أن تديـر مفـتاحاً فـــي سـيارة صــحــــبـــة الـقـــــتـــل
لحظة ذيوع نبأ اغتيال جورج حاوي كنتُ وأحد الأصدقاء نقرأ مقالاً لكريم مروة يحمل عنواناً يقول: "من مهدي عامل إلى سمير قصير". كانت فكاهة سوداء تلك التي أطلقناها صباح ذلك اليوم عندما قلنا: لو انتظر كريم مروة يوماً واحداً كان عَنْوَن مقاله بالآتي: "من مهدي عامل إلى جورج حاوي"!
ليس من رذيلة جديدة نضيفها إلى رذائل القتل حين نقول إنه يجعل من كل ما كُتب قبله كلاماً عديم القيمة. لكن في وسعنا الاعتراف بأنه بات في وسع الشهداء رثاء الشهداء: لنا أن نتذكر ما قاله رفيق الحريري في محاولة اغتيال مروان حمادة، ثم ما قاله سمير قصير في رثاء رفيق الحريري، وبعد ذلك ما قاله جورج حاوي في رثاء سمير قصير، ولا ندري ما قاله (من؟) في رثاء جورج حاوي... إلخ.
كم تبدو انتهازية هذه الـ"إلخ" في موضع كهذا!
الشهداء يرثي بعضهم البعض، ونحن لا نفعل شيئاً سوى أن نقرأ لهم ونستمع إليهم كي نفتش بين كلمات الأحياء منهم على علامة أو إشارة تفيد باقتراب مقتلهم.
أحنينا ظهور القبور بالورود، وأحرقنا جلودها بالشموع، وخنقناها برائحة البخور، والجميع منا يوصي الجميع، في بلاد بات فعل إدارة المفتاح في سيارة فعلاً وجدانياً: تشغيل السيارة والذاكرة معاً، وربما القنبلة.
استئذان
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تحسب حساباً للموت، وتحسب حساباً للانفجار، وللرحيل من دون استئذان.
السان جورج، الأشرفية، وطى المصيطبة... أماكن تحمل اللقب نفسه: موقع الجريمة.
عما قريب قد يصبح اسم لبنان على الخرائط: موقع الجريمة.
أرامل
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تستعيد في لحظة واحدة أعز ذكرياتك عليك، وأن تسامح.
بمن تبدأ الوداع؟ هكذا تسأل نفسك، وتجيب: لا فرق.
في المناسبة، لماذا يقولون زوجة الشهيد ولا يقولون أرملته؟!
ضجيج
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني تشغيل موتور الذاكرة، وموتور الدم، وموتور السيارة في آن واحد.
هكذا في ضربة واحدة - ضربة معلّم - تلهب العالم بالضجيج، وتغادر.
دموع مستعملة
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تتوقع تطاير يديك، وانفجار رأسك، وتقيؤ أحشائك.
الواحد تلو الآخر، الطريقة نفسها في القتل، والحزن نفسه.
من نخسر هذا اليوم؟ نسأل أنفسنا ونختار الأكثر شجاعة بيننا. لا نفعل شيئاً سوى الكتابة، وليس في وسعنا غير ذلك. أحياناً نستعمل الدموع نفسها، ومع كل عملية تفجير ليس من كلمة سوى: وداعاً... وداعاً... وداعاً.
كأنها صباح الخير أو مساء الخير أو كيفك!
مسّاحات معطلة
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تتوقع موتك، ويعني أنهم لم يفاجئوك، ويعني أنك تنتظرهم.
كل يوم الصورة نفسها على هيئة خبر عاجل: كاميرات ترتج فوق أكتاف المصورين، ومراسلون مذعورون أخبارهم مليئة بالهمهمات والدمع، وجثة مستقرة في سيارة منفجرة، أبوابها مفرودة على وسعها كالأجنحة، وأحشاء مبعثرة في المكان، ودماء على الزجاج الأمامي و... المسّاحات معطلة.
تواطؤ
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تساعدهم في قتلك، ويعني أن تتواطأ معهم، وأنك قررت الانتحار.
لا شيء نفعله أمام كل قتل جديد سوى أن نكتب ونتهم. في بلاد تبدو أشبه بصور ناجية من زمن الحرب: الحرب التي عادت حارّة وطازجة بدمائها ودمارها ودويّ قنابلها.
لا وطن يموت بالضربة القاضية، لم يفهم القتلة هذه الحقيقة بعد.
مراثٍ شخصية
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تتدبر موتك بنفسك، ويعني أن تكون وصيتك جاهزة على الدوام، ويعني أنك مستعد.
المراثي نفسها - هي أيضاً مراثٍ شخصية - نقولها لكل من يرحل مع فارق في السيرة الذاتية. ننتظر من هو التالي، فقط كي نرثيه، أو كي نوجه اتهامنا بالسبابة إلى قاتل مفترض.
هكذا بات في وسع المرثية أن تكون عملاً جماعياً، مثلما لم يعد في وسع الموت أن يكون شخصياً إلى هذه الدرجة.
مواعيد
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن أحداً في انتظارك اليوم سيخيب أمله، وأن مواعيد قطعتَها للناس ستتأخر عنها... إلى الأبد.
من المحزن أن يكون القتل مجرد رسالة أمنية مثلاً، ومهما يكن نوعها و"أهميتها". مثلما من المعيب الاعتراف بأننا مللنا مسيرات الشموع، وشارات الحداد السوداء على وجوه صحفنا وجرائدنا، والتفتيش في السير الذاتية، وحمل الورود إلى مواقع الانفجار و... الكاميرات.
وحده الموت لا يحتمل المحاصصات والتسويات.
صحبة القتل
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن أسراراً خبأتها ستغيب معك، وآمالاً أجّلتها ستنفجر معك، وأحزاناً ووجوهاً وذكريات كلها ستندفن معك.
صحبة القتل تعني أيضاً صحبة التوقع. نوع بغيض من الانتظار: أن ننتظر التالي في موته. العيش في هاجس أن أحداً منا سيُقتل في أي لحظة، والإصرار على أن نفوّت على أنفسنا "متعة" المفاجأة، و"راهنية" الفجيعة.
ما الذي يمكن أن نزيده إذاً في كل رثاء جديد سوى السيرة الذاتية؟
تراجع
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن توقف العالم للحظة كي تعيد حساباتك، وكي تفكر في التراجع، وكي تناقش شروطهم... ويعني أن تقرر إدارة المفتاح.
رفقة القتل تعني أيضاً الإحساس الدائم بخواء قريب، ومكان شاغر، وخسارة مستمرة.
لذا نراهم دائماً يتساقطون كالمطر على عيون الكاميرات... يشوّشون الرؤيا، وينسحبون!
تمهيد
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تكون نقطة رمي حيّة، ويعني أنك متهور، ويعني أنك عنيد.
كان قد سبق سلسة القتل هذه سلسلة موت وديع - أصبح كذلك هذه الأيام - لمثقفين وكتّاب وقادة. وقد لاحظ جميعنا وكتب يومذاك عن هجمة الموت التي ضربت نخبتنا، وكم استشهدنا بقول سيدنا ومولانا أبي الطيب: "الموت ضرب من القتل".
هل بالموت يكون التمهيد للقتل؟
شجرة المفاتيح
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك لن تحتاج بعد اليوم باقي مفاتيحك: مفتاح الشقة، مفتاح المكتب، مفتاح الخزانة، مفتاح البوابة الخارجية... أيضاً، علاّقة المفاتيح.
بكل بساطة: أن يكون للقتل مفتاح.
مستقلاً سيارته إلى موته!
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك تلعب في ماكينة الموت، وتركلج من دون قصد أجهزتها، وتوصل أسلاكها، وتشد براغيها، و... تستعملها.
يا رجل، أهذا كله من أجل أن تسافر إلى الموت مستقلاً سيارتك؟
استعداد
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تكون مستعداً لرؤية صورتك مبتسماً على الصفحات الأولى في جرائد الصباح، ولسماع ريبورتاج عن حياتك الشخصية، ولاستيعاب الكم الهائل من اللافتات الكبيرة والصغيرة التي تحمل اسمك تملأ شوارع العاصمة، وقبل ذلك لفهم لغز صورك التي علّقها أصدقاؤك في صالونات بيوتهم.
أكثر مما ينبغي
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تعترف بأنك عشت أكثر مما يجب، وبأنك عشت زيادة عن عمرك، وبأنه حان الوقت لوضع حد لكل ذلك.
عمر الزهور، تعبير غير لائق في حق من يموت بكل ذلك التصميم، وبكل تلك الروعة.
انتخاب الشهداء!
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تفكر في الأعمال غير المنجزة، ويعني أن تندم لتركها ناقصة، ويعني أن تموت مشغول البال.
شهداؤنا المنتخبون، نعم... نعم. كان الناس منشغلين في انتخاب نوّابهم، وكان القتلة منشغلين في انتخاب ضحاياهم.
كان الوقت لانتخاب النوّاب وانتخاب الشهداء.
تهذيب
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنه لن يكون من قلة التهذيب عدم استئذان الآخرين في الرحيل وفي الموت، ويعني أن الذي كان حراً في حياته لا بد أن يكون كذلك في موته.
هل من يسأل: إلى متى تحتمل القبور هذا الحجم الهائل من باقات الورد، وأعواد الشموع المنتصبة كأعمدة الكهرباء؟
أحذية
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك أقرب إلى الموت من أي وقت مضى، ويعني أنك في أحضانه تلعب معه، وتشاكسه.
لم نفكر نحن الذين لا نملك سيارة أن قَتَلَتنا ربما يفخخون لنا وجوه حبيباتنا، وعيون أمهاتنا، و... أحذيتنا.
لقب
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن لا تدير مفتاحاً بعد اليوم، ويعني أن تستحي بمشاعرك المنفعلة، ويعني أن تستبدل ألقاباً صرفت عليها ثلاثة أرباع عمرك (دكتور، أستاذ جامعي، شاعر، كاتب...)، بلقب لم يستغرق نيله أكثر من ثانيتين. لقب لم تبذل جهداً في الحصول عليه: شهيد.
حبال صوتية
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تكون مسرفاً في التفاؤل، ومسرفاً في اليأس، وفي الحديث مع نفسك بصوت عالٍ. صوت انفجار سيارتك هو صوتك الذي فاض عن حنجرتك، وقطّع حبالك الصوتية كي يصل.
لم يقل الجميع للجميع: انتبهوا. لكنهم شدوا على أيديهم وأكتافهم، وابتسموا لهم عندما غفلت عين الكاميرا عنهم، حين كانوا يحملون صور فوتوكوبي لصحافي مات قبل تسليم مقاله الأسبوعي.
لم يكن هجاء أن نبدأ مرثاتنا بالقول: وطن يمرّن عضلاته بحمل صور شهدائه!
حنجرة
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك قررت تعطيل المدارس، وتنكيس الأعلام، ونثر الشائعات، وإعلان الحداد أياماً، ويعني أنك قررت تكديس الناس في تظاهرات أطول من أنهار الدم التي تجتاح أرجاء بلادك. القتل، القتل فحسب، يمكنه جمع كل هؤلاء الألوف حول قضيته. بعد اليوم، من يستطيع الادعاء أن القتل ليس مرافقاً أميناً لكل ذي صوت عالٍ، وأن تفخيخ السيارة ليس من قبيل تفخيخ الحنجرة؟
حفرة
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تحفر في الإسفلت حفرة أصغر من أن تكون قبراً لجثة، وأكبر من أن تكون عيناً لشاهد. حفرة هي كل ما تبقى لنا من إرثك، وثروتك، وإبداعاتك.
يا رجل أتهرب من العالم بحفرة؟ أتقبل أن تجعل منا مجرد حفاري قبور على صفحات الجرائد، وتجعل من الأقلام مجرد معاول للحفر؟
في كل يوم نجلس وراء المكاتب كي نرثي، ونزور مواقع الانفجار كي نرثي، ونرثي كي نرثي. بتنا لا نجيد فناً كالرثاء والحفر. هكذا دائماً لا شيء يعيننا على الهروب مثلهما: نهرب من العالم بحفرة، ونخرج من العالم بحفرة.
من لم يفكر أن الحفرة هي آخر أعمال الشهيد، خانته مخيلته.
صفح
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تغفر للذين أساؤوا لك يوماً، وأن تمحو لوائح سوداء بأسماء قررتَ نسيانها، وأن تصفح حتى آخر قطرات دمك.
لا عليك، دائماً هم هكذا المشيّعون... غاضبون.
وحشة
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تذهب بالموت إلى آخره، وبالعمر إلى آخره، وبالصوت إلى آخره، ويعني أنك ستذهب من دون مرافقين أو أصدقاء أو أحبة. سيكون الطريق موحشاً تماماً، وستكون وحيداً تماماً كوتر ربابة. وحشة الموت كوحشة الحياة مردّها الوحدة.
بوصلة
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن للموت وجهين: مقعّر يأخذ شكل حفرة، ومحدّب يأخذ شكل وسادة.
لا داعي للتجريب، فالقنبلة مصممة على قياس شخص واحد، وموت شخص واحد. هذا الموت الضيّق الصدر لم يتسع لسواك، فُصِّل على مقاسك.
لا عليك، المارة لن يُمسّوا بمكروه. فقط عليك أن تقرر موتك بملء إرادتك، لأنك حيثما ذهبت تجد الموت يتجه صوبك: أنت جهته.
الموت كالبوصلة، جهة وحيدة هي كل ما يملك.
صفقة
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تقتنع بالصورة الأخيرة والأشهر التي ستصيرك: وجه مدمّى، وشعر محترق، وعينان مغمضتان من دون أهداب. ويعني أن تتنازل عن كل الصور الأنيقة التي طالما اعتنيت بمظهرك أثناء التقاطها، والتي طالما تحيّرتَ في اختيار مكانها الأنسب، وشكل ابتسامتك فيها، ولون ربطة العنق.
صفقة مضطر إلى القبول بها فقط لقبول شهادتك.
قلة المعنى
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك عارف في كل شيء، وهازئ من كل شيء، ويعني أن طفولة سابقة تختبئ تحت جلدك، وهرماً لاحقاً تسرب من مسامك.
كان من دون معنى أن نقول إن الغياب أقوى من الحضور في مناسبة كهذه: كان من قلة المعنى أن نقول ذلك. لكننا جازفنا وقلناه فقط كي نتأسف على قوله في ما بعد، وكي ندّعي أن للفجائع، كما الجرائم، لغتها المنحرفة وحروفها الشديدة الالتواء.
وفي اللحظة التي نستذكر فيها مآثر الراحلين، نكون لا نفعل شيئاً أكثر من أن نؤكد لأنفسنا أننا بخير. فنجرّب عيوننا بالنظر إلى أسفل، وأقدامنا بالركوع والسجود، وشفاهنا بقول المراثي، وفي تلك اللحظة بالذات نكون قد اكتشفنا أن المقصود في وفرة الدم هو قلة المعنى.
مرايا جانبية
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تشهر مسدساً في وجه الزمن، ويعني أن تقول له: قف. ويعني أن تطلق... ويعني أن تنظر في مرايا السيارة الجانبية كي تتأكد أن الطريق خالية، وأنك لا تريد أن تؤذي أحداً، أو أن تصيب أحداً.
انتحار
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أنك انتحرت، ويعني أنك المذنب، ويعني أنك المُلام.
صحبة القتل وصحبة الوطن... يبدو أن لا فرق كبيراً بعد اليوم.
هي ذي الأوطان الشبيهة بعلب السجائر التي تحمل على غلافها الخارجي عبارة من مثل: "ذات نكهة فاخرة"، وعلى الوجه الآخر: "مسببة لأمراض القلب والسرطان والرئتين"!
تأخير
أن تدير مفتاحاً في سيارة يعني أن تُخرج كل الوجوه القديمة والمكدسة في ذاكرتك، وتنفض عنها الغبار لتعتذر منها وجهاً وجهاً... فقط كي تؤخر رحيلك.
فلنوقّع بيانات احتجاجنا على وجه السرعة إذاً، كي نلتحق بمسيرات شموعنا فوراً، وكي نجد الوقت الكافي لشراء الزهور الحمراء لشهدائنا وحبيباتنا.
ماهر شرف الدين
ملحق النهار الثقافي