حوار الأسد وعقيلته مع نيويورك تايمز

2005-07-16

حوار الأسد وعقيلته مع نيويورك تايمز

أمير أوغلو

تشرت كثير من المواقع والصحف نصا غير كامل لمقابلة أجرتها النيويورك تايمز مع السيد بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية وعقيلته أسماء الأخرس جاء فيه الكثير من النقاط التي تستحق الوقوف عندها لأهميتها الكبرى في توضيح مواقف الرئيس الحقيقية من الأمور التي تتداول بين مختلف فئات الشعب السوري وخاصة المعارضة، والتي يجب ان تقرأ بوضوح من خلال هذه المقابلة.

فقد كثر اللغط قبل وبعد المؤتمر البعثي الأخير واحتار الكتاب والمعارضون في تصنيف نتائجه بين الإيجابي والسلبي وأعتقد هنا أن هذه المقابلة أكثر فائدة في توضيح الأمور من كل ما قيل قبل المؤتمر وأثناءه وبعده، وذلك لعدة أسباب منها أننا اعتدنا أن نأخذ أخبارنا من الإذاعات والصحف الغربية واعتاد مسؤولونا أن يكونوا أكثر صراحة مع هذه المؤسسات، إما لأنهم يخشون أن تكشف ألاعيبهم، وإما لأنهم يعرفون أن الصحفي الأجنبي لا يخشى من طرح الأسئلة المحرجة ولا يمكنهم أن يرسلوه إلى الجحيم فيما لو تطاول على أحدهم أو سأل عن أشياء لايجوز للصحفي العربي أن يسأل عنها (بالمناسبة الصحف الرسمية السورية لم تنشر المقابلة حتى اليوم).

أول الغرائب التي تطالعنا في المقابلة والتي هي للإستهلاك الغربي حتما قول الرئيس: " إنني أستعد لليوم الذي ينتخب السوريون فيه رئيسا غيري بصورة سلمية" والأفضل هنا أن نترك هذا القول بدون أي تعليق وأن ننتظر إن أطال الله في أعمارنا هذا اليوم المشهود الذي يشبه يوم تسلمه الحكم بإجماع شعبي قارب التسعات الأربع المشهورة في العالم العربي بعد التعديل الدستوري الفريد من نوعه في العالم. أجمل ما سمعت من تعليقات على هذا الخبر أنه يقصد يوم انتخاب ابنه حافظ الثاني!

الجملة الثانية في المقال: " أكد الرئيس أن ما يعرف بالحرس القديم خرج من السلطة " هذا الكلام تم نفيه سابقا عشرات المرات من جميع المحللين السياسين والوزراء وكل من تكلم في الإذاعات والمحطات الفضائية من المتحدثين الرسميين وغير الرسميين مثل بثينة شعبان وعماد شعيبي وفاروق الشرع وجميع الصحف السورية، فالجميع كانوا يؤكدون دوما أنه لا يوجد حرس قديم ولا حرس جديد وأن الحكم مستتب وأن السلطات كلها بيد الرئيس بشار. هذا يعني أن كل ما سبق الإشارة إليه كان كذبا محضا أو أن الرئيس يحاول الآن أن يبرر الإخفاقات المتتالية والجمود القاتل في سوريا وعدم اتخاذ أية خطوة صحيحة باتجاه الإصلاح (عدا الكلام طبعا) بوجود حرس قديم أقصي في المؤتمر الأخير وأن الإصلاحات ستنطلق الآن فانتظروا.

التعديلات التي أدخلت على القيادة القطرية يعتبرها الرئيس الأسد إثباتا لسيطرته على كل مقاليد الأمور في سوريا وبابا جديدا سيُفتح لتحقيق كل الإصلاحات المزعومة القادمة . ولكن نظرة متفحصة إلى الوجوه الجديدة وإلى طريقة انتخابها أو بالأحرى تعيينها، لا تبشر بخير أبدا في مستقبل سوريا القريب، فإدخال عتاولة المخابرات السابقين إلى القيادة يعني اتجاها نحو المزيد من الفكر الأمني البغيض الذي أ وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم في سوريا. وطريفة التعيين تدل على أن الديمقراطية والحرية معدومتان من ثقافة الحزب أصلا وأنه حزب ديكتاتوري متسلط حتى بين أبنائه وأعضائه. فنحن والحزبيون الحاضرون والغائبون عن المؤتمر لا نعرف كيف اختير هؤلاء ولا كيف انتخبوا ولا نعرف البدائل المتوفرة ولا نعرف كيف خرج من خرج من القيادة ولا لماذا خرج.

بشار الأسد يعترف أنهم اعتقلوا مايزيد عن ألف وخمسمائة متطرف حاولوا دخول العراق. هذا يدل مرة أخرى على ازدواجية النظام وباطنيته واستعداده لبيع كل شيء مقابل البقاء في السلطة. فكل الذين عادوا من العراق إلى سوريا يؤكدون أنهم غادروا سوريا بإشراف المخابرات السورية وتشجيعها ولما عادوا اعتقلوا وهناك من ظل منهم في السجن وهناك من أطلق سراحه وكلهم تجب عليهم مراجعة المخابرات عدة مرات حسب الطلب.

"بشار الأسد يعتبر وقوف أبيه مع إيران في حربها ضد العراق دليلا على بعد نظر الوالد الراحل" هنا أيضا نجد دليلا على الصبغة الطائفية للنظام وللحكم في سوريا فهو مازال يعتبر إيران ,لأسباب يرفض هو فقط أن يسميها عقائدية، أقرب إليه من كل الدول العربية، وهذا في بلد يقوده حزب شعاره: أمة عربية واحدة...... ذات رسالة خالدة! ولا ندري إن كان من الإصلاحات المرتقبة أن يتغير الشعار ليصبح: أمة فارسية واحدة ...... ذات رسالة خالدة.

"بشار الأسد يقول إنه عارض ويعارض الحرب على العراق من موقف مبدئي ويقول إن سوريا تدفع الآن ثمن هذه المعارضة" نسي السيد بشار دور سوريا عندما كانت في مجلس الأمن وصوتت على القرار 1441 بحق العراق وهو القرار الذي أتاح لأمريكا فيما بعد غزو العراق.

"حول مصافحته لكتساف قال الرئيس إن الله خلق كتساف وكل من خلقه الله تجب تحيته" لا تعليق على هذا الكلام ونتركه للقارئ الذي سيتساءل فيما بعد عن عدد المخلوقات التي يحييها الرئيس كل يوم وعن المعنى السياسي للتحية وعن أشياء أخرى كثيرة كتبنا حولها مقالا عندما تمت المصافحة.

حول اعتقال أعضاء منتدى الأتاسي قال الرئيس:" إن الإخوان المسلمين إرهابيون وأن الولايات المتحدة تعتقل من له علاقة بالقاعدة أيضا ثم قال إنهم قد أطلق سراحهم بعد أن أكدوا أنهم لن يكرروا هذا ثانية"

هنا في الحقيقة نريد أن نسمع رأي أعضاء المنتدى خاصة أن الرئيس لم يشر إلى أنه أغلق المنتدى نهائيا بعد إطلاق سراح أعضائه ولم يشر إلى أن السيد علي العبد الله مازال معتقلا. هل أعضاء المنتدى ينتمون إلى القاعدة؟ أم أنهم إخوان مسلمون؟ هل السيدة سهير الأتاسي مثلا من الأخوات المسلمات؟ هل قراءة رسالة كتبها مرشد الإخوان أيضا تدخل في القانون 49 ؟ ولماذا بقي العبد الله في السجن؟ هل أصر على أنه سيكرر هذه الفعلة الشنعاء، قراءة رسائل الآخرين؟ ثم انظروا إلى هذا التعبير الطفولي "أكدوا أنهم لن يكرروا هذا ثانية" هل هذا تعامل مع سياسيين معارضين من قبل رئيس دولة محترم أم أنه أستاذ حضانة يتعامل مع أطفال لوثوا ثيابهم بالحلويات التي أكلوها دون إذنه؟

حول مشكلة الطائفية في سوريا سأله الصحفي عن رأيه في أن الجراح التي سببها الإضطهاد التاريخي للعلويين قد اندملت قال:" الدليل أنني في الحكم"

الرئيس يعتبر وجوده في الحكم دليلا على انتهاء المشكلة الطائفية في سوريا، يعني أن السوريين يكفرون الآن عن ظلمهم للعلويين على مر العصور والأزمنة بتعيين حافظ الأسد ومن بعده بشار الأسد رئيسا للجمهورية هذا هو المنطق الذي يحاول الرئيس أن يتحفنا به، وكأننا نحن الذين اخترنا ونحن الذين انتخبنا ونحن الذين صوتنا ونحن الذين غيرنا الدستور وفصلناه تفصيلا. لم يقل لنا سيادة الرئيس ما هي المدة الكافية واللازمة للتكفير عن خطايانا وكم ألف سنة يجب أن يبقى هؤلاء في الحكم؟

المؤسف حقا في هذا اللقاء هو موقف السيدة أسماء التي كنا نتأمل منها أنها هي التي ستغير وجهة نظر زوجها عن العنف والبطش وإرهاب المواطنين فإذا بها تلتمس له الأعذار وتقول إن عدد السياسيين المسجونين في سوريا قليل نسبيا بالمقارنة بعدد المساجين السياسيين في أميركا وبريطانيا! وأكدت على أنه أطلق سراح الكثيرين. والكلمة الأخيرة للسيدة الأولى : ياسيدتي لن نتناقش حول العدد هل هو كثير أم قليل فالأمور كما قلت نسبية ولكن هل سمعت خلال حياتك في بريطانيا عن شيء اسمه كرامة المواطن؟ وهل سمعت في بريطانيا عن شيء اسمه التعذيب حتى الموت؟ وهل سمعت في بريطانيا عن مساجين لمدة خمس وعشرين سنة دون تهمة أو محاكمة؟ وهل سمعت في بريطانيا عن قتل المساجين في السجون؟ وهل سمعت في بريطانيا عن الرئيس الذي لا يملك عصا سحرية ولكنه يملك عصا مخابراتية يسلطها على شعبه الذي يحبه والذي انتخبه بنسبة أربع تسعات؟ وهل سمعت في بريطانيا عن شعب الحزب الواحد والرئيس الواحد والعائلة الواحدة والعصابة الواحدة وعن بلد وحضارة وقيم وتراث اختزلت في شخص واحد؟

ختاما لا بد من كلمة إلى الإخوان الحالمين: لقد انتظرتم ثلاثين سنة موت الرئيس ثم انتظرتم خمس سنوات خطوات الإصلاح من الرئيس الجديد، وأنتم تحلمون بأن النظام سيرضى عنكم ويدخلكم في اللعبة السياسية. اليوم يقول لكم الرئيس بالفم المليء أنه لا يعترف بكم ولا يعترف بمن يعترف بكم وبأنكم مجرمون قتلة وأن من يعترف بكم أو يذكر اسمكم هو من المجرمين القتلة يستحق السجن والتعذيب والتغريب فمتى ستفيقون من هذا الحلم المخدر الجميل؟

خاص – صفحات سورية -

محاكم التفتيش الظلامية تحاكم المفكر التنويري سيد القمني

محاكم التفتيش الظلامية تحاكم المفكر التنويري سيد القمني


نبيل شرف الدين

ايلاف

فجّر الباحث والكاتب المصري الشهير الدكتور سيد القمني قنبلة من العيار الثقيل، عبر مكالمة هاتفية تلقتها (إيلاف) منه شخصياً، قال فيها أنه قرر التوقف عن الكتابة والحديث لوسائل الإعلام والنشر في الصحف، و المشاركة في الندوات، ليس هذا فحسب، بل و أعلن "براءته" من كل ما سبق له نشره من كتب ومقالات وبحوث، قائلاً إنه تلقى تهديدات جدية بقتله إذا لم يقدم على هذه الخطوة، و لأنه " ليس راغباً في الموت على هذه الطريقة"، فقد قرر الامتثال للتهديدات التي تلقاها عبر عدة رسائل في بريده الإليكتروني، ومن هنا فقد آل على نفسه أن يتوقف عن الكتابة والإدلاء بأية تصريحات صحافية، و يرجو الذين هددوه أن يقبلوا موقفه، ويعدلوا عن تهديدهم إياه.
لم يمنحني القمني أي فرصة لمناقشته في الأمر، رغم أنه بدا خلال الاتصال الهاتفي هادئاً متماسكاً، وإن كان أيضاً حاسماً في ما وصل إليه من قرار، يتوقع أن يكون موضع جدل واسع خلال الأيام المقبلة، واكتفى بوعد بأن يرسل لي ما لديه من رسائل وتهديدات، والبيان الذي أكد أنه سيكون آخر ما يكتبه، ويعلن فيه "براءته وتوبته" من كل ما كتبه من قبل، و حتى حين حاولت إثارته بالإشارة إلى أن الرضوخ لابتزاز التهديد ليس حلاً خاصة لمن كان الفكر صناعتهم، كانت سخريته المعهودة كفيلة بإنهاء الأمر، إذ أنه سرعان ما بادر إلى القول إن ما تبقى له من عمر ليس من حقه وحده، بل من حق أبنائه أولاً أن يرعاهم، وأحالني إلى ما يعرفه القاصي والداني في مصر عن المأساة التي يعيشها ابن المرحوم فرج فودة، الذي لقي مصرعه على يد أصولي مسلح، كان يعمل "سماكاً"، قبل أن ينخرط بإحدى المنظمات الإرهابية المحلية في مصر، و يبدأ "جهاده" بقتل فودة، و بقية القصة معروفة لكافة المعنيين بالشأن العام في مصر .
و سيد القمني كاتب وباحث ذائع الصيت في مجال الإنسانيات عموماً، وله اهتمام خاص بالتاريخ والتراث والأديان والإسلاميات، و هو من مواليد العام 1947 في مدينة الواسطى من أعمال محافظة "بني سويف" في مصر الوسطى، وحاصل على إجازته الجامعية في الفلسفة من جامعة عين شمس، ثم درجة الدكتوراه، وله العشرات من الكتب والمؤلفات التي أثارت جدلاً واسعاً في مصر، منها "موسى وآخر أيام تل العمارنة"، ( 3أجزاء)، " الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية"، و"النبي إبراهيم والتاريخ المجهول"، و"رب الزمان"، و"حروب دولة الرسول"، وآخر كتبه المنشورة هو "شكراً بن لادن"، كما ينشر مقالاً أسبوعياً بمجلة "روز اليوسف" .


و في بيانه المثير الذي تلقته (إيلاف) يقول القمني : "تصورت خطأ في حساباتي للزمن انه بإمكاني كمصري مسلم أن أكتب ما يصل إليه بحثي، وأن أنشره على الناس، ثم تصورت خطأ مرة أخرى أن هذا البحث و الجهد هو الصواب، أني أخدم به ديني ووطني، فقمت أطرح ما أصل إليه على الناس متصورا أني على صواب وعلى حق فإذا بي على خطأ وعلى باطل، كنت أقصد الخير ولا أفرض رأيا ولا أتعسف موقفاً، أخذ به من أخذ، ورفضه من رفض، وهاجمه من شاء دون مشاكل" .
ويضيف القمني : "كنت أتصور وأنا مهموم بأمتي في زمن و ظرف استثنائي على كل المستويات، أنني أساعد الناس بهز غفوتهم، وأحيانا كنت أمعن في النقد قصدا حتى يفيقوا، كنت أظن أني نافع أنبه للأخطار التي كثيرا ما تحققت معها نبؤاتي بحكم قراءة الأحداث بحياد وليس عن كثير ذكاء، وكنت أتمني أن أكون عاملا مساعدا للحاق بآخر قوافل الحضارة، وما ظننت أني سأتهم يوما في ديني، لأني لم أطرح بديلا لهذا الدين، ولا أرضى بالإسلام بديلا، ولكن لله في خلقه شئون، ولم يبق لي إلا أن أودع قرائي، وهم أهلي و عشيرتي وناسي وأحبائي من القلب" .
ومضى القمني قائلاً : "أعترف سيكون الموت بكسر الأقلام موتا بطيئا فقلمي هو مناط حياتي ونفسي الذي أتنفسه، لكن إقدامي على هذه الخطوة سيبقي لي من العمر ما يكفي لرعاية من يستحق رعايتي فلذات كبدي، هذا في حال قبول هذا البيان" .
واختتم القمني بيانه المثير بالقول : "من ثم أكرر خلف البيان التحذيري "أنني أعلن براءة صريحة من كل ما سبق وكتبته "ولم أكن أظنه كفرا فإذا به يفهم كذلك، لهذا أعلن ـ كما نص البيان ـ "توبتي وبراءتي" من كل "الكفريات" التي كتبتها في مجلة "روزاليوسف" وغيرها، "براءة تامة صادقة يؤكدها عزمي على اعتزال الكتابة نهائيا من تاريخ نشر هذا البيان" .

خطاب التهديد
أما التهديدات التي تلقاها سيد القمني فهي كثيرة، و ليست وليدة اليوم، لكن ما جرى حسب روايته في الأيام الأخيرة أنه تلقى عدة رسائل عبر بريده الإليكتروني، كانت أكثرها صرامة ووضوحاً، تلك التي أعاد إرسالها إلينا للاطلاع عليها كوثيقة توضح مبررات انسحابه من مضمار الفكر والكتابة، وهذه الرسالة معنونة بكلمتين فقط هما
"رسالة تحذيرية"، وتقول كلماتها بالحرف الواحد :
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
اعلم ايها الشقي الكفور المدعو سيد محمود القمني، أن خمسة من اخوة التوحيد وأسود الجهاد قد انتدبوا لقتلك، ونذروا لله تعالى ان يتقربوا إليه بالإطاحة برأسك، وعزموا ان يتطهروا من ذنوبهم بسفك دمك، وذلك امتثالا لأمر جناب النبي الأعظم صلوات ربي وتسليماته عليه، إذ يقول "من بدل دينه فاقتلوه" .
أيها الدعي الأحمق :
نحن لا نمزح .. صدق ذلك او لا تصدقه، ولكننا لن نكرر تهديدنا مرة أخرى .
لن ينفعك إبلاغ المباحث بامر هذا التهديد، فلن يفلحوا في حمايتك إلا بصورة وقتية وبعدها سيتركوك فريسة لليوث الاسلام، هذا ان حموك اصلاً .
ولن تنفعك أي حراسة خاصة أو اجراءات أمن، فالحارس لن يمسك الرصاصة التي تنطلق من سيارة مسرعة او سطح منزل مجاور، واجراءات الامان لن توقف انفجار القنبلة في سيارتك ... أو أي وسيلة اغتيال أخرى .. فاعتبر بمن سبقوك ممن ارسلناهم إلى القبورمع انهم كانوا اصعب منك منالاً، والسعيد من وعظ بغيره .
وإبراءاً للذمة وامعانا في اقامة الحجة عليك، فإننا نمهلك أسبوعا واحدا لتعلن توبتك وبراءتك من كل الكفريات التي كتبتها براءة صريحة لا مواربة فيها، وتنشر ذلك في مجلة "روز اليوسف" كما نشرت فيها كفرك .
فإن أصررت ايها الجاهل المغرور على ركوب مركب العناد، وأبيت إلا الاستمرار فيما أنت فيه من الردة والإلحاد، ووسوس لك الشيطان اللعين بأنك ستعجز أهل الجهاد، فاعلم حينئذ ان سيوف الموحدين ستنال منك المراد، وانك ميت يمشي على قدميه بين العباد، فابحث لنفسك عن جحر فان المؤمنين لك بالمرصاد .
هذا بلاغ لكم، والبعث موعدنا، وعند ذي العرش يدري الناس ما الخبر .
التوقيع
جماعة الجهاد
مصر
ولا تعليق

شهادات لبنانية وفلسطينية وسورية في ذكرى أربعين سمير قصير

شهادات لبنانية وفلسطينية وسورية في ذكرى أربعين سمير قصير

نظمت اللجنة الوطنية لإحياء ذكرى سمير قصير وصحيفة النهار و حركة اليسار الديموقراطي أمس لقاءً في قاعة عصام فارس في الجامعة الأميركية في الذكرى الأربعين لاغتيال الصحافي سمير قصير حضره حشد ضاقت به مقاعد القاعة وأدراجها الداخلية.

حضر اللقاء رئيس الحكومة المكلف فؤاد السنيورة والنواب مروان حمادة وأكرم شهيب ووائل ابو فاعور وجبران تويني وبطرس حرب ونايلة معوض وغيرهم إضافة إلى النائب السابق نسيب لحود وسفراء أجانب ولفيف من إعلاميين وسياسيين وأصدقاء وطلاب الراحل.

بدأ اللقاء بعرض مقتطف من حلقة تلفزيونية حل فيها قصير ضيفا على زوجته جيزيل خوري في برنامجها بالعربي. وبعدها عرض فيلم تحية من عمر إميرالاي وأسامة محمد لقصير.

ثم كانت كلمة تقديمية للكاتب إلياس خوري مما جاء فيها: الصديق والرفيق والحبيب أخي الصغير والجميل سمير قصير يدعونا اليوم إلى الاحتفاء بالحياة لا بالموت. هو يترك لنا في استشهاده التراجيدي إرث النهضة العربية وقد أشرق من جديد في انتفاضة 14 آذار، وفي وعي ضرورة أن يكون النضال من أجل استقلال لبنان وتحرر فلسطين وديموقراطية سوريا هو هدف الأحرار في المشرق العربي.

وتابع خوري: قاتلك يا أخي أراد ان يطفئ الضوء في عينيك الباسمتين كي يعم الظلام في بيروت، وكي نيأس من حلم الخروج من إسار الاستبداد والطغيان الذي صنعته أنظمة الساعة العربية المنقلبة التي تعرض أوطاننا لخطري الاحتلال والانحلال

بعدها تحدث رئيس تحرير النهار الزميل غسان تويني الذي قال في كلمته المؤثرة إنه التقى بسمير بفرنسا واستعمل حجة القربى به ليقنعه بالعودة إلى لبنان وتولي اي مسؤولية يختارها في جريدة النهار وهكذا كان. وتساءل تويني عما إذا كان قصير بقي حيا لو انه بقي في فرنسا.

وبثت كلمة للشاعر محمود درويش.

وقال عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه إن سمير كان يدرك بأعمق الأشكال، كما نفهم الآن، أن علينا أن نعيد تعريف انفسنا، ان نعيد بناء حياتنا، أن نضرب بالفأس في أعماق شجرة أمراضنا. لكن من اجل الأحلام القديمة نفسها، احلام الحرية والاستقلال، احلام الديموقراطية والتضامن القومي، أحلام الخروج من التخلف والمهانة القومية.

وأضاف: لقد كانت يد سمير قصيرة، لكن فكرته كانت أطول من قامات الطواغيت في المنطقة العربية كلها. والمؤلم أنه تركنا في اللحظة التي أخذنا نرى فيها عروش الطواغيت تهتز لا بفعل التدخل الأجنبي، لكن لأن الناس وقفت كي تقول: كفى.

بعد كلمة عبد ربه عرضت مشاهد من تظاهرة 14 آذار ختمت بعبارة: مليون شكرا، ليلقي المعارض السوري رياض الترك كلمة متلفزة لأنه ممنوع من دخول لبنان منذ أكثر من اربعين سنة كما قال خوري.

وفي شهادة متلفزة لرياض الترك قال: إنني أتحدث عن راحل لم يسبق لنا أن التقينا مرة واحدة، والتواصل بيننا اقتصر على المكالمات الهاتفية. مفارقة الأقدار هذه، فضلا عن شروط الاستبداد وانتهاك الحريات في بلدينا، لم تمنعنا من التواصل والتشاور وإبداء الرأي. وإنني كنت وأظل قريبا من افكاره حول النهوض العربي عموما، وحول الإصرار على أن استقلال لبنان مرتبط مباشرة بالمعركة من أجل الديموقراطية في سوريا.

وأضاف الترك: صحيح أن الانسحاب السوري تحقق اليوم بفعل الضغوط الدولية وانتفاضة لبنان الشعبي وتبدل الكثير من المعطيات الأقليمية، وأن الانتخابات النيابية منحت القوى المعارضة أغلبية تكفي لتنفيذ برامج إصلاحية وان الجامعة العربية أو الأمم المتحدة أو باريس أو واشنطن يمكن أن تقدم الكثير من الضمانات من أجل استقلال لبنان، إلا أن الصحيح كذلك أن الضمانات الأكبر تكمن في تطوير النهوض الشعبي الذي تمثل في انتفاضة آذار، وتأكيد وتوطيد الوحدة الوطنية والارتقاء أكثر بوحدة القوى الديموقراطية اللبنانية والسورية .

وتحدثت طالبة قصير في جامعة القديس يوسف يارا ياسين عن أستاذها الراحل قبل أن يلقي النائب وليد جنبلاط كلمة متلفزة (بعدما تعذر حضوره إلى الاحتفال لأسباب لم تذكر). وقال إن سمير كان الملهم والمحرض والموجه لثورة الاستقلال لكنه كان ايضا الذاكرة الوطنية اللبنانية والفلسطينية والإنسانية العربية . وأضاف إن قصير كان يأمل من خلال ربيع بيروت ربيعا في دمشق وفي كل الوطن العربي وأن هذا الربيع سيمتد إلى كل الأنظمة.

وتحدث امين سر حركة اليسار الديموقراطي إلياس عطا الله فقال: إن القلق لم يفارق وعي سمير قصير بعد 14 آذار من أن تبدد اللعبة السياسية دفق المجتمع وكرر انها لحظات تاريخية لا يجوز أن تضيعها حسابات السياسيين الصغيرة.

وتابع: وللأسف حصل ما حصل وغزتنا الاعتبارات والهواجس والحسابات العصبوية ومحظورات الأنظمة وزرع ذلك الشكوك وأوقف المسار الملحمي في منتصف الطريق، ومجانا أعدنا لمواقع المتربصين من النظام القديم فرص إفساد الانتصار وفرصة انتقال لبنان إلى رحاب التغيير ودخول مسار الحداثة .

وأضاف مخاطبا قصير: ربحنا الانتخابات يا سمير، تقريبا كما اشتهيت. ربحناها بعدما كنت قد أنجزت معظم ترتيباتها، بالرغم من أنف الأب الضال (في اشارة الى مقال لسمير قصير بعنوان عودة الأب الضال قاصداً العماد ميشال عون).

وأدى الفنان مارسيل خليفة اغنية حب تحية للراحل، وتحدث الصحافيان جوناثان راندل ومارك كارفتس، وانتهى اللقاء بكلمة لزوجة قصير الزميلة جيزيل خوري قالت فيها: أريد ان اقول لسمير إن مشاعر الحب والفرح والتفاؤل التي صنعت حكايتنا المشتركة ستعيش معي وتكون الضوء الذي أهتدي به من أجل أن العب دوري كمواطنة وإعلامية تناضل من أجل وطن حر مستقل ومن أجل قيم الحرية والعلمانية والعدالة.

وأضافت: يعتقد الذين اغتالوا سمير قصير أنهم قتلوا الحلم، وأعلنوا انتصار الموت على الحياة. وأنا التي تعيش منذ أكثر من أربعين يوما في الفجيعة، اقول لهم إن سمير، الذي حين التقيت به منذ عشر سنين كان يشبه بطلا طالعا من روايات جبرا إبراهيم جبرا، بجماله وذكائه وتوقده، إن هذا الرجل دخل اليوم في روايته الأبدية، التي كتب بعض فصولها بقلمه، والتي ستعيش في حياة اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين وسائر العرب، في وصفها رواية لا تكتمل بموت بطلها، بل تستمر في حياة قرائها وخيالهم ونضالهم.

بعد اللقاء توجه الحاضرون إلى موقع الجريمة حيث غرست شجرة زيتون وأضيئت الشموع.

استقلال لبنان مرتبط مباشرة بالمعركة من أجل الديموقراطية في سوريا

كلمة رياض الترك في أربعين الشهيد سمير قصير

أيتها الأخوات

أيها الأخوة

يشرّفني أن أشاطركم، مثل الكثيرين من أبناء شعبنا في سورية، إحياءَ الذكرى الأربعين لاستشهاد فقيدكم وفقيدنا الغالي، الصديق والرفيق سمير قصير. ويحزّ في نفسي أنني أخاطبكم من بعيد وعلى هذا النحو، فأنا كما تعلمون ممنوعٌ من دخول بلدكم الجميل. ولهذا فإنّ استرداد حقّ أمثالي في زيارة لبنان، أي في عبارة أخرى استرداد لبنان الديمقراطي بوصفه موئل الحرّيات والصدر المفتوح لأحرار العرب والمناضلين ضدّ الاستبداد، كان بين أبرز أهداف النضالات التي خاضها الراحل، وتخوضونها أنتم اليوم أيضاً.

ولعلّ الكثيرين منكم يجهلون هذا التفصيل الإنساني البسيط: أنني أتحدث عن راحلٍ لم تكتحلْ عيناي برؤيته وجهاً لوجه، ولم يسبقْ لنا أن التقينا مرّةً واحدة، والتواصل بيننا اقتصر على المحادثةِ الهاتفية. مفارقة الأقدار هذه، فضلاً عن شروط الاستبداد وانتهاك الحرّيات في بلدينا، لم تمنعنا من التواصل والتشاور وتبادل الرأي. وإنني كنت وأظلّ قريباً من أفكاره حول النهوض العربي عموماً، وحول الإصرار على أنّ استقلال لبنان مرتبطٌ مباشرةً بالمعركة من أجل الديمقراطية في سورية.

ورغم سياسة الفصل والعزل المنظمة التي فرضها حافظ الأسد على بلدينا، تمكّن عشرات اللبنانيين أمثال سمير قصير من رفع اهتمامهم بالشأن السوري إلى مصافّ البرنامجِ النضالي اليومي. والديمقراطيون السوريون لا يمكن أن ينسوا تحوُّلَ الملحق الثقافي لصحيفة "النهار"، بل والصحيفة بأسرها، إلى منبر يحتضن آراءهم وبياناتهم وسجالاتهم، في حين أنّ البعض من رفاقنا القدامى اللبنانيين قصّروا كثيراً في هذه المهمة، لكي لا أقول إنهم استقالوا منها نهائياً.

واسمحوا لي في هذا السياق أن أقتبس فقرة من القرار الذي صدر عن المؤتمر السادس لحزبنا، حزب الشعب الديمقراطي السوري، أواخر نيسان الماضي وحمل عنوان "بيانٌ إلى شعبينا في سورية ولبنان". تقول الفقرة: "ونحن إذ نشكر الأقلام والمنابر اللبنانية الحرّة، التي وقفت وتقف إلى جانب الشعب السوري في سعيه لإنهاء الاستبداد والانتقال إلى الديمقراطية، فإننا نثق بأن معركة الحرّيات والتغيير الديمقراطي واحدة في كلّ من بيروت ودمشق، وأنّ لبنان الديمقراطي السيّد المستقلّ المقاوم يكونُ رئة سورية، وليس مقرّاً أو ممرّاً للاعتداء عليها".

لكنّ أسباب ابتهاجِنا بهذا الطراز الرفيع من "تلازمِ المسارين"، ولعلّه الوحيد الحقيقي الصادق لأنه يتمّ بين الشعبين وليس بين النظامين، وكذلك فرحتنا بالاستقلال المتجدد للبنان، لم تدمْ طويلاً كما تعلمون. وإذا كانت لائحة القتل الخسيس قد توقفت عند الصديق والرفيق القديم جورج حاوي، فإنّ المسلسل الذي بدأ من محاولةِ اغتيال مروان حمادة، ومرَّ باغتيال رفيق الحريري وبلغ ذروة الهمجية في اغتيال سمير قصير، كان للمفارقة يرسّخ يقينكم ويقيننا بأنّ المسار النضالي المشترك بينكم وبيننا بات أكثر تلازماً من ذي قبل.

وإذْ لا نتردد البتة في تحميل النظام السوري المسؤولية السياسية عن هذه الجرائم، بل وعن الكثيرِ من عذاباتِ لبنان ومعاناة اللبنانيين طيلة الأشهر الأخيرة، فذلك لأنّنا طالبنا على الدوام بانسحاب سورية عسكرياً وسياسياً وأمنياً من لبنان، بل واتخذنا هذا الموقف منذ عام 1975. وكان ينبغي أن يتمّ هذا الانسحاب بعد عامين من اتفاق الطائف سنة 1989، أو بعد الانسحاب الإسرائيلي سنة 1999، أو بعد سقوط بغداد سنة 2003.

صحيح أنّ الانسحاب العسكري تحقق اليوم، بفعل الضغوطات الدولية وانتفاضة لبنان الشعبي وتبدّل الكثير من المعطيات الإقليمية. صحيح، أيضاً، أنّ الانتخابات النيابية منحت القوى اللبنانية المعارضة أغلبية تكفي لتنفيذ برامج إصلاحية على أكثر من صعيد. وصحيح أخيراً أنّ الجامعة العربية أو الأمم المتحدة أو باريس أو واشنطن يمكن أن تقدّم الكثير من الضمانات من أجل استقلال لبنان. إلا أنّ من الصحيح كذلك أنّ الضماناتِ الأكبر إنما تكمن في تطوير النهوض الشعبي الذي تمثّل في انتفاضة آذار، وتأكيد وتوطيد الوحدة الوطنية، والإرتقاء أكثر بوحدة القوى الديمقراطية اللبنانية والسورية. وليس من باب التهويل أبداً القول بأنّ خاصرة لبنان الجديد الحرّ المستقلّ ستبقى ضعيفةً ما دام الإستبدادُ في سورية قائماً قوياً ومتحالفاً مع قوى الظلام والطائفية والتبعية في لبنان. وبهذا المعنى نعرف، وتعرفون، أنّ سمير قصير كان شهيد الحركة الديمقراطية السورية مثلما كان شهيدكم، وشهيد أحرار العرب والعالم بأسره.

اسمحوا لي، ختاماً، أن أتقدّم بالتعزية الحارّة إلى العزيزة جيزيل خوري، والعزيزتين ميساء وليانا قصير، والسيدة هالا قاعي، وجميع أفراد أسرة الراحل. عزاؤنا حارٌّ أيضاً إلى رفاق الراحل ورفاقنا في "حركة اليسار الديمقراطي"، وإلى زملاء الراحل في أسرة "النهار"، ونقابة الصحافة اللبنانية، ونقابة المحررين. وهذه، غنيّ عن القول، تعزيةٌ إلى أبناء الشعب اللبناني والشعب السوري على حدّ سواء.

ويعلم الطغاةُ، كما تعلمون ونعلم، أنّ القضية التي استشهد سمير قصير دفاعاً عنها هي الظافرة في نهاية المطاف، وهم الخاسرون طال الزمان أم قَصُرْ.

والسلام عليكم.

"الرأي / خاص"

عــاشـــق الحــريـــة


بقلم محمود درويش

النهار

كلما التقيت باسمه، أصغيت الى أغنية صغيرة تمجد قران الفتوة والوعي، واقتران الرأي بالشجاعة... ثم حزنت، لا لأن عمر الورد قصير، بل لأن تلك الوردة لم تكمل تفتحها الساطع على سياج يحترقّ .

كان سمير مهووسا بالسباق على طريق الغد، ليبقى الفتى الاول. وكان له ما اراد. فان من سبقنا الى الغياب لن يكبر مثلنا. هناك، حول صورته، سيجد الزمن نفسه، كعربي معاصر، عاطلا عن العمل!

أما نحن، اصدقاءه وعشاق بيروت المفجوعين، فلن نعتذر عن حلم جميل، مهما ارتدى من اقنعة الفجر الكاذب. ولن تغرينا تعاليم التوازن باتهام شهيد الحرية والحب بالتهور، كما قد يفعل المحاسبون المهرة في مؤسسات العواطف والافكار.

بل نسأل القاتل: اما كان في وسعك ان تكتب مقالة في جريدة تثبت فيها ان سمير قصير على خطأ، ولا يستحق الحياة في لبنان، ولا في بلد آخر؟

البراهين كثيرة. تبدأ من خلل فادح في خريطة يافا، ومن سلالة لا تستقيم، على الرغم من صحة الولادة، مع معبودات الطائفة والعائلة والقبيلة... ولا تنتهي عند حرمان الغريب من حقه في العمل اليدوي والفكري، ومن ابداء الرأي في المناخ المتغير في المحيط والعالم. لم نقل له من قبل: ما اجملك! فقد كان يعرف ذلك اكثر مما ينبغي، ويعلنه نيابة عنا. لكن للغياب استرجاعا لزمن اصيب بالفصام.

في لحظة واحدة، في انفجار واحد، ينقلب فعل المضارع الى فعل ماض ناقص يحتكر الذكرى، وينقص المكان. ويصبح ما بعده ظلاما يدرك بالحواس الخمس... فبأي قلب اناديه: يا صاحبيّ لماذا جعلتنا نحبك الى هذا الحد؟

لم نجتمع الا لنضحك من امتلاء النرجس بالحكمة. فالطفل المعجزة كما سمّيناه كان سعيدا بأن يكبر كاتبا ومثقفا وعاشقا، دون ان يتخلى عن خصوصية اللقب الذي يضمن له صورة يوسف بين اخوته، وسيرة الفارس المنذور للدفاع عن حرية غريبة الاطوار، وعن ديموقراطية شاذة.

سمير قصير، الراقص الرشيق في حقول الالغام، الساخر من كل انسجام مع عبودية مفروضة او مختارة، هو احد اسماء التفوق على صدفة الهوية وعلى التخصص في مدونة واحدة. لذلك صدّق ان في وسع الفلسطيني ان يكون لبنانيا، وان في وسع اللبناني ان يكون فلسطينيا عربيا، وان من واجب العربي ان يكون مشاركا بالتفكير على الاقل في التداعيات التي تتركها انقلابات العالم المعاصر على ما يعدّ له من مصائر. وصدّق ان ثقافة الديموقراطية لا تنتهك بالضرورة مقدسات التراث القومي!

لذلك لم يقع في شرك السؤال الزائد عن حاجتنا الى الوجود: مَن انا؟ فهذا المواطن المتعدد المتجدد المتنور المتطور لا يحتاج الى برهان على شرعية الام. لم يقاوم الاصولية باصولية مضادة، ولا الطائفية بطائفية مضمرة. هويته مفتوحة على غد ينبغي ان يكون مفتوحا للجميع، وعلى حداثة لا معنى لها في شرطنا التاريخي الا بارتباطها بمشروع تحرر شامل المستويات.

من حق الطفل في مساءلة أبيه الى حق المرأة في خلع الرجل، الى حق المواطن في تغيير الحاكم، الى حق الفرد والمجتمع في مقاومة الاستبداد والاحتلال معا، الى حق الشاعر في التخلص من الانضباط للقافية، الى حق الحالمين بان يحلموا بانهم احرار، الى حق الكاتب في التمييز بين معنى الموت ومعنى القتل!

الهذا استحق سمير قصير القتل؟

ملء قلبي هجاء لسادة هذا الزمن الذي لا يُسأل فيه عن اسم القاتل، بل يُسأل عن اسم القتيل التالي. كأن القاتل هو الغامض الثابت، والقتيل هو الواضح المتغير. وهكذا تتحول شخوص المسرحية الدموية جمهور مشاهدين يتفرجون على مصائرهم المدونة، ويتحول جمهور المشاهدين شخوصا في مسرحية لم يقرأوا نصها.

وملء قلبي رثاء مادح لمن كتبوا بالجمر احلامهم، دون وجل من ضباط الليل، او خجل من عورة الحقيقة.

وملء قلبي بكاء مالح على لبنان الجميل، الذي أُشبع بلاغة مديح لا يريده واختُزل الى حد الخنق بصور مستوحاة من اغنيات عن براءة ريفية، ومشهد طبيعي لا يرى منه العابرون الا الاخضر المصفى بابدية الازرق. اما الاحمر الدامي فلا يراه غير الموغلين في كتابة المستقبل، وملاءمة الصورة مصدرها. لقد نزف لبنان، الحائر المحيّر، كثيرا من الدم لصوغ هويته التعددية، وللخروج من ثقافة الطائفة والعائلة الى افق ارحب، فإلى اين؟ الى اية هاوية يجره الخائفون من خصب الهوية ومن فتنة الأمام؟ الى اي وراء يريد ان يرجعه مهندسو الظلام؟ يقول المجاز الاكيد: انها ساعة المخاض الطويلة. وان الحرية، على ما فيها من جماليات، قد تتوحش ليلة العرس، وتتعطش الى دم عشاقها. فذلك هو حناؤها الباذخ قبل انصرافها الى شؤون التدبير المنزلي.

وسمير قصير هو واحد من اجمل هؤلاء العشاق.

تحالف -الاشتراكيين الثوريين- مع الإخوان: مأساة أم مهزلة؟

تحالف -الاشتراكيين الثوريين- مع الإخوان: مأساة أم مهزلة؟

شريف يونس

الحوار المتمدن

أثار تحالف مجموعة تطلق على نفسها "الاشتراكيون الثوريون" مع الإخوان ضجة إعلامية وانزعاجا سياسيا، وترك انطباعات سيئة عن اليسار ككل فى أوساط ليبرالية ونسوية ومسيحية، وغيرهم من الفئات المضطهدة، أدهشها هذا الموقف بقدر ما أزعجها.

وبداية على اليسار أن يؤكد لكل الليبراليين وأنصار الحرية أن هذا الموقف لا يمثل سوى جماعة محدودة من اليسار، لا يميزها اتساع نفوذها وإنما علو صوتها. لقد تشكلت هذه الجماعة فى أوساط الجامعة الأمريكية فى البداية، وحملت ربما بحكم نشأتها هذه تراثا خاصا، جعل منها من جهة شلة معينة لها عادات وتقاليد بعينها، ومجتمعها الخاص المعزول إلى حد كبير عن أوساط اليسار، وعن العمال وكل الفئات الكادحة، فضلا عن تأثر بالميل القومى الذى يركز ينطلق من قضية البحث عن هوية محلية مفتقدة بفعل انعزال مجتمع الجامعة الأمريكية إلى حد كبير، والذى يؤثر على قطاعات واسعة من طلابه ويدفعهم لتبنى أفكار الهوية العربية أو الإسلامية كرد فعل لشعور بالاغتراب.

وبرغم أن هذه الجماعة فى البداية لم تتجه وجهة قومية مباشرة، بل اعتبرت نفسها جزءا من حركة اشتراكية دولية، فإنها بنمطها الانعزالى، سواء فى النشأة أو بعدها، مالت تدريجيا إلى تبنى استراتيجيات التحالف مع القوميين أو الإسلاميين، بحس النخبة المعزولة التى تبحث عن "رافعة للتقدم"، وهكذا امتلأ سجلها بنشاطات قومية، بينما خلا سجلها من نضالات طبقية. وبرغم أن الجماعة فى تطورها نجحت فى ضم عناصر أخرى من اليسار، فإن نجاحاتها كانت محدودة فى ذلك إلى حد كبير، واعتمدت أساسا على جذب العناصر الأكثر سخطا على الأوضاع السيئة لليسار الباحثة عن نظرية شاملة وجذرية، تتيح إدانة الماضى اليسارى بأكمله.

وللأسف لا نستطيع أن نقول أن هذا التشكيل بهذه التوجهات فريد من نوعه فى تاريخ اليسار. ففى 1950 تشكل داخل الحركة الشيوعية تنظيم اعتبر نفسه متشددا، وأطلق على نفسه "الحزب الشيوعى المصرى"، باعتباره فى نظر أعضائه يضم الشيوعيين الوحيدين الذين يستحقون هذا الاسم. أما بقية الشيوعيين (الغالبية الساحقة)، فأطلقت عليه "الراية"، نسبة للمجلة السرية التى كان يصدرها. ومثل الاشتراكيين الثوريين، تشكل حول شخصين جاءا من فرنسا بأفكار جذرية تطالب بثورة اشتراكية، هما إسماعيل صبرى عبد اللـه وفؤاد مرسى. وتوسع التنظيم عن طريق الأعضاء الساخطين فى تنظيم حدتو الكبير الذين ساءتهم كثرة الانشقاقات، وعزوا كل مشاكل الحركة لغياب نظرية مستقيمة واضحة وجذرية. كما ضم عديدا من العناصر من الفئات الاجتماعية العليا المغتربة الباحثة عن انتماء. وقد ظلت "الراية" تيارا أقلويا فى الحركة الشيوعية حتى حل الأحزاب الشيوعية عام 1965. وبالمثل، تحالف هذا التيار مع "النظام الخاص" لحركة الإخوان، وقاما بنشاط مشترك ضد حكم الضباط الأحرار عام 1954، بينما تحالفت التنظيمات الشيوعية الأخرى مع الوفد والطليعة الوفدية.

وبصفة عامة يمكن الربط بين وجود مجموعة معزولة اجتماعيا وسياسيا فى أوساط اليسار، وبين الميل إلى تبنى شعارات جذرية، تفضى فى نفس الوقت، بسبب العزلة، فى التطبيق العملى إلى تصورات شعبوية، وبالتالى إلى تحالفات مع الاتجاهات القوموية والإسلامية السلطوية المحافظة بحثا عن شرعية أوسع، وتلاحقها التنظيرات التى تجعل من الإخوان وغيرهم من الاتجاهات السلطوية حربة الديمقراطية، وأوهام حول إمكان تحويل هذه التنظيمات من داخلها، أو إحداث انشقاق بها، أو ببساطة تعليق الآمال عليها فى نقل البلاد لأوضاع أفضل. وتصبح الجذرية هى القوموية بعينها، ويصبح بالتالى معيارها هو معاداة "الإمبريالية"، والطبقة الحاكمة، لا باعتبارها مستغلة، ولكن باعتبارها حلفاء الإمبريالية المحليين.

يقول هيجل أن الأحداث تتكرر أحيانا فى التاريخ مرتين. وأضاف ماركس أنها فى المرة الأولى تكون مأساة، وفى الأخيرة مهزلة. كانت المهزلة واضحة فى التحالف الأخير.. فشهد الجمهور تجاهلا واحتقارا متعمدا من قبل نائب مرشد الإخوان لممثل الاشتراكيين الثوريين على منصة التحالف فى نقابة الصحفيين، الذى وصل إلى منحه الكلمة بعد القاعة، ومقاطعته ومنعه من إكمالها، دون أن يبدى أى رد فعل. أما الجانب المأسوى من المهزلة، فهو الهوان الذى أصاب رشاشه اليسار عموما.. فعادة ما يحسب الإخوان وغيرهم من التيارات السلطوية حسابا كبيرا لممثلى اليسار، ولو كانوا أقلية، لما لهم من قدرة على المواجهة، وإثارة القضايا المسكوت عنها، والاهتمام بمخاطبة الرأى العام، قبل اتفاقات الغرف المغلقة. وسوف يحتاج الأمر مجهودا مضاعفا لتذكير الإخوان مرة أخرى أن مثل هذه التصرفات مع اليسار مكلفة.

غير أن المسألة لا تقتصر فى الواقع على ما حدث على المنصة، بل تمتد إلى شكل التحالف نفسه. لا يمكن أن يقوم تحالف على أسس محترمة بين "قوتين سياسيتين" – إن جاز التعبير بالنسبة للاشتراكيين الثوريين – تكون النسبة بينهما فى العضوية واحد إلى عشرة آلاف على أقل تقدير. ويفوق فارق الانتشار الجغرافى، والموارد المالية والاجتماعية بينهما هذه النسبة. المسألة فى الواقع أن الإخوان بحثا عن شرعية غير مشروطة تتيح لهم تنفيذ برنامج أبعد ما يكون عن الديمقراطية تحت شعارات ديمقراطية يحاولون الحصول على تمثيل رمزى لقوى هامشية تبعد عنهم تهمة الطائفية والعزلة عن بقية تيارات المجتمع المدنى. وفى سبيل هذا يوظفون أناسا معزولين مثل رفيق حبيب (المعزول فى طائفته نفسها) ليكون ممثلا لمسيحيى مصر.. وهو ما ينطبق بحذافيره على هذه المجموعة المحدودة من اليساريين. فكل منهم لا يلعب موضوعيا دورا أكثر من دور "حلية" على صدر الإخوان؛ ذريعة للتظاهر بأنهم قوة مدنية ديمقراطية قابلة للتعاون حتى مع الشيوعيين المتطرفين مثلا، أو المسيحيين.

وقد سبق لمجلة البوصلة أن نشرت موقفا أكثر توازنا من الإخوان قبل وقوع هذه الأحداث، فلم تتخذ من الإخوان موقفا عدائيا مطلقا يطالب بتصفيتهم تماما مثلا، بل أوضحت أن ثمة إمكانية وفائدة فى إدماج الإخوان فى نظام سياسى ديمقراطى، شرط أن يكون ديمقراطيا بالفعل، لا على غرار ديمقراطية الإخوان الاستبدادية على طريقة القرآن دستورنا. غير أن تحقيق ذلك لن يكون ممكنا بغير نمو القوى الديمقراطية نفسها على اختلافها، وفرض إيقاعها الخاص فى الحياة العامة.. وهى المهمة الأولى والأساسية على عاتق جميع الفصائل الديمقراطية.

أما بالنسبة لليسار، فلا شفاء له من هذه الميول الشعبوية، ما لم يسع إلى بناء قواعد حقيقية له بين قوى المجتمع الحية، بدلا من تبنى آخر صيحة من الشعارات "الشغالة" بين قطاعات المعارضة، وإيهام النفس بنصر تأتى به "ظروف التجذر الموضوعية".

القضية يطول شرحها.. ولكن التنصل من هذا الحدث بدا لى واجبا الآن.. تجاه كل القوى الديمقراطية

ما قبل الديمقراطية والحرية

* ما قبل الديمقراطية والحرية ..



بقلم: د. فاضل فضة *

أخبار الشرق

لا أدري لماذا يحب السوريون فضاء الأبعاد النظرية لأية مقولة، ولا أدري إن كان ذلك نابعاً من ثقافتنا وتاريخنا العربي والإسلامي، حيث يطول الحديث دائماً وأبداً عن نظريات معينة، لإثبات مواقع فقط، أو وجهة نظر، بدون إسقاطات عملية حقيقية تصب في صالح حل المسائل، لا تعقيدها، عبر البحث عن اختصارات لطرق عمل يمكن أن تؤدي إلى نتائج عملية على أرض الواقع.

يصر الدكتور برهان غليون وغيره على الحوار الذي لا يقدم صيغة عملية لواقع سوري متأرجح، بين التغيير الإرادي أو القسري، لنظام لم يستطع أن يقدم أية حلول عملية لأي شيء نادى به في الماضي، ومتعثر الخطوات بعد محاصرته بمياه مستنقع نتن من الفساد الذاتي، أونتيجة لتغير الظروف المحيطة، وحاجة العالم إلى تغيير نظام شمولي، أصبح عقبة في تحقيق مشاريع تصب في مصالح بعض دول الغرب فيما يتعلق بالمنطقة الشامية والعربية.

هل مهم جداً أن ننظر للديمقراطية إذا كان هدفنا مرتبطاً بمصداقية الأداء، وكيف يمكن للديمقراطية أن تكون معاصرة إذا لم تحقق عدة مبادئ أصبحت بديهية لمن ليس له هدف مشابه لأهداف الأحزاب التاريخية السورية وخاصة حزب البعث، وهو إطلاق شعارات للوصول إلى سدة السلطة، وممارسة الحكم كما مارسه الأتراك، والسوريون أيام فترة الانتداب، وحزب بعث العسكر في تاريخ الإنسانية، كما هو البعث السوري اليوم.

لكي تنهض سورية عن طريق أي نظام سياسي حاضر أو مقبل، لا بد من توفر بعض الشروط الأساسية في مفهوم العمل الوطني، السياسي والاقتصادي، خاصة بعد اضطرار الدولة إلى تحديد مهماتها في توفير المناخ المناسب في نظام يفترض منه أن يكون بيئة سليمة لدفع العملية الإجتماعية والسياسية والاقتصادية في طريقها الصحيح لمصلحة أبناء الوطن السوري.

وهذا لا يمكن أن يتم ما لم يحدث تغيير جذري وأساسي في طريقة التفكير لدى كافة النخب السياسية والفكرية والاقتصادية السورية.

إذاً، وبعد ظهور عدة تجمعات ومجالس ومؤسسات سياسية سورية جديدة، خارج سورية وفي داخلها "غير مصرح لها في معظمها"، وإطلاقها شعارات متشابهة في عديد من دول العالم اليوم" فإن سياسة الشعار العام المناسب لعصر اليوم، وللأسف، ستكون مخالفة لسياسة الأداء، بشكل مشابه جداً للاحزاب السياسية السورية التي أسست في الثلث الأول وما بعد من القرن الماضي. وهذا ليس على مستوى الأحزاب السياسية أو النخب الفكرية أو الاقتصادية، بل حتى على مستوى الفرد والمجتمع. وهذا أيضاً واقع ثقافي نتعايش معه منذ ولادتنا في بيئة ثقافية سورية عربية وإسلامية، وإلى يومنا هذا للأسف الشديد.

لذا قد يصعب على السوري (فرداً أو مؤسسة أو حزب) بشكل عام ، ومن أي شريحة كان، إلا بعض الحالات الخاصة، أن يمارس مصداقية الأداء في السلوك الخاص والعام. لذا تراه يضطر إلى التسويق الفكري أو السياسي والاقتصادي، غير عابئ بمصلحة الآخر، ابن الوطن، بنفسٍ قصير النظر في رؤيته ومداه بمعناه الدائم.

لذلك ليس من السهولة النجاح أبداً، لأي كان "فرداً مؤسسة أو حزب" على صعيد الإسقاط على الدولة والمجتمع، إذا كان العمل في أي مجال يعتمد على إزدواجية أو تباين في الخطاب والأداء. وهنا قد لاتكون النتائج القادمة منصبة حتمياً في صالح المجتمع السوري ككل.

ولا يجب في نفس الوقت، أن يغب عن نظر السوريين من أن الخلاص من ديكتاتورية النظام الحالي وفساده، سيؤدي حتماً إلى قيام حالة سورية صحية على كافة المستويات. إذ لا بد من التذكير وبناء على ما ذكرناه، أن المجتمع السوري بكافة أطيافة ونخبه خاصة، ونحن نتوجه غالباً في مقالاتنا إليها، يحتاج وبشكل عملي وجذري للعمل على بناء بنية تحتية في منهجية العمل والأداء، كمعيار عام اجتماعي سوري للجميع، وهو الاختصار بقدر ما أمكن ما بين لغة الخطاب ولغة الأداء، بما يسمح في أي نظام سوري قادم، شعاراته الديمقراطية والحرية والمساواة، إمكانية تطبيق هذه الشعارات، والالتزام بالدستور والقانون المطبق "نظرياً" على الجميع.

نحن نعلم أن خلف "العديد" من المقالات، أو الدراسات أو الطروحات، أهداف مغايرة لما تحاول هذه التراكمات الفكرية والثقافية أن تدعو إلى إليها، بسبب الدفاع عن الخاص والذات، النابع من موقع شخصي، أو موقع عشائري، أو طائفي، أو قومي أو غيره.

ولا يمكن هنا التوصل إلى أرضية ثابتة ودائمة للعمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي السوري، ما لم تصبح معايير الأداء مشابهة بأعلى نسبة لمعايير الخطاب، والتي يقبل بها إرادة كل من آمن بوطن حقيقي لكل السوريين.

لقد أطلقت هنا التقارب (أو التلاصق) بين الخطاب والأداء بالبنية التحتية لمنهجية التفكير والأداء، كونني أعتقد وبسبب تجربة العيش في بيئة ثقافات مختلفة، متقدمة (فرنسا وكندا) أو نامية (فنزويلا)، أن العمل بهذه الطريقة أساس للنجاح في أي عمل سياسي أو نخبوي أو اقتصادي. وهو محاولة للتحرر من أنا "تكذب على نفسها" في طروحاتها ضمن أهداف تخديرية، لركب قطار السلطة أو سدة ما، غير واضحة دائماً على صعيد الواقع.

أما بالنسبة للقضية الاقتصادية، فأعتقد أن المسألة ستكون صعبة (جدّاً)، عند التحول من اقتصاد (نظرياً) اشتراكي، إلى اقتصاد رأسمالي، أو اقتصاد سوق اجتماعي، ليس بسبب عدم وجود حلول عملية للتحول من حالة إلى أخرى، بل بسبب الثقافة العامة السائدة في بلدان العالم الثالث، للرأسمالية "الجبانة" في ظل أنظمة أيضاً لابد أن تفسد، مالم يترافق أي نظام ديمقراطي تطبيق عملي لسيادة القانون "كحد السيف" على الجميع.

ومع ذلك وعندم تتوجه معظم الأحزاب السياسية الفاعلة القديمة في إيديولوجياتها، أو الجديدة المنادية بشعارات الحرية والديمقراطية، عندما يتوجه الجميع إلى اختصار الخطاب عن الأداء والأقتناع ببناء هذه البنية التحتية، فأن حل المسألة الإقتصادية، يصبح مسألة مرهونة بإمكانات الفرد السوري ورغبته في العمل الجدي لتطوير سورية من اقتصاد "التجار" والصناعات التقليدية، إلى مجتمع مبدع حتى في وسائل التكنولوجيا العالية، وهذا ممكن إذا طرحت مشاريع حقيقية على مستوى القطاع الخاص، وبرامج تساعد المبدعين من قبل الدولة. كما أن الحديث عن الديمقراطية، يتطلب من كافة الأحزاب السياسية التي تشكلت في السابق، والتي ستتشكل في الحاضر أو المستقبل، أن تعلن وبشكل واضح، عن معنى دولة الدستور والقانون، عن حق الأكثرية وواجبها في تأمين حقوق الأقليات بشكل مشابه ومتساو معها، أن تتحدث عن حرية الصحافة وشفافية أداء مؤسسات الدولة لتكون ماثلة أمام جميع المواطنين .. عن تكافؤ الفرص .. عن عدم تدخل الجيش والسلطة العسكرية في العمل السياسي.

لذا قد تطرح كل يوم نقاشات وحوارات هنا وهناك، لكن ما هو الحل الاستراتيجي، للخروج من أزمة سورية الدولة التي وضعت حدودها فرنسا وبريطانيا، في بدايات القرن الماضي، لتشكل فيما تبقى منها، نسيجاً مصغرّاً لبلاد الشام كلها بتعريفها التاريخي لأكثر من ألف سنة.

إن الاقتصاد السوري بحاجة إلى إجراءات مميزة، يمكن بها لأبناء الوطن القيام باعمال نوعية، لو توفرت لهم البيئة السليمة من حرية سياسية، واقتصادية، وقوانين اجتماعية وسيادة للقانون، ووضوح به.

لكن وضمن الطروحات الحالية، التي ما زالت وللأسف، مقيدة بمعايير تقليدية، وتاريخية للعمل السياسي والاقتصادي، لا يمكن للمسألة السورية أن تحل بشكل حضاري دائم الأداء، لأن الأسباب التي أدت إلى قيام نظام شمولي فاسد بكافة معطياته اليوم، ما زالت تنهش العقل السوري في زواياه غير المعلنة سلوكياً في الداخل والخارج.

لذا وقبل الخروج من مطب سلطة البعث وشعارات التخدير، يجب التحذير وخاصة من الذين يعتبرون أنفسهم وطنيين بحق. إننا بحاجة إلى مصداقية في الأداء، متلازمة مع سهولة طرح الشعار، لكي يتحقق ما يرغب به كل مواطن سوري، له أو لوطنه في المستقبل. وعلى الذين يرغبون فعلاً المساهمة الجدية في إدارة الدولة سياسياً في المراحل القادمة، أن يدرسوا وبعناية، وليس الإطلاق العامودي التنظير "غير المؤدي إلى نتائج" أو إطلاق الشعارات فقط .. عليهم بغالبيتهم أن يدرسوا النظام الكندي والسويدي والنرويجي، والياباني والأوروبي "المترهل بسبب تاريخه خلال المائتي سنة الماضية". عليهم أن يتساءلوا لماذا شكلت لجان تحقيق قضائية مستقلة عن سلطة الدولة في أية فضيحة مالية أو اقتصادية، وكيف تم تنفيذ القوانين، لدرء مثل هذه الفضائح ومنع قيامها في المستقبل.

إن الفساد لا ينبع فقط من الأشخاص المتربعيه في مواقع السلطة فقط، وإن كان نسبياً اقل بتأثره مقارنة مع الفساد خارج السلطة أو المسؤولية، لكن الفساد قد يكون سلعة سياسية تباع لمن لا يعلم معنى الحرية او الديمقراطية عملياً وممارسة، ومعنى حق المواطن في دولة تسمح بتكافؤ الفرص والعيش الكريم.

إن الأداء إن كان يصب في مصلحة المجتمع في الدول المتقدمة، إنما يتم ضمن سياق معنى الأداء القسري بأمانة، ليس إرادياً أو حباً في الخير كطبيعة بشرية، إنما الثقافة السائدة في المجتمع التي تشرّع سيادة وسلطة القانون، على جميع أبناء الوطن، بدون تفريق أو تمييز.

لقد أصبح لمعنى كلمة الشرف في بعض دول الغرب، العمل والأداء بامانة على المستوى السياسي، يجبر عليهم الوضوح والقوة في تطبيق القانون على المخالفين والفاسدين، لذا يعمل السياسي في عديد من الدول المتقدمة لصالح الناخبين والوطن في منصب، يتحكم به المواطنين لحظة العملية الانتخابية.

__________

* كاتب سوري - مونتريال (كندا)

دمشق تطالب البعثات الاجنبية إبلاغها بـ«أي اتصال» مع المجتمع المدني

دمشق تطالب البعثات الاجنبية إبلاغها بـ«أي اتصال» مع المجتمع المدني

قالت مصادر ديبلوماسية لـ «الحياة» امس ان وزارة الخارجية السورية بعثت اخيراً «مذكرة ديبلوماسية» الى جميع البعثات الاجنبية والعربية تتضمن ضرورة «ابلاغ» الوزارة بـ «أي تحرك او اتصال» يجريه اعضاء السفارة في الاراضي السورية، وذلك انسجاماً مع «المعاهدات والاعراف الدولية».

ويعتقد ان الحكومة السورية وجهت هذه المذكرة على خلفية الزيارات التي قام بها ممثلو عدد من السفارات الاجنبية الى منطقة شمال شرقي البلاد (الجزيرة السورية) بعد احداث القامشلي و «خطف وقتل» الشيخ معشوق الخزنوي من قبل «عصابة مجرمين» حسب البيان الرسمي السوري.

ويعتقد ايضاً ان الاتصالات التي اجرتها السفارة الاميركية في دمشق و «توسيع دائرة الاتصالات في المجتمع المدني» لعبت دوراً في القرار السوري، مع الاشارة الى ان السفارة لم تقم حفلة استقبال في 4 تموز الجاري، بل قدمت دعماً لمشروع للمجتمع المدني السوري في هذه المناسبة. وعلمت «الحياة» ان اعضاء السلك الديبلوماسي الاجنبي يبحثون سبل التعامل مع «المذكرة الديبلوماسية» ومنها تكليف عميد السلك الديبلوماسي السفير العماني هلال بن سالم السيابي تقديم طلب الحصول على «توضيحات».

دمشق - ابراهيم حميدي الحياة

تفجيرات لندن: يد الإرهاب عمياء ولكنها ليست خارج التاريخ

2005-07-15

هل من مغزي في أن تترافق مع الذكري العاشرة لمجزرة سربرنيتشا؟

تفجيرات لندن: يد الإرهاب عمياء ولكنها ليست خارج التاريخ

صبحي حديدي

القدس العربي


وزير الدفاع البريطاني آدم إنغرام، في تعقيبه علي تصريحات النائب جورج غالاوي حول الصلة بين مشاركة بريطانيا في احتلال العراق وأعمال الإرهاب التي شهدتها لندن مؤخراً، ذهب إلي أقصي البلاغة، السوداء الدامية التي لا تتخفف من نبرة التشهير، فقال: لقد غمس لسانه المسموم في بركة من الدماء ! والحال أنّ هذا الخطاب بالذات هو آخر ما تحتاجه بريطانيا الجريحة عموماً، والأرجح أنه آخر ما يصلح عزاء لذوي الضحايا والجرحي والمفقودين... إذا كان يصلح أساساً.
وإذا صحّ، من جانب أوّل، التذكير بأنّ يد الإرهاب عمياء غالباً في ما يخصّ الضحايا لأنها عشوائية في إقامة الموازنة بين الغاية والوسيلة، فإنّ من الضروري تالياً التذكير بأنّ المنخرطين في مختلف مستويات الإرهاب ليسوا دائماً قتلة محترفين تخرّجوا من مدارس البلطجة والجريمة المنظمة. ليس بهم، أو بغالبيتهم الساحقة، مسّ من جنون متأصل يجعلهم في حال من البغضاء المطلقة ضدّ الإنسانية جمعاء (كما يوحي أمثال دانييل بايبس مثلاً)، أو ضدّ النموذج الحضاري الغربي كما أوحي ويوحي أمثال جورج بوش وسيلفيو برلسكوني وخوسيه ماريا أثنار وتوني بلير. لم تكن هذه، أو ما يشبهها في قريب أو بعيد، حال أيّ من الثلاثة الذين نفذوا تفجيرات لندن، ولعلّ العكس هو الصحيح بالضبط كما تشير المعلومات التي توفرت حول تفاصيل التربية العائلية والحياة اليومية والسلوك العام والأمزجة النفسية والنزوعات الفكرية والثقافية.
غير أنّ الإشكالية قد تكمن هاهنا تحديداً، أي في باطن وضعية الإزدواج الإنكساري العميق التي يعيشها أمثال حسيب صادق (19 عاماً) وشاهزاد تنويري (22 عاماً) ومحمد خان (30 عاماً)، بين اندماج كامل أو شبه مكتمل في الحياة البريطانية والحضارة الغربية إجمالاً، وبين انسلاخ إرادي من هذه الحياة استجابة إلي اعتبارات عقائدية صرفة، لا تغيب عنها السياسة دون ريب. وبهذا المعني تصبح بلاغة وزير الدفاع البريطاني مجرّد لغو، لأنّ إرهابيي لندن لم يفعلوا ما فعلوا (ونعلم الآن أنهم من الصنف الإنتحاري) احتجاجاً علي هذا أو ذاك من أعراف الحضارة الغربية، أو لهذه أو تلك من القضايا التي تخصّ الإسلام في بريطانيا.
علي سبيل المثال، في عام 1989 حين أحرق الإسلاميون المتشددون في برادفورد نسخاً من رواية سلمان رشدي الآيات الشيطانية ، وتظاهر الملايين في مختلف عواصم آسيا المسلمة، كان عمر محمد خان 14 عاماً، وشاهزاد تنويري 6 سنوات، وحسيب صادق... 3 سنوات! أي انتهاك أخطر للدين الإسلامي شهدته بريطانيا بعد قضية رشدي؟ لا شيء عملياً، باستثناء السياسات البريطانية المؤيدة للولايات المتحدة في فلسطين وأفغانستان والعراق والشيشان، وقبلها في البوسنة. وفي هذه المناسبة، هل من المبالغة أو التهويل أو الإفراط في التأويل أن يستنتج المرء المغزي، بعض المغزي فقط، في أن تترافق تفجيرات لندن مع الذكري العاشرة لمجزرة سربرنيتشا التي سقط فيها 7000 ضحية من المسلمين؟
وقبل الإنخراط التامّ في صفوف الفيالق الأمريكية الغازية للعراق، لم يترك بلير فرصة تفوته للإعراب عن متانة الغرام الأنغلو ـ أمريكي، الذي جمعه مع الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، ويجمعه اليوم أيضاً مع الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش. ولقد حدث مراراً أنه زاود علي الأمريكيين أنفسهم في تصعيد الحرب النفسية ، خصوصاً حين نشرت حكومته تقارير سرية عن ترسانة عراقية مرعبة تبدو وكأنها خرجت بغتة من مغارة علي بابا: صواريخ سكود سليمة مصانة، وأطنان من المواد الكيماوية الجاهزة للتحوّل إلي أسلحة كفيلة بإبادة سكان الأرض بأكملهم ، كما جاء في النصّ الحرفي للتقرير!
وفي عام 1990، عشية عاصفة الصحراء ، لم تكن مارغريت ثاتشر مضطرة إلي مديح جورج بوش الأب، بل كان العكس هو الصحيح لأنها اضطرت إلي توبيخه. في عام 1998 لم يكن توني بلير سعيداً بإغداق المدائح علي بيل كلينتون فحسب، بل كان أيضاً مضطراً إلي السكوت عن فضائح الرجل المالية والجنسية. ولقد وجد نفسه منضوياً في صفّ المدافعين عن كلينتون، مراهناً علي رئيس مثخن بالجراح، مقامراً بخيانة مدوّنة السلوك التي بشّر بها طويلاً، هو المعروف بدفاعه المرير عن القِيَم العائلية ، وهو الذي يسعي إلي تجسيد المعجزة الأخلاقية للبريطاني النيو ـ فكتوري السائر علي السبيل الثالث بين اليمين واليسار!
وقبل أقلّ من عام شهدت لندن ندوة حول احتلال العراق جرت، للمفارقة، في متحف الحرب الإمبريالية ، شارك فيها هارولد بنتر، الكاتب المسرحي البريطاني الكبير وأحد أبرز الأصوات البريطانية والعالمية المناهضة للحرب. وقد جاء في كلمته، وأقتبسها هنا مجدداً بشيء من الإسهاب: الحرية، الديمقراطية، التحرير... هذه المصطلحات، كما ينطق بها بوش وبلير، تعني في الجوهر الموت، والخراب، والفوضي. وتوني بلير يطلق علي المتمرّدين (في العراق) صفة الإرهابيين. ومن الواضح أنه يوجد عدد من أبناء الجنسيات الأجنبية دخلوا إلي العراق منذ الغزو، ويرتكبون أعمال إرهاب وحشية. ولكنّ جوهر التمرّد هو المقاومة العراقية المتعاظمة ضدّ غزو عسكري وحشي بربري. إنّ نحر امريء عمل بربري. ولكنّ في باب البربرية أيضاً أن تلقي القنابل العنقودية علي أناس أبرياء تماماً، وأن تمزّقهم إرباً. 200 ألف مدنيّ علي الأقلّ قُتلوا في العراق، وآلاف عديدة تعرّضوا لتشويه مدي الحياة. وعلي شاشات التلفزة، نحن لا نري أجساد الأطفال الممزّقة .
ولكنّ هارولد بنتر معنيّ كذلك بفضح البربرية الأكبر قبل البربرية الأصغر، ولهذا فإنه يتابع السجال: إنّ غزو الولايات المتحدة للعراق لم يكن غير مبرّر أبداً فحسب، وغير شرعي وغير مشروع فقط، بل كان فعلاً إجرامياً هائل النطاق، ومن نوع ستكون له عواقب عميقة علي امتداد العالم بأسره. لكنّ الغزو كان أيضاً منسجماً تماماً مع السياسة الخارجية الأمريكية، المعلنة والمتناغمة. إنّ السياسة الخارجية الأمريكية تهدف إلي الهيمنة الساحقة الماحقة وهذا هو مصطلح الإدارة الأمريكية، وليس من اختراعي. والهيمنة الساحقة الماحقة تعني السيطرة علي السماء والبحر والأرض والفضاء. وكذلك، بالطبع، تعني السيطرة علي موارد العالم .
ويختم هارولد بنتر بالقول: الولايات المتحدة تملك من أسلحة الدمار الشامل أكثر ممّا يملك العالم مجتمعاً. وأمريكا الآن بالذات تطوّر أنظمة نووية جديدة تستعدّ لاستخدامها كيفما اتفق. إنها لا تكترث البتة بموت الآخرين، وسوف تفني كلّ مَن يقف في طريقها. إنها الأمّة الأكثر ترهيباً للبشر، الأشدّ قوّة، والأكثر عرضة لكراهية الشعوب علي امتداد التاريخ. وغزو العراق كان عملاً من أعمال إرهاب الدولة. وهذه هي حال بوش وبلير، الإرهابيين الحقيقيين. وإنني مؤمن بوجوب إحالتهما إلي محكمة العدل الدولية، ومحاكمتهما كمجرمَي حرب ...
بلير جزء لا يتجزأ من إرهاب الدولة هذا، وحين وقعت أعمال لندن الإرهابية الأخيرة كانت هذه صورته في أعين البريطانيين: مجرم حرب حسب هارولد بنتر، و كاذب حسب أسبوعية الإيكونوميست فضلاً عن تسعة أعشار خصومه، منافق حسب أهل اليسار في حزبه، و"صوت سيّده الأمريكي حسب استطلاعات الرأي البريطانية، و"حليف صادق حسب البيت الأبيض... فلماذا ينبغي ان تكون صورته افضل في أعين أمثال حسيب صادق وشاهزاد تنويري ومحمد خان؟
أقوال بنتر، ومثلها تصريحات غالواي الاخيرة، ليست إذاً من قبيل غمس اللسان في بركة الدماء كما يهتف وزير الدفاع البريطاني، الذي تعيد بلاغته التذكير ببلاغة أخري شهيرة و"مزمنة ، إذا جاز القول، في سياقات مماثلة، أو في سياقات افتراضية، أو حتي بلا سياقات نهائياً. عشية عاصفة الصحراء أنذر بايبس العالم بقدوم جائحة الإسلام ، وحملت إحدي مقالاته العنوان الدراماتيكي المستمدّ من ثقافة مرابطة الجيوش الإسلامية أمام أسوار فيينا قبل مئات السنين: المسلمون قادمون! ، وجاء فيها: هنالك أساس واقعي للخوف من الإسلام. فمنذ موقعة أجنادين سنة 634 وحتي حرب السويس سنة 1956 كان العداء العسكري هو المهيمن علي العلاقة المسيحية ـ الإسلامية. ولقد ظهر المسلمون في إهاب العدوّ الرئيسي منذ أغنية رولان وحتي قصائد أورلاندو"؛ ومنذ مسرحية السيد وحتي رواية دون كيخوتة . وفي واقع الأمر لم يتوصّل الأوروبيون إلي بناء دولتهم إلا عن طريق طرد المسلمين، بدءاً من استعادة إسبانيا في مطلع القرن الثاني عشر وحتي حرب استقلال ألبانيا سنة 1912 .
لكنّ بيت القصيد عند بايبس كان ويظلّ الإرهاب الإسلامي ، وعنه يقول: تجب الإشارة إلي أنّ المسلمين دخلوا في غيبوبة خلال القرنين الماضيين، وهي محنة أهل الله الذين وجدوا أنفسهم في أسفل الركام. التوترات كانت هائلة والنتائج بالغة الألم، ولا غرو أنّ بلاد الإسلام تضمّ معظم الإرهابيين والحجم الأقلّ من الديمقراطيات في العالم .ولكي لا نقع في سوء فهم يجعلنا نظنّ أنّ الإرهاب مقيم في دار الإسلام وحدها، يتابع بايبس إيضاح المشهد هكذا: مجتمعات أوروبا غير مهيأة لهذه الهجرات الواسعة من سُمر الوجوه الذين يطبخون أطعمة غريبة ويلتزمون بمعايير مختلفة للصحة والحياة. المهاجرون المسلمون يحملون معهم شوفينية خاصة تعرقل اندماجهم في التيار العام لمجتمعات أوروبا الغربية. إنهم، في عبارة أخري، يهددون فيينا من داخلها أكثر من تهديدهم لها عند البوابات .
والثابت أنّ خطاب بايبس تغيّر، بعد أكثر من عقدين، نحو الأسوأ وبات أكثر ضحالة وسطحية وسوء طوية. ومن حيث المبدأ فإنّ الأمريكي هو آخر من يحقّ له الحديث عن عنف معمّم أو مستأصل في النفوس، وليست الولايات المتحدة سوي حاضنة العنف وصانعة العنف، منذ مذابح الهنود الحمر وحتي حرب إبادة العراقيين، مروراً بقنبلة هيروشيما ومذابح فييتنام. غير أنّ أوروبا المعاصرة، خارج أمريكا، ليست أقلّ باعاً في ممارسة العنف المعمّم المجّاني، وفي الآن ذاته استنهاض تنميطات العصور الوسطي في تفسير سيول الدماء وأكوام الجثث... اتكاءً، بصفة تكاد أن تكون حصرية، علي تأثيم جميع الإسلام وجموع المسلمين. هذا هو الخطاب الذي أخذ يتعالي في بعض وسائل الإعلام البريطانية، مبتدئاً من تأثيم العرب عموماً، وتعميم نمط الإرهابي الإنتحاري الذي يُفترض أنّ فلسطين صدّرته إلي مشارق الأرض ومغاربها، ومنتهياً إلي تجريم مسلمي بريطانيا (بعد انكشاف هوية الإرهابيين)، ومسلمي العالم بأسره استطراداً.
ويبقي التشديد علي أنّ يد الإرهاب عمياء في كلّ ما يخصّ التمييز بين الغاية والضحية، وبين الوسيلة والجريمة، والمآل والمآل المضادّ المعاكس تماماً. غير أنّ يد الإرهاب ليست خارج التاريخ البتة، وليست سابحة في سديم مطلق من التنميطات المسبقة والكليشيهات الجاهزة، وليست منعزلة عن تلك السياقات الدقيقة العميقة ذات الإرتباط الوثيق بما يجري علي الأرض من وقائع، وما يُصنع من تاريخ، أو تواريخ بالأحري، في الغزو والإخضاع والهيمنة والإمبراطورية. ومن المحزن أن يصحّ، اليوم في بريطانيا، ذلك العبث الأسود الأليم الذي وصفه برنارد شو قبل عقود طويلة في عبارته الشهيرة: أري بعض ما يجري، فأقول: لماذا؟ وأتخيّل وقوع ما لا يمكن أن يقع، فأقول: ولِمَ لا؟ ...

الأمن السوري يمنع إحتفالا للآشوريين

الأمن السوري يمنع إحتفالا للآشوريين

بهية مارديني

ايلاف

منع الأمن السوري اليوم المنظمة الآشورية الديمقراطية في سورية من إقامة احتفال بذكرى تأسيسها الـ48 في مدينة القامشلي وذلك للسنة الثانية على التوالي ، وابلغت الاجهزة الامنية اعضاء المكتب السياسي في المنظمة قرارها بشكل شفهي، واكدت المنظمة في بيان ، تلقت ايلاف نسخة منه ، انها قررت الامتثال للمنع وارتأت عدم اقامة هذا الحفل، بالرغم من عدم قناعتها بالحجج والمبررات التي قدمتها السلطات للقرار، الذي يأتي في اطار سياسة التضييق على هامش الحريات السياسية وتقييد نشاط القوى الوطنية في البلاد، واعتبر البيان، أن مثل هذه القرارات المجحفة من شأنها زيادة حالات الاحتقان والشعور بالغبن في المجتمع، لافتا انها تتعارض مع أبسط الحقوق الديمقراطية التي يتطلع اليها أبناء الوطن جميعاً ، ورأى البيان إن قرار المنع هذا يأتي في وقت أحوج ما تكون فيه الجزيرة السورية الى التلاقي والتحاور بين مختلف مكوناتها وأطيافها، السياسية والقومية والدينية، من أجل الوصول الى أفضل صيغة من التوافق الوطني والعيش المشترك، بعد الهزات التي شهدتها منطقة الجزيرة مؤخرا ، واسف البيان لاستمرار السلطات السورية الأخذ بالذهنية الأمنية في التعاطي مع القضايا السياسية، ودعا السلطات لإعادة النظر في موقفها من القوى الوطنية والحركة السياسية في البلاد والتي تعتبر المنظمة الآشورية الديمقراطية جزءاً منها، بما يعزز الوحدة الوطنية ويزيد من القدرة على مواجهة التحديات والمخاطر المحدقة بسوريا.

واكد سليمان يوسف عضو المكتب السياسي في المنظمة الآثورية الديمقراطية في تصريح خاص لـ"ايلاف"إن اقدام السلطات السورية على منع منظمتهم، وهي فصيل أساسي في الحركة الآشورية السورية، وجزء من الحركة الوطنية، من احياء ذكرى تأسيسها، إنما هو تاكيد على استمرارها في تعطيل الحياة السياسة والثقافية في البلاد ورفض النظام في سوريالكل أشكال ومستويات الحوار الوطنيه وبين جميع القوى الوطنية التي تختلف معه في الرأي وتنتقد نهجه وطريقته في الحكم ، ورغبة النظام في منعهذه القوى والتيارات الوطنية من أن تتحاور وتتناقش فيما بينها حول الشأن العام وهموم الوطن، اضافة الى ان هذا القرار يعبر عن رفض النظام لمبدأ الإقرار والاعتراف بالتعددية السياسية والقومية التي هي حقيقة تاريخية وواقع موضوعي قائم في سوريا ، واشار يوسف الى ان الحرص على الوحدة الوطنية، لا يعني قطعا الغاء القوميات الأخرى وشطبها من الخريطة السياسية والثقافية السورية، وإنما الاعتراف بهذه القوميات السورية ومنحها حقوقها الديمقراطية واحترام خصوصيتها، لأن هذا سيسهل من حالة اندماجها الوطني ويعزز من قيم التعايش والتآخي بينها في المجتمع السوري الذي يعاني من نقص وخلل كبيرين في العلاقة الوطنية بين قومياته وفئاته الاجتماعية والثقافية، حيث وقعت مسألة القوميات، كغيرها من القضايا الوطنية الحساسة، ضحية الايديولوجيا القومية و السياسات الخاطئة لحزب البعث منذ أن تولى السلطة في البلاد عام 1963.

واعتبر يوسف إن النهج الوطني الصحيح والسليم يحول المغايرة القومية و الإثنية والدينية والثقافية والسياسية في المجتمع الواحد، من حالة تناقضية الى حالة التعايش والتماسك الاجتماعي من خلال مساواة الجميع في الحقوق والواجبات أمام القانون ومن خلال دستور وطني يكفل ويصون هذه الحقوق ، وهذا من دون شك، يوفر للمجتمع الاستقرار وأفضل الفرص للنمو والتطور. في حين أن سياسة إقصاء الآخر ومحاولات تهميش القوميات الغير عربية، كالآشوريين وهي فئات وطنية أصيلة في المجتمع السوري، واستمرار السلطات السورية بممارساتهاالخاطئة تجاه هذه القوميات، من شأنها أن تنمي كل أشكال التطرف والتعصب في المجتمع السوري وتقوض وحدته.

من جهة اخرى وجهت اللجنة العربية لحقوق الانسان رسالة الى المفوضة السامية لحقوق الإنسان، و رئيسة اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في المفوضية الأوروبية ، والأمين العام لاتحاد البرلمانيين الدوليين ، و مدير المكتب الإقليمي للمفوضية السامية لحقوق الإنسان في بيروت ، حول الوضع الصحي للنائب المعتقل من 2001 رياض سيف، واكدت الرسالة التي وقعها امس محامي الدفاع عبد الرحمن العسة ، وجمانة سيف ابنة النائب رياض سيف والوكيلة الشخصية عنه ، والدكتور هيثم مناع المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان ، والمحامي رشيد مصلي ممثل اللجنة العربية لحقوق الإنسان في جنيف ،والمحامي هيثم المالح أول رئيس لجمعية حقوق الإنسان في سورية" ان النائب السابق سيف شكامن ألم واخز في الناحية الصدرية اليسرى وطلب من سلطات سجن عدرا، حيث يقضي حكماً بالسجن لمدة خمس سنوات منذ تاريخ4نيسان (ابريل)2002 بتهم "الاعتداء الذي يستهدف تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة، وتشكيل جمعية غير مرخصة". فجرى تحويله إلى مستشفى دار الشفاء بدمشق، وبنتيجة الفحص الطبي الدقيق والقسطرة القلبية التي أجريت له بتاريخ 2 تموز( يوليو )2005 تبين حسب التقرير الطبي المصدق أنه يشكو من نقص في التروية القلبية مع خناق صدر غير مستقر، كما بينت القثطرة وجود انسداد تام في الشريان الإكليلي الأمامي النازل وتضيق في فرعه القطري، وقد أجريت خلال جلسة القثطرة محاولة لتوسيع هذا الشريان باستخدام البالون دون نجاح. ونظراً لعدم استقرار الحالة القلبية لدى سيف فإن حالته تتطلب إدخاله بشكل عاجل إلى المستشفى وإجراء عملية زراعة مجازات قلبية (قلب مفتوح) .

وتمنت الرسالة، التي تلقت ايلاف نسخة منها، من المفوضة السامية التدخل للعمل ما أمكن للإفراج عنه فوراً، علماً انه من الناحية القانونية أنهى ثلاثة أرباع مدة الحكم الصادر بحقه منذ تاريخ 7 حزيران ( يوليو) 2005 وهو ما يستوجب إطلاق سراحه بموجب المادة 172 من قانون العقوبات العام والتي تنص على أن "للقاضي أن يفرج عن كل محكوم بعد أن ينفذ ثلاث أرباع عقوبته إذا ثبت أنه صلح فعلاً" وجرت العادة في المحاكم السورية تطبيق هذه المادة بشكل أوتوماتيكي، وللعلم فقد رد الطلب الخاص بإطلاق سراحه بحجة رفض الطلب شكلاً ، وراى الموقعون على الرسالة إن إطلاق سراحه هو الكفيل الوحيد بإجراء العمل الجراحي بشروطه الصحية الدقيقة والتامة، محّملين السلطات السورية أي تدهور في حالته الصحية الحرجة.

من جهته اكد الدكتور حسام عبدو الديري الامين العام لتجمع الاحرار الوطني الديمقراطي، ومقره الولايات المتحدة الاميركية، استجابة التجمع لنداء مجموعة نشطاء حقوق الانسان في مدينة حماة السورية "والذي أطلقته من أجل التضامن مع المعتقلين السياسين السوريين القابعين في سجون النظام القمعي"، وطلب التجمع من جميع أعضاء التجمع في الداخل والخارج الأضراب عن الطعام اليوم ، معتبرا ان هذا أقل ما يمكن تقديمه لمن اسماهم للأخوة المناضلين الشرفاء.

من جانب اخر اعتصم مساء امس اعضاء المنظمة السورية لحقوق الانسان امام السفارة البريطانية في دمشق وقدموا لانطوني بول سكرتير اول السفارة رسالة تضمنت تعاطف الشعب السوري مع اسر وضحايا المدنيين الابرياء في تفجيرات لندن الخميس الماضي، وقال عبد الكريم الريحاوي الناطق باسم المنظمة في تصريح خاص لـ"ايلاف" انه اعتصام رمزي للتعبير عن رفض المجتمع السوري للعنف والارهاب ، وللدفاع عن حق جميع الشعوب في الحياة ، اما الدكتور عاصم العظم نائب رئيس المنظمة فاكد في تصريح مماثل اننا نتضامن يوميا مع اخوتنا الفلسطينيين والعراقيين ولكننا اليوم اردنا ان ندين هذا العمل الارهابي ، المحامية رهاب البيطار التي حملت ورودا بيضاء اكدت لايلاف انها اتت لتقدم العزاء لاهالي الضحايا ، وشددت على ان من يقوم بالعمليات الارهابية لاينتم لاي دين او انسانية .

الف سوري وقعوا عريضة تطالب الاسد باطلاق سراح رعدون والمعتقلين السياسيين

الف سوري وقعوا عريضة تطالب الاسد باطلاق سراح رعدون والمعتقلين السياسيين


دمشق ـ ا ف ب: وقع اكثر من الف شخص عريضة وجهوها الي الرئيس السوري بشار الاسد تطالب بالافراج الفوري عن رئيس المنظمة العربية لحقوق الانسان في سورية محمد رعدون وجميع المعتقلين السياسيين في سورية.
ووزعت المنظمة العربية لحقوق الانسان نص العريضة التي جاء فيها اننا نطالب سيادتكم بالافراج الفوري عن المحامي محمد رعدون خاصة وانه مريض بسبب احتجازه في ظروف غير انسانية.. ونطالب سيادتكم بالافراج عن جميع المعتقلين السياسيين وناشطي حقوق الانسان ليتاح لهم ولغيرهم المشاركة في بناء الوطن .
ووصفت العريصة الامر بانه ضرورة وطنية وطالبت باغلاق ملف الاعتقال السياسي ورفع حالة الطوارئ والغاء المحاكم الاستثنائية وتنفيذ ما التزمت به سورية من معاهدات ومواثيق دولية في حقوق الانسان .
واشارت العريضة الي ان رئيس المنظمة العربية لحقوق الانسان اعتقل في 22 ايار (مايو) 2005 علي خلفية النشاط الذي تقوم به المنظمة في مجال محاربة الفساد وانتهاك حقوق الانسان والحفظ علي كرامة المواطن وعزته .
وكان رعدون والعديد من الناشطين في مجال حقوق الانسان وبينهم الكاتب علي عبدالله وعضو المنظمة العربية لحقوق الانسان نزار الرستناوي اعتقلوا في ايار (مايو) الماضي.
وفي 27 حزيران (يونيو) الماضي وجه 163 عضوا في المنظمة نفسها رسالة مماثلة الي الرئيس الاسد مطالبين باطلاق رعدون وجميع المعتقلين السياسيين.
من جهة أخري قال المحامي انور البني الناشط في حقوق الانسان امس ان عائلة النائب السابق مأمون الحمصي ارسلت برقية احتجاج الي وزير الداخلية مطالبة بالكشف عن اوضاعه داخل السجن بعد ان رفضت ادارة السجن للمرة الثالثة السماح بزيارته.
واضاف البني ان ادارة السجن رفضت ايضا السماح للمحامين بزيارة النائب الحمصي الذي بدأ أمس يومه العاشر مضربا عن الطعام.
وحكم علي الحمصي بالسجن خمس سنوات بعد اعتقـــــاله عام 2001 مع النائب السابق رياض سيف في اطار ما سمي بمجموعة ربيع دمشق .
وسبق للبني ان طالب الشهر الماضي باطلاق سراح الحمصي ان امضي ثلاث ارباع عقوبته عملا باحكام القانون السوري.

هل أصبحت سورية عصية على التغيير؟

هل أصبحت سورية عصية على التغيير؟

عمار قربي

صعوبات كبيرة وتحديات جمة لا تزال تواجه حركة وتنظيمات حقوق الإنسان في سورية، فرغم التغيرات الدولية التي يشهدها العالم عبر التوجه إلى المزيد من الديمقراطية والاعتراف المتزايد حتى في الدول الشمولية بالدور الهام الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني غير الحكومية في تلك الدول، واختلاف النظرة إلى ايجابية أكثر لأداء تلك المنظمات وإسهاماتها، إلا أن سورية تبدو استثناء من هذا التغيير.

عند زوال الاتحاد السوفيتي السابق من الوجود أواخر الثمانينيات من القرن المنصرم ودخول الديمقراطية إلى ما كان يسمى دول أوربا الشرقية، اعتقد البعض أن هذه التحولات ستطال التكلس السوري، ولكن شيئا من هذا لم يحدث.

وبعد العهد الجديد برئاسة د. بشار الأسد مع بداية الألفية الثالثة منينا أنفسنا بترسيخ عهد جديد من الانفتاح السياسي على الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان والسماح بتداول السلطة والتعددية السياسية وإشاعة حرية الصحافة والتعبير...ورغم الانفراجات الأمنية المحدودة في سورية، وظهور بعض البوادر المشجعة على تكريس مناخ ديمقراطي صحي في سورية إلا أن قانون الطوارئ بقي يخيم بظلاله السوداء على بلدنا الحبيب، وبقي القضاء الاستثنائي يزج العشرات في المعتقلات دون محاكمات عادلة،وبقي قانون المطبوعات سيفا مسلطا على كل الألسن المنادية بالحريات العامة، وبقيت البلاد دون قانون أحزاب ينظم الحياة السياسية في سورية بسياق حكم الحزب الواحد المحمي بالمادة الثامنة من الدستور باعتبار حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع.

وتأتي التوصيات القاصرة والمطاطة للمؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في سورية منذ أيام لتثبت أن السلطات السورية لا تزال مصممة على الانفراد في صنع القرار،مما يجعلنا نتساءل لماذا تبقى سورية استثناء من ظاهرة تفشي الديمقراطية في العالم ؟!

ولماذا لا تزال الأجهزة السورية احرص من أي وقت مضى على بقاء هيمنتها فوق رقاب العباد وتجاهل الأصوات الناقدة لاستبدادها، وتجاهل النداءات باحترام حقوق الإنسان في سورية ؟!.

مع كل محاولات السلطات السورية التي قامت بها بتجميل وجهها عبر إدخال مفردات الخطاب المعاصر ضمن أدواتها، ورغم الحديث عن الديمقراطية واحترام الرأي الآخر في مؤتمرات الحكومة وتشكيلاتها الوزارية وهيئاتها الإدارية، إلا أن الواقع بقي بعيدا ومنفصلا عن ذلك الحديث، و يدلل على ذلك مواقف السلطة السورية السلبية تجاه المجتمع المدني السوري وتجاه نشطاء حقوق الإنسان، ولعل أهمها اعتقال رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية المحامي الأستاذ محمد رعدون وذلك بعد اعتقال احد أعضاء نفس المنظمة المهندس نزار رستناوي، و اعتقال الأستاذ علي العبد الله الكاتب و الناشط في لجان إحياء المجتمع المدني وعضو مجلس إدارة منتدى الاتاسي للحوار الوطني.واعتقال الناشط رياض دارر وغيرهم.

وإذا كانت السلطات قد وجهت تهمة الترويج لحزب محظور " الأخوان المسلمين " لعلي العبد الله وسط استغراب الجميع باعتبار أن السلطة السورية قد سخرت كل أجهزتها الأمنية والتنفيذية والإعلامية والاقتصادية لمحاربة هذا الحزب عبر ربع قرن إلى حد وصل معه الفرض على طلاب المدارس الترديد صباح مساء لشعار يندد بعمالة عصابة الأخوان المسلمين والعهد على التصدي لهم " نص الشعار "ورغم بقاء القانون رقم " 49" الذي ينص على الحكم بالإعدام على كل من ينتمي إلى الأخوان المسلمين. رغم كل ذلك يتهم منتدى محدود الانتشار، ولا يمتلك من الأدوات الإعلامية سوى حضور بعض مناصريه الذين لا يتجاوزن بضع مئات في أحسن الأحوال - ومع ذلك - يتهم المنتدى بالترويج للإخوان بعد قراءة ورقة مقدمة من المراقب العام للإخوان تمت قراءتها بمحض الصدفة من قبل الأستاذ علي العبد الله بوجود ممثلين عن الحزب الحاكم !!.

أما محمد رعدون ونزار رستناوي فما زالا محتجزين دون أن توجه اليهما أي تهمة رغم إحالة رعدون إلى محكمة أمن الدولة العليا وتلك قصة أخرى :

فاعتقال رعدون تم من قبل جهاز الأمن السياسي في مدينة اللاذقية وتمت إحالته إلى شعبة الأمن السياسي في دمشق، وبعد استجواب منتصف الليل الذي جرى معه أحيل إلى القضاء العسكري الذي تركه لعدم الاختصاص ولعدم وجود اتهام من قبل النيابة العسكرية تجاه رعدون، وكان حريا بالسلطات حينها أن تطلق سراح رعدون إذا لم ترد أن تعتذر له، ولكن الأمن السياسي أصر على اعتقال رعدون وأحاله إلى محكمة استثنائية أخرى وقضاء غير دستوري آخر، واقصد محكمة امن الدولة العليا غير الشرعية أصلا.ولم يشفع لرعدون انه كان وطنيا أكثر من كثيرين يحتلون المناصب الرفيعة في الأجهزة السورية، ولم يشفع لرعدون انه كان ضد الاستقواء بالخارج، ولم يشفع لرعدون موقفه الرافض من التردد على السفارات الغربية، ولم يشفع لرعدون موقفه الرافض للتمويل الخارجي والداخلي، ولم تشفع لرعدون مواقفه المعتدلة تجاه كل القضايا الإشكالية في سورية، ولم يشفع لرعدون موقفه الرافض للظهور في قناة الحرة بالوقت الذي يتسابق فيه مثقفوا السلطة على الإطلالة بوجوههم الباردة في تلك الشاشة، ولم يشفع لرعدون عدم انجراره تجاه أي فتنة طائفية أو عرقية أو مذهبية في سورية وبقي يدعو الجميع بالتمسك بمواطنيتهم تحت علم واحد يضم الجميع ضمن حدود سورية الحالية، ولم يشفع لرعدون انه عضو المؤتمر القومي العربي، ولم يشفع ولم يشفع...

وأخيرا.. يبقى اعتقال الرستناوي رغم بشاعته مثيراً للتندر، إذ تم اعتقاله من قبل الأمن العسكري في محافظة حماة هو وسيارته وهاتفه النقال عبر كمين نصب له قرب مفرق كازو قرب مدينة حماة السورية بطريقة تذكرنا بالأفلام البوليسية في شيكاغو، وبعد عدة مراجعات من أهل وذوي رستناوي للأجهزة الأمنية كان الجواب الوحيد الذي يعودون به " لا نعرف عنه شيئا، غير موجود عندنا، لسنا لنا علاقة باختفائه " مما دعا بعض الساذجين بالظن أن رستناوي تعرض لعملية اختطاف وعليه قام أهله بنشر خبر بحث عنه في إحدى الصحف الرسمية السورية ضمن زاوية " مفقود أو ضائع "بعد أن بحثوا في كل أقسام الشرطة ومستشفيات المدينة، حتى أن زوجته عملت ضبط في الشرطة وقدمت لمحافظ حماة معروض عن اختفاء زوجها وبعد مرور خمسة عشر يوما على اعتقال رستناوي شاءت الأقدار أن تلهم زوجة رستناوي للسؤال عنه في الأمن العسكري بمدينة حماة والذي ابلغها انه محتجز لديها ولامها ضباط الفرع المذكور لعدم سؤالهم منذ البداية !!، ومن وقتها لا معلومات لدينا عن رستناوي، لا إحالة إلى القضاء، لا محامين، لا زيارات، لا أخبار، لا إفراج.

إن استمرار السلطات السورية بهذا النهج يستدعي حواراً اكبر وتنسيقاً أكثر بين نشطاء حقوق الإنسان، وحوارات أخرى بينهم وبين المسؤولين الحكوميين، نحتاج لوسائل جماعية تؤمن دعماً للمواطن كي يضغط على حكومته لدفعها على احترام حقوقه وكرامته.

على السلطة السورية أن تقر بمفهوم الشراكة بينها وبين المجتمع المدني في سورية، وعليها أن تؤمن بمشاركة الأفراد في تقرير مصيرهم والتعبير عن آرائهم وحرية تشكيل جماعات وأحزاب وجمعيات ونواد وهيئات.

على السلطة في سورية أن تتخلى عن وصايتها على المجتمع كي لا تبقى خارج التاريخ.

د.عمار قربي

كاتب وناشط حقوقي

خاص – صفحات سورية -

غصّة وليد المعلم عند الحدود المقفلة

غصّة وليد المعلم عند الحدود المقفلة

جوزف سماحة

السفير

كانت سوريا موجودة في لبنان. ثم ابتعدت إلى حد الغياب الذي لا يذكّر به سوى التصريحات المعادية لوجودها الافتراضي. وها هي تعود لتكون حاضرة عبر أرتال الشاحنات المتوقفة عند الحدود.
يقول المسؤولون في دمشق، من باب التفسير لما يجري، إن المشكلة ليست سوى أمنية. لو قيل هذا الكلام من دولة حيال دولة أخرى لكان عادياً. ها هي فرنسا، مثلاً، بعد تفجيرات لندن تميل إلى تطبيق بنود في شنغن تسمح بالتشدد عند الحدود. ولكن عندما يقال هذا الكلام نفسه من سوريا عن لبنان فهو يعني الكثير لأن نظرية التدخل، منذ ثلاثة عقود، تؤكد على أن أمن بلد هو من أمن البلد الثاني.
الإشارة إلى الأمن، بهذا المعنى، إعلان موقف إجمالي من لبنان، وإسقاط سوري لعنصر طمأنينة حاسم. لقد كان الأمن السوري موجوداً مباشرة في لبنان، وكان مندوباً عنه يحضر الاجتماعات المركزية، وثمة جهات دولية تؤكد أن الأجهزة اللبنانية كانت ملحقة بالسورية... ولكن بعد أن حصل ما حصل، وبعد إزاحة معظم قادة الأجهزة، وبعد التعثر الأمني المتلاحق في لبنان، وبعد اعتراف المسؤولين الجدد بالنقص، وبعد حصول مواجهات في سوريا نفسها، وبعد اتضاح مدى الاضطراب في المرحلة الانتقالية التي يعيشها لبنان، فإن الذريعة الأمنية للتشدد عند الحدود هي موقف يتجاوز الأمن بمعناه الحصري إلى القول بأن لبنان بلد غير صديق أو أنه غير صديق بالمعايير الخاصة السورية للصداقة مع لبنان.
ليس سراً أن هناك في سوريا من يخشى بعض الصادرات اللبنانية. قد تكون هذه الصادرات على شكل ثورة الأرز، كما قد تكون على شكل حلقات ربط بين الحدث اللبناني وأحداث مرغوبة في سوريا. أي أنها صادرات تعني في ذهن البعض ردم هوة التفاوت في النمو بين المعارضتين اللبنانية والسورية. كما قد تعني، في ذهن البعض الآخر، تحويل لبنان إلى منصة انطلاق لضغوطات متعددة الشكل لا تستبعد التوتير الأمني المحدود. وفي وسع المسؤولين السوريين الإعلان أن إجراءاتهم، ضد المخاطر من صنع لبنان، تتم بالأصالة عن أنفسهم وبالنيابة عن داخل عربي عراقي وخليجي.
إلا أن شيئاً ما يوحي للبنانيين وغيرهم أن اعتبارات أخرى تلعب دوراً مؤكداً. ثمة مرارات واضحة لدى القيادة السورية (والشعب السوري؟) مما جرى. ثمة جرح يصعب التعالي عليه. وليس من المستبعد أن هناك من راقب الانتخابات النيابية، وشعاراتها، وتحالفاتها، ولاحظ كيف أن مناطق نفوذ تاريخية وتقليدية تعود إلى ما قبل 1975 انقلبت، وقرّر، بناء على ذلك، وفي المرحلة الفاصلة عن تشكيل حكومة جديدة، أنه لا بد من توجيه رسالة. ويمكن، لمن يرى الأمور من بيروت، أن يدرك ضرورة التذكير بأن سوريا حاجة حيوية للبنان. لم يعد الأمر بديهياً وإن كان يرد في التصريحات كلها.
تقضي الصراحة القول إن الأسلوب الذي اختارته دمشق، حتى لو أثبت نجاحاً، هو أسلوب خاطئ على المدى البعيد.
إن الذريعة الأمنية غير مقنعة تماماً بدليل أنه كان يمكن أن نطبّق على الحدود ما تطلب سوريا تطبيقه على حدودها مع العراق: التنسيق. وفي هذه الحالة يصبح الممتنع عن التنسيق مسؤولاً عن الأضرار الناجمة عن ذلك.
والأسلوب خاطئ لأنه يولّد المزيد من المرارات ويقود إلى تعميق الهوة بين الشعبين. أضف إلى ذلك أن اعتراف مسؤولين سوريين بأخطاء ارتكبت في الماضي كان يجب أن يقودهم إلى الاعتراف بمشروعية بعض الاعتراضات اللبنانية ومن جانب فئات لم تنتظر التدخل السوري حتى تكون في خندق النضال من أجل عروبة لبنان.
يستدعي الوضع الراهن التوقف عند نقطتين.
لو أحسن اللبنانيون والسوريون الاستفادة من المرحلة الماضية لبناء علاقاتهم على أسس اقتصادية متينة، وعقلانية، وتلبي مصالح الطرفين، لكان الحظ أكبر في تجنب ما حصل. كان يمكن استنهاض قوى شعبية واسعة لمواجهة أي ضغط خارجي أو داخلي يتعرض إليه البلدان الشقيقان. إلا أن منطق بناء العلاقات ذهب في اتجاه آخر ولم يستحضر الاقتصاد والتبادل إلا في لحظة تغليب الرغبة في الضغط. هذه النقطة الأولى.
أما النقطة الثانية فهي ما أشار إليه وليد المعلم في حديثه الأخير عن قلة الوفاء التي تسبّب غصة. في كلام المعلم إشارات إيجابية عديدة. ولكن ذلك لا يلغي الغصّة عند قراءة تعبير قلة الوفاء. لماذا؟ لأن التعبير يوحي أن المعلم ينتمي إلى التصور الإيديولوجي الذي أشيع في دمشق وبيروت عن العمل الخيري. هذا غير صحيح على الإطلاق. وفي الإمكان البرهنة أن سوريا استفادت من علاقتها مع لبنان بقدر استفادته منها. ولقد آن أوان الانتهاء من هذه النظرة الأبوية التي إذ تحاول تفسير ما تعتبره علاقة بين أشقاء، كبير وصغير، فإنها تشط كثيراً، وتوحي أن القائلين بها يتجاهلون ألف باء المصالح الوطنية التي لا تنهض علاقات سوية من دونها. ولعل الخطير في كلام المعلم هو أنه أقرب طريق إلى تبادل مشاعر العنصرية بين الشعبين اللبناني والسوري. ففي لبنان، أيضاً، هناك من يزعم أن سوريا وحدها هي استفادت خلال ثلاثة قرون وأنها غلّبت نظرتها الضيقة على سواها بما أضرّ بلبنان ومنع بناء شراكة جديرة بهذا الاسم.
لا تفسير أخلاقياً لما جرى بين البلدين. أي لا مجال لخطاب إيديولوجي عن الوفاء وقلة الوفاء. يتوجب على الطرفين فهم ما جرى بواقعية والتساؤل عن المسؤوليات المشتركة في تبديد الفرصة التي امتدت في الزمن. وفي الإمكان تقديم مطالعة طويلة حول إيجابيات وسلبيات الأواصر التي شدت سوريا إلى لبنان، وتحديد تطورها حسب الشروط الإقليمية والدولية، وإسنادها إلى ما كان يحصل داخل كل بلد على حدة... وما لم نفعل ذلك لن نفهم تعقيدات العقود الماضية وما انتهت إليه من كارثة قومية مؤكدة.
إن النظرة القومية الرحبة كانت انتقادية حيال أوجه عديدة من الواقع السابق. واستمرت انتقادية في الأشهر الأخيرة حيال سلوكيات سورية معينة في لبنان وحيال المعارضة والموالاة في البلد. وانطلاقاً من هذه النظرة لا بد من الجهر بأن العلاج عبر الضغط ليس هو الأفضل.
إن المسؤولية الوطنية والقومية تفرض التأكيد، اليوم، أن الكرة في الملعب اللبناني، وفي ملعب الأكثرية الجديدة تحديداً. على هذه الأخيرة أن تدقق كثيراً في خطابها السياسي، وأن تضبط العشوائية في الاتهامات، وأن تقترح تصورات للمستقبل، وأن تذكّر مواطنيها بأن تطبيق الاتفاقات القائمة مصلحة لبنانية إلى حين التوصل إلى توافق على تعديلها. غير أن ذلك لا يعفي السلطات السورية من مسؤولياتها وأبرز هذه المسؤوليات الاستفادة من الدرس الكوني القائل بأن العقوبات الجماعية ليست مفيدة دائماً.

الإرهاب لا يخدم العرب والمسلمين فلينبذوه بقوة ووضوح

الإرهاب لا يخدم العرب والمسلمين فلينبذوه بقوة ووضوح

راغدة درغام

الحياة

لا مناص من انتفاضة الرأي العام العربي والمسلم ضد الإرهاب الذي يُرتكب باسم الدفاع عن قضاياهم وحقوقهم، لأن هذا الإرهاب ينال من صميم هذه الحقوق والقضايا، ويأتي على حساب تطلعات الأجيال.

لن يكفي التنديد القاطع، ولن تفيد الإدانات التي يرافقها نوع من التبرير بـ «إنما» اشارة الى سوء السياسات، وبالذات الأميركية. فلقد وصلت الأمور الى درجة تتطلب من القاعدة الشعبية العربية والمسلمة أن تبادر الى استراتيجية الاستباق لئلا تلاحقها هي لعنة الإرهاب حتى الهلاك. وهذا يتطلب اتخاذ القرار الحاسم والفعلي بعزل «الجهاديين» الذين يلجأون الى الإرهاب أينما كان. عزلهم بغض النظر عن كل الاحتجاجات المحقة ضد السياسات الأميركية أو ضد الأنظمة العربية.

الحاجة ماسة أيضاً الى استراتيجية مختلفة كلياً عن استراتيجية مكافحة الإرهاب التي يعتمدها معظم الحكومات، وعلى رأسها الحكومة الأميركية. استراتيجية جديدة من حيث نوعية التحالفات فيها، وجريئة من ناحية الإقرار بأن لا انتصار في المواجهة العسكرية. هذه ليست دعوة الى التفاوض مع كل المجموعات التي تُصنّف إرهابية أو الى استبدال الخيار العسكري معها بالخيار السياسي. هذه مناداة لوضع السياسة في عقر استراتيجية التحالف مع الرأي العام، العربي والمسلم بشكل خاص، من أجل عزل الجهاديين الذين يستخدمون أجساد الأبرياء ذخيرة في بنادق الكراهية والتدمير التي يصوبونها مرتهنين القضايا السياسية. فمن دون الجرأة على مواقف سياسية تصحيحية للحكومات لن تتحالف الشعوب معها لتكون الطلقة الأقوى ضد الإرهاب.

لقد فشلت الحروب الاستباقية والضربات الوقائية لمواجهة الإرهاب، لأنها انصبت حصراً على «الحلول» الأمنية واستبعدت الحلول السياسية والديبلوماسية للنزاعات. ما حصل نتيجة ذلك هو أن الفجوة بين الناس وبين الحكومات، وبالذات الإدارة الأميركية، اتسعت بسبب غضب الشعوب من تبني مبدأ الحسم باللغة العسكرية حصراً كما في العراق، واتخاذ حرب الإرهاب ذريعة لتسويق سياسات متحاملة كما في فلسطين.

ازدادت الفجوة اتساعاً، وازدادت الشكوك واستمر افتقاد الثقة بالولايات المتحدة بصورة متوازية مع غياب النهوض الشعبي الضروري ضد أداة الإرهاب وسيلة للاحتجاج على غبن السياسات. ساد الصمت بدلاً من انطلاق حملة لعزل المتطرفين الذين باركوا استخدام أدوات الإرهاب لتسجيل مواقفهم السياسية. انطلقت صرخة «احتجاج» هنا وهناك، لكنها لم تتحول الى «حاجة» لاتخاذ مواقف أساسية.

جزء كبير من الرأي العام أعتبر أن حرب الإرهاب تقع بين الإدارة الأميركية والرئيس جورج دبليو بوش وتنطيم «القاعدة» وزعيمها أسامة بن لادن، بفضل «التفرج» عليها. بعض هذا الجزء تفرّج داعياً بالهزيمة لبوش على أساس «فعالية» الانتقام، من دون أن يفكر بمعنى «انتصار» بن لادن وفكر «القاعدة» وترجمته على الحاضر والمستقبل العربي. والبعض الآخر أخذ من الدين مبرراً وهادياً، واعتبر هذه الحرب بين المسلمين والكفار. ثم هناك مَن وجد في الإرهاب - لا سيما على أيادي فلسطينية - السلاح الوحيد المتاح في وجه التفوق الإسرائيلي العسكري، فباركه صمتاً.

إنما يوجد في المنطقة العربية مَن يؤمن بأن الحرب التي يشنها بوش على الإرهاب إنما هي حرب أميركية بالنيابة عن العرب والمسلمين ومن أجلهم. ويرى هؤلاء أن لولا دخول الولايات المتحدة طرفاً مباشراً لتمكن المتطرفون والجهاديون وأمثال أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي من اسقاط أنظمة أو استغلال أنظمة في أكثر من بلد عربي ومسلم من أجل الهيمنة وفرض فكرهم كما فعلوا في أفغانستان.

«استدعاء» بوش الجهاديين الى العراق في حرب قال إنها كانت لإبعاد الإرهاب عن المدن الأميركية ومواجهتهم هناك، أثار الغضب ليس من الجهاديين، إنما العراقيين العاديين الذين يدفعون الثمن، إنما مع وضوح وحشية من يقوم بالعمليات الإرهابية ضد العراقيين، بما في ذلك مجزرة الأطفال الأبرياء، أصبحت الحرب الأميركية على الإرهاب داخل العراق الآن حرباً بالنيابة عن العراقيين اليوم وعن مستقبلهم غداً.

فلقد هزم الجهاديون أنفسهم عبر ما وصلوا اليه من مستوى في تحقير الإنسان واستخدامه سلاحاً وهدفاً. عبروا الخط الأحمر مراراً وظنّوا أن الصمت نحوهم مباركة لهم. أفرطوا في الغرور وفي استخدام الأرواح البريئة سلعة لغايات سلطوية، ولذلك فقد حان للشعوب العربية والمسلمة أن تصدر البلاغ الواضح بعنوان «لا» لتقول للجهاديين إنهم هزموا أنفسهم في السباق على قلوب وعقول العرب والمسلمين، وقد اتخذ قرار عزلهم بفعالية، وبصوت عالٍ، وبمعزل عن المآخذ المهمة على السياسات الأميركية أو الرغبة العارمة في التخلص من الأنظمة العربية.

في الماضي القريب كان تعديل السياسات ضرورياً ومركزياً كشرط مسبق لتعبئة الرأي العام العربي والمسلم ضد الجهاديين، وكان مفهوماً أن الاعتدال العربي في حاجة الى عدالة السياسة الأميركية نحو الفلسطينيين لتمكين الاعتدال العربي من كسب الرأي العام في صفوف الاعتدال في مواجهة تصميم التطرف على اكتسابهم وكسب المعركة.

الآن، يختلف الأمر بعدما توسعت الرقعة مع التفجيرات في لندن وبعدما بدا أن التحقيقات تتجه نحو الاستنتاج بأن انتحاريين أربعة ركبوا القطار من ويست يوركشاير الى لندن ليفجروا أجسادهم في أجساد أبرياء من أهلهم. فهؤلاء الأربعة بريطانيون بالولادة، حسب التحقيقات.

يختلف الأمر لأن وطأة ما حدث في لندن تبرز أن هذا ما يحدث في العراق يومياً. فالمتفجر في أجساد العراقيين مواطن مسلم أو عربي. هو يخطط في بغداد ولندن بعدما خطط في مدريد ونيويورك والرياض والدار البيضاء وبالي، وقد يخطط لربما في روما، القاهرة، المنامة، الدوحة، مانيلا، سنغافورة، أمستردام أو شيكاغو. ويخطط درجة «أعلى» من إرهابه في أعقاب إرهاب القطارات وبرجي «وورلد ترايد سنتر». ولعل هذه الدرجة درجة أسلحة الدمار الشامل المتمثلة في استخدام أجساد الجهاديين لتفشية الأمراض على صعيد ضخم، مستخدمين أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيماوية. فحذار الصمت المستمر. حذار غض النظر. إن المسألة في غاية الخطورة، وهي مصيرية.

لذلك لا مناص من انتفاضة شعبية تفصل كلياً بين ابلاغ الشعوب المسلمة والعربية للجهاديين رفضها التام لهم، وبين ابلاغ واشنطن احتجاجها الكامل على سياساتها المتحاملة في شأن فلسطين وحاجتها الى سياسة خروج أو بقاء واضحة في العراق.

فلو قامت النخب في المنطقة العربية والمسلمة بحشد الناس وراء اصدار بلاغ «لا» ضد الجهاديين لأصبحت هذه الشعوب القوة الفاعلة التي ستتمكن من ابلاغ واشنطن رأيها وحزمها في الرأي نحو السياسات الأميركية، ولتمكنت أيضاً من ابلاغ الحكومات العربية نفسها بأنها (الشعوب) أصبحت حقاً قوة فاعلة مؤثرة لا يمكن تهميشها,

هذا يتطلب استراتيجية جديدة لم يسبق للمنطقة العربية أن تبنتها: استراتيجية استراق مصادر القوة من مفاهيم الآخرين المتطفلين عليها من خلال تفعيل مصادر القوة ذاتها - الشعوب الصامتة.

فلا مجال للشعوب العربي والمسلمة للتأثير في السياسات الأميركية ما لم تثبت حقاً وجودها وفعاليتها. مقاومة الإرهاب ستجعل هذه الشعوب قوة تُؤخذ بها، تفرض على واشنطن تغيير سياساتها وإعادة النظر في افتراضها أن الشعوب العربية نائمة في الخوف المستمر خشية ان تستيقظ على ذبح فرد هنا أو جرف قرية هناك أو تفجير سيارة مفخخة، انما هذا ليس المهم. ليس مهماً كيف تؤثر الانتفاضة العربية في وجه الجهاديين على السياسة الاميركية نحو المنطقة. المهم، كيف يؤثر عدم النهوض في انتفاضة ضد الجهاديين على الواقع العربي والمستقبل العربي.

هكذا هي المعادلة. لا غير. أي النهوض من أجل انقاذ الأجيال العربية من الاستقطاب الى الانتحار والقتل أو من الاستقطاب الى ثقافة الانتقام الأعمى بلا هدف خدمة لحفنة ارهابيين سلطوية ونرجسية. ذلك ان لا خدمة أبداً للقضايا العربية عبر مثل هذا الارهاب الشنيع. فهذا الارهاب يحول المجتمعات العربية والمسلمة الى التدمير بدلاً من البناء، ينتهك الحقوق العربية والمسلمة بدلاً من حمايتها، يجعل من العرب والمسلمين الهدف والضحية، ويأخذ بالطموحات العربية والمسلمة من الحلم الى التخلف.

هذا الارهاب يسلب العدالة من القضايا العربية والمسلمة ويحول الهوية العربية والمسلمة الى آفة يُشكك بها ويشتبه بأنها آتية بالهلاك والفناء. لكل هذا ان مكافحة الارهاب شعبياً، عربياً واسلامياً، هو ضرورة وحاجة عربية واسلامية من أجل المصلحة العربية والمسلمة.

لا فائدة من انتظار التحول النوعي في السياسة الاميركية نحو فلسطين أو السياسة الاميركية ـ البريطانية نحو العراق,. قد تحصل أو قد لا تحصل. ومن الغباء انتظار يقظة الرأي العام الاميركي، فهو قابع في الجهل بقرار منه ومن رعاته في الادارة والاعلام. انما لا مناص من نقلة نوعية في الفكر والعاطفة العربية والمسلمة نحو الجهاديين والاراب لأن في تعبئة الانتفاضة ضدهم مصير مصالح والاجيال المسلمة والعربية.

في أصول أزمة النظام البعثي في دمشق

بعد الانسحاب السوري تحت الضغوط الأمريكية الفرنسية:

في أصول أزمة النظام البعثي في دمشق

بقلم: سمير العيطه *

أخبار الشرق

مضى زمن طويل لم يصل فيه النقاش السياسي في سورية إلى هذه الدرجة من الجرأة والانفتاح. فجميع المسائل مطروحة على بساط البحث. أولاً الاجتياح الأمريكي للعراق وطبيعة المقاومة هناك، ثمّ الديمقراطية الموعودة بعد سقوط صدام حسين والغارقة في المتاهات الإثنية والدينية. "نريد المزيد من الحقوق السياسية والحريات وإصلاحات حقيقية، لكننا لا نريد الفوضى البنّاءة الأمريكية (!). المطلوب وجود دولة تأميناً لوجود الديمقراطية، دولة لا تقع تحت وصاية سلطة فاسدة ولا تخضع للدبابات الأمريكية". باتت الأجواء ضاغطة في البلاد، خصوصاً منذ القطيعة مع الحليف الفرنسي والانسحاب القسري للقوات السورية من لبنان.

فتسترجع الذاكرة الحقبة التأسيسية: كيف بُنيَ البلد على توافق ديمقراطي. في مواجهة التقسيم الانتدابي الفرنسي لسورية الى أربع دول مناطقية طائفية (دمشق، حلب، العلويين والدروز)، تحالفت النخب السياسية من أجل فرض التوحيد التام (1936 - 1942). حتى أن هذه النخب وافقت على قيام لبنان مستقلّ يتضمّن، بالرغم من المعارضة الشعبية، أقضية أربعة كانت مُلحقة أساساً بدمشق، وذلك تفادياً لقيام لبنان طائفيّ ذو أكثرية مارونية وممانع عند خاصرة سورية. وإذ أخذ التوافق الديمقراطي في الاعتبار المعطيات المحلية الإقليمية القوية، في دمشق وحلب خصوصاً، فإنه فتح الطريق أمام تنوّع الأحزاب السياسية، الشعبوية بالطبع، لكن المتحرّرة من الأيديولوجيا الدينية أو الإقليمية. ضمن هذه الظروف، تأسّس حزب البعث.

خلال السنوات الستّين التي تلت الاستقلال، عرفت سورية حوالي العشرة أعوام من الحريات المدنية الحقيقية، قطعتها انقلابات عسكرية (1949 - 1953) نتجت عن صراعات النفوذ بين الدول الغربية، كما قطعتها أيضاً مرحلة الوحدة مع مصر الناصرية (1958 - 1961) والتي تحققت بناءً على الحاح المسؤولين السوريين. وكان هذا التقليد الديمقراطي، الطريّ العود، قادراً أيضاً على ابتكار ديناميات جديدة. فمؤتمر حمص، الذي جمع في عام 1953 الحركات السياسية المختلفة وبعض العسكريين، سمح بإقالة الشيشكلي (1949 - 1953) المستبدّ وتنظيم انتخابات حرّة كانت فريدة من نوعها في العالم العربي. وقد حصل كلّ من الأخوان المسلمين والشيوعيين على مقعد وحيد فيها. بيد أن هذه الديمقراطية الفتية لم تستطع الثبات في ظل الغليان الاجتماعي المناهض للاستعمار، كما لم تتمكّن من الصمود في مواجهة الصراع الدولي وسط الحرب الباردة، وخاصة أمام دخول السياسة في صفوف الجيش.

لكن بالرغم من الاضطرابات التي تميّزت بها، فإنّ هذه المرحلة شهدت بناء المؤسسات الرئيسية للدولة السورية (أنشأت سورية أول مصرف مركزي في العالم العربي عام 1953)، كما عرفت أكبر معدّلات للنموّ الاقتصادي وكذلك إرساء أسس الانتشار الديمقراطي للصحة والتعليم.

غالبية السوريين اليوم، وهم أساساً من الشباب نظراً لمعدلات النموّ السكاني المرتفعة، لا يعرفون تلك الحقبة. فهم كبروا في ظلّ حافظ الأسد الذي أقام حكماً ثابتاً وسلطوياً، إثر "الحركة التصحيحية" (1970) التي قادها ضدّ رفاق له من البعثيين العسكريين، كانوا قد وصلوا إلى السلطة قبل ستّ سنوات عن طريق انقلاب عسكري، واستخدم النظام الجديد قسماً من الطائفة العلوية (1) كأداة لفرض هيمنته على مقدرات البلاد.

ولكن سورية دفعت غالياً ثمن هذا الاستقرار. فبعد مرحلة انفتاح أولى على برجوازية المدن وعلى الأحزاب السياسية التي تمّ احتواؤها ضمن "جبهة تقدمية"، خاض حافظ الأسد حرب تشرين/ أكتوبر 1973 (أو حرب رمضان) في جوّ من الوحدة الوطنية. ثم تدهورت الأمور بعد 1976، عندما عمد النظام إلى قمع تحرّك للمجتمع المدني (النقابات المهنية من محامين ومهندسين وغيرها .. والأحزاب السياسية التي لم تنضوي في "الجبهة" والتي رُمِيَ مسؤوليها في السجون لعشرات السنوات) طالب وقتها برفع حالة الطوارئ المعمول بها في البلاد منذ العام 1963 (2).

ثم تفاقم الوضع مع وقوع سلسلة من أعمال عنف طائفي هزّت البلاد، قام بها متطرّفون إسلاميون مدعومون عسكرياً من المنافس البعثي العراقي، صدام حسين، وأغرقت البلاد في أجواء حرب أهلية بلغت ذروتها مع مجازر تدمر (1980) وحماة (1982). أعلنت البورجوازية السنية الإضراب العام، إلى أن أوقفت مدينة دمشق التحرك واختارت التسوية بدلاً من انفجار البلد.

وغرقت سورية في مناخ ثقيل من القمع، تميّز بالنزاع العائلي داخل عائلة الأسد - خصوصاً مع رفعت، شقيق الرئيس - وبالمواجهة مع كلّ من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا. في المقابل، دعمت دمشق الثورة الايرانية لعام 1979 وعزّزت تحالفها مع الاتحاد السوفياتي. وبالرغم من الإجماع العربي على مقاطعة مصر التي ارتكبت خطيئة إبرام صلح منفرد مع إسرائيل في كامب دايفيد (1979)، بقيت سورية في عزلة إقليمية. لكنّ النظام صمد بعد هزيمة جديدة لجيشه في حزيران/ يونيو 1982، في مواجهة الاجتياح العسكري الاسرائيلي للبنان، ليتحوّل إلى طرف لا مفرّ من التعامل معه على الساحة اللبنانية.

أوّل منعطف جاء عام 1986. إذ أجبر الإفلاس المالي السلطة على تشجيع الإنتاج الزراعي وعلى تقديم الدعم لمالكين قدامى كانوا ما زالوا تحت صدمة الإصلاح الزراعي، وكذلك على تحرير التجارة الخارجية لصالح القطاع الخاص. فتم بهذا ضمان الأمن الغذائي للبلاد - الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا ليست مستورداً صافياً للمنتجات الزراعية - وأعاد النظام تحالفه مع "برجوازيته". في الوقت نفسه، نفذ النظام إرادياً برنامج إعادة تصحيح هيكلي على موضة ما كان ينادي به صندوق النقد الدولي، مع رفضه الشكلي للدخول في علاقة مع المؤسسات المالية الدولية. وبسرعة، لم يعد في سورية من "اشتراكية" إلاّ حزبها الواحد الحاكم وبيروقراطية الدولة. ثم جاء منعطف ثانٍ عام 1990 بعد سقوط جدار برلين، حيث التحقت سورية بالتحالف المضادّ لصدام بالرغم من افتقار هذا التحوّل إلى الشعبية في أوساط الرأي العام السوري. بدت عندها حقبة مشرقة تلوح في الأفق. ففي العام 1989، أعادت اتفاقية الطائف السلام إلى لبنان وأكدت الهيمنة السورية على هذا البلد بموافقة دولية. كما بدأت المفاوضات مع اسرائيل حول عودة هضبة الجولان المحتلة منذ حرب 1967 إلى السيادة السورية. كذلك تسارعت وتيرة النموّ بفضل إجراءات التحرير الاقتصادي وصادرات النفط. ولكنّ هذا الانفراج لم يدم، إذ غرقت أجهزة الاستخبارات السورية، ومعها قسم من الطبقة الحاكمة، في بركة استغلال السياسية للمصالح الخاصة التي أطلقها رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري من خلال سياسة إعادة الإعمار، ثم فشلت المفاوضات مع إسرائيل، بعد أن تخلى (..) إيهود باراك عن اتفاق سلام كان الرئيس حافظ الأسد يأمل بأن يتركه إرثاً. وجاءت الصدمة الكبرى من فشل لقاء الفرصة الأخيرة بين الرئيس بيل كلينتون والأسد في جنيف في آذار/ مارس 2000.

هل افترضت الولايات المتحدة وإسرائيل أنّ "الأسد" كان متقدّماً في السنّ لدرجة أنه لن يستطع أن يصل للسلام؟ أم اعتبروا أنّ مصالحهم تتماشى أكثر مع استمرار عدم الاستقرار؟

توفّي حافظ الأسد بعد وقت قصير (في العاشر من حزيران/ يونيو 2000)، فخلفه نجله بشّار بفضل تعديل - على عجل - للدستور الذي لم يكن يلحظ إمكانيّة انتخاب رئيس للبلاد بهذا الصغر من السن. ولم تبدِ المجموعة الدولية أيّ تأثر من جرّاء هذا التعديل الدستوري، بل إنّ وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين اولبرايت شاركت في الجنازة ووافقت على الخلافة، وكذلك فعل الرئيس الفرنسي جاك شيراك. وقد أثار خطاب القسم للرئيس الشاب موجة من الأمل، خصوصاً لدى السوريين واللبنانيين، بإمكانية الخروج نهائياً من سنوات القمع الثقيلة. وعاد الحلم بحريات مستعادة، وبإصلاحات اقتصادية تأتي بفرص عمل وبازدهار، وبصورة مختلفة لسورية على الساحة الدولية. لكن سورية، بعد خمس سنوات، تجد نفسها بعيدة عن تلك الآمال. ذلك أنّ الرئيس الشاب اضطر لمواجهة صدمة 11 أيلول/ سبتمبر ورغبة الثأر الأمريكي المبرمجة ضدّ العراق. ولم يستسغ النظام السوري، المُصان من النزعة الجهادية الاسلامية، لا زوال خصمه صدام حسين بل سقوط الدولة العربية العلمانية الأخرى في المنطقة. وسعتْ سورية التي استفادت على غرار جيران العراق الآخرين من اختراق الحصار الاقتصادي على العراق، لمواجهة شرعنة الحرب الأمريكية في مجلس الأمن، وشاطرتْ بذلك مواقف فرنسا وبلجيكا وألمانيا. ثم، بعد أن تم غزو العراق، أملتْ، كما أمل شركاؤها الفرنسيون والألمان، أن تلعب دوراً في إعادة الاستقرار إلى العراق، لا سيما وأنّ لها علاقات مع الكوادر البعثية، وحتى المستويات القبلية والدينية.

لكنّ ذلك ما كان ليُرضي الإدارة الأمريكية التي تخوض معركة إيديولوجية. فضاعفت تلك من ضغوطها على دمشق، خصوصاً من خلال تبنّي الكونغرس، في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003، قانون محاسبة سورية (3). وفي مطلع أيار/ مايو من العام نفسه، وإثر عودته من زيارة إلى دمشق، أوضح السيد كولن باول أنّ للنظام السوري ثلاثة أصابع في كلّ من لبنان والعراق وفلسطين، وأنّ الولايات المتحدة تنوي قطع هذه الأصابع. في الحقيقة، لا تهتمّ الولايات المتحدة كثيراً بالديمقراطية في سورية، ولم تُفَعِّل العقوبات التي فرضتها على عناصر السلطة. بدلاً من ذلك، عمد الرئيس بوش إلى زعزعة الدولة والاقتصاد السورييْن عبر فرض عقوبات تجارية، وعبر اتهام المصرف الحكومي الرئيسي في سورية بتبييض الأموال، علماً بأنّ هذا المصرف يملك أكبر قدر من احتياطي البلد من العملات الأجنبية. وعندها ضاعفت السلطة السورية من مبادراتها ومن اقتراحات النوايا الحسنة، بما فيها الأمنية، باتجاه الولايات المتحدة، لاقتناع هذه السلطة بأنّ واشنطن مهتمة بشكل رئيسي بتصاعد العداء الإسلامي ضدها في العراق ولدى حلفائها السعوديين أو المصريين أو الأردنيين، وهي البلدان التي جاء منها انتحاريّو 11 أيلول/ سبتمبر.

لكنّ المفاجأة التي تلقاها بشار الأسد جاءت خصوصاً من حليفه الفرنسي، عندما أقدم هذا الأخير على انعطاف مشهود حول الملفّ اللبناني. فمنذ حزيران/ يونيو 2004، كان الرئيس شيراك قد اقترح على نظيره الأمريكي استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يطالب بالانسحاب الفوري للقوات السورية من لبنان. إثر هذا الانعطاف، تسارعت الاحداث في لبنان، وأفضتْ إلى "ثورة الأرز" وإلى الانسحاب الفعلي للقوات السورية. هل يرتبط التغيّر في الموقف الفرنسي بقراءة جديدة للتطورات في العراق؟ أم بنزاع تجاري مع السلطة السورية حول عقد لاستخراج الغاز؟ أم بصداقات رفيق الحريري؟ أو أخيراً بحرجٍ أكثر عمقاً يشعر به الرئيس الفرنسي تجاه ربيبه السوري الشاب؟

كان الرئيس شيراك يأمل أن يلعب دور المرشد للتحولات الاقتصادية والديمقراطية في سورية، كما فعل قبله فرنسوا ميتران مع اسبانيا الخارجة من حقبة حكم فرانكو. فقد كان خصّ السيد بشار الاسد باستقبال حافل عام 1999، قبل وصوله إلى سدّة الرئاسة السورية، ثم جدّد هذا الاستقبال في العامين 2001 و2002، كما قدّم الدعم المباشر للإصلاحات الإدارية والقانونية ولتوقيع اتفاق الشراكة بين سورية والاتحاد الاوروبي. لكنْ ألم تكن هذه "الصفقة" حول الإصلاحات، دون التطرّق إلى السياسة، خاطئة من أساسها .. متجاهلةً طبيعة السلطة بنفسها؟

إذ أن السلطة في سورية، كما في جميع البلدان العربية تقريباً، قد تحولت إلى "مؤسّسة" بحد ذاتها منفصلة عن الدولة متمحورة حول الرئاسة ومسؤولي أجهزة الاستخبارات. وهي لا يمكن ان تعمل إلاّ من خلال إضعاف الدولة، حيث لا يبقى للوزراء وللهيئات الناظمة سوى هامش محدود جداً من التحرك. وتقع الحياة العامة تحت هيمنة حزب واحد، تتلاعب به السلطة بشكل كامل وفق وتيرة الصراعات الداخلية بين عناصرها. وليس هناك أي إمكانية للقيام بأيّ إصلاح دون معالجة هذه الثنائية. والواقع في سورية أنّ هذه السلطة هي التي رفعت بشار الاسد الى سدّة الرئاسة، وهي التي جعلته رهينة لديها. وبالفعل فلقد نصب الرئيس حافظ الأسد، عن غير قصد، فخاً حقيقياً لنجله.

مع الانسحاب من لبنان، انكشفت هذه التركيبة عندما فُقِدَت أهمّ ورقة أقليمية تملكها سورية. وقام السوريون، على كافة المستويات، بانتقادها بشكل علني. إذ أن الرئيس بشار الاسد كان بعد خطاب القسم قد أعاد فتح الحياة السياسية في البلاد، قصد ذلك أم لا. فكان زمن "ربيع دمشق" عام 2001، والمطالبة برفع حالة الطوارئ واستعادة الحريات العامة. وسرعان ما استشعرت السلطة السورية بالخطر، لا سيما حين طالت موجة الاعتراض حزب البعث نفسه، فجاء القمع ليلقّن المعارضين درساً.

ثم مرّت ثلاث سنوات، وتبخّرت معها الآمال في إحداث إصلاحات اقتصادية متسارعة غير مصحوبة بإصلاحات سياسية ومؤسّساتية في العمق (وفق ما يسمى بالنموذج الصيني). وفي محاولة لتجاوز الأزمة، دعا بشار الأسد مؤتمر الحزب إلى الانعقاد في حزيران/ يونيو 2005، واعداً بقفزة نوعية في الإصلاحات الداخلية. وعادت الآمال: إذ يجب تعديل الدستور لوضع حدّ لاحتكار البعث "للدولة وللمجتمع" (المادة 8)، ولإنهاء الطابع "الاشتراكي" للاقتصاد الذي يفهمه الناس على أنّه رأسمالية الدولة (المادة 13). في هذه الأثناء، ذهبت المعارضات باحثة عن تحالفات داخل حزب البعث وعند الإخوان المسلمين أيضاً، شرط أن يحترم هذان الطرفان اللعبة الديمقراطية والعلمانية، ويقران بأخطاء الماضي إفساحاً في المجال أمام طيّ صفحة السنوات السوداء. فالمصالحة الوطنية ضرورة للبلد.

نتائج المؤتمر لم تكن حاسمة. إذ سبقتْه حملة قمع رمزية بحقّ آخر المنتديات الديمقراطية (منتدى "الأتاسي" الذي يحمل اسم شخصية بعثية سابقة كانت رفضت الدخول في الجبهة التي شكّلها الرئيس الأسد الأب)، كما سبقته محاولات استثنائية للتقرّب من أوساط رجال الأعمال. وهكذا تطرّق المؤتمر إلى مختلف المسائل المطروحة في النقاش الداخلي: قانون الطوارئ، الحريات العامة، فصل السلطات، طبيعة الاقتصاد وحق المواطنة للأكراد. لكنّ الآمال خابتْ حول ثلاث نقاط: مبدأ تداول السلطة وإصلاح الدولة وآلية المصالحة الوطنية. إضافة إلى ذلك، دخل مسؤولون في الأجهزة الأمنية إلى المراتب القيادية في الحزب، وتم رسم خطّ أحمر يمنع الحوار مع الإخوان المسلمين (4).

نتيجة هذه العملية لم تكتب بعد، خصوصاً وأنّ للإدارة الأمريكية مصلحة في الحفاظ على سلطة أُضْعِفَت. في المقابل، سيصطدم أيّ تحوّل ديمقراطي، غير طائفي وسريع، بالمفاهيم الأمريكية حول "الديمقراطية" الطوائفية والإتنية، دون الدولة التي هي قيد التطبيق في كلّ من العراق ولبنان. بيد أن العديد من السوريين بقوا مؤمنين بأن تحوّلاً كهذا ما زال ممكناً، بل وجدوا له رمزاً: الياسمين.

__________

* اقتصادي، رئيس مجلس ادارة موقع مفهوم (www.mafhum.cm).

(1) العلويون طائفة إسلامية فرع من الشيعة الإثني عشرية، يشكلون حوالى 11 في المائة من سكان سورية، يقطن معظمهم الجبال التي تحمل اسمهم.

(2) سنّ قانون الطواريء المعمول به حتى الآن في سنة 1962، وتم تفعيله بالبلاغ رقم 2 من انقلاب 8 آذار/ مارس 1963.

(3) يسمح هذا القانون للرئيس الأمريكي بان يفرض عند الحاجة عقوبات متناسبة مع الخطر الذي يمكن أن تمثله سورية في نظر واشنطن

(4) يعاقب قانون سوري وضع في 1980 من ينتمي إلى حزب الإخوان المسلمين بالإعدام.

أين الخمسة في المائة في مجتمعاتنا العربية


أين الخمسة في المائة في مجتمعاتنا العربية

وجيهـة الحويــدر

في أي توزيع طبيعي لتكتلات المخلوقات المنتشرة على الأرض، لا بد أن يحتوي ذاك التوزيع على (%5 ) خمسة في المائة من أفراده يُطلق عليهم رواد أو طلائع أو نُخب، ممن لديهم نظرة ثاقبة، وبإمكانهم أن يدفعوا بالمجتمعات إلى الأمام. هذه الخاصية لا تقتصر على المجتمعات البشرية، بل تشمل "المجتمعات الأخرى" إن صح التعبير كالحيوانات، والطيور، وحتى الحشرات الصغيرة. لأن نسبة الـ %5 أو ما يعادلها هي سمة أساسية في الجماعات الصحية الطبيعية بجميع أصنافها، ولابد من تواجدها لتأخذ دورها الحقيقي بين الأفراد من اجل استمرارية كل نوع في الحياة والحفاظ عليه، من اجل التصدي للتحديات التي تواجه تلك الكتل الجماعية بين الحين والآخر، فعلى سبيل المثال ثمة فئة تعادل تلك النسبة في قطعان الحيوانات الكبيرة مثل الفيلة والثيران والغزلان والزرافات والحمير المتوحشة وغيرها، من الحيوانات التي تجوب بين السفوح وفي الغابات بصورة جماعية. نفس النسبة تتواجد بين أسراب الطيور التي أحيانا تعبر القارات في هجرة الصيف والشتاء، وبين الأسماك التي تقطع المحيطات طولا وعرضا. كذلك فئة الرواد أو الطلائع تلك تتواجد بين المخلوقات الصغيرة كمملكات النحل والنمل التي تنتشر في كل أرجاء الدنيا بانتشار الرقعة الخضراء فيها.

الخمسة في المائة أو فئة الرواد مهم جدا وجودها لجميع المخلوقات المتحركة على البسيطة. ففي حالة قطعان الحيوانات تلك الفئة هي التي تُدلهم على أماكن الماء والكلأ، ومتى شحّت بقعة أرض عليهم بخيرها، فلدى تلك الطلائع القدرة على التكهن والتنـبؤ والجرأة في اتخاذ قرارات حاسمة للقطعان، والتوجه بهم إلى أماكن أخرى للحصول على مصادر بديلة للعيش.

أما في أسراب الطيور فالنخب هم من يقودون تلك الجماعات إثناء الهجرة من مكان إلى آخر. فمثلا بعض الطيور التي تعيش على ضفاف الخليج العربي كانت وما زالت ترحل سنويا إلى أواسط روسيا، في الصيف وتعود إلى مساكنها في الشتاء. فهي تغادر الخليج مع حلول الصيف وتقطع آلاف الأميال متجهة شمالا حيث تعبر العراق ومنها إلى أوروبا الشرقية ثم روسيا. لكن تغيَرَ مسارها بسبب الحروب التي خاضت معتركها المنطقة، وبسبب التلوث الذي تعج به سماء الخليج والدول المجاورة والعراق خاصة. اُستبدلت خطة سير تلك الطيور الخليجية بأمر من روادها، لأنه لو استمروا في نفس المسار لألتهمتهم قنابل الطائرات الحربية الناسفة، وصواريخ "الباتريك" و"السكود" الفتاكة، أو لخنقتهم أدخنة آبار الزيت المدمرة كما جرى في حرب تحرير الكويت. لذلك رأت النخبة من تلك الطيور أن التغيير واجبا لابد من حدوثه، وليس خيارا يمكن إرجاءه لوقت آخر.

في حالة النحل، الرواد أو النخب منهم هم من يَدَلون النحلات العاملات على أماكن الرحيق، ويوجهونها إلى المزارع التي تحتضن اكبر عدد من الزهور الحبلى بالرحيق المصفى. أما النمل أيضا روادها مسئولون عن البحث عن مكامن جديدة للأطعمة، من اجل أن تتزود بها مملكاتهم وتكنزها النملات العاملات لفصول الشتاء القارصة.

هذا العمل الريادي النخبوي بين تلك التجمعات على قدر كبير من الأهمية من اجل البقاء. أيضا نجده بين بني البشر، فالدول المتطورة اليوم تمكنت من استثمار روادها ونخبها من مفكرين وعلماء وباحثين ومحللين وكتاب ومثقفين، لمعالجة المشاكل والحالات الطارئة التي تمر بها أوطانهم، ولتقديم حلول حقيقية وفعالة لها. لذلك دول العالم المتطور في الشرق والغرب ليس لديه هموم معلقة وقضايا غير محسومة. فمثلا اليابان لم تحتج لعقود طويلة لتصبح من الدول الثمانية العظمى اقتصاديا، بالرغم أنها كانت قبل خمسين عاما تقريبا مثخنة بجراح الحرب العالمية الثانية. السبب لأن الحكومة استثمرت كل طاقاتها في الإنسان الياباني، بأمر وبتوجيه من النخب، واليوم نرى بلدان مثل كوريا الجنوبية وماليزيا والهند والصين تتبع نفس النهج. أعطت حكوماتهم مساحة لنخبهم، في أن يُبدعوا ويُحركوا عجلة التقدم لصالح شعوبهم، فتلك البلدان الآن نخبها يسابقون عقارب الساعة، ويتزاحمون ويتنافسون على دخول معترك النهضة الصناعي ذو الجودة العالية.

اليوم التساؤلات التي تظل مقلقة للمهتمين بأمور الدول العربية هي : أين الرواد لهذه الشعوب وأين نخبهم؟ لماذا الشعوب العربية تحولت إلى قطعان ورعاع؟ أين من يوجههم ويحرك عجلة النهضة إلى الأمام؟ ماذا حل بفئة الـ %5 ؟ ولماذا لم يظهر لها دور في بلدانهم؟ لماذا لا يُمسكون بدفة التطور من اجل إخراج هذه الأمة من العتمة؟ ربما تتداخل عدة عوامل من أجل الإجابة على تلك التساؤلات، لكن أهمها أن الكثير من رواد العرب من نساء ورجال إما مطاردين في بلدانهم أو مهجّرين عنها أو مغيبين في غياهب السجون. وبعض النخب المتواجدة في أوطانها مجمدة تماما على الساحة.لذلك قضايانا المعتقة لدهور مازالت موجودة بدون معالجة، ومازالت تُطرح بشكل مبتذل في المنتديات والمؤتمرات العربية والحوارات الوطنية. هناك أمور وإشكاليات مازالت حديث الساعة، مع أنه قُدمَ لها حلول منذ عقود طويلة، ومن المفترض أنها حُسمت منذ أمد بعيد، مثل: تطبيق حقوق الإنسان، ومكافحة التمييز ضد المرأة، وتبني حقوق الطفل. أيضا محاربة البطالة والأمية والفساد الإداري والمالي، إضافة إلى تطوير التعليم، وإلغاء القوانين الشخصية المعمول بها في المحاكم الشرعية، وعزل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، وغيرها من الأمور التي تبدو لكل مواطن عربي أنها حلم لا يقدر على تحقيقه سوى من يمتلك فانوس علاء الدين السحري.

إن ما يجري على أرضنا العربية من تخلف وجهل وانحطاط، سببه الأول هو لأن ذوي العقول المفكرة من النُخب الفطنة والطلائع النبيهة مازالت تُحَارب على جميع المستويات وعلى كل الأصعدة. والحقيقة التي يجب أن يُدركها الحكام العرب قبل فوات الأوان، وقبل أن يأتيهم طوفان شعوبهم الغاضبة، أنهم يحفرون قبورهم بأيديهم، ويوما ما ستبتلعهم تلك القبور هم وعروشهم بدون رحمة، طالما يصرّون على أن يتبعوا نهج القمع والتصفية للرواد والنخب الوطنية، وما قام به أعظم رجل في العالم "نيلسون مانديلا"، الذي قضى 28 سنة من عمره في سجون النظام التعسفي في جنوب أفريقيا، كان أكبر شاهد على أن القهر والاستبداد مهما طال باعه، وزاد بطشه، واشتد بأسه فإن عمره قصير في تاريخ الشعوب والأمم.

اليوم حركة النخب "كفاية" التي انطلقت من ارض النيل بعثت برسالة صريحة للحكام العرب جميعا بكلمة واحدة، وقد تكون هي إحدى فرص المراجعة والتصحيح لكل دولة عربية. خاصة تلك الدول التي تمتهن الحكم بالنار والحديد. يجب أن تصغي لما تحتاجه شعوبها. إن لم يعتدل حال الحكومات في كل قطر عربي، ويُسمح للطلائع والنخب بالإصلاح في جدول زمني محدد، فإن النتائج ستكون وخيمة، وحينها سيصبح لكل حَدثُ حديث...

شفاف الشرق الأوسط

قراءة ناقدة في خطاب "الليبراليين العرب"

2005-07-14

قراءة ناقدة في خطاب "الليبراليين العرب"

مشروع الوثيقة التأسيسية للتجمع الليبرالي الديمقراطي نموذجاً

لـؤي محمّد عبـد الباقي - ملبورن

لقد كتب الدكتور برهان غليون، مؤخراً، سلسلة من المقالات حول ضرورة الفصل ما بين الديمقراطية، كمجموعة من الإجراءات السياسية العملية، وبين الفلسفة الليبرالية، كمذهب اقتصادي واجتماعي يتبنى المنهج الديمقراطي السلمي في العمل السياسي. وكانت هذه المقالات قد أثارت حفيظة بعض الليبراليين الذي يحاولون الإصرار على إضفاء نوع من التماهي بين الليبرالية والديمقراطية، شأنهم في ذلك شأن الكثير من التيارات السياسية التي تحاول احتكار أو مصادرة الديمقراطية وتقديمها على أنها جزء جوهري من أيديوجياتها وليست منهج سياسي عملي توافقي يهدف إلى تحقيق مصالح، وإن كانت براغماتية أو حتى تكتيكية، إلا أنها مشتركة وعامة. ربما يكمن الفرق بين الليبراليين وغيرهم من التيارات الأيديولوجية الأخرى، التي تحاول مصادرة الديمقراطية، هو أنهم لا يعتقدون أن الليبرالية أيديولوجيا، بل هي، كما يقدمها المتحمسون الواثقون منهم، لا تقل مصداقية عن الحقائق العلمية التي لا يجادل فيها إلا جاهل أو متعصب أو مكابر!

بالرغم من أن الدكتور غليون قد طرح أفكارا وقدم ملاحظات هامة جديرة بأن تأخذ بعين الاعتبار، وأن يتعامل معها بجدية عالية، نظراً لخطورة وحساسية المرحلة التي تمر بها المنطقة، وبالأخص سوريا، إلا أن ما سمي بـ"الصيغة الثالثة" لمشروع وثيقة تأسيس "التجمع الليبرالي الديمقراطي" في سوريا، (نشير إليها بعد ذلك بـ"الصيغة" أو "الصيغة الثالثة") والتي أعدها الدكتور كمال اللبواني، ومن ثم طرحها للنقاش على موقع "مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية ليبرالية" بتاريخ: 10/7/2005، تجاهلت أهم النقاط التي أشار إليها الدكتور غليون. من أهم ما أكد عليه غليون في مقالته "رد على الليبراليين العرب" (أخبار الشرق: 06/07/2005) يتركز حول ضرورة "بناء قطب ديمقراطي واسع قادر على التغيير"، وأشار إلى أن هذا القطب الواسع لا يمكن تحقيقه ما لم يضم الأطياف الفكرية بمختلف أيديولوجياتها، سواء كانت ذات مرجعية إسلامية أو علمانية. كما حذر من خطورة "نزوع المثقفين إلى التقوقع على ذواتهم وتشربهم بالفكرة الأصنافية... التي [تشدهم] نحو قيم الحداثة ومفاهيمها، و[تضعهم] في مواجهة أغلبية اجتماعية مشدودة بالقدر نفسه أو أكثر نحو قيم التراث وتقاليده" مشيراً إلى أن نجاح الحراك الديمقراطي يتوقف على قدرتنا في جذب النخب المتعددة "نحو المنظومة الديمقراطية التي تستطيع وحدها أن تقدم لها المخرج من مأزقها، سواء ما تعلق منها بالنخب الإسلامية أو النخب القومية أو النخب اليسارية".

فإلى أي مدى نجحت "الصيغة الثالثة" لمشروع وثيقة "التجمع الليبرالي الديمقراطي" في الاستفادة من هذه الملاحظات الهامة؟

وهل استطاع الدكتور اللبواني تقديم خطاب "غير أيديولوجي"، كما تشير "الصيغة" في غير موضع، أم أنه يطرح أيديولوجيا بديلة للأيديولوجيات الموجودة على الساحة؟

يلاحظ المتتبع لأدبيات الخطاب السياسي العربي المعاصر، بشكل عام، والخطاب الليبرالي، بشكل خاص، أن الخلط بين المفهوم النظري والمدلول الواقعي لمعظم المفاهيم الحديثة وصل إلى درجة من الضبابية العائمة بحيث أصبح استخدام أحد هذه المفاهيم مكان الآخر لا يترك أثراً واضحاً في الدلالة والمعنى. وذلك، بدون شك، يفقد هذه المفاهيم وظيفتها المنوطة بها من حيث المنهجية والدقة في تجريد الواقع وتحليله، وبالتالي القدرة على معالجة إشكالاته. فبالرغم من أن معظم المفاهيم الحديثة، مثل "الحداثة" و"العلمانية" و"الليبرالية"، تنبع، من حيث الجوهر، من جذور فلسفية واحدة أو متشابكة بحيث يصعب التمييز والفصل فيما بينها، إلا أنها ذات دلالات واقعية واضحة وخصوصيات أو وظائف تجريدية متميزة عن بعضها البعض، فلا يجوز إحالة هذه المفاهيم إلى جوهرها الفلسفي عند استخدامها في التوصيف أو التحليل الواقعي ودمجها بالديمقراطية، لأن مجال النقاشات والمناظرات الفلسفية له ميدانه، الذي لا شك أنه خارج ميدان السياسة، وإلا فقدت الديمقراطية وظيفتها في جمع التيارات ذات الأيديولوجيات المختلفة والمتعددة. لذلك فإن تأكيد "الصيغة الثالثة" على "فكرة الدولة الديمقراطية، ذات الدستور القائم على الفلسفة الليبرالية" لا يخلو من التناقض والمغالطات المنهجية، وخاصة حينما توضع على طرف نقيض أو معارض لما تسميه الصيغة بـ" فكرة الدولة القومية أو الدينية أو الأيديولوجية"، نحن هنا إذا أمام خيار يستبعد عدة خيارات، بدل أن يكون إطاراً جامعاً لمختلف التوجهات والتيارات! ولا ندري إذا ما كانت الصيغة تجعل من الدولة "الأيديولوجية" شيء مختلف عن الدولة التي تفرض الفلسفة "الليبرالية" أو القومية أو الدينية؟! إذا كان الفلاسفة غير مضطرين إلى فرض رؤاهم على الآخرين أو إلى حل خلافاتهم النظرية، وإن كانت جوهرية، إلا أن السياسيين الذين يتبنون الوسائل الديمقراطية فهم يبحثون المشكلات التي تحتاج، ضرورة، إلى حسم بطرق براغماتية عملية دون أن يفرض أي طرف أيديولوجيته على الآخرين، وإلا لاستحال تحقيق معنى المشاركة والتعددية التي هي أسّ الممارسة الديمقراطية.

لا بد أن أشير هنا إلى أنني لا أخص الليبراليين بالوقوع في هذا التقصير المنهجي، أقصد في استخدام المفاهيم كأدوات لتحليل الواقع، بل إن هذا القصور يكاد يكون سمة عامة من سمات الخطاب العربي المعاصر، فمن الظلم تحميل المسؤولية كاملة على التيار الليبرالي وحده. من هنا فإن هذه المقالة تتناول الليبراليين العرب، بشكل عام، والسوريين، بشكل خاص، كنوذج ليس إلا. وبما أنه لا يمكن فصل أي تيار فكري في سوريا عن محيطه العربي، فلن نقتصر هنا على الأمثلة الخاصة بالسوريين. ولو جاز لنا أن نبدي، مبدئياً، بعض التكهنات حول أسباب هذا الإشكال في الخطاب العربي، لجاز لنا أن نقول أن أساس هذه المشكلة في مجتمعاتنا يعود، على الأرجح، إلى صعوبة التمييز بين مهمة الناشط السياسي، وبين مهمة الباحث أو المفكر، إذ أن معظم الناشطين يقومون بدور الفلاسفة والسياسيين في آن. وهذا بدوره له مبرراته، إذ أن المفكر أو المثقف في الوطن العربي هو سياسي بالضرورة، فالسلطات في الأنظمة الشمولية لا تسمح بوجود مثقف حيادي موضوعي. فما لم يكن المثقف بوقاً للسلطة، أو شيطاناً أخرساً، فهو مصنف على أنه عدو متآمر أو، على أحسن حال، حسود حاقد، وهذا ما يضطره إلى تبني مواقف مبدئية تكتسي لباس الندية والمفاصلة. فالمشكلة بالغة التعقيد، وهي ذات أسباب موضوعية، ولا نهدف هنا إلى إدانة هذا الطرف أو ذاك بقدر ما نريد أن نساهم في إثراء النقاش للإفادة والاستفادة.

بالرغم من أن معظم المفاهيم الحديثة، التي نشأت في الغرب عبر مراحل زمنية طويلة وتجارب متعددة، جاءت كاستجابة لتحديات وأحداث تاريخية معينة، وتطورت أو تجددت مع تغير الظروف وتتابع المستجدات، إلا أنها تستخدم في الخطاب العربي المعاصر بشكل منفصل وبعيد عن مدلولها الواقعي الذي يرتبط مباشرة بجملة التحولات التاريخية والعلمية والفكرية التي رافقت نشأتها وتطورها في الغرب. فمفهوم "الحداثة"، على سبيل المثال، يختزل بطريقة متعسفة تخلط ما بين المفهوم النظري أو الفلسفي للحداثة وما بين مدلولها الواقعي المرتبط بجميع التحولات التاريخية والاكتشافات العلمية والنظريات الفكرية الحديثة التي بدأت تتطور منذ القرن الخامس أو السادس عشر، وهو ما أطلق عليه بـ"عصر النهضة" في أوروبا.

يعبر المدلول الواقعي للحداثة عن حقيقة أو واقع التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا فيما سمي بعصر النهضة، وهي ذات أبعاد متعددة؛ البعد العلمي يتضمن جميع الاكتشافات العلمية، مثل دوران الأرض وكرويتها، واكتشاف قانون الجاذبية، وغير ذلك من الاكتشافات الطبية والفيزيائية والفلكية؛ البعد الديني يتضمن حركات الإصلاح التي قوضت من صلاحيات الكنيسة الكاثوليكية، كحركة مارتن لوثر وجون كالفن؛ البعد الاجتماعي يتضمن الثورات الكبرى، كالثورة الفرنسية والأمريكية، البعد السياسي يتضمن التحول من النظرية الثيوقراطية في الحكم، التي كانت تقوم على أساس الحق الإلهي حيث تكون سلطة الحاكم مقدسة إما من خلال مباركة البابا أو من خلال الادعاء بأن الحاكم يستمد شرعيته مباشرة من الله، إلى التنظير للعقد الاجتماعي، الذي يستمد الحاكم فيه سلطته من اختيار الشعب، ومن ثَمَّ تطور الإجراءات السياسية الديمقراطية، كالانتخاب وفصل السلطات ووضع الدساتير التي تقيد سلطة الحاكم وتحدد طريقة ممارسة السلطة وتداولها. ومع دخول القرن العشرين مروراً بالقرن التاسع عشر بدأ يتسع ميدان الحداثة بمدلولها الواقعي، وخاصة في أبعادها العلمية والتقنية والسياسية، ليمتد من أوربا وأمريكا إلى بعض أجزاء آسيا، لدرجات متفاوتة، ليشمل معظم أنحاء العالم.

أما المفهوم الفلسفي للحداثة فهو يشير إلى التحول الذي طغى على الفكر الغربي في رؤية العالم من حيث انتظامه وغائيته وانسجامه الأزلي بالنسبة للإنسان والطبيعة والحياة. فالإنسان الكائن العاقل، في الفلسفة الحداثية ذات النزعة الإنسانية، أصبح المركز والفاعل الوحيد، وبالتالي صاحب السيادة في الكون. لذلك فإن الحداثة تقدس العقل، وتعطي الفرد القيمة العليا في المجتمع، وبالتالي فتجعل من الطبيعة ميداناً للعقل بحيث تسخرها لخدمة ومنفعة الفرد. هذه الرؤية الشمولية للفلسفة الحداثية تلقي بظلالها على جميع ميادين الحياة بأبعادها الأخلاقية والتشريعية والاقتصادية والاجتماعية. وبما أن هذه الأبعاد تصطدم، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالقيم والمعتقدات الدينية فقد اتسمت علاقة الحداثة، بمفهومها الفلسفي العلماني، مع الدين بالتوتر والتصادم.

الملاحظ بجلاء أن معظم المثقفين العلمانيين العرب يحملون هموم وهواجس المفكرين الغربيين، وبالأخص فلاسفة ما يسمى بـ"عصر الأنوار" في القرن الثامن عشر، أي أن العلمانيين العرب يشغلون أنفسهم بمشكلات ليس لها وجود في الواقع الذي يعيشون فيه! فما معنى أن تؤكد "الصيغة الثالثة" على فكرة "تحييد" رجال الدين عن السلطة؟ هل يحكم سورية اليوم "البابا بشار"؟ أم أن هذا مجرد احتفال بالتخلص من "المفتي خدام" الذي كان يقف عائقاً أمام عجلة الإصلاح؟

وهل صحيح أن الأمر، كما تزعم الصيغة، هو مجرد تخوف وحرص على الديمقراطية "لكي تبقى كل سلطة خاضعة فقط لنتائج صندوق الاقتراع، وليس لفتاوى الهيئات الدينية، التي تدعي تمثيل الرب والإله، وبالتالي تصبح بديلاً عن إرادة الشعب الحرة ووصية عليه، إرادة الشعب ... التي تنعكس في نتائج صندوق الاقتراع، في حين تبقى الفتاوى والاجتهادات الفقهية، مجرد آراء معروضة على الرأي العام، يأخذ بها من يريد دون إكراه..."؟

متى كانت الاجتهادات الفقهية، على الأقل في سوريا المعاصرة التي تتحدث عنها الصيغة، أكثر من آراء معروضة على الرأي العام؟

ولماذا لا تبقى الفلسفة الليبرالية، أو القومية... مجرد آراء معروضة على الرأي العام، دون أن تفرض عليه بوصاية جديدة؟ وهل يحتاج الشعب السوري أولياء أمور أو أوصياء "جدد"، كالليبراليين الجدد على سبيل المثال؟

ثم لا بد أن نطرح سؤال لم تحدد إجابته في الصيغة، من هم رجال الدين؟ هل كل من تخرج من كلية الشريعة أو عمل إمام مسجد أو درس مادة التربية الإسلامية هو رجل دين، وبالتالي يجب أن يفقد جميع حقوقه الإنسانية والوطنية التي كفلها له الدستور، ويحظر عليه التدخل بالشأن العام أو حق الترشيح أو انتخاب من يمثله في المجالس النيابية؟ نريد أن نفهم عملياً كيف يكون التعامل مع من يسمون برجال الدين، بعد تعريفهم طبعاً! وكيف يتم "إقصاؤهم" في نظام يدعي أنه ديمقراطي وليبرالي؟ ولماذا لا يخضعون لنظام واحد وقانون واحد يعملون تحته وضمن إطاره تماما كباقي الشرائح، كرجال القانون ورجال الإدارة ورجال الشرطة ورجال الفكر ورجال النجارة والحدادة...إلخ

ليس هناك، على الأرجح، سوى تفسير واحد لهذه الضبابية العائمة، وهو أن هذا تحيز واضح ضد التيار الإسلامي، مع أن كل من لديه نظرة واقعية، ويتمتع بأدنى قدر من المصداقية مع نفسه، يدرك تماماً أن التيار الإسلامي لا يقوده أو يتزعمه ما يسميه العلمانيون المتحيزون "رجال دين". ونحن نأسف أن هناك من يؤمن بهذا التصور الأعرج للديمقراطية "المؤدلجة".

لم يعد الوضع الذي آل مآلنا إليه اليوم يحتمل السجال والضبابية والتعميم والتعمية، ولم يعد من المجدي سوق الاتهامات، ضد كل من يخالفنا الرأي أو الأيديولوجيا، بالتطرف، والرمي بالرجعية أو الماضوية والظلامية والتخلف، والاتهام بمعاداة الحداثة والتقدم والتحضر، وغير ذلك من أساليب السجال الفكري والخطاب الشعاراتي الذي يمارسه كل من ارتدى أزياء الموضة الأمريكية الحديثة (منعاً للّبس فإنني أشير هنا إلى بعض الليبراليين العرب بشكل عام، وسأورد الأمثلة).

فلم يعد أحد يصدق أن دعاة وعلماء الإسلام، فضلاً عن الحركات السياسية الإسلامية، يقفون ضد التحديث والنهضة والتقدم والديمقراطية!

ولم يعد أحد يؤمن بثنائية إما الاستبداد وإما الاستعمار، أو أن الاستعمار هو البديل الوحيد للاستبداد والطغيان!

ولم يعد أحد يصدق أكاذيب الدول الغربية وشعاراتها في الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأنها تجيش الجيوش لتقوم بالمشاريع الخيرية والإنسانية والتنموية في أنحاء العالم!

ولم يعد أحد يثق بأن الإدارة الأمريكية تدير جمعية خيرية لتحرير الشعوب من الاستبداد والدكتاتورية!

لم يعد يصدق هذه الأساطير والخرافات والشعوذات، إلا المساكين والبلهاء..

ومع ذلك، فإن ما نقرأه في الصحف وعلى ساحات الإنترنت من مقالات وسجالات بين من يقدمون أنفسهم على أنهم دعاة الديمقراطية، التي يشترطون لها أن تكون ذات مواصفات علمانية أو ليبرالية محددة، وعلى أسس فلسفة الحداثة الغربية! فيطلقون الأحكام القطعية والتنبؤات "الحتمية" بناءً على رؤى تقدم الحداثة والليبرالية والديمقراطية ككتلة صماء أو وصفة دوائية، تقدر بمقادير ثابتة، ومن ثم تعطى للمريض الذي لا يملك سوى التسليم والرضا. إذاً، هذه الديمقراطية تقدم لشعوبنا كوصفة جاهزة لا يحق لهم مناقشتها أو التفكير حتى في تكييفها لتوافق قيم ومعتقدات المجتمعات العربية والإسلامية. ديمقراطية بأسس علمانية و"حداثوية" ثابتة كونية لا تتبدل ولا تتغير، لا بتغير الزمان ولا المكان، وهي ليست أقل قداسة، فيما يزعم بعض الحداثويين، من الكتب السماوية! كما أنها ليست أقل دقة وعلمية من العمليات الحسابية البسيطة. والويل لمن يختلف معهم في مفهوم الديمقراطية، أو يخرج على تعاليم "الكنيسة العلمانية"، بل الويل لمن يعترض على تفسيرهم للمبادئ والقيم الإسلامية. لذلك يلاحظ على هذا الخطاب أيضاً الثقة العمياء في قدرته على تحديد نطاق الدين، ومجاله الذي لا يريدون له أن يتجاوز عتبات البيوت، بل إن بعضهم يريد تقديس الدين لدرجة أنه يريد حفظه في المتاحف حيث الكنوز الأثرية التي تتباهى بها الأمم "المتحضرة"! ومع أن الجميع يعترف بأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يفسد للود قضية، إلا أن الحداثويين يعتبرون تجاوز حدود "الكنيسة العلمانية" من الخطوط الحمراء التي تخرج الإنسان من حظيرة الحداثة والحضارة الإنسانية، وتفقده حقوقه الوطنية والمدنية، فيستحق أن تحل عليه اللعنة الأمريكية، ومن ثم يترك ليواجه مصيره المأساوي على أيدي أجهزة المخابرات العربية، لتفترسه بأنياب قوانين الطوارئ والمحاكم الأمنية والعرفية، أو أنهم يضعوه في كفة واحدة مع التطرف والإرهاب، وهو المصير الوحيد لمن يخرج من كفة المشيئة الأمريكية حسب ثنائية جورج بوش في "المعية" و"الضدية". وهنا ينبغي أن نسجل نقطة لصالح الليبراليين السوريين التي تجاوزوا فيها الرؤية الضبابية التي يتبناها غيرهم من الليبراليين العرب حول الإرهاب. فقد بينت الصيغة أن مشكلة الإرهاب ترتبط "بالاستبداد والجهل والتخلف والقمع والتعذيب والخوف والتهميش والفقر والبؤس واليأس والاستعمار والاحتلال"، فكانت هذه الرؤية تتسم بقدر من التوازن حيث لم تغفل دور الاستعمار والاحتلال كما يفعل الليبراليون العرب.

من الجدير لفت النظر هنا إلى أمرين مترابطين: أسلوب جورج بوش في التعبير عن رؤيته للعالم "من ليس معنا فهو ضدنا"؛ إما مع أمريكا وضد الإرهاب، أو العكس. والأسلوب السطحي لبعض الليبراليين العرب الذين أرادوا الاستفادة من هذه الحملة الأمريكية، وهذا التقسيم المغرض والمتعجرف للعالم، ليستغلوها أبشع استغلال، حيث بدؤوا بممارسة "الإرهاب الفكري" ضد الدعاة والعلماء المسلمين في محاولة يائسة لإسكات أصواتهم، فاتهموا الكثير منهم بالإرهاب، وعملوا على تحريض المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية على ملاحقتهم، من خلال بيان وجهوه إلى رئيس مجلس الأمن وأعضائه والأمين العام للأمم المتحدة طالبوا فيه بإنشاء محكمة دولية "للإرهاب". وقد نشر هذا البيان الذي أعده كل من وزير التخطيط العراقي السابق الدكتور جواد هاشم والكاتب التونسي العفيف الأخضر والكاتب الأردني الدكتور شاكر النابلسي، في مواقع الكترونية وصحف عديدة، منها موقع "إيلاف" بتاريخ 24/10/2004.

وفي مقالته "تحرير الديمقراطية من فلسفة الليبرالية شرط تعميمها" التي نشرت في "أخبار الشرق" بتاريخ:21 حزيران 2005، حذر الدكتور برهان غليون، وهو محق في ذلك، من "أن تتماهى الليبرالية أكثر فأكثر في البلاد العربية مع التأمرك أو حب التماثل مع أمريكا والاقتداء بنموذجها الاجتماعي والسياسي، بل في بعض الأحيان مع التقليل من مخاطر التهاون مع "إسرائيل" أو التحالف معها". وأود التأكيد هنا، أنه ينبغي على الليبراليين السوريين بالذات أخذ هذا التحذير محمل الجد، إذ أن نظراءهم في الأيديولوجيا قد قدموا هذا المثال السيئ بشكل واضح. فأصحاب البيان، آنف الذكر (يرجى تمييزه عن الصيغة)، الذين أطلقوا على أنفسهم "الليبراليون العرب" أو "الجدد"، قد اعتمدوا المفهوم الأمريكي للإرهاب بكل ضبابيته العائمة التي لا تخضع لأي تعريف أو معيار أو ضابط واضح. وقد اتضحت رؤيتهم "المتأمركة" حول الإرهاب من خلال ذكرهم لأسبابه التي بينت تماما أن ما يريدونه بالإرهاب هو كل حركة أو جماعة أو فرد يتبنى العنف، أو يؤيده، كوسيلة لمقاومة الاحتلال الأجنبي. لذلك فقد تجاهل البيان أي ذكر لاحتلال أراضي الغير والاستيطان وتدمير المنازل فوق رؤوس أصحابها وقصف الأحياء والمدن بحجة وجود مقاتلين فيها، وكأن ما تمارسه دول الاحتلال من قتل للأبرياء، وترويع للآمنين، وسفك لدماء الأطفال والشيوخ والنساء، لا يدخل ضمن الإرهاب في مفهومهم. ويتضح مفهومهم هذا بجلاء أكثر حيث يذكر أصحاب البيان نماذجهم حول ما أطلقوا عليه فتاوى "فقهاء الإرهاب"، كفتاوى أصدرها كل من الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي والشيخ راشد الغنوشي، وجميع هذه الفتاوى التي تباكى بسببها أصحاب البيان، تتعلق بالعمليات العسكرية ضد الإسرائيليين والأمريكان، مما يظهر بوضوح الأغراض الحقيقية والأهداف المغرضة من هذا البيان. بل إن شاكر النابلسي لم يخجل من إعلان ولائه الصريح لجورج بوش ولسياسة إدارته المتطرفة، فها هو يهنئه، في موقع "شفاف الشرق الأوسط" الإلكتروني، على "النجاح الساحق في الانتخابات الرئاسية" معتبراً هذا النجاح الساحق بأنه "نجاح للسياسة الأميركية الخارجية وخاصة في الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص في العراق وأفغانستان ومحاربة الإرهاب"، وهو لم يجد أي حرج في تسمية جورج بوش بـ"رئيس الحرية الإنسانية الذي حرر العراق، وحرر أفغانستان، ووعد بقيام دولة فلسطينية"؟!

أما عن الطريقة السطحية العائمة التي تستخدم فيها المفاهيم الحديثة المتعددة الدلالات والأبعاد في خطاب هؤلاء الليبراليين "الجدد" فهي أكثر من أن تحصى، ففي السياق الذي جاءت فيه حملتهم ضد علماء ودعاة المسلمين، ينضم شاكر النابلسي إلى اللوبي اليهودي في بريطانيا حينما شنّ هذا اللوبي حملته الضارية ضد الشيخ يوسف القرضاوي أثناء زيارته لمدينة لندن عام 2004، فينشر في عدد من الصحف والمواقع سلسلة من المقالات يشكك فيها بوسطية واعتدال الشيخ القرضاوي ويتهمه بالتطرف والإرهاب، ويني اتهامه على أساس أيديولوجي بحت، حيث يستخدم حرب المفاهيم الأيديولوجية معتبراً أن القرضاوي "ضد الحداثة، وضد العولمة، وضد العلمانية، وضد تحرير العراق [أي غزوه على الطريقة الأمريكية]، وضد الحل السلمي السياسي في فلسطين، وأنه من المطالبين بقيام دولة دينية وبإعادة الخلافة الإسلامية"، وذلك في مقال تحت عنوان "هل حقاً أنَّ القرضاوي يُعتبرُ داعيةً وسطياً معتدلاً؟"، نشر في موقع "إيلاف" في 7/11/2004. وهكذا تصبح معارضة، ليس فقط الحداثة والعلمانية، طبعاً حسب مفهوم الليبراليين الجدد، بل أيضاً معارضة العولمة والغزو الأمريكي للعراق والحل الاستسلامي في فلسطين من سمات التطرف والإرهاب! ثم لم يوضح الكاتب بأي معنى يحكم على الشيخ القرضاوي بأنه ضد الحداثة؟ إن الحديث عن مفهوم الحداثة بهذه الضبابية العائمة ينمّ عن سطحية، بل انتكاس فكري مشين لهذا الخطاب السجالي المقيت. فهو يتناول مفهوم الحداثة وكأنه منتج ذو ماركة مسجلة أو موضة أزياء أو وصفة جاهزة، فإما أن يأخذ جملة واحدة، وإما أن يترك بجملته، وبالطبع ما دمنا في عصر العولمة الأمريكية، فإن أي رفض لهذه الوصفة الحداثوية الأمريكية لا بد أن يصنف بأنه "تطرف" و"إرهاب"، حسب ثنائية جور بوش وأتباع مدرسته الجديدة.

على الرغم من أن "الصيغة الثالثة" تجنبت هذا النوع من السجالية، ونأت بنفسها، نوعاً ما عن "التأمرك"، كما حذر الدكتور غليون، إلا أن خطابها لم يخل من بعض التأثر الواضع بخطاب الليبراليين العرب، المتأمرك بامتياز، وخاصة فيما يتعلق بقضية الموقف من العولمة. فمجرد التأكيد النظري على "أن أسوأ طريق نحو العولمة هو طريق التخلي المجاني عن الهوية والثقافة والخصوصية"، لم تكن مبرراً كافياً لرسم صورة الاختلاف حول العولمة على أنها صراع "بين الحضارة الإنسانية و بين مفاهيم التعصب والجمود والانعزال"، لتصنف بذلك كل من يختلف مع الليبراليين في موقفهم من العولمة على أنه في خندق "التعصب والجمود والانعزال".

في الختام، لا بد أن نشير إلى أنه كان بودنا أن نرى في "الصيغة الثالثة" قدراً أقل من الأيديولوجيا، وقدراً أقل من التشدد في الحكم على من يخالفهم في الرؤى والأفكار، وقدراً أكبر من البراغماتية والتسامح والانفتاح على بقية التيارات السياسية والفكرية. فلا يكفي أن ندين فكر الآخرين بتكرار إلصاق تهمة الأيديولوجيا بهم، دون أن نعيد النظر ونتأمل في كيفية استخدامنا للمفاهيم المثقلة بالحمولات الأيديولوجية. كما نعتقد أن طموح "التجمع الليبرالي الديمقراطي" في أن يشكل "إطار تنظيمي سياسي، يضم أفراداً أو هيئات مدنية أو أحزاباً من المجتمع السوري" هو أعلى بكثير من سقف الخطاب الذي تبنته الصيغية المثقلة بهموم فكرية ومواقف مبدئية، ومن الواضح أن الصيغة وقعت في إشكالات مفاهيمية ومنهجية تحتاج إلى مراجعات دقيقة وموضوعية.

وتوصيتنا الأخيرة هي أن تتم مراجعة متأنية للصيغة بحيث تأخذ بعين الاعتبار أنه لا يمكن تحرير الديمقراطية من الرؤى الأيديولوجية، إلا إذا تعاملنا معها كمنهج عملي سلمي غير متحيز إلى مبدأ أو مذهب فكري، وبشكل يتوخى منه حل الأزمات وحسم الخلافات التي توتر الأجواء السياسية بين الأطراف المختلفة بالرؤى، والمتنازعة على مراكز النفوذ والسلطة. فالدولة كجسد الإنسان، القلب والشرايين هي مؤسساتها، فيجب أن تضخ القيم التي يحترمها ويؤمن بها ويقدسها الشعب، أما إذا فرض على هذه المؤسسات قيم غريبة عن المجتمع فإن هذا الجسد يصبح ميتاً أو كالمشلول الذي لا يتحرك إلا بتحكم خارجي. الديمقراطية هي الوسيلة التي تحمي الجسد من دخول دماء غريبة عنه، وتضمن للقلب والشرايين دماء تضفي على الجسد حياة نشيطة مفعمة بالحيوية. الذين يفرضون قيما غريبة على المجتمع يحكمون على هذا الجسد بالشلل أو الموت، فأعداء الديمقراطية هم أعداء الشعب الذين يريدون خنقه. كيف نميز القيم الغريبة من القيم الأصيلة؟ ليس هناك من حل سوى صناديق الاقتراع الحرة والنزيهة، فلا الوصفات الليبرالية ولا الاشتراكية ولا غيرها يمكن أن تكون بديلاً للرأي العام. وإذا كان البعض يرى في ذلك نوعاً من التساهل مع الآخر على حساب المواقف المبدئية، فإن ذلك هو الخيار العملي الحكيم الذي يرجح أخف الضررين، وما سوى ذلك من أساليب النفي والإقصاء والاستئصال لهو منبع الشرور التي نسأل الله تعالى أن يخلص مجتمعاتنا وشعوبنا من ويلاته.


مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية


هموم السوري: بين الاحتلال الداخلي والاحتلال الخارجي

هموم السوري: بين الاحتلال الداخلي والاحتلال الخارجي

أكرم شلغين


يذكرنا، إلى حد كبير، نقاش المثقفين والمعارضين السوريين هذه الأيام بسابقه الذي دار قبل سقوط نظام صدام حسين. في تلك الفترة، حين بدا واضحاً أن الإطاحة بالنظام العراقي هو التوجه المنظور للولايات المتحدة، غدا الكثير من المثقفين والمعارضين العراقيين أسرى هواجس تتمحور حول اتخاذ "الموقف الصحيح". فمن جهة، كان العراقي يتمنى لو أنه يستطيع التخلص من النظام الديكتاتوري، الدموي، العشائري الحاكم في بلده بنفسه وبالاعتماد على قوة شعبه - لكنه لا يستطيع، ومن جهة ثانية، لم يعرف المثقف والمعارض العراقي أين يقف، على وجه الدقة، من مسألة الاعتماد على، أو التسليم بأمر، أن القوات الأمريكية هي الجهة الوحيدة التي تستطيع بقوتها إزاحة نظام صدام حسين! والمأزق النفسي للعراقي في تلك الفترة ازداد تفاقماً جراء صعوبة الإجابة عن أسئلة من نوع: هل المستهدف هو العراق أم السلطة الحاكمة فيه؟ هل ينبغي على العراقي أن يصغي للأصوات التي تلعب على المشاعر القومية وتصرخ عالياً بأن المستهدف هو العراق ووحدته وهوية أبنائه أياً كانت وهو يعرف أن لا شيء يفتت العراق ووحدته أكثر من وجود الديكتاتور ونظام البعث فيه؟ هل يأخذ بحسبانه ما عرفه تاريخياً عن سجل الأمريكان في علاقتهم مع الأنظمة الديكتاتورية هنا وهناك في العالم، بما فيها نظام صدام حسين نفسه في فترة ما، أم أن أمريكان اليوم يتراجعون عن سياستهم المذكورة ويسعون لدمقرطة المنطقة انطلاقاً من أن الديمقراطية في العالم العربي هي الكفيلة بوقف إنتاج "إرهابيين" وبالتالي فأمريكا تسعى بجد للحيلولة دون وقوع 11 سبتمبر آخر؟ هل يجب على العراقي أن يتعامل مع الأمريكي على أنه غريب محتل أم يرحب به لأنه المخلّص من النظام الدموي - وذلك عين الهدف الذي عجز عن تحقيقه بمفرده؟ وإذا كان الأمريكي محتل فهل يسكت العراقي لأن مصالحه تقاطعت مع "مصالح المحتل" في نقطة إزاحة الديكتاتور أم يقاومه وبذلك يبدو وكأنه يلتقي في تلك النقطة مع ما يبغيه نظام الديكتاتور العشائري القبلي!؟ مهما يكن الأمر، فقد كان تأثير العراقي على إزاحة نظام صدام حسين، كما بينت سيرورة الأحداث، معدوماً أو ضئيلاً إلى درجة لا تُذكر، ومن رأى لاحقاً أن لا نفع في بقائه رهيناً للحساسية والمخاوف والخطابات القديمة ولم يكتف بمراقبة مجريات الأمور من بعيد فقد أصاب بالطبع لإدراكه أن السلبية هي الأخطر فتحرر من القيود النفسية وجاء، بكل بطولة، ليشارك في بناء بلده العراق الجديد بصرف النظر عن وجود الأمريكان فيه (وإنْ كانت خطواته لا تتعثر بسبب الأمريكان بل تصطدم بمن لا يوفر في تفجيراته لا طوابير الناس المجتمعين من أجل فرص عمل ولا تجمعات الناس العزّل ولا خيم العزاء ولا..).

تُبدي نقاشات السوريين اليوم أن الكثيرين منهم تكابدهم نفس الهموم التي اعتمرت العراقي. وربما يقترب اليوم بعض المثقفين والمعارضين السوريين (والعرب عموماً) من وضع إصبعهم على الجرح عندما يستخدمون العنوان العام: "المنطقة العربية بين الاستبداد والاحتلال" لتشخيص المشكلة وللدلالة على تقلص تفضيلات - ولا أقول خيارات - شعوب المنطقة، وسط هذا المناخ الجيوسياسي. إلاّ أن حساسية الموضوع وتعقيدات تداعياته تجعل هؤلاء يميلون إلى التركيز الصرف على ما يسمونه بـ"النوايا الكامنة" لدى الدول الإمبريالية "للسيطرة على المنطقة العربية"، وعلى بشاعة "الاحتلال" والويلات التي تنجم عن وجوده إلخ. وذلك على حساب رؤية الواقع الأشد إيلاماً الذي يعيش فيه العرب أفراداً وجماعات، فينتهي الأمر إلى توصيف منقوص للمسألة يهوّل من خطر "الاحتلال" وبنفس الوقت يتناسى خطر "الاستبداد" وأثره المرحلي والبعيد المدى على المنطقة وشعوبها. في هذا التناول أحادي البعد لموضوع "الاحتلال والاستبداد" ثمة نزوع ليس فقط إلى التعتيم على الواقع المذري والمرير الذي يرزح تحته العربي بل أيضاً جنوح إلى التعامل مع "الاستبداد" وكأنه مجرد ممارسة خاطئة علينا أن نتقبلها ما دام الفاعل المستبد ينطق باللغة العربية مثلنا أو لأنه انبثق جغرافياً من نفس البقعة التي ولدنا فيها وليس له هوية "الغريب الأجنبي.." ناهيك عما يحمله عرض المشكلة على هذا النحو من تناس وإهمال لقضية الشعب وهمومه وتطلعاته الإنسانية، فإن فيه ما يصب في خدمة فئة تحكم في دمشق هي على درجة من الفظاعة والطغيان واستنزاف الخيرات وقمع الشعب وسرقة أمواله لتصنف بكل دقة بـ"الاحتلال الداخلي".

في الواقع، لا يمكن أن نخطئ في توصيف النظام التسلطي بدمشق كيفما نظرنا لوجوده في مواقعه وتعاطيه مع الشعب السوري، فإذا كان احتلال بلد ما يتم دون إرادة شعبه فإن أحداً في سوريا لم ينتخب البعث وأسده (أو الأسد وبعثه) وطاقمه – بل إن الشعب السوري ينظر إليهم على أنهم "شرذمة من المغول الجدد" اغتصبت سوريا "في غفلة من الزمان"؛ وإذا كان الاحتلال يُحضر جيوشه ليتمكن من السيطرة على بلد ما فإن نظام الأسد قد حول الجيش في سوريا من مؤسسة لها مهام وطنية إلى جهاز أمني اختُزلت مهامه إلى تمكين النظام الحاكم من البقاء وحفظ وجوده وحماية مصالحه؛ وإذا كان الاحتلال ينهب البلد الذي يحتله فإن نظام الأسد والعوائل والحواشي قد جعلوا من سوريا مزرعة خاصة ينفردون باستغلال عائداتها لهم دون غيرهم وبدون اكتراث لواقع الشعب السوري أو أدنى تفكير أو شعور بالمسؤولية تجاه شعب نصّبوا أنفسهم عليه بالقوة؛ وإذا كان الاحتلال يعبث بأرض البلاد وثرواتها فالنظام السوري له السجل الواضح في التفريط بكل مقدرات سوريا وأرضها وتلويث هوائها ومائها؛ وإذا كان الاحتلال يُضيّق على شعب البلد المحتل نظراً لافتقاده الشرعية والشعبية فإن نظام البعث والأسد لا يستطيع أن يحكم إلا بقانون الطوارئ والحديد والنار والمخابرات التي تتدخل حتى بأبسط أمور الحياة اليومية. إذا كان ما حصل في سجن أبو غريب في العراق مريعاً فإن ما يحصل في سجون النظام السوري يجعل من أبو غريب خفيف الوقع، وعندما نسمع حديث السجناء في سوريا أو نقرأ ما كتبوه ويكتبونه عن سجون النظام السوري نعرف هول مصيبة السوريين، وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد أسفت لما حدث في أبو غريب وحاسبت الفاعلين والمسؤولين عنه بالعقوبات المناسبة فإن النظام السوري يَعلف، يُغذي ويُنمّي عضلات الجلاد ويثني عليه كبطل وطني. في عراق ما بعد صدام حسين وبعثه تستطيع الناس التظاهر وبكل حرية ضد الأمريكان وأما السوري فيعرّض نفسه للخطر إذا ما فكر حتى بالاعتصام في سوريا الأسد أوقال: "نعم للإصلاح من الداخل"، بل إن الكثير من أسر المفقودين منذ عقود لاتتجرأ حتى بالسؤال عن أولادها. وإذا كان العراقيون يصدرون مئات الصحف والمواقع الإلكترونية تحت "الاحتلال الخارجي" فإن السوريين يعيشون سحب تراخيص الصحف (حتى تلك التي أذن لها النظام السوري مسبقاً وتعمل تحت مراقبته) ويعانون كذلك من حجب المواقع الالكترونية العالمية ومن الرقابة على الصحف القادمة من الخارج؛ وإذا كان العراقي (بمساعدة الاحتلال) استطاع أن ينتخب للمرة الأولى فإن السوري مازال يقبع في ظلمات الـ"نعم أو نعم" التي تنتج "نعم للقائد" بنسبة تصل إلى 99 و99 %؛ وإذا كان العراقي يستطيع التعبير عن رأيه وينتقد ويتكلم من أي منبر يشاء وضد كل من يشاء، فإن السوري يُسجن لا لأنه انتقد بل لأنه شاهد برنامج على إحدى الفضائيات (كما حصل مع ستة عمال وموظفين في معمل سكر حمص شاهدوا برنامج على قناة الجزيرة ـ انظر بيان المنظمة العربية لحقوق الإنسان تاريخ 30. 6. 2005 ) .. ماذا نسمي سلطة لا شرعية تتعامل مع شعب لا على اساس المواطنة بل على أساس الولاءات والمحسوبيات؟ ماذا نسمي من يحجز أماكن العمل في البلد ويوزعها على أساس القرب والولاءات والعائلات لا على أساس الكفاءات؟ أليس ذلك احتلالاً؟ إذا تعاملنا مع السؤال بتجرد وموضوعية فإننا نجد أن ممارسات (وآلية وجود) من يحكم بدمشق لا ينطبق عليها إلا تسمية "الاحتلال." من دواعي الغرابة أن لا أحداً يعطي لقب "المحتل" عندما يطلق التسميات على السلطة الحاكمة في دمشق التي، وبلا شك، ستتمخض نتائج أعمالها المدمرة عن كوارث لن يتعافى منها البلد وشعبه ـ حتى بعد عقود عديدة من إزاحة هذا النظام. ومن الجدير بالذكر هنا أن نقول إن "المحتل الخارجي" يعرف أنه في أرض غريبة والأعين مفتوحة عليه أما "المحتل الداخلي" فيزعم أن هذه هي أرضه وأن الاعتراض على ذلك من قبل الشعب هو "تآمر على القضايا الوطنية" ومن الخارج هو "تدخل في السيادة الوطنية.."

مصيبة السوري بوباء الزمرة التسلطية أكبر من أن توصف. فكما يكرر الجميع وبحق: بعد عقود من اغتصاب البعث والأسد للسلطة في سوريا وكمِّ أفواه السوريين وسرقة واستلاب القرار والمبادرة من يدهم بحجج المؤامرات الغربية والقضية القومية والجولان المحتل بات الشعب السوري مفتقداً لكل شيء: للأرض والعرض والقرار بل والمقدرة على التعبير عن مصالحه الاستراتيجية. وبسبب الطغيان والاستبداد بات الشعب السوري المتطلع للحرية يقولها بوضوح: إذا كان ما تمارسه سلطات الاحتلال الداخلي معنا باسم القومية فتباً لهذه القومية البربرية الهمجية ونحن براء منها، وإذا كانت القومية تعني أن تعيش أجيال وتموت أجيال في جو القمع والخنق والسرقة التي يمارسها علينا وبحقنا من يمثل هذه القومية "فسجل نحن لسنا عرب" وليست القومية العربية قوميتنا وإنما نحن بشر وانتماؤنا هو للإنسانية وليس للقومية الهمجية الدموية التي يمثلونها، وإذا كان ما يمارس علينا هو من الدين فنحن براء من هذا الدين، وكل ما نريده هو العيش بحرية وكرامة ومن يستلبنا إياها هو المحتل سواء كان نظام الأسد أي الاحتلال الداخلي أم كان ذلك من احتلال خارجي، وإذا كان ما يمارس معنا وعلينا باسم الحفاظ على الهوية فنحن لانريد هذه الهوية، وإذا كان "المحتل الأجنبي" يضعنا على طريق العيش بأمان وسلام ولنتمتع بحقوقنا كبشر، سواء كان ذلك تحت عنوان "الشرق الأوسط الكبير" أم غيره، فنحن جزء من هذا العالم بكل ما فيه ولا نريد أن نكون خارج الزمان والمكان، وإذا كان المقصود إرساء الحرية والديمقراطية فهذا ما نحلم به، وإذا كان المقصود اقتلاع السلطة القمعية الاستبدادية المحتلة في دمشق فهذا مانتطلع إليه.

السؤال الأهم هو أين تكمن مصلحة الشعب السوري؟ وإذا كان الشعب السوري "لا يستطيع تمثيل نفسه" والتعبير عن مصالحه فلهذا "ينبغي تمثيله" وبالتأكيد لا يمكن أن يمثل الشعب السوري من أوصله إلى هنا (أي نظام البعث والأسد)!

لا شك أن العديد من المثقفين والمعارضين سيبقون أسرى العداوة الأيديولوجية القديمة للأمريكان، بل وسنسمع أقاويل عامة تُسائل مصداقية الأمريكان من حيث أن غايتهم هي السيطرة على المنطقة ونفطها أكثر مما هي دمقرطتها، وأن الديمقراطية لن ترى النور في منطقتنا وسيتكرر القول إن أي بلد عربي ليس "ألمانيا" أو "اليابان" ولأننا كذلك محكومون بلعنة البترول و..و.. إلخ. بدورنا، نريد أن نكرر مع هؤلاء بأن منطقتنا ليست بالفعل على سوية من الوعي تجعلها تتعامل مع مصائبها بحكمة وذكاء مثل اليابان وألمانيا، ونريد أيضاً أن نسأل هؤلاء لماذا نحن فقط من يصاب بلعنة البترول دون بقية شعوب الأرض!؟ أليس حرياً بنا أن نطرح مثل هكذا تساؤل ونحن نعرف أن فنزويلا – على سبيل المثال- تعوم على بحر من النفط وهي أقرب جغرافياً لأمريكا بل وبها حكومة معادية للإدارة الأمريكية! وإذا كنا بصدد الكلام عن البترول فيجب أن نسأل عين السؤال الذي سأله ابن شمال العراق وابن جنوبه عما استفاده من البترول في ظل صدام!؟ وإذا وضعنا الكلام عن حجم "ثروة سوريا النفطية" جانباً (إذ لا تقاس بثروة العراق) فلا نستطيع إلا أن نسأل: مَن مِن هؤلاء يستطيع أن يعطينا رقماً واحداً يقرنه بالأدلة عن عائدات البترول في سوريا، أين ذهبت في الماضي وأين تذهب في الحاضر!؟ بل إنْ أردنا أن نتكلم عن خيرات البلد وثرواتها فنسأل هؤلاء أن يعودوا بذاكرتهم إلى الوراء لاستحضار ما أعلنه حافظ الأسد مرة عن اكتشاف "الألماس وبكميات كبيرة" في سوريا.. فإذا كان الأمر صحيحاً فماذا نعرف عنها كسوريين الآن وبعد كل هذه السنين!؟ ولعلنا سنسمع كذلك أن هناك أجندة أجنبية لتشتيت المنطقة وتقسيمها على أساس طائفي وقومي، ولهؤلاء نذكر أيضاً بأن الفقر يؤدي إلى تأجيج الشعور القومي، وإلى تسعير الشعور الطائفي، والعصبي والقبلي والأثني. ونسائل كذلك هؤلاء بماذا سيقنعون السوري العادي الذي يتضور جوعاً وبنفس الوقت يسمع عن الخلافات الدائرة بين منذر جميل الأسد وأرملة أبيه أمل عزيز نعمان على مصير صناديق سبائك الذهب والألماس وملايين الدولارات! أتمنى أن لا نسمع أو نقرأ أن أجندة أمريكية هي وراء حيازة هؤلاء لأموال تخص بالأساس الشعب السوري لا جلاديه؟

أكبر مصائب سوريا هي وجود نظام البعث والأسد عليها، هذه حقيقة يدركها ويرددها الجميع في سوريا حين يتذكرون الماضي بكثير من الحسرة، ومنهم من يقول إن أجواء الوحدة الوطنية التي سادت في فترة ما بعد الاستقلال لم تعد موجودة، ومنهم من يقارن ما فعله نظام البعث والأسد بسوريا بما فعلته فرنسا ليستنتج بدون خجل من النظام الحاكم أن الطرقات التي شقتها وعبدتها فرنسا في سوريا في النصف الأول من القرن العشرين مازالت هي الأفضل وأما مافعله البعث والأسد في سوريا فلم يكن بوازع الضمير والوطنية وإنما بدافع الجشع والسرقة والفساد التي أنتجت، وستنتج، المآسي الحقيقية على شاكلة "سد زيزون" الذي انهار قبل حوالي ثلاث سنوات مخلفاً ما خلفه من دمار على الإنسان والأرض. ويعود السؤال الذي ينتظر الجواب بشجاعة وصدق يتكرر: "من المسؤول عما حصل لنا أهي أمريكا أم هو النظام الطاغي؟" لقد وصلت هموم الشعب السوري إلى درجة لا تحتمل وأصبح كل ما يريده هو العيش بحرية وإنسانية وبدون تنكيل وقمع. ولعل أصدق الأصوات التي تعبر عما في داخل السوري وهمومه وماذا يريد هي تلك الني تنطلق عفوية وبدون تحسبات لنتائجها، هي تلك الأصوات التي انطلقت من "قلب العروبة النابض" بتاريخ 9 نيسان 2003 من الأفواه الجائعة للحرية مثل جوعها للخبز، هي التي انطلقت من فم بائع الخضار بعد أن سمع تطورات الأحداث عبر الراديو فصرخ بأعلى صوته: "وينك يا [جورج] بوش ونحنا كمان بدنا هيك.." ومن فم مشتري الخضار: "الله ياخد بإيدك يا بوش..." ومن فم المثقف اللاديماغوجي الذي لم يكتف بالتبصّر بإيجابية الدور الأمريكي عملياً في جعل عصا النظام الفاشي في دمشق أخف وقعاً على رأسه وحسب بل ذهب أبعد ليرفع علناً كأس أمريكا في "دمشق الأسد،" وفي ما قيل في انتفاضة القامشلي، وفيما نُطق في بلدة مصياف على لسان من لم يعد يحتمل الجور والطغيان، و.. و..!

عندما نضع صورة "المحتل الداخلي" ونهجه ضمن الإطار الواقعي لنبين درجة قباحته، فإننا بالطبع لا نبغي الترويج "للمحتل الخارجي،" (ولا نريد أن نمهد لدور الاحتلال حتى وإن كان بعض نبهاء الفكر الإنساني وكبار الفلاسفة في العالم لم يتعاموا عن جوانب إيجابية للاحتلال، بل إن ماركس نفسه توقف حيناً على مسافة قصيرة جداً من مدح الدور التحديثي للاستعمار)، ولا نبغي كذلك التنكر لتطلعات الشعب في العيش بحرية وإنما على العكس تماماً نريد بالتحديد تدارك مصالح شعبنا. فالعيش بحرية واستقلال في سوريا هو ما نصبو إليه دون غيره.. ونتمنى لو أننا نستطيع الخلاص من النظام السوري بمفردنا وبالاعتماد على قوة شعبنا ودون أن تُسال قطرة دم واحدة (لا في سوريا ولا غيرها)، وعندما نتكلم على هذا النحو فهذا لا يعني أننا ابتعدنا عن بلدنا وهموم شعبها بل نعيشها بتفاصيلها، ونتابع وبتفاعل كبير ليس فقط ما يحصل بها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بل ونتابع حالة الطقس فوق صحرائها وقراها ومدنها. وعندما نتكلم على هذا الشكل، فلا يعني كلامنا أننا أمسكنا بأجندة خارجية وبدأنا بالعمل على تنفيذ بنودها، بل ليس لدينا إلا أجندة واحدة هي أجندة بلدنا وشعبنا ووطننا، ولانتقبل أن يزاود علينا أحد، فحياتنا واضحة وليس لدينا ما نخفيه ونتحدى من يدعي الوطنية والقومية والصمود والتصدي أن يرينا كشفاً بحسابه!

انطلاقاً من أن النظام السوري ينتمي إلى حقبة بائدة، وأن فرص التغيير قد تنبزغ دون أن يكون للسوري ذاك التأثير الكبير على على مجرى الأحداث، يبقى السؤال الهام والذي تطرقنا إليه أعلاه يتمحور حول خياراتنا في أن نبقى نراقب من بعيد، لأننا إذا كنا لا نريد بقاء النظام السوري فإننا في الوقت ذاته لا نرغب أن تقترن إرادتنا تلك مع إرادة من هو قادر على إزاحته! أم نضل هدفنا وننحاز إلى صفوف من أوصلنا إلى هذا الوضع رغماً عنا! أم نتعامل مع الأمر الواقع ببراغماتية سياسية عالية ونعتبر ما يجري امتحاناً لنا لنبني سوريا بالشكل الذي يناسبها ويناسب شعبها بدلاً من العيش في ظل حكم قروسطي.

هناك من ينعت المعارضة التي تبتعد عن المغالطات على أنها "معارضة لاوطنية" وأنها تستقوي بالخارج على الداخل إلخ.. الخطأ الذي يقع فيه هؤلاء هو أنهم ينقادون وبعمىً إلى تناسي مافعله النظام السوري طيلة هذه السنين، ويلجأون إلى حمل السلاح دفاعاً عن نتائج سياسته الكارثية، وبذلك يعلنون عن قناعتهم بالعيش إلى ما لانهاية تحت نير "الاحتلال الداخلي"!.. هنا، يجدر بنا أن نذكّر هؤلاء بأن نسبة عالية منهم ـ وللأسف ـ كانت في السابق على درجة من الولاء للاتحاد السوفييتي تجعلهم يحلمون بقدوم الأخير عسكرياً إلى سوريا لإقامة نظام آخر فيها ينسجم وتصوراتهم.

سوريا وشعبها يعيشان وضعاً كارثياً، والتعرف على الطريق الذي سيقود للخلاص من هذا الوضع لن يتحقق إلا بدراسة مسبباته وتسليط الضوء على من أوصلنا إليه، وبذلك نحدد مشكلتنا الأولى والأساسية: أين تكمن ومع من!.. بالمقابل، فإن بحثنا عن الأزمة وأصلها ومسببيها لا شك سيضل طريقه عندما نستمر في خداع أنفسنا بالحديث عن "الامبريالية والهجمة على المنطقة" ونتناسى بالتحديد المحتل الداخلي.

خاص – صفحات سورية -

رد أخير وختام النقاش حول الليبرالية والديمقراطية

رد أخير وختام النقاش حول الليبرالية والديمقراطية

برهان غليون

كنت أعتقد أن النقاش حول علاقة الليبرالية بالديمقراطية قد انتهى بعد الرد التوضيح الذي نشرته بعنوان رد على الليبراليين العرب ولكن الذي أعادني إلى طرح الموضوع من جديد عدد كبير من الأسئلة تمنى على الأستاذ كمال عباس الإجابة عنها في إطار التحديد الدقيق لنقاط الاختلاف ونقاط الالتقاء في إطار العمل في سياق مشروع التحويل الديمقراطي المشترك في سورية. ومن هذه الأسئلة ما يتعلق بموقفي من الاشتراكية والماركسة وتقييمي تجربة الاتحاد السوفياتي وبقية التجارب الاشتراكية وما مدى اشتراكيتها الفعلية، في ما إذا لم يكن من الأفضل لهذه البلدان لو أنها عمقت الرأسمالية على الطريقة الليبرالية بدل بنائها على الطريقة الماركسية التي أدت إلى ما نعرفه من إخفاق، ومنها ما يتعلق بتصوري ل"كيفية اختراق الراسمالية على هذا الكوكب، متى وكيف ؟! لتبدا مرحلة الديمقراطية الاجتماعية". ومنها أيضا رأيي ببمشروع الشرق الأوسط الكبير وكذلك بموقف النائب السجين رياض سيف المتعلق بالتحويل الديمقراطي في العراق بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأخيرا يطلب مني الأستاذ كمال أن أحدد كيف يمكن بلورة سياسات اقتصادية وطنية ودولية بديلة في ظل العولمة الحالية ؟
ومن متابعة المقال يبدو واضحا أن هذه الأسئلة ليست هي المقصودة بالذات ولكنها استخدمت كمدخل من أجل تأكيد مسألتين. المسألة الاولى أن الطريق الرأسمالي الليبرالي يخدم العمل والطبقات الشعبية وربما يقود إلى المساواة والعدالة التي تطلبها الاشتراكية أكثر مما تقود إليهما الاشتراكية نفسها التي ليست في النهاية إلا رأسمالية بمظهر آخر. والمسألة الثانية أنه لا يوجد خيار ثالث أمام السوريين كما يتصور البعض، إشارة إلى وآخرين، وإنما خياران فقط الاستبداد أو الديمقراطية، نهج قديم لا يزال يفكر بمنطق الحرب الباردة والصراع ضد الأمبريالية يشترك فيه البعثيون والناصريون والاسلاميون ويعبر عنه بشكل أفضل فكر طيب تيزيني، ونهج جديد يرى ان سوريا تعاني من الاستبداد وتحتاج الى دفعها بشكل سلمي وتدريجي نحو دولة تعاقدية وتداولية يعكس موقف الليبراليين الذين ينتمي إليهم . أما النهج الثالث الذي يعتقد أنني من دعاته فهو في نظره وهم بالمعنى النظري ولا وجود له.

بداية أود أن أفصح عن حقيقة أنني لم أكتب مقالي حول الليبرالية والديمقراطية اعتراضا على الليبراليين الذين كنت أعتقد دائما أنهم يخلطون بين الديمقراطية التي هي حافزهم الرئيسي للعمل، كما هو واضح من وضعهم جميعا لها في مقابل الاستبداد وليس في مقابل السياسات الاقتصادية الاجتماعية، وإنما كتبته كرد فعل على انتقادات مثقفين يساريين عرب يعتقدون هم أيضا أنه لا يمكن تبني الفكرة الديمقراطية من دون تبني الفلسفة الليبرالية. أردت أن أبين لهم في ردي أن ما يعتقدون أنه أمر واحد ليس كذلك تماما من دون أن يعني ذلك أنه ليس هناك علاقة تاريخية أو منطقية بين الديمقراطية والليبرالية. وللمفارقة أن رد اليسار كان ايجابيا جدا على المقال بعكس رد الليبراليين. فبقدر ما شعر اليساريون أن تمييز الديمقراطية عن الليبرالية يسمح لهم بالانفصال عن النظم الديكتاتورية التي لصقت بهم بالفعل وأودت بحركاتهم السياسية واستعادة روح العمل من دون التضحية بالقيم الرئيسية التي تميز سياستهم أعني العدالة والمساواة شعر الليبراليون أن تمييز الديمقراطية عن الليبرالية يفرض عليهم القبول بالاشتراك مع الأطراف اليسارية والقومية والاسلامية الأخرى المنافسة في الساحة السياسية في رأسمال الحرية وقيمتها. وبالتالي يحرمونهم من المشروعية الاستثنائية التي يمكن أن يقدمها لهم احتكار شعار الحرية في حقبة يسود فيها الإجماع على إدانة الاستبداد والديكتاتورية. هنا أيضا يمكن أن نلحظ روح الانتصارية التي تطبع الحركة الليبرالية منذ انهيار التجربة السوفييتية ونزعتها إلى أن تجب ما قبلها أو تتجاوزه عندما لا تستهزء به.

لكن هل الليبرالية هي الحل وهل الأمر الوحيد المطروح على السوريين هو الاختيار بين نهج الاستبداد ونهج الليبرالية؟

أنا من الذين يعتقدون منذ زمن طويل أن علينا أننا لن نستطيع أن نجد طريقنا نحو الحرية ولا نحو التنمية الاقتصادية ولا نحو الوحدة الوطنية أو القومية من خلال التمسك بنماذج تفكير قديمة وبإشكالات أصبحت معيقة للفكر أكثر مما هي مساعدة له في حركته وتطوره. وكنت منذ عام 1977 قد سعيت إلى شق طريق آخر عندما كتب كتابي الأول بيان من أجل الديمقراطية من دون أن أكون قد عدلت في أفكاري اليسارية. فقد بدا لي بالفعل أن ما تدعو له الاشتراكية قبل أي شيء آخر ليس نمط تنظيم إقتصادي قائم على ملكية الدولة حتى لو أثبت هذا النمط جدارته ودفع إلى معدلات تنمية عالية، وهو لم يثبت ذلك في النهاية، وإنما هو مجموعة من القيم الإنسانية لا يمكن أن تتحقق من دون الحرية، أعني قيم االعدالة والمساواة. فالمساواة القانونية والأخلاقية لا يمكن أن تتحقق بين الأفراد إذا كان بعضهم حر وبعضهم الآخر فاقدا للحرية. وبالمثل إن ممارسة الحرية وتحقق المساواة أمام القانون وفي القانون مستحيلان من دون الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، أي من ضمان شروط حياة إنسانية للفرد بصرف النظر عن موقعه وقدراتها الانتاجية. وهذا هو الذي جعلني أكتشف قبل سقوط الاتحاد السوفييتي بعقود أن الاشتراكية القائمة على القهر السياسي والفكري ونظام الحزب الواحد ليست حلا لمشاكل المجتمعات العربية وأنه من دون بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية لن يمكن تحقيق أي هدف من الأهداف الانسانية التي نشأت من أجلها وفي ظلها النظريات الاشتراكية بما فيها النظرية الماركسية والشيوعية. وقد بينت في هذا الكتاب أن التهميش السياسي للأفراد والجماعات هو المدخل لاستعبادها وتحدثت فيه لأول مرة في ظاهرة الاستعمار الداخلي التي ستصبح إحدى المقاربات الرئيسية في النظرية الاجتماعية لما بعد الحرب الباردة.
وما قلته في السبعينات وسمح لي بالتحرر من النظرية الفاسدة للاشتراكية الواحدية أقوله الآن بخصوص النظرية الليبرالية التي تجعل من الرأسمالية كلمة السر والمفتاح السحري لجميع الخزائن الحضارية من تنمية اقتصادية وحرية سياسية وضمانات دستورية وقانونية. وكما أن الحديث عن الاشتراكية بشكل مجرد ومن دون رؤية الظروف والشروط التي تتحقق فيها، شروط احترام الفرد وحرياته الأساسية ووجود الضمانات القانونية والصيغ الدستورية التي تتيح للمجتمع ان يعيد النظر في سياساته وخياراته ويصححها عند اكتشاف الخطأ، لا يعني شيئا كذلك فإن الحديث عن الرأسمالية من دون النظر إلى شروط تحقيقها أو وجودها داخل مجتمع معين من شروط سياسية واقتصادية واجتماعية واستراتيجية أو جيواستراتيجية لا يعني شيئا كثيرا أيضا. فمن الممكن أن تقدم حلا كما من الممكن أن تكون نتائجها كارثية أكثر. فلا ينفصل اشتغال الرأسمالية عن طبيعة النظام السياسي القائم ولا عن العقلية والثقافة والأخلاقيات السائدة. ولن تكون النتيجة نفسها عندما تكون البلاد صغيرة وفقيرة كالصومال أو عظيمة وكثيفة الموارد البشرية والطبيعية كالصين. ولا عندما تكون مدعومة استراتيجيا من قبل دولة صناعية كبرى أو عندما تكون معزولة ومحاصرة. ولو كانت المسألة مسألة تطبيق الرأسمالية أو الاشتراكية والمفاضلة بينهما لكانت جميع الدول التي لم تطبق الاشتراكية في نصف القرن الماضي صارت بمستوى أوروبة وأمريكا وجميع الدول التي طبقت الاشتراكية صارت مثل الاتحاد السوفييتي أو روسيا الاتحادية التي تبقى دولة كبرى بالرغم من إخفاق تجربتها الشيوعية.
مسائل تنمية المجتمعات وتحريرها يحتاج إذن إلى أكثر من النقاش في المسائل الايديولوجية البحتة ويتطلب التقليل أيضا من قيمة النقاشات الايديولوجية نفسها عندما تكون منفصلة عن الحيثيات العينية. الآن هل سورية كما نعرفها اليوم وبما يميزها من تشكيلات اقتصادية واجتماعية وسياسية وتقانية وثقافية لديها فرص أكبر للتقدم في ظل نظام اقتصادي يعتمد السوق مما كان عليه الحال في الحقبة السابقة؟ نعم بالتاكيد. لكن الأمر يتوقف أيضا على قدرة طبقة رجال الأعمال على التكيف السريع مع السوق العالمية وضمان حد أدنى من التفاهم والاتساق لمكافحة الفساد والمحسوبية وروح الإثراء السريع والفاحش القائم على منطق السرقة واضرب واهرب الذي ساد وترسخ في العقود الماضية داخل القطاع الخاص والعام معا. ومن دون ذلك يمكن أن يكون التحرير الاقتصادي مأساة حقيقية للآغلبية الاجتماعية.
وقد ميزت خصيصا بين ما سميته اقتصاد السوق وبين الرأسمالية. فليس كل اقتصاد سوق هو رأسمالية وليس من الضرورة أن ينجم عن اقتصاد السوق رأسمالية بالمعنى الحقيقي للكلمة أي نمط انتاج ديناميكي يحركه البحث العقلاني عن الربح وتراكم رأس المال وربما بقي اقتصاد السوق اقتصادا تابعا ومعتمدا اعتمادا كبيرا على علاقات الزبائنية أو على منطق المكاسب الريعية ولا ينشيء أي رأسمالية فعلية.
هنا أيضا ينبغي التمييز بين اقتصاد السوق ولا قيمة له من الناحية يمكن المشترك والانسجام بما يمن يحتاج إلى تأمل وتعمق أكثر في مسائل تنمية الم حماية وجزءا من سوق واسعة د
وبالمثل ليست الرأسمالية والليبرالية شيء واحد. فمن الممكن أن تكو عن الاشتراكية من أن الاشتراكية التي نجحت في تحويل الصين إلى دولة كبرى فهي تخلط بين النظرية والوسحرية يمكن من خلالها من دون تدقيق بين التنمية الاقتصادية والسياسية وبين الرعما سيصبح نظرية كبرى في الاس كذا قلت إن الديمقراطية هي شرط التحويل ال ووظيفت الفعلية حرمان الفرد الاشتراكية لا تنسجم مع غياب الحريات الفردية على التقدمعتقد أن علينا أن نخرج من منطق المقابلة والمقارنة بين الاشتراكية والرأسمالية.

أعود فأقول إن الأمر يتعلق بما نعنيه بالليبرالية. هل نعني بها مجموعة السياسات الاقتصادية اليمينية التي تخضع شروط حياة المجتمع وأفراده لمنطق التراكم الرأسمالي أو منطق الربح أم نعني بها التوسع في الحريات الفردية وفي الضمانات القانونية لهذه الحريات. وحتى في المعنى الأول ليس من المؤكد أن التوسع في الحريات الاقتصادية، أي تحرير أرباب العمل من القيود القانونية على حساب الضمانات الاجتماعية والحريات السياسية يستطيع أن ينشيء نموذجا قادرا على البقاء في بلدان صغيرة مثل سورية تعاني من تأخر استثنائي في عناصر تراكم رأس المال على جميع المستويات كما تعاني من تأخر كبير في تقاليدها القانونية والاجتماعية. ومن الممكن أن لا تكون الرأسمالية التي تطمح الليبرالية إلى انعاشها في هذه الحالة أكثر من رأسمالية فجة قائمة على المضاربة وبعيدة كل البعد عن أن تستقل بنفسها عن تلاعبات السلطة السياسية. وليس النجاح الاقتصادي الذي عرفته بعض الدول الحديثة التصنيع مثل نمور آسيا راجع للسياسات الليبرالية فحسب ولكن إلى توفر شروط أخرى عديدة مثل أخلاقيات العمل ومستوى التأهيل العلمي وقبل هذا وذاك في نظري العلاقات الاستراتيجية الدولية. فمن الممكن لبلد أن يتبنى نظاما اقتصاديا ليبراليا من دون أن ينجم عن ذلك أي نمو جدي لرأسمالية نشيطة وتنافسية.

وليس هناك شك أن رؤيتي لمسألة الليبرالية والديمقراطية لا تنفصل عن التجربة الشخصية تعبير عن من الديمقراطية وروربما كان من حق وبالمقابل،والواقع أن هذه ربما من حق احتكار القيمة الرئيسية التي من فلسفة العدالة كان رد الفعل ايجابيا جدا لدى هؤلاء على المقال. فقد وجدوا فيه تبريرا الرد السلبي

خاص – صفحات سورية -

ممثّل سوري تعرّض لتهديد من عضو بمجلس الشعب

ممثّل سوري تعرّض لتهديد من عضو بمجلس الشعب

أمره بالتوجّه إلى الحدود لاستقبال الجيش مع "لمّة من الممثّلين"

بيان للرأي العام من الممثل باسم ياخور

مع مطلع العام الحالي نشب خلاف حاد بيني وبين رجل الأعمال وعضو مجلس الشعب السيد محمد حمشو، بسبب تدخله المباشر في تفاصيل فنية، لأحد الأعمال المنتجة من قبل شركته الفنية (سوريا الدولية)، والتي كنت مشاركاً في إعدادها وتمثيلها وهو (بقعة ضوء).

وكنت مؤخراً قد اعتذرت عن الاستمرار في العمل به، رغم اصرار الشركة المنتجة، مبرراً اعتذاري بالتدخل السافر للمنتج في وضع قيود رقابية تضاف لقيود الرقابة الرسمية، وبتوجيهه لبعض اللوحات بشكل يتفق مع مصالحه الشخصية، وقد أجريت بعض المقابلات مع الصحف العربية أشرح فيها ماجرى، وأسباب الاعتذار.

لكن التدخل لم يقف عند حد فني أو مهني، بل طالني شخصياً عندما أقدم السيد حمشو على الاتصال بي، موجهاً لي أمراً مباشراً بالتوجه مع (لمّة من الممثلين) حسب تعبيره، إلى الحدود السورية اللبنانية، لاستقبال الجيش، وعندما أجبته أنني لست بحاجة إلى إيعازات مباشرة للقيام بذلك، وبأنني استطيع رسم أفعالي ومواقفي بمفردي، كال لي ولأسرتي سيلاً من الشتائم المقذعة، والتي لا تناسب عضواً في مجلس الشعب ورجل أعمال معروف لبذاءتها وسوقيتها، فما كان مني إلاّ أن لجأت للصحافة لأعبر عن هذا الاقتحام السافر والمهين لشخصي، ونشرت لي لقاءات عانت الأمرين حتى خرجت للضوء، بعد التهديد والوعيد اللذين تعرض لهما من أجروا هذه اللقاءات من قبله.

ومؤخراً وبطريق الصدفة اتصل بي أحد الأشخاص بعد أن بحث باجتهاد عن رقم هاتفي، ليبلغني أنه شاهد وسمع أشخاصاً في أحد الأماكن يعرضون مبلغاً من المال على بعض المرتزقة، ليقوموا بالتعرض لي بالضرب والتشويه، وبأنه قد سمع في الحوار الدائر بينهم، ما يشير إلى وقوق السيد محمد حمشو خلف هذا الفعل، وبما أنني لست متأكداً كلياً من حقيقة هذا الأمر، لكنني أخشى أن يكون صحيحاً، ولذلك فإنني أحمل السيد محمد حمشو المسؤولية كاملة في حال تعرضي لأي اعتداء، وأبلغ الرأي العام بما جرى ويجري بيني وبينه في الفترة السابقة، كوني لا أستبعد قيامه بذلك.

دمشق في 12/7/2005

الممثل السوري باســم ياخور

خاص – صفحات سورية -

عترافات مشاهد سوري في ظل حكم التلفزيون الواحد!

وقائع تحقيق تلفزيوني: إعترافات مشاهد سوري في ظل حكم التلفزيون الواحد!

حكم البابا

القدس العربي


ـ أنت حاقد علي الاعلام والتلفزيون السوري؟
ـ هذه تهمة عامة، ولو كانت هناك مادة في القانون تجرّم الحقد علي التلفزيون، فيمكن أن يقع تحت طائلتها ثمانية عشر مليون سوري!!
ـ وما سبب هذا الحقد الأعمي؟
ـ إسألوا التلفزيون.. فأنا أظن أنه عند وقوع جريمة، عادة ما يحقق مع المجرم وليس مع الضحية!!
ـ أنت تتهم التلفزيون السوري بارتكاب جريمة إذاً، ما هي؟
ـ الشروع في تشويه الجنس البشري بمحاولة تحويل المشاهد السوري إلي منغولي، فكل برامج التلفزيون تعتمد في خطابها مع مشاهدها علي الآية القرآنية الكريمة (وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لايبصرون)!
ـ وهل نجح التلفزيون السوري في ذلك؟
ـ توصل حتي الآن إلي حد إعاقة مشاهديه وتحويلهم إلي قبيلة من قبائل الهنود الحمر التي تعيش خارج العصر!
ـ وما السبب في عدم نجاحه برأيك؟
ـ ظهور المحطات الفضائية التي فعلت بالمشاهد السوري ما تفعله أنت بجهاز موبايلك حين تضغط علي خيار استعادة ضبط المصنع فيه!
ـ هل أفهم من كلامك أن السوريين لم يعودوا يشاهدون تلفزيونهم بعد ظهور المحطات الفضائية؟
ـ لكل استعمالاته، فاختراع الطائرة لم يلغ استخدام الحمير كوسيلة نقل، فأنا مثلاً أستعمل التلفزيون السوري بدل (الفاليوم) في حالة الأرق، والبعض يستعلمونه للرد علي نكد زوجاتهم علي طريقة (وداوها بالتي كانت هي الداء)، وآخرون يستخدمونه كوسيلة عقاب وتخويف لأطفالهم، بدلاً من (أمنا الغولة) التي أصبحت أقل رعباً للأطفال بالمقارنة مع التلفزيون السوري!
ـ أنت سوداوي، فهل من المعقول أنه لا يوجد برنامج جيد في التلفزيون؟
ـ أنا لم أقل أنه لا يوجد.. فالتلفزيون السوري يقدم برنامجاً ناجحاً ومسلياً جداً، يبدأ من ما بعد نهاية البث، ويستمر إلي ما قبل بداية الارسال!
ـ وما بين بداية ونهاية إرساله ألا يقدم أية برامج جيدة؟
ـ ربما بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة، فبرامجه مكررة مثل الـ(جزا) الذي يفرض علي تلميذ مدرسة في دروس الاملاء، بإعادة كتابة جملة عشر مرات!
ـ هل تريد أن تقول بأن التلفزيون السوري غير مشاهد؟
ـ لا.. ولكنه مخصص للاستعمال لمرّة واحدة فقط، مثله مثل المناديل الورقية أو نكاشات الأسنان!
_ هل تقصد أن المشاهد لا يعود لمشاهدة برامج التلفزيون السوري مرة ثانية فيما لو شاهده أول مرّة؟
ـ بالضبط فهو بقوة لقاح الجدري، يؤخذ مرة واحدة لكن مفعوله يستمر إلي نهاية العمر!
ـ ما دام هذا رأيك فيه، فما هي الفائدة من وجوده إذاً؟ هل تقترح إلغاءه؟
ـ معاذ الله، هذه جريمة! هل تريد للمشاهد السوري أن يعيش بدون انتصارات!
ـ إذاً هل يمكن تطويره؟
ـ أتمني ولكن ذلك مرهون بإثبات نظرية داروين في النشوء والارتقاء، وبأن القرد تطور إلي إنسان، وحتي تثبت صحة هذه النظرية، يمكن معاملته معاملة علب التبغ بوضع تحذير طبي علي برامجه، تحذّر من مخاطرها للحد من تعاطيها!
ـ متي شاهدت التلفزيون السوري آخر مرّة؟
ـ لا أذكر، لأنني في كل مرة أشاهده فيها يظهر لي علي الشاشة فتي التلفزيون الأول نضال زغبور وهو يتحدث عن اللحظة الحرجة التي تمر بها أمتنا العربية، والهجمة الشرسة التي يتعرض لها شعبنا، ووحدة المسارين، والمنظومة الاشتراكية وعلي رأسها الاتحاد السوفييتي الصديق، والعدو الصهيوني الغاصب، فتتداخل التواريخ في ذهني وأشعر أنني في حصة التربية القومية الاشتراكية في مدرستي الثانوية!
ـ هذا يعني أن التلفزيون السوري يعلّم التربية القومية الاشتراكية؟
ـ ومن قال غير ذلك! لكنه يعلمها بنفس الطريقة التي تقرب فيها من فم طفلك الصغير ملعقة دواء السعال!
ـ لاتنكر أن هناك تطوراً حدث في التلفزيون، فالأخبار صارت أكثر شفافية!
ـ بالنسبة لي كمشاهد فإن مبدأ الشفافية في أخبار التلفزيون لم يطبق إلاّ علي أزياء المذيعات!
ـ كيف والتلفزيون نقل علي الهواء مباشرة ندوات الدكتورة بثينة شعبان الصحفية في مؤتمر البعث الأخير؟
ـ عن جد! أشكرك لأنك صححت لي معلومة خاطئة في ذهني، فقد كنت حتي هذه اللحظة أظن أن ما شاهدته فقرة من فترة البرامج التعليمية المخصصة للطلاب!
ـ ونقل أخباراً عن العمليات الارهابية داخل سورية؟
ـ بالله عليك!! طيب لماذا كان لدي إحساس بأن ما شاهدته عرضاً لمجموعة ألعاب (بلاي ستيشن) نزلت حديثاً إلي الأسواق!
ـ وأصدر تصريحات حول أزمة الشاحنات علي الحدود مع لبنان؟
ـ أنت تمزح بالتأكيد، فقد ظننت أني أشاهد برنامجاً عن الأمثال الشعبية، يقدم فيه تدريب عملي علي (الاختفاء خلف الاصبع)!
ـ ما دام لا يعجبك العجب، ماهي الحلول المتاحة برأيك لمشكلة التلفزيون السوري؟
ـ هناك عدة حلول، لكن حسب ما تقوله الاعلانات التلفزيونية فإن (البيف باف) هو الأسرع!
ـ ألم أقل لك أنك موتور وحاقد، هل يوجد كثيرون لهم نفس آرائك؟
ـ كل الذين عاشوا حياتهم وقضوا ثلاثة أرباع أعمارهم في ظل حكم التلفزيون الواحد لديهم مثل هذا الرأي!
ـ وما الذي فعله بكم هذا التلفزيون الواحد ليصل حقدكم إلي هذه الدرجة؟
ـ فعل الكثير، فلطالما أشعر مشاهده السوري بأنه يعيش مكسور الخاطر مثل اليتيم الذي يسكن عند خالته زوجة أبيه، يحكمه شعور مذل بأنه شخص زائد عن الحاجة، كل ما يقدم له منّة، فعيشته مكرمة، ولقمته عطاء، وغفوته فضل، وعمل في كل برامجه وأغانيه وأخباره علي تغذية عقدة النقص والشعور بالذنب لديه، وتذكيره كل يوم بأن حقوقه أقل من حقوق لقيط عثر عليه فجراً في حاوية قمامة، ولاتزيد عن الحمد والشكر والطاعة، وللانصاف لم يترك التلفزيون السوري فرصةً يستطيع تمنين مواطنه بها إلاّ واغتنمها، فإن تم تزفيت شارع، أو نزلت إلي الأسواق علبة مناديل ورقية بعد طول انقطاع، أو سمح باستيراد قرط من الموز، أو أوقف نشّال يظهر المذيع علي الشاشة بسلاح الميدان التلفزيوني الكامل، ليقول بانتصار من يقرأ البيان رقم واحد، لمشاهده المغلوب علي أمره ما مختصره: شوف، ما الذي كان سيحل بك لولانا!!
صورة طبق الأصل

ہ كاتب من سورية

عمال تخريب تطال 24 محلا وإصابة عدد من المواطنين بجراح في بلدة القدموس

أعمال تخريب تطال 24 محلا وإصابة عدد من المواطنين بجراح في بلدة القدموس

الرأي- القدموس

بدأ التوتر في المدينة مساء الثلاثاء 12 / 7 / 2005 ، على خلفية نزاع عائلي بين أسرة قدموسية وأخرى من إحدى القرى المجاورة ، تفجر قبل فترة ، وعاد اليوم من جديد على شكل صراع طائفي بغيض ينذر بالخطر و يهدد الوحدة الوطنية .

هبط المسلحون من أزلام السلطة بسياراتهم عند منتصف الليل من القرى المحيطة بالمدينة ، وبدأوا يتجولون في الشوارع بعملية استفزاز واضحة ، يطلقون النار ويخربون . انتحى مدير المنطقة والشرطة والقوى الأمنية المحلية جانباً . وعندما وصل المحافظ وقائد الشرطة إلى المدينة ، كانت الحرائق قد التهمت / 24 / محلاً تجارياً، قدرت الخسائر فيها بعشرات الملايين . وطالت أعمال الاعتداء والتخريب أيضاً عدداً من البيوت والعديد من المواطنين ، حيث أصيب ثلاثة أشخاص نتيجة إطلاق الرصاص ، جراح أحدهم خطيرة .

وعند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، وصل الخبر إلى رئاسة الجمهورية ، فأرسلت قوات الأمن وسرايا حفظ النظام ، وانتشرت في المدينة ، وعلى مفارق الطرق المؤدية إليها . وتقوم بدوريات مؤللة ومسلحة في شوارعها وعلى أطرافها . وحتى الآن لا يبدو ما يشير إلى ضبط الفاعلين والمحرضين ومعاقبتهم .

غادر صباح اليوم الأربعاء 13 / 7 / 2005 وفد من ثلاثة عشر شخصاً من أهالي القدموس إلى دمشق لمقابلة رئيس الجمهورية ، وشرح حقيقة الموقف ، وتبيان خطورة الأوضاع التي تهدد بانفجار أوسع .

الوضع خطير في المدينة و التوتر على أشده بينها وبين محيطها ، ومسؤولية السلطة كبيرة بهذا الشأن ، لأنها لا تفعل ما يجب لنزع فتيل التوترات المتكررة والتي تظهر في هذه المنطقة أو تلك ، بين حين وآخر . ولا تتخذ موقفاً حاسماً – من خلال القانون – ضد الذين يستقوون بها ، ويستغلون نفوذهم في أجهزتها للاعتداء على الناس وإلحاق الأذى بالوحدة الوطنية ، ووضع البلاد على حافة الخطر .

"الرأي / خاص"

أعمال عنف في محافظة طرطوس

جرحى وإحراق 24 متجراً
أعمال عنف في محافظة طرطوس

دمشق "النهار":

شهدت مدينة القدموس التابعة لمحافظة طرطوس على الساحل السوري اعمال عنف أدت الى جرح ثلاثة اشخاص واحراق عشرات المتاجر. ووصف شاهد عيان من ابناء المنطقة ما جرى بانه حوادث "عائلية تطورت الى طائفية"، فيما افادت الوكالة العربية السورية للانباء "سانا" ان شجاراً حصل "في مدينة القدموس التابعة لمحافظة طرطوس بين بعض الافراد، تطور الى شجار بين عائلات وحوادث شغب استمرت حتى ساعة متأخرة من الليلة الماضية. وقد استدعى ذلك تدخل قوى الامن الداخلي التي اوقفت مسببي الشغب بغية احالتهم على القضاء المختص".

وقال شاهد من المنطقة في اتصال هاتفي اجرته معه "النهار" ان "المشكلة بدأت مساء الثلثاء بسبب خلافات عائلية قديمة بين اسرة من مدينة القدموس واخرى من قرية مجاورة حصلت منذ اكثر من شهرين، لكنها عادت وتصاعدت اليوم". واضاف: "المشكلة الاساسية حصلت منذ اشهر بعد الاحداث التي جرت في منطقة مصياف في محافظة حماة قبل اكثر من شهرين، ووقتها وصلت تأثيراتها الى منطقة القدموس، حيث اقدم بعض الشباب من ابناء احدى الطوائف على تصوير فتاة كانت ترتدي ثوبا مثيراً يظهر ظهرها من خلاله، وقد رآهم احد الشباب من ابناء طائفة اخرى، فكسر جهاز الهاتف المحمول وتطور الامر ليأخذ منحى طائفياً، اذ حمل البعض السكاكين وتشاجروا، الامر الذي استدعى تدخل مدير الناحية لحل المشكلة".وافاد موقع "الرأي" الالكتروني، الذي يشرف عليه حزب الشعب الديموقراطي المعارض (الشيوعي سابقاً - جناح المكتب السياسي) ان التوتر بدأ "على خلفية نزاع عائلي بين اسرة قدموسية واخرى من احدى القرى المجاورة، تفجر قبل فترة، وعاد اليوم من جديد على شكل صراع طائفي بغيض ينذر بالخطر ويهدد الوحدة الوطنية". وقال: "هبط المسلحون من ازلام السلطة بسياراتهم منتصف الليل (الثلثاء) من القرى المحيطة بالمدينة، وبدأوا يتجولون في الشوارع بعملية استفزاز واضحة، يطلقون النار ويخربون". وانتقد ما سماه انتحاء" مدير المنطقة والشرطة والقوى الامنية المحلية جانبا، الامر الذي ادى الى حرائق وطالت العشرات من المتاجر. وحين وصل المحافظ وقائد الشرطة الى المدينة، "كانت الحرائق قد التهمت 24 محلا تجاريا، قدرت الخسائر فيها بعشرات الملايين. وطاولت اعمال الاعتداء والتخريب ايضا عددا من البيوت والعديد من المواطنين، اذ اصيب ثلاثة اشخاص نتيجة اطلاق الرصاص، جروح احدهم بالغة".

واوضح الموقع انه "عند الساعة الاولى بعد منتصف الليل (الثلثاء)، وصل الخبر الى رئاسة الجمهورية، فأرسلت قوى الامن وسرايا حفظ النظام وانتشرت في المدينة وعلى مفارق الطرق المؤدية اليها وقامت بدوريات مؤللة ومسلحة في شوارعها وعلى اطرافها. وحتى الان لا يبدو ما يشير الى ضبط الفاعلين والمحرضين ومعاقبتهم".

واشار الى ان وفدا من 13 شخصا من اهالي القدموس توجه صباح الاربعاء الى دمشق لمقابلة رئيس الجمهورية وشرح حقيقة الموقف وتبيان خطورة الاوضاع التي تهدد بانفجار اوسع". وكانت حوادث مشابهة حصلت في مدينة مصياف قبل اكثر من شهرين بدأت بخلافات عائلية بين مواطنين من ابناء الطائفتين المسلمتين العلوية والاسماعيلية ادت الى مواجهات عنفية استدعت من قوى الامن التدخل على عجل، وقام وزير الداخلية غازي كنعان ومسؤولون آخرون بزيارة المنطقة وعملوا على معالجة التوتر.

هل ينجح الإصلاح السوري على الطريقة الصينية؟

هل ينجح الإصلاح السوري على الطريقة الصينية؟

رضوان جودت زيادة

السفير

لا يمكن اعتبار المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الذي عقد في الشهر الماضي مؤتمراً بعثياً داخلياً، وإن كان كذلك في ضوء مقرراته وتوصياته، فالبعث في سوريا رهَنَ مصيره بمصير الدولة والمجتمع بحسب المادة الثامنة من الدستور السوري، لذلك تبدو قراراته أشبه بالمؤشرات المستقبلية التي تحدّد مصير سوريا.
كان البعث قد راهن عقب مؤتمره التاسع على إنجاز إصلاح اقتصادي من دون إصلاح سياسي، وتجلّى ذلك في عدد من الخطوات مثل السماح للمصارف الخاصة ودراسة سوق الأوراق المالية وغيرها، متأمّلين في ذلك تكرار السيناريو الصيني في الإصلاح. لكن يصعب إنجاز الإصلاح الاقتصادي في سوريا من دون تحقيق حد أدنى من الانفراج السياسي يساعد في خلق بيئة مناسبة للاستثمار، بحكم صغر الدورة الإنتاجية مقارنة بالصين، ويشترط ذلك وجود قضاء مستقل ونزيه وبنية تحتية نموذجية جاذبة، وهما لن يتحققا من دون قرار سياسي، أما الإقلاع في الانفتاح الاقتصادي فأمامه عقبات اجتماعية وتعليمية حقيقية تتجلّى في نسبة النمو السكاني المرتفعة 3,2 التي تُعتبر الأعلى في العالم (انخفضت في السنوات الأخيرة إلى 2,3)، وبالوقت نفسه نظام تعليمي متقادم وبعيد تماماً عن لغة العصر ومتطلباته، وكان لعدم متابعة الرئيس الراحل حافظ الأسد لمثل هذه الاستحقاقات إلى حين انتهائه من ملف السلام أن تتعقد لتصبح بعد عقدٍ من الزمان أشبه بالملفات المستعصية أو المستحيلة الحل.
فضلاً عن ذلك وإذا فتحنا قوسين اعتراضيين للحديث عن طبيعة الإصلاح الاقتصادي الذي جرى في الصين لوجدنا أنه ترافق مع ثورة في الإدارة، إذ تحتوي الصين اليوم أكبر عدد من التكنوقراطيين في المناصب في العالم، كما أنه بلد المدراء المفرِطين في الدقة كما وصفته مجلة نيوزويك، إذ إن معظم أعضاء المكتب السياسي يحملون شهادات تقنية من جامعات مرموقة مثل معهد بكين للبترول ومعهد هاربن للهندسة العسكرية، كما أن كل أعضاء اللجنة الدائمة التسعة في المكتب السياسي مختصون بالهندسة، أما الرئيس هو جينتاو فهو من خريجي جامعة تسينغهوا في بكين، وعمل على خطة إنشاء سد الممرات الثلاثة، وهو أكبر مشروع بناء في العالم.
فإذ سحبنا ذلك على أعضاء القيادة القطرية الجديدة في حزب البعث لوجدنا أربعة منهم فقط حاصلين على شهادات عليا (دكتوراه)، إن ذلك يُعطينا فكرة عن حجم الأفكار الإصلاحية التي تضخّ من قبل قيادة حزب البعث.
فإذا عدنا إلى الملف السياسي الذي على ما يبدو أن هناك توجهاً لتحريكه عبر التوصية بإصدار قانون للأحزاب، فإن سقف التغيير فيه تمثّل في إدخال الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى الجبهة الوطنية التقدمية، والتي يتندّر الشارع السوري بأعداد كوادرها (يذكر آلان جورج في كتابه (
Syria :Neither Bread nor Freedom ) أرقاماً عن عدد أعضاء أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، فيذكر أن عدد أعضاء الحزب الشيوعي جناح وصال فرحة بكداش يبلغ تقريباً 12 ألف عضو، أما الحزب الشيوعي جناح يوسف فيصل فيتراوح بين 8 و10 آلاف عضو، وحركة الوحدويين الاشتراكيين من 5 إلى 10 آلاف عضو أيضاً، أما الحزب الوحدوي الاشتراكي الديموقراطي (أحمد الأسعد) فألف عضو، وحركة الاشتراكيين العرب (مصطفى حمدون) من ألف إلى ألفي عضو. وتبدو هذه الأرقام على هزالتها مبالغٌ بها جداً. وهذه الأحزاب منذ دخولها إلى الجبهة لم تستطع أن تحصل على رخصةٍ لفتح مقارٍ أو مكاتب لها في المحافظات أو على الأقل الحق بإصدار صحف أو نشرات علنية خاصة بها، وبقي مطلبها الصغير هذا معلّقاً إلى حين قدوم بشار الأسد الذي استجاب لهذا الطلب واعتبر حينها إنجازاً تاريخياً على صعيد العمل السياسي الحزبي وحرية الرأي والتعبير في سوريا.
أما ملف المعتقلين السياسيين وقضايا حقوق الإنسان التي أصبحت مطلباً شعبياً وجماعياً يتطلّب حلّه فقد جرى التعامل معه بزاويةٍ أمنية بحتة وأصبح الوضع مأساوياً تماماً مع إزمان هذا الملف وتحوّله إلى أشبه بالكارثة الوطنية التي يتم تغافلها وتجاهلها، وأعطت صورة سلبية تماماً لسورية شبيهة بالدول البوليسية ذات القدرة التسلطية الفائقة، والتي غالباً ما كانت تتعزز عبر حملات الاعتقال الجماعي والعشوائي التي لم تتوقف أبداً.
أما الملف الاقتصادي الذي تمّ استحداث مصطلح جديد فيه يتحدث عن اقتصاد السوق الاجتماعي فينوء أولاً تحت حمل القطاع العام الذي يوظف قرابة ربع قوة العمل الكلية، وتعاني شركاته باستمرار من خسائر سنوية بليونية تتحمّلها الدولة أتوماتيكياً، ورغم إصرار الدولة على الحفاظ عليه لأن خصخصته ستولّد كوارث اجتماعية، فإن هذا القطاع ذاته غير قادر على استيعاب نسبة البطالة المتنامية، والتي تقدّر حسب إحصاءات تقريبية بين الشباب في الفئة العمرية من 15 إلى 30 سنة ب 25 بالمئة على الأقل.
يُضاف إلى ذلك الركود الاقتصادي منذ النصف الثاني من التسعينيات، والذي ترافق مع تدهور حادّ في مستوى المعيشة وازدياد الفقر وانخفاض القدرة الشرائية لدى المواطن.
ورغم هذه المؤشرات الواضحة لكنها لم تجد أذناً صاغية في اتخاذ إجراءات عاجلة، إذ بقي اعتماد سورية الأساسي على دخل النفط، إذ يشكل 60 70% من الصادرات السورية إضافة إلى 40 50% من عائدات الدولة، بالرغم من أنه لم يعد مصدراً آمناً للدخل لنضوب الاحتياطي النفطي السوري حسب التقديرات الدولية في عام 2010.
أما نوعية التعليم، فقد حققت نمواً بسيطاً، إذ أصبحت تفوق 60% عند الرجال و50% عند النساء، إلا أن هذه النسبة هي أقل بكثير من النسب التي حققتها دول الجوار كالأردن مثلاً. أما على صعيد الحراك الاجتماعي وتشكيل الجمعيات المدنية والأهلية، ففي سنة 2005 كان مجموع الجمعيات القانونية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتعليمية والدينية والخيرية لا يتجاوز 625 جمعية في القطر كله، في حين يبلغ عدد الجمعيات في المغرب 45 ألف جمعية وفي مصر 17500 جمعية.
هذه باختصار شديد بعض المؤشرات العامة الدالّة على طبيعة الأزمة السياسية والاقتصادية المستحكمة في سوريا والتي يطلب من حزب البعث أخذها بعين الاعتبار، وهو ما يكشف استحالة القيام بأية إصلاحات جدية أو حقيقية بالنظر إلى نوعية التوازنات السياسية والطبقية والمصلحية التي تقوم عليها النخب العسكرية والأمنية والسياسية ذات المصالح. إن الإصلاح الجديد الذي سيجري تسويقه عليه أولاً أن يستجيب لشروطها، كما أن عليه أن يتكيّف مع التوازنات القائمة. وهو ما يدفعنا حقيقة إلى التساؤل بجدية عن نوعية الإصلاح الموعود وهل هو حقيقي؟ أم أنه لا يعدو سوى أن يكون واجهة لاستراتيجية الحفاظ على النظام عبر الإصلاح على حد تعبير فولكر برتس.
(
) كاتب سوري

هل هي بوادر حرب أهلية في سورية؟

هل هي بوادر حرب أهلية في سورية؟

طارق حمو

ايلاف

للصحافي الأميركي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط توماس فريدمان قول مأثور هو: "إنّ كل دولة عربية هي في الحقيقة مشروع حرب أهلية". وبعيداً عن "النوايا المبطنة" التي قد يقال إنها وراء مثل هذا التحليل، والذي ينطلق من صحافي أميركي عالم بدقائق وأعماق المجتمعات العربية ـ وربما أكثر بكثير من بعض أقرانه العرب ـ فإن التحليل يحملٌ بين جنباته الشيء الكثير من الصحة. فالدولة العربية التسلطية بمعظم تشكيلاتها التحالفية: العسكرية والإقتصادية وكذلك الطائفية/العشائرية، نجحت وبشكل تام، في خلق جو شمولي ملبد، عمدت فيه إلى إقصاء فئات عريضة من شعوبها عن العملية السياسية والمشاركة في حكم وتسيير البلاد،تحت ذرائع ودوافع مختلفة غلفتها غالباً بالشعارت القومية و تنظيرات المصلحة و"الوحدة الوطنية" تلك. ونجحت هذه الأنظمة كذلك،في توريط العديد من نخب وأبناء شرائح وطنية كبيرة في تطبيق سياساتها هذه لتفرز بالتالي طبقة برجوازية/مصالحّية ضيقة لم تتوانى هي الأخرى في تثبيت نظرية "الأقصاء الوطنية" بحق أبناء الشرائح الأخرى، المغايرة في التفكير والتوجه، والعمل على "شرعنة" هذه النظرية والتأكيد عليها دائماً.
ولعلّ هذا ماحصلّ بالضبط في سورية: فثمّة حالة إقصاء وضعتها الدولة الأمنية الشمولية وأكدّت عليها بعض النخب الإجتماعية والعشائرية المرتبطة بها والدائرة في فلكها. ومن هنا يأتي الحديث عن خطورة حزمة البيانات التي صدرّت عن بعض العشائر العربية في منطقة الجزيرة السورية. والتي يقرأ المرء بين طياتها دعوة للتصعيد والتوتر وإستعداداً ما للمنازلة والمواجهة، وهي حالة جد خطيرة خلقتها السلطة القمعية، وروجت لها عبر مناهج وخطط التعليم والتربية ونشر ثقافة التخوين والمؤامرة بين قطاعات الشعب السوري. فهذه البيانات الصادرة عن بعض العشائر العربية الأصلية في منطقة الجزيرة والداخلة في حالات قرابة وصداقة وحسن جيرة مع الشعب الكردي تبدو خطوة جديدة في ميدان التدخل الأهلي الشعبي(وفي أكثر اشكاله بدائية: العشيرة!) في الصراع من أجل الديمقراطية والمجتمع المدني الشفاف،البعيد عن سطوة وسلطة المخابرات، كما يجب أن تكون عليه الحال.
البيانات المشار إليها، تعيد المشكلة الديمقراطية في البلاد،وبجزئيتها الكردية بشكل خاص،إلى المربع الأول الأكثر خطورة،إذ تٌلغي الدولة ومؤسساتها الوطنية،بعدّ أن ألغت الأخيرة جميع أشكال مؤسسات المجتمع المدني ووسائل التعبير الحر المستقلة. ليغدو الحوار بين مجموعات عشائرية تتبارز في نيل رضا الدولة (الأمنية التفكير والتسيير بإمتياز: كما يجب أن يقال دائماً) وفي هذا الجو المشحون،مٌستخدمة بعض العبارات البعثية، ومؤكدة على "ثواليث" تؤكد بدورها على (الوطن،القائد، العلّم)، بدون ذكر كلمة واحدة عن الحقوق والديمقراطية وضرورة الإنفتاح على الشعب، والنتيجة الكارثية التي تنتظر البلاد والعباد إذما إستمرّ الإحتقان الشعبي على صورته الحالية.
حزب البعث العربي الإشتراكي السوري،الذيّ صدعّ رؤوس أبناء الشعب عبر حقب طويلة من ثقافة الدوجما الأحادية بشعارات الوحدة والتحرير،وحشّا أدمغتنا حشواً، ونحن لم نكن نفك الخط بعد،عن الأجزاء المغتصبة في الصومال وأريتريا، ووجوب النضال من أجل تحريرها. يعود ليستخدم طريقته البدائية(والمأخوذة فوتوكوبياً من البعث العراقي) في شحن وتأليب العشائر وإستنهاض غرائزها، والإعتماد عليها قناة للتواصل و"الحوار" مع أبناء الشعب. فاللعبة هي حكومية في الدرجة الأولى،وبشكل أكثر صراحة، هي لعبة الأجهزة الأمنية العاملة الآن وبشكل يٌسابق الزمن "لضبضبة" الأوضاع في مناطق الجزيرة وإطفاء المشاعر الكردية اللاهبة في مدن وقرى المناطق الكردية السورية، وذلكّ بعدّ مرور شهور شهدت إنبعاثاً كردياً فاجأ السلطة كما فاجأ السوريين أيضاً. فلابد إذن من العودة ـ وبشتى الطرق والوسائل ـ بالمارد الكردي إلى القمم السوري الساكن والراكد تماماً منذ أربعة عقود!.
العملية الديمقراطية في البلاد تحتاج لتعاون وتعاضد كل قوى المجتمع السوري،بما فيها حتماً أبناء العشائر العربية والكردية في المنطقة: والذين ينضوون في أحزاب وطنية ومنظمات اهلية(غير مرخصة طبعاً) تناضل من أجل نيل حقوق المواطنين وإنهاء حالات الفساد والمحسوبية والهدر والفقر والعسف السياسي وضيعان الحقوق التي يعيشونها منذ سطو البعث على الحكم في سورية. لايمكن بأي حال من الأحوال جر الإستقرار على الحالة الكردية في سورية بدون حل المشاكل التي يعاني منها الأكراد.فهناك مشاكل حقيقية مالم يتم حلها فوراً ستؤدي إلى بروز قلاقل أكثر خطورة مما كان في المستقبل،ومعّ سياسة الأجهزة الأمنية والتصعيد الداخلي والأقليمي من قبل النظام الذي يستهدف الشعب الكردي،تلوح في الأفق ملامح إضطراب لفترة قادمة قد تؤدي إلى إنفجار وصدام أهلي مدمر لم يشهد التاريخ السوري من قبل، ولم تعرفه العلاقات العربية ـ الكردية طيلة مئات السنين من التداخل والتجاور بين الشعبين.
الحالة الديمقراطية في البلاد لاتتجزأ،والأفضل لكل الأطراف الإتفاق على خطوط وطنية عريضة يتمٌ فيها رسم الحلول المناسبة لقضايا الحريات والمشاركة في السلطة ورفع الظلم عن كاهل مجمل الشعب السوري وفي مقدمتهم الأكراد،الذين تعرضوا لظلم كبير منذ صعود حزب البعث،مما أفرز بالمقابل بعض ردود الفعل هنا وهناك،والتي لاينبغي أبداً،وبأي حال من الأحول،البناء عليها بردود فعل مضادة وحالات تصعيد خطرة لايعلم سوى الله نتائجها وأبعادها...

تفجيرات لندن: المخارج

تفجيرات لندن: المخارج

عبد الباري عطوان

القدس العربي


السؤال الذي يتردد حاليا في مختلف الاوساط الامنية والسياسية في اوروبا هو حول كيفية مواجهة التفجيرات الانتحارية التي بدأت في مدريد ووصلت الي لندن وقد تمتد الي روما او اي عاصمة اوروبية اخري.
فاقدام مجموعة من المسلمين البريطانيين علي حمل حقائب مليئة بالمتفجرات وتفجيرها في عربات قطار، وحافلة، امر يصعب علي العقل الغربي تصديقه، ناهيك عن فهمه او تفهمه.
كلمات الادانة، والشجب لا تكفي، سواء جاءت من قادة الجالية الاسلامية او أئمة المساجد، لان الذين يقدمون علي مثل هذه التفجيرات لا يستمعون الي هؤلاء، ولا يأخذون برأيهم، بل ولا يذهبون الي المساجد التي يصلون فيها.
العنف والارهاب لا يأتيان من فراغ، والحلول الامنية والعسكرية وحدها لم توقفهما مطلقا، ولا بد من الاعتراف بان هناك مظالم تقع حاليا علي العرب والمسلمين، عنوانها الاذلال لا بد من التوقف عندها، ومعالجة جذورها، كطريق اساسي للتقليل من هذه الظاهرة، من خلال محاصرتها، تمهيدا للقضاء عليها.
الانتحاريون الذين فجروا انفسهم في قطارات لندن وقتلوا واصابوا المئات من الابرياء يشكلون اقلية الاقلية، ولكن المرء لا يحتاج الي جيوش جرارة لاحداث هذا القدر من الدمار والخسائر المادية والبشرية وانما الي حفنة قليلة من المحبطين والغاضبين، وهذا ما حدث في لندن وقبلها في مدريد.
توني بلير رئيس الوزراء البريطاني حاول جاهدا في جلسة الاستماع في البرلمان البريطاني ان ينفي اي علاقة بين هذه التفجيرات وما يجري حاليا في العراق، ولكن كل الوقائع علي الارض تؤكد وجود مثل هذه العلاقة، مثلما تؤكد ان من نفذوا هذه التفجيرات ارادوا الانتقام بطريقة دموية لاولئك الذين قتلوا ويقتلون في العراق من الابرياء بسبب الاحتلال الامريكي او نتيجة له.
لنبتعد عن العواطف، والكليشيهات الكلامية المتبعة في ثقافة المجاملات، ونقول بكل صراحة ان التفجيرات لم تستهدف دولا مثل السويد وفنلندا وجنوب افريقـــيا وسويسرا، وانما استهدفت دولا كانت حكوماتها الاكثر حماسة للمشاركة في العدوان علي العراق، سواء بارسال قوات او بالدفاع عنه في المحافل الدولية مثل الامم المتحدة.
علينا ان نعترف، وبالفم الملآن، بان الحرب علي الارهاب التي اعلنها الرئيس بوش بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) فشلت في تحقيق اهدافها، لانه جري توسيعها بطريقة متهورة وقصيرة النظر واستعلائية، مما وفر لتنظيم القاعدة فرصة ذهبية لاعادة تنظيم صفوفه وتجميع قواته، بحيث اصبح اقوي مما كان عليه قبل خمس سنوات واكثر خطورة.
خطورة هذا التنظيم تنبع من كونه لم يعد بناء هرميا له قمة وله قاعدة، وانما ايديولوجية وتنظيما افقيا متشرذما في عدد من الخلايا النائمة والفروع المنتشرة في اكثر من خمسين بلدا في مختلف انحاء العالم.
ولهذا يجب اعادة النظر في هذه الحرب علي الارهاب، مثلما يجب اعادة النظر في نظرية الضربات الاستباقية، التي ابدعتها عقلية المحافظين الجدد الحاقدة المريضة، فالرئيس بوش قال انه يحارب الارهاب في ارضه حتي لا يأتي الي امريكا والغرب، وها هي تفجيرات لندن ومدريد تثبت سذاجة هذه النظرية وقصر نظرها، فالارهاب وصل الي قلب اوروبا، ومن داخل اوروبا، ولم يأت من تورا بورا او قندهار او العراق.
الشكاوي العربية والاسلامية من المظالم الامريكية مشروعة ويجب الاستماع اليها بعقلية متفتحة لانه هذا هو المخرج الاسلم والاسرع من حال العنف والارهاب التي تجتاح العالم حاليا، وتهدد بخلق حالة من الفوضي الدموية والدمار الاقتصادي.
الرئيس بوش وحليفه توني بلير وعدا بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة مع نهاية العام الحالي، ولا نري اي مؤشر علي ان هذا الوعد سيتحقق مع نهاية هذا العام او مع نهاية فترة رئاسة بوش الثانية.
الرئيس بوش وحليفه توني بلير وعدا باحلال الديمقراطية في المنطقة العربية، واعترفت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية بخطأ دعم انظمة دكتاتورية علي حساب الديمقراطية، طمعا في الاستقرار، ولكن الديمقراطية التي تريدها واشنطن هي تلك التي تدعم الاحتلال الامريكي في العراق والهيمنة الاسرائيلية في فلسطين والمنطقة بأسرها!
الحكومة البريطانية، وبعد ان وصلت التفجيرات الي مقرها في لندن واسواقها المالية، ادركت ان الحلول العسكرية وحدها لن تحل مشكلة الارهاب الايرلندي ولن تضع حدا له، وباشرت في المفاوضات مع الجيش الجمهوري الايرلندي للتوصل الي تسوية سياسية، ونجحت فعلا في تحييد هذا الخطر، ووقف مسلسل هدر الدماء في ايرلندا الشمالية.
توني بلير اقترب من العصب الحساس الذي يؤدي الي توسيع دائرة العنف والارهاب القادمين من العالم الاسلامي، عندما اعترف بضرورة التعامل مع الجذور السياسية التي تغذي هذه الظاهرة، ومعالجتها بطريقة فعالة، والمأمول الان ان يترجم هذه الاقوال الي اعمال جدية علي الارض، وان يبدأ بأخطر قضيتين في هــذا الاطار وهما العراق وفلسطين.
اصدار قوانين جديدة اضافية تخنق الحريات المدنية، وتقلص حجم مساحة حرية التعبير، لن يؤدي الي القضاء علي ظاهرة الارهاب، بل سيؤدي الي تفاقمها، فالدول الغربية التي اقدمت علي هذه الخطوات خسرت قيمها الليبرالية دون ان تقضي علي الارهاب، والامثلة عديدة لا مجال لحصرها هنا.
انها المرة الاولي التي تتعرض فيها بريطانيا لهجوم دموي يقف خلفه مسلمون متطرفون، ولا بد من التذكير بان لندن كانت مسرحا لهجمات الجيش الجمهوري الايرلندي لسنوات ولم يطالب احد الجالية الايرلندية بالاعتذار او يوجه لها اي لوم، او يقول انه ارهاب مسيحي او كاثوليكي.
ولهذا نشعر بالمرارة من عمليات التحريض الحالية التي تمارس ضد المسلمين ليس من البريطانيين واعلامهم المتزن، وحكومتهم المسؤولة وانما من سياسيين واعلاميين امريكيين واوروبيين، عندما يقولون ان العاصمة البريطانية تحولت الي لندن ستان واصبحت مركزا للارهاب الاسلامي!؟

أخيراً هل يرفع السوريون المناديل البيضاء؟

2005-07-13

أخيراً هل يرفع السوريون المناديل البيضاء؟


الاتحاد الإماراتية


ألفاظ زجاجية على الورق• هل هذا ما يفعله حقاً منظرو إدارة الرئيس جورج دبليو بوش الذين ينتقدهم هنري كيسنجر في مقاربتهم، أو في صراخهم الايديولوجي، حيال ما يدعى الشرق الأوسط الكبير، سائلاً عن ردة فعل الأميركيين إذا ما دعوا إلى تهديم تمثال الحرية وإقامة تمثال للشيطان مكانه•
ثمة مستنقع عراقي شاسع• الغد يأتي بمفاجآت كبيرة، فيما العلاقات بين واشنطن ودمشق لا تزال على حالها من التدهور (إلى أين؟)• سفير أوروبي في بيروت يقول إنه لابد أن يستسلم السوريون• كيف وما هو الثمن؟ بقاء النظام••
على كل، هذه قد تكون محاولة لانتزاع الابتسامة الأميركية، أي التعيين المحتمل لــ وليد المعلم وزيراً للخارجية محل فاروق الشرع• ابتسامة أم مناديل بيضاء بعدما قرر المؤتمر القطري لحزب البعث تنفيذ سياسة التقشف الجيوبوليتيكي؟
نسمع من سفير أوروبي بارز هذا الكلام، عقب جولة بانورامية في التطورات وفي الاحتمالات: أخيراً، سنرى السوريين يستسلمون لأميركا!
هذا منطق الأشياء، أم هذه قوة الأشياء، لعلها جدلية الأشياء أيضاً، فالذي يحصل هو الزلزال الأميركي• كل نظام يضع تلك الأولوية المقدسة: أن يحمي نفسه• السوريون سيضطرون ليفعلوا ذلك ولكن ما الثمن؟
بداية لماذا الضغط على سوريا إلى هذا الحد؟ وهل حقاً أن الأميركيين فكروا بدمشق أولاً ثم اختاروا بغداد إما بسبب موقعها الجيو - ستراتيجي الأكثر حساسية (كونها تتاخم تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية وسوريا والأردن والكويت) أو لأن الرئيس السابق صدام حسين ساقط دولياً واقليمياً بعدما أحرق الشرق الأوسط أكثر من مرة ولأسباب طالما وصفت بالنرجسية وبالعشوائية؟
الأميركيون لديهم مشروعهم، أي الشرق الأوسط الكبير الذي تراجع الحديث عنه كثيراً هذه الأيام، ربما لأنهم، وبسبب التجربة العراقية التي بدأت تنتقل، كما التجربة الفيتنامية، إلى عقر دار الأميركيين (ألم تقل مادلين اولبرايت: الزرقاوي يدقّ أبوابنا؟)، ولم يعودوا يستطيعون أن يحققوا حتى الشرق الأوسط الصغير؟
برمجة الأرواح
المشروع يقضي، وكما فهمنا، بتحويل المنطقة الممتدة من موريتانيا إلى باكستان، إلى حالة افلاطونية تزدهي فيها الديموقراطية كما ينتشر الرخاء، ولعله يفترض بنا التوقف عند الكلام الذي قاله هنري كيسنجر تحت عنوان امبراطورية الهذيان، معتبراً أن من المستحيل التفكير بهذه الطريقة أي برمجة الأرواح، فهذه مجتمعات تحمل على ظهرها ركاماً ميتافيزيقياً هائلاً، كما أن لها مفاهيمها ومعاييرها الأخلاقية والحضارية والتاريخية التي لاشك أنها بعيدة عن مفاهيم هارفارد مثلما هي بعيدة عن مفاهيم لاس فيجاس، ناهيك عن مفاهيم تلة الكابيتول•
في رأيه إننا أقمنا ذلك الحائط الاسطوري الذي إذا لم نتمكن من القفز من فوقه فلابد أن نتلاشى في ظله، مضيفاً بأن اختيار المصلحات لا يقل حساسية عن صوغ السياسات• استطراداً، فإن الولايات المتحدة أضحت رهينة المصطلح الذي يحكم المواقف وحتى المقتضيات الاستراتيجية للامبراطورية• لا يكفي أن يوضع مشروع الشرق الأوسط الكبير هكذا في الظل• إذا لم يشأ الرئيس جورج دبليو بوش أن يعتذر بامكانه القول ان هذا المشروع هو خطة أميركا للقرن الحادي والعشرين• هذا هراء أيضاً، حسبما يضيف كيسنجر، الذي يعتبر أن التكنولوجيا، لاسيما تكنولوجيا الفضاء، تتطور على نحو مذهل• كل تلك الأفكار التي تراكمت عبر التاريخ وسواء كانت جغرافية أم تاريخية أم فلسفية ستنهار••
الإدارة في حالة ضياع فعلاً• يسأل جيم هوغلاند: أي شرق أوسط كبير هذا، عندما لا نستطيع أن نلقي القبض على رجل واحد يدعى أسامة بن لادن، هو بين فكّي الكماشة، ومن داخل الكهوف يهدد ناطحات السحاب في نيويورك، وعندما لا تتمكن كل تلك الأقمار الاصنطاعية، وكل تلك الغارات، من تحديد مكان رجل واحد أيضاً يدعى أو يحمل لقب أبي مصعب الزرقاوي؟
حرب عالمية ولحظات نووية
كيسنجر يعتبر أن ما طرحه الرئيس بوش الابن يحتاج إلى حرب عالمية تتخللها لحظات نووية هائلة، ليشير إلى أنه كان بوسع واشنطن أن تحمي مصالحها الكبيرة بطريقة أخرى، لا أن تلجأ، كما الدول البدائية، إلى الصراخ الايديولوجي• هذا الصراخ هو الذي يفضي إلى نتائج معاكسة تماماً، فالكثيرون يعتقدون أن ما تطرحه الولايات المتحدة هو تفكيك البنية العقائدية للمجتمعات: لنتصور أن هناك من يدعو الأميركيين إلى تهديم تمثال الحرية وأن نقيم محله تمثالاً •• للشيطان•
هذا ليقول: لا يعني هذا البتة أنني مقتنع بأن مجتمعات الشرق الأوسط، في معظمها، ينبغي أن تستمر في الوتيرة الراهنة، وحيث الخوف من المستقبل، أو حيث التعايش مع اليأس، أو حيث سيطرة اللامعنى، أو حيث استشراء القهر، يدفع بتلك المجتمعات إما إلى الانغلاق التلقائي، أو إلى التأويل البدائي، والعقيم، لديناميكية الحياة•
والحقيقة أن الذين تابعوا كتابات منظري الإدارة، من كارل دوف، إلى ديفيد فروم، ومن وليم كريستول إلى روبرت كاغان، يلاحظون كما لو أن المطلوب إدارة العالم من داخل غرفة زجاجية، فيما هناك كلام هام للأميركي بنيامين فرنكلين وهو أن أي سياسي لا يستطيع أن يكون سياسياً حقيقياً إلا إذا كان على علاقة عضوية بأحاسيس الآخرين• الذي يجري هو وضع تلك الألفاظ الزجاجية على الورق، لا بل أن كاغان وصل إلى حد القول، وكما هو معروف: نحن أبناء المريخ، الآخرون أبناء الزهرة• هذه هي الترجمة الحرفية للكلام: بين الأميركي والآخر المسافة نفسها (طبعاً المسافة الضوئية) بين كوكب وآخر••
كن ديموقراطياً!
ليس كيسنجر هو وحده الذي يقول هذا• في فرنسا نقرأ لــ أوبير فديرين قوله إن الأميركيين، وفي أدائهم الاستراتيجي أو حتى الأخلاقي، حيال ما دعوه بالشرق الأوسط الكبير انتهجوا سياسة انتقائية مدمرة، واضح أن البعد الأخلاقي الذي يتم تسويته إنما ينطلق من لعبة المصالح التي هي، هنا، لعبة الآلهة: كن لا شيء وكن ديموقراطياً• لعل هذا يعيدنا إلى المفكر الشهير بيار دوشاردان الذي قال: في البداية أريد أن أكون شيئاً، بوسعكم إذ ذاك أن تطلبوا مني أن أكون شيئاً آخر•
لا أحد يقول إن الأداء السوري أداء مثالي حيال الكثير من القضايا، ولكن عندما تكون أجزاء من دولة ما تحت الاحتلال، لا مجال للطلب منها القفز فوق هذا الاحتلال وبناء سياسات معينة، صحيح أن الناس أصبحوا أقل قابلية بكثير ليصدقوا أن الحكومة معنية فعلاً بأهلها وأرضها، صحيح أيضاً ذلك التماهي المروع بين الدولة والسلطة، لكن الصحيح أيضاً أن ثمة قضية، وان البراغماتية مهما بلغت من الحذق والنباهة، والقدرة على المناورة بطبيعة الحال، لا تستطيع أن تحجب هذه القضية• مرتفعات الجولان موجودة في كل مكان من العقل السياسي السوري، وإن كان ناثان شارانسكي يكتب للسوريين: من فضلكم انسوا مرتفعات الجولان مثلما نسيتم لواء الاسكندرون• كلام جارح وفظ، ولا يأخذ بالاعتبار أن الدول تبني سياساتها أخذاً بالاعتبار التوازنات الاستراتيجية والتبادلية في المصالح• هذا يحدث في العلاقات بين الدول السوية، فقد تزاح قضية ما جانباً لمقتضيات تكتيكية بحتة، أو لأن ترتيب الأولويات يفترض ذلك• بالنسبة إلى الإسرائيليين الذين لهم حتى مفهومهم الخاص للبقاء، وحيث يتقاطع الايديولوجي مع الاستراتيجي على ذلك النحو المثير، لا مجال للتفكير هكذا• إذا وضعت مرتفعات الجولان جانباً فقد يفكرون بــ سوق الحميدية• من زمان تخلى الأتراك عن تركيا الكبرى، وراحوا يبحثون عن الذوبان في القارة العجوز، إن كان بالنظر إلى تزلقها الاقتصادي أو بالنظر للجاذبية الحضارية التي تتمتع بها، هل تخلّى الإسرائيليون عن إسرائيل الكبرى؟
تفتيت سوريا••
وحتى بعيداً عن سوريا، إن تل أبيب ترصد كل حركة عربية• ممنوع أن يفكر العرب نووياً حتى من أجل التحصيل الجامعي فقط• ولكن يحق لها أن تنام على مائتي رأس نووي يمكنها تحويل العالم العربي بأسره إلى هيروشيما•
ولكن ممنوع أيضاً على العرب أن يفكروا بأرضهم، وحتى بإنسانيتهم• هذا يحدث للفلسطينيين، من أيام دايفيد بن غوريون• هل يمكن للإسرائيليين ان يتحملوا سوريا دولة واحدة؟
بعيداً عن أي نظام، هذا حلم إسرائيلي قديم: تفتيت سوريا، وإن كان يلاحظ أن العرب يكادون يتفردون عالمياً بمقولة التماهي بين بقاء النظام وبقاء البلد••
كان في نظر ريتشارد بيرل الذي خرج، بالطريقة المعروفة من البنتاغون بعدما ترأس مجلس السياسات الدفاعية الذي يضم 18 شخصية بارزة، أن سوريا هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تلعب بشراسة خارج حدودها• ثم قدم أمثلة على التدخل، على المستوى التكتيكي أو على المستوى الاستراتيجي، في لبنان، وفلسطين، والأردن، والعراق، ليلاحظ أن هذا اللعب البهلواني يجب أن يتوقف• هو أول من قال: إذا لم يدرك بشار الأسد ما يحدث وما عليه أن يفعل فسيستيقظ ذات يوم ليرى ان قواعده الجوية ومعسكرات استخباراته (في لبنان) وقد أصبحت أثرا بعد عين•
والذي تبين من خلال المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث أن المؤتمرين قرروا، وكما أسلفنا في مقالة سابقة، تنفيذ خطة ترمي إلى التقشف الجيوبوليتيكي، أي إعادة النظر في كل السياسات أو التطلعات الاقليمية وإعادة ترتيب البيت السوري الذي لاشك انه يعاني من ثغرات أو حتى تصدعات كثيرة على المستويات كافة•
كان يفترض أن يلقى هذا بعض الصدى في واشنطن، ولكن على العكس من ذلك، ما إن وطأت قدما وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس أرض المنطقة أو حتى قبل ذلك،حتى سارعت إلى استكمال الحملة على دمشق التي سحبت منها السفيرة الأميركية مارغريت سكوب ولم تعد، لتبقى العلاقات هكذا عالقة أو معلقة في المجهول••
سوريا تحت الأشعة الحمراء الأميركية• يذهب الرئيس بشار الأسد إلى موسكو، فتسبقه لاءات أميركية حتى حول تفاصيل عسكرية محدودة جداً، فالسوريون ممنوعون من أن تكون لهم منظومتهم العسكرية المتكاملة•
وهذا بات معروفاً تماماً لتتسع أكثر فأكثر تلك الهوة على مستوى المواجهة الاستراتيجية بين دمشق وتل أبيب، وحين اختبر السوريون صاروخ سكود قامت الدنيا ولم تقعد، مع أن هذا لا يغير البتة في ميزان القوى، ولندع أحد الخبراء الفرنسيين يتحدث عن صواريخ برؤوس سيكولوجية، أي تلك الصواريخ التي لا تأثير استراتيجياً لها، وإنما تتعلق فقط بربط المؤسسة العسكرية بحد معين من الروح المعنوية•
واضح أن الأميركيين يريدون من الحكومة السورية ان تقطع أي علاقة لها مع إيران• والواقع أن السوريين، ورغم دقة ذلك الطلب، قد يكونون مستعدين للبحث في ذلك، ولكن دائماً يقتضي السؤال عما سيقدمه الأميركيون لقاء ذلك: لاشيء••
النظام باقٍ باقٍ
إذاً، على السوريين أن يتنازلوا لقاء لا شيء، لا، لا، هناك تسريبات واضحة بأن الأميركيين بأصابعهم الغليظة، أوكلوا إلى الفرنسيين بأصابعهم المرهفة، مهمة معالجة الملف اللبناني، انطلاقاً من قرار مجلس الأمن الدولي رقم •1559 ومن باريس يأتي الخبر اليقين بأن لا اتجاه إلى ازالة النظام في سوريا، ولكن أي نظام إذا كان تحت الحصار؟
السوريون اتقنوا لعبة الأعصاب الباردة أعصابهم ليست كذلك الآن من الطبيبعي ان يحدث هذا، فخروجهم من لبنان لا يمكن أن يكون بالحدث العادي بالنظر لتداعياته البعيدة المدى، وعلى كل المستويات وإن كان من الضروري القول ان استمرار ذلك الوجود، في ظل الأخطاء والارتكابات الهائلة التي كانت تظهر على الأرض، لم يكن ممكناً ولا مبرراً، ولا لمصلحة أي من البلدين على الاطلاق•
تالياً، إن استمرارية أي نظام تخضع لمنطق معين، فالسوريون وضعوا دائماً ثوابتهم في الضوء، والتخلي عنها أو عن جزء أساسي منها يبدو وكأنه التخلي عن جزء أساسي من روح النظام وإن كان واضحاً أن السوريين الذين أرهقهم نمط معين من السياسات يتطلعون إلى الانقشاع السياسي (الداخلي) والاقتصادي على السواء، ما طُرح في المؤتمر القطري ينطوي على مؤشرات إيجابية لا ندري إلى أي مدى يمكن أن تتراجع عملياً، ولكن لا بديل عن إعادة ترتيب الأولويات، ومع ذلك فإن كوندوليزا رايس لا تزال تكيل الاتهامات الحادة كما لو أن المسألة تتعلق بنسق سياسي معين أو بسيناريو معين خصوصاً إذا ما أخذنا بالاعتبار أن الرئيس بوش يستخدم اللهجة نفسها، وإن بوتيرة أقل، كما أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي بدا كما لو أنه ابتعد عن الضوء لسبب ما، عاد ليوجه الاتهامات إلى سوريا، مع تردد معلومات أوروبية تق