unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-07-02  

ميشيل كيلو والجنرال بهجت سليمان: قول على قول

نزار حسن

نشر الكاتب السوري ميشل كيلو توضيحا في صحيفة "النهار" اللبنانية، نفي تصريحا جاء على لسان رافي مادايان، ابن زوجة الشهيد الرفيق جورج حاوي الامين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني. ونقلا عن كيلو نفسه، كان مادايان قد "قال في معرض تعليقه على التغييرات التي شهدتها الاجهزة الامنية السورية بعد نهاية المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث السوري ان اطاحة اللواء بهجت سليمان تعني غياب وجه اصلاحي من السلطة كان يحاور المثقفين السوريين من تيار ميشال كيلو".


ويكتب الأخير في توضيحه

هذه المعلومة عارية عن الصحة بنسبة مئة في المئة"، لأن اللواء سليمان وغيره من الوية الامن - لم يحاور المثقفين من نشطاء لجان احياء المجتمع المدني في اي يوم من الايام". لكنّ كيلو يعترف بوقوع لقاء واحد على الأقل، في مكتب اللواء بهجت سليمان: "وان كان صحيحا انني ذهبت بصحبة زميلين سابقين من اللجان إلى مكتبه يوم 13 أيلول عام 2001، للاحتجاج على اعتقال زملائنا من نشطاء اللجان، وخاصة منهم الدكتورعارف دليلة والطبيب وليد البني، وبقية معتقلي ما صار يعرف بـ"ربيع دمشق"، وفي مقدمهم الرفيق رياض الترك.

أكثر من هذا، يوضح كيلو ان اجواء الحوار كانت صريحة وجارحة في الآن ذاته: "الحديث دار في اجواء من الصراحة الجارحة وغير المعهودة بالنسبة الى الامن، وانه انقسم الى قسمين: واحد يشرح ما تريده اللجان وما فعلته. وآخر يبين فداحة ما اقدمت السلطة عليه من اعتقال وخطورته على البلد". ثمّ، في مطلع فقرة لاحقة، يقول كيلو: "منذ ذلك اليوم والى اللحظة، لم التقِ باللواء سليمان، بناء على موعد ام بالمصادفة، ولم احاوره انا كما لم يحاوره اي واحد من زملاء واصدقاء اللجان سواء في مكتبه ام خارجه، بصورة مباشرة او غير مباشرة. ولست ابالغ أو اتباهى اذا قلت انني لن اعرفه لو رأيته في الطريق.

وأخيراً يختم بالقول: "اما مصدر معلومة الرفيق العزيز رافي فقد يكون النظام او احد اتباعه داخل سوريا او خارجها، ذلك ان هؤلاء دأبوا على نسج اكاذيب كثيرة حول علاقة تربط اللواء بالمثقفين، وبي شخصيا بصورة خاصة، حيث كتب احدهم في باريس يقول بالحرف الواحد: ولا شك في أنك سترى رياض الترك أو ميشال كيلو خارجا من مكتب بهجت سليمان، ان مررت في جادة الخطيب. من الجلي ان هذه الكتابات هي جزء من سعي النظام الى تشويه سمعة المعارضة والمعارضين.

لعل صدر كيلو يتسع للملاحظات التالية، التي لا تشكك في وطنيته واخلاقية انتمائه الى القوى الديمقراطية، وان كانت تتوخى تبيان الاختلاف العميق مع خياراته على مستوى التكتيك في الأقل

ـ ايا كانت التسمية، حوارا او احتجاجا او مشوارا، فإن اللقاء جرى بالفعل اي، في عبارة اخرى، لا يمكن تكذيب تصريح رافي مادايان لأن واقعة واحدة على الأقل تبرهن على مضمون التصريح. كيف يصح إذن قول كيلو ان "المعلومة عارية عن الصحة بنسبة مئة في المئة"؟

ـ يُفهم من كلام كيلو ان اللقاء لم يتم نتيجة امر استدعاء او نية اعتقال، وبالتالي ذهب كيلو وزميلاه في اللجان بمحض ارادتهم. ماذا نسمّي هذا الفعل، إذا استبعدنا كلمة "حوار التي يرفضها كيلو؟ وهل هذه "زيارة فنجان قهوة" مع رجل كان آنذاك ثالث أو رابع ابرز رجالات النظام؟ ولماذا لم يفعل الشباب ما فعله المحامي والناشط الحقوقي هيثم المالح، الرئيس السابق لجمعية حقوق الانسان في سورية، حين رفض لقاء رئيس المخابرات العامة هشام بختيار في مكتبه، واشترط لقاءه في مطعم بالربوة، بل واصر على دفع الحساب؟ فمن غير المعقوا ان نتخيل ذهاب كيلو وزميليه الى الفرع 251 لتقريع رئيسه اللواء بهجت سليمان، وادارة اجواء من الصراحة الجارحة وغير المعهودة بالنسبة الى الامن"؟ "

- متى اعتاد الناشطون الديمقراطيون السوريون ممارسة الاحتجاج وجاهيا، أي وجها لوجه مع ضباط الأمن؟ واذا كان كيلو وزميلاه قد دشّنوا هذه العادة، فلماذا اختار الشباب بهجت سليمان بالذات، مع العلم انه لم يكن الجهة الامنية التي اعتقلت الدكتورعارف دليلة والطبيب وليد البني وشيخ المعارضة البارز رياض الترك، الذين يذكرهم كيلو بالاسم؟

ـ اذا كان من حق كيلو ان ينفي صفة "الحوار" عن ذلك اللقاء، فهل من واجبه ان ينفي عن اللواء سليمان، بل وعن "غيره من الوية الأمن" اي حوار مع المثقفين جماعة لجان احياء المجتمع المدني، و"في اي يوم من الايام"؟

لماذا يلوح كيلو متاكدا الى هذه الدرجة؟ ما أدراه بحقيقة صلات وحوارات العباد؟


ـ من الاجحاف ان يلمح كيلو الى احتمال ان يكون النظام واتباعه في الداخل والخارج هم مصدر معلومات رافي مادايان. فالرجل اصلا لا يقصد التشهير، ولكنه على العكس يتحدث عن "تيار ميشال كيلو". وهو الى ذلك لا مصلحة له في الحاق الضرر بالديمقراطيين السوريين. وقد يكون الدخان الذي هداه الى هذا التصريح هو النار التي مصدرها اللقاء الفعلي الذي جمع كيلو وزميلاه مع اللواء سيمان.

ـ ليعذرنا ميشيل كيلو اذا اتهمناه بالمبالغة حين يقول انه لن يعرف اللواء سليمان اذا رآه في الطريق. اولا اللقاء جرى قبل اربع سنوات فقط، ولا نظن ذاكرة كيلو قصيرة الى هذه الدرجة. وثانيا لن يرى كيلو اللواء سائرا في الطريق لأن امثاله لا يسيرون على ارض البشر، واذا فعلوا فلن نبصرهم وسط غابة المرافقين.

ـ معروف لدى الجميع أن بهجت سليمان كان دائما حريصا على الاحتكاك بالمثقفين، منذ اواخر السبعينات حين كان مسؤولا عن مجلة "الفرسان" الناطقة باسم رفعت الأسد و"سرايا الدفاع وكان بار ومطعم اللاتيرنا، موئل المثقفين السوريين والعرب، هو مقره شبه الدائم، وكان يحرص على مجالسة الشعراء والروائيين والفنانيين التشكيليين معروف كذلك انه قبل توريث بشار الاسد وبعده قام بدور صلة الوصل مع عشرات المثقفين، مثل صادق جلال العظم ومحمد جمال باروت والراحل ممدوح عدوان وهيثم حقي ونبيل سليمان ومحمد ملص وعادل محمود، بالاضافة طبعا إلى اسماء اقل اهمية مثل جمال سليمان وديانا جبور وسعاد جروس وديانا فارس. يضاف اليهم بسام جعارة وعادل حديدي ونبيل الملحم ومحمود عبد الكريم وسلمان عز الدين، وهؤلاء جميعا هم اليوم اعضاء في تجمع "حريات" الذي يترأسه ميشيل كيلو. وللتذكير فقط سبق لكيلو نفسه ان اطلق على اللواء سليمان صفة "الكاتب الجليل" في مقالة مشهودة نشرتها صحيفة "النهار" اللبنانية خلال تلك الفترة ذاتها تقريبا.

ـ قد يجد ميشيل كيلو التبرير الكامل للقائه مع رجال الأمن في العبارة الأخيرة التي يختم بها رده على مادايان: "تبذل المعارضة الديموقراطية دون جدوى حتى الآن جهودا صادقة لتحويل النظام السوري الى نظام منفتح يحاور المجتمع والشعب ويتفاعل معهما". الكثيرون يختلفون معه بالطبع، ولكن هذا الخيار حق له ولسواه، فلماذا الانكار؟

خاص – صفحات سورية -

   [ POSTED  @ 11:34 ص ]


 

اوراق القوة والضعف السورية

القدس العربي

اقدام الولايات المتحدة علي خطوة تجميد الاصول المالية للمسؤولين السوريين غازي كنعان وزير الداخلية الحالي ورستم غزالة آخر مسؤول عن المخابرات السورية في لبنان هو مؤشر علي انها في صدد تشديد الخناق علي حكومة دمشق اقتصاديا بهدف اضعافها سياسيا.
الامر المؤكد ان الرجلين لا يملكان ارصدة مالية في الولايات المتحدة، لانهما وبحكم خبرتهما الاستخبارية الواسعة ليسا علي هذه الدرجة من الغباء بحيث يودعان اي اموال في البنوك الامريكية. فالعلاقات السورية الامريكية ظلت متوترة طوال الثلاثين عاما الماضية.
الخطوة هذه عبارة عن رسالة انذار للحكومة السورية، تحذرها من عقوبة اي تدخل في لبنان، خاصة في هذه الفترة الحرجة التي تعكف فيها المعارضة علي تشكيل حكومة جديدة بقيادة فؤاد السنيورة تعمل علي اخراج لبنان من ازماته الامنية والاقتصادية.
قرار التجميد، ومثلما اعلنته وزارة الخزانة الامريكية، جاء بموجب امر رئاسي في اطار الحملة لمكافحة الارهاب، لان المسؤولين السوريين المستهدفين متهمان بالمساعدة علي الارهاب عندما كانا يتوليان مهامهما في لبنان وادارا التواجد العسكري والامني السوري في هذا البلد.
الادارة الامريكية تريد ان تقول للرئيس بشار الاسد وطاقم حكومته ان انسحاب قواتكم من لبنان لا يكفي، كما انه لا يعني في الوقت نفسه تنفيذ ما هو مطلوب منكم فيما يتعلق بتطبيق قرار مجلس الامن الدولي 1559 عليكم مساعدتنا بجدية في تطبيق الشقين الاول والثاني من القرار، اي نزع سلاح حزب الله وفصائل المقاومة والمخيمات الفلسطينية ايضا.
وتخطيء الادارة الامريكية اذا اعتقدت ان الضغوط الاقتصادية علي سورية ستؤدي الي اذعانها للمطالب الامريكية في نهاية المطاف، فالحصار الاقتصادي الذي جري فرضه علي العراق لاكثر من عشرة اعوام لم يؤد الي اسقاط النظام، بل علي العكس من ذلك تماما عزز قواعده الشعبية الداخلية، وادي الي تعاطف عربي وعالمي اكبر معه.
النظام السوري ليس مكروها في محيطه العربي، مثلما كان عليه الحال مع النظام العراقي الذي كان يعيش في حال عداء مع معظم جيرانه قبل وبعد اجتياحه للكويت، كما انه لا يواجه معارضة داخلية او خارجية كتلك التي تعاونت مع المشروع الامريكي في العراق.
والاهم من هذا وذاك ان سورية باتت دولة مجاورة لكل من اسرائيل والولايات المتحدة، واذا قررت قيادتها هدم المعبد عليها وعلي اعدائها، فانها ستلحق ضررا كبيرا بالبلدين.
علينا ان نتخيل كيف سيكون الموقف في شرق البحر المتوسط لو تحولت سورية الي دولة فاشلة تسودها الفوضي الدموية، مثلما هو حادث حاليا في العراق؟
وان اكثر ما يتمناه ابو مصعب الزرقاوي واتباعه هو اقامة قواعد عسكرية في سورية تكون نقطة انطلاق لضرب اسرائيل بالصواريخ، وارسال المتطوعين للقتال ضد الامريكان في العراق.
ويظل من الضرورة القول ان اوراق القوة السورية هذه مشروطة بتعزيز الجبهة الداخلية، والاستناد الي الشعب السوري الذي يعتبر الاكثر وطنية بين اقرانه العرب. ولكن من المؤسف ان القيادة السورية بدأت في تشديد قبضتها الحديدية الامنية من خلال توسيع دائرة القمع والاعتقالات، وآخرها اغلاق منتدي الاتاسي ومضايقة اعضائه، واعتقال مواطنين سوريين بسطاء شاركوا في برنامج الاتجاه المعاكس في قناة الجزيرة الفضائية.
حكومة تعتقل مواطنين شاركوا في برنامج تلفزيوني شارك فيه احد المسؤولين فيها، لا يمكن وصفها الا بالارتباك والتخبط وقصر النظر، وعدم فهم ما يحاك لها من مؤامرات علي درجة كبيرة من الخطورة.

   [ POSTED  @ 11:33 ص ]


 

بيان إلى الرأي العام

تعلن الهيئة العامة لمنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي استمرار أعماله بالبرنامج المقرر والدفاع عن بقائه ساحة للحوار الوطني في البلاد.
ومع تواتر الضغوط الأمنية على المنتدى والتي تجلت أواخر الشهر الخامس باعتقال أعضاء مجلس إدارته وإطلاق سراحهم بعد أسبوع دون الكاتب علي العبد الله، الذي أحيل إلى محكمة أمن الدولة بذريعة قراءة رسالة تعرض وجهة نظر حزب محظور، ثم التحذير الشديد من عقد الجلسة الحوارية التي كانت مقررة في مطلع الشهر السادس، وأخيراً المطالبة الأمنية اليوم بتعليق نشاط المنتدى نهائياً، مع تواتر هذه الضغوط، تطالب الهيئة العامة بالكف عن كافة أشكال العسف والمضايقة الأمنية التي يتعرض لها المنتدى، كما بإطلاق نشاطات المنتديات الثقافية الحوارية التي سبق وأغلقت، وتطالب أيضاً بالإفراج عن الأستاذ حبيب عيسى والكاتب علي العبد الله ومعتقلي المنتديات الأخرى وكافة سجناء الرأي. كما تدعو إلى إلغاء القرار الأمني الذي صدر بحق الكاتب الفلسطيني سلامة كيلة عضو الهيئة العامة بمنعه من دخول سورية في حال مغادرته لها.
وتدعو الهيئة العامة كل القوى والفعاليات والشخصيات الثقافية الديمقراطية للتضامن مع المنتدى ودعم استمراره، عبر إدانة ما يتعرض له من ضغوط والمشاركة في محاضراته وأنشطته أو بأي شكل من أشكال المساندة الممكنة.

الهيئة العامة لمنتدى الأتاسي للحوار الديمقراطي

خاص – صفحات سورية -

   [ POSTED  @ 11:32 ص ]


 

نص لسمير قصير لم ينشر بالعربية...


الرقابة والرقابة الذاتية و«غياب» السياسة عن الصحافة

كينيث براون

الحياة

قابلت سمير قصير للمرة الأولى في مؤتمر للصحافة نظّمته مجلتنا، Mediterraneans، في مرسيليا سنة 1994، فكان بمثابة النسمة المنعشة في المؤتمر. لن ينسى أحد من المشاركين عمله الذي نعيد نشره هنا بالعربية، ولا مشاركته الفاعلة في المناقشات كلها، أو حتى أحاديثه الجريئة مع إيغال سارنا، الصحافي الإسرائيلي الذي يعتبر العلاقة بين إسرائيل وفلسطين علاقة حبّ وكراهية، وهي وجهة نظر وصفها سمير قصير “بالصدمة نوعاً ما”، إذ قال إن “النظر إلى المشكلة من وجهة النظر هذه من جهة الفلسطينيين هو وهم بالكامل. يجب أن يكون هذا الأمر واضحاً. لا يمكن أن يتوقّع الإسرائيليون معالجة تحليلية نفسية من قبل العرب. لديهم ميل كبير للمجيء إلينا والقول: يجب أن تحبونا”... شارك سمير في مؤتمر المتابعة الذي أقيم في الإسكندرية بعد سنتين، وكانت بحسب ما قال لي إنها المرة الأولى التي يزور فيها المدينة، وكانت مشاركته بارزة. كذلك التقينا للمرة الأخيرة في بيروت قبل سنتين. كان في صدد إنهاء كتابه عن المدينة. وبينما كان يصحبني في جولة، فهمت العاطفة العميقة التي كان يكنّها للمكان.

نشأ كتاب “الصحافي في منطقة المتوسّط” الذي اقتبسنا منه هذا المقال بعد اجتماع غير اعتياديّ جمع بين صحافيّين يعملون في منطقة المتوسّط ليمنحوا أنفسهم وقتاً للتفكير، ولمناقشة التحديات الأخلاقية والسياسية والشخصية التي واجهوها في ممارسة مهنتهم. وقد اجتمع 20 صحافياً في مرسيليا في آذار (مارس) 1996 للعمل على هذا المشغل، وهو أحد مشاريع برنامج “ميد-ميدياالتابع للاتّحاد الأوروبي. وتراوحت أعمار الصحافيين بين 25 و65 سنة، كما أنّهم أتوا من بلدان مختلفة كالجزائر وبريطانيا وقبرص ومصر وفرنسا وإسرائيل ولبنان والمغرب وفلسطين وأسبانيا وتونس وتركيا... ولكن ليسوا هم من نظّم الاجتماع، بل محررو ثلاث مجلات نقدية هي: المجلة الأدبية والثقافية Mediterraneans في باريس، والمجلة الشهرية Cuatro Semanas في برشلونة، والصحيفة التحليلية “السياسة الدولية” في مصر.

تواجه بلدان في المنطقة مشكلات تتمثّل في الرقابة العلنيّة التي تفرضها الدولة، أو الاستيلاء على أعداد من الصحف تتضمّن مقالات عدائية ومصادرتها، أو إقفال صحف معارضة. ولكن إضافة إلى الضغوط المباشرة التي تفرضها الدولة، يختبر الصحافيون ضغوطاً كثيرة من نوع آخر، إلى جانب محاولات كثيرة أخرى للتحكّم بما يمكن طبعه أم لا. فالوضع في إسرائيل مثلاً يبدو متناقضاً: فالصحافة بحدّ ذاتها حرة ونقدية بشكل ملحوظ، غير أنّ الرقابة العسكرية قوية للغاية. وتختبر تركيا نوعاً آخر من التناقض، حيث أنّ الحرية التي لا تبدو لها نهاية تقابلها ضغوط قوية للرقابة الذاتية خوفاً من ثأر الحزب العمالي الكردستاني، التغطية المحدودة للأكراد، ومراقبة عسكرية قوية تعيق مقالات الاستقصاء عن الموضوع ذاته، والخوف من ضغوطات اقتصادية وسياسية سرية تحدّ من أنواع التحقيق الأخرى. وهذا أيضاً هو الوضع السائد في مصر حيث تملك الحكومة الصحف المهمة كلها، بالرغم من حرية التعبير الكبيرة، مما يعني أنّ الرقابة الذاتية تمارَس بشكل واسع، وتؤثّر في اختيار المواضيع التي تغطّيها وفي طرق معالجتها.

وقد يكون رد الفعل على الرقابة والرقابة الذاتية يكمن في تطوير “نظام شفريّ، عبارة عن مجموعة من الإشارات والمعاني الضمنية التي يحاول الصحافي من خلالها تجنّب القواعد وتدميرها.

كان الراحل سمير قصير يستند إلى خبرته المزدوجة كصحافيّ يعمل في لبنان وفرنسا في آنٍ واحد، حين اقترح أنّ هذا “النظام الشفريّ” يمكن أن يصبح في النهاية كبيراً لدرجة أنّه سيصوغ التعبير الصحافي ويضعف فضول الصحافيين وروحهم، على حساب الاحتراف. تختلف قواعد ما يمكن نشره أم لا باختلاف الأطر الثقافية. وعندما تتحوّل هذه القواعد إلى حدود يفرضها الصحافيّ على نفسه تلقائياً، من المتوقّع أن يكون القارئ على علم بذلك، ويتمكّن من فهم الإشارات كلّها، وقراءة السكوت والحذف اللذين يشكلان جزءاً من عملية التواصل. فالصحافيّون يكتبون بين السطور، لقرّاء يقرأون بين السطور.

سمير قصير: تعلّم النظام الشفريّ ونسيان السياسة

عندما نتكلّم عن الصحافة في لبنان، لا يمكن إلا ان نتذكّر أنّها تخطّت أصعب المحن، وأنّ رجالاً ونساء تابعوا ممارسة مهمة نقل الأخبار في الظروف الأكثر قسوة. ومع ذلك، ليس التقدير مجاملة، وهو يأتي من الزميل المنفي منذ وقت طويل أقلّ منه من القارئ، ومن القارئ المحترف، أي المؤرّخ الذي تمكّن من اختبار مدى أهمية هذا السجلّ من الأحداث لكتابة تاريخ الحرب في لبنان، هذا السجلّ التاريخي غير المحبّذ لأنه موثوق، حتى في تناقضاته التي تشكّل بحدّ ذاتها انعكاسات وفية لتعقيد الحرب المستمرّ.

ولكن ما إن يقدّم التقدير حتى يحين وقت الحدّ منه، ليس لتقليص جدارة أعضاء هذه المهنة، ولكن لأنّ الصحافة ينقصها الدليل، ولأنها، وفي شكل متناقض، تستمرّ في فترة السلم أصعب منها عندما تخطت الحرب. على أيّ حال، يكفي القول إنّ الصحافة في لبنان تمرّ بأزمة تهدّدها، إن لم يكن في كيانها، على الأقلّ في تعدديتها، وبخاصة في حريتها.

تظهر الأرقام، وهي دلائل أزمة غير قابلة للجدل، خفضاً في عدد العناوين، وتراجعاً كبيراً في الوقت ذاته في عادات القراءة وشراء الصحف، وهما عاملان يترجمان بتدني عدد القراء بنسبة تفوق 60 في المئة. لهذا الخفض أسباب متعددة، أولها من دون شكّ هو خفض الطاقة الشرائية لدى أقسام كبيرة من الشعب، في ظلّ أزمة اقتصادية دائمة وظاهرة دولرة خرجت عن السيطرة. يبلغ اليوم ثمن صحيفة يومية 1000 ليرة، أي ما يوازي أقلّ من 4 فرنكات، وهو سعر لا يوازي كلفة التصنيع التي تبلغ نحو 5 فرنك. ولكنّ هذا السعر يبقى مرتفعاً في بلد يحدّد الدخل الأدنى فيه بـ700 فرنك. غير أنّ تبرير الأمر بالأزمة لا يكفي، لأنّ تراجع عادات القراءة لا تقتصر على الفقراء. فالكثير من الأشخاص في الأوساط الميسورة حتى يتباهون بعدم قراءة الصحف، على الأقلّ السياسيّة منها. لا بدّ إذاًَ، والحال هذه، من البحث عن الأسباب في مكان آخر، في منافسة المرئي والمسموع وكره السياسة.

أصبحت منافسة المرئي والمسموع دقيقة في شكل خاص خلال السنوات الخمس الماضية، مع اجتياح الموجات من جانب نحو 30 محطة تلفزيونية، مما يمنح من دون شكّ لبنان كثافة لا مثيل لها في أيّ مكان آخر، ما عدا إيطاليا غير المنتظمة ربما. ويؤدّي هذا الازدهار التلفزيوني الذي تدعمه برامج منوّعة ومسلسلات أميركية أو مكسيكية إلى تحويل ما يقارب ثلاثة أرباع الموازنات الدعائية لمصلحة محطتين أو ثلاث، ولكن على الخصوص إلى تحويل انتباه القرّاء المحتملين، وفي النهاية، جيل كامل، عن أهمية شراء صحيفة.

أما بالنسبة إلى زوال التسيّس، فيمكن رؤية تأثيره في واقع أنّ أزمة الصحافة لم تمنع ظهور مطبوعات جديدة غير سياسيّة، مثل دليل التلفزيون والتزيين والصحافة النسائية. وهذا هو التوجّه الذي يعتمده محرّرو الصحف في بحثهم عن القرّاء.

على رغم أنّ كره السياسة نتج أساساً من أوهام الحرب، غير أنّ الصحافة بذاتها ساهمت أيضاً في ذلك، إذ لم تعرف، أو لم تستطع، معالجة المشكلات الحقيقية التي تلت الحرب. وهنا يجب الأخذ في الاعتبار تراجع الاحتراف، إضافة إلى الثقافة الريفية التي تستمرّ في التفشي على رغم المجهود الكبير المبذول لتجنّبها.

ولكن لن ننسى أيضاً وطأة الضغوطات العائدة أولاً إلى استبداد تشريع مهمل. صحيح أنّ الرقابة الرسمية لا تطبّق جيداً، ولكنّ إمكان إيقاف صحيفة موجودة، وقد تمّ اللجوء إليها مرتين خلال العام المنصرم. غير أنّ الضغوطات الأكثر قسوة ليست رسمية بل شبه رسمية. وهذا ما يجعلها فاعلة أكثر بعد. وهي موجودة في المعاني الضمنية التي يجب أن يكتفي بها الصحافيون في مجالات عدة.

وأولى المعاني الضمنية تتعلّق بالنظام السوري. لسنا في صدد إعادة الكلام المتعلّق بالاحتلال السوري، وهو مصطلح أرفضه شخصياً، ولكننا نعلّق على استحالة التكلّم عن الدلائل الحسية للوجود السوري. لا يمكن إذاً ذكر المشاركات المالية كتابةً، تلك المشاركات التي يأخذها هذا الابن أو ذاك لمسؤول أعلى من مؤسسة ما. ويستحيل كذلك الإبلاغ عن عمل أنظمة الاستخبارات في لبنان، أو حتى وصفه.

أما ثاني المعاني الضمنية، فيتعلّق بالمافيات التي تتكاثر على مفارق السلطة. وهنا أيضاً يستحيل التكلّم عن تقاسم الأرباح الذي يحصل، وهو أمر متّصل بالنقطة السابقة على أيّ حال. وفي الحالتين، تبقى أسباب المعاني الضمنية متعلّقة بمسائل السلامة الشخصية التي تلفت الانتباه. ولكن نجد موضوع معانٍ ضمنية آخر يعزى من جهته إلى أسباب أقلّ جدارة بالمدح، وهو الموضوع الذي ينتج عن سلطة المال. صحيح أن هذا الأمر لا يطبّق فقط على الصحافة، ولكنّ القسم الأكبر للجدل العامّ مثقل اليوم بسلطة المال. للأسف، لم يعد في الإمكان إحصاء عدد الصحافيين ورجال السياسة والموظفين في المراكز العليا الذين قبضوا المال من بليونير يكون رئيس مجلس الوزراء.

ونتيجة لهذه العوامل كلها، لم تعد الأمور تذكر بالكامل، نقلاً عن عنوان تقرير حديث لمنظمة “محققين بلا حدود”. يمكننا أن نصل إلى القول إنّ نظاماً شفرياً رأى النور. وهو نظام يسمح بقول كلّ شيء، وجعل القراء يفهمون، أقلّه أولئك الذين يأخذون عناء فكّ الرموز. وتظهر هنا نقطة الضعف في هذا النظام، إذ إنّ استعماله يؤدي إلى إحباط القراء الذين لا يملكون اهتماماً مهنياً في السياسة، وبالتالي يفقدون الاهتمام.

من المؤكّد أنّ الصحافة في جميع أنحاء العالم تلجأ إلى رموز في الكتابة والقراءة على حدّ سواء. حتى في البلدان الديموقراطية، لا يمكن الإفصاح عن بعض المواضيع إلا بطريقة غير مباشرة. ولكنّ المشكلة في لبنان تكمن في ضرورة اللجوء إلى الرموز في أيّ موضوع سياسيّ. ويبقى أسوأ ما في الأمر أنّ هذا النظام يصبح في النهاية راسخاً لدرجة أنّه يصوغ التعبير الصحافي وروحه ويضعف فضول الصحافيين بسرعة كبيرة، ويؤدّي إلى خسارة التقنيات الصحافية.

وهنا يمكن اللجوء إلى علاج واحد فقط، إذ