unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-09-10  

ميليس يا صديقي أنقذنا من هذا اليأس

بشير البكر

أستطيع ان اجزم ان اسم الألماني ديتلف ميليس الذي يتولى التحقيق باغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري صار له وقع السحر لدى الأغلبية الساحقة من اللبنانيين، ومن غير المستبعد ان يحتل قريبا نفس المكانة عند السوريين. ولن أبالغ اذا قلت ان هناك موجة عامة يأخذها واقع الحال للاحتفاء به، الى حد اقتراح البعض اقامة تمثال له الى جانب رموز الاستقلال اللبناني، وكذلك الدعوة الى الى اطلاق اسمه على مواليد السنة اللبنانية الحالية، ورفع صوره في البيوت.

لماذا سحر ميليتس اللبنانيين الى هذا الحد؟ هل لأنه تمكن من وض ع رموز الدولة الأمنية وراء القضبان؟ نعم، وهل هناك لحظة أثمن؟ هل لكونه لعب بشطارة لا تضاهيها غير حرفية مارادونا حين كان يناور بالكرة ليضعها في مرمى الخصم؟ نعم لقد اخترق خطوط دفاعات الجنرالات الأربعة على نحو سلس وسجل الهدف من دون ضجة. هل كان احد في لبنان وسوريا يتوقع سوق الجنرالات في ليلة مقمرة الى النظارة؟ لا، لم يكن من المتوقع ان يحصل ذلك رغم ان الغالبية العظمى من الناس لا يخامرها شك في مسؤوليتهم عن اغتيال رفيق الحريري وسمير قصير وجورج حاوي.

لقد خيم الشك في امكانية ايقاف هؤلاء ومقاضاتهم. فهم قبل كل شيء تصرفوا منذ اغتيال الحريري من موقع قوة. فبدلا من أن يقوموا بخطوة تراجع نحو الوراء ومراجعة للنفس بعد الاندحار السوري من لبنان، لجأوا الى التصعيد. وهنا حامت شبهات شبه مؤكدة حول دورهم في عمليتي اغتيال سمير قصير وجورج حاوي. استمرت هذه المجموعة تعربد كما في السابق، وتصدّر الواجهة منها الرجل الاكثر سطوة وعنفا وأذى مادّياً ولفظياً: اللواء جميل السيّد. هذا الرجل الذي يعتقد كثيرون اليوم ان ملفه على درجة من السواد لا يشفي منها الغليل اي حكم سوف يصدر ضده، مهما بلغ من القسوة. يصفه البعض بالشرير والقاتل المحترف بصمت، لكن يمكن ان نضيف له من دون حرج خصلة التلذذ بالقتل. وسواء ثبت دوره في اغتيال سمير قصير أم لا، فان اللعنة لن تنزل عن جبينه وسوف تلاحقه الى حين يصبح طعاما للدود،لأن ردود فعله تجاه هذه الجريمة لا تكشف عن أعماق مريضة فحسب، بل عن النشوة والتشفي الذي لا يصدر الا عن وجدان حقير.

لن نستبق نتائج التحقيق في اغتيال الحريري، لانه يتوقف عليه كشف دور جميل السيّد بالكامل. لكن ذلك لا يمنع من ان هناك مهمة تقع علينا جميعا، اصدقاء ورفاق سمير قصير: كشف وتعرية هذا الطاغية كشرط ضروري لعدم تكراره مرة اخرى في تاريخ هذا البلد. وانا اذ اشارك ارملة سمير، الزميلة جيزيل خوري، رأيها في حجب المنبر الاعلامي عن جميل السيد وامثاله ،فاني استثني حالة واحدة وهي ان يتحول فيها المنبر الى ساحة محاكمة له وليس فرصة لتنظيفه، وتقديمه على انه بريء. ان هذا الرجل من الخطورة الى درجة لا يجرؤ عندها احد حتى الآن على فضح تاريخه بالكامل. والسبب الوحيد، على ما يبدو، انه ما يزال يثير الرعب من وراء القضبان. هل مصادفة ان التحقيق اللبناني حول اغتيال سمير قصير لم يتقدم رغم تغيير الحكومة وفقدان جميل السيد منصبه؟ لا. انه الخوف. الخوف من عباقرة الجريمة الذين سادوا في ظل التطاول على القانون واستسهال قتل الخصوم السياسيين بدم بارد. الخوف من التجسس على الناس والتدخل في خصوصياتهم وابتزازهم في عرضهم ومالهم. الخوف من التهديد بالعمل ولقمة العيش. حتى الذي يمارس مهنة وضيعة يخشى من فقدها، إن هو حاول ان يتجرأ على تجاوز سقف الخضوع الذي بنته الشقيقة سوريا.

ان حاجتنا الى ميليس مضاعفة، ولن نبالغ اذا قلنا اننا نحتاج الى اكثر من ميليس واحد، لانه من دون اغلاق ملف الاغتيال السياسي لن نتقدم خطوة واحدة الى الامام. اننا ازاء انظمة سياسية لا تقدم ردا للمعارضة السلمية سوى السجون والقتل. أقول هذا، وانا اعرف ان النظام السوري سوف يتهمنا بدعوة الخارج والأجنبي للتدخل في الشؤون الداخلية لبلادنا، لكن نحن لا ندعو الى اكثر من انصاف الضحايا ورفع الغبن عن الأحياء وتفكيك النظام الأمني والسياسي الذي خرب حياة الشعبين في لبنان وسوريا على السواء.

ندعو الى اكثر من ميليس لأن القضاء في بلادنا اصبح عملة نادرة منذ ان تم العمل بقوانين الطوارئ في سنة 1963. لم يعرف السوريون منذ ذلك الوقت أنّ متهما بريئا كسب قضية امام المحاكم السورية، بل على العكس اصبح القضاء مختصرا في "محكمة امن الدولة" الاستثنائية، وتحول امن الدولة من الدفاع عن الوطن ضد العدو الخارجي، الى تحصين النظام المخابراتي والفساد والتخريب والتفريط بالأمن الوطني العام. نحتاج الى اكثر من ميليس لأن انتهاكات الأجهزة الأمنية وصلت الى الذروة وليس بوسع الناس ردها. نحتاج الى اكثر من ميليس لأننا عجزنا عن الوصول الى حقوقنا الخاصة عن طريق القضاء السوري، ولا عيب اذا اعلنا ذلك امام العالم. ان العار الوحيد الذي سيلحق بنا كسوريين ولن يبرحنا هو اننا لم نطرد هذا الكابوس من حياتنا حتى الان، ولا اعتقد ان احدا من السوريين على استعداد اليوم للاستمرار في لعبة خداع الذات التي برع النظام في تسويقها، وابتزازنا بها طيلة هذا الوقت، تحت وطنية زائفة انتهت الى تشريع ابواب بلادنا لشتى التدخلات الاجنبية.

يفاوضون القاصي والداني على مستقبل البلاد من دون ان يتهمهم احد بالخيانة، لكن بمجرد ان يلتقي معارض بلجنة حقوق انسان دولية يصبح متآمرا على الوطن، ويتم تعميم اسمه على مخافر الوطنية. اننا مدعوون في هذا الوقت العصيب لتجاوز هذه العقدة وان يصبح مقياس الاخلاص للوطن، هو احترام حقوق المواطن قبل كل شيء. اننا بحاجة الى مفهوم مختلف للوطنية، شَرطُهُ عدم تلطي النظام وراء الشعارات الكبرى، بل ممارستها. ثم لماذا الاحتجاج على تدخل ميليس؟ ألم توقع سوريا الأتفاقات الدولية الخاصة بحقوق الانسان؟ اننا نريد منه ان يفتح هذا الملف فقط، والجميع يعلم انه لو تم السير في هذا الطريق فاننا سوف نمضي الى ما لا نهاية، نظرا لوجود ملايين الشكاوى التي تلخص عقود الاستبداد المديد.

ان وجود ميليس في دمشق يجب ان يكون مصدر سرور للسوريين وليس مبعث قلق. فمن يشعر بالحرج من جرجرة رموز النظام الأمني امام المحاكم الدولية؟ اننا يجب ألا نأسف بدافع الكرامة الوطنية لإحالة هؤلاء امام القضاء الدولي، بل على العكس فهذه هي الفرصة الأولى التي تتاح للسوريين منذ اربعة عقود على الأقل لكي يحرروا وطنيتهم من عاملي الخوف والمزايدة الرخيصة، وعليهم وحدهم يتوقف الامساك بها أوالمراوحة في المكان.

* كاتب سوري

شفاف الشرق الأوسط

   [ POSTED  @ 11:18 م ]


 

لكن هل القضية كلها تحت سيطرة ميليس؟

بقلم: محمد جمال باروت *

أخبار الشرق

يمكن الافتراض أن بطء التعاون السوري مع بعثة المحقق الدولي ديتليف ميليس حتى عشية تقديم تقريره لمجلس الأمن الدولي الذي أشار فيه إلى عدم التعاون السوري في التحقيق، لم يكن نتاج بطء آليات القرار في دمشق بقدر ما كان يعكس في هذه القضية على وجه التحديد محاولة التوصل مع ميليس إلى نوعٍ من تفاهمٍ مقبولٍ على دفتر شروط معينٍٍ للتعاون، يسهّل مهمة ميليس في كشف الحقيقة، بقدر ما يضمن مبدئياً عدم تسييس خلاصاته، وتوجيهها إلى دمشق في سياق اتخاذ المحور الأمريكي - الفرنسي - وهو محور حول هذه القضية وليس ضرورةً في كل ما عداها - مهمة ميليس كمنصةٍ مدمجةٍ في حلقات سياسات الاحتواء السلبي التي فرضت على دمشق بعد غزو العراق واحتلاله.

بالنسبة إلى ميليس - ومن المفيد هنا في هذه اللحظة التخلي عن منهج التقدير والتأويل وفحص النيات وبالتالي الاعتماد على ما قاله نفسه - فإن اكتمال الصورة لن يكون ممكناً دون دمشق، مع أن ما بحوزته من معلوماتٍ وأدلةٍ قد يكون كافياً لتحديد "المشتبه بهم"، وهو ما قام به ميليس مما مهد لتحويل "المشتبه بهم" إلى "متهمين" (في لبنان خرافة كبرى عن تنسيق بين أربعة أجهزة) ولعل ذلك هو مصدر ما أشيع عشية انعقاد جلسة مجلس الأمن الدولي عن أن تقرير ميليس قد انتهى فعلياً كمسودةٍ أخيرةٍ، لكنه لن يفصح عنه إلا بالتقسيط مع مراعاة عناصر ومعطيات جديدة يمكن أن تقوي "طرف الخيط" الذي أمسك به، من دون أن تمزقه، والذي ينقل التحقيق من الإجابة عن سؤال: كيف قتل الحريري؟ إلى الإجابة عن سؤال: من الذي قتل الحريري؟ أما بالنسبة إلى دمشق التي تؤكد ثقتها بعدم التورط بقضية الحريري، فإن التفاهم المباشر مع ميليس شرط أساسي لإبداء تعاونٍ فعالٍ.

في إطار هذا المنطق لم تجب دمشق على رسالة ميليس إلا بشكلٍ متأخرٍ يبدو متعمداً، وبشكلٍ خطيٍ يتعلق بحيثيات الجريمة وكيفية حدوثها، وهو ما لم يعد مفيداً لميليس الذي كوّن صورةً محققةً ومعمقةً عن ذلك. لكن حدود التعاون بهذه الطريقة "السلبية" كانت هي التي مهدت بأساليب مندرجة في "المسار الثاني" للقاء جنيف بين رياض الداوودي مستشار وزارة الخارجية السورية وديتليف ميليس. وبغض النظر عن قرار مجلس الأمن الدولي حول ما قصد من مسألة عدم تعاون دمشق مع التحقيق، فإن لقاء جنيف قد أرسى في ضوء ما عرف - ولو بشكلٍ ضيقٍ جداً حتى الآن - عن مداولاته معالم تفاهم على دفتر شروط التعاون ما بين دمشق وبعثة ميليس، وهو تعهد ميليس بأن يكون "محايداً وحرفياً"، وتأكيده "السيطرة على مهمته"، والتعامل الحذر مع "المعطيات الإسرائيلية" التي اعتمد عليها أو استأنس بها بعض أفراد فريقه الذي يتألف من حوالي 60 محققاً، مقابل تعهد دمشق بالتعاون الفعال التام.

قد يكون التفاهم على هذا النوع المبطن من دفتر الشروط هو سبب حرص ميليس في مؤتمره الصحفي على التأكيد على أنه ليس هناك من "مشتبهٍ بهم" في سورية بل شهود لاستكمال التحقيق الذي يبقى ناقصاً من دونهم، وكذلك حرصه على إخراج المستوى السياسي السوري أو اللبناني من دائرة الاشتباه، بل وحرصه أكثر من ذلك على تبريد الرؤوس "الحامية" اللبنانية المعارضة المنتهزة لما قيل عن قنبلة ميليس كي تعيد طرح إقالة لحود. وإشارته إلى أن عمل اللجنة ليس له علاقة بإسرائيل، مع أن التقرير أشار إلى التعاون الإسرائيلي، كما استفاضت المصادر الإسرائيلية المسربة بالحديث عن مساعداتها. لكن هذا التفاهم لا ينفي مطلقاً السؤال عن حقيقة هل ميليس مسيطر بالفعل على بعثته؟ ويستمد هذا السؤال رجاحته من خبرة المنطقة بالبمعوثين والمحققين الدوليين في موضوع أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، فهناك أساس معقول وعقلاني لإسباغ الشرعية على هذا التساؤل.

الشيء الحقيقي في هذا التفاهم ليس في مدى التزام الطرفين به، بقدر ما هو في حقيقة معطيات دمشق. فهل هي من نوع معطيات بقية رأس الخيط الذي يبدو أنه ممتد نحوها بكل قوةٍ، وبشكلٍ يقبل فيه الخيط المتقطع عند حلقةٍ ما أن يتحول إلى مرَسةٍ غليظةٍ متضافرة الحلقات، أم إنها من معطيات قلب الطاولة؟ إذا كان الموضوع مجرد موضوعٍ إجرائيٍ فقط يتعلق بتنظيم مهمة ميليس وتخريجها ضمن قوانين السيادة، فتباطؤ دمشق يفتقد إلى الحكمة، في عالمٍ يعيد تعريف السيادة، أما إذا ما كان فيه شيء ينطوي على قلب الطاولة، فإن ذلك سيكون شيئاً "كبيراً" على الأقل، بغض النظر عن أن وظيفة اغتيال الحريري قد آتت الجزء الأساسي من أكُلها. لكن من فوائده الجمة هو مسألة المستقبل القريب، الذي تستطيع معه دمشق العاقلة أن تقول إنها حولت المخاطر إلى فرص.

في الأول والأخير ليس ميليس مجرد محققٍ في القضية من منظور الجريمة وليس من منظور السياسة، فهو محقق في جريمةٍ سياسيةٍ من ألفها إلى يائها، ولهذا أطلق بالونات حزب الله في التورط ثم تخلى عنها علنياً، وهو قبيل المؤتمر الصحفي استهدف جماعة "الأحباش" المقلقة بالفعل، وهو نفسه في المؤتمر قد قال إن "الدافع شيء مهم". هناك في هذا المجال فولكلور كبير بعضه تخرص وبعض آخر يستحق وجهة نظر. لكن من بينها حكاية قيام تنظيمٍ أصوليٍ بالجريمة. وهذه حكاية شديدة التعقيد تدخل مهنياً في مهمات التحقيق وليس في مهمات التحليل.

كما يقال في المثل الشعبي السائر قد يكون ميليس قد" أخذنا على قدنا" في لقاء جنيف، من أجل مفاجأةٍ أكبر، على غرار طريقة المفتشين الدوليين. ميليس نفسه جرب ذلك في اختبارات "الرمي في النبع ثم الجمع" المخابراتية العليا، فالمحقق يجب أن يجيد السيطرة على أساليب المخابرات، وهذا من مهارات ميليس، لكن تحديد اتجاه الريح يمثل إشكاليةً كبرى لن تستطيع دمشق أن تكون بمنأى عنها، ففي "غرفة العمليات" الأمريكية - الفرنسية المواكبة لعمل ميليس، ولن نكون مبالغين إذا ما أضفنا الإسرائيلية إليها، يجري شيء آخر مختلف تماماً عما قاله ميليس في عباراته الحذرة والديبلوماسية والمحسوبة بدقة، إلى درجة أنه قال جملةً خطيرةً لم تستوقف أحداً من جماعة المؤتمر الصحفي وهي الشبهة "إلى حدٍ ما" بـ"التخطيط الذي أدى إلى جريمة الاغتيال". فهذه "إلى حدٍ ما" ثم" الذي أدى" لم تسترع أحداً.

غرفة العمليات الدولية متأكدة من إيقاع البعثة على نحوٍ ما بدمشق أو استثمار نتائج تحقيقها أو تأويله على الأقل، في سبيل إرغام دمشق على رفع "الراية البيضاء"، والتحول من لاعبٍ "سلبيٍ" يتميز بكثيرٍ من الدهاء المضبوط بحنكة على الأقل في العراق إلى لاعبٍ "إيجابيٍ" منغمسٍ بشكلٍ تامٍ في السرير الأمريكي للمنطقة. بكلامٍ آخر: مهما كان ميليس "مهنياً" في الشكل أو المضمون، فإن غرفة العمليات وليس نتائج التحقيق هي التي ستستثمر اتجاه الريح الميليسية، إذا ما كانت هذه النتائج تحتوي على أية حيثيات - وهي تشتمل عليها بكل تأكيد - تسمح بالتأويل وشد المراس على عنق دمشق، ليس بهدف التخلص من نظامها ضرورةً، مع أن هذا التخلص ليس مكروهاً أمريكياً بل أوروبياً، لكن بهدف ترويضه بالكامل.

الحقيقة أن دمشق هي في مرمى النار، وأن مهمة ميليس هي من أخطر المهمات الدولية لجبابرة العالم في المنطقة، وأن ما نسب إلى كوفي عنان الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة عن مهمة ميليس التي تمسك بالشرق الأوسط ليس بعيداً عن النتائج المتوقعة والمدركة والمحتملة. وليس من الحكمة بالنسبة إلى دمشق كما نرى أن تساعد المتربصين بها على قذفها فيه، وليست الحكمة أيضاً في "لعبة الثيران" أن تغز السيفين في عنق الثور المهاجم دوماً مع تمكنك فرضاً من ذلك، بل في تركه يسوح وينوح ويهيج ولو لفترةٍ.

في كل ذلك، فإن عدم التورط هو الأصل، وإذا ما كان هناك من تورط فيجب معاقبة فاعليه فوراً بلجنة تحقيق أو دونها، والأفضل دون لجنة تحقيق، فالتضحية بالأقوياء إن كانوا متورطين ضمانة للقوة نفسها. ولما كانت دمشق في خطابها عن نفسها واثقة من عدم التورط، فإن تعاونها هو من أجل لبنان وسورية بغض النظر عن استثمار غرفة العمليات الدولية. وهذا ما قد يعزز موقف دمشق ولا يضعفه على الإطلاق، فلا مناص لنا من الاعتراف بأن لعبة الأمم قد اختلطت بلعبة السياسة والقانون الدولي، وحينئذٍ، فإن تداعيات القصة ليست أبداً في تحقيق ميليس مع أن هناك غرابة في تعامله الفعلي مع الإسرائيليين الذين قد يكونون المجرمين الفعليين، لكن لا بد من الاعتراف معه بأن ذلك لم يكن ممكناً لولا حقيقة أننا مجموعة متدرجة في المراتب في سلم" دولٍ فاشلةٍ" على نحوٍ ما أو مباشر.

__________

* كاتب وباحث سوري - حلب

   [ POSTED  @ 1:50 م ]


 

ميليس:مالئ الدنيا,وشاغل العربان

نضال نعيسة

الحوار المتمدن

قديما ,وفي مرحلة ما ,من التاريخ العربي ,بدت مزدهرة لوهلة خاطفة,انشغل الناس بالشعر ,والأدب ,وتذوق جمالياته التي لا تنتهي ,ولاتقف عند حدود.فسطع اسم المتنبي كمالئ للدنيا وشاغل للناس في تلك الحقبة الجميلة من تاريخ المنطقة بفروسيتها ,وعذب كلامها ,وحركتها الأدبية النشطة التي لا تهدأ ولا تنام ,وتحول بلاط سيف الدولة الحمداني إلى مايشبه مركزا ثقافيا دائما, ومفتوحا ,تقام فيه أماسي الشعر ومسابقاته ,ويستعرض فيه عذب الكلام وحلوه الذي يخاطب الروح ,وشفاف الفؤاد.وإذا كان هذا هو حال العرب أيام العز ,والسؤدد ,والفخار ,فما هو حالهم وقد مالت بهم الأحوال ,وسيطر الجهل ,والأدعياء ,والانحطاط في كل ركن من أركان الحياة,وسادت لغة الموت ,والقتل ,والإرهاب محل لغة التعقل ,والتصالح ,والتفاهم والحور؟وأصبحنا بحاجة لميليس ,وأمثاله ليصفوا لنا خلافاتنا ,ويفصلوا بين "الأخوة الألداء,ويطيّبوا الخواطر ,ويبوّسوا اللحى والشوارب لأبناء العمومة والأشقاء ,بعد أن عز ,واستحال التصافح ,واللقاء.

ومن كان سيسمع أو سيعرف باسم المدعي الألماني سابقا,ورئيس لجنة التحقيق الدولية حاليا, لولا التمادي في الأخطاء,والإصرار على "ركب الرأس" ,وارتكاب جريمة اغتيال المغدور رفيق الحريري, في يوم الحب تماما, وعيد الفالانتين ,وكأن حال القتلة يقول أن لا مكان للحب والتسامح في هذه الأصقاع؟ وهل سنرى بعد الآن متنبيا آخرا في دنيا الكلمة يشبع ظمأنا للألحان؟أوأبا فراس,يعيد لنا هيبتنا, في ساح الوغى,والقتال؟أو سيفا,أو حتى "مدية" للدولة,ولاضير, في أي بلاط؟ولماذا لم يعد أمرنا بيدنا ؟واستلمنا ميليس,وغيره , من سايكس,وبيكو,ولارسن ومجلس الأمن وكوندوليزا رايس ,وطابور الأوصياء الكثر,وباقي شلة المفوضين الساميين و"البيبي سيترز" اللازمين تماما في حضانات السياسة, وكأننا أطفال صغار نحبو, ونترنح في أولى الخطوات في السياسة ,والإقتصاد ,والإجتماع, والحياة,بكل تفاصيلها, بشكل عام. وهكذا ,أصبحت الأسماء الغربية مألوفة تماما في عالم العربان,ويتجهون-والحمد لله- نحو العولمة ,بقوة وثبات .وأصبحنا لا نستطيع العيش, والحراك ,أو مجرد التفكير بدون بيكر,وكيسنجر ,وبريمر,أو وصاية وقرار من هذا المجلس ,أو تلك المنظمة ,أو هذا الاجتماع. فلجنة للتحقيق في المقابر الجماعية ,وأخرى لأسلحة الدمار الشامل,وسابعة للإطلاع على الواقع ,وواحدة لتقصي الحقائق,وأخرى لفض الأشتباك ,وثالثة للكوارث والمجاعات ,وعاشرة لدراسة أوضاع حقوق الإنسان المتردية التي أكلها, ونكرها الجنرالات,وهكذا دواليك في حال العربان هذه الأيام.

لاشك بأن تاريخ المنطقة السياسي سيدوّن ,من الآن وصاعدا,بما قبل ميليتس ,وما بعده.وإن كان هناك بعض الاستشراف لسير التحقيقات ,إذا ما ربطت بالنوايا المعلنة ,والمشاريع التي يتم تفصيلها على مقاس مصالح "لوبيات" الضغط المتعددة في المنطقة. وقد طغى اسم المحقق الألماني على كل فعل ,وحركة ,وربما,وفي هذه المرحلة بالذات, على اسم الرئيس الراحل المغدور رفيق الحريري بكل ما كان لهذا الأخير من نفوذ مالي ,وتأثير سياسي واسع الطيف. فكل تعليقات الصحف ,وافتتاحياتها ,وتحليلاتها لابد أن تشير إلى المكان الذي هو به الآن ,وماذا يفعل ,ومن قابل ,وربما قبل أن يتم الحديث عن درجات الحرارة, التي تهم الناس في هذه المنطقة الملتهبة مناخيا ,وسياسيا ,واقتصاديا.....وإرهابيا.وحين تقابل ,أو تتصل بصديق ,فلا بد سيكون العزيز ميليس واحدا من محاور الحديث الحميم.وإذا أراد تاجر أن يباشر مشروعا,أو يستثمر أموالا ,أو أن يعقد صفقة فلا بد أنه سيلقي بنظرة متأنية وفاحصة على "مؤشر "ميليس" السياسي قبل النظر إلى خرائط تصميماته.وإذا أراد سياسي ما أن يخوض في الليبرالية ,والديمقراطية ,وحقوق الإنسان , وحل معضلة تهم الصالح العام ,فإن ذلك مؤجل إلى حد كبير بانتظار ما سيقوله ميليس في تقريره النهائي .وأصبح الرجل واسمه ,وتحركاته محورا ,ومحطا للمتابعة والملاحقة والاهتمام من السياسيين قبل الإعلاميين والصحفيين المنشغلين بتغطية الأخبار.وأصبح من الضرورة إنشاء خلية متابعة اسمها خلية ميليس , لما أصبح للرجل من تأثير واضح على إيقاع الحياة السياسية اليومية بشكل عام. وإذا كنت تتابع مسلسلا كوميديا ,أو فيلما تراجيديا ,أو ندوة عن الديمقراطية الموؤودة في متاهات النفاق السياسي ,فسرعان ما سيتم الإنتقال بك,ودون أخذ رأيك طبعا, إلى مكان ما مرتبط بمهمة ,وعمل السيد ميليس, وأين وصل هو وتحقيقاته.فيما أصبح اسمه مادة دسمة وجذابة للعديد من المواد ,والعناوين الصحافية التي يبدأ الجميع بها يومهم. وكل شيء أصبح منوطا ,ومتداخلا ,ومتشابكا ,بطريقة ما ,بما ستسفر عنه نتائج تحريات ديتلف ميليس مالئ الدنيا وشاغل العربان هذه الأيام.

الحركة المثيرة,وفي مرحلة حاسمة من تطور عملية التحقيق,تجلت في اعتقال أربعة من جنرالات الأمن المرعبين وكانت بحق خبطة مدوية , وأمرا مجلجلا لم يألفه تاريخ المنطقة السياسي حيث كانت دائما تتم ترقية العابثين بقوت ,وأمن ,وصحة ,وسلامة الشعوب ,والناهبين لثروات البلاد,والجاثمين على صدرها وتكريمهم ,وانتقالهم من حسن إلى أحسن حتى يأخذ الله أمانته,لاسيما بعد تسريبات صحفية عن ثروات هؤلاء التي بلغت حد المئة مليون دولار لكل واحد منهم ,واللهم لاحسد ,فالعاطي هو الله رب العباد.ويتساءا الخبثاء هل من أسماء أخرى كبيرة على لائحة ميليس الإعتقالية؟ هذا ,ولم يسبق أن رأى مواطن عربي واحدا من جنرالات البطش يُقتاد ,بمهانة ,هكذا أمام ناظريه ,إلى أقبية التحقيق كما كان يفعل هو سابقا-الجنرال- مع معارضي نظامه الأمني الشمولي, ,وأن يقفوا في نفس المكان والموقع الذي اعتاد هو نفسه أن يوقف فيه طويلي اللسان ,والمشاغبين من أبناء جلدته الأشرار.

وبغض النظر عما ستفضي إليه نتائج التحقيقات,وإن أصبح سيرها, تقريبا, شبه مكشوف للعيان ,وعلى أكثر من محور ,والقادم ماهو إلا تحصيل حاصل بروتوكولي ,وربما محض إجرائي ولوجستي ,فإن كل ذلك يدخل في نطاق القصف الإعلامي والتمهيد المسبق ,وتهيئة الرأي العام العالمي والمحلي إلى ماستؤول إليه الأمور بعد الانفضاض من المرحلة "الميلسية" التي ستكون ,ولا شك,مقدمة لمرحلة عاصفة أخرى بعدها ,ربما تكون أكثر دراماتيكيا ,وقد يتذكر الناس هذه المرحلة ’بما فيها من غموض ,وإثارة ,وخبطات ,بنوع من الحنين إلى ما كان عليه سابق العهد إذا ماجربت ,وبحماقة,الفوضى البناءة مرة أخرى , هذا إذا ظلت النوايا الغربية على ما هي عليه الآن ,ولم تعقد مساومات اللحظة الأخيرة من تحت الطاولة ,و"يا دار ما دخلك شر".ولكن السؤال الأهم ,فيما لو حصل ذلك,هل سيسكت ورثة المغدور, عما أحاق بهم ,وقد أصبح يتوفر لهم ,وحتى اللحظة,الكثير من المعلومات ,والمعطيات الهامة,وقد أكدوا مرارا أن لا مساومة على دم الحريري ومهما كانت الأثمان.كل ذلك,مرة أخرى,مرتبط بما ستسفر عنه تحريات ميليس,وربما ماسيدفع من ثمن سياسي هو الأهم من كل ذاك في النهاية ,وستأتيك الأيام القادمة بالكثير من المفاجآت.

لا يمكن تشبيه هذه الحالة التي يعيشها كثيرون الآن ,إلا كمثل طلاب العلم في مرحلة الترقب والحذر التي تسود قبل صدور النتائج, وتوزيع الشهادات, حيث سيعرف من سينجح وينتقل إلى بر الأمان,ومن سيفشل ,ومن سيطرد ,ولن يتم قبوله نهائيا في "المدارس" السياسية بعد هذا "الامتحان" الشاق,وإن كان من الممكن,ومن الآن, التكهن بأسماء بعض الراسبين.

   [ POSTED  @ 1:50 م ]


 

دوام الحال من المحال

نضال نعيسة

دوام الحال من المحال، و"ما في شجرة وصلت لربها"، وأن لكل شيء عمر وأجل مبين، كلمات بسيطة وباللغة العربية الفصحاء، أي بـ"العربي المشرمحي"، قالها آباؤنا وأجدادنا البسطاء، لمثل هؤلاء، تعبيرا عن حكمة مكتسبة من معايشة هذه الحياة على مدى قرون مديدة خلت. وتختزل هذه الكلمات البسيطة فلسفة عميقة، وأطنانا من الكتب التي أصدرها "اتحاد الصيّام" الذين كتب عليهم الصيام عن الكلام المباح كما كتب على اتحاد الصحافيين وغيره من منظمات المبايعات وشطف النخاع الدائرة في فلك الحزب القائد، وبقيت إصداراتهم البائسة أسيرة المستودعات، وغذاء صحيا للجرذان، خال من الفائدة والكولسترول cholesterol free، لأنها ببساطة كانت تتجاهل تلك الحقائق البسيطة في الحياة، وتشطح كثيرا نحو الزيف والخيال، وتلف وتحتال، وتكابر على الواقع، وعلى أبسط المعارف البشرية التي عرفها بنو الإنسان، وتقدم الأدعياء، وماسحي "الأجواخ" على أنهم عباقرة مبدعون، وفلتات من هذا الزمان. وإذا كانت هذه المقولة البسيطة الساذجة تقتضي أن نرسل من نريد إفهامه إياها ببعثة دراسية للحصول على شهادة دكتوراه إلى جامعة باتريس لومومبا للصداقة بين الشعوب المنكوبة، فكيف سيفهم هذا، وغيره قوانين الفيزياء والميكانيكا، ونظريات رأس المال Das Capital، وتطور وحكم المجتمعات التي يتنطع لقيادتها، والتي تحتاج، حسب اعتقادي المتواضع، أدمغة أكبر حجما مما هو متوفر حتى الآن، وذات تلافيف أقل تسطيحا مما لمسناه، وما رأته عيوننا التي زاغت وتآكلت وهي تتابع وتراقب هذا المشهد العبثي واللامعقول.

حضارات تسقط، ودول تدول، وجبابرة تموت، وأباطرة يهوون، وإمبراطوريات تتحلل وتتفسخ، وفرسان تترجل، وملوك تغور وترحل، وأرواح تصعد لباريها، وعيون صغيرة ترى النور لأول مرة، وممالك تتداعى، وحصون تتهاوى، وأجيال تذهب، وأخرى تدلف، وتضاريس تتحول، ومناخ يتغير، واتحادات للأطباء البيطريين تتشكل، وتستقيل حكومات، وتهزم أخرى، وعاصرنا فقط خمسة أو ستة من رؤساء الأمريكان، وكون يعمر، وحياة تموج وتحفل بكل ألوان التغيير والحراك، فيما كانت تلك المومياءات الأبدية ثابتة في مكانها كأبي الهول ترفض أن تتحرك، وتزمجر في معاقلها الأبدية غير آبهة بما حولها، (..). ولو قمنا بجردة حساب صغيرة بعد كل ذاك الشقاء، والعك، والعناء للعهد الميمون، لكانت النتيجة تحت الصفر في أغلب الأحوال. والمشكلة ليست هنا بالطبع، ولكن فيمن لا يريد يتعلم أبسط الأشياء، وتغيب عن باله حقائق دامغة، ويبقى مصرا على التناحة والعناد، وبأنه منزّل من رب العباد.

لقد اقتضت سياسات النكد و"المجاكرة" وقهر، وتطويع الأنفس والأرواح، أن نتصبح بالرفيق الفلاني عشرات السنوات، ونتمسى بالوزير العلتاني بضعة عقود من الزمان، وأن نتبارك بالمذيع الفطحل لعدة أجيال، وأن يجلدنا الخطيب الثاني آلاف المرات، ويرجمنا المتفوه المثالي بالمطولات من المعلقات، وأن ننام على خطب الثوري الآخر ونصحو حتى الممات، ونتغذى على رئيس هذا الإتحاد، أو تلك المنظمة إلى أبد الآبدين، وأن نتابع ببلاهة كل تلك التخرصات بدون حق إبداء أي اعتراض وإلا تهم التكفير الثوري جاهزة في احال، ولم يكن من مهمة لهؤلاء سوى بث روح اليأس، والقهر، والتمهيد لنوبات الجنون والهذيان والفالج وانفجار الدماغ والإحباط في النفس، التي مات فيها كل شيء، وبقيت، كما في حالة السبات، تتنفس على أجهزة الإنعاش.كل ذلك في عملية الترويض المتبعة نحو الهدف الأسمى والأكبر وهو سياسة الإخضاع الشامل لرعايا القطيع! "الداشر".

ثمانية عشرون عاما من عمر القحط، والخواء، والجعجعة الفارغة التي لم تثمر عن أي مشروع أدبي، أو ثقافي بارز. فيه أمحلت سماء الثقافة، وجدبت أرضها، وهزلت وبان عجافها، ووصلت الأمور إلى ما، نحن عليه الآن من عجز، وتقهقر، وهوان.وكانت تلك المؤسسة، التي من المفترض أن ترعى الإبداع وتنمّيه، وتقارع به الآخرين حضاريا، مقبرة للمبدعين، وتجمعا للمصمّتين المتعيشين، وذراعا قوية ممتدة لكل آفات المحسوبية، والشللية، والواسطة، والتذلل، والمبايعات.وكل من رضت عنه تلك القيادات الأسطورية، وباركته وعمدته ببلاغتها الثورية، فسيلمع اسمه في الصحافة، وتفتح له أبواب البعثات والمؤتمرات والسفرات. وصعدت، بموجب هذا الاتجاه الأدبي الانتهازي الهام أسماء طفيلية لا رصيد، ولا، إبداع يذكر لها في أي مجال، فيما غابت أسماء كبيرة وعملاقة تركت أثرها وبصمتها على الشارع الثقافي في العواصم الكبرى.

والعزاء الوحيد هو استلام الراية من قبل ورثته البررة الذين نرجو ألا يكونوا على عهد أسلافهم بـ "التطنيش" لكل هذه الحقائق، آخذين، وألا يكونوا على خطاهم في التأبيد، سائرين. وفي الختام لابد من التذكير ببيت الشعر البدوي الذي يبدو أن رؤساء اتحادات الكتاب لم يعرفوه يوما وهو:

وكل ابن نظام وإن طالت ولايته، يوماً، وفى انتخابات مفبركة، معزول

وفي رواية أخرى مدحور. هذا والله أعلم. وعذراعلى التحريف للشاعر البدوي الكبير "بو عقال المايل".

والدايم الله رب العالمين، ياشباب.

خاص – صفحات سورية -

   [ POSTED  @ 1:49 م ]


 

إنهم يروضون الأسد!

. نزار جاف

ايلاف

يبدو أن السيد"ديتليف ميليس"قد حزم أمره تماما وقرر أن يقطع مشوار تحقيقه الدولي المثير للجدل و التکهنات من دون أن يأبه للعواقب و العاديات التي ستهدد حياته"کما سبق وأن لمح لذلک" وقد يکون الرجل رتب أموره في المضي الى نقطة النهاية في هذا الملف الحساس لسبب قد يکون أهم من کل شئ آخر بالنسبة له وهو أن يدخل تأريخ المنطقة کفاتح قضائي لأول مرة في تأريخها الملطخ بأکثر من شائبة في هذا المضمار. ومع مضي هذا القاضي الالماني بکل جدية و بکل ماأوتي من إمکانيات في کشف ملابسات و "منعطفات"حادث الإغتيال الشهير الذي تعرض له السيد الحريري، تزداد التوقعات و التحليلات بخصوص الجولات القادمة من التحقيق والتي مما لاريب فيه سوف تنعطف بمسارات حادة صوب دمشق التي يبدو إنها الاخرى قد عملت کل"بروفاتها" الممکنة و غير الممکنة بخصوص الاسئلة المحتملة"أو الافتراضية" و الاجوبة السورية"الداحضة"لکل شکوک هذا الالماني الذي يظهر إنه لايعرف سوى لغة واحدة أساسها الجد. ومع إزدياد الوتائر التصاعدية في هذه الدراما المثيرة لقلق دمشق و حلفائها، جاء الخبر الصاعقة الذي نشرته"إيلاف"بشأن إحتمال ترک الرئيس لحود لمنصبه في حال حصوله على ضمانات أکيدة و واضحة بأنه لن يطارد مستقبلا، و الرد العاصف لبعبدا على "إيلاف"الذي أثبت مدى الوضع"المتوتر"الذي يخيم على القصر الرئاسي و باتت ظلاله تنعکس على سوريا، مما يبين بوضوح نجاح"إيلاف"في إختراق الدائرة النفسية لقصر بعبدا و دفعها لإظهار مکنونات سريرتها للملأ، وهذا الامر يؤکد على "ضربة معلم"لهذا الموقع الذي يجاهد دوما لکي يکون متميزا عن تلک النمطية التي يتميز بها الاعلام العربي وهو أمر بات يزعج العديد من عواصم المنطقة. بيد أن الامر لايتوقف عند هذا الحد وإنما يتجاوزه لسياقات أقوى و أشد دلالة حين تبدي دوائر سورية مخاوفها من مهمة ميليس سيما وأن الکاوبوي الامريکي الرابض خلفه ينتظر إشارة منه حتى تصبح"أيام دمشق لياليا"إن جاز التعبير، وقد وصلت المخاوف الذي أکدت فيها هذا الدوائر إستعداد دمشق للتسوية إن أرادت واشنطن ذلک! والذي يجعل اليانکي الامريکي ينطلق صوب "بردى و قاسيون"ولايلوي على شئ، هو ذلک الدعم الفرنسي القوي الذي يکاد يصل الى ذروته لأمريکا بخصوص الموقف من دمشق التي "عتت" عن أمر باريس أکثر من الذي کان يجب. وقد يکون من سوء حظ الحکم السوري أن يحدث هکذا تطابق أمريکي ـ فرنسي يندر أن يحدث مثيلا له بسهولة، بل إن حظ طهران قد يکون أوفر من دمشق مع فرنسا و أوربا بخصوص ملفها النووي الذي بات من الممکن جدا إحالته الى مجلس الامن فيما إذا تم قياس الامر مع موقف فرنسا و أوربا من سوريا بخصوص الملف اللبناني. وقد يکون التکذيب الذي نشره بعبدا ضد إيلاف، والتداعيات التي أعقبتها من التخوف الحذر الذي أبدته دمشق ضمنا، بمثابة رأس الخيط"المهم جدا"للسيد ميليس کي يقوده الى فک بقية طلاسم لغز إغتيال رئيس الحکومة اللبناني الاسبق والذي تنتظره مختلف الدوائر الدولية بفارغ الصبر. إن الذي يبدو واضحا و جليا هو أن الامريکيين قد لا يستفادون من إسقاط النظام في دمشق بقدر ماسوف يفيدهم وهو باق يضع نقاط واشنطن على الحروف السورية المبهمة و المتباينة وبمختلف الاتجاهات. وقد تکون الانتخابات الرئاسية التي جرت في مصر أخيرا"برغم المؤاخذات العديدة بشأنها"رسالة واضحة لا لدمشق وحدها وإنما الى کل دول المنطقة التي يتعلق بها الامر کي تعيد النظر بحساباتها مجددا وتکف عن اللعب في مساحات أوسع من تلک التي يحدد لها. ومع تفاقم المشکلات و تشابک الخيوط حول واشنطن وهي غارقة في الشأن العراقي، بات من المؤکد إنها لاتحبذ في الظرف الدولي الراهن ووضعها الحرج داخليا"بسبب إعصار کاترينا"إعادة السيناريو العراقي في سوريا، وخصوصا وأن مهمة السيد ميليس قد کانت کافية لکي ينقشع الغبار أمام العين الامريکية الثاقبة التي تتطلع بهدوء الى الفارس السوري الذي يظهر إنه قد إرتعدت فرائصه فرقا من هول الضربة التي سوف تقع على الفارس اللبناني المجهد. کما إن لافرنسا و لا أمريکا ترغبان أبدا في "أسد"هصور وهو يصول و يجول في المنطقة بقدر ماهما في صدد أسد يستجيب سريعا لوقع سوط مدربيه ويقوم بحرکات تلفت أنظار شعوب المنطقة لکنها"أي هذه الحرکات"تؤکد أن أسد اليوم هو غير أسد الامس. على أن السوط الذي سوف يلوح به المدربون بوجه الاسد سوف يبقى مسلطا عليه طالما ظن إنه أسد فعلا!

   [ POSTED  @ 1:48 م ]


 

لماذا قرر الأسد الامتناع عن المشاركة في دورة الأمم المتحدة؟..

بداية المقاطعة بين السنيورة ولحود

سليم نصار

الحياة

بعد توقيف أربعة مديرين مسؤولين عن الأمن في لبنان، وضع المحقق الدولي الالماني ديتليف ميليس مسألة اغتيال الحريري ضمن إطار السعي لاكتشاف عمق ارتباط الاجهزة اللبنانية بالأجهزة السورية.

وكان بهذا التشخيص يحاول الخروج بتحقيقاته من الإطار المحلي الى الإطارين الاقليمي والدولي، لعله يعثر على المحرض الفعلي الذي أمر باغتيال رفيق الحريري وباسل فليحان وجورج حاوي وسمير قصير، إضافة الى محاولتي اغتيال مروان حماده والياس المرّ. وفي سبيل تحقيق تقدم ملموس، استخدم ميليس كل الوسائل المتاحة بما في ذلك صور الأقمار الاصطناعية، وتسجيلات المكالمات الهاتفية ومصادر مواد التفجير في مختلف العمليات. خصوصاً بعدما تفاوتت أحجام الانفجارات كأن الجهة الفاعلة استهدفت التضليل من وراء اختيار ضحاياها وأهدافها. ولقد استغلت دمشق اسلوب تنويع ولاءات الضحايا لتنفي عن نفسها تهمة التحريض وتقول ان المستفيد الأول من مسلسل الترويع هو الاسرائيلي ثم الاميركي. وواضح من تمدد موجة التخويف ان قائمة المرشحين للتصفية قد ازدادت بحيث أضيفت الى القائمة أسماء شخصيات صديقة لسورية ومعادية لها مثل الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط والنائب سعد الحريري ونائب رئيس المجلس فريد مكاري والنائب الزميل جبران تويني. ويبدو ان النائبة ستريدا جعجع قد غادرت بيروت سراً يوم الأربعاء الماضي متوجهة الى المانيا بعدما أبلغها المسؤول الأمني في القوات ان اسمها أضيف الى قائمة التصفيات المستعجلة. وهكذا انضمت الى زوجها الدكتور سمير جعجع الذي يبحث هو الآخر عن منزل تسهل حمايته إذا ما سمح له الوضع الأمني باستئناف نشاطه الحزبي في لبنان. والملفت ان سجل المنفيين بإرادتهم قد اتسع اكثر من السجل الذي ضم خلال فترة الحرب كمال جنبلاط وريمون إده. والفارق بين القائمتين هو ان القائمة السابقة ضمت اسماء معارضين للوجود السوري في لبنان، بينما تضم الحالية اسماء تنتمي الى مختلف أطياف المجتمع. وهذا يشير الى غاية الجهة المضللة التي تسعى الى خلق أجواء مقلقة غير مستقرة بغض النظر عن معتقدات الضحية أو ولاءاتها.

الاستمرار في احتجاز الضباط الاربعة، حرك الوضع المجمد، من دون ان يطمئن الناس الى تحسن الحال الأمنية، أو من دون ان يقنع الرأي العام بأن الضباط الموقوفين قد اعترفوا لميليس بما يعزز مهمته. والسبب - كما يقول الخبراء العسكريون - ان التنسيق مستحيل بين أربعة أجهزة يختلف رؤساؤها على كل شيء. خصوصاً ان الضباط الأربعة لا ينتمون الى عقيدة حزبية واحدة، ولا الى جهاز أمني واحد، ولا الى مؤسسة رسمية خاضعة لرجل واحد. فاللواء جميل السيد لم يكن مؤيداً لأداء العميد الركن مصطفى حمدان. وينسحب هذا الموقف على علاقة اللواء علي الحاج بالعميد ريمون عازار. ومثل هذا التعارض لا يضمن السرية لاربعة اجهزة مكلفة باغتيال رئيس الوزراء في أضخم عملية تم التخطيط لها بدقة متناهية وسرية تامة. ويرى خبراء التحقيق ان ميليس قد يكون تعرف الى أحد المنفذين أو أحد الشهود، ولكنه استبقى الاربعة حفاظاً على سلامة التحقيق وتضليل المشتبه بهم. ولقد اعتمد الرئيس اميل لحود على هذا الاحتمال كي يتسلح بشهادة المسؤول عن حمايته مصطفى حمدان، ويرفض إقالته وإبعاده عن القصر. كما يرفض بالتالي تقليد سلفه الرئيس بشاره الخوري الذي قدم استقالته سنة 1952 عقب أزمة سياسية حادة شلت البلاد واضطرته الى الانصياع لإرادة أقلية نيابية.

المعارضة بزعامة وليد جنبلاط وسعد الحريري، لا ترى في موقف الرئيس لحود مبرراً لاستئناف مهمته السياسية ما دامت الدولة التي مددت له قد انسحبت من لبنان. وعليه ترى المعارضة، أن الشرعية التي اسبغها المجلس النيابي السابق على رئيس الدولة، لم تعد شرعية، وهي تقارن بينه وبين رؤساء أوروبا الشرقية عقب انهيار المنظومة الاشتراكية، معتبرة أنه لم يعد يملك قوة التمثيل في غياب النفوذ السوري. وهو يرد على هذا المنطق بالقول إنه سيستمر في الحكم ما دام يحظى بتأييد البطريرك صفير والعماد ميشال عون وأمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله. كذلك يستخدم لحود الأسلوب الذي تتعامل به المعارضة مع الرئيس نبيه بري، للدفاع عن قرار بقائه في الحكم. وهو يقول ان نواب المعارضة جددوا انتخاب نبيه بري رغم تحالفه مع سورية. ومن هذه المقارنة يقفز لحود الى الاستنتاج بأن الشرعية الحقيقية لا تستخدم معيارين ومكيالين