أجل إعادة ترتيب الأوراق استعداداً لإعلان الحركة المعارضة فور تلقيها الأمر بذلك من رفعت الأسد.

وأشارت المصادر إلى أن الكثير من ضباط سرايا الدفاع المنحلة وأعضاء رابطة خريجي الدراسات العليا المنحلة أيضاً (والتي كان يسيطر عليها رفعت) هم في صدد تشكيل نواة لحركة سياسية تشكل امتداداً لحزب الشعب العربي الديمقراطي والتجمع القومي الموحد اللذين يرأسهما سومر الأسد ووالده رفعت الأسد في المنفى.

وأكدت المصادر أن حركة أنصار رفعت الأسد مرصودة من قبل الأجهزة الأمنية السورية التي تراقب عن كثب أنصاره، ولم يتضح ما إذا كانت ستتخذ بحقهم إجراءات أم لا. وتتوقع المصادر السورية أن يحظى رفعت الأسد باستقبال كبير في بعض المناطق الساحلية السورية حيث يحظى بشعبية كبيرة، في ظل ضعف السلطة المركزية التي يقودها ابن أخيه رئيس الجمهورية.

وذكرت المصادر أن رفعت الأسد عاد أكثر من مرة - سراً - إلى سورية في السنوات الماضية، لكنه كان مقيد الحركة وتحت رقابة شديدة، ومُنع من إعلان زيارته.

وخلال زياراته إلى سورية في النصف الثاني من عقد التسعينات اتصل رفعت الأسد بضباط سرايا الدفاع السابقين كما قام بزيارات مفاجئة لبعض ألوية الفرقة الرابعة في الجيش (سرايا الدفاع سابقاً) ولقي كل الترحيب من الضباط والعناصر الذين تجاوزوا الأوامر العسكرية الصارمة بمنعه من الدخول، والتي أدت ببعضهم إلى السجن والتسريح من الجيش. ومعروف أن أحد أهم مراكز نفوذ رفعت الأسد كان ميناء غير قانوني مستخدم للتهريب على الساحل السوري، تم إغلاقه بعد مواجهات عسكرية بين القوات السورية وأنصار رفعت المتمترسين داخله، سقط فيها قتلى وجرحى، وذلك في 23/10/1999.

وأعلن رفعت الأسد في أيار/ مايو 2005 عزمه على العودة إلى سورية لتحقيق الوحدة الوطنية في ظل الأخطار الخارجية التي تواجهها. ولكن هذا الإعلان قوبل بتهديدات بالمحاكمة والسجن على خلفية قضايا فساد؛ ما دفعه إلى تغيير موقفه وإعلانه سعيه إلى "عزل" النظام السوري و"إسقاطه".

اشتباكات في دمشق:

من جانب آخر؛ سمع سكان حي ركن الدين في العاصمة السورية دمشق في الساعة التاسعة والنصف من مساء الاثنين 27 حزيران/ يونيو 2005 أصوات اشتباكات بأسلحة رشاشة لم يعرف مصدرها. وقال سكان ركن الدين إن الاشتباكات استمرت اكثر من ربع ساعة متواصلة وسمع صوت أسلحة رشاشة وطلقات متقطعة.

في سورية يعضون البعوض

في سورية يعضون البعوض

بقلم: محمد الحسناوي *

أخبار الشرق

في ليلة من ليالي هذا الصيف أفاق الكاتب على عضة بعوض وهو في الغربة، فتألم، حاول استئناف النوم فلم يستطع، لأنه تذكر بعوض الوطن، فحنَّ إليه، فكتب هذه الخاطرة:

في كل بلاد العالم يوجد بعوض، وفي كل بلاد العالم يعض البعوض المواطنين، فيكافحونه بالمواد الكيميائية المخلوطة بالنفط أو أحد مشتقاته، كالكاز والبنزين، وما سوى ذلك، فيتخلصون منه ومن عضه.

أما في سورية، فالمسألة تختلف كل الاختلاف، لأن سورية، لها خصوصية: شعباً وحكومة ونظاماً. في سورية يوجد بعوض عظيم، وهو بعوض وطني، وهو محترم، ذو نفوذ وانتشار واسعين في مفاصل الدولة والمجتمع، بنص الدستور. وهذا يفسر انتشار القمامة وتكدسها على شكل أهرامات لطيفة في مفارق الطرق والشوارع والساحات العامة والمتنزهات وأمام مباني البلدية أيضاً، ولا أحد يستغرب ذلك، لأنه أصبح فولكلوراً شعبياً محبباً. ومن العادة أن المواطنين هم الذين يعضون البعوض، بدلاًَ من أن يعضهم، وذلك من قلة شرفهم، ولتواطؤهم مع بعوض الخارج.

وقد حاول بعض الأذكياء أن يؤصِّل للبعوض السوري، فتساءل في رسالة جامعية: هل هذه الظاهرة مستمدة من حضارة شرقية تقدس الحيوانات كالحضارة الهندية، حيث الراهب الناسك هناك يفتح فمه، ويدلق لسانه بكل طواعية للبعوض أو الذباب، كي يعيش على لسانه، فلا يغلق فمه بخلا وجحوداً. فاشتم البعوض الوطني السوري من هذه الرسالة الجامعية مؤامرة، ففتكوا بالرجل وانتهى أمره. والذي جعلهم يستنتجون هذا الاستنتاج الذكي هو أن حضارة تقديس الحيوانات ارتقت إلى تقديس الإنسان والأخذ بالديمقراطية الحقيقية، وحصر سياسة العض في أضيق حدودها، أي تركها مسألة شخصية، غير مقننة بالدستور تقنين الماء والهواء.

والحقيقة أن المواطنين السوريين متألمون من بعوضهم الوطني، ولا يجدون طريقة فعالة لمواجهته المستمرة إلا العض، لأن النفط الوطني ومشتقاته محتكرة للحزب القائد للدولة والمجتمع، من أجل بيعه في السوق السوداء بأسعار خيالية، تزيد من حجم الأرصدة المودعة في المصارف الأجنبية للأيام القادمة الأشد سواداً.

أحد عناصر البعوض المكلفين بحماية المساجد في مدينة (حمص)، حيث الرطوبة والمستنقعات التي تزين وسط سورية، كشف عن هويته لرواد أحد المساجد من المواطنين الأغبياء السذج، وأراد أن يمارس هوايته بأن يمص دم إمام المسجد. وسبب اختياره الإمام أنه خفيف الدم، ظريف لطيف كالغالبية العظمى من أهالي حمص، ولأن عض المواطن الشريف الهمام خير من عض المواطنين الطغام اللئام:

إذا غامرتَ في أمرٍ مَرومِ فلا تقنع ْ بما دون النجومِ

فعضُ المرء من شعب لئيم كطعمِ العض من شعبٍ كريمِ

والطريف أن إمام المسجد سكت عن عض البعوض الوطني، وسلَّم له أعضاءه للعض أكثر من مرة، لكن الخطأ أن رواد المسجد أخذتهم الحمية الحمصية على إمامهم المعضوض، وتطوع بعضهم لإنهاء هذا العدوان الحضاري، وهم ذوو إمكانية في العض لا يُستهان بها، فترصدوا لعنصر البعوض، وأوسعوه عضاً، ولما كانت أنيابهم قاطعة، والصحيح موتورة، وعنصر البعوض هش العظام، كانت النتيجة أن مات عنصر البعوض الأمني من عضات المواطنين الشرسين والصحيح الموتورين، فما كان من جيش البعوض الوطني إلا شنَّ حملة فعالة على المواطنين رواد ذلك المسجد وإمامه ومؤذنه وخادمه وعلى الحارة المحيطة به والحارات المجاورة، وأشبعوهم عضاً عنيفاً، كانوا قد نسوه، ونقلوا المصابين بالعض العنيف إلى زنازن وسجون مشهورة بالعض المؤلم، يشبهه بعضهم بعضّ الكلاب (المكلوبة) أي (الكَلَب)، وهو مرض مُعدٍ، كما هو معلوم، فانتشر الخبر في أرجاء سورية بشكل مضخَّم ومشوَّه بسبب الشائعات المغرضة المتآمرة على الأمن الوطني، وتعلَّم الناس أن الاستسلام لعض البعوض الوطني عضاً عادياً خير من الاعتقال والسجن والتعرض لعض البعوض الأشد، وبعض العض أهون من بعض.

هذه قصة البعوض الوطني في سورية. وهي الرواية الموثقة التي تنقض الروايات الأجنبية.

على كل حال انتشرت الواقعة خارج سورية، وبلغت إلى مسامع الكبار في السوق الأوروبية، وإلى الوفد الأوروبي المكلف بتوقيع معاهدة شراكة مع الحكومة السورية، فأشفقوا على المواطنين السوريين، فتدخلوا في الشؤون الداخلية استنكاراً لشدة العض الذي يمارسه البعوض الوطني السوري، فزاروا سورية، وطلبوا زيارة بعض سجناء العض في سجونهم، مثل النائبين رياض سيف ومأمون الحمصي، فرفضت السلطات هذا الطلب غير الحضاري، لكن أعضاء الوفد الأوروبي استطاعوا الاجتماع ببعض رجال المعارضة، وسألوهم عن المشكلة الوطنية، فتجرأ أحد رجال المعارضة، ووضح الحقائق تماماً، ثم تجاوز الحدود المرسومة أو الخط الأحمر، وطلب من الوفد الأوروبي مساعدة المواطنين السوريين بالتخلص من سياسة (العض العام) الذي يمارسه البعوض الوطني، وذلك بوقف التوقيع على معاهدة الشراكة الأوروبية السورية، لكيلا يستفيد البعوض الوطني السوري من دعم إضافي من السوق الأوروبية قبل أن يكف عن هذه السياسة، فيشتد العض على المواطنين، مع العلم أن المواطنين السوريين المؤدبين قد بلغ بهم الصبر الشديد مبلغاً، لم يعد يحتمل العض من البعوض الوطني، وأن المواطنين يكادون ينفجرون من الغيظ المكتوم طوال أربعين عاماً، وحرصاً على التهدئة الوطنية، واستمرار التعاض الوطني المخفف، يطلبون هذا الطلب!!

ومع ذلك لم تتفهم أجهزة البعوض الأربعة عشر نوايا المواطن المعارض فهماً حسناً، فكشفت خيانته للوطن البعوضي، ولمكتسبات الوطن من البعوض، وهددته وتوعدته عبر الصحافة الوطنية إن عاد لمثلها، وكشف سياسات البعوض الوطنية الممتازة، خشية حصول تقليد أجنبي لها أو سرقتها.

وهذه هي آخر أخبار البعوض الوطني المظلوم من مواطنيه.

عاش البعوض الوطني رمزاً للخصوصية السورية.

يسقط البعوض الأمريكاني والبريطاني وكل بعوض أجنبي.

عاش التعاض الوطني.

عاش الصبر الشعبي السوري الذي لا ينفد.

وكل عضة وأنتم بخير.

التوقيع: مواطن معضوض هارب من العض الوطني منذ ربع قرن.

__________

* كاتب سوري وعضو رابطة أدباء الشام

ميشيل كيلو والجنرال بهجت سليمان: قول على قول

2005-07-02

ميشيل كيلو والجنرال بهجت سليمان: قول على قول

نزار حسن

نشر الكاتب السوري ميشل كيلو توضيحا في صحيفة "النهار" اللبنانية، نفي تصريحا جاء على لسان رافي مادايان، ابن زوجة الشهيد الرفيق جورج حاوي الامين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني. ونقلا عن كيلو نفسه، كان مادايان قد "قال في معرض تعليقه على التغييرات التي شهدتها الاجهزة الامنية السورية بعد نهاية المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث السوري ان اطاحة اللواء بهجت سليمان تعني غياب وجه اصلاحي من السلطة كان يحاور المثقفين السوريين من تيار ميشال كيلو".


ويكتب الأخير في توضيحه

هذه المعلومة عارية عن الصحة بنسبة مئة في المئة"، لأن اللواء سليمان وغيره من الوية الامن - لم يحاور المثقفين من نشطاء لجان احياء المجتمع المدني في اي يوم من الايام". لكنّ كيلو يعترف بوقوع لقاء واحد على الأقل، في مكتب اللواء بهجت سليمان: "وان كان صحيحا انني ذهبت بصحبة زميلين سابقين من اللجان إلى مكتبه يوم 13 أيلول عام 2001، للاحتجاج على اعتقال زملائنا من نشطاء اللجان، وخاصة منهم الدكتورعارف دليلة والطبيب وليد البني، وبقية معتقلي ما صار يعرف بـ"ربيع دمشق"، وفي مقدمهم الرفيق رياض الترك.

أكثر من هذا، يوضح كيلو ان اجواء الحوار كانت صريحة وجارحة في الآن ذاته: "الحديث دار في اجواء من الصراحة الجارحة وغير المعهودة بالنسبة الى الامن، وانه انقسم الى قسمين: واحد يشرح ما تريده اللجان وما فعلته. وآخر يبين فداحة ما اقدمت السلطة عليه من اعتقال وخطورته على البلد". ثمّ، في مطلع فقرة لاحقة، يقول كيلو: "منذ ذلك اليوم والى اللحظة، لم التقِ باللواء سليمان، بناء على موعد ام بالمصادفة، ولم احاوره انا كما لم يحاوره اي واحد من زملاء واصدقاء اللجان سواء في مكتبه ام خارجه، بصورة مباشرة او غير مباشرة. ولست ابالغ أو اتباهى اذا قلت انني لن اعرفه لو رأيته في الطريق.

وأخيراً يختم بالقول: "اما مصدر معلومة الرفيق العزيز رافي فقد يكون النظام او احد اتباعه داخل سوريا او خارجها، ذلك ان هؤلاء دأبوا على نسج اكاذيب كثيرة حول علاقة تربط اللواء بالمثقفين، وبي شخصيا بصورة خاصة، حيث كتب احدهم في باريس يقول بالحرف الواحد: ولا شك في أنك سترى رياض الترك أو ميشال كيلو خارجا من مكتب بهجت سليمان، ان مررت في جادة الخطيب. من الجلي ان هذه الكتابات هي جزء من سعي النظام الى تشويه سمعة المعارضة والمعارضين.

لعل صدر كيلو يتسع للملاحظات التالية، التي لا تشكك في وطنيته واخلاقية انتمائه الى القوى الديمقراطية، وان كانت تتوخى تبيان الاختلاف العميق مع خياراته على مستوى التكتيك في الأقل

ـ ايا كانت التسمية، حوارا او احتجاجا او مشوارا، فإن اللقاء جرى بالفعل اي، في عبارة اخرى، لا يمكن تكذيب تصريح رافي مادايان لأن واقعة واحدة على الأقل تبرهن على مضمون التصريح. كيف يصح إذن قول كيلو ان "المعلومة عارية عن الصحة بنسبة مئة في المئة"؟

ـ يُفهم من كلام كيلو ان اللقاء لم يتم نتيجة امر استدعاء او نية اعتقال، وبالتالي ذهب كيلو وزميلاه في اللجان بمحض ارادتهم. ماذا نسمّي هذا الفعل، إذا استبعدنا كلمة "حوار التي يرفضها كيلو؟ وهل هذه "زيارة فنجان قهوة" مع رجل كان آنذاك ثالث أو رابع ابرز رجالات النظام؟ ولماذا لم يفعل الشباب ما فعله المحامي والناشط الحقوقي هيثم المالح، الرئيس السابق لجمعية حقوق الانسان في سورية، حين رفض لقاء رئيس المخابرات العامة هشام بختيار في مكتبه، واشترط لقاءه في مطعم بالربوة، بل واصر على دفع الحساب؟ فمن غير المعقوا ان نتخيل ذهاب كيلو وزميليه الى الفرع 251 لتقريع رئيسه اللواء بهجت سليمان، وادارة اجواء من الصراحة الجارحة وغير المعهودة بالنسبة الى الامن"؟ "

- متى اعتاد الناشطون الديمقراطيون السوريون ممارسة الاحتجاج وجاهيا، أي وجها لوجه مع ضباط الأمن؟ واذا كان كيلو وزميلاه قد دشّنوا هذه العادة، فلماذا اختار الشباب بهجت سليمان بالذات، مع العلم انه لم يكن الجهة الامنية التي اعتقلت الدكتورعارف دليلة والطبيب وليد البني وشيخ المعارضة البارز رياض الترك، الذين يذكرهم كيلو بالاسم؟

ـ اذا كان من حق كيلو ان ينفي صفة "الحوار" عن ذلك اللقاء، فهل من واجبه ان ينفي عن اللواء سليمان، بل وعن "غيره من الوية الأمن" اي حوار مع المثقفين جماعة لجان احياء المجتمع المدني، و"في اي يوم من الايام"؟

لماذا يلوح كيلو متاكدا الى هذه الدرجة؟ ما أدراه بحقيقة صلات وحوارات العباد؟


ـ من الاجحاف ان يلمح كيلو الى احتمال ان يكون النظام واتباعه في الداخل والخارج هم مصدر معلومات رافي مادايان. فالرجل اصلا لا يقصد التشهير، ولكنه على العكس يتحدث عن "تيار ميشال كيلو". وهو الى ذلك لا مصلحة له في الحاق الضرر بالديمقراطيين السوريين. وقد يكون الدخان الذي هداه الى هذا التصريح هو النار التي مصدرها اللقاء الفعلي الذي جمع كيلو وزميلاه مع اللواء سيمان.

ـ ليعذرنا ميشيل كيلو اذا اتهمناه بالمبالغة حين يقول انه لن يعرف اللواء سليمان اذا رآه في الطريق. اولا اللقاء جرى قبل اربع سنوات فقط، ولا نظن ذاكرة كيلو قصيرة الى هذه الدرجة. وثانيا لن يرى كيلو اللواء سائرا في الطريق لأن امثاله لا يسيرون على ارض البشر، واذا فعلوا فلن نبصرهم وسط غابة المرافقين.

ـ معروف لدى الجميع أن بهجت سليمان كان دائما حريصا على الاحتكاك بالمثقفين، منذ اواخر السبعينات حين كان مسؤولا عن مجلة "الفرسان" الناطقة باسم رفعت الأسد و"سرايا الدفاع وكان بار ومطعم اللاتيرنا، موئل المثقفين السوريين والعرب، هو مقره شبه الدائم، وكان يحرص على مجالسة الشعراء والروائيين والفنانيين التشكيليين معروف كذلك انه قبل توريث بشار الاسد وبعده قام بدور صلة الوصل مع عشرات المثقفين، مثل صادق جلال العظم ومحمد جمال باروت والراحل ممدوح عدوان وهيثم حقي ونبيل سليمان ومحمد ملص وعادل محمود، بالاضافة طبعا إلى اسماء اقل اهمية مثل جمال سليمان وديانا جبور وسعاد جروس وديانا فارس. يضاف اليهم بسام جعارة وعادل حديدي ونبيل الملحم ومحمود عبد الكريم وسلمان عز الدين، وهؤلاء جميعا هم اليوم اعضاء في تجمع "حريات" الذي يترأسه ميشيل كيلو. وللتذكير فقط سبق لكيلو نفسه ان اطلق على اللواء سليمان صفة "الكاتب الجليل" في مقالة مشهودة نشرتها صحيفة "النهار" اللبنانية خلال تلك الفترة ذاتها تقريبا.

ـ قد يجد ميشيل كيلو التبرير الكامل للقائه مع رجال الأمن في العبارة الأخيرة التي يختم بها رده على مادايان: "تبذل المعارضة الديموقراطية دون جدوى حتى الآن جهودا صادقة لتحويل النظام السوري الى نظام منفتح يحاور المجتمع والشعب ويتفاعل معهما". الكثيرون يختلفون معه بالطبع، ولكن هذا الخيار حق له ولسواه، فلماذا الانكار؟

خاص – صفحات سورية -

اوراق القوة والضعف السورية

اوراق القوة والضعف السورية

القدس العربي

اقدام الولايات المتحدة علي خطوة تجميد الاصول المالية للمسؤولين السوريين غازي كنعان وزير الداخلية الحالي ورستم غزالة آخر مسؤول عن المخابرات السورية في لبنان هو مؤشر علي انها في صدد تشديد الخناق علي حكومة دمشق اقتصاديا بهدف اضعافها سياسيا.
الامر المؤكد ان الرجلين لا يملكان ارصدة مالية في الولايات المتحدة، لانهما وبحكم خبرتهما الاستخبارية الواسعة ليسا علي هذه الدرجة من الغباء بحيث يودعان اي اموال في البنوك الامريكية. فالعلاقات السورية الامريكية ظلت متوترة طوال الثلاثين عاما الماضية.
الخطوة هذه عبارة عن رسالة انذار للحكومة السورية، تحذرها من عقوبة اي تدخل في لبنان، خاصة في هذه الفترة الحرجة التي تعكف فيها المعارضة علي تشكيل حكومة جديدة بقيادة فؤاد السنيورة تعمل علي اخراج لبنان من ازماته الامنية والاقتصادية.
قرار التجميد، ومثلما اعلنته وزارة الخزانة الامريكية، جاء بموجب امر رئاسي في اطار الحملة لمكافحة الارهاب، لان المسؤولين السوريين المستهدفين متهمان بالمساعدة علي الارهاب عندما كانا يتوليان مهامهما في لبنان وادارا التواجد العسكري والامني السوري في هذا البلد.
الادارة الامريكية تريد ان تقول للرئيس بشار الاسد وطاقم حكومته ان انسحاب قواتكم من لبنان لا يكفي، كما انه لا يعني في الوقت نفسه تنفيذ ما هو مطلوب منكم فيما يتعلق بتطبيق قرار مجلس الامن الدولي 1559 عليكم مساعدتنا بجدية في تطبيق الشقين الاول والثاني من القرار، اي نزع سلاح حزب الله وفصائل المقاومة والمخيمات الفلسطينية ايضا.
وتخطيء الادارة الامريكية اذا اعتقدت ان الضغوط الاقتصادية علي سورية ستؤدي الي اذعانها للمطالب الامريكية في نهاية المطاف، فالحصار الاقتصادي الذي جري فرضه علي العراق لاكثر من عشرة اعوام لم يؤد الي اسقاط النظام، بل علي العكس من ذلك تماما عزز قواعده الشعبية الداخلية، وادي الي تعاطف عربي وعالمي اكبر معه.
النظام السوري ليس مكروها في محيطه العربي، مثلما كان عليه الحال مع النظام العراقي الذي كان يعيش في حال عداء مع معظم جيرانه قبل وبعد اجتياحه للكويت، كما انه لا يواجه معارضة داخلية او خارجية كتلك التي تعاونت مع المشروع الامريكي في العراق.
والاهم من هذا وذاك ان سورية باتت دولة مجاورة لكل من اسرائيل والولايات المتحدة، واذا قررت قيادتها هدم المعبد عليها وعلي اعدائها، فانها ستلحق ضررا كبيرا بالبلدين.
علينا ان نتخيل كيف سيكون الموقف في شرق البحر المتوسط لو تحولت سورية الي دولة فاشلة تسودها الفوضي الدموية، مثلما هو حادث حاليا في العراق؟
وان اكثر ما يتمناه ابو مصعب الزرقاوي واتباعه هو اقامة قواعد عسكرية في سورية تكون نقطة انطلاق لضرب اسرائيل بالصواريخ، وارسال المتطوعين للقتال ضد الامريكان في العراق.
ويظل من الضرورة القول ان اوراق القوة السورية هذه مشروطة بتعزيز الجبهة الداخلية، والاستناد الي الشعب السوري الذي يعتبر الاكثر وطنية بين اقرانه العرب. ولكن من المؤسف ان القيادة السورية بدأت في تشديد قبضتها الحديدية الامنية من خلال توسيع دائرة القمع والاعتقالات، وآخرها اغلاق منتدي الاتاسي ومضايقة اعضائه، واعتقال مواطنين سوريين بسطاء شاركوا في برنامج الاتجاه المعاكس في قناة الجزيرة الفضائية.
حكومة تعتقل مواطنين شاركوا في برنامج تلفزيوني شارك فيه احد المسؤولين فيها، لا يمكن وصفها الا بالارتباك والتخبط وقصر النظر، وعدم فهم ما يحاك لها من مؤامرات علي درجة كبيرة من الخطورة.

بيان إلى الرأي العام

بيان إلى الرأي العام

تعلن الهيئة العامة لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي استمرار أعماله بالبرنامج المقرر والدفاع عن بقائه ساحة للحوار الوطني في البلاد.
ومع تواتر الضغوط الأمنية على المنتدى والتي تجلت أواخر الشهر الخامس باعتقال أعضاء مجلس إدارته وإطلاق سراحهم بعد أسبوع دون الكاتب علي العبد الله، الذي أحيل إلى محكمة أمن الدولة بذريعة قراءة رسالة تعرض وجهة نظر حزب محظور، ثم التحذير الشديد من عقد الجلسة الحوارية التي كانت مقررة في مطلع الشهر السادس، وأخيراً المطالبة الأمنية اليوم بتعليق نشاط المنتدى نهائياً، مع تواتر هذه الضغوط، تطالب الهيئة العامة بالكف عن كافة أشكال العسف والمضايقة الأمنية التي يتعرض لها المنتدى، كما بإطلاق نشاطات المنتديات الثقافية الحوارية التي سبق وأغلقت، وتطالب أيضاً بالإفراج عن الأستاذ حبيب عيسى والكاتب علي العبد الله ومعتقلي المنتديات الأخرى وكافة سجناء الرأي. كما تدعو إلى إلغاء القرار الأمني الذي صدر بحق الكاتب الفلسطيني سلامة كيلة عضو الهيئة العامة بمنعه من دخول سورية في حال مغادرته لها.
وتدعو الهيئة العامة كل القوى والفعاليات والشخصيات الثقافية الديمقراطية للتضامن مع المنتدى ودعم استمراره، عبر إدانة ما يتعرض له من ضغوط والمشاركة في محاضراته وأنشطته أو بأي شكل من أشكال المساندة الممكنة.

الهيئة العامة لمنتدى الأتاسي للحوار الديمقراطي

خاص – صفحات سورية -

الرقابة والرقابة الذاتية و«غياب» السياسة عن الصحافة

نص لسمير قصير لم ينشر بالعربية...


الرقابة والرقابة الذاتية و«غياب» السياسة عن الصحافة

كينيث براون

الحياة

قابلت سمير قصير للمرة الأولى في مؤتمر للصحافة نظّمته مجلتنا، Mediterraneans، في مرسيليا سنة 1994، فكان بمثابة النسمة المنعشة في المؤتمر. لن ينسى أحد من المشاركين عمله الذي نعيد نشره هنا بالعربية، ولا مشاركته الفاعلة في المناقشات كلها، أو حتى أحاديثه الجريئة مع إيغال سارنا، الصحافي الإسرائيلي الذي يعتبر العلاقة بين إسرائيل وفلسطين علاقة حبّ وكراهية، وهي وجهة نظر وصفها سمير قصير “بالصدمة نوعاً ما”، إذ قال إن “النظر إلى المشكلة من وجهة النظر هذه من جهة الفلسطينيين هو وهم بالكامل. يجب أن يكون هذا الأمر واضحاً. لا يمكن أن يتوقّع الإسرائيليون معالجة تحليلية نفسية من قبل العرب. لديهم ميل كبير للمجيء إلينا والقول: يجب أن تحبونا”... شارك سمير في مؤتمر المتابعة الذي أقيم في الإسكندرية بعد سنتين، وكانت بحسب ما قال لي إنها المرة الأولى التي يزور فيها المدينة، وكانت مشاركته بارزة. كذلك التقينا للمرة الأخيرة في بيروت قبل سنتين. كان في صدد إنهاء كتابه عن المدينة. وبينما كان يصحبني في جولة، فهمت العاطفة العميقة التي كان يكنّها للمكان.

نشأ كتاب “الصحافي في منطقة المتوسّط” الذي اقتبسنا منه هذا المقال بعد اجتماع غير اعتياديّ جمع بين صحافيّين يعملون في منطقة المتوسّط ليمنحوا أنفسهم وقتاً للتفكير، ولمناقشة التحديات الأخلاقية والسياسية والشخصية التي واجهوها في ممارسة مهنتهم. وقد اجتمع 20 صحافياً في مرسيليا في آذار (مارس) 1996 للعمل على هذا المشغل، وهو أحد مشاريع برنامج “ميد-ميدياالتابع للاتّحاد الأوروبي. وتراوحت أعمار الصحافيين بين 25 و65 سنة، كما أنّهم أتوا من بلدان مختلفة كالجزائر وبريطانيا وقبرص ومصر وفرنسا وإسرائيل ولبنان والمغرب وفلسطين وأسبانيا وتونس وتركيا... ولكن ليسوا هم من نظّم الاجتماع، بل محررو ثلاث مجلات نقدية هي: المجلة الأدبية والثقافية Mediterraneans في باريس، والمجلة الشهرية Cuatro Semanas في برشلونة، والصحيفة التحليلية “السياسة الدولية” في مصر.

تواجه بلدان في المنطقة مشكلات تتمثّل في الرقابة العلنيّة التي تفرضها الدولة، أو الاستيلاء على أعداد من الصحف تتضمّن مقالات عدائية ومصادرتها، أو إقفال صحف معارضة. ولكن إضافة إلى الضغوط المباشرة التي تفرضها الدولة، يختبر الصحافيون ضغوطاً كثيرة من نوع آخر، إلى جانب محاولات كثيرة أخرى للتحكّم بما يمكن طبعه أم لا. فالوضع في إسرائيل مثلاً يبدو متناقضاً: فالصحافة بحدّ ذاتها حرة ونقدية بشكل ملحوظ، غير أنّ الرقابة العسكرية قوية للغاية. وتختبر تركيا نوعاً آخر من التناقض، حيث أنّ الحرية التي لا تبدو لها نهاية تقابلها ضغوط قوية للرقابة الذاتية خوفاً من ثأر الحزب العمالي الكردستاني، التغطية المحدودة للأكراد، ومراقبة عسكرية قوية تعيق مقالات الاستقصاء عن الموضوع ذاته، والخوف من ضغوطات اقتصادية وسياسية سرية تحدّ من أنواع التحقيق الأخرى. وهذا أيضاً هو الوضع السائد في مصر حيث تملك الحكومة الصحف المهمة كلها، بالرغم من حرية التعبير الكبيرة، مما يعني أنّ الرقابة الذاتية تمارَس بشكل واسع، وتؤثّر في اختيار المواضيع التي تغطّيها وفي طرق معالجتها.

وقد يكون رد الفعل على الرقابة والرقابة الذاتية يكمن في تطوير “نظام شفريّ، عبارة عن مجموعة من الإشارات والمعاني الضمنية التي يحاول الصحافي من خلالها تجنّب القواعد وتدميرها.

كان الراحل سمير قصير يستند إلى خبرته المزدوجة كصحافيّ يعمل في لبنان وفرنسا في آنٍ واحد، حين اقترح أنّ هذا “النظام الشفريّ” يمكن أن يصبح في النهاية كبيراً لدرجة أنّه سيصوغ التعبير الصحافي ويضعف فضول الصحافيين وروحهم، على حساب الاحتراف. تختلف قواعد ما يمكن نشره أم لا باختلاف الأطر الثقافية. وعندما تتحوّل هذه القواعد إلى حدود يفرضها الصحافيّ على نفسه تلقائياً، من المتوقّع أن يكون القارئ على علم بذلك، ويتمكّن من فهم الإشارات كلّها، وقراءة السكوت والحذف اللذين يشكلان جزءاً من عملية التواصل. فالصحافيّون يكتبون بين السطور، لقرّاء يقرأون بين السطور.

سمير قصير: تعلّم النظام الشفريّ ونسيان السياسة

عندما نتكلّم عن الصحافة في لبنان، لا يمكن إلا ان نتذكّر أنّها تخطّت أصعب المحن، وأن