2005-08-19

العراق المعاصر حسب كيسنجر: غنيمة الذئاب أم الأفلاطونيين؟
صبحي حديدي
القدس العربي في مقالة مسهبة بعنوان دروس من أجل ستراتيجية مخرج ، نشرتها صحيفة واشنطن بوست الأمريكية يوم الجمعة الماضي 12/8، وكذلك في حوار دراماتيكي مع قناة الـ CNN في اعقاب نشر المقالة إياها، نطق هنري كيسنجر (وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، والأشهر حتي إشعار آخر ربما) بالحكاية المسكوت عنها، ليس في مختلف دوائر إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش فحسب، بل هنا وهناك في صفوف المراقبين والمحلّلين والشارع الامريكي العريض علي حدّ سواء. ذلك المسكوت عنه، المفضوح عملياً منذ البدء، هو التماثلات المتزايدة بين التورّط العسكري الأمريكي في فييتنام، والإحتلال الأمريكي الراهن للعراق، من جهة أولي؛ ومآلات الهزيمة العسكرية هناك، وعواقب استعصاء المخرج الامريكي هنا، من جهة ثانية؛ فضلاً، من جهة ثالثة، عن ذلك الدرس العتيق الكلاسيكي الصائب أبد الدهر: أنّ كسب أية حرب لا يعني كسب سلامها، أو أيّ سلام ربما!وليست غاية هذه السطور هي استعراض تلك الدروس الكيسنجرية الفييتنامية/العراقية، ليس احتقاراً لها في الواقع (فأفكار الرجل تظلّ ثمينة علي الدوام، ذات معني ومغزي وجدوي، في المستوي الذرائعي علي الأقلّ)، بل لأنّ شهادته مطعون بها تماماً: لقد كان أحد مهندسي التورّط في فييتنام، وكان أحد مشعوذي تسمية الهزيمة الأمريكية عملية سلام . فلندع الجيش الأمريكي يدفن قتلاه، وليأخذ أباطرة مثل دونالد رامسفيلد وكوندوليزا رايس وكارل روف وزلماي خليل زاد وقتهم اللازم الطويل في تبصّر الدروس الكيسنجرية قبيل تقديم أيّ نصح ممكن للرئيس السادر في عناده. ولنضرع، في الإنتظار، من أجل تخفيف عذابات أبناء العراق بمختلف فئاته وأقوامه ومذاهبه، وهم جميعاً ضحايا الإرهابَين: الإحتلال والتطرّف. ولنتوقف، في المقابل، عند هذه الفقرة الصاعقة التي جاءت في مقالة كيسنجر: من المؤكد أنّ التاريخ لا يكرّر نفسه بدقّة. فييتنام كانت معركة تخصّ الحرب الباردة؛ وأمّا العراق فهو أحدوثة Episode في الصراع ضدّ الإسلام الجذري. لقد فُهم أنّ تحدّي الحرب الباردة هو البقاء السياسي للأمم ـ الدول المستقلة المتحالفة مع الولايات المتحدة والمحيطة بالإتحاد السوفييتي. لكنّ الحرب في العراق لا تدور حول الشأن الجيو ـ سياسي بقدر ما تدور حول صدام الإيديولوجيات والثقافات والعقائد الدينية. ولأنّ التحدّي الإسلامي بعيد النطاق، فإنّ الحصيلة في العراق سيكون لها من المغزي العميق أكثر ممّا كان لفييتنام. فلو قامت، في بغداد أو في أيّ جزء من العراق، حكومة علي شاكلة الطالبان أو دولة أصولية راديكالية، فإنّ موجات الصدمة سوف تتردّد علي امتداد العالم المسلم. والقوي الراديكالية في البلدان المسلمة، أو الأقليات المسلمة في البلدان غير المسلمة، سوف تتجاسر في هجماتها علي الحكومات القائمة. ولسوف تتعرّض للخطر السلامة والاستقرار الداخلي في كلّ المجتمعات الواقعة ضمن نطاق الإسلام المتحزّب ...هكذا، إذاً! هل احتلال العراق محض أحدوثة ، ليس أكثر؟ كنّا، وفق التنظير العقائدي المحافظ (قديمه وجديده) قد اعتقدنا أنها محطة فاصلة كبري في تارخ الحملات الصليبية الأمريكية، بل والغربية إجمالاً، من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقّ المجتمع الدولي في تعديل أو حتي إغفال أو إسقاط مبدأ السيادة الوطنية من أجل الصالح الإنساني العام، إلخ... إلخ...؟ وهل الخشية، كلّ الخشية، هي احتمال قيام حكومة علي شاكلة الطالبان أو دولة أصولية راديكالية ؟ مَن الذي سيقيم الحكومة أو الدولة: السيستاني، أم الزرقاوي؟ ألم يكن العراق، ساعة احتلاله، دولة علمانية بحسب التوصيف الأمريكي ـ الغربي، وذلك رغم نظام صدّام الإستبدادي الشمولي الفاشي (كما نقول نحن وسوانا، وكما لم تقلْ أمريكا إلا متأخرة جداً)؟ وهل نفهم الآن، متأخرين كثيراً في الواقع، أنّ احتلال العراق لم يكن لتدمير أسلحة الدمار الشامل، ولا إنقاذ العراقيين من نير الدكتاتور، ولا صناعة وإهداء الأمثولة الديمقراطية إلي الجوار والمحيط الشمولي الإستبدادي بأسره، وإنما من أجل... صناعة أحدوثة جديدة في الصراع ضدّ الإسلام الراديكالي؟ التاريخ، حسب بروفيسور التاريخ هنري كيسنجر، لا يكرّر نفسه بدقّة. ولكنّ التاريخ قد يكرّر نفسه بدقّة أقلّ ربما، أو علي النحو الذي عبّر عنه كارل ماركس ذات يوم في صياغة لامعة خالدة: مرّة في صيغة مأساة، والأخري في صيغة مهزلة! الأرجح انها، في ذلك، مهزلة سوداء مريرة لأنها تلهو بمصائر الأوطان وأقدار الشعوب، وتضع الحياة اليومية للبشر الأبرياء في عصف ريح عاتية مميتة من صراع القوّة الاعمي وتناطح القوي العمياء. وليس من فارق كبير في أن يُصنّف هذا التأويل الأحدث لاحتلال العراق في خانة مواقف كيسنجر المهزلة أو كيسنجر المأساة، خصوصاً إذا مارس المرء تلك الرياضة المستحبة في ربط الحاضر بالماضي، أو في أقلّ تقدير عدم فصل الموقف الحاضر عن المواقف الماضية.هنا لائحة مختصرة عن تلك المواقف:ـ نصح الدولة العبرية بسحق الإنتفاضة علي نحو وحشيّ وشامل وخاطف ، وهذه كلمات كيسنجر الحرفية التي سرّبها عامداً جوليوس بيرمان الرئيس الأسبق للمنظمات اليهودية الأمريكية؛ ـ الموقف التشريحي المأثور من الإحتلال العراقي للكويت، ودعوة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب إلي تنفيذ ضربات جراحية تصيب العمق الحضاري والإجتماعي والإقتصادي للعراق (لبلد والشعب، قبل النظام وآلته العسكرية والسياسية)؛ـ الدعوة العلنية، المأثورة تماماًُ بدورها، إلي نزع أسنان العراق دون تدمير قدرته علي مقاومة أي غزو خارجي من جانب جيرانه المتلهفين علي ذلك، في مقالة مدوّية بعنوان جدول أعمال ما بعد الحرب ، نشرها بتاريخ 28/1/1991؛ ـ توبيخ فريق رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق القتيل إسحق رابين، لأنّ ماتعاقدوا عليه مع ياسر عرفات في أوسلو ثمّ في البيت الأبيض ليس سوي أوالية Mechanism متحرّكة ستفضي عاجلاً أم آجلاً إلي دولة فلسطينية (هي التي يرفضها كيفما جاءت، وأينما قامت، ويستوي لديه أن تتخلق من محض أوالية أو تنقلب الي أقلّ من بلدية)؛ـ سخريته من بعض الفتية الهواة في البيت الأبيض ممّن يخلطون البزنس بالأخلاق، والتجارة بحقوق الإنسان (مثال الصين)، ولا يميّزون في حروب التبادل بين العصبوية الأورو ـ أمريكية وشرعةالتقاسم الكوني لسوق شاسعة بقدر ماهي ضيقة (مواثيق الـ غات وأخواتها)... هذه لائحة ذات نفع كبير في قراءة الخلفية الفكرية والجيو ـ سياسية والأخلاقية لما يقوله كيسنجر اليوم عن العراق، ومثلها في النفع تلك الوصفة الفريدة لعلاج الكون، والتي اجترحها في كتابه الضخم دبلوماسية ، 1994. هذا، علي الأرجح، هو عصارة فكر الحكيم الستراتيجي الذي لا يغيب ظلّه عن ردهات البيت الأبيض أو البنتاغون أو تلة الكابيتول الرمادية الكابية: مقيم ما أقامت البراغماتية والتعاقد السرّي (المفضوح للغاية، مع ذلك) بين توازنات القوّة وانعدام الحدّ الأدني من الأخلاق، بين العنف والرطانة الليبرالية، وبين الدم والبترول. وهو عصارة بقدر ما هو وصفة وبلسم لمداواة عالم خرج من قمقم الحرب الباردة دون أن يهتدي الي فضاء (فكيف بقمقم!) جديد، وما يتمحور معه من أعراف جديدة وألاعيب (تسمّي ستراتيجيات من قبيل التهذيب الذرائعي)، ومسننات صاخبة دوّارة ... دوّارة لأنها لا تتوقف الا إذا توقف السوق، وهيهات للسوق أن تفعل!مباديء الوصفة تقوم علي التالي:1 ـ العالم الراهن يقتضي، أكثر من أي وقت مضي، امتلاك المعني الأشدّ وضوحاً وبروداً ونفياً للعواطف بصدد مضمون وجدوي مفهوم المصلحة الوطنية (والكونية، لأنّ المصلحة الوطنية الأمريكية هي مصلحة البشرية، شاءت تلك البشرية أم أبت)؛2 ـ ينبغي وضع أكبر قدر ممكن من علامات الإستفهام والريبة، أبد الدهر و دونما تردّد أو تلكؤ، علي أي ترتيبات متصلة بالأمن الجماعي، سيما تلك التي ترتكز جوهرياً علي ذلك الإجماع الصوفي الغامض حول أخلاقية انتفاء القوّة (وبالتالي اللجوء إليها) في مختلف ميادين العلاقات الدولية.3 ـ لا مناص من ترجيح (ثم صياغة وتطوير) التحالفات الصريحة القائمة علي المصلحة المشتركة، وغضّ النظر عن التحالفات المقابلة، تلك التي تحوّل مقولات السلام و الحرّية إلي شعارات وشعائر زلقة ومطاطة وجوفاء. أعراف القرية الإنسانية الكونية ليست قابلة للصرف في سوق مزدحمة شرسة لا ترحم. أعيدوها إلي أفلاطون والأفلاطونيين، وفي الإعادة إفادة وتجنيب لشرّ القتال!4ـ تأسيساً علي ذلك، لا بدّ من إقرار واعتماد الحقيقة القاسية التالية: التنازع، وليس السلام، هو الأقنوم الطبيعي الذي ينظم العلاقات بين الشعوب والقوي والأفراد.5 ـ لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل توجد مصالح دائمة فقط . كان اللورد بالمرستون (وزير خارجية بريطانيا بدءاً بثلاثينيات القرن الماضي)، علي حقّ حين اجترح هذه العــــبارة الذهبية. إنه علي حقّ اليوم أيضاً، أكثر من أي وقت مضي.... الأمر الذي يردّنا إلي العراق المعاصر: أين المعني الأشدّ وضوحاً وبروداً ونفياً للعواطف بصدد مضمون وجدوي مفهوم المصلحة الوطنية الأمريكية، في استمرار الإحتلال الأمريكي للبلد؟ البقاء فيه إلي ما شاء الله، أو حتي يتأكد الحكيم كيسنجر من أنّ أيّ وكلّ احتمالات قيام حكومة طالبانية (بأيّ مذهب: شيع أم سنّي؟)، أو دولة أصولية (أين؟ في الجنوب أم في الشمال أم في الوسط؟)، وريثما يتمّ استئصال الإسلام الجذري من جذوره؟ وعلي أيّ ترتيبات أمن جماعي في العراق ينبغي أن نضع علامات الإستفهام التي تحثّنا وصفة كيسنجر علي استخدامها؟ تلك التي تعيد إحياء نظرية الإحتواء المزدوج، لتصبح اليوم احتواء فردياً وفردانياً لإيران؟ أم تلك التي تحتوي قوس الإسلام التاريخي ، الذي رأي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبغنيو برجنسكي، أنه الرحم الخصبة الولاّدة لأعقد مآزق الغرب ؟ أم هي، أيضاً وأساساً وقبلئذ وبعدئذ، أمن إسرائيل وأمن النفط علي قدم المساواة والتوافق والاتفاق؟ وأيّ تحالفات صريحة قائمة علي المصلحة المشتركة ينبغي أن تقيم الولايات المتحدة اليوم، من أجل كسب سلام العراق، وتدبّر ستراتيجة مخرج تنقذ ما يمكن إنقاذه، أو تحفظ ماء الوجه في أقلّ تقدير؟ ولكن... هل من فريق، ما خلا الزرقاوي ربما، يأبي التحالف مع واشنطن في عراق هذه الأيام؟ وبناء علي هذا التساؤل، الذي لا مناص من أن يأخذ صيغة الإيجاب والنفي في آن معاً، هل يصحّ، وكيف، نطبّق الحقيقة القاسية التي اعتاد كسينجر اعتمادها، في مثال العراق: التنازع، وليس السلام، هو الأقنوم الطبيعي الذي ينظّم العلاقات بين الشعوب والقوي والأفراد؟أم ـ أخيراً، ولأنه لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل توجد مصالح دائمة فقط ـ نترك العراق ينزف ويُستنزَف بأنياب ذئاب من كـــلّ صنف، أو بحماقات ما هبّ ودبّ من أفلاطونيي آخر زمان؟
[
POSTED
@
8:44 م
]

سالي بوتر بعد تفجيرات لندن
أمجد ناصر
القدس العربي لم يكن مستغرباً أن تفكر المخرجة والكاتبة البريطانية سالي بوتر في هذا التقابل التاريخي، الحقيقي أو المصطنع، بين الشرق و الغرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.الحدث بهوله وضخامته فجرَّّّ سلسلة من ردود الفعل والأسئلة في العالمين اللذين يراد لهما أن لا يلتقيا (بحسب مقولة كبلنغ)، لم تنته فصولاً بعد.خاض كثيرون في مقولة الشرق و الغرب ، صراع الحضارات ، حوار الثقافات ، إلي آخر المصطلحات التي انتجها يوم الحشر النيويوركي ذاك، لكن نغمة مختلفة كانت تدندن في أعماق سالي بوتر.نغمة تأتي من جهة أخري: جهة القلب.لم تكن هذه المخرجة البريطانية، التي قدمت أعمالاً ذات طابع طليعي وتجريبي أول السينمائيين المبادرين إلي التقاط خيط من التداعيات التي ندّت عن الحدث المجلجل، بل وعملت عليها من زاوية لا تلتقطها سوي عين المبدع العاشق.فيلمها Yes الذي عرض في مهرجان لندن السينمائي الماضي كان ثمرة هذه الاستجابة لحدث قسّم العالم فسطاطين (بحسب مقولة بن لادن) واستوي علي رؤوس الحراب.ليس في فيلم سالي بوتر تنطع سياسي أو فكري حيال ما حدث.بل ليس فيه اشارة إلي الحادي عشر من سبتمبر.الفيلم بعيد عن ذلك.وأبسط، في حكايته وحبكته، مما نتصور.لكنها البساطة التي تعود بالأشياء إلي فطرتها الأولي: الناس ومشاعرهم.للفيلم حكاية بسيطة، بل متوقعة في أفق العلاقة المحكومة بميراث عريض من الصراع بين رجل شرقي وامرأة غربية .الرجل الشرقي جرّاح من لبنان.نعرف ذلك من حديثه عن الحرب التي فرّ منها إلي لندن حيث ينتهي به المطاف إلي العمل طباخاً في مطعم.المرأة الغربية عالمة أمريكية من أصل ايرلندي. لكن الرجل الشرقي (يلعبه الممثل الأرمني ـ اللبناني المقيم في باريس سيمون أبخيريان) الذي يفرُّ من الحرب وتبعاتها في بلاده إلي أمان الغرب، يجد نفسه في بيئة تجهر بتعصبها ضد الآخر ، هذا الغريب الغامض القادم من ثقافة أخري، فيما المرأة الغربية (تلعب دورها الممثلة الامريكية جوان الين) تجرجر وراءها حطام حياتها الزوجية بعد اكتشافها خيانة زوجها لها.الصدفة وحدها تجمع بين هذين الشخصين المدحورين في حياتهما، لتبدأ حكاية لا تكف عن التكرار منذ بدء الخليقة إلي أن ينتهي العالم: الحب بين الرجل والمرأة.غير أن هذا الحبّ الذي تؤججه الرغبات الحسية لا يتمكن، بعد اشباع الرغبة الأولي، من اجتياز الحواجز التي أقامها تاريخ القوة علي أرض صلبة بين شطري العالم القديم: الشرق والغرب، الإسلام والمسيحية، الأنا والآخر، سمّهما ما شئت.فمن الذي سينتصر في هذا النزاع الثاوي في أسفار التاريخ وتغذّيه اليوم نزعات القوة والسيطرة، أكثر مما يغذيه الاختلاف الثقافي.. أو الحضاري الحقيقي؟أهي الفكرة التي ترفعها القوة حجة علي تسلحها بالنار والحديد، أم الفطرة الانسانية؟من يشاهد الفيلم الذي سيعرض قريباً في الصالات اللندنية (وربما في عواصم عربية وغربية أخري) سيعرف الجواب!لكن المشاهد اللندني لن يشاهد الفيلم بالنفسية ذاتها التي شاهده فيها عندما عرض في مهرجان لندن السينمائي الماضي.هناك جرح أصاب المدينة بعد تفجيرات 7/7، ومحاولة اعادة الكرَّة بعد اسبوعين.كانت أحداث 11 سبتمبر بعيدة، زمناً وجغرافيا، عندما عرض الفيلم أول مرة، أما اليوم فهو يأتي بعد أن وصلت النار إلي داخل البيت لا خارجه.الغريب في الأمر، ان الفيلم يتنبأ، بلسان أحد الانكليز المتعصبين، بحدث مماثل.أحد زملاء الرجل الشرقي في المطبخ يتحدث عن الجهاد الذي لم يعد بعيداً عن بلاده، لكنه يمزج ذلك بعداء صريح، فظ، للمهاجرين وطالبي اللجوء السياسي الذين ينازعونه مطرحه وعمله.اليوم وقد تحققت احدي النبوءات العارضة التي لم يكن يتمناها الفيلم، صار لـ رسالته معني مضاعف: الفهم، وليس التفهم.فهم الأنا لـ الآخر ، والاصغاء العميق لبعضهما البعض، واحترام أحدهما الآخر. الاحترام نقطة مركزية يشدد عليها فيلم سالي بوتر أكثر من تشديده علي الحب.فلا حب حقيقيا بلا احترام حقيقي، سواء تعلق الأمر بين بطلي الفيلم (الرجل والمرأة) أم بين الشعوب والثقافات.
[
POSTED
@
8:44 م
]

المسيح السوري.. حوار متأخر مع نزيه أبو عفش
عباس بيضون
قبل نزيه ابو عفش فضّل ألبير كامو (بين الجزائر وفرنسا) امه على العدالة، أما نزيه ابو عفش ففضل (بين سوريا ولبنان) أمه على خالته. ما عده كامو مسألة فلسفية كان عند ابو عفش تورطا في شقاق عائلي. الدراماتيكية العالية والوجدانية والاعلاء المسيحاني لم تحل دون ذلك، فسجال ابو عفش في «يوميات العار» في مجلة الآداب بدون سؤال فعلي سياسي او فلسفي او اي سؤال آخر.
انه غاضب نزيه ابو عفش لكنه يتردد بين يصبح مسيحا متعاليا او موتورا بلديا (صاحب وتر) او محرضا سياسيا عاما. وهو يكون هذا او ذاك في لمحة. فالارجح ان نص ابو عفش المكتوب بأناقة وسلاسة مدهشتين كان سُوقا لكل شيء. ما بدا بفضل الاسلوب متماسكا لم يكن في القرارة سوى مجتلبات من كل مكان. الغضب وربما الألم يتعلقان على شوارد شتى. الموعظة على الجبل بجوار الخطاب البلدي بجوار الرطانة السياسية. مع ذلك فان هذا كله حشو واضافات فالنص تقريبا بلا مسألة وقد لا يكون اكثر من حزازة.
نصدق بالطبع ان نزيه ابو عفش لم يكن في يوم «غارسونا لدى النظام الحاكم في سوريا»، ونعرف بالطبع انه ليس في المخابرات ولا من الطبقة الجديدة. الا اننا لا نعلم لماذا يتكلم بصيغة النحن عندما يتكلم عن دخول الجيش السوري وانسحابه. ما شأنك يا نزيه في هذا وذاك. ولماذا تتبرع في هذه اللحظة بان تتحمل اوزارا لا تعرف حتى ما هي. ليس ابو عفش بالتأكيد «غارسونا» لدى النظام لكن النحن التي ينضوي فيها شاملة لا تستبعد النظام والشعب وسوريا كلها. ومقابلها يريد ابو عفش ان تكون انتم التي تخص اللبنانيين شاملة لا تستثني احدا «لم يبق احد في لبنان الا وصب جام كراهيته على سوريا... لم يكونوا يصرخون ضد النظام السوري بل في كثير من الاحيان وربما كلها يقصدون السوري/العرق السوري» بل ان المثقفين اللبنانيين الذين وجهوا رسائل حب الى السوريين محل ريبة فهم «يتصدّقون» وهم لا يستثنون (من كراهيتهم) سوى بضع عشر نفرا من اصدقائهم «الحبابين الابرياء». ثم ان ابو عفش يصدق ان ريمون جبارة يتكلم عن نفسه وحدها، او ان المثقفين يريدون حقا الدفاع عن العمال السوريين او ان محمد علي الأتاسي مرحب به في النهار، وانه هو يستطيع ان يعبر الى لبنان سالما ومرحبا به كالكثير من المثقفين السوريين الذين جاؤوا بشجاعة كبيرة ليشاركوا في جنازات زملائهم اللبنانيين. يريد نزيه ابو عفش ان يتصوّر استئصالا لبنانيا لكل سوري في لبنان يصل حتى الى «عظام يوسف الخال ودماء كمال خير بك». استئصال لا يشمل ادونيس وغادة السمان (وبطبيعة الحال نزيه نفسه). يريد ان يكون الأمر كذلك ولا يستشير الوقائع ليعرف ان الصحافة اللبنانية تستفيد اليوم أكثر من أي وقت مضى من الكتّاب السوريين. لماذا هذه الدراماتيكية ولماذا هذا الاصرار على تصور كارثي. لماذا ليس لديك سوى نحن وانتم، نحن بكل ما عندنا وانتم بكل ما عندكم بما في ذلك طبعا المخابرات والجلاوزة والمنتفعون، لا يحتاج هذا الكلام الى دحض، سار مئات الألوف ليقولوا شكرا لسوريا اما ما يحتاج الى تفسير فهو هذا الاصرار، رغم الوقائع كلها، الى مجابهة اللبنانيين كلهم بالسوريين كلهم، مجابهة تحيل الطرفين الى معسكرين وأين؟ داخل الجغرافية الواحدة والتاريخ المشترك. معسكرين هما بالنسبة لنزيه في واحدة من صوره المأثورة المسيح في مواجهة الفينيقيين الذين صرخوا كاليهود «اقتلوا سوريا». لقد «صلب» اللبنانيون سوريا وبالتالي فإن 15 عاما من هيمنة النظام السوري لم تكن تعذيبا للبنانيين ولبنان، لقد كانت بحسب لغة النص «حماية» بل حماية آثر بها النظام السوري لبنان على سوريا نفسها «اذا كان من واجبنا حقا حماية لبنان فمن واجبنا قبل ذلك التطلع الى حماية سوريا». هذا ما يعرفه ابو عفش عن تاريخ الانتداب السوري. شعر ابو عفش ان الفؤوس التي هوت على «التمثال» تغوص في لحمه وتهشّم كرامته الوطنية، في لحظة واحدة تضم النحن الطبقة الحاكمة والمخابرات وتغدو الكرامة الوطنية مطابقة بالطبع للصور والتماثيل، ويمكن بالسهولة ذاتها ان يتمثل الوطن بقبعة عسكرية.
يتأذى ابو عفش من أنه في كل «مناسبة ومحنة، يتوجب علينا، نحن الشعب المغلوب، ان ندفع نحن اخطاء انظمتنا». أما ما يفوت نزيه ابو عفش فهو ان اصراره على مجابهة الأنتم والنحن ليست شيئا سوى ذلك. فالشاعر المعذب يدفّع واعيا شعبه المغلوب ثمن «اخطاء نظامه» ولن يهتم النظام السوري حين يصير بفضل ألمع شعراء سوريا مسيحا مصلوبا على ايدي «اليهود» اللبنانيين اذا لم يكن ابو عفش بعثيا ولا غرسونا للنظام. لم يفعل ابو عفش كما فعل الروس والفرنسيون وحتى الارجنتينيون بأنظمتهم عندما عادت اليهم منهزمة. لقد فعل ما فعله العرب بعبد الناصر وصدام حسين، اعطوهم في الهزيمة ما لم يعطوهم في النصر، وأبو عفش على طريقة العرب لا تزيده الهزيمة (اذا كان الخروج من لبنان حقا هزيمة وعاراً وأشك في ذلك) إلا مازوشية لكنه هذه المرة يسلخ جلد شقيقه اللبناني بديلا عن نفسه.
«نحن لسنا بدلاء عن الله لنقوم بحراسة مزارع الآخرين وبيوت الآخرين وأوطان الآخرين وجنون الآخرين». هذا ومثله يكرره نزيه ابو عفش مرارا ولا يعرف قائل هذا المجاز ماذا يحمّل المجاز وأي معان تقع تحت الحراسة والحماية. الارجح انه وقع في فتنة مجازه حتى نسي ان هذا ما يذيعه النظام عن مهمته في لبنان وما يحمل الناس على تصديقه. أعيذ ابو عفش من ان لا يعرف تاريخ النظام السوري في الحرب اللبنانية وكيف كانت «حراسته» للمجتمع والدولة والاقتصاد في لبنان.
أعيذ ابو عفش من مغبة كلام قيمته في عصبه لا في حقيقته. من يقرأ ما يقول عن جرح الكرامة وعنصرية اللبنانيين ضد «العرق السوري» يظن ان الجيش اللبناني كان يهيمن على سوريا وان زجر رئيس الوزراء اللبناني وأمره في عجالة دقائق بأن يذهب ليصوت للتمديد تكريم صريح، وان احتشاد الزعماء اللبنانيين في عنجر من عنصريتهم المفرطة، وان التلاعب بالمقدرات والرجال طوال 15 عاما احترام جزيل. وأن كل هذا لا وزن له امام عودة الجنود السوريين «ابنائنا واخوتنا... تحت وطأة الاحساس بالمذلة» فاللبنانيون المهانون طوال هذه المدة ليسوا (ابناءنا ولا اخوتنا) بالطبع ونسمي ردودهم اذا احتدت «عنصرية».
العنصرية والكراهية هما ما يستخلصه ابو عفش عن اللبنانيين. اما السوريون فلو واجه اي من اللبنانيين «اساءة صغيرة او هفوة لسان او غمزة عين فلسوف يجد الى جانبه عشرين مليونا من البشر». اي هذر هذا، ولماذا لا يحتشد نصف هؤلاء او بعضهم امام الاساءة التي تطال السوريين انفسهم وهي اكثر من هفوات اللسان وغمزات العيون. لماذا لا يحتشدون ضد التعذيب والانتهاك مثلا. هذر وكلام لا يستند الى ذرة من الوقائع، لكنه يقال وصاحبه لا يدري انه يحرّض، يحرّض قومه على ان يتحدوا ويقوموا قومة واحدة ضد جار ضعيف لمجرد انه رفع عنه يد جاره القوي.
لا شك ان هناك عنصرية لبنانية، لكنها ايضا عنصرية اللبنانيين على بعضهم البعض والحرب الاهلية بالتأكيد سجل لها. انها عنصرية في مجتمعات لا تزال العنصرية اساسا في لحمتها ولحمة جماعاتها ولا ينجو من ذلك السوريون وغير السوريين. نزيه ابو عفش محق في رثائه للعمال السوريين الذين قتلوا او اضطهدوا. لكن المثقفون اللبنانيون الذين ادانوا ذلك، ليس تصدقا، كما يقول ابو عفش، ليسوا أبدا قليلين. الا ان ابو عفش لا يدري ان مئات قتلوا من المسيحيين اللبنانيين طبعا يوم قتل كمال جنبلاط ومئات قتلوا من المسلمين اللبنانيين ايضا يوم قتل بشير الجميل ولم يكن الجاني مسيحيا ولا مسلما في الحالين. الغرائز اتجهت الى الجاني والمفترض. الامر تكرر مع العمال السوريين، كان ذلك بشعا لكنه ليس كراهية محصورة بالسوريين.
أما ما يصل إليه في النهاية ابو عفش ففاضح «لكن فقط لتبق المطربات والرقاصات (بشرط ان يتقن اللغة الفينيقية حصراً) لعل شارع زيتونة جديدا سيكون بحاجة... الى توطيد أواصر الاخوة مع اشقائنا «عربان» النفط المبجلين. اقل ما يمكن وصف هذا النص به بأنه بدوي وان هذا موقف البداوة من المدينة، وان هذه هي قيم الدم والرحم ضد الحياة والتنوع. بل، ان هذا الموقف هو ما حمله دائما عسكريو الريف وهم يتحكمون بالمدن في دمشق وبيروت، تحت الشعور بأنهم يحملون قيم الرجولة والشهامة والعائلة ضد الانحلال والتأنث والمتعة. ليس لبنان فقط الزيتونة والمومسات لكنه ايضا بحسب النص «البيك الاشتراكي» و»الجزار الديموقراطي» و»حضارة الميليشيات والطوائف والعصبيات». لست وطنيا في الثقافة على الاقل ولا اهتم بالدفاع عن ثقافة بجملتها لكني اتساءل: اذا لم تكن الحزازة والكراهية والعنصرية (المقلوبة) هذه الكلمات فماذا تكون. وقد اتساءل اذا كان في هذا الكلام غير ايديولوجيا الاستبداد.
نزيه ابو عفش صديق قريب لكنني احتطت من ان اقول ذلك لارتيابه، بحسب نصه، بكل من ابدى صداقة للسوريين. احتطت لكن ابو عفش صديق وكثيرون سواه من مثقفي سوريا اصدقاء. وأنا برغم احتياطي هذا أكرر إعجابي بشجاعة هؤلاء التي اخشى اننا نفتقد مثلها عندنا. ما زلت اظن ان واجب المثقف الاول ان ينتقد مجتمعه ودولته وثقافته. ذلك يحتاج وعياً نقديا يتخلف عنه أدباء وشعراء تدفعهم نعرات بلدية وشعبوية الى ان يتبنوا سياسات صغيرة ومحلية. الأدب لا ينجو من مشاعر جمعية قد تتحول دون علم اصحابها الى وطنيات مغلقة وفاشيات. اريد ان اقول ان ابو عفش قد يكون ضحية لمشاعر من هذا النوع، مع ذلك فإن مقالته خطيرة وينبغي التنبيه الى خطرها. اذ لا تجوز في زحمة الدراماتيكية المبالغة واللعب المجازي لا خيانة الحقائق فحسب بل تحول الشاعر، بدراية او غير دراية، الى بلبل للنظام يدعمه بالشعب والأرض ويصوره مسيحا مصلوبا. لنتذكر ان واجب الشاعر الوحيد هو الحرية وانه، مهما حدث، ينبغي ان يحذر من ان يغدو مغنيا للاستبداد.
شفاف الشرق الأوسط
[
POSTED
@
8:43 م
]

قصة يجب أن تُقرأ (ليلة سقوط بغداد)
أمير أوغلو – الدانمارك
لا أذكر منذ سنوات، أنني أمسكت بكتاب فلم أتركه حتى أنهيت قراءته، خاصة إذا كانت صفحاته تعُدّ الأربعمائة من القطع الكبير، ولكن هذا الكتاب يشدك إليه بطريقة سحرية فلا تجد مفرا من أن تواصل القراءة وأنت تنتابك مشاعر مختلفة: تحزن مرة وتضحك مرة وتبكي مرة وتتألم مرات ولكنك لا تستطيع تركه. هل هو أسلوب الكاتب المميز؟ أم هي بغداد التي تريد أن تعرف عنها أكثر وأكثر؟ أم هي الحرب الظالمة والاحتلال المقيت الذي تتمنى أن يكون مجرد قصة؟ هل هي الحقائق التي تتكشف لك من خلال الكتاب؟ هل هي الحياة الشخصية العائلية أم الأصدقاء؟ هل هم الأموات أم الأحياء يشدونك فلا تستطيع التوقف حتى لو انتهى الفصل الطويل أو حتى لو شعرت بقرب طلوع الفجر وأنت مازلت مستيقظا تتذكر فجأة أنك لم تنم ولكنك تريد أن تساهم في المعركة وأن تبقى ساهرا من أجل بغداد من أجل العراق بل من أجل بلدك ومن أجل أولادك ومن أجل أمتك. كل هذا تعيشه في هذه القصة وقد يكون من الظلم أن أصفها بأنها قصة فهي قصة وتاريخ وأدب وسيرة ذاتية. كاتبها (د. أحمد خيري العمري) تألق من خلالها كما تألق من خلال كتابه الأول "البوصلة القرآنية" ولكنه هنا يقسو عليك أكثر وبأسلوب مختلف، هو دكتور ولكنك ستكتشف أنه لا يحمل دكتوراه في الأدب العربي بل هو طبيب أسنان ولكنه ترك حفر الأسنان في هذا الكتاب ليتخصص بالحفر داخل العقول فتراه يتسلل إلى أعماق قلبك فيحتله ويحفر فيه الألم، وإلى آعمق خلية في دماغك يريد أن يمحو ما فيها ويثبت أفكاره عن الإحتلال وعن الحرب وعن الأسباب وعن المسببات. هو طبيب أسنان ولكنك ستكتشف من خلال قراءتك أنه متخصص في شيء آخر، إنه متخصص في العلاج بالصدمات، فهو يصدمك بمشهد ثم يقدم لك السبب والحل والعلاج. أسلوبه فريد ومتميز لا يدع لك مجالا للتفكير فيما يقول فإذا به ينقلك إلى المشهد الآخر لمزيد من التشويق ومزيد من الصدمات ومزيد من العلاج. ربما استمد الكتاب قوته من القصة قصة السقوط التي هي أصلا محفورة في قلب كل مواطن عربي. ربما استمد الكتاب قوته من أن الكاتب من بغداد يعرف عنها ما لا يعرفه من كتب عن السقوط من غير أهل بغداد. ربما استمد الكتاب قوته من أن الكاتب لم يغادر العراق قبل الحرب ولا أثناء الحرب ولا بعد الحرب فمنحه البقاء قوة. ربما استمد الكتاب قوته من الفكر المتميز القابع خلفه أو من التحليل الدقيق للأسباب أسباب السقوط وأسباب ما قبل السقوط وأسباب ما بعد السقوط. وربما كان كل هذا مجتمعا هو سر جمال الكتاب وسر قوة الكتاب. يرحل بك الكتاب بعيدا في الزمان فتستغرب، ولكنك تكتشف أن جذور السقوط كامنة هناك فيزول استغرابك. يرحل بك الكتاب بعيدا في المكان فتتعجب، ولكن عجبك سرعان ما يتبدد عندما يريك الكاتب الرابط بين الأمكنة. يحكي لك الكتاب عن أشخاص مختلفين متفرقين من كل المذاهب والمشارب فإذا بهم بعد قليل مجتمعون مترابطون توحدهم القصة فتصهرهم في حبكتها ليصبحوا ألوانا متعددة في لوحة رائعة الجمال. لكن أجمل ما في الكتاب أنه واقعي لم يختلق شيئا ولم يصف إلا ما جرى حقيقة، حتى الأشخاص كما يقول الكاتب في المقدمة حقيقيون ليس فيهم شخصية خيالية واحدة. مشكلة الكتاب الوحيدة أنه يحمل جرعات من الألم قد لا تتحملها ولكن ميزته أنه يقدم لك جرعات من العلاج في نفس الوقت. ستعيش حالات إحباط ولكنك سترى بعدها مباشرة بصيصا من الضوء يشدك لمتابعة القراءة حتى تصل إلى منبع النور. هذا على ما أعتقد هدف المؤلف يستثيرك ويغضبك ويؤلمك تماما كطبيب الأسنان ولكنك بعد العلاج تشعر بالراحة ويزول الألم ليحل محله الأمل، ويزول الغضب ليحل محله التعقل والتفكر ورؤية الطريق الواضحة أمامك، تزول الإستثارة ولكنك تشعر أنك تعرف تماما ما هي الخطوة التالية التي يجب عليك القيام بها. وقد نجح المؤلف في الوصول إلى هدفه هذا نجاحا كبيرا. لن أطيل عليكم حتى لا أفسد عليكم متعة قراءة الكتاب ولكنني في النهاية أرجو وآمل وأتمنى أن: أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل مواطن عربي أحزنه سقوط بغداد ويخشى أن تسقط عاصمة بلده كما سقطت بغداد وأتمنى أن يقرأ هذا الكتاب حكام العرب كلهم حتى لا تسقط عواصمهم كما سقطت بغداد وأتمنى أن يقرأ هذا الكتاب بشكل خاص السيد بشار الأسد والسيد حسني مبارك لآنهما المرشحان الرئيسيان كبطلين للقصة التالية (إن لم يكن لديهما الوقت فليقرءا الصفحة رقم 300 فقط على الأقل ليعرفا كيف سيتم السقوط المقبل) وأتمنى أن يقرأ هذا الكتاب أهل دمشق وأهل القاهرة فالتشابه بين العواصم الثلاث وما يخطَط للعواصم الثلاث أكثر من لافت للنظر وأتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل من ساهم في إحضار الأمريكان إلى العراق ليعرف لماذا يكرهه كل العراقيين وكل البغداديين وكل العرب وكل إنسان شريف وأتمنى أن يقرأ هذا الكتاب علماء الأمة الرسميون وغير الرسميين ليعرفوا أن وقوفهم إلى جانب الحاكم الظالم أو سكوتهم عن الحاكم الظالم بحجة درء الفتنة هو الفتنة بعينها وهي فتنة لا تبقي ولا تذر قد تلقي بهم إلى حيث لا يتمنون وأتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل مواطن عربي يعتقد أنه ليس مسؤولا عما يحصل في بلده الآن وأنه عليه فقط أن ينتظر حتى يقوم الآخرون بالتغيير بدلا عنه وأنه لا حاجة لمشاركته في عملية التغيير ليعرف مدى الجريمة التي يرتكبها بحق وطنه وأمته ونفسه وأولاده وأسرته ختاما .. أتمنى أن يكبر أولادنا وأن يقرأوا هذا الكتاب قبل أن تسقط بقية عواصمنا.
خاص – صفحات سورية -
[
POSTED
@
8:42 م
]

عندما تُعتقل الكلمة
بقلم: صالح بوزان *
أخبار الشرق
كنت أنتقد سابقاً أولئك الكتاب الذين التجؤوا إلى الصمت رغم ما لديهم من الآراء النيرة وإمكانيات فكرية فعلية للمساهمة في قضايا الشعب والوطن. ولكن .. ومع الأيام، أدركت حقيقة مواقف هؤلاء الكتاب، وبدأت أتعاطف معهم، بل أشعر بشيء من الإجلال تجاه قرار صمتهم الذي يعبر عن الاحتجاج من ناحية، وعمق مأساة الأمة من ناحية أخرى. فعندما تعتقل الكلمة في الفم أو تغلق المنافذ أمامها للوصول إلى أذهان الناس، فإن ذلك يعني بالضرورة أن الأمة تسير إلى الجاهلية. أزعم أن الكلمة فقدت فاعليتها وتأثيرها في هذا الشرق. فالنظام العربي - على سبيل المثال - وضع كل إمكانياته المادية والمعنوية لاضطهاد الكلمة واعتقالها أو تشريدها، بل وصل الناس إلى حالة أصبح ذهنهم لا يستقبل الكلام والفكر، بل ثمة شريحة واسعة منهم تنظر إلى الكلمة بشيء من الاحتقار. ويعتبر النظام العربي أن هذه الحالة هي الوطنية الحقة. أتساءل أحياناً، لماذا تحولت مقولة السيد المسيح "في البدء كانت الكلمة" إلى عالم واسع رغم كل الاضطهاد في حينه، ولماذا استطاعت الآيات القرآنية الأولى أن تهز الأرض من تحت أقدام أقوياء مكة، بينما باتت الكلمة في بلداننا اليوم ذليلة، ضعيفة، عديمة الفاعلية في ظل الاستبداد الشرقي المتجدد. وإذا وضعنا الميثولوجيا الدينية جانباً، فحضارة البشرية الراهنة هي حصيلة ولادة ونمو الوعي البشري، لأن وراء كل حضارة مادية حضارة أخرى هي حضارة الكلمة (أي العقل). وقد بدأت كل الانعطافات التاريخية من مقولة بسيطة" هذا الواقع غير مقبول، ويجب تغيره لكي يصبح مقبولاً". وهكذا وصلت البشرية إلى القرن الواحد والعشرين وهي تحمل لواء الكلمة الفاعلة، هذه الكلمة التي جعلت كل قرن أفضل من القرن الذي سبقه. ولكي لا أغوص في الاستطراد كثيراً، فإنك تستطيع اليوم أن تدخل عالم الإنترنت من خلال كلمة واحدة أو عدة حروف، وتفتح أمامك أبواب العالم، وإذا كنت تعرف الإنكليزية أيضاً، فبإمكانك أن تحصل على أية معلومة ومن أية بقعة في العالم. لكن النظام الشرقي عامة والعربي خاصة وقف ضد الكلمة ومنطقها. فمنذ أن ركب ذلك العسكري دبابته وتجاوز القانون، معلناً نفسه حاكماً عرفياً مطلقاً على البلاد والعباد، ومن ثم قال للكلمة: تعالي خلفي، فمنذ ذلك التاريخ أصبح المنطق مغلوباً على أمره. أزعم أن الخطوات الأولى للنظام العربي الراهن كانت شلّ جدلية التفكير ووضع قياس مسبق للكلمة بحدود قامة الحاكم العرفي الذي أخذ ينظر إلى كل ما حوله من خلال سبطانة دبابته التي دخل بها قاعة البرلمان. كانت لهذه الخطوة تأثيرها الكبير على الساحة الفكرية قبل السياسية. فتقلصت (عملياً انتهت) كل التيارات التي لم تلتزم ببيان رقم (1) الذي أصدره الحاكم العرفي. وكانت النهاية إما السجن أو التشريد، أو إجبار قسم من الكتاب والمثقفين على الصمت الذاتي. وكان هذا نوعاً آخر من سجون الشرق التي استحدثها النظام العربي (أقصد الصمت الذاتي). أما الذين خضعوا للحاكم العرفي، سواء بالترغيب أو بالترهيب، فتحولوا مع الزمن إلى كورس ديني لتبرير الاستبداد الشرقي المستحدث، بل اعتبروا هذا الاستبداد حكمة شرقية جديدة. فكل مستبد في هذا الجزء من العالم هو قائد المسيرة، قائد الضرورة، صاحب السياسة الحكيمة، هو الملهم والتاريخي .. وغير ذلك من الألقاب التي استحدثها أدباء ومثقفو النظام العربي، وجعلوا من مسيرة كل حاكم عرفي ملحمة وطنية كبيرة للأمة، ومن لا يفتخر بها أو يقلل من شأنها يصبح لا وطنياً وربما خائناً ومرتبطاً بالعدو الخارجي. لقد أرّخ هؤلاء الكتاب "انتصارات" للحاكم العرفي، ومسيرات"ظافرة"، لدرجة عندما تقرأ إحدى هذه السير تشعر وكأنك أمام أحداث آلهة الإغريق. وهكذا كانت سنوات حكم الحاكم العرفي العربي هي سنوات القحط الفكري، وفراغ الساحة الوطنية من العقول النيرة. وانتهت المعارضة الأصيلة إلى الموت البطيء أو التعايش مع وصايا الحاكم العرفي، وهو نوع آخر من الموت. وكان لطول عمر الحاكم العرفي وديمومة بقائه على كرسيه الذهبي دور أساس في كل ما تعانيه هذه المجتمعات من فساد عام. فساد في الاقتصاد لا مثيل له في العالم، وفساد في السياسة والفكر يذكرنا بعصر الانحطاط، وأهم من ذلك كله فساد في الأخلاق وفي الدين. لقد أفرزت مرحلة النضال الوطني ضد الاستعمار الغربي حركة وطنية رائدة فكرياً وسياسياً وأخلاقياً، وبرز كتاب يحملون عن وعي وجدارة القيم الوطنية العالية والانفتاح الواسع مع الحضارة العالمية. كان هؤلاء الرواد يفرقون بين الغرب الاستعماري وغرب الحضارة، ففي الوقت الذي وقفوا ضد الغرب المستعمر، فإنهم سعوا بكل جدية للارتقاء إلى هذه الحضارة الغربية اجتماعياً وسياسياً وقانونياً. كانت إحدى الخصوصيات الأبرز لهؤلاء الرواد الانتماء للشعب. لكن ذلك الذي ركب دبابته وأعلن نفسه حاكماً عرفياً قتل فكرة التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي والتقدم الحضاري، وقضى على تراث أولئك الرواد الأفاضل، وأفرز بدلاً عنهم رهطاً من الكتاب يتقنون النهج الميكيافلي في الوصولية وتبريد نهب البلاد واسترقاق العباد. لقد تكون حول الحاكم العرفي فيلق من الكتبة لا قيم لهم سوى الانتماء إلى هذا الحاكم العرفي أو ذالك. ربما لهذا كله أجلّ أولئك الكتاب الصامتين الذين أدركوا أن الحاكم العرفي أفسد التربة الوطنية وما عليها وجعل الأرض عاقرة. فلم يعد هناك أي معنى للوطن وللشعب والانتماء إليهما. هذا الانتماء الذي اعتبره الحاكم العرفي منذ بلاغه رقم (1) يهدد حكمه. ولهذا كله يجب أن نفهم لماذا الحاكم العرفي وحاشيته يشنون هجمتهم البربرية ليلاً ونهاراً على تلك البضاعة الغربية الملعونة التي تهدد الوطن والأمة والمسماة "الديمقراطية". من خلال التجربة العراقية الراهنة، نجد أن كتبة الحاكم العرفي من المحيط إلى الخليج أكثر جعجعة في الفضائيات العربية والإعلام عامة ضد الغرب وكل منتوجه، بما في ذلك الحضارة الغربية. ويجري التشكيك بها، والتباكي على الوطن والتراث القومي، في الوقت الذي كان حاكمهم العرفي وخلال حكمه المديد يقتل الناس ويذل العباد وينهب البلاد. إنهم لا يرون ما تقوم به زبانيته البربرية وجحافل زرقاوي المتوحشة بقتل يومي لا مثيل له في التاريخ المعاصر. أتساءل أحياناً ما الفرق بين أن يذلك المستعمر وينهب خيرات بلدك أو يقوم بذلك الحاكم العرفي الذي هو من بني جلدتك، ففي الحالتين أنت مادة للقهر والنهب واستلاب الإرادة. وقد يلتزم المستعمر ببعض القوانين الدولية. مثلما خضع، وكما هو معروف، لقرارات الأمم المتحدة وخرج من العديد من البلدان العربية في القرن الماضي. لكن الحاكم العرفي العربي لا يخضع حتى للقوانين التي يصدرها هو. إن اهتزاز العرش من تحت أقدام الحاكم العرفي العربي نتيجة تغيير الذي حدث في النظام العالمي وسيطرة القطبية الواحدة هو الذي يجعل صوته يعلو بالوحدة الوطنية، غير أن الجميع يدرك، بما في ذلك هو أيضاً، أن الوطنية التي يقصدها هذا الحاكم العرفي أو ذاك هي الكرسي الذي يجلس عليه. أخيراً، أزعم أن المشكلة الأساسية في هذا الشرق، بما في ذلك في العالم العربي سواء على صعيد الأفراد أو على صعيد الشعوب هي اعتقال الكلمة من قبل الحاكم العرفي، وعندما تعتقل الكلمة يغيب المنطق وينهار الأخلاق وبالتالي تختفي القيم الوطنية والإنسانية عامة. ومتى يتم تحرير الكلمة من الاعتقال عندئذ ستنهض الأمة بالتأكيد. __________ * كاتب سوري
[
POSTED
@
8:42 م
]

منتدى الأتاسي -مرآة المعارضة السورية - سحر حويجة ما أن أعلن الرئيس بشار الأسد، عن حق الرأي الآخر، حتى سارع الرأي الآخر إلى فتح المنتديات، التي امتدت على مساحة الوطن، عبرت عن رؤى واتجاهات مختلفة، بعضها وليد المرحلة الجديدة، و بعضها الآخر يتمتع بالقدم، وكان منتدى الأتاسي أحدها، يعبر عن حركة الاتحاد الاشتراكي، ومن وراءه التجمع الديمقراطي، إلا إن هذه الحركة على ما يبدو، ذهبت أبعد بكثير من توقعات النظام، وقبل أن تخرج عن السيطرة وتتبلور في اتجاهات سياسية وأحزاب، وتصبح طرفاً مهماً، ضاغطاً، في المعادلة السياسية السورية، تم خنقها في المهد، عبر إعطاء أمر إيقاف نشاطها، واعتقال الرموز العصاة، ولكن تم استثناء منتدى الأتاسي، خلافاً لغيره من المنتديات، هذا ما أثار جدلاً في ذلك الوقت، ولعل أهم الأسباب التي قضت باستمراره، إن منتدى الأتاسي يعبر عن اتجاه سياسي، الاتحاد الاشتراكي، أحد قوى التجمع الديمقراطي، لم يتعرض لحملات تصفية سياسية، واعتقال، في أحلك الفترات التي عاشتها سوريا، على الرغم من تحجيم دوره السياسي وفعاليته، اعترف النظام السوري به كطرف في المعارضة السورية، عبر فتح الحوار معه، ليكون صلة وصل، ما بين النظام والتجمع الديمقراطي المعارض، وبهدف تعزيز زعامة الحزب للتجمع، وبالتالي منتدى الأتاسي والاتحاد الاشتراكي غير مستعدين للتصعيد، هذا كان وراء استمرار نشاط منتدى الأتاسي، حيث عبّر النظام عن موقفه الانتقائي من المعارضة ، في الوقت نفسه الذي عبر فيه عن ضرورة وجود معارضة، ضرورة تتطلبها، مقتضيات المرحلة، والعصر، خارج عن رغبة النظام وإرادته، لكن بشرط أن يتم إضعافها ومحاصرتها، وتفتيتها، حيث تبقى في حدود القشرة، تزين سلطة الإستبداد، لأن هذا يفيد النظام نفسه، فمن جهة ، يشكل وجودها المحدود أحد مظاهر الديمقراطية، ومن جهة أخرى يساعد استمرارها النظام، على إلقاء التهم جزافاً على رموز باقي المنتديات، على أنها تجاوزت الحدود، وخرقت الدستور، وحتى أنها تساند الإرهاب، وبذلك تحميلها مسؤولية ما آلت إليه الأمور، الخ… في الوقت نفسه يشكل درساً للمنتدى ليأخذ العبر من تجربة الآخرين.مع بداية مرحلة الارتداد هذه، تنامى دور منتدى الأتاسي، فهو المساحة التي حشدت المعارضة ، فيه قدراتها، من أجل التعبير عن استنكارها، ورفضها، لما بدا تحولاً في موقف النظام، من مسألة الحريات، وكانت النتيجة اعتقال ثلاثة من رموز المعارضة، بسبب تصريحاتهم في المنتدى، بعد هذه الاعتقالات، تشكلت مرحلة جديدة في حياة المعارضة، وحياة منتدى الأتاسي، تميزت بإرباك المعارضة، وخفض سقف نشاطها، تزامن ذلك مع استعداد الحلف الأمريكي، لشن الحرب على العراق، حيث استغرق الحدث، جهد المعارضة، سواء من خلال المحاضرات التي تلقى في المنتدى، أو من خلال ، دعوات الاحتجاج، والاعتصام، حيث كان أغلبها موجه ضد السياسة الأمريكية، وبدون إعطاء وجه خاص للمعارضة، إلا من خلال الأعلام والصور التي ترفعها، وظهرت المعارضة بدور داعم للنظام في مواجهة الضغوط التي يتعرض لها، بعد أشهر ظهرت بوادر أزمة في حياة المنتدى، سواء من حيث الحضور، أو المشاركة، إلى أن بادرت الإدارة، بخطوة من أجل الالتفاف على الأزمة، حيث أعلنت توسيع إدارة المنتدى، وأدخلت رموز معروفة، تمثل أغلب الاتجاهات السياسية، في إدارة المنتدى، ساهم ذلك في إغناء عمل منتدى الأتاسي ، باتجاه أفضل، فأصبح فسحة هامة، للقاء المعارضة، ليس من أجل الحوار فحسب، بل من أجل، التنسيق، و النشاط الميداني، الذي تجلى بالاعتصامات، والاحتجاجات، والتوقيعات، من أجل الحريات، والحقوق الديمقراطية، ترافق ذلك مع الإفراج عن أعداد من المعتقلين، ومع الضغوط الخارجية، من أجل الديمقراطية في سوريا، إضافة إلى حركة الأكراد السوريين، فزاد وزن المعارضة، وعادت إمكانية تفعيل نشاطها، وتوسيعه قائمة، ولكن أي نشاط، كان يتم محاصرته فوراً، وهذا ما يؤكد حقيقة أن النظام يسمح للمعارضة بالنشاط، والفعل، فقط عندما يستطيع توظيف هذه المعارضة لمصلحته، كما في موقف المعارضة من أمريكا، وأي فعل أو نشاط للمعارضة، يهدف إلى تعزيز دور المعارضة، بهدف تحقيق مطالب يجب انتزاعها من النظام، تواجه بالمنع، والقمع .ثم جاءت تصريحات النظام إن الإصلاح قادم، مع المؤتمر الثامن لحزب البعث، استعدت المعارضة السورية، لأخذ دورها في عملية الإصلاح المرتقب، ومناقشة آفاقه، ولكن السلطة كانت لها في المرصاد، في خطوة غير متوقعة، تم إصدار قرار أمني بإيقاف نشاط منتدى الأتاسي، سبق ذلك اعتقال "محمد العبد الله " ثم إدارة المنتدى، على خلفية إعطاء ، المجال لكل القوى السياسية السورية بالتعبير عن آرائهم، بما ينسجم مع توجهات المنتدى، من أجل تفعيل القيم الديمقراطية، ولكن للنظام رؤية مختلفة، تقوم على إن المنتدى تجاوز الخط الأحمر المسموح به، وإن هذا المنتدى منحة، ولم يكن مكسب للمعارضة، وفي أي لحظة يستطيع النظام سحب هذه المنحة، إذا تم إساءة استخدامها، وكان هذا الموقف رسالة عبرت بوضوح، إن الإصلاح المرتقب ليس تلبية لرغبات، وتوجهات المعارضة، بل هي حاجة للنظام، وتلبية لمتطلبات خارجية، فالإصلاح محدود، بما تمليه مصالح النظام نفسه، ولا يوجد في سوريا معارضة، خارج الخط المرسوم سلفاً، وهكذا حاول النظام، ضرب عصفورين بحجر، فمن جهة الإخوان المسلمين، لا مكان لهم في سورية، ولا يقبل النظام أن يغير رأيه بهم، مهما غيروا هم بأنفسهم، بل أكثر من ذلك كل من يعترف بهم، فهو مدان، و يعتقل، ويحاكم، و هكذا يحاول النظام فرض مفهومه الخاص، حول الحرية والديمقراطية على الجميع، فماذا يضير النظام السوري، إذا اعترف الآخرون بالإخوان المسلمين، طالما هو لا يعترف بهم؟ فهو من يسيطر على السلطة والقانون، أما منع الآخرين عن قول رأيهم، فهذا ليس إلا وجه من وجوه القمع، والديكتاتورية، إن ما جرى ويجري يدين السلطة السورية باعتبارها عصية عن التغيير باتجاه ديمقراطي ، لأنه يتناقض مع طبيعتها وبنيتها ومصالحها، ولكن في نفس الوقت، يجب الإشارة إلى أخطاء المعارضة، خلال السنوات الخمس الأخيرة، وسأتناول هنا مسألتين ، لصلتهما بالموضوع " الحوار مع السلطة"، "والنضال السلمي"، فقدت بينت التجربة، على أنهما اجتهادين خاصين بالمعارضة السورية، فحول القضية الأولى، سواء كان المرء مع الحوار أم لا، فإن المسألة الأساسية مع من نتحاور؟ فمن أجل الحوار في سبيل تعزيز الديمقراطية، كان يجب التركيز أن لا يتم قبول الحوار، إلا مع لجان سياسية مشكلة من المؤسسات السياسية للنظام، سواء من الجبهة، أو مجلس الشعب ، أما أن نتوجه بالحوار السياسي مع أجهزة أمنية، يعبر ذلك عن قصر نظر المعارضة، فإذا كان الحوار مع رموز أمنية هو تعبير، ودليل آخر، على عدم فعالية المؤسسات السياسية للنظام، فمهمة المعارضة إحياء هذه المؤسسات، كجزء من إحياء الديمقراطية بشكل عام، لأن العملية الديمقراطية تتناسب عكساً مع هيمنة الأمن، على القرار السياسي، فكلما تدخل الأمن في السياسة، وزادت سيطرته على المؤسسات السياسية، تم خفض السياسة من المجتمع، أو إلغائها حسب درجة وقوة تدخل هذه السلطة الأمنية، وهكذا أصبح هذا الحوار ورقة إضافية في يد السلطة، فهو حوار عقيم من جهة، لأن آخر فئة في المجتمع تفكر بالديمقراطية هي الأجهزة الأمنية، فهو ليس حوار، بل شكل من أشكال التحقيق ، وقد ساعد هذا الحوار الأجهزة الأمنية، على القيام بدورها، من خلال معرفة مطالب المعارضة، ومعرفة حدود معارضتهم، ومعرفة نقاط ضعفهم، ونقلها إلى القيادة السياسية، بما ينسجم ومصالح الأجهزة الأمنية، والنتيجة هي تخويف السلطة السياسية من المعارضة . إضافة لتحقيق هدف آخر، هو ضرب المعارضة من الداخل، وتشكيك بعضها ببعضها الآخر، وبالتالي زيادة في الشرذمة والضعف ناهيك عن الإساءة. أما النضال السلمي، فهو الآخر مبدأ ديمقراطي وفرضه قضية هامة، ولكن تم ترجمته من قبل المعارضة السورية، أن تحمي نفسها من الضرب، والاعتقال، وبذلك منع أي شكل من أشكال المواجهة، أثناء الاحتجاج، حتى لا يتحول إلى نضال غير سلمي، يمكن القول إن المعارضة، العلنية، الناشطة في سورية، (نستثني الإخوان المسلمين) هي معارضة سلمية، كونها لم تستخدم العنف يوماً، ولم تبرره، حتى في المراحل التي كانت تتعرض به لحملات تصفية، واعتقالات واسعة، أما العنف الذي يستخدمه النظام، ضدها عبر الاعتقال والضرب، فهي إدانة للنظام، وليست سبباً للاستسلام، والتراخي في المواجهة، من أجل حقوق المعارضة في الاحتجاج، والتظاهر ، ولو كان نتيجتها الضرب أو الاعتقال. إن انتزاع مكاسب يفرض اتباع وسائل جديدة، في الرد على مواقف النظام، وليس التأمل، و انتظار وعود، فما زالت المشاركة سواء بالاعتصامات، أو في الاحتجاجات، هي مسألة شخصية، وليست واجب سياسي، وبعضها يتخذ طابع تسجيل مواقف، هذا ما يدل عليه حجم المشاركين، حيث لم يتم إحراج القوى، التي ترفع شعارات الحرية والديمقراطية، في مقدمة بياناتها، ودفعها إلى المشاركة، ولم تتخذ وسائل حشد، وتعبئة تعبر عن وزن المعارضة، حتى بعض النشاطات، التي درجت أيام العمل السري، منها توزيع المناشير، على أوسع مدى ممكن، نرى أنه في ظل العمل العلني، يتم حصر توزيع المنشور، بين الأعضاء والمقربين. سحر حويجة خاص – صفحات سورية -
[
POSTED
@
8:41 م
]

الأنظمة العربية والدخول إلى العصر
فراس سعد
قد تكون الحرب العالمية ضد الإرهاب، وهي حرب حقيقية وليست واجهة لأهداف أخرى إحدى أهم دوافع المشروع الكوني الأوروبي الأمريكي في المنطقة العربية. فالقناعات الغربية ترسخت حول أن الدول الاستبدادية الفاسدة والمتخلفة هي منبع أساسي للإرهاب العالمي مما يقتضي نشر الديمقراطية ومكافحة التخلف ونشر المعرفة، بحسب الكاتب السوري جورج كتن (يمكن العودة لمشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الصادر عن قمة الثماني الكبار). في أماكن عديدة من العالم لاسيما في العالم العربي وخصوصاً بعد 11 أيلول،2001 لم يعد ممكناً البقاء خارج المشروع الكوني الأمريكي الذي يقع علينا واجب التمييز بين ما هو حضاري فيه وما هو غير حضاري. فلقد تقلصت و تراجعت ثنائية الداخل- الخارج التي تأسس عليها العداء للغرب، هذا العداء الذي استفادت منه الأنظمة العربية. وعلى البلاد العربية أن تؤقلم نفسها مع العالم اقتصادياً وسياسياً عبر تقبّل الآخر كما هو – الآخر الأمريكي الأوروبي – و كذلك عبر تغيير ذاتها بذاتها، المدعوم بالضغط من الداخل والخارج، ابتداء من الأنظمة وانتهاء بالشعوب. وجوهر المسألة يكمن في تغيير المفاهيم. ليس أدل على ذلك من حملة تغيير المناهج الدراسية لكثير من الدول العربية والإسلامية، حيث تم التركيز على تغيير كتب التربية الأسلامية. وهذا يدخل في نطاق التغيير النفسي التربوي بعيد الأمد للشعوب العربية التي تعتبر قطاعات واسعة منها أن الآخر المسيحي كافر أو هو في أحسن الأحوال من أهل الكتاب وتجب مراعاته كمواطن درجة ثانية أو كإنسان يعيش في ظل مجتمع أسلامي أو في ظل حماية المجتمع وكنفه، لكن لا يجب التعامل معه أو مشاركته في طعام أو زواج... الخ. وهي النظرة العثمانية المستمرة منذ قرون عديدة التي تقوم على اعتبار المسيحي والأقليات غير الأسلامية خاضعة لمفهوم الرعاية وليس لمفهوم المواطنية. ولأن الأنظمة العربية لاسيما في بلدان شمولية أو خاضعة لأيديولوجية الحزب الواحد أو الدين الواحد مثل سورية العراق مصر السعودية السودان... مازالت إلى وقت قريب تعيش أجواء الحرب الباردة التي حولتها إلى أنظمة من ذوات الدم البارد، كان لا بد من تسخين الأجواء المحيطة بها لتعيد هيكلة نفسها فتستطيع الدخول في المشروع الكوني الأمريكي الأوروبي وهو دخول حتمي يمكن أن يسمح فيه بهوامش بسيطة للخصوصيات الثقافية الدينية بما لا يتعارض مع مشروع السلام العالمي ونبذ العنف ومحاربة الأرهاب.... فتغيير المفاهيم و المبادئ والقوانين الإجتماعية الثقافية السياسية القائمة على تقديس الذات ورفض الآخر الوطني المذهبي الطائفي العالمي واعتباره غير بشري أو أقل مستوى وقيمة من الذات وبالتالي تكفيره وتحريم التعامل معه باتجاه مقاطعته ونبذه واستخدام العنف تجاهه أحياناً باتت مسائل مرفوضة من المجتمع الدولي. والمجتمع الوطني المنفتح على العالم، والمجتمعات العربية وسورية من ضمنها لن تدخل العالمية والعولمة دون كسر كل نوازعها العنصرية والإلغائية ودون قبولها للتعددية الطائفية واللغوية والسياسية في كل دولة وكل حيز اجتماعي. من هنا صار من الضروري تغيير مناهج التعليم وقوانين الأحوال الشخصية وإصدار قوانين تسمح بتأسيس الأحزاب والجمعيات السياسية وسواها وامتلاك وسائل إعلام خاصة غير فئوية تظهر كل مكنونات المجتمع السوري باتجاه تفريغه من العنف عبر معرفة الذات والآخر الوطني ثم الآخر الدولي.... وقبول هذا الآخر كما هو واحترامه كشريك في الوطن ثم في الإنسانية... يجد النظام المخابراتي نفسه مأزوماً عند تعاظم الضغوط الدولية عليه فيلجأ إلى الحديث الدعائي عن الديمقراطية ويوقف مؤقتاً عمليات القمع وحالة المنع. لكن ما أن تخف هذه الضغوط الدولية أو تتوقف عند حد معين يستطيع التلاؤم معه حتى تعود عمليات القمع والمنع إلى سيرتها الأولى الأصلية. وأحياناً بأشد مما كانت عليه قبل تلك الضغوط, وعلى الرغم من أن الضغوط الأمريكية الأوروبية نجحت في دفع أنظمة عربية عديدة لتقديم تنازلات محدودة تجاه شعوبها كما حصل في مصر (مبادرة رئيس الجمهورية التاريخية أمام مجلس الشعب المصري لتعديل الدستور ليتيح المجال أمام أكثر من مرشح لرئاسة الجمهورية) و في السعودية (إنتخابات بلدية...) إلا أنها لم تستطع أقناع النظام السوري بتقديم تنازل سياسي حقيقي تجاه شعبه حتى الآن.... والقطب الأمريكي - الأوروبي في حال منح نظاماً عربياً مثل سورية مهلة أطول من سواه لا يعني أنه يعفيه من كل المتطلبات والشروط المفروضة على الأنظمة حتى يعيد تأقلمه وهيكلة ذاته بذاته (تغيير من الداخل) أو يتم تغييره جزئياً أو كلياً من الخارج كما حصل مع النظام العراقي الذي لم يستطع فهم ما يجري في العالم. وهو إن فهم فلم يستطع تقبّل ما يجري من تغيرات كبرى في العالم وهضمها فكان أن راح ضحية غبائه.
من جهة أخرى، وبحسب السياسي و الكاتب كامل عباس إن البلدان الضعيفة التطور و منها بلدنا الحبيب سورية تعاني من النقص في الرأسمالية أكثر مما تعاني من الزيادة فيها، وهي فرصة هذه البلدان كي تستفيد من مناخ عام عالمي وتنقل مجتمعاتها درجة إلى الأمام، من مجتمع الرعايا إلى مجتمع المواطنية. خصوصا إذا أحسنت التفريق بين أمريكا وأوروبا الرسميتين وبين أمريكا وأوروبا الشعبيتين وما راكمت الحضارة في ذهن انسانها من وعي وثقافة للأنسان وحقوقه الفردية. * كاتب سوري
خاص – صفحات سورية -
[
POSTED |