مفاجآت الـ 100

2005-10-03

مفاجآت الـ 100

صبحي حديدي

القدس العربي

نشرت شهرية Foreign Policy، الدورية التي يصدرها معهد كارنيغي الأمريكي الشهير، ما اعتبرته لائحة الـ 100 شخصية الأكثر تأثيراً ضمن الوظيفة التي يطلق عليها الغرب صفة المثقف العمومي Public Intellectual، إذا جاز استخدام العمومي بهذا المعني. ورغم أنّ التحرير استفتي القرّاء في مشارق الأرض ومغاربها، من موقع المجلة علي شبكة الإنترنت، فإنّ المزاج السائد في الاختيارات يرجّح كفّة القاريء الغربي عموماً، والأمريكي بصفة خاصة.


ومن هنا بعض المفاجآت...
وسأبدأ من واحدة تهمّني شخصياً، بسبب انهماكي في دراسة الشعر تحديداً، هي أنّ اللائحة لا تضمّ أيّ شاعر البتة، مقابل تسعة روائيين! التفصيل المدهش الأوّل ضمن هذه المفاجأة ذاتها، أنّ النيجــــيري شينوا أتشيــــبي (الشخصية الأهمّ في الأدب الأفريقي المعاصر بأسره ربما، والروائي الكبير الذي كان أحقّ بجـــــائزة نوبل من مواطنه وولي شوينكا) يتصدّر لائحة الـ 100. كيف يمكن للشاعر أن يغيب نهائياً عن موقع المثقف العمومي المؤثر، ولمـــــاذا؟ وكيف أمـــــكن لروائي، أفريقي نيجيري، أن يتفـــــوّق في التأثير العمومي علي أمثال البابا بنيديكت السادس عشر، واللغوي والمفكر السياسي الأمريكي نوام شومسكي، والفيلسوف الفـــــرنسي جان بودريار، والمؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم، والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، والمؤرخ الأمريكي بول كنيدي، والإقتصادي الهندي أمارتيا سين، والعشرات ممّن يأتون بعده في اللائحة؟
التفصيل المدهش الثاني أنّ لائحة الروائيين لا تضمّ من أبناء الغرب وأمريكا سوي الإيطالي أمبرتو إيكو (19)، وتضمّ من أبناء العالم الثالث الأسماء التالية: ج. م. كويتزي (8، جنوب أفريقيا)، غاو تسينغ جيانغ (26، الصين)، ها جين (35، الصين)، عاموس عوز (67، إسرائيل)، أورهان باموك (69، تركيا)، سلمان رشدي (78، الهند)، وماريو فارغاس يوسا (88، البيرو)، فضلاً عن أتشيبي بالطبع. وثمة الكثير من الدلالات في وجود هذه الأسماء ضمن هذا الترتيب، قد يكون بعضها ثقافياً صرفاً ينبثق من نزوعات فكرية وتاريخية وجغرافية، وقد يكون بعضها فنّياً بالفعل يرتكز إلي تثمين السوية الفنّية العالية التي تتسم بها أعمال أتشيبي أو ها جين مثلاً، ومن المرجّح أن عوامل سياسية محضة قد طغت في تفضيل بعض الأسماء علي سواها...


المفاجأة الثانية، إذا صحّ أن نعتبرها كذلك بالفعل، هي وجود ثلاثة أسماء عربية، فقط لا غير (مقابل 38 من أمريكا، و12 من بريطانيا، و ـ لمَن يهوي المقارنة ـ 2 من إسرائيل!)، هم: الفلسطيني سري نسيبة (65، وقد اعتبرته اللائحة فيلسوفاً!)، والمصري ـ القطري يوسف القرضاوي (73)، والمصري طارق رمضان (75، واعتبرته اللائحة سويسريّ الجنسية)، وآية الله علي السيستاني (83، واعتبرته اللائحة إيرانياً عراقياً). وأمّا التفصيل الأهمّ في هذه المفاجأة فهو أنّ ثلاثة من الأربعة علي صلة مباشرة بالإسلام الشعبي، الأمر الذي يدلّ من جديد علي حال الاهتمام الواسع الذي أخذ الإسلام يحظي به في الغرب والعالم، كما يدلّ أيضاً علي استمرار واقع التجهيل المتعمّد في ما يخصّ القضية الفلسطينية (سري نسيبة شخصية إشكالية لا ريب، ولكنه لا يمارس ذلك التأثير الملموس الذي يبرّر انفراده بموقع المثقف الفلسطيني العمومي).
ثمة، هنا، تفصيل لافت وقد يكون مبهجاً في آن معاً، هو أنّ برنارد لويس (المؤرّخ المعروف المختصّ بالإسلاميات، والرجل الذي استحقّ بالفعل لقب بطريرك الإستشراق ) يأتي في المرتبة 57، بعد الفرنسي جيل كيبل (48) الذي يشتغل بالإختصاص ذاته ولكنه يختلف عن لويس في مدي ما تحمله كتاباته من نزاهة فكرية وأخلاقية تجاه الموضوعات الإسلامية ذاتها. هذا يعني أنّ الناس، إذا اتفقنا أساساً علي دور المثقف العمومي، أخذوا يتجرّدون أكثر فأكثر من تلك التنميطات والأساطير الإستشراقية التي يواصل أمثال لويس إنتاجها وإعادة إنتاجها واجترارها وترويجها. ويعني كذلك أنّ العموم بدأوا بالإلتفات جدّياً إلي أصوات أخري، وربما منهجيات مغايرة تماماً، في الحقول المعرفية ذاتها.
ما هو غير مفاجيء أنّ شرائح واسعة ممّن صوّتوا علي ترشيح الـ 100 ما تزال تمنح مصداقية عالية لأفكار وكتابات وتنظيرات أمثال الفيلسوف الفرنسي اليهودي ألان فنكلكروت (23)، الأشبه بفضيحة فكرية مستديمة؛ والصحافي والمعلّق الأمريكي توماس فريدمان (24)، الذي لا تحتاج انحيازاته السياسية والأخــــلاقية إلي تعـــــليق؛ والكاتب والمنظّر السياسي فرنسيس فوكوياما (25)، صاحب النظرية الأشهر حول نهاية التاريخ؛ والكاتب والمعلّق البريطاني كريستوفر هتشنز (38)، أحد القلائل الذين ما يزالون يؤمنون أنّ غزو العراق كان صائباً وعادلاً وصانعاً للديمقراطية؛ والمفكّر السياسي الأمريكي صمويل هنتنغتون (41)، صاحب النظرية الشهيرة حول صراع الحضارات. وفي المقابل، قد لا يكون مفاجئاً تماماً أنّ شومسكي يسبق هؤلاء جميعاً، ويأتي في المرتبة السابعة.


ويبقي، ختاماً، أنّه لا الدهشة ولا العجب ولا المفاجأة تنفع في تفسير وجود الصومالية ـ الهولندية أعيان حرسي علي في المرتبة 37 من القائمة ذاتها، إذْ لا نعرف أيّ فكر أنتجته هذه المفكّرة العمومية، ما خلا ظهورها علي نحو استفزازي مناهض للإسلام في فيلم الهولندي ثيو فان غوغ، الذي دفع حياته ثمناً للشريط أواخر السنة الماضية. وما خلا، طبعاً، أنها نائبة في البرلمان الهولندي، تقيم في قاعدة عسكرية وتأتي إلي البرلمان تحت حراسة مشددة، في بلد يتحرك فيه رئيس الوزراء نفسه علي دراجة نارية!

اما أن نتقن ثقافة الاختلاف أو نجلس في العتمة ونفكر

اما أن نتقن ثقافة الاختلاف أو نجلس في العتمة ونفكر

خليل صارم

الحوار المتمدن

فجأة أصبحت كافة القوى السياسية المتواجدة على الساحة تتغنى بالديمقراطية حتى القوى ذات الثقافة الالغائية أصبحت ترفع ألوية الديمقراطية والحرية وتزعم أن لها قصب السبق في ذلك . والأنكى من ذلك أن كافة الأنظمة في المنطقة أصبحت بقدرة قادر أنظمة ديمقراطية . أنه السحر الذي خيم فجأة على المنطقة بعد أن خبط الكاوبوي بقدمه محدثا ً ارتدادات اهتزازية ورجع صدى لنداءات وصراخ ليس الا
- أن ينقلب الجميع ديمقراطيين هكذا ..!! هو أمر جيد لو كان صحيحا ً , ولكن أن تكون مجرد رجع أو صدى لمقولات وصلت من البعيد ذاك الذي لايريد بالمنطقة خيرا ً وهو أول من يرفض أي تطبيق ديمقراطي حقيقي في المنطقة وزاد على ذلك أنه شوه التطبيق الديمقراطي الذي زعمه في العراق عندما حرفها الى ديمقراطية طوائف وعشائر وقوميات متناحرة دون الاقتراب من القوى السياسية التي يمكن لها أن تعمل على التأسيس للتطبيق الديمقراطي , لأن هذه القوى في مفاهيمه هي الأخطر على مصالحه كونها سوف تخرج بعراق وطني موحد , الأمر الذي سينعكس على المنطقة كلها , لأن أية حالة تطور حضاري تدخلها شعوب المنطقة ستكشف نواياه على حقيقتها وبالتالي سيعتبرها ضررا ً على مصالحه .
- هذا هو واقع ديمقراطية النظام الأمريكي وغير ذلك هو كذب فج وغبي ولكن الأغبى هو من يصدق دعاويه ويروج لها .
- في الواقع أن مفاهيم الديمقراطية والحرية يجب أن تستند لحاجة مجتمعاتنا الماسة لها , لذا يجب أن تكون من منتوجنا وحصيلة رؤيا مثقفينا ولكن وبكل أسف فوجئنا بأن قسما ًمن مثقفينا هم قادرين على شرح وتوضيح ماهية الديمقراطية , الا أنهم لم يقاربوا مجرد مقاربة لتجسيدها في سلوكياتهم , بل الأسوأ أنهم ومن خلال التجربة أثبتوا أنهم قمعيين لدرجة فاقت قمع السلطة مع الأخذ بعين الاعتبار أن هؤلاء لايملكون سلطة فكيف لو ملكوها ؟؟. هنا الطامة الكبرى .
- لقد تأكد أن القمع هو أول مايطفو على السطح لدى أول تجربة وان الغاء الآخر هو الركيزة الأساس في سلوكياتهم . هم لايحسنون الاختلاف في الرأي فيما بين بعضهم البعض حتى ضمن الحزب الواحد . ففي حالة اختلاف الرأي سرعان ماتطفو تعابير مثل ( مخبر , عميل , خائن , جاسوس )...الخ . ذلك يعني إما أن توافقهم الرأي ممالأة ونفاقاً, أو أنك معرض لشتى الاتهامات , وبعد ذلك يجلسون نادبين الحرية والديمقراطية التي تحجبها السلطة عنهم , فإذا كانوا لم يتمكنوا من فرض احترامهم على السلطة من خلال التأكيد على صحة وصدقية وشفافية مفاهيمهم وشعاراتهم وإذا كانوا لم يتمكنوا من توفير الاحترام فيما بينهم , فبأي منطق يطالبون السلطة بهذا الاحترام . معنى ذلك أنهم أقل شأناً من الطروحات التي يتداولونها والتي بدت أمام السلطة مجرد أثواب فضفاضة جدا ً يرتديها أقزام , أو أنهم منافقون ومرضى يعانون شتى العقد وتسببوا بالإساءة لبقية القوى الديمقراطية الحقيقية, والواقع أن ماظهر من سلوكيات هؤلاء البعض أنهم يعانون من التهابات ديمقراطية وأورام حرية وتشوش في الرؤيا الليبرالية عدا مابطن من أمراض وما خفي أعظم
- اذا ً ليس كل من قال بالديمقراطية هو ديمقراطي حقيقة ً وليس كل من قال بالحرية هو حر بالتأكيد , لأن الأفعال هي التي تدل على الأقوال وليس العكس كما حاول أصحاب هذه الفورة ( الموضة ) أن يقنعونا به .
- قلنا في مجالات سابقة أن الديمقراطية هي تراكم تطبيقي يصبح ثقافة تدخل في عمق السلوك لتتحول الى مايشبه الغريزة , وان البداية تكمن في الحرية القادرة على تفعيل الديمقراطية سلوكا ً في ظل قوانين تحميها وتصونها . ولكن قبل الحديث عن كل ذلك يتوجب على القوى المطالبة بها والتي تتبناها أن تتعلم ألف باء الديمقراطية وأن تبدأ بالتطبيق من داخلها أفراد وجماعات وأحزاب ومنظمات , فهل تمكنت من ذلك .
لانعتقد , لأنها لم تعتاد تقبل الرأي الآخر واحترامه كما قلنا وقد ظهر ذلك في سلوكياتهم التي تجلت في عقدة الأنا كبيرة فاضحة غطت على كل ادعاءاتهم التي ثبت أنها مجرد ادعاءات فارغة من المضمون , وتجلت أكثر في ثقافة الموروث الالغائي التخويني التكفيري المستمدة من نظام يعود بجذوره الى قرون طويلة من القمع والإجرام وتدمير المجتمعات التي أظلها بظله الكالح السواد , فدخلت ثقافته الى النخاع وامتزجت بالمقدس لتصبح كل موبقاته مقدسات بمرور الأيام .
وطالما أنهم لايجرؤون حتى الآن على بحث وتشريح هذا الموروث المخجل فقد حكموا على أنفسهم مسبقا ً قابعين في الدرك الأسفل من المواصفات الانسانية النبيلة مركونين على هامش الحضارة .
- أية ديمقراطية يتغنون بها وهم يجلسون الى من يتعامل بخلفيات موروثة تتقيأ الحقد والكراهية وعقدة الفرقة الناجية وتقسيم الجنة والنار والكفر والإيمان
- أية ديمقراطية يتحدثون عنها وهم لايحسنون التحاور فيما بينهم تعشعش في أدمغتهم عناكب الشك والحذر وقيم النفاق والغدر والأنانية ولوائح تطول وتطول من الحلال والحرام فيما الممارسات المخفية تطيح بكل القيم والأخلاق التي عرفتها الانسانية عبر تاريخها على ظهر هذا الكوكب .
- أية ديمقراطية يتحدثون عنها في ظل ثقافة الانتقام يقابلها القمع وكلها تنتج القمع سواء كانت من الموالاة أو من المعارضة , ولم نرى منهم من يهيئ لثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر وتفهمه وتفعيل هذا الحوار ليكون متبادلاً وعلى مستوى حضاري , بل ويمكننا الذهاب الى أبعد من ذلك اذا قلنا انهم يفتقدون في كثير من الأحيان احترام الذات لأن من يحترم نفسه سيحترم الآخر بالتأكيد .
- لذلك لاأعتقد أن هناك عاقل في هذا العالم يمكنه تقبل هذه المزاعم عن حرية وديمقراطية لاظل لها على أرض الواقع وعليهم أن يبدأوا من الصفر وقبل البداية يتوجب عليهم قبل الجلوس الى بعضهم البعض أن :
- يلقوا بكل الخلفيات التي ورثوها من ثقافة النظام التي تحولت الى مقدس ومن الثقافة السابقة التي تعود لأسس ومرتكزات قمعية ترى أنها تحتكر الحقيقة .
- التخلي عن ثقافة الانتقام التي حملتها معارضة مقموعة والبدء بالنظر الى الأمور نظرة جديدة تجعل الأولية لمصلحة الوطن والمجتمع , لأن الحقد يستجر الحقد والانتقام يستتبعه انتقام . والتركيز على تفعيل وتطوير القوانين بحيث لاينجو مخطيء من تبعات خطأه في ظل قانون محترم , وحتى لاتتحول الأوطان الى غابات تسودها الفوضى والعاقل من اتعظ بغيره فهاهو العراق مثال حي أمام الجميع .
- البدء بالحوار كانسان جديد عاقل متزن يحترم إنسانيته بعيدا ً عن الأنانية بما تستتبعه من قيم منحطة ., كي يتمكن من احترام إنسانية الآخر . وعندها تبدأ المقاربة مع الآخر من الصفر وتأكدوا عندها أننا لن نرى سوى الايجابيات وسوف نلتقي جميعا ً تحت سقف الوطن والمواطنة , وعندها أيضا ً سنتمكن من تجسيد الديمقراطية والحرية وقيمها في سلوكياتنا دون أية عقد وسوف تتضح الرؤية أمامنا .
- بغير ذلك أغلقوا أبوابكم ونوافذكم واجلسوا في العتمة ثم ضعوا أصابعكم في أنوفكم , وفكروا . فكروا . فكروا ؟!! ؟.

المأزق‏ ‏السوري

المأزق‏ ‏السوري

سامح فوزى

هناك‏ ‏قلق‏ ‏متزايد‏ ‏علي‏ ‏المستويين‏ ‏الرسمي‏ ‏والشعبي‏ ‏في‏ ‏سورية‏ ‏مما‏ ‏تحمله‏ ‏الأيام‏ ‏المقبلة‏ ‏من‏ ‏عواصف‏ ‏سياسية‏ ‏دولية‏,‏والتي‏ ‏ستكون‏ ‏لها‏ ‏قطعا‏ ‏تداعيات‏ ‏علي‏ ‏السياسة‏ ‏والسلطة‏ ‏في‏ ‏دمشق‏,‏تقرير‏ ‏اللجنة‏ ‏الدولية‏ ‏للتحقيق‏ ‏في‏ ‏اغتيال‏ ‏رئيس‏ ‏الوزراء‏ ‏اللبناني‏ ‏الأسبق‏ ‏رفيق‏ ‏الحريري‏ ‏بات‏ ‏وشيكا‏,‏وتكشف‏ ‏زيارة‏ ‏رئيس‏ ‏اللجنة‏ ‏القاضي‏ ‏ميليس‏ ‏لسورية‏,‏والملفات‏ ‏التي‏ ‏فتحت‏ ‏مع‏ ‏المسئولين‏ ‏هناك‏ ‏أن‏ ‏الاتهام‏ ‏بتدبير‏ ‏أو‏ ‏تنفيذ‏ ‏حادث‏ ‏الاغتيال‏ ‏قد‏ ‏يطول‏ ‏قيادات‏ ‏أمنية‏-‏وربما‏ ‏سياسية‏- ‏سورية‏.‏

المعلومات‏ ‏المتوفرة‏ ‏تشير‏ ‏إلي‏ ‏أن‏ ‏القيادات‏ ‏الأمنية‏ ‏اللبنانية‏ ‏الأربعة‏ ‏التي‏ ‏جري‏ ‏القبض‏ ‏عليها‏,‏والتحقيق‏ ‏معها‏,‏من‏ ‏المحسوبين‏ ‏علي‏ ‏سورية‏,‏وهناك‏ ‏دور‏ ‏لعبته‏ ‏دمشق‏-‏أثناء‏ ‏وجود‏ ‏القوات‏ ‏السورية‏ ‏في‏ ‏لبنان‏-‏بالدفع‏ ‏بالعناصر‏ ‏الموالية‏ ‏لها‏ ‏في‏ ‏مقدمة‏ ‏المواقع‏ ‏الأمنية‏ ‏خاصة‏ ‏قبل‏ ‏وقوع‏ ‏حادثة‏ ‏الاغتيال‏ ‏في‏ ‏منتصف‏ ‏مايو‏ ‏الماضي‏,‏ورصدت‏ ‏لجنة‏ ‏التحقيق‏ ‏اتصالات‏ ‏عديدة‏ ‏تعزز‏ ‏هذه‏ ‏الشكوك‏ ‏فضلا‏ ‏عما‏ ‏توفر‏ ‏لديها‏ ‏من‏ ‏شهادة‏ ‏الشهود‏,‏والدلائل‏ ‏المادية‏,‏ومتابعة‏ ‏حركة‏ ‏الأموال‏ ‏في‏ ‏المصارف‏ ‏للأشخاص‏ ‏المشتبه‏ ‏فيهم‏.‏

القيادة‏ ‏السورية‏ ‏تعلم‏ ‏أنها‏ ‏قد‏ ‏تواجه‏ ‏اتهاما‏ ‏أكيدا‏..‏وبدأت‏ ‏في‏ ‏التحرك‏ ‏خارجيا‏ ‏في‏ ‏محاولة‏ ‏لاستيعاب‏ ‏آثاره‏ ‏المحتلة‏ ‏مبكرا‏.‏من‏ ‏هنا‏ ‏جاءت‏ ‏زيارة‏ ‏الرئيس‏ ‏السوري‏ ‏بشار‏ ‏الأسد‏ ‏لمصر‏ ‏ولقاؤه‏ ‏بالرئيس‏ ‏مبارك‏..‏من‏ ‏الواضح‏ ‏أن‏ ‏القيادة‏ ‏المصرية‏ ‏رفضت‏ ‏استباق‏ ‏الأحداث‏,‏ودعت‏ ‏دمشق‏ ‏للتعاون‏ ‏الكامل‏ ‏مع‏ ‏لجنة‏ ‏التحقيق‏ ‏الدولية‏.‏ويحاول‏ ‏النظام‏ ‏السوري‏-‏علي‏ ‏مايبدو‏- ‏الاستفادة‏ ‏من‏ ‏علاقات‏ ‏مصر‏ ‏الخارجية‏-‏وبخاصة‏ ‏مع‏ ‏واشنطن‏-‏للتقليل‏ ‏من‏ ‏تداعيات‏ ‏تقرير‏ ‏لجنة‏ ‏التحقيق‏ ‏الدولية‏ ‏المحتمل‏ ‏صدوره‏ ‏خلال‏ ‏أيام‏,‏وتلافي‏ ‏تكرار‏ ‏سيناريو‏ ‏أزمة‏ ‏لوكيربي‏ ‏التي‏ ‏استمرت‏ ‏سنوات‏ ‏في‏ ‏مواجهة‏ ‏الغرب‏ ‏للنظام‏ ‏الليبي‏.‏

وتردد‏ ‏أن‏ ‏دمشق‏ ‏وافقت‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏ ‏علي‏ ‏تسليم‏ ‏أي‏ ‏مسئول‏ ‏أمني‏ ‏سوري‏ ‏يثبت‏ ‏تورطه‏ ‏في‏ ‏اغتيال‏ ‏الحريري‏-‏تخطيطا‏ ‏أو‏ ‏تنفيذا‏- ‏للتحقيق‏ ‏ومحاكمته‏ ‏دوليا‏ ‏شريطة‏ ‏ألا‏ ‏تمتد‏ ‏دائرة‏ ‏الاتهام‏ ‏خارج‏ ‏الشق‏ ‏الجنائي‏ ‏في‏ ‏القضية‏.‏

الموقف‏ ‏صعب‏,‏وتوالي‏ ‏الاغتيالات‏ ‏في‏ ‏لبنان‏ ‏تجعله‏ ‏أكثر‏ ‏صعوبة‏,‏والتصريح‏ ‏المفاجئ‏ ‏لوزير‏ ‏الدفاع‏ ‏اللبناني‏ ‏إلياس‏ ‏المر‏ ‏بأن‏ ‏سورية‏ ‏سعت‏ ‏لاغتياله‏ ‏يكشف‏ ‏عمق‏ ‏الأزمة‏,‏ويعطي‏ ‏مزيدا‏ ‏من‏ ‏الذرائع‏ ‏في‏ ‏يد‏ ‏القوي‏ ‏الدولية‏ ‏التي‏ ‏تسعي‏ ‏لعزل‏ ‏النظام‏ ‏السوري‏ ‏عالميا‏,‏وهي‏ ‏في‏ ‏الواقع‏ ‏لاتحتاج‏ ‏إلي‏ ‏مبررات‏ ‏إضافية‏,‏ففي‏ ‏جعبتها‏ ‏الكثير‏ ‏بدءا‏ ‏مما‏ ‏حدث‏ ‏في‏ ‏المشهد‏ ‏اللبناني‏,‏مرورا‏ ‏بحالة‏ ‏حقوق‏ ‏الإنسان‏ ‏في‏ ‏سورية‏ ‏وانتهاء‏ ‏بحالات‏ ‏التسلل‏ ‏عبر‏ ‏الحدود‏ ‏العراقية‏-‏السورية‏ ‏لما‏ ‏يعرف‏ ‏باسم‏ ‏المقاتلين‏ ‏العرب‏.‏

السؤال‏ ‏الذي‏ ‏يؤرق‏ ‏السوريين‏ ‏من‏ ‏قوي‏ ‏المجتمع‏ ‏المدني‏ ‏هو‏ ‏مستقبل‏ ‏بلادهم‏ ‏إذا‏ ‏واجهت‏ ‏ضغوطا‏ ‏دولية‏ ‏علي‏ ‏غرار‏ ‏ماحدث‏ ‏من‏ ‏قبل‏ ‏من‏ ‏ليبيا‏.‏

الحالة‏ ‏السورية‏ ‏معقدة‏ ‏استطاع‏ ‏النظام‏ ‏حصار‏ ‏وتقليم‏ ‏أظافر‏ ‏الإسلام‏ ‏السياسي‏ ‏لكنه‏ ‏في‏ ‏المقابل‏ ‏سمح‏ ‏بحالة‏ ‏من‏ ‏السلفية‏ ‏الدينية‏ ‏في‏ ‏الانتشار‏.‏ولاتوجد‏ ‏قوي‏ ‏حقيقية‏ ‏للمعارضة‏ ‏وأقدم‏ ‏النظام‏ ‏مؤخرا‏ ‏علي‏ ‏إغلاق‏ ‏نافذة‏ ‏الانفتاح‏ ‏السياسي‏ ‏الوحيدة‏ ‏منتدي‏ ‏الأتاسي‏ ‏رغم‏ ‏أنها‏ ‏كانت‏ ‏نشطة‏ ‏في‏ ‏عهد‏ ‏الرئيس‏ ‏حافظ‏ ‏الأسد‏..‏وهناك‏ ‏مراكز‏ ‏قوي‏ ‏حقيقية‏ ‏في‏ ‏بنية‏ ‏السلطة‏ ‏تحول‏ ‏دون‏ ‏حدوث‏ ‏إصلاح‏ ‏من‏ ‏الداخل‏ ‏علي‏ ‏النحو‏ ‏الذي‏ ‏يطمح‏ ‏إليه‏ ‏السوريون‏.‏يضاف‏ ‏إلي‏ ‏ذلك‏ ‏وضع‏ ‏اقتصادي‏ ‏مترد‏.‏

يشعر‏ ‏المسيحيون‏ ‏في‏ ‏سورية‏ ‏بقلق‏ ‏له‏ ‏ما‏ ‏يبرره‏.‏هم‏ ‏في‏ ‏حالة‏ ‏توافق‏ ‏مع‏ ‏النظام‏ ‏البعثي‏ ‏منذ‏ ‏عقود‏ ‏ونظرا‏ ‏لأنهمأقلية‏ ‏عددية‏ ‏فإنهم‏ ‏يتمتعون‏ ‏بالحماية‏ ‏من‏ ‏جانب‏ ‏نظام‏ ‏سياسي‏ ‏يستند‏ ‏إلي‏ ‏حكم‏ ‏أقلية‏ ‏علوية‏..‏ولكن‏ ‏إذا‏ ‏حدث‏ ‏تغيير‏ ‏سياسي‏ ‏مفاجئ‏ ‏فقد‏ ‏تحمل‏ ‏لهم‏ ‏الفترة‏ ‏المقبلة‏ ‏أوضاعاصعبة‏ ‏علي‏ ‏غرار‏ ‏ما‏ ‏يواجهه‏ ‏المسيحيون‏ ‏في‏ ‏العراق‏ ‏عقب‏ ‏أفول‏ ‏الحكم‏ ‏البعثي‏.‏

يتزامن نشره مع جريدة وطني المصرية

مفكر مصري

شفاف الشرق الأوسط

جمهورية الفساد والمفسدين

جمهورية الفساد والمفسدين

مروان اسكندر

النهار

حسب المعلومات الواردة عن التحقيقات مع مسؤولين سوريين، يبدو أن احدهم أقر بأنه وغيره حققوا مكاسب من الفساد لأن المناخ الاقتصادي والسياسي فاسد في لبنان، واللبنانيون فاسدون الى حد أكبر.

لا ندري من كان أكثر فساداً. لكننا نعرف ان الفساد عشش في مجالات نشاطات معينة، وعشش في زوايا العطاءات، وتجاوز القوانين، وكاد يطيح أسس النظام الاقتصادي في لبنان عن سبيل تحويلها مرتكزات يقرر حركتها أصحاب السطوة العسكرية او المخابراتية.

- الفساد تجلى في عطاءات المقاولات.

- الفساد كان واضحاً في مخصصات كازينو لبنان.

- الفساد تمدد عبر تجاوز الحدود الجمركية بين البلدين وتهريب مختلف انواع المشتقات والمنتجات الصناعية في الاتجاهين حسب الفرصة المتاحة في كل سوق، حتى أضحى عميل جمركي لبناني سابق صاحب ثروة توازي 100 مليون دولار.

- الفساد تسرب الى حسابات المخابرات الهاتفية الدولية.

- الفساد تجلى في اذونات الكسارات واستمرار عمل القليل منها الذي لم يتوقف عن الحصول على حماية من لبنان وسوريا.

- الفساد نخر المستوجبات الجمركية، فكانت سيارات جديدة تنمّر وتوضع قيد الاستعمال بملكية قادة سوريين يبيعونها في ما بعد ويحصلون على منفعة الرسم الجمركي الذي لم يتحصل أصلا للحكومة اللبنانية.

- الفساد تفشى في اموال السطوة على مصرفيين أو فنيين او اصحاب مؤسسات سياحية.

-الفساد فرض في مراقبة جهاز الأمن العام لصحة الفنانات الاجنبيات، ورخص الحفلات الغنائية والترفيهية، فكان جهاز الأمن العام برئاسة جميل السيد يحصد 15-20 مليون دولار سنوياً من دون قيود أو محاسبة.

- والفساد تفشى في الهواء الذي نتنشق والذي أصبح مشبعا بالكبريت بسبب حرق مستوردات نفطية لتوليد الكهرباء تحوي نسباً مرتفعة من الكبريت لا يجوز استعمالها وقاية للصحة من جهة ولأدوات الإنتاج من جهة أخرى.

أضف الى كل ذلك الفساد المتنقل بصورة مسكينة مع موظفين أمنيين يقصدون المؤسسات بإسم هذا او ذاك من المسؤولين الأمنيين اللبنانيين والسوريين للاستحصال على مئة أو مئتي دولار، الخ.

الأمر العجيب فعلا هو كيف استمر الاقتصاد اللبناني في العمل والدوران تحت وطأة جميع هذه الممارسات النافرة؟ ولماذا كان الاستمرار، وما هي أسبابه؟

الاقتصاد اللبناني استمر في دورة شبه طبيعية لأسباب اربعة في المكان الاول.

اولا: ان اللبنانيين متحركون ومتفائلون على وجه العموم وهم يبذلون جهودا كثيفة للتغلب على الصعاب بدل الانكفاء.

ثانياً: ان استقرار اسعار الصرف وفر مقداراً من الثقة بأن الاوضاع لا بد من ان تتحسن، وان القيم بالليرة للموجودات الثابتة ارتفعت بالدولار عملة القياس في أذهان المواطنين بكلام آخر، بعض اللبنانيين أحسوا انهم أثرياء مع ارتفاع اسعار عقاراتهم في صورة خاصة بالدولار.

ثالثاً: الممارسات الفاسدة دفعت أعداداً اكبر من اللبنانيين الى العمل في الخارج ومن ثم تحويل بعض مدخراتهم الى عائلاتهم ومن يعتمدون عليهم. وبالتالي، ارتفع حجم التحويلات الى لبنان باطراد، مما ساعد حساب ميزان المدفوعات ورفع موجودات المصارف في صورة ملحوظة.

رابعاً: النسبة الاكبر من المسؤولين السوريين المستفيدين وجدوا من الأنسب والأسلم تجميع مدخراتهم في لبنان لأن انفضاح حجم ثرواتهم في سوريا يؤثر في اوضاعهم هناك، على الاقل نظرياً. وبالتالي، ساهمت هذه الفئة في ترصيد القسم الاعظم من عائدات الفساد على المسؤولين السوريين في لبنان.

ولا شك ان اعتراف احد المسؤولين السوريين بالمشاركة في الفساد مع المفسدين اللبنانيين كان المدخل اليه حساباته مع زملائه في المصارف اللبنانية التي توصل الى الكشف عن بعضها التحقيق الدولي الجاري.

بعد كل هذا، كيف نتصدى للفساد؟ وهل بالفعل سنقوم بخطوات في لبنان تبرهن للمواطن العادي الحريص على مصلحة لبنان ومستقبل ابنائه في البلاد ان الحكم مقبل على انتفاضة الشرف والمعاصرة؟

أول المطلوب سد مسارب الفساد المستمرة، ومنها مسارب في التهريب، وفي الكازينو، وفي الكسارات، وفي حسابات الهاتف. وبعد الخطوات التمهيدية الضرورية، لا بد من اتخاذ المبادرات القانونية التي تؤدي الى تجميد حسابات الفاسدين والمفسدين من السياسيين والامنيين من دون هوادة ومن ثم مراجعة كل حالة ليقرر في شأنها قضاة منزهون عن الغرضية والاسترهان. نحن نؤكد ان هذه الحسابات تفوق المليار دولار. ومن الواضح ان هناك منفعة عامة من تجميدها ومصادرتها.

اننا نعلم تمام العلم ان هذه المبادرات ستؤدي الى مداخلات كثيرة والى احتجاجات واسعة واعتراضات مغلفة ببياض السمعة والنية وما، الى ذلك من أعذار. لكن لبنان بحاجة الى ان يواجه امتحانات المطهر، وبحاجة الى ان يزيل من النفوس الشعور بالتقزز من الممارسات التي طغت لسنوات وتآكلت سمعة البلاد والكثير من خيراتها.

الحكومة لا نقبلها نحن المواطنين حكومة مساومة. بل هي في نظرنا وأملنا حكومة خلاص وانعتاق، هي حكومة لإحقاق الحق وإزالة الباطل، هي حكومة لإعادة العزة للمواطنين وكشح نير الظلم عنهم. والا لا نريدها حكومة في هذا الوقت وفي هذا العصر، وفي الحكومة من فيها من طاقات خيرة ونبلاً في مسلكهم وتفكيرهم، وهذه الحكومة في امكانها طلاق مبدأ طائفية الوظيفة والإتيان بمن هم على مستوى عال من الكفاية والنظافة والامانة.

لبنان اليوم تحت مجهر استهدافات 14 آذار، والحكومة امام امتحان اللبنانيين من المقيمين والمغتربين ممن آمنوا بأن الخلاص آت وإن كان مدخله خسارة حياة اكبر زعيم وسياسي في تاريخ لبنان الحديث، رفيق الحريري.

انتظار نتائج التحقيق الدولي اصبح المناخ المهيمن على نفسية اللبنانيين. ولا شك ان ملفات التحقيق ستظهر من الفساد والإفساد ما سيعفر جباه آلاف اللبنانيين بالتراب، لكن الشرفاء هم اضعاف اضعاف المرتكبين وهؤلاء لهم الحق في لبنان جديد وفي ادانة كل من استسهلوا تعريض بلادهم للخراب المبرمج لمصالح عشرات المستبدين والمنتفعين.

الحصان الجيد يأتي من المؤخرة!

الحصان الجيد يأتي من المؤخرة!

. نزار جاف

ايلاف

کلما تتواتر الانباء عن مستجدات في مسار التحقيق الدولي الذي يقوده السيد ديتلف ميليس بخصوص قضية إغتيال السيد رفيق الحريري أو، يقترب موعد إعلان هذا القاضي الالماني عن نتائج تحقيقاته، ينعکس ذلک بصورة سلبية على العاصمة السورية التي يکاد قلق الترقب يحبس أنفاسها البطيئة. وإذا ما رأى العديد من المراقبين"المقربين من دمشق تحديدا"، أن تسيس مسار أو نتائج التحقيق"سيما إذا کانت ضد سوريا"، هو أمر وارد جدا ولاتملک دمشق من خيار آخر سوى التعامل مع هذا الاحتمال و العمل على إمتصاص ردود فعله التي سوف تکون وخيمة على القيادة السورية. ولعل طوق العزلة الدولية التي باتت تلف دولة البعث، قد يکون من الامور التي تزيد من فرضية رجحان إحتمال إعلان نتائج التحقيق بالصيغة التي تدور في مخيلة واشنطن. وقد يکون الصمت و التجاهل"العربيين"حيال سوريا، من ردود الفعل المؤکدة على عدم تفائل قادة الدول العربية بالخير فيما يخص نتائج التحقيق. سوريا التي حاولت ولمدة غير قصيرة أن تراهن على خيار تحالفها مع الرياض کضمانة سياسية لها بوجه الغرب، يبدو أن إحتمالات تورطها في قضية إغتيال رجل السعودية المفضل في لبنان، قد فک عرى ذلک التحالف وقاد المملکة العربية السعودية الى خانة لاتحمل ذلک الود السابق لدمشق. أما مصر، فإنها ترغب في متابعة الامر بحصافتها الدبلوماسية المعروفة عنها ولاتود إستباق الاحداث مهما کانت، لکنها مع ذلک ترى في نتائج التحقيق أمرا قد يعنيها"وخصوصا في المستقبل المنظور"، ومع ذلک فليس في وسع قاهرة الرئيس مبارک في الوقت الحاضر سوى الانتظار ولاسيما وأن الخارجية المصرية تدرک بوضوح أنها لاتسطيع أن تغرد خارج السرب العربي المحافظ الذي يبدو أنه يبدي نوعا من التفهم لمرتکزات التصعيد الامريکي ـ الفرنسي ضد دمشق. وما تناقلته وکالات الانباء عن قرب زيارة الرئيس بشار الاسد لکل من الهند و الصين و روسيا، من الممکن تأويله وفق سياقين:
1 ـ إن دمشق تريد من خلال تسريب الانباء عن هذه الزيارات، کسر طوق العزلة الدولية عن رقبتها و هي تريد أن تلمح من خلال ذلک"کما يرى بعض المراقبين"إن هناک في الافق ماينبأ عن کون نتائج التحقيق ليست وفق الرغبة الغربية، وأن نيودلهي و بکين و موسکو، قد قررت إستقبال الرئيس السوري الشاب بعد أن ضمنت ذلک الامر وإلا فلم يکن في وسعها إستقباله في مثل هذه الظروف.
2 ـ سوريا تريد أن تفتح يدها المغلولة بأجندة التحالفات العربية و ترغب أن تبعث برسالة عتاب ضمنية الى حلفاء الامس من أن الهواء النقي لن ينقطع عن سماء دمشق إذا ما أغلق"الاشقاء العرب" نوافذهم عن سوريا!
ومهما يکن، فأن هذه الزيارة وعلى الرغم من أهميتها السياسية لدمشق، لکنها سوف لن تکون بتلک الصورة التي يرسمها الاعلام السوري الرسمي، خصوصا حين يبدو واضحا مسحة التهويل و المبالغة في شرح تداعيات الامر. إن هذه الزيارة قد تکون متنفسا لسوريا في وقتها العصيب هذا، لکنها لن تکون أبدا طوق نجاتها کما يحلو للإعلام السوري تصوير ذلک، إذ أن الولايات المتحدة و فرنسا بالذات، قد دخلتا حلبة الصراع مع الحکم السوري ليس لإسقاطه بالمفهوم العسکري کما يصوره البعض من المحللين السياسيين، وإنما لإخضاعه لعملية قيصرية"سياسيا" بحيث تتغير على أثرها الکثير من سحنات الوجه الرسمي السوري. وقد يکون نوع من السذاجة السياسية عملية الربط و الخلط بين التورط الامريکي في العراق و الموقف الامريکي من الملف السوري، إذ لکل منهما إستحقاقاته الخاصة، وأن واشنطن التي تلاقفت قضية إغتيال السيد الحريري ودفعته بإتجاهات محددة واضحة المعالم، فإنها هي أيضا ليست بتلک السذاجة التي تبني فيها قصورا في الهواء بل أن الذي يجري حاليا خلف الأحلام الوردية هو الطرف الذي وضع نفسه مواضع التهم. أما بصدد مايطرح من تکهنات بخصوص نتائج التحقيق و إحتمالات خلاص الاسد من الشرک الامريکي، فهو أيضا أمر سابق لأوانه، ذلک أن النظر الى بطء السيد ميليس في التحقيق ليس دليل کاف على براءة الذئب السوري بقدر مايتعلق الامر بکون السيد ميليس قد أتقن قواعد اللعبة وطفق يمارسها بحکمة و حذاقة يحسد عليها، وهو ينتظر دوما تداعيات کل مرحلة تحقيق لکي يشرع في مرحلة أخرى، وأن إنطلاقته الحقيقية قد تکون محفوظة لنهاية اللعبة وتماما مثل الحصان الجيد الذي يأتي دوما من المؤخرة.

سوريا و معضلة الإصلاح الاقتصادي

سوريا و معضلة الإصلاح الاقتصادي

. عبدالعظيم حنفي

ايلاف

فى إطار مرونة الرئيس حافظ الأسد واستشعاره بضرورة التكيف مع التغيـيرات فى النظام الدولي وإدراكه ان جوهر أزمة الاقتصاد السوري تكمن فى فشل نمــط الملكية العامة فى بناء اقتصاد وطني ومستقل طوال فترة امتدت حوالي ثلاثين عاماً وبعد فشل النظم السياسية الاشتراكية وانهيارها فى الاتحاد السوفيتي السابق ودول أوربا الشرقية لذا عمد الى اتخاذ إجراءات فعالة على صعيد التحرر الاقتصادي ولكن فى إطار تدرجي وغير متسرع ان لم نقل انه يتسم بالبطء املأ فى ان ينجح الاستثمار الخاص فيما فشل فيه القطاع العام. وكانت أبرز الخطوات على هذا الطريق صدور القانون رقم 10 لعام 1991 الذي مثل طفرة فى المفاهيم السورية التقليدية لإدارة الاقتصاد. وقد نص هذا القانون على ان أى مشروع يزيد من فرص العمل ويقلل من كميـة الواردات ويزيد من معدل الصادرات يتمتع بثلاث ميزات.
أ - اعفاء مستلزمات انتاجه من الخضوع للضرائب الجمركية.
ب - اعفاءه من كافة انواع الضرائب لمدة تتراوح بين 5-9 سنوات.
جـ - منح المستثمرين فى تلك المشروعات الحق فى تحويل ارباحهم الى الخارج الا ان البرنامج حقق قدراً ضئيلاً من النجاح كما أن المساعـدات الخليجية والدولية توقفت فى النصف الثاني من التسعينيات مع الانخفاض الحاد فى أسعار البترول وموجات الجفاف التي اجتاحت المنطقة مع وجود عراقيل وضعتها البيروقراطية السورية فى وجه التحرير الاقتصادي.
ومع ان عدداً من قيادات المؤسسة العسكرية قد دخلوا فى علاقات اقتصادية قوية مع طبقة المستثمرين السوريين الجدد التي ازدهرت أنشطتها فى السنوات الأخيرة.
إلا أن هناك من القيادات العسكرية المحافظة مازالت معارضة لمزيد من التحريــر الاقتصادي خشية ان يصل النظام السوري الى المرحلة التي يجد نفسه فيها مطالباً بترجمة الحريات الاقتصادية لأصحاب رؤوس الأموال الى حريات سياسية مماثلة.مع تولى بشار الأسد الحكم. كان هناك أدلة جيدة على أنه جاء إلى السلطة وهو مدرك للحاجة إلى إجراءات اقتصادية شجاعة من أجل عقلنة الإدارة العامة والحد من الفساد ومن ثم تحديث البلاد. لكن مشروعيته وقاعدة سلطته مرتبطتان بشدة بالنظام البعثي، فإذا كان يفهم إلى حد ما أن خططه لا يمكن أن تنجح مع النظام الحالي، إلا أنه يخشى ألا يبقى في السلطة طويلاً من دونه. فالمسألة لا ترتد إلى مجرد تخليص النظام من مخلفات حكم والده. إذ يتشكل هذا النظام من مكونات قوية: نخبة اقتصادية سياسية متمترسة بالقطاع العام والجيش والمخابرات، وبيروقراطية هائلة بليدة تعتاش على الوضع القائم. وعلى بشار ـ أكثر من والده ـ أن يتشارك في السلطة مع مراكز القوى المتعددة عندما يصبح " الاستبداد ألتعددي" السوري أقل استبداداً وأكثر تعددية، لقد أدرك الرئيس السوري أن طول مدة بقاءه في الحكم تعتمد على استقرار النظام الذي يسعى إلى إصلاحه.
استطاعت عوائد السياسة الخارجية في الماضي أن تعوض عن الخلل الداخلي. تمثلت تلك العوائد في الدخل الناجم عن المساعدات الإيرانية في الثمانينيات، والخليجية في أوائل التسعينيات، ثم التجارة غير المشروعة مع العراق بعد ذلك.
وها قد ولَّت هاتيك الأيام، وسورية بحاجة ماسة إلى إصلاح داخلي، فقد أنهك اقتصادها الفساد وقِدم التجهيزات الصناعية التابعة للدولة، وأداء متدن ومتقلب للقطاع الزراعي، وموارد نفطية سريعة النضوب، ونظام تعليمي مفوت لا يمت إلى عصرنا، بالإضافة إلى هجرة الرساميل وافتقاد الاستثمار الأجنبي.
وفي هذا الخصوص يترابط الاقتصادي مع السياسي فالإصلاحات الجذرية للقطاع العام ستؤدي إلى انهيار علاقة راعي- تابع كذلك الأمر فإن الفساد الواسع مَعْلَمْ مركزي من معالم النظام ويطال جميع المستويات الإدارية، كما يُنَظِّم [الفساد] مظاهر عديدة من مظاهر الاقتصاد. فالأجور الخفيضة جداً في القطاع العام جعلت من الفساد حاجة فعلية، ولكن الجديد في الأمر نسبياً هو أن رجال أعمال القطاع الخاص الذين استفادوا من اللبرلة الاقتصادية أصبحوا مستفيدين كباراً من الفساد. ونتيجة لذلك احتكروا معظم الأسواق الرابحة الجديدة ونافسوا بشكل مباشر البرجوازية التقليدية في دمشق وحلب التي حاول حافظ الأسد جاهداً أن يستميلها.


عبد العظيم محمود حنفي
الباحث السياسي / مدير عام مركز الكنانة للبحوث والدراسات

سورية تبدي "معارضة قوية" لفكرة تشكيل محكمة دولية..

سورية تبدي "معارضة قوية" لفكرة تشكيل محكمة دولية..

ميليس يأمل بمزيد من الادلة ومهمته تستمر حتى 15 ديسمبر

محمد شقير

الحياة

في تطور جديد لمهمة القاضي الألماني ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كشف رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة بعد اجتماعه مع رئيس الجمهورية اميل لحود ان ميليس سيتخذ كل الخطوات لتستمر مهمته حتى 15 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، مؤكداً ان قراره على هذا الصعيد من صلاحياته اساساً لأن مجلس الأمن الدولي اعطاه صلاحية لمدة ثلاثة اشهر، أي لا تحتاج الى استصدار قرار جديد من المجلس.

وأوضح السنيورة ان مجلس الأمن كان اعطاه عندما كلفه رئاسة لجنة التحقيق الدولية صلاحية لمدة ثلاثة اشهر وتمدد تلقائياً لثلاثة اشهر جديدة بعد ذلك. وقال: «ان هذا الأمر سيتولاه ميليس وأنا مطمئن الى سير التحقيقات، وباسم اللبنانيين اقول لدينا كل الثقة باستقلاليته وبمهنيته وبموضوعيته وبكل الإجراءات التي يقوم بها لمعرفة الحقيقة».

لكن «الحياة» علمت من مصادر مواكبة للتحقيق أن ميليس كان ابلغ السنيورة عندما زاره اول من امس وعشية انتقاله اليوم الى فيينا للمباشرة بكتابة تقريره الذي سيرفعه لاحقاً الى مجلس الأمن وجود رغبة لديه بأن يستمر في مهمته حتى 15 كانون الأول المقبل، وأن هذا الأمر سيناقشه مع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، ليكون في مقدوره الإعلان عنه بصورة رسمية.

وأكدت المصادر ان ميليس كان حدد الخامس والعشرين من الشهر الجاري كآخر مهلة ليرفع تقريره الى مجلس الأمن بواسطة انان، لكنه رأى ان لديه الكثير من المعطيات والعناصر الجديدة التي تحتم عليه طلب الاستمرار في مهمته 50 يوماً اضافياً تنتهي في 15 كانون الأول.

وأوضحت المصادر ان طلب ميليس الاستمرار في مهمته لا يعني ابداً ان ليس بين يديه من الأدلة والقرائن ما سيدرجه في التحقيق الذي سيحيله لاحقاً الى النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا ومن خلاله الى المحقق العدلي في جريمة اغتيال الحريري القاضي الياس عيد من اجل دراسته تمهيداً لإصدار قراره الظني في الجريمة، بمقدار ما انه لاحظ أن هناك تطورات متسارعة على صعيد التحقيق باتت تستوجب الاستمرار في مهمته فترة اضافية.

ولفتت المصادر ذاتها الى ان طلب ميليس الاستمرار في مهمته سيتزامن مع رغبته في رفع تقريره الى انان قبل 25 الجاري، وإصراره على ان يتقدم من القضاء اللبناني بنسخة عن التحقيق الذي اشرف عليه من دون ان يطلب التريث على هذا الصعيد الى حين انتهاء مدة الأشهر الثلاثة في 15 كانون الأول.

وأشارت الى ان ميليس سيتقدم من القضاء اللبناني بالتحقيق الذي انجزه على دفعتين: الأولى وهي اساسية قبل نهاية هذا الشهر والثانية فور انقضاء مهلة التمديد، مؤكدة ان تحقيقه لن يكون عادياً وسيتضمن ادلة وقرائن يمكن ان يضيف إليها أدلة جديدة قبل 15 كانون الأول. كما اوضحت ان ميليس سيوجه في تقريره الى انان او في تحقيقه الى القضاء اللبناني اتهامات لعدد من اللبنانيين المشتبه بهم، اضافة الى مسؤولين سوريين انطلاقاً من تقديره بأنه لم يلمس التجاوب المطلوب من ضباط ومسؤولين سوريين كان قابلهم عندما توجه اخيراً لهذه الغاية الى دمشق.

وإذ تجنبت المصادر الدخول في التفاصيل، نقلت في المقابل عن ميليس قوله انه يتطلع الى انجاز تحقيق قضائي شامل يكون على مستوى الجريمة والزلزال الذي احدثته محلياً وعربياً ودولياً، نافياً ايضاً ان تكون لديه نية لإعداد تقرير يأتي على قياس اشخاص، مؤكداً ان الأيام ستثبت ان ما انجزه وفريق المحققين الدوليين بالتعاون مع القضاء اللبناني وفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي سيكون بحجم الوطن.

على صعيد التحقيقات الجارية مع الموظفين اللذين يعملان في شركة «ام تي سي تاتش» للاتصالات الخلوية، علمت «الحياة» ان فرع المعلومات بالتعاون مع المحققين الدوليين مستمر في مهمته من اجل تحديد الجهة المسؤولة عن اخفاء المعلومات من اجل تضليل التحقيق، اضافة الى معرفة ما اذا كانت لجهات نافذة علاقة بالتواطؤ الذي حصل قبل وقوع الجريمة وأثناءها.

تهريب السلاح

من جهة ثانية، اكدت مصادر وزارية لـ «الحياة» ان السنيورة يولي اهتماماً خاصاً بالمعلومات التي تحدثت اخيراً عن وصول اسلحة مهربة من سورية الى بعض الفصائل الفلسطينية في لبنان، وتوقعت ان يدعو فور عودته من زيارته الرسمية اليوم لدولة الإمارات العربية المتحدة المسؤولين الفلسطينيين في المخيمات الى اجتماع عاجل للتباحث معهم في هذا الموضوع، اضافة الى استمرار تسلل المقاتلين الفلسطينيين الى بيروت من الأراضي السورية. وأشارت المصادر ايضاً الى ان السنيورة باشر التحرك باتجاه الدول العربية الفاعلة طالباً منها التدخل الفوري لوقف عمليات تهريب الأسلحة وتسلل المقاتلين الفلسطينيين، خصوصاً ان لدى اللبنانيين خشية من استخدام كل ذلك لتهديد الاستقرار في البلد من ناحية ولتأزيم العلاقات اللبنانية – الفلسطينية من ناحية ثانية.

وفي دمشق، قالت مصادر مطلعة لـ «الحياة» ان سورية ستبدي «معارضة قوية» لفكرة تشكيل محكمة دولية للنظر في اغتيال الحريري. وأضافت ان سورية «تعارض تشكيل محكمة دولية وهي تفضل محكمة سورية - لبنانية أو محكمة عربية في حال كانت هناك أية ضرورة لذلك».

الضغوط الأميركيةعلى سوريا والموقف منها

الضغوط الأميركيةعلى سوريا والموقف منها

حمد الطفيلي

السفير

تمر سوريا بعاصفة متلاحقة من التهديدات وممارسات الضغط الاميركية لاستلامها وخضوعها التام للشروط الاميركية التعجيزية، واول هذه الشروط الإمساك بمسؤولية حماية حدودها مع العراق على طول 650 كلم وتحميلها مسؤولية تسلّل المقاتلين عبر هذه الحدود لقتال الجيش الاميركي والقيام بتفجيرات متنقلة داخل بغداد وبلدات عراقية مقاومة اخرى.
هل سوريا من الدول العظمى التي تملك جيوشاً وترسانات كي تتمكن من ضبط الامن على طول الحدود السورية العراقية المذكورة اعلاه وتمنع كل متسلل الى العراق؟ وكانت سوريا قد صرحت مراراً على لسان قيادتها ومسؤوليها انها مع وحدة العراق واستقراره، كما انها ترفض كل اشكال الارهاب والعنف وقتل الابرياء داخل العراق وخارجه.
كما ان سوريا قد لجأت الى تنفيذ الجانب المتعلق بها حول القرار 1559 نزولا عند رغبة القرارات الدولية وتمسكها بها، كما انها استقبلت رئيس لجنة التحقيق الدولية ميليس وجرى التوافق معه على مسودة عمل تحقيقي باشر به مع امنيين سوريين كانوا يمارسون سلطاتهم الامنية داخل لبنان اثناء العملية الاجرامية التي أودت باستشهاد الرئيس الحريري، والتي انعكست ضرراً على سوريا كما على لبنان...
كما ألحّت سوريا على التعاون الكامل أمنياً وقضائياً مع المحقق الدولي ميليس بعيداً عن ضغوط التسيس الخارجي وسلبياته على الملف.
إن تهديدات كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية مؤخراً لسوريا بفرض حصار اقتصادي وعزلة دولية وتلويح بخيار عسكري اذا قضت الضرورة ضدها... كل هذا يشير الى المأزق الخطير الذي تتخبط فيه الادارة الاميركية من خلال غرقها في الوحل العراقي، والخسائر العسكرية التي تصيب جنودها يوميا، اضافة الى حركة تململ الشعب الاميركي داخل الولايات الاميركية ومطالبتها بانسحاب الجيش الاميركي السريع من العراق، وسجلت احصائيات لشركة <<دفسا>> ان نسبة 73% من سكان خمس ولايات اميركية هي مع الانسحاب الفوري للجيش الاميركي من العراق، وان نسبة الاصابات من الجنود الاميركيين تتراوح بين 5 الى 10 جنود يومياً بين قتيل او جريح.
ان سوريا لا تستطيع حماية حدود دولة العراق منعا للتسلل، وهي كدولة نامية، نظرا لضعف امكانياتها الاستراتيجية واللوجستية، كما ان الولايات المتحدة الاميركية في المقابل وهي القطب الاول العالمي عسكريا واستراتيجيا فانها لا تستطيع ضبط حدودها مع المكسيك وهي بامتداد 300 كلم لتمنع التهريب والعصابات من التسلل الى داخل أراضيها. كما لم تكشف مخابراتها من س.اي.ايه، والاف.ب.اي سابقا عمليات تفجيرات المركز التجاري وقاعدة البنتاغون التي اودت ب4000 قتيل، ويجب ان تدرك الولايات المتحدة بأن الهجمة الشرسة على سوريا لا تزيدها الا تماسكا وتلاحما داخليا، وان ما تحركه اجهزة المعلومات الاميركية عبر بعض الكتّاب والاعلاميين وبعض الاصوليين لزعزعة الاستقرار داخل سوريا، فانها حرتقات ثبت فشلها في بعض احياء دمشق وحماه والحسكة... وان اي رهان على قلب النظام في سوريا او تطييره فهو من نسج الخيال على المدى القريب..
لقد اخذت سوريا بالاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبدأت تمنح جرعات من الحريات والحقوق للاحزاب والهيئات الثقافية والاقتصادية والانمائية تماشيا مع الانفتاح وحركة السوق العالمية، لكن الخطوات الاصلاحية بطيئة وتحتاج الى عمليات تأهيل وتدريب واكتساب خبرات قد تستغرق وقتا طويلا للتنفيذ العملي والميداني الشاملين...
ما يحزّ في نفس كل عربي ان تجد غالبية الدول العربية تقف في الصف الاميركي في محاولة لزيادة الضغط والتجريح بسوريا في محاولة لاستفرادها واستسلامها طوعياً لكل الإملاءات والشروط الأميركية الاسرائيلية.
انا لا ادافع في كتابتي عن سوريا ونظامها، انما أجد في مناعة الموقف السوري وصلابته مناعة وموقف الرمز العربي الرافض للخنوع والاستسلام.
هناك أخطاء وخلل يضرب أحشاء النظام السوري ويسعى هذا النظام لإصلاح اخطائه وخلله دون وصاية دولية ودون حرب اعلامية مسعورة عليه، وان اهل البيت أدرى بما في داخله، واهل مكة أدرى بشعابها اما في لبنان، بالرغم مما أصاب العلاقات اللبنانية السورية من اضطراب وتصدّع أدّت الى انسحاب سوري، ترك آثاراً سلبية على البلدين تعمل دوائر وسفارات اجنبية على توسيع هوة هذا الاضطراب، والتصدع..
لا بد اليوم من إعادة برمجة العلاقات الاخوية اللبنانية السورية على قواعد عملية وعملانية وفق شروط صحوة سليمة تؤمن منافع البلدين، وترمّم كل الثغرات التي كانت شائبة، وتخلق لدى البلدين مناعة سياسية واقتصادية وامنية تحدّ من غلواء الضغوطات والتهديدات الأميركية الاسرائيلية على البلدين وتحفظ سلامة واستقلال كل منهما...
وان نصائح وتوجيهات السفراء الاجانب المتواصلة في لبنان قد يتغير برنامجها وخط سيرها مع كل طرف او فريق لبناني لزيادة الشرذمة وبث البغضاء بين الشعبين اللبناني والسوري وصولاً الى الفوضى البناءة...
لا أرى خيراً من ابناء بلدي المتواجدين في ولايات اميركية وهم ينسقون مع المحافظين الاميركان الجدد اصحاب القرار الاميركي المفروض على الرئيس بوش ومجموعته المتطرفة والتي تعمل على زعزعة الاستقرار والهدوء في بلدان الشرق الأوسط خدمة لإسرائيل ومشروعها التفتيتي لدول المنطقة، وإذا تمكنت الولايات المتحدة بالتعاون مع بعض الدول الغربية والعربية من إخضاع سوريا وزرع الفوضى في ربوعها، فإن شظايا الفوضى ستضرب عمق لبنان وتبدّد كل أحلام الوهم التي تتذرع بحياد لبنان وبعده عن التجاذبات الإقليمية والدولية...
ومن المستهجَن والذي يدعو للقلق على المصير هو تغريب قاموس مصطلحاتنا العربية واعتبار مضامينه الجوهرية مثل العروبة والقومية والجهاد والتحرير والدفاع عن الارض والمقدسات بأنها مصطلحات من لغة خشبية جامدة كما يروج لها بعض كتّابنا وإعلاميينا... وهذا خطر فادح، فإذا ألغينا هذه المفاهيم القومية والعربية التي تربّت عليها شعوبنا العربية منذ نعومة اظفارها وكانت قاعدة اساسية للثقافة العربية وحضارة شعوبها، هل نضرب بها عرض الحائط ونتخلى عن كل قيم العنفوان والعزة والكرامة التي نحمل، لنساوم على مصطلحات تروّجها الدوائر الغربية والاميركية كالحرية والديموقراطية وحقوق الانسان وهي مصطلحات نؤمن ونعمل بها كشعوب ضمن حدود الإمكانيات العلمية المتطوّرة والمفاهيم العربية الثابتة في سياق تطوّر المجتمعات وتحسين سلوكياتها لتأمين العدالة الاجتماعية والإنماء المتوازن دون التخلي عن قوميتنا وعروبتنا وقيمنا الإصيلة...
وليس كما تروّج لها دوائر الغرب وأجهزة مخابراته وإعلامه من خلال الإباحية والفوضى السلوكية بعيداً عن الضوابط الخلقية والقيم الموروثة حضارياً...
واخيراً نعلّق الآمال الجسام على الشعبين في سوريا ولبنان وعلى تطلعاتهم المستقبلية وتحديهم لكل ما يحاك ضدهم من مؤامرات شرذمة وتفرقة، وتحديداً اثناء صدور التقرير النهائي لرئيس لجنة التحقيق الدولية ميليس في 25 تشرين الأول القادم، ومهما تضمّن هذا التقرير من معطيات او اشارات قانونية وقضائية ملزمة محرجة لبعض الرموز او القياديين في كلا البلدين...
(
) أستاذ جامعي

مناقشة هادئة حول السيد ميليس ومهمته ..

مناقشة هادئة حول السيد ميليس ومهمته ..

طلال سلمان

السفير

هل يمكن التوجه بخطاب مباشر إلى رئيس اللجنة الدولية للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، القاضي الألماني السيد ديتليف ميليس، من دون أن يطالنا الاتهام بالتدخل أو بالتشويش أو بمحاولة التأثير على هذه المهمة؟!
... علماً بأن سبب التوجه بهذا الخطاب هو التنبيه إلى خطورة ما حفلت به الأيام القليلة الماضية من وقائع وتصريحات وتوضيحات وتكذيبات وحملات قاسية على كل مَن نقل حرفاً عن رغبة السيد ميليس، بل طلبه تمديد مهمته إلى مداها الأقصى كما حددها مجلس الأمن الدولي في قراره الرقم 1595، أي إلى الخامس عشر من شهر كانون الأول المقبل!
لقد سبق أن نُقل عن السيد ميليس ما مفاده <<أن>>... وأن <<ميليس>>.. و<<مهمة>>.
لكن معظم السياسيين في لبنان قد تفرغوا، وحتى من قبل أن يصل السيد ميليس، لتسييس مناخ التحقيق كاستثمار عظيم يدر مناصب خطيرة في الحال والاستقبال.. ثم أنهم ما انفكوا يملأون البلاد اتهامات وشائعات وروايات بعضها أغرب من الخيال، ينسبونها إلى <<التحقيق>> مباشرة أو مداورة، بل إن مدى <<المعرفة>> بالسيد ميليس والأمانة في النقل عنه صار موضوع مزايدة ومناقصة علنية.
ولا يخطر في بال أي مواطن لبناني سليم أن يناقش السيد ميليس في صلب تحقيقه وما توصل إليه من وقائع، فضلاً عن حقه في طلب المهلة الإضافية حتى آخر يوم في القرار الدولي برغم أن السيد ميليس كان قد حدد موعداً يسبق ذلك التاريخ بحوالى الشهرين...
إن اللبنانيين بمجموعهم، وكذلك العرب في مختلف أقطارهم وفي سوريا، بالذات، يتعجلون إعلامهم بالحقيقة، متى اكتملت عناصرها، وهذا أمر مفهوم... فليس للبنانيين ما يتقدم في اهتماماتهم اليومية، بكل همومها الثقيلة، على الاطمئنان إلى أن التحقيق قد أوصلهم إلى اليقين في جريمة اغتيال شهيدهم الكبير، فأراحهم من الشكوك الثقيلة التي تكاد تخلخلهم نفسياً، وتؤثر على علاقات بعضهم بالبعض الآخر، فضلاً عن أنها سمّمت العلاقات بين لبنان وسوريا أي بين الدولتين اللتين كان يؤمل تكاملهما في <<نموذج>>، بل وتجاوزت ذلك إلى تصديع العلاقات بين الشعبين وقد كادا يكونان تاريخياً شعباً واحداً.
وليست مبالغة أن يُقال إن مستقبل لبنان السياسي، بسلطته المركزية بمكوناتها جميعاً، قد عاد إلى حلبة النقاش مجدداً، في داخل الداخل، كما في الخارج الذي اخترق الداخل وبات <<من>>، يتعامل مع اللبنانيين من خارج دولتهم كطوائف ومذاهب وشيع وفرق من حق كل منها أن تمارس ديموقراطياً حقها في تحديد النظام الذي يلائم <<طموحاتها>>...
ولم يعد الحديث عن <<كونفدرالية>> مؤامرة خارجية، بل وجد بعض دعاتها الجرأة لكي يطرحوها علناً، مستفيدين من مناخ ديموقراطية إعلان الأهداف المضمرة الذي تسببت في خلقه جريمة الاغتيال وتغييب كبير <<الوحدويين>>، ومن ثم المبادرات الأجنبية إلى استثماره في ما يفيد مصالحها.
بالطبع، ليست مسؤولية السيد ميليس كيفية استثمار السياسيين في لبنان لمهمته، خصوصاً أن هذا المناخ غير الصحي كان قائماً من قبل وإن كان قد تفاقم إلى حدود متفجرة بعد الجريمة المهولة التي هزت المنطقة بأكملها وعصفت بكثير من ثوابت اليقين في لبنان.
وليست مسؤولية السيد ميليس أين تقع هذه الجريمة من الصراع حول السلطة...
لكن من حق اللبنانيين، الذين ينظرون إلى السيد ميليس وكأنه معصوم عن الخطأ، أن يتساءلوا عن الفائدة من التصريحات التي أطلقها في صحف أجنبية فوجّه فيها اتهامات لأسماء معينة، ملقياً ظلالاً من الشكوك حول مواقع عليا في السلطة، بينما لم يكن بحاجة لمن يعرّفه إلى عمق الانقسام في السلطة التي تحولت منذ وقوع الجريمة إلى <<انتقالية>>، بعدما اهتزت ثقة اللبنانيين بها، وهي مهزوزة أصلاً... ولكن توجيه أصابع الاتهام باغتيال رئيس كبير كالحريري غير النظر بريبة إلى كفاءة السلطة وقدرتها على الإنجاز ومدى شعبيتها في بلادها.
ومن حق اللبنانيين أن يسائلوا السيد ميليس عن <<الخطأ>> الذي ارتكبه بإصدار البيان الشهير برفع السرية المصرفية عن حسابات <<القادة>> المحتجزين على ذمة التحقيق، ومعهم مسؤولان أمنيان سوريان، وزميل صحافي، والأهم: اسم نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع (الحالي) الياس المر، ثم عن <<تصحيح>> ببيان ثان صدر صبيحة اليوم التالي للوزير المر، الذي نتمنى له الشفاء من الجراح التي أصابته في محاولة اغتيال تعرض لها بتاريخ 12 تموز الماضي.
لا يمكن لأي لبناني أن يضع هذه الواقعة خارج السياسة، خصوصاً إذا تمّ النظر إليها من موقع الوزير المر في الحكومة، ومن واقع كونه صهراً لرئيس الجمهورية، ومن غموض مواقفه السياسية في الفترة السابقة على محاولة اغتياله، ثم من وضوح مبادرته إلى استثمار تبرئته اللاحقة لبيان اللجنة حول حساباته في توجيه اتهام مباشر إلى مسؤول أمني سوري بتهديده علناً وبحضور شهود.
لن نتوقف هنا أمام ما كتبه بعض الصحافيين الفرنسيين والألمان والأميركيين، كاستنتاج، على هامش مقابلات أجروها فعلاً، في بيروت أو باريس أو برلين أو نيويورك، مع السيد ميليس، مع أن أبسط بديهيات العمل الصحافي تفترض في مثل هذه المهمات أن <<ينقل>> المحرر عن صاحب المقابلة ما لا يستطيع أو لا يريد أن يسجل على لسانه.
ولقد كانت شجاعة من السيد ميليس أن <<ينقل>> عنه أو <<عن>> في الزميلة <<الحياة>> حول واقعة إيراد اسم الوزير المر في طلب رفع السرية عن حسابات بعض المشتبه بهم ما مفاده: <<ببساطة،>>...
كذلك كان دليلاً عن حسن تفهم السيد ميليس للوضع الدقيق في لبنان إشارته المواربة إلى <<أنه>> ... تمهيداً لأن يختم بقوله: <<هناك>>.
أما ما استوقف اللبنانيين وأثار ريبتهم فهو <<إنكار>> السيد ميليس لأمر تلقيه أية معلومة من إسرائيل، خصوصاً أنهم عرفوا من بعض تصريحاته بل ومن بيان رسمي له، قبل أن يعرفوا من الصحف الإسرائيلية معلومات تفصيلية عن الأجهزة التي أمدته بما لديها من معلومات حول الجريمة، خصوصاً أنها تملك من وسائل الرصد بالصوت والصورة ما يمكنها من أن تتوصل إلى معلومات قد تكون جوهرية... خصوصاً أن لبنان أرض مفتوحة وسماء مفتوحة وحياة سياسية مفتوح أمامها!
وبالتالي فلم يطمئنهم أبداً أن ينقل عن مصادر ميليس ما مفاده: <<كيف>>؟!
نعود فنؤكد مجدداً أن طرح هذه التساؤلات لا يهدف إلى التشكيك بالسيد ميليس واللجنة الدولية وتحقيقها، بقدر ما يهدف إلى التنبيه مجدداً إلى خطورة الخطأ في التفسير أو في التحليل أو في الاستنتاج أو التسرع في إطلاق ما يمكن اعتباره اتهاماً لجهات سياسية أو لأشخاص سواء أكانوا سياسيين أم قادة أمنيين...
فجريمة اغتيال رفيق الحريري منعطف خطير في تاريخ لبنان: لقد مزق المناخ الذي استولدته أواصر الأخوة مع سوريا، وأدى إلى انقلاب سياسي خطير في الداخل لمّا يستكمل حلقاته وإن كانت وجهته باتت معلومة.
وبالتالي فإن <<الحقيقة>> قد تشكل خلاصاً أو قد تفتح أبواب الجحيم، عبر أزمة متفجرة مع سوريا، وأزمة في العلاقة بين الطوائف.
وليست مبالغة القول إن مصير بلدين عربيين يتوقف على هذا التقرير... بل لعل مصير المنطقة جميعاً، وهي أصلاً مثخنة بالجراح، فاقدة للمركز والقدرة على القرار، سوف يتأثر وأيما تأثير بما سوف ينتهي إليه هذا التقرير المفصل.
لا يهدف هذا الكلام إلى التشكيك، بل إلى التنبيه إلى خطورة عدم الدقة في التصريحات (لماذا التصريحات أصلاً؟)، أو الخضوع للضغوط التي تعكسها مواقف عملية وأقوال لكبار المسؤولين في الدولة العظمى أو في دول غربية أخرى.
إن خطورة المهمة المكلفة بها اللجنة الدولية للتحقيق تفرض عليها منتهى الدقة في التصرف والقول، وتوجب شرعية المتابعة والرقابة لأدائها فمصير بلاد وشعوبها يتعلق بمدى الأمانة في أدائها أو الإخلال بذلك الواجب.
إننا لا نقصد بأي حال محاسبة السيد ميليس، فليس لنا ولا نحن ندعي مثل هذا الحق، ولكننا نتوجه إليه أن يكون أكثر دقة وأكثر حذراً وأكثر أمانة في التعامل مع قضية متفجرة بطبيعتها، وأي خطأ في تناولها يؤدي إلى كارثة أعظم تدميراً من جريمة الاغتيال التي لا يقرها ضمير أو منطق أو مصلحة وطنية أو عربية.
إن رئيس الحكومة قد عبّر، مرة أخرى، عن اطمئنانه إلى سير التحقيقات، وإلى ثقته كل الثقة باستقلالية السيد ميليس ومهنيته وموضوعيته...
ومن البديهي أن اللبنانيين لا يرون في تمديد المهلة التي أعطاها مجلس الأمن للجنة التي شكلها وأوفدها إلى بيروت لتعود إليه ومن قبل إلى اللبنانيين بالحقيقة حول جريمة الاغتيال ما يمكن أن يؤاخذ عليه... ومن هنا فلم يروا في تصريحات وزير العدل ما يجافي الواقع ويستحق هذه الحملة القاسية، مع أن ما قاله لا يختلف كثيراً عما قاله رئيس حكومته، علناً.
لقد أتاحت الأقدار للسيد ميليس أن يقوم بمهمة سوف تدخل وتدخله التاريخ، أياً كانت نتائجها، التي لا تقاس بخطورتها مهمته في التحقيق بتفجير ذلك الملهى في برلين.
إن ما يصدر عن السيد ميليس يمكن أن يتسبّب في حرب، بل حروب، خصوصاً في هذه اللحظة التي تفتقد فيها منطقتنا جميعاً القيادة الجامعة صاحبة القرار القاطع المانع الذي يلتزم به الجميع.
ومع التمني للسيد ميليس بأن ينجز مهمته الصعبة والدقيقة بنجاح، فإن من الضروري لفته إلى ضرورة أن يكون أكثر كتماناً وأكثر دقة في انتظار إعلان <<الحقيقة>> أو ما يستطيع الوصول إليه منها... حرصاً على لبنان واللبنانيين وسمعة مجلس الأمن الدولي وعدالة القضاء الدولي بعدما تعذر الاعتماد على القضاء اللبناني، بل وعلى كل السلطة في لبنان من أجل الوصول إلى <<الحقيقة>> التي يمكن أن تكون نقطة ختام لعصر أو قد تكون نقطة بداية لعصر جديد.

العراق: ثمة فيديرالية... وفيديرالية

العراق: ثمة فيديرالية... وفيديرالية

أكرم البنّي

يبدو من استقراء تطور الحوارات الدائرة اليوم في الأوساط السياسية والثقافية أن هناك لغطا كبيرا حول مبدأ الفيديرالية بين أنصاره ورافضيه، واللافت هو حضور غالبية تقف موقفا محايدا لعدم وضوح الصورة، ما يستدعي بداية التعريف بالفيديرالية، كمقدمة لا غنى عنها لبناء قناعات ذاتية حول مدى صلاحية إقامة نظام فيديرالي في العراق.

يمكن في عبارة بسيطة تكثيف مفهوم الفيديرالية بأنها اتفاق سياسي ودستوري بين مجموعة أقاليم ودويلات على الاتحاد في دولة واحدة والتوافق على أهمية حكومة مركزية لها سلطات وصلاحيات لا تنازعها فيها الأطراف ولا تتجاوزها. أو بمعنى آخر هي تطلع جماعات متمايزة بخصوصياتها نحو تشكيل تجمع سياسي واحد يوفق بين الرؤى والاتجاهات المتباينة، انطلاقا من الشعور المشترك بالحاجة إلى الوحدة، ويتفق أغلب الباحثين على أن النظام الفيديرالي بصيغته القانونية، هو مفهوم حديث ومعاصر، ومن أبرز نماذجه الولايات الأميركية.

أطروحة الفيديرالية في العراق حديثة العهد، تنامى حضورها شيئاً فشيئاً، في فترة التسعينات من القرن الماضي، بعد تحرير الكويت من غزوة صدام حسين وتحرر منطقة الشمال ذات الغالبية الكردية من قبضة السلطة المركزية في بغداد بدعم من قوات التحالف الدولية، فاتخذ أول برلمان كردستاني قرارا بتبني النظام الفيديرالي للعراق على أساس التمايز القومي، ثم أدرجت عبارة في مشروع الدستور تقول : «إن نظام الحكم في العراق فيديرالي, ديمقراطي, تعددّي, ويجري تقاسم السلطات فيه بالاشتراك بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان والمحافظات والبلديات», وذلك قبل أن يبادر بعض القوى الشيعية الى طرح فيديرالية من نوع آخر، على أساس مذهبي، داعية لإقامة كيان للجنوب ضمن إطار الدولة العراقية تنضوي فيه المحافظات الجنوبية الثلاث: البصرة والعمارة والناصرية.

وإذا كانت موجبات الحماسة الى نموذج دولة فيديرالية في عموم العراق تعود لسبب رئيس هو الخوف من ماض مركزي ديكتاتوري وبحثاً عن صورة آمنة لعلاقة المركز بالأطراف لا يمكن التعدي عليها في المستقبل، ما يعني إن الفيديرالية إنما طرحت اليوم بصورة هي أقرب إلى رد الفعل الحاد على واقع من الظلم والاضطهاد المركزي منها إلى البحث المعقول والمشروع عن صلاحيات مجزية للأقاليم في ظل دولة موحدة، وتالياً ما يقويها كمبدأ أن لا تأتي استجابة لردود أفعال أو رغبات ذاتية بل لحاجة موضوعية تستصرخ هذا النموذج في العلاقات بين التكوينات الاجتماعية، خصوصاً مع زوال الخطر السابق، خطر طغيان صدام حسين ونظامه الشمولي وانفتاح المجتمع العراقي على صيرورة من التطور الديمقراطي جسدتها العديد من نقاط مشروع الدستور التي تحمي حقوق المواطنين في إطار العراق الموحد وتضمن حظوظاً متساوية لهم، من دون النظر الى القومية أو الدين أو المذهب.

ثمة فيديرالية وفيديرالية، والمقصود هنا التفريق بين نوعين من الفيديرالية، تلك التي يطالب بها الأكراد على أساس تميزهم القومي، وأخرى ينادى بها بعض الشيعة على أساس خصوصية انتمائهم الطائفي والمذهبي، وإذا كان للأساس القومي أسبابه وحيثياته المشجعة فان الدافع المذهبي لا يزال عاجزاً عن الإقناع.

المسافة ليست بسيطة بين التكوين القومي والتكوين الطائفي، وتمايز عناصر الوحدة القومية عن تلك المذهبية متوفّر بوضوح في اللغة والمصالح والتاريخ المشترك، وقوة الرغبة في الانتماء، وهي عوامل إن لم تبلغ من التطوّر حدّ الانصهار والنضج لكنها عند الأكراد تعكس حماسة للتبلور السياسي الخاص وإرادة فاعلة في تحويل العناصر المكونة لهذه الخصوصية إلى واقع يعكس الرغبة في تحقيق الأماني القومية، فيما يخلو التجمع المذهبي من هذه العناصر ويعتمد على جامع واحد هو الهوية الدينية وغالباً ما تكون مرتهنة لاجتهادات متباينة، ما قد ينعكس سلباً على مسار بناء الديمقراطية وأفق تطورها.

فإذا كانت الفيديرالية على أساس قومي، تضفي على المسار الديمقراطي مزيداً من النضج والتكامل، فان الدعوة لفيديرالية على أساس مذهبي هي على النقيض عامل إغلاق ومحاولة تمييز غير صحي تفضي الى ارباكات كثيرة في عملية البناء الديمقراطي ومفهوم المواطنة. بمعنى آخر إذا كان تشجيع الانتماء الديني أو الطائفي أو القبلي كي يغدو مؤسسات سياسية يقوّض وحدة المجتمع في إطار الدولة الوطنية، فان الاعتراف بالحضور القومي سياسياً واحترام حقوقه يؤكد هذه الوحدة ويغنيها، ما يعطي الحق للأكراد أن يتحرّوا ويبحثوا عن صورة للعلاقة مع المركز تضمن لهم خصوصية لحمتهم بعد حملات إبادة بشعة وحملات تعريب لإلغاء الهوية الكردية، زادت من إصرار هذا الشعب وتمسكه بحقوقه ووحدته القومية.

صحيح أن العراق بكافة قومياته وطوائفه عانى من القمع الدموي الصدامي، لكن الفارق أن غالبية العراقيين تنتهي معاناتها مع قيام نظام ديمقراطي، بينما شرط انتهاء معاناة الأكراد بالإضافة لذلك هو إنشاء حكمهم الذاتي ضمن العراق الموحد، خصوصاً أنهم عاشوا في بقعة جغرافية مستقرة هي جزء مما يرونه كردستان التاريخية، فيما الحضور المذهبي الشيعي يوجد بأكثريته في مناطق الجنوب ومتداخل بقوة في بغداد وفي غيرها من مناطق ما يسمى المثلث السني، مثلما أن الطوائف الأخرى تنتشر وتمتد في مناطق الجنوب ذاتها. ثم أن القضية الشيعية في العراق لم تطرح كقضية نضالية خاصة خارج سياق انتزاع الحقوق الديمقراطية والمساواة، كما كان الحال تاريخياً مع القضية الكردية، وربما قدمت ثورة إيران منذ عقدين من الزمن هذه الأفكار الجديدة، ناهيكم عن أن الشيعة ليسوا كتلة واحدة في تطلعهم نحو الفيديرالية بينما الأكراد يجمعهم قاسم مشترك قديم وراسخ، ثم لا يخفى على أحد أن من بين شيعة العراق استمدت القوى العلمانية والديمقراطية أهم أسباب قوتها.

إن تأسيس عراق فيديرالي هو انتصار لدستور يشكل نقلة مهمة في صياغة علاقات صحية بين التكوينات المختلفة للشعب، على قاعدة احترام عميق لخصوصية الشعب الكردي وحقوقه القومية، أما الذين يرفضون الفيديرالية ويبررون ذلك بأنها مقدمة لتقسيم العراق فلا تزال تأسرهم الرؤية الشوفينية القديمة وأولوية تقويم الأمور والأشياء والناس من منظارهم القومي ليس إلا.

من المفارقات المثيرة للجدل، ان القومية العربية عجزت بعد تحررها من المستعمر عن التعامل في شكل صحيح مع الأقليات، أو ربما لم تسع أو لم تبذل جهداً في هذا الاتجاه، وسلكت الطريق ذاتها التي سلكتها الدول الاستعمارية، طريق الوصاية والتسلط والاضطهاد, عندما لم تتوان على امتداد عقود، من ممارسة أنواع شتى من القمع والقهر والإذلال للأقليات القومية غير العربية. وفي المقابل ثمة اندفاعات عند بعض القوى الكردية تثير الريبة والشك حول صدقية مطلبهم للفدرالية، يجب التنبه لها والمسارعة لتجاوزها لقطع الطريق على المشككين بالنيات الكردية والتي تبدو لهم وكأنها خطوة مدروسة نحو الانفصال...

أولاً، قراءة المبدأ الفيديرالي ضمن شرطه الملموس من دون حشد الأمثلة والمقارنات عن نماذج من الفدرالية يفترض تطبيقها في العراق لا تمت للواقع الراهن وخصوصيته التاريخية بصلة، فمثلاً ماذا يعني الاندفاع الى حد منازعة المركز صلاحياته والإصرار على أن يتمتع رئيس الإقليم الكردي بحق تمثيل إقليمه في الخارج، أو حين يرفض تعريف وجه العراق من خلال التعريف بقوميته الأكبر، وكأن ثمة حالا من ضيق صدر بالعروبة وبمشروعية الانتماء اليها.

ثانياً، ما يزيد من المشهد تعقيدا هو المطالبة الكردية بأراضٍ يجد الآخرون إنها أوسع من حدود الإقليم الكردي، متسائلين لماذا يتمسك الأكراد بكركوك الغنية بالنفط إذا لم يكن غرضهم جعل الفيديرالية أساسا لدولة قومية كردية مستقلة، رغم وجود اتفاق على أن يكون النفط وتوزيع الثروات من نصيب الحكومة المركزية وليس من نصيب الأقاليم.

إن إعلان المنطقة الكردية في أربيل والسليمانية ودهوك ذات الأغلبية الكردية إقليميا كردستانياً في الاتحاد العراقي، واحترام حقوق الناطقين بالسريانية فيها، يخلق تطمينات كبيرة وضرورية عند الشركاء الآخرين، خصوصاً أنها المنطقة التي شهدت تطورا خاصاً ونعمت بالحرية دون باقي المناطق، والأهم أن هذه الخطوة تظهر عمق الخيار الديمقراطي وتدشن رؤية صحية للفيديرالية لا بد أن تغدو أشبه بنموذج لقياس مستقبل العلاقات بين العرب والقوميات الأخرى التي تشاركها العيش على هذه الأرض منذ آلاف السنين.

وأن تكون الفيديرالية صالحة على أساس التمايز القومي، كنظام حكم سياسي يوحد العرب والأكراد في العراق ويؤلف بين مكونات المجتمع، فأي أفق يمكن أن يطمئن أصحاب التمايز الطائفي والمذهبي رداً على دعوتهم للفيديرالية؟

ربما مزيداً من اللامركزية لجهة منح هذه الكتل الطائفية هامشاً صريحاً لممارسة حقوقها من حيث البيئة، وطبيعة المكان، ونوع الدين، وتباين العادات والتقاليد. وهنا يرى المجتهدون بالنسبة للشيعة أن إعطاء صلاحيات إدارية متميزة للمناطق التي يشكلون فيها الأكثرية تحقق هذا الغرض وتساهم أيضاً في إحياء دورهم في إدارة شؤونهم والمشاركة في صنع القرار. فنقل بعض السلطات إلىالأطراف، ووضع كثير من المسؤوليات على عاتق المحافظين والمجالس المنتخبة محلياً يوفر احترام هذه الخصوصية وهو أيضاً تطبيق عملي للإدارة الشعبية المباشرة. لكن مع تفتح دور المناطق لا بد أن يبرز النظام المركزي كدعامة أساسية للنهوض الاقتصادي والاجتماعي ضمن إطار خطط متكاملة تضمن تطوراً تنموياً متوازناً، فالمركز هو الأقدر على التعرف على الاحتياجات الحقيقية لعموم العراق ولكل محافظة على حدة وتالياً على تنسيق التعاون بين مختلف المحافظات وإقليم كردستان، بما يعزز مختلف الجهود ويوجهها نحو إشباع رغبات المواطنين واحتياجاتهم.

إن النجاح في ضمان وحدة العراق كوطن لجميع أبنائه, هو ان يقتنع جميع العراقيين أولاً ومن خلال التجربة الملموسة وليس الوعود المعسولة بأنهم شعب واحد متعدد الأعراق والأديان والثقافات، قناعة لا يمكن أن تنهض إلا نقداً ورفضاً للماضي الحافل بالمآسي وبالحروب وبكل أنواع الظلم والاضطهاد. وتالياً من إعادة نظر شاملة بأفكارنا القديمة, وبشعاراتنا, وبمفاهيمنا عن المسألة القومية, إعادة نظر ينبغي ان تأخذ في الاعتبار ان وحدة الوطن وحل المسالة القومية, لا يمكنهما ان يتحققا وفق صيغة إنسانية عادلة إلا على قاعدة الديموقراطية وحقوق الانسان, والاعتراف المبدئي والعملي بالتعدد والتنوع في القوميات والثقافات, واحترام طموحاتها.

شفاف الشرق الأوسط

الصحافيون يخسرون احتكار المعلومات

الصحافيون يخسرون احتكار المعلومات

هنا حوار مع سيريل فييفي وهو رئيس تحرير مجلّة "بوينتبلوغ" وأحد مؤلّفي "قصّة الصفحات الخاصة على الإنترنت" Blog Story، أوّل كتاب فرنسي عن الموضوع:

* يؤدّي المزيد من المواطنين دور المراسلين. ما هو الدافع الذي يحرّكهم؟

- يصاب الأشخاص الذين يواجهون هذا النوع من الأحداث بالصدمة. ويسمح لهم التصوير بالتنفيس عن مشاعرهم وطرد مخاوفهم. إنّها أيضاً رغبة في المشاطرة مع الآخرين تماماً كما في حالة الصفحات الخاصّة على الإنترنت. وهناك ناحية متعلّقة بالأنانية أي الرغبة في أن يصبح المرء معروفاً. لنأخذ على سبيل المثال Flikr.com لا يكتفي مستخدمو الإنترنت بعرض صورهم بل يشاركون في معارض صور حول الموضوع نفسه...

* ألا تشجّع التكنولوجيات الجديدة التلصّص على الآخرين؟

- عندما يكون المرء صحافياً، يتساءل غالباً كيف يجدر به التصرّف حيال حدث دراماتيكي. أصبح التقاط صور لحظة وقوع الحادث أمراً طبيعياً تماماً كما أنّ امتلاك هاتف محمول هو أمر طبيعي. لا أظنّ أنّه تلصّص. وثمّة موجة ثانية من الاستعمالات على طريقة "أغورافوكس" حيث ندخل في منطق شبه مهنيّ لكنّه يأتي برأيي في مرحلة لاحقة حيث يستعيد المواطنون القدرة على المتاجرة بهذه المعلومات.

* ما هي القيمة الصحافية للصور والنصوص وأشرطة الفيديو الخاصّة بهؤلاء الهواة؟

- ليست لها أيّ قيمة صحافية. لكنّ هذا لا يعني أنّ لا قيمة لها على الإطلاق. لهذه الصور والنصوص قيمة من حيث كونها تعبّر عمّا عاشه مواطنون معيّنون. يجب الفصل بين معلومات المواطنين والمعلومات الصحافية حتّى لو كانت تكمّل بعضها بعضاً.

في الحالة الأولى، ينقل المواطن ما يراه. لم يكن سلام باكس (اسم مستعار المحرّر)، العراقي الذي شهد في صفحته الخاصّة على الإنترنت عمّا رآه أثناء حرب العراق، صحافياً. كان يروي ما يراه من نافذته ويعطي انطباعاً بأنّه يعيش الأحداث من الداخل. يفتقر هذا إلى خبرة الصحافي ورؤية الأمور عن بعد بحيث تحلّ العاطفة مكانهما.

* ألا يعرّضنا هذا لخطر تكاثر الأنباء الخاطئة؟

- خطر التجاوزات موجود مثل التلاعب والمعلومات الخاطئة. وفي خضمّ كثرة المنشورات، أصبح من الأصعب معرفة مصدر المعلومات. لكنّني مطمئنّ جداً إلى مسار الأمور إذ يتمّ إرساء نظام ينجح في إثبات صحّة المعلومات من خلال معايير مرتبطة بالشعبيّة والروابط المتقاطعة.

* هل نحن أمام "دمقرطة" المعلومات؟

- إنّها مرحلة مهمّة: خسارة وسائل الإعلام والصحافيين لاحتكار المعلومات. لم يعودوا الوحيدين الذين ينقلون ما يحصل في العالم. لدينا الآن روّاد صحافةٍ مواطنيّة ستتكاثر إلى ما لا نهاية.

* كيف ستتمكّن وسائل الإعلام التقليدية من مقاومة "هذه الموجة" أو التكيّف معها؟

- بدأت تتحرّك من خلال إفساح المجال أمام الصفحات الخاصّة. تدعو "بي بي سي" المواطنين إلى مساعدتها على تغطية موضوع معيّن. هم ينتجون وال"بي بي سي" تختار. السؤال الحقيقي هو عن مستقبل الصحافة التي تواجه منافسة من ملايين الأشخاص.

يستطيع الاختصاصيون التعبير عن آرائهم بدون المرور بوسائل الإعلام. ويستطيع الشاهد الذي تُجرى معه مقابلة في الأخبار المتلفزة في "فرانس 3" أن يحمل الميكروفون بنفسه.

يعتمد الصحافي على الخبراء لكنّهم أصبحوا يتحدّثون مباشرةً. لنأخذ على سبيل المثال زين الدين زيدان. أعلن أولاً عن عودته إلى الملاعب على موقعه على الإنترنت بدون المرور بوسائل الإعلام. أظنّ أنّ مفهوم المراسل الخاص يبقى القيمة المضافة الكبرى بالنسبة إلى الصحافي.

لن يحجز المواطن تذكرة سفر ويذهب للتقصّي على الأرض. لهذا يوصَف صاحب الصفحة الخاصة على الإنترنت (blog) بـ"الصحافي المرتدي ثياب النوم".

عن "ليبيراسيون"

ترجمة نسرين ناضر

مجازة في العلوم السياسية والقانون العام

تعمل في مجال الصحافة

فريديريك روسل

المعارضة ضعيفة والحصان الذي تكسر رجله لا يراهن عليه أحد

2005-10-02

المعارضة ضعيفة والحصان الذي تكسر رجله لا يراهن عليه أحد

برهان غليون في حديث عن سورية والمستقبل:

برهان غليون بين كبار المفكرين العرب الذين اندمجوا في حركة الواقع العربي عموما والواقع السوري خصوصا، وله في الأمرين كثير من التوصيفات والتحليلات، تجسدت في كتب، كان بينها التطور اللامتكافئ، والمسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، وبيان من أجل الديمقراطية، ثم الاختيار الديمقراطي في سورية،

إضافة الى دراسات ومقالات نشرت، ومحاضرات وندوات جرت في الكثير من البلدان العربية والأجنبية.

وشخص مثل برهان غليون من بين أهم العارفين بالوضع السوري، ومتابعته ومعرفته بالموضوع السوري تمتد إلى علاقاته وروابطه الإقليمية والدولية، وهو موضوع الحوار الذي تم معه بالتركيز أساسا على الداخل السوري.

أزمة تاريخية وعجز سوري

قال غليون ردا على سؤال يلخص المشهد العربي الراهن وموقع سورية فيه: "تعيش المنطقة العربية أزمة تاريخية شاملة نتيجة إخفاقها عموما في الاندراج في دورة الحضارة العالمية الحديثة وإخفاق مشروعات تحديثها المختلفة الاشتراكية منها والليبرالية التي طبقت في العقود الخمسة الماضية. وتتجلى هذه الأزمة في توقف عملية التنمية أو تراجع معدلاتها بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين وإفلاس السياسات الوطنية وانهيار صدقية وشرعية النظم السياسية القائمة وتفاقم الشعور عند السكان بالفراغ السياسي وبالافتقار للقيادة السياسية الحكيمة والقلق على المستقبل وتصاعد التوترات وتفجر النزاعات الداخلية والإقليمية.

وتشكل سورية اليوم، بعد انهيار نظام صدام حسين في العراق، أحد أهم مواقع التهاب هذه الأزمة بأبعادها الداخلية التي تشير إلى تدهور شرعية النظام والثقة العامة بقدرته على مواجهة التحديات والمشكلات المطروحة على المجتمع، كذلك بأبعادها الخارجية التي تتجلى في اشتداد إرادة التدخل الخارجي في شئون البلاد بسبب تنامي المخاوف من مضاعفات هذه الأزمة المتفجرة وإسقاطاتها على المصالح الدولية والدول الصناعية خصوصا.

وردا على سؤال بشأن طبيعة الأزمة السورية الحالية، قال غليون: "ان سورية هي البلد الوحيد الذي لم تسعفه الظروف، لا الداخلية ولا الخارجية، في قطع الخطوات الضرورية الأولى لوقف التهاب الأزمة أو الحد من تفاقم آثارها. بل بالعكس، لقد شهدت السنوات القليلة الماضية تفاقما كارثيا للازمة واشتداد مفاعيلها الداخلية والخارجية. والسبب الرئيسي في ذلك هو درجة الجمود والتكلس العالية التي اتسم بها النظام وافتقاره إلى المرونة. فبينما اختارت النظم العربية جميعا استراتيجية المناورة والالتفاف على عوامل الازمة ببعض الانفتاحات الداخلية والخارجية التي لم تكن ذات قيمة فعلية لكنها أعطت الأمل بتغيير تدريجي للأوضاع، اختار النظام السوري استراتيجية المواجهة على جميع الجبهات. وربما كان الدافع لهذا الاختيار الشعور المبالغ فيه بالقوة والسيطرة على الوضع الداخلي والإقليمي بشكل لا يمكن تهديده والرهان المستمر على أن النظام يملك من الأوراق الاستراتيجية ما يجعله بمنأى عن القبول بالتنازلات لأي طرف من الأطراف الداخلية والخارجية التي تستهدف إضعاف سيطرته أو مشاركته في القرار.

ومما فاقم من آثار هذا الجمود غياب الفكر النقدي والكذب على النفس والتثبت على دروس الماضي والتمسك بالعقيدة الاستراتيجية القديمة التي مكنت النظام من انتزاع هامش مناورة كبير في الحقبة السابقة. هكذا استمر النظام ينام هانئا على فراش انتصاراته وتحالفاته السابقة حتى ظن فعلا أنه يملك أهلية المفاوضة مع الدول الكبرى كقوة عظمى في الوقت الذي كانت جميع أوراقه تتساقط واحدة بعد أخرى، نتيجة الفساد السياسي والإفلاس الاقتصادي وتآكل القوة العسكرية والاستراتيجية والقطيعة المتجذرة بين السلطة والمجتمع والعزلة الإقليمية المتنامية.

وفي هذا الحال كان من الطبيعي أن تقود سياسات التهرب من الاستحقاقات الوطنية والدولية والافتقار إلى المرونة، واللجوء إلى المراوغة واستعراض القوة للتعويض عنها، بسرعة وسهولة إلى فخ أوقع البلاد في سلسلة من المهاوي التي أصبح من الصعب الخروج منها من دون تغيير جوهري في النظام وفي أسلوب قيادة السياسة الداخلية والخارجية.

إغلاق الباب على الإصلاح

وقال غليون: "لم يعد برنامج الإصلاح جزءا من أية أجندة، أعني لا جزءا من أولويات النظام ولا جزءا من أولويات الدول الغربية، وخصوصا الأوروبية، التي كانت تعتقد أن من مصلحتها دعم حركة إصلاح اقتصادي واجتماعي في البلاد في سياق تأمين الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي وخلق محيط سلمي من حوله. فلا يمكن لأي إصلاح ان يرى النور من دون شرطين رئيسيين، الأول وجود قيادة سياسية يكون بند الارتقاء بنوعية حياة السكان المادية والمعنوية في قائمة سلم أولوياتها، في حين أن النظام لا يملك اليوم في حال الحصار التي يعيشها سوى أجندة واحدة هي الدفاع عن النفس وتوجيه جميع الموارد للحفاظ على البقاء، بما في ذلك لمواجهة احتمالات تفجر الوضع الشعبي أو تصاعد قوة المعارضة.

ولا يمكن لقيادة أن تجعل من الارتقاء بشروط حياة المجتمع في قمة أولوياتها إن لم تكن ممثلة للشعب مرتبطة به وواثقة من تعاونه وتأييده. وهو ما لم يمكن الوصول إليه من دون تجديد الاستشارة الشعبية من خلال انتخابات دورية ونزيهة وشفافة. والشرط الثاني التزام الدول الصناعية التي تسيطر على موارد المعرفة والخبرة التقنية ورأس المال والاستثمارات والأسواق معا، بدعم برنامج الإصلاح المحلي والمساعدة على إنجاحه. وينبغي القول إن وصول العلاقات إلى ما هي عليه من التوتر إن لم نقل القطيعة يعني أننا خسرنا معركة الإصلاح الآن.

ضعف المعارضة

ووصف غليون المعارضة السورية بانها "ضعيفة في الداخل والخارج معا"، وقال: "سبب هذا الضعف أنها لم تحظ بأي هامش من حرية الحركة والعمل خلال أكثر من أربعين عاما، على عكس ما جرى في معظم البلاد العربية الأخرى. فالمعارضة السورية غير معترف بها وتعتبر من وجهة النظر القانونية غير شرعية وتستطيع الحكومة في أية لحظة بحسب قانون الطوارئ المعمول به أن تعتقل أي ناشط سياسي بتهمة مخالفة القانون وتضعه في السجن. وهو ما جعل الشباب يبتعدون عنها وعن السياسة عموما ليوجهوا اهتماماتهم لأمور أخرى. أما المتحمسون منهم لأفكار إصلاحية فتصطادهم بسهولة الحركات السرية المتشددة التي توحي لهم بضمان الأمن من جهة والفاعلية من جهة ثانية.

فمع تفاقم أزمة النظام في سياق التطورات الداخلية والإقليمية والدولية، وبروز عجز المعارضة الداخلية عن الرد على التحديات التي يفرزها تفكك السلطة وتخبط سياساتها بدأت تبرز في الخارج معارضات متعددة. وفي اعتقادي ان كثيرا من هذه المعارضات الجديدة الخارجية مختلق، الهدف منه حجز مقعد في ساحة السياسة السورية المقبلة أو صوغ أداة للضغط على النظام أو إضفاء الشرعية على التدخل الخارجي.

السؤال: من سيقود عملية التغيير ويقوم بتوجيهها، هل هي قوى داخلية سورية أم قوى خارجية. إن وجود قطب معارضة وطني قوي هو وحده الذي يجعل التغيير لصالح الشعب السوري، أو على الأقل يضمن لهذا الشعب أن يشارك بقوة في تحديد طبيعة هذا التغيير وغاياته ويقطع الطريق على التدخل الخارجي أو يحد من احتمالاته.

سورية والدائرة الإقليمية والدولية

ونوه غليون إلى ان مسار الإصلاح كان مطروحا على سورية داخليا ودوليا قبل اغتيال الحريري وقبل احتلال العراق "عندما كانت العلاقات فيه إيجابية جدا بين النظام نفسه والدول الكبرى التي تضغط اليوم عليه وفي مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة. بل إنني أعتقد أن العنف الذي تظهره هذه الدول في الضغط المستمر اليوم من خيبة الأمل العميقة نتيجة العجز عن تحقيق ما كانت تتوقعه وتنتظره منه. وليس لطلب هذا التغيير علاقة كما تقول أجهزة النظام اليوم باستهداف مواقف سورية الوطنية سواء ما تعلق منها بحماية الحقوق السورية في الجولان أو في التعامل مع القضية الفلسطينية أو مع حزب الله. فقد كان هناك اعتقاد قوي لدى حكومات أوروبا وأميركا معا بأن النظام السوري يلعب دورا ايجابيا بوجوده في لبنان ويضمن الاستقرار على حدود "إسرائيل" الجنوبية جميعا كما أن من الممكن أيضا أن يكون له دور ايجابي في العراق".

إن ما كانت تنتظره الولايات المتحدة وأوروبا خصوصا من التغيير منذ مطلع العام ،2000 هو أن يعيد النظام السوري بناء نفسه بما يسمح للغرب التعاون معه ودمجه في الدورة الاقتصادية وفي المعادلة الجيوسياسية الجديدة الشرق أوسطية.

وأثار إخفاق النظام في التكيف مع الوضع الجديد وتمسكه بصيغته وسياساته القديمة المتسمة بالانغلاق وعدم الشفافية والتكور على النفس والشك بأي تغيير خيبة أمل عميقة لدى العواصم الغربية. وكان للاعتقالات والعقوبات غير المعقولة وغير المقبولة بأي معيار دولي للناشطين السياسيين والمدنيين أثر سلبي جدا على رصيد النظام الخارجي.

اختلف الوضع تماما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والمظاهرات الشعبية الواسعة التي خرجت في لبنان تطالب بخروج الجيش السوري وبعد خروجه الفعلي، لم يعد أحد، لا في الولايات المتحدة ولا في أوروبا يشعر بمصلحة في إعادة الحوار أو الرهان على النظام، وذلك بصرف النظر حتى عما إذا كان مسئولا فعلا عن اغتيال الحريري ودعم قوات التمرد في العراق أم كان بعيدا عن ذلك. فالحصان الذي يقع ويكسر ساقه في ميدان السباق لا يعول أحد على شفائه ولا يراهن عليه.

سيناريو المستقبل

وردا على سؤال عن مستقبل سورية في ضوء التحديات الداخلية والضغوط الخارجية، قال غليون: "يعتقد الغربيون أن الضغط المستمر والمتواصل على النظام سيدفع في إطار العزلة والشكوك التي تحيط به وبمستقبله إلى عملية فرز من الداخل. ولا أستبعد أن يبذلوا أيضا جهودهم الخاصة للمساعدة على هذا الفرز. لكن ربما حاولوا أن يقوموا ببعض التحركات والتحرشات العسكرية للتشجيع على ذلك أو إقناع بعض الأطراف داخل النظام بضرورة الانفكاك عنه والعمل لتغييره".

كما هو واضح، تستبعد هذه الفرضية أمرين: حصول انفجار شعبي يطيح بالنظام كما أطاحت به في بيروت التظاهرات العارمة التي أعقبت مقتل رفيق الحريري وإمكان المراهنة على المعارضة الداخلية والخارجية معا في سبيل إسقاط النظام من دون أن يعني ذلك استبعادها من الصورة. وهي تهدف إلى الحفاظ على نظام البعث الراهن الذي يبدو في نظر الغربيين الأكثر استجابة لأهداف الحفاظ على الاستقرار في سورية والمنطقة مع ضمان أن يعيد الفريق الحاكم الجديد هيكلة النظام ويحقق برنامج الإصلاح الذي أخفق العهد الراهن أو تردد في تحقيقه. والسؤال هل يمكن أن يتكرر العام 2005 ما حصل العام 1970؟

لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال. ولا أحد يستطيع أن يؤكد ما إذا كان مثل هذا الفريق الاصلاحي الداخلي قادرا على التبلور والتحرك من داخل النظام، أو ما إذا كان الشعب السوري لايزال يملك من الديناميكية والحيوية ما يمكنه من أن يكون الفاعل الأول في هذا التغيير. وفي هذا الحال الأخير لن يمس التغيير السياسات فحسب ولكن بنية العلاقة التي تربط النظام - الدولة بالمجتمع والشعب عموما، وربما فتحت الطريق واسعا أمام بناء الديمقراطية السورية المنشودة.

الوسط

المسألة المدنية: ضد العنف والتعصب والريع

المسألة المدنية: ضد العنف والتعصب والريع

ياسين الحاج صالح

الحياة

لم يهتم الفكر العربي طوال أزمنة الثورة (الخمسينات والستينات من القرن العشرين) والسلطة (السبعينات وما بعدها) بالمسألة المدنية أو الحضارية. لا بل إنه مال إلى التقليل من شانها أو تذويبها في قضايا ورهانات مختلفة عنها إن لم تكن مناقضة لها. في الزمن الثوري بدا التمدن والرقي شأنا رجعيا مضادا للثورة، والمتمدنون بورجوازيين أو إقطاعيين يتعين سحقهم، وبالعكس كانت الفظاظة والعنف والخشونة قيما مرغوبة وتقدمية. وفي زمن السلطة هيمنت عمليا أنظمة عضلية منشغلة بخلودها أولا وأخيرا، ونظريا أفكار الهوية والأصالة، الهاجسة بالتماثل مع الذات والاختلاف عن الغير، والتي لا تترك مكانا لقيم التحضر والمدن، هذا إن لم تعتبرها قيما غريبة وغربية.

المقصود بالمسألة المدنية مدى حضور شاغل ارتقاء العلاقات بين الأفراد والجماعات داخل المجتمع، وبينهم والسلطة السياسية، إلى مستوى أقل حفولا بالعنف والتعصب وأقرب إلى التسامح وحسن التعايش بين الناس. إنها تساؤل عن درجة اهتمامنا التربوي والثقافي والسياسي بحسن التعامل في ما بيننا وبإتقان أعمالنا. والحال إن الاشتغال بهذا الشأن ضعيف إلى درجة تبيح لنا القول إنه ليست هناك مسألة مدنية في ثقافتنا المعاصرة. نتحدث عن تمدن حين يمنح المجتمع اهتماما كبيرا للنظام والترتيب والرهافة ويرتقي بالذوق العام في السلوك والفن والزي والعمران وتصميم المدن ونظافة الشوارع ولغة التخاطب.

ثمة ثلاث ركائز للعملية التمدينية المرتجاة: تمدين السلطة وضبط العنف في المجتمع؛ تمدين الوعي ونزع العقيدية في الفكر والثقافة؛ وإحياء قيم العمل والعلم ونزع التمييز الفئوي والامتيازات غير العقلانية.

أعني بتمدين السلطة تقييد العنف الرسمي وغير الرسمي وإخضاعهما للقانون، وتقديم العيش للسياسة على العيش من السياسة (ماكس فيبر)، واستبطان أخلاقية الوظيفة العمومية: شاغل المنصب العام الذي يجيد عمله يقوم بواجبه ولا يُشكر عليه، فيما الذي يقصر يلام ويحاسب ويقال. واقع الحال نقيض ذلك. العنف مستشر وعادي، السلطة لا تحتكر العنف بل قد تشجع على انتشاره، وتستخدم منظمات وميليشيات خاصة بها لقمع خصومها. وإذا أنجزت السلطات شيئا فإنها تبالغ فيه وتطالب مواطنيها التعبير عن امتنانهم، وتتحدث عن العطاءات والمكرمات، وإن فشلت لا تحاسب ولا تعاقب. وفي الخطاب السياسي انتقلت دول عربية كثيرة من استفتاءات صورية تحمل بقايا مدنية إلى ما يسمى تجديد البيعة للحاكم، وهو طقس استعراض جماعي للولاء، يرفع الحاكم فوق السياسة والسوية البشرية العادية، ويحط الناس دون الإنسانية والمواطنة. الحكومات نفسها منزوعة السياسية وتغرق في الفساد والقسوة والمتعية. الدولة العربية على العموم ليست مقرا للسياسة والعقلانية والعمومية الوطنية، هذا إن لم تكن بؤرة للتطرف والعنف والفساد. مستوى أطقمها متدن، ذوقها سمج وفاضح. إنها قدوة معكوسة لمواطنيها على صعد الأمانة والكفاءة والثقافة والإنجاز.

ونتحدث عن تمدين الوعي بمعنى قيامه على النسبية والتسامح واليسر والاحترام المتبادل. الوعي المدني نقيض التعصب والنزعة العقيدية التي تجمع بين عسكرة الوعي وتسخيره لخدمة صراع اجتماعي، لا سياسي، ولا ينفتح على أفق تسويات سياسية، محض تبديل مواقع. نزع التعصب العقيدي لا يعني بحال نزع العقائد ومواثيق الإيمان الديني وغير الديني في المجتمع. فالنزعة العقيدية ليست نتيجة محتومة لوجود عقائد، وإن كانت إغراء دائما لها. العقيدية تنجم عن استخدام العقائد أدوات لكسب حرب اجتماعية وليست سببا لها. وهي تجهز أطراف الحرب وتمنحها مبدأ تماسكها وتشكل الملاط القيمي والفكري اللاحم لها، بكلمة واحدة تنتجها كمعسكرات محاربة. بدورها الحرب هذه، أو المواجهة اللاسياسية، ضرورية كي تتحول العقائد إلى نظم عقيدية مغلقة مكتفية بذاتها نابذة لغيرها. العقيدية بهذا المعنى منتجة للعصبية وللتعصب. عصبية معسكرنا ومبدأ التحامه وتعصبنا ضد معسكر العدو. وكآليات ذهنية يقوم التعصب العقيدي على إعادة هيكلة العقيدة الدينية أو الدنيوية لتلبي الحاجات القتالية لحامليها، ولفرض مجانسة كلية عليها هي ذاتها وعلى المعسكر الذي توحده. أسلمة الإسلام (جورج طرابيشي) ومركسة الماركسية، إن جازت المحاكاة، هي عمليات مجانسة وإعادة صياغة لمصلحة ما يعتقد أنه العصارة الخالصة لكل منهما.

تمدين الوعي يمر ضرورة بكشف منطق الطلب على العصبية، وبإضعاف النزعة العسكرية أو الاستقطابية في الثقافة والفكر والسياسة. وهو لا ينال بتبني أو استنساخ مفاهيم ونظريات وأنظمة فكر حديثة. المدنية لا تتبنى ولا تستنسخ، إنها فعل اجتماعي ثقافي: حيازة المجتمع أدوات عمومية لمداولة نزاعاته ومخاوفه، وهذه هي الوظيفة الاجتماعية للنخبة؛ وفعل سياسي وحقوقي: تحقيق مطالب التماسك والعصبية على مستوى العمومية والمساواة؛ وفعل ثقافي، مقترن ببروز الذات الحرة من الشرانق العقيدية التي تكبل العقل بالأصفاد وتخنق صوت الضمير وتزدري الوساوس الأخلاقية وتقسي القلب.

البعد الثالث للعملية التمدينية هو إحياء قيم العمل والعلم وارتباط البذل بالنيل والجهد بالثمرة.

يعطل الاقتصاد الريعي، سواء كان الريع استخراجيا أم سياسيا (ريع الموقع)، العملية التمدينية وينزع مدنية السلطة والمجتمع معا: الأولى بمنحها استقلالية غير مستحقة عن المجتمع وفاعلياته الإنتاجية، والثاني بحيازته دخولا ومكاسب امتيازية لم تنجم عن العمل. ويضعف فكرة الاستحقاق والجدارة، ويخرب أقنية الترقي الاجتماعي العمومية (العمل والعلم والكفاءة...)، ويخمد الدافع نحو إتقان الأعمال، بل يضعف الشعور بالحاجة إلى العمل وبذل الجهد. إن العمل الشاق، الطوعي، وحده هو الذي ينفتح على الإبداع واكتشاف الذات ومعنى الحرية.

الاقتصاد الريعي لا ينجم عن محض وجود الريع، بل هو تفضيل سياسي لأطقم حكم، تستخدم الريع لحيازة أو ترسيخ موقع امتيازي في تحريك الموارد وتوزيعها وصنع الولاءات. لذلك حتى دول عربية لا تتمتع بريع استخراجي مهم تحولت دولا ريعية عن طريق تتجير موقعها في الاستقطابات الدولية أو تأجير سياساتها ومواقفها للقادرين على الدفع و/أو الحماية. ذلك أن دول الريع السياسي تجنح نحو تعميم الفساد في مجتمعاتها، أي رعاية نظام ريع سياسي داخلي، تغدو فيه السلطة موضوعا للتتجير والتأجير، ما يقتضي حراسة هذا الأصل بعنف هائل كيلا ينضب.

نقول ذلك لإبراز حقيقة أن الاقتصاد الريعي، أو بالفعل اللامدني، لا ينجم عن محض وجود ريوع استخراجية مهمة، وانه ليس من الضروري أن ننتظر نضوب الوقود الاحفوري من أجل التحول نحو اقتصادات لا ريعية.

التحول نحو ربط المكافأة بالكفاءة، والاستحقاق بالجهد، وترسيخ مبادئ المسؤولية العمومية والمحاسبة والعلانية على مستوى السلطة أولا، ثم على مستوى المجتمع، عملية صراعية تمر بتحول موازين القوى الاجتماعية لمصلحة قيم مجتمع العمل والإنتاج والعلم على حساب مجتمع السلطة والريع والقرابة.

في المجمل، مجتمعاتنا المعاصرة مجتمعات عنف ونزعات تعصبية وريع، باختصار مجتمعات غير متمدنة. وهي غير مدنية لأنها غير متمدنة، إذ يبدو لنا أن حدا أدنى من التمدن ضروري من اجل أن يمكن الكلام على مجتمع مدني.

يبقى أن هناك نبرة مدنية هي الصوت العادي. النبرة اللامدنية، بالمقابل، صارخة أو آمرة أو ساخطة. أما خير ما تقوله فهو ما يقال همسا، لكن خير ما تقوله ينتمي إلى عالم ما فوق المدنية وما فوق السياسة، عالم الحب والسخاء والمجانية.

قراءات في مسودة الدستور السوري

قراءات في مسودة الدستور السوري

. فهان كيراكوس

ايلاف

لقد قرأت مسودة الدستور أيها الصديق أنور، و أشكرك على إرسالها إلى بريدي الإلكتروني، و قبل أن أخوض في إبداء بعض الملاحظات عليها، أودُّ أن أسجِّل عتابا عليك، إذْ قرأت نبأ، أو شبه مقال حولها في السياسة الكويتية، و في سياق النبأ هناك معلومة تفيد بِ أنكَ استشرتَ منظمات أهلية و مدنية و شخصيات سياسية مستقلة
و مثقفين...إلخ، و هنا عتبي عليك لأنك لم تتصل بي و لم تستشرني في هذا الموضوع المصيري، علما بِ أنني كنتُ قد غيَّرتُ مواد كثيرة من الدستور في مقالة نُشِرَت في موقع إيلاف المحترم في شهر أيلول من /2004/
بعنوان" سوريا تقرِّر عام 2007 "، و لِ حُسْنِ الحظ أن المواد التي كنتُ قد غيَّرتُها من الدستور، قمتَ بتغييرها أنت أيضا، طبعا هذا مؤشِّر على أننا متفقان في المبدأ الأساس، ألا و هو الديمقراطية و مبادىء حقوق الإنسان و المجتمع المدني و العلماني، لكن هذا الاتفاق لا يمنع من أن نختلف في بعض الأمور و المسائل الجانبية، مع الإقرار على نبْل الاختلاف الذي يحصل بين جماعات المجتمع المدني و طلاب الحرية و الديمقراطية.
بِ الاعتماد على مدخل المسودة ( لماذا الدستور )، و على الأسباب الموجبة لذلك، و التي تتمثَّل في الرؤية المستقبلية كما يقول العزيز أنور:" و قد استشرفتُ في رؤيتي للدستور الجديد ليس ما نعيشه اليوم بل ما نطمح أن نكونه في المستقبل، فأرجو قراءته من رؤية مستقبلية..."، و بناءاً على الرؤية المستقبلية، فأنا لا أجد المبرِّر في إملاء فراغ مصطنع بين الجمل بِ الكلام حول قومية دون أخرى، فَ بعد تبيان الفشل الذريع للمجتمع السوري بشعاراته الأساسية، الوحدة و الحرية و الاشتراكية، كان يفترض أن ينتهي الكلام هنا، إلاَّ أن العزيز أنور ملأ فراغا بِ الحديث عن الوحدة الوطنية ( هذا الشعار البعثي الذي ظلَّ النظام يلطمه في وجوهنا طيلة حكمه الاستبدادي ) لِ يحشر مسألة خلافية بين السوريين في حقل القمع و التمييز و الحرمان، إذْ جاء في نفس الصفحة كما يلي:" و لا الوحدة الوطنية سليمة فَ الاحتقانات زادت في المجتمع بكلِّ فئاته و قومياته و طوائفه و الأكراد السوريين عانوا من قمع و تمييز من حرمانهم من جنسيتهم السورية و حرمانهم من أراضيهم و منعوا من استعمال لغتهم و ثقافتهم و استعملوا وقودا في سياسة السلطات في اللعبة الدولية و الإقليمية".
ليكن معلوما و واضحا لِ مَن لا يعرف الحقيقة في محافظة الحسكة بالذات، أن القمع و التمييز و حرمان الجنسية و الأراضي لم يكن مقتصرا على الأكراد دون سواهم، مع إقراري بِ تفوُّق عدد الأكراد المحرومين من الجنسية السورية على غيرهم من القوميات الأخرى خلال العقود الثلاثة الماضية، أما من ناحية القمع و التمييز و الحرمان، فَ الآثوريون هم- إلى يومنا هذا- في نظر السلطة معادون و انفصاليون، و هم في عداد المشبوه بهم وطنيا، و هم مدانون تحت الطلب، و الآثوريون تم اعتقالهم و زجهم في السجون لِ أسباب سياسية، و حتى عندما اضطروا، في تسعينات من القرن المنصرم، لِ جَلْبِ مياه الشرب بواسطة صهاريج إلى قرى الخابور، و شرائهم الماء بِ الرغم من أنهم يسكنون على ضفاف نهر الخابور!! قامت السلطات باعتقالهم و زجِّهم في السجون و دون أن يدافع أحدا عنهم، أو أن يتحدَّث في قضيتهم العادلة و الظلم و التمييز الذي لحق بهم، و القمع الممارس ضدهم، كما هناك أرمن و سريان أيضا محرومين من الجنسية السورية، أما القول بِ حرمانهم ( الأكراد ) من أراضيهم، فَ هذا الكلام بحاجة لتوضيح من قِبَل كلّ المعنيين، فَ هل يعني أن الدولة تحرمهم من ممتلكاتهم من الأراضي، أم أنها لم تعطِهم أراضٍ من أملاك الدولة؟، أنا أعتقد أن الدولة لم تصادر أو تؤمِّم أو تجرِّد المواطنين من ممتلكاتهم و عقاراتهم و أراضيهم ( ملكهم بَيْعَاً و شراءً ) بعد مأساة التأميم الظالم، فَ هل المقصود أن أراضي الدولة هي أراضيهم؟ الدولة حين قامت بِ تجريد المواطنين من ممتلكاتهم و منشآتهم و أراضيهم الزراعية، فعلت ذلك ضد الأرمني و السرياني و الكردي و العربي، أمَّا في مسألة الجنسية، فَ هناك إشكالية وطنية حقيقية حولها، و يجب أن تنتهي هذه المسألة لِ صالح المواطن و المواطنة السورية، و يجب ألاَّ يُحْرَم السوري من جنسية وطنه النهائي- سوريا -.
لقد تحدثتُ هاتفيا مع المحامي أنور، صاحب المبادرة، حول المادة السادسة من الفصل الأول و التي تنصُّ على:" اللغة الأساسية الأولى للدولة هي اللغة العربية و اللغة الكردية هي لغة ثانية و يراعى حق الأقليات الأخرى بالتكلم و تعلم لغاتهم و ثقافتهم القومية"
عندما سألته لماذا اللغة الكردية هي الثانية، أجاب لأنهم يشكلون أكبر أقلية في البلاد، و أعطى نسبة تتراوح بين 10- 15% من تعداد سكان سوريا!! و طلبتُ منه أن يوضح لي ماذا يعني أن اللغة الكردية هي الثانية، و هل سيتم التداول بها في مؤسسات و دوائر الدولة في محافظة الحسكة مثلا. كان جوابه: لا ليس هكذا، إنما في مدارسهم و منتدياتهم الثقافية و التعليمية...إلخ. إذا كانت المسألة هكذا، فَ لا تحتاج إلى مادة في الدستور، و كان يكتفى بِ التالي:" اللغة الأساسية للدولة هي اللغة العربية، و يحقُّ لِ القوميات الأخرى بِ التكلم و تعلم و تعليم لغاتهم و ثقافتهم القومية"
كنت أتمنى من المحامي أنور أن يستشير أكبر عدد من الشخصيات السياسية و الثقافية، و من مختلف الانتماءات القومية و الدينية، و أن يستشير المنظمات و الأحزاب الكردية و غير الكردية في المحافظة ( الحسكة )، و لو فعل ذلك، لَ ما اضطر لِ الحديث عن الأكراد دون سواهم في مسودة الدستور، و لَ ما قال لي بأنهم يشكلون تلك النسبة المئوية من سكان سورية، لأن المسألة ليست كذلك، فَ النسبة مبالغ فيها لأسباب سياسية، فَ هم لا يشكلون أكثر من 9- 10% من مجموع سكان البلاد، و بِ المقابل مَن قال بأن السريان ( بمختلف تسمياتهم ) لا يشكلون نسبة 20- 25% من مجموع سكان سوريا؟؟ فَ لماذا لا تكون اللغة السريانية هي اللغة الثانية في البلاد؟؟!!
أنا أرى أنْ لا حاجة لِ إضافة أيَّة عبارة أخرى مع المادة السادسة توحي بِ هيمنة أقلية على أخرى، و أكثر من ذلك، فأنا أدعو إلى ترحيل مصطلح الأقلية و الأكثرية من التداول في سوريا لأننا في طور التأسيس لِ دولة المواطنة و حقوق الإنسان، و ليس لِ دولة الأقليات و القبليات و العشائر؛ فَ هناك حقٌ مقدَّس لكلِّ الثقافات و الانتماءات الإثنية في ممارسة طقوسها و شعائرها و ثقافتها بِ لغاتها الخاصة، و لها الحق المطلق و المقدَّس في بناء مدارس و معاهد و جامعات و إذاعات و فضائيات خاصة تعلِّم و تذيع بِ لغاتها الخاصة
( السريانية، الكردية، الأرمنية، التركمانية، الجركسية...إلخ )، فَ الدستور يجب أن يكفل حقّ السوريين ذوي الانتماءات المختلفة عن الانتماء العربي في تعليم و تعلم لغاتهم و فولكلورهم و أدبهم و فنونهم بِ حرية مطلقة.
و في مسائل أخرى أودُّ أن يحتوي الدستور على ما يلي:
حقُّ العائلات في تسجيل الولادات في سجل الأحوال المدنية دون السؤال عن الدين و القومية، و يكتفى بِ الانتماء السوري فقط. إن لِ هذه المادة ضرورة جوهرية في الدستور ( الأمل )، إذْ من شأنها أن تكون الرحم الجامع لأجنَّةٍ تنتمي إلى الإنسانية بكلِّ مكوناتها اللطيفة، الخيِّرة، الجميلة. من شأنها أن تكون الحضن الدافىء و الحنون لِ مختلف الانتماءات، الحضن الذي سَ يلقمنا أو بِ الأحرى سيلقم أحفاد أحفادنا الثدي الكوني المليء بِ الحليب المبستر الصافي النقي الخالي من الشوائب و الجراثيم و الطفيليات و الميكروبات، الحليب الذي سَ يؤاخي بين الجميع في الانتماء الإنساني الواحد الوحيد، و بالطبع ستكون حياتهم أغنى و أحلى و أجمل مع المنكِّهات اللطيفة الجميلة، و الألوان الزاهية، ألا و هي الانتماءات المتفردة لثقافات متفردة و مختلفة تتراقص و تتمايل و تتحاور و تتزاوج بكلِّ ودٍّ و حُبٍّ و سلام، هذه المادة كفيلة بِ أن تقدِّم للبشرية إنسانا جميلا زاهيا مزركشا بِ ألوان قوس قزح، إنسانا كونيا بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، إنسانا مصنوعا من الحُبِّ و الخير و السلام، إنسانا عابرا للحدود و القارات و الولاءات العصابية، إنسانا يقدِّم الجميل، لا بل الأجمل، من ثقافة قومه المتفرِّد، إنسانا يساهم في بناء ثقافة إنسانية خالية من الحقد و الكراهية و العنصرية و الغطرسة و العنف، إن هذه المادة كفيلة في نهاية المطاف بِ أن تقدِّم للبشرية مجتمعا نموذجا من التآخي و التلاقح و التزاوج بين مختلف البلابل و الأزهار و الأشعار، إنه المجتمع السوري، جمهورية سوريا الغد، سوريا التي سيكون فيها الأب أرمنيَّاً و الأم كردية، الأب كرديا و الأم سريانية، الأب سريانيا و الأم كردية أو أرمنية...إلخ
و لكم أن تتصوَّروا ذاك المجتمع الكوني الراقي الذي تصدح فيه موسيقا اللغات و الأغنيات و القصص و الأشعار، ذاك المجتمع الذي يكون فيه الأرمني و السرياني و الجركسي و العربي و الكردي و الآشوري و المحلَّمي و اليزيدي و التركماني، كلهم أنسباء بعضهم بعضا.
هل هذا حلم أم جنون أم هو ارتعاشات الشعر بين أحضان جولييت و زِين ( ممو زِين ) و تامار و شميرام؟؟
بل إنه حلم و جنون و ارتعاشات شعرية في أحضان الحبيبة السورية عشتار أمُّ العرائس السوريات.
و أيضا أودُّ أن يتضمَّن الدستور موادا تنصُّ على:
- يُحاكم أمام القانون كل من يحرِّض على الحقد و الكراهية و القتل.
- يُمنع طباعة و نشر و توزيع الفكر العنصري التفوُّقي الداعي إلى إلغاء الآخر ماديا و معنويا.
- يُمنع تشكيل أحزاب دينية و طائفية و قومية.
- حرية تغيير المعتقد و الدين.
- فصل الدين عن السياسة و الدولة و الأخلاق، و بالاتصال مع هذه المادة، يجب أن تُلغى مادة التربية الدينية من مدارس سوريا، و أن تُدَرَّس بدلا عنها مادة تعلِّم مبادىء حقوق الإنسان، و أيضا يجب حجب الأثير الإعلامي الرسمي عن الأنشطة و البرامج الدينية.
أرجو أن يتم الحوار بِ مسؤولية عالية حول جميع القضايا التي طُرِحَت في مسودة الدستور، كما أرجو أن نبتعد عن الاتهامات الجاهزة بِ حَقِّ بعضنا لِ مجرَّد الاختلاف في الرؤية أو التحليل أو النتائج.
سوريا* فهان كيراكوس* 30/09/005

أسباب فشل مؤتمر باريس

أسباب فشل مؤتمر باريس

عبد الغني الصمادي

عندما إلتم شمل ما كان يعرف ، بمؤتمر باريس للمعارضة السورية ، و نقلت الصحافة العربية و الدولية ، من مكان عقد هذا المؤتمر ، في احد أرقى أحياء العاصمة الفرنسية ، صورة مذرية عن هذا المؤتمر : قلة الحضور ، حجم الغياب الكبير ، ضئالة التمثيل ، عدم اكتراث عربي و دولي ، حتى من طرف الدولة المضيفة ، فقد لم يلحظ حضور ، أي مسؤول فرنسي في المؤتمر . خلص العالم إلى نتيجة هامة مفادها : ضعف المعارضة السورية ، و عدم قدرتها ، على إفراز بديل للنظام الأسدي البغيض ، الذي تنتظر شعوب المنطقة ، نهايته غير مأسوفٍ عليه .
و لكن هذا الفشل ليس عصي على الفهم ، فلا ليس هنالك مراقب إلا و كون صورة أولية ، لهذا الفشل غير المفاجئ . و في الحقيقة هنالك جملة من الأسباب الموضوعية و الذاتية أدت إلى هذا الفشل ؛ ترتبط بهذا المؤتمر ، على نحو الخصوص ، و بواقع المعارضة السورية في الداخل و الخارج ، على نحو العموم ، و إن كان هنالك ظروف آنية ، لعبت هي الأخرى ، دورها في هذا الفشل :
١- ضعف إداء المعارضة التقليدية ، بسبب عدم تمكنها ، على مدى عشرات السنوات ، من ترسيخ ، برنامج القاسم المشترك ، بين مختلف أطيافها ، لا بل مزايدة بعضها على الأخر ، إلى حد التعجيز ، و يتحمل حصة الأسد في هذا الضعف ، الناصريين و على رأسهم حسن عبد العظيم ، الذي ما فتئ يتغنى بالداخل ، و هو يعلم تماماً أن حجم الداخل المجاهر بمعارضته ، لا يتجاوز ال٢٠٠ ناشط ، يستطيع النظام إخفائهم و تغيبهم خلال ساعات ، و يعلم أن عقد المؤتمر في الداخل ، و أن عقد المؤتمر في الخارج ، هي ضرورة لا مفر منها في ظل نظام الأسد الهمجي .
٢- طبيعة الجهة الداعية ، و هي التجمع من أجل سورية ، الذي يتكون من ، شخص واحد فقط ، هو فهد الأرغا المصري ، الذي تضاربت حوله القصص ، و من يقف وراءه ( رفعت الأسد ، النظام نفسه ، جلال الطالباني ) ، و إن كان مجرد شخص مغامر ، يبحث عن الشهرة ، و إن كنت أميل إلى ذلك . و في الواقع فإن ظاهرة المصري ، تحتاج إلى شيء من التفسير ، أو بشكل أعم ظاهرة الأحزاب وحيدة العضو أو ثنائية أو ثلاثية الأعضاء . و هل هي نعمة أم نقمة ، و لكن الأمر برمته يشير إلى حالة لا شعور جمعي لدى السوريين بفقدان الثقة بالمعارضة التي عرفوها من عشرات السنوات ؛ فرغم الاحترام الكبير مثلاً ، لشخص رياض الترك ، هناك عدم ثقة بحزبه لعدة أسباب منها :
- سيره الدائم وراء الاتحاد الاشتراكي رغم ضئالة ، الحجم العددي و السياسي للأخير ، مقارنة بحزب الشعب نفسه .
- غياب أي تفسير من قيادته ، للإتهامات لعدد من أعضاءه بتلقي أموال من صدام ، أو محاسبة أي منهم .
- طبيعة ادارة موقع الرأي ، المثيرة للإرتياب ، و خاصة و أنه نشر خلال أسبابيع رسالتين مخزيتين ، احداهما من سومر ابن المجرم رفعت الأسد ، و الأخرى من صادق أبو حامد المقرب من المجرم خالد الحسين مرافق حافظ الأسد .
-اقصائية كثير من أعضائه للأخر و أكبر دليل على ذلك هو أنهم سيرفضون نشر مقالتي هذه في نشراتهم .
٣- السبب الثالث هو النظام نفسه الذي هدد باحالة كل من يحضر مؤتمر باريس بالمحاكمة ، بتهمة " الخيانة العظمى ، و التأمر على الوطن على أرض دولة أجنبية " ، و أوفد مسؤوليه الأمنيين إلى باريس قبيل ،و خلال المؤتمر ، و لكن العلامة الأبرز و التي كان ذكرها عماد مصطفى ، سفير النظام في واشنطن ، هو أن المعارضة مخترقة ، و ما رشح من باريس بأن المعارضة هناك مخترقة بنظائر فياأرب في فرنسا ، من حثالات التواصل الثقافي ( النادي السوري في فرنسا ، الرابطة الوطنية السورية ، جمعية أوغاريت ، رابطة أرابيسك ، جمعية الصداقة السورية الفرنسية .....إلخ ) التي لا هم لها إلا خدمة الأجهزة الأمنية ، و قد تجلى ذلك في حملات التشهير بالمعارضين السوريين بأسماء مستعارة : صادق أبو حامد ( شعبان الحسيني ) يسار أيوب ( سلمان حيدرة ) على امتداد القارات الخمس ، عشية عقد المؤتمر .
٤- التوقيت الخاطئ لعقد المؤتمر قبل ثلاثة أسابيع من تقرير ميليس ، الذي سيفرز واقع جديد في سورية و العالم برمته.

خاص – صفحات سورية -

من قتل هدى أبو عسلي؟

من قتل هدى أبو عسلي؟

مية الرحبي

الحوار المتمدن

قتلت هدى أبو عسلي على يد أخيها ، وبمباركة العائلة والأقارب، لزواجها من رجل من خارج طائفتها، وأقام أهلها بعد مقتلها عرسا، ففتحت المضافة ، وانطلقت الزغاريد، ودارت فناجين القهوة المرة، واستقبل الأهل الضيوف المهنئين، ووجوههم يعلوها البشر.
وقد أشاع أفراد العائلة أن الحكم أصدرته ونفذته العائلة على خلفية سلوكها المنحرف، لا زواجها، ربما كي يستفيد القاتل من العذر المحل في عقوبة جرائم الشرف في القانون السوري، والذي نجا بفضله آلاف المجرمين والقتلة بفعلتهم، بعد أن قتلوا قريباتهم لمجرد الشبهة في سلوكهن.
ليست هدى أول ضحية،ولن تكون الأخيرة، فطالما تكررت حوادث قتل نساء تزوجن من غير طائفتهن، بعقود زواج قانونية، والسيناريو واحد، بعد فترة من الزواج ، يدعي الأهل مسامحة ابنتهم، ويدعونها لزيارتهم، حيث يتم قتلها هنالك على يد قريب، يكون الأداة المنفذة لجريمة تشارك فيها العائلة كلها، وربما العشيرة أيضا، بالتحريض والتشجيع، وبذل الوعود لمرتكب الجريمة باستخدام نفوذ وأموال ووساطات، العائلة/العشيرة، لتخفيف الحكم القضائي، وبالتالي خروج القاتل بعد اشهر معدودة من السجن بطلا منتصرا.
هل يمكننا القول أن أخا هدى أبو عسلي هو قاتلها؟ أعتقد أن من الحكمة القول أنه لم يكن سوى الأداة المنفذة لجريمة تكالبت عوامل عدة لوقوعها.
فمن وجهة نظر قانونية:
يخطىء من يعتقد أن القانون، الفيصل بين الأفراد عند الشعوب المتحضرة، هو من يحكم بين المواطنين وقضاياهم وخلافاتهم عندنا، وخاصة في المسائل المتعلقة بالمرأة، فالعائلة /العشيرة/القبيلة، لها قوانينها الخاصة التي تطبق على النساء، وبحسب ما ترتأي يمكن أن تجرم من تشاء، وتصدر الحكم ، وتوكل إلى أحد أفرادها تنفيذه، ويندر أن تنجو امرأة في بلادنا من هذه الأحكام، بدءا من صفعة ، تتلقاها ربما في صغرها، لملبس غير لائق أو نظرة، أو همسة أو لفتة، مرورا بالحبس أو الضرب أو الجلد، وانتهاء بالقتل.
هنالك ملايين الجرائم المستترة التي تتعرض فيها المرأة ، وبخاصة الطفلة، للعنف الأسري ، لكنها تبقى طي الكتمان، ولا ينتشر خبر الجريمة إلا إذا وصل إلى حدود القتل ، وهنا يستند الأهل إلى حجة الانحراف الأخلاقي، الذي يحددون هم ، وهم وحدهم، وجوده وحدوده ومداه، من أجل الاستفادة من الغطاء القانوني الذي يحيل الجريمة إلى جريمة شرف ، فيستفيد القاتل من الأحكام المخففة، التي يقرها القانون في مواده المتعلقة بجرائم الشرف، كما تنص المادة 548 المتعلقة بالعذر المحل في القتل والإيذاء من قانون العقوبات السوري، والتي تنص على ما يلي :
المادة 548 :
يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد .
ومايتعلق بها من المواد التالية:
المادة 239 :
لا عذر على جريمة إلا في الحالات التي عينها القانون.
المادة 240
1 ـ إن العذر المحل يعفي المجرم من كل عقاب.
2 ـ على أنه يمكن أن تنزل به عند الاقتضاء تدابير الإصلاح وتدابير الاحتراز ما خلا
العزلة.
المادة 241
1ـ عندما ينص القانون على عذر مخفف:
إذا كان الفعل جناية توجب الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد حولت العقوبة
إلى الحبس سنة على الأقل.
وإذا كان الفعل يؤلف إحدى الجنايات الأخرى كان الحبس من ستة أشهر إلى سنتين.
وإذا كان الفعل جنحة فلا تتجاوز العقوبة ستة أشهر ويمكن تحويلها إلى عقوبة تكديرية.
وإذا كان الفعل مخالفة أمكن القاضي تخفيف العقوبة إلى نصف الغرامة التكديرية.
2ـ يمكن أن تنزل بالمستفيد من العذر المخفف ما كان يتعرض له من تدابير الاحتراز ما خلا
العزلة لو كان قضي عليه بالعقوبة التي نص عليها القانون.
المادة 242 :
يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بثورة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجنى عليه.
وحتى المادة 548 المجحفة يتم التلاعب بها، وبالتالي يتم بواسطتها تبرئة الكثير من القتلة، الذين يقتلون قريباتهم لمجرد الشبهة، ولا زلنا نذكر حادثة منذ سنوات قريبة، قتل الأخوة فيها أختهم المتزوجة، لأنهم لاحظوا أنها بدأت تهتم بمظهرها وتستمع إلى أغاني أم كلثوم، في حين كان زوجها يصرخ أنها شريفة، بريئة من كل ما يتهمها به أخوتها؟
تتعارض المادة 458مع جوهر القانون وأداته السلطة القضائية، التي تملك وحدها حق الحكم على المواطنين عند ارتكابهم خطأ ما، وتطبيق العقوبات بحقهم، بدل أن توكل هذه المهمة للأفراد.
من ناحية أخرى يمكن اعتبار القانون وبالتالي القضاء من العوامل المحرضة على تلك الجرائم، للتساهل الواضح في الأحكام المتعلقة بجرائم الشرف، والتلاعب في تفسير وتطبيق المادة المذكورة.
من وجهة نظر الشريعة الإسلامية:
لا يوجد في القرآن الكريم أو السيرة النبوية الشريفة، ما يبيح لأحد الأفراد أن ينصب نفسه قاضيا، أو يصدر حكما أو ينفذه بحق أحد وإنما يوكل الأمر لأولي الأمر ، الذين يمثلهم في عصرنا الحالي القانون والسلطة القضائية.
وقد اشترط الإسلام في تطبيق حد الزنا إقرار الزاني أو الزانية بفعلتهما وعدم إعلانهما التوبة ، أو إثبات الزنا من قبل أربعة شهود يشهدون العملية الجنسية بكاملها , وذلك من غير الممكن بل من المستحيل تحقيقه .
" واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " النساء 15
" والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون " النور 4
" واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما , إن الله كان توابا رحيما " النساء 16
" الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة , ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " النور2
" الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة , والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين " النور 3
" واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله " الطلاق 1
ومن المعروف عدم وجود آية تثبت عقوبة الزنى بالرجم , وإن وجدت حادثتان في السيرة النبوية لم يأمر الرسول ( ص ) في أولاهما برجم الرجل إلا بعد إقراره وإصراره بأنه قد زنى , و أنه لم يتب ويعلن العودة , ومع هذا فإن الرسول الكريم عندما أخبر أن الرجل هرب من شدة وطأة الرجم , علق قائلا للصحابة " هلا تركتموه " , وحكاية المرأة الغامدية التي يقال أنها رجمت بعد أن عادها الرسول أن تستغفر وتتوب إلا أنها أصرت، ومع هذا لم يسمح برجمها إلا بعد أن وضعت , وقد صلى الرسول على هذه المرأة ولما سئل عن ذلك أجاب " لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم " , كما أن الرسول لم يشهد الرجم في الحالتين.
وهنا لا بد من ذكر الحادثة التي حدثت في زمن خلافة عمر بن الخطاب ( رض ) عندما جاؤوه بامرأة زنت وأقرت بالزنى ، فأمر الخليفة برجمها ، فقال علي بن أبي طالب (رض): لعل بها عذرا ، ثم سألها : " ما حملك على ما فعلت ؟ " قالت كان لي خليط وفي إبله ماء ولبن ، ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن . فظمئت فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي ، فأبيت عليه ثلاثا ، فلما ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد فسقاني . قال علي : الله أكبر " فمن اضطر غير باغ ولا عاد ، فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم " فأخلى الخليفة سبيلها .
ومن الملاحظ في كل ذلك أن تطبيق العقوبة كان يتم ليس من قبل الأهل ، بل من قبل أولي الأمر آنذاك، وذلك ما هو واضح من الآيات الكريمة والحوادث من السيرة النبوية، وذلك ما يعني القانون والسلطة القضائية بالمفهوم المعاصر، مع ملاحظة أن الخليفة عمر بن الخطاب، استمع إلى شهادة المرأة أولا ، والظروف التي قادتها لإقامة العلاقة الجنسية، أي أنها قدمت إلى محاكمة عادلة ، قبل أن يصدر الحكم ببراءتها، عندما اقتنع بالمبررات التي أجبرتها على القيام بالعلاقة الجنسية خارج إطار الشرعية، ولم يقر الإسلام أبدا حق الأهل بالقصاص من ابنتهم، بل أوكل هذه المهمة لأولي الأمر.
من وجهة نظر اجتماعية:
كما ذكرنا لم يكن الأخ في جريمة القتل هذه إلا أداة تنفيذ لجريمة يقف خلفها تحريض العائلة / العشيرة / القبيلة، وقد كان من المفترض اختفاء تلك البنى القبلية العشائرية الطائفية التقليدية، والتي تعود إلى مرحلة ما قبل الدولة المدنية الحديثة، لو أن تطور الدولة الوطنية الحديثة سار في مساره الصحيح، إلا أن الأنظمة الاستبدادية، بقضائها على مفهوم المواطنة، أضعفت انتماء الفرد إلى البنى المجتمعية المدنية الحديثة ، وعززت انتماءه إلى تلك البنى المتخلفة، وتفكك المجتمع إلى غيتوات قبلية ، عشائرية ، عائلية، مناطقية، طائفية وعرقية، وباتت كل بنية من هذه البنى، تحكم بأنظمة وقواعد خاصة بها، تشكل قوانين، تطغى على قانون الدولة، فنرى شيوخ العشائر مثلا يفصلون بين أفراد عشيرتهم، في النزاعات المادية، وتتدخل العشائر المختلفة للتوسط في قضايا الثأر، وتدفع ديات الضحايا من قبل عشائر القتلة، ويضحى بالنساء في جرائم الشرف، في ظل قانون ينام على جميع هذه الممارسات، وسلطة تنفيذية تشجعها أحيانا، بحيث نسمع لقاء مسؤولين بزعماء العشائر مثلا، لا باعتبارهم مواطنين، بل زعماء متميزين، لهم حظوة ومكانة خاصة.
ولا يخفى الاستفادة الجلى التي استفادها المحتل الأمريكي في العراق من اللعب على وتر تلك البنى التقليدية، ليفتت العراق ويشظيه إلى فتات طائفي عرقي عشائري.
ونعود إلى الجريمة محور موضوعنا لنسأل هل يمكننا أن نلوم الأخ وحده وبالمطلق على تلك الجريمة البشعة التي نفذها؟ القاتل هو ابن بيئته، فمنذ نعومة أظافره ربي على المفاهيم القبلية العشائرية، وغرس في عقله مفهوم أن شرفه من شرف أخته، وأي خطا منها سينكس رأسه ورأس عائلته في التراب ، ولا يغسل ذلك العار سوى الدم، وسوف يعامل بعد قتل أخته معاملة البطل المنتصر، مع وعود بوسائط ودفع أموال تقصر فترة عقوبته إلى أشهر معدودات في أغلب الأحوال، حيث ستساهم العائلة، و العشيرة كلها، بل تستميت، في سبيل تخفيف العقوبة عنه، وكلها أشهر معدودة، يقضيها في السجن معززا مكرما ، وسيخرج بعدها، مرفوع الرأس، موفور المال، يعيش حياته راغدا بالعطايا والهبات، التي سيقدمها له أفراد العائلة غير الراغبين بتلويث أيديهم، وغالبا ما يتم اختيار شاب من العائلة عاطل عن العمل، غير مستقر في حياته، يعطى الوعود بتأمين مستقبله، في حال قدم هذه الخدمة لعائلته.
لذا فالعقوبة لابد أن تطال هنا المحرضين على ارتكاب الجريمة تماما كمرتكبها.
لا نزعم أن هذا هو الحل، فتطبيق عقوبات قاسية بحق مرتكبي هذه الجرائم والمحرضين عليها، ربما تساهم في ردع من يفكر بالإقدام على ذلك، لكنه لا يمثل إلا جزءا من الحل.
لابد من بحث جذور هذه الجرائم، وتصحيح الأوضاع الاجتماعية العرجاء، وتغييرالمفاهيم المتخلفة المبنية على منظومة فكرية ذكورية متسلطة، بإعادة الاعتبار أولا إلى النساء في الوطن مواطنات كاملات الحقوق والواجبات، وتعديل جميع المواد القانونية التي تحمل تمييزا ضد المرأة ، وعلى رأسها هنا، المادة 548 حول العذر المحل في القتل والإيذاء المتعلق بما يسمى جرائم الشرف، واعتبار جرائم قتل النساء، جرائم قتل مواطنين في هذا البلد، تطبق على قتلتهم العقوبات التي تطال أي مجرم يقتل مواطنا، وإعادة الاعتبار لهيبة القانون، واستقلالية القضاء ونزاهته، فالقانون وحده صاحب الحق في تجريم الناس، وإصدار أحكام ضدهم، وتطبيق عقوبات بحقهم، وتعزيز مفهوم المواطنة، وتساوي جميع المواطنين أمام القانون بغض النظر عن جنسهم وعرقهم ودينهم وطائفتهم، ولن يتحقق ذلك إلا في ظل دولة الحق والقانون، دولة يأمن فيها المواطنون الأحرار على حيواتهم وحرياتهم وممتلكاتهم، في ظل حماية وسلطة قانون عادل يضمن الحماية والعدل لجميع المواطنين.
ولابد أن يتزامن ذلك مع نشر ثقافة بديلة، تغير نظرة المرأة إلى نفسها، ونظرة الرجل إليها، إنسانا كامل الأهلية، مواطنا كامل الحقوق والواجبات، وتغيير مفهوم الشرف، ليصبح مفهوما مبنيا على الصدق والأمانة والإخلاص في العمل، والمحبة والتعاون، وحب الوطن، والسعي نحو تقدمه ونمائه، وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني، التي تحمل جل المسؤولية في نشر هذه الثقافة البديلة، وتتشارك مع المؤسسات الحكومية في الدفاع عن مصالح الفئات المجتمعية التي تمثلها، عندها فقط نستطيع أن نصل إلى يوم تصبح فيه هذه الجرائم من الذكريات المنسية التي يتمنى كل منا محوها من ذاكرته.

الصناعة وتحديات الشراكة السورية-الأوروبية

الصناعة وتحديات الشراكة السورية-الأوروبية

الاستفادة منها وتجنب عواقبها ...

مضار الشراكة على الصناعة السورية .. لا بد من الدعم الحكومي لمواجهة الشراكة

مزن مرشد

الحوار المتمدن

ذات مرة قال لي صناعي بإن لدينا كل مقومات الصناعة القادرة على المنافسة وأعطاني ثلاثة أرقام,
الأول هو سعر الكيلوواط ساعي الأعظمي للكهرباء عندنا يبلغ 6 سنتات بينما في تركيا 11,5 سنتاً والثاني هو متوسط أجر العمالة في سورية يبلغ حوالي 051 دولاراً بينما في تركيا 005-007 دولار ويصل إلى ألف دولار في استنبول والثالث هو قيمة الأراضي والمنشآت الصناعية وتبلغ في تركيا ضعف قيمتها في سوريةا.‏

إذاً يبقى السؤال الجوهري:لماذا لم تتبلور وتتأسس لدينا صناعة منافسة? يتفرع عن هذا السؤال العديد من الأسئلة المرتبطة به مباشرة:لماذا ترتفع عندنا كلفة المنتج الصناعي وتتدنى جودته? لماذا بدأت بلدان كنا نصدر لها وكان مواطنوها يرتادون أسواقنا للتسوق فيها,لماذا بدأت تنافسنا في عقر دارنا? لنتصور أن السعودية بدأت تصدر لنا عبوات المياه ونحن بلد المياه?! وحتى تكتمل الكارثة أو الطرافة -من يدري- تصدر لنا مياهاً محلاة?!!‏
حتى الآن ما زلنا نتحدث عن منافسة دول الجوار أو المنطقة..تركيا ولبنان والسعودية والإمارات..فأي أسئلة سنطرح وأي مشكلات سنواجه عندما تبدأ الصناعات الأوروبية تغزو أسواقنا? وأي تحديات تفرضها علينا اتفاقية الشراكة ولا سيما بعد رفع غطاء الحماية عن سوقنا?‏
اللافت هو أن جميع الاقتصاديين والخبراء,محليين وأجانب,متفقون أننا نملك كل مقومات الصناعة التنافسية من حيث توفر المادة الأولية والطاقة واليد العاملة والشروط الاقتصادية والكفاءات البشرية والأسواق وعائدية أو ربحية رأسمال..إلخ ومع ذلك,لم يتسن لهذه العناصر أن تأتلف فيما بينها لتؤسس لصناعة تنافسية..بالعكس,ثمة مستثمرون سوريون بنوا مجمعات صناعية كاملة في بلدان أخرى ومن يدري,ربما يصدرون لنا الآن أو عما قريب منتجاتهم..وما زال البحث مستمراً عن أسباب عزوفهم عن الاستثمار في بلدهم!!‏
يقول الصناعي محمد الحاج:إن ما يؤثر على كلفة المنتج الصناعي السوري مقارنة بالمنتج نفسه ذي المنشأ العربي هو تكلفة المواد الأولية إضافة إلى الرسوم المالية من مصاريف مستورة وضرائب,فالصناعي أو المستثمر ترافقه الصعوبات كظله,منذ أن يبدأ مشروعه وهو يفكر بالربح,لكن كيف سيربح وهو يدفع كيفما تحرك,ابتداء من تشميل المشروع مروراً بالتراخيص المطلوبة والبناء والكهرباء والماء انتهاء بالفواتير الضخمة التي تزداد في السجل الصناعي عنها في السجل التجاري..وهذا كله يضاف إلى سعر المنتج.‏
وبالنسبة لجودة المنتج الصناعي يؤكد الحاج أن أي صناعي تهمه هذه المسألة,لأنه بدونها لا يستطيع أن يسوق وينافس,أما السلع التي لا تحقق الجودة ولا تلتزم بالمواصفات فهي السلع التي تنتجها المنشآت الصغيرة بصغيرة رأس المالا وتعتمد على المنافسة بسعر القطعة,وهي لا تهتم باسم المنتج ولا بالتصدير ولا تعتبر مقياساً للصناعة السورية,ولست أخفي أن الصناعة السورية خسرت سمعتها في فترات سابقة بسبب تجار وصناعيي الصفقة الواحدة,لكنها بدأت الآن تستعيد ثقة المستهلك ولكن أؤكد أن الصناعات الغذائية السورية عالية الجودة فهي خالية من المواد الصناعية ولكن المشكلة التي تواجهنا هي العبوات التي لا تتوفر.‏
وحول الشراكة الأوروبية وأثرها أشار الحاج أن مضارها ستكون كبيرة على الصناعة السورية مع أنه قد يكون لها آثار إيجابية على الاقتصاد السوري,لأن الصناعة الأوروبية والعربية لا تتحمل في بلدانها الأعباء المالية ذاتها التي تتحملها الصناعة السورية,ونحن نلاحظ أن سعر المنتج الأجنبي أصبح يوازي سعر المنتج السوري لأن جمارك المواد الأولية لدينا لا تزال مرتفعة,بينما هي معفاة من الرسوم الجمركية في البلدان الأخرى,فكيف سننافس بضاعة أجنبية موثوقة الجودة وسعرها أرخص رغم وجود تكاليف نقلها من بلد المنشأ...بصراحة,لا يمكننا منافستها لا في سوقنا ولا في سوقها.‏
ويضيف الحاج:كي نواجه الشراكة لا بد من الدعم الحكومي,ففي تركيا وإسبانيا وباقي دول الشراكة تقدم الدول دعماً للمصنوعات المصدرة حتى تصبح منافسة في الأسواق الجديدة,وما لم نحصل على هذا الدعم,ستكون صناعتنا السورية في خطر.‏
الصناعي منذر البزرة ليس ضد الشراكة لكنه يطالب بمعادلة مالية قريبة من تعامل البلدان العربية مع صناعييها حتى تتمكن الصناعة السورية من المواجهة,وأشار البزرة إلى وجوب وضع قيود صناعية لحماية المنتجات الوطنية لأن هناك مواجهة غير متكافئة مع شركات أوروبية كبيرة وذات ميزانيات ضخمة,فمثلاً يمكن وضع حد لدخول البضائع ويمكن وضع ضوابط للإغراق وقيود على الكلف الهادفة إلى القضاء على الصناعة السورية وإلا سنتحول إلى بلد مستهلك فقط ومحكوم من قبل الغير وتضعف قدرة صناعته على التطور.‏
وحول الجودة أوضح البزرة أنه لا توجد مراقبة لها حسب المقاييس والمواصفات,فهناك تسعير مفتوح من التموين بشرط الجودة,لكن الصناعي لا يلتزم مقارنة بالمنتج اللبناني والتركي,وهذا خطأ التراخيص,مشيراً أن الشراكة هي حكم الأفضل وبقاء للأفضل.‏
أما عن آثار الشراكة المتوقعة فقال:إننا لم نجرب بعد المساوىء والمحاسن,لكن المنشآت الحرفية والمعامل الصغيرة ستموت وسينتهي الرأس المال الصغير وينقسم المجتمع الصناعي بالرأسمال والجودة إلى طبقتين واحدة فوق وأخرى تحت,ويمكن أن تنشأ تحالفات صناعية بين الشركات للحفاظ على أسعار المنتجات وتوحيد الإنتاج.‏
وتناول الصناعي أمير البزرة تجربة السعودية في التعامل مع صناعيها قائلاً:إنها لا تفرض عليهم أي ضرائب,ورسومها الجمركية معدومة وتساعدهم بتقديم القروض والأراضي منوهاً إلى أن الرسوم الجمركية عندنا أصبحت مقبولة اليوم,لكن ما زالت الضرائب المالية مرتفعة ويجب إلغاؤها من الصناعي ووضعها على المستهلك بحيث تزداد القدرة التنافسية للسلعة الصناعية السورية,ولا سيما أن هذه السلعة إذا توفرت في الأسواق بسعر السلعة العربية فإن المستهلك سيختار هذه الأخيرة,وأشار البزرة إلى وجود أصناف سيئة متعددة من السلعة الواحدة اندحرت بسبب المنافسة العربية وبقي المنتج الجيد ذو المواصفة الجيدة,لكن يجب مع ذلك إبقاء المنافسة شريفة وعدم السماح بإغراق الأسواق.‏
وحول ما يمكن أن تقدمه الشراكة للصناعي السوري,أكد البزرة أنها ستفيد في فتح أسواق جديدة وفي رفع مستوى الجودة إلى مستوى المواصفات الأوروبية.وأشار إلى ضرورة دعم الدولة على منوال التجربة التركية,إذ كانت السلعة التركية منذ 51 سنة تأتي في الدرجة الثانية بعد السلعة الأوروبية لكن الدولة التركية منحت كل مصدر 51% على بضائعه وبالتالي غزت السلعة التركية أسواقاً جديدة وازدادت ثقة الناس بها وصارت تساوي السلعة الأوروبية..صحيح أن الدولة خسرت في البداية 51% لكنها الآن تربح.أما نحن,فخسرنا في الثمانينات سمعتنا بسبب تصدير بضائع سيئة وبسبب ضعاف النفوس.‏
الصناعي محمد الشاعر ركز على التشريعات والقوانين المتعلقة بالصناعة متسائلاً عن القائمة السلبية للمستوردات التي لم تنجز حتى الآن وعن قانون المنافسة وقانون حماية الملكية التجارية والصناعية معلقاً أنه لا يمكننا دخول الشراكة بقوانين أصبحت جزءاً من الماضي.‏
وأضاف الشاعر لكن الصناعات ذات القيمة المضافة العالية ستبقى وتثبت نفسها في السوق أما الصناعات ذات القيمة المضافة المنخفضة فيخشى عليها وقد لا تستمر وتموت.‏
وارتأى الشاعر:إن الشق المتعلق بشهادات المنشأ هو لمصلحة الصناعة السورية,لأنه مع تطبيق اتفاقية الشراكة فإن السلعة التي تعتمد في موادها الأولية على دول الشراكة ستعامل معاملة المنتج المحلي وهذا سينعكس إيجاباً على الصناعات التجميعية.‏
ونوه الشاعر إلى ضرورة الاعتناء بالتسويق وأهمية استغلال الأسواق الجديدة وتفعيل الملحقات التجارية في سفاراتنا حول العالم وضرورة دراسة احتياجات تلك الأسواق والتصنيع خصيصاً لها.‏
أما أحمد عجم وهو تاجر ألبسة جاهزة فرأى أن المشكلة تكمن في بعض الصناعيين الذي يتخوفون من الشراكة لأنهم لا يدركون ما تعنيه,موضحاً أنه يجب أن نغير طريقة تفكيرنا,ومن يعمل في التصدير يدرك الفرق بين السلع المعدة للسوق المحلية وتلك المعدة للتصدير,فالأول يتحمل سلعة من قفا اليد بينما يتطلب الثاني التطابق مع المواصفات العالمية وهذا ليس صعباً لأن لدينا كل مقومات الصناعة التنافسية وأولئك الذين يتخوفون من الشراكة عليهم أن يدركوا أن الخوف نابع من أنفسهم لأن صناعتهم ليست على مستوى المنافسة‏
في جدل العبد والسيد عند هيغل يكون الأفراد في البداية متساويين,لكن سرعان ما تدفعهم الرغبة في إثبات الذات إلى الصراع ويشرعون بالاقتتال,القوي يقتل الضعيف,وبعد حين من الزمن,يكتشف الأقوياء عقم هذا الصراع,فما جدوى الخلاص من الضعفاء وقتلهم,عندئذ,يفكرون باستعبادهم وتحويلهم إلى عبيد يعملون عندهم,وهكذا يسترخي السادة ويبدأ العبيد في العمل بجد ونشاط,ويتحول السادة إلى مجرد مستهلكين لمنتجات عبيدهم الذين يكتسبون بالعمل معارف جديدة ومهارات جديدة يتفوقون بها على سادتهم المسترخين والكسولين وبالتدريج يتحول العبيد إلى سادة والسادة إلى عبيد.‏
ينطلق هيغل في جدله من تساوي الأفراد لكنه سرعان ما ينقض هذه البديهة أو المسلمة,معترفاً أنهم ليسوا متساوين إلا كافتراض,لأنهم مجرد دخولهم حقل الصراع يتكشفون كأفراد متمايزين,أقوياء وضعفاء,لكن هذا التناقض المنطقي لا يقلل شيئاً من أهمية البناء الجدلي لعلاقة السيد والعبد.‏
في اتفاقية الشراكة نحن أمام جدلية القوي والضعيف,ونقطة الانطلاق هي التساوي الظاهري,فنحن شركاء كاقتصاديات,وندخل الشراكة على قدم المساواة مع أطراف أخرى,لكننا في حقيقة الأمر,وحتى قبل أن ندخل حقل الصراع,نرتعش خوفاً,لأن الشراكة في جوهرها تعني صراعاً,أو كما عبر أحد الصناعيين,البقاء فيها للأفضل.‏
وبغض النظر عن إدراكنا لحالة اللاتكافؤ القائمة قبل دخولنا الشراكة,فإن توقيعها يعني قبولنا الدخول في حقل الصراع من موقع الند ظاهرياً والضعيف واقعياً,ويعني قبولنا خوض معركة إثبات الذات أمام الآخر الذي حباه التاريخ اكتشاف المال كرأسمال وبالتالي قوانين التراكم والربح,كما حبت الطبيعة أفراد هيغل بفروق في درجة الرغبة بإثبات الذات وفروق في درجة القوة,وهكذا فإن نظرية المركز والأطراف تتحول في ظل الشراكة إلى معطى كامن وتتحدد عناصرها كوحدات اقتصادية متكاملة في إطار نظام العولمة الجديد.‏
وباعتبار أن الصناعة,ولا سيما ذات التقانة العالية,هي التي تحدد مستوى التكافؤ في عملية الشراكة,فإننا بالتأكيد سنكون الطرف الأضعف,وبالتالي فإن السؤالين الرئيسين اللذين ينبغي أن نطرحهما على أنفسنا هما: ما الإمكانات الذاتية المتوفرة لدينا للنهوض بصناعتنا إلى مستوى التحدي أو مستوى الشراكة? وما المجالات التي يمكن أن تكون بوابتنا نحو مثل هذه المواجهة?‏
يجمع الخبراء الاقتصاديون تقريباً أن لدينا كل مقومات الصناعة التنافسية لكن المشكلة كما يبدو تكمن في عملية الربط بين هذه المقومات,أو الأصح في إعادة صياغتها ضمن إطار هيكلية اقتصادية جديدة تؤمن تفعيلها كعناصر وعلاقات,وهكذا فإن الخطوة الأولى الكفيلة بجعل اقتصادنا يقف على قدميه بدل رأسه تتمثل في الانتقال من الدولة المنتجة للاقتصاد,أو الأصح السياسة المحددة للاقتصاد إلى الاقتصاد المنتج للدولة أو الاقتصاد المحدد للسياسة وهذا يعني إعادة بلورة الصناعيين كقوة اقتصادية واجتماعية وسياسية,وكذلك التجار,ويعني أيضاً تأمين الشروط المناسبة لكل أنواع الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية,ما يضمن لنا إمكانية إعادة إنتاج أنفسنا كسادة عن طريق العمل وتكوين المهارات وتجاوز واقعنا كعبيد.‏
لكن ما المجالات الجديدة التي يمكننا ولوجها للارتقاء باقتصادنا إلى مستوى الشراكة?‏
تتطلب التكنولوجيا العالية مهارات بشرية نوعية,بل تعتمد على المهارات العالية,فمثلاً يعد قطاع البرمجيات من المجالات العالية التقنية ويعتمد أساساً على الكوادر البشرية المتوفرة لدينا,وتطوير هذا الميدان لايتطلب أكثر من الاهتمام بالتعليم والتدريب والتأهيل وهو ذو مردود اقتصادي مرتفع وهناك إمكانية للمنافسة في السوق العالمية,فهل يمكن أن يكون هذا المجال إحدى البوابات?!‏
وهناك أىضاً قطاعات هامة بعضها كثيف رأس المال وبعضها كثيف العمالة,والمطلوب إعادة تحديد أولوياتها على المستوى الاقتصادي في إطار تمثيل حقيقي للفعاليات الاقتصادية ضمن الأطر الحكومية القائمة,وهو ما يعني البحث عن أسس شراكة حقيقية وواضحة على مستوى اقتصادنا الوطني كمقدمة لشراكة هذا الاقتصاد مع الاتحاد الأوروبي.‏
د.حسين القاضي وزير صناعة سابق‏
الصناعة السورية بنيت في ظل استراتيجية بدائل الواردات والحماية الجمركية القوية ومنع الاستيراد وكانت اتفاقيات المدفوعات مع البلدان الاشتراكية تؤمن تسويق المنتجات السورية بغض النظر عن قدرتها التنافسية من حيث السعر والجودة.‏
مع تنفيذ الشراكة ستتعرض الصناعة للمنافسة وسينعكس ذلك على تطويرها على المدى البعيد ولا سيما أن اتفاقية الشراكة ستطبق بشكل تدريجي وهناك معونات أوروبية للصناعات التي ستتضرر ولا شك أن الصناعات المتخصصة بالمواد الأولية المنتجة محلياً هي الأقدر على المنافسة لأنها توفر تكلفة النقل كالإسمنت مثلاً.‏
إبراهيم نحاس رئيس لجنة صناعة الملبوسات في غرفة صناعة دمشق.‏

الصناعيون متخوفون من الشراكة ومعظمهم لايعلم ما قد يحمله من خير لهم نتيجة ضعف ثقافتهم فنحن نفتقر لثقافة المنافسة, ومشكلتنا أننا نخاف من كل جديد مهما كان,وإذا بقينا مكاننا فلن نتقدم أبداً,بل سنتراجع,والأهم أن قرارتنا الاقتصادية تسير بمشية السلحفاة.‏
د.محمد توفيق سماق‏

سبب ارتفاع كلفة المنتج السوري هو صغر حجم المنشآت, فمعظمها عائلية , وباعتقادي أن ذلك يعود إلى آلية عمل الصناعيين, فهناك حلقة مفقودة في عملهم,ورغم إعفاء المواد الأولية من الضرائب وتخفيض الضرائب إلى 35% كحد أقصى وتخفيض أسعار الطاقة والاستجابة لجميع طلباتهم في المؤتمر الصناعي الأول,مع ذلك ليسوا راضين,وأرى أن الخلل في عملهم وعدم رضاهم بالربح.‏
وفاء عطفة‏
مديرة القطاع الخاص في وزارة الصناعة‏

الأسئلة حول الشراكة موضوعية لكن الإجابات افتراضية لأنها لم توقع ولا يمكن إدراك سلبياتها أو إيجابياتها على أرض الواقع إلا بعد تطبيقها,وبقدر ما نستطيع التلاؤم مع وضع الانفتاح يكون الانعكاس إيجابياً وبقدر ما نحجم عن ذلك سيكون الانعكاس سلبياً.‏
د.حسين العماش‏
رأيي غير كامل,لكن الشراكة ستؤثر على سوق العمل إيجاباً لأنها ستزيد النمو الاقتصادي وفرص التشغيل وستحسن الأجور والرواتب,وهناك فروقات في المهارة والتدريب,لكن الصناعة السورية الموجودة والتي ستنشأ ستكون غالباً ملائمة تقنياً لطبيعة التقانات الأوروبية وستكون العمالة قادرة على الإنتاج,فالفجوة لن تكون بسبب التدريب,بل بسبب البحث العلمي الذي يضيف دوماً منتجات مبتكرة ذات قيمة عالية تجذب المهارات البشرية ذات الخبرة العالية,بعد سنوات من انتشارها,تنخفض القيمة المضافة وتتضاءل المهنية وإذا اعتنينا بإعادة التأهيل والتدريب يمكن أن نتجنب بعض سلبيات الشراكة.‏

فرنسا: اذا حرّكت دمشق المخيمات سنعرف انه عمل يحمل توقيعها

تعتبر كل محاولة لزعزعة الاستقرار في لبنان «آتية من سورية»...


فرنسا: اذا حرّكت دمشق المخيمات سنعرف انه عمل يحمل توقيعها

باريس - رندة تقي الدين

الحياة

أكد مصدر فرنسي رفيع المستوى لـ «الحياة» ان «الكل يعرف ان هناك محاولة لزعزعة استقرار لبنان وهي آتية من سورية». وتابع: «ينبغي على القيادة السورية ان درك انه مُحَاسَبة لزعزعة استقرار لبنان، وقد قيل لها هذا الكلام في كل مهمة» قام بها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لمراقبة تنفيذ القرار 1559 تيري رود لارسن. وتابع: «إذا حاولت هذه القيادة تحريك المخيمات الفلسطينية في لبنان فسنعرف ان هذا من أفعالها. وإذا كان هناك المزيد من العمليات الارهابية واي أعمال لزعزعة استقرار أمن لبنان عبر ميليشيات، خصوصاً في المخيمات، فستكون موقّعة من سورية. وهذا قد يزيد وضع سورية خطورة إزاء الأسرة الدولية».

وكان تيري رود لارسن أجرى محادثات في باريس يوم الجمعة وتناول مع كبار المسؤولين الفرنسيين قلق الأسرة الدولية على ما يجري حالياً في لبنان في المرحلة الحرجة التي يمر بها البلد بانتظار تقرير القاضي الدولي ديتليف ميليس حول جريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري.

وأكد المصدر الفرنسي لـ «الحياة» ان «لا أحد يعرف شيئاً عن مضمون تقرير ميليس إلا هو نفسه، ولا أحد من المسؤولين في العالم يعرف ماذا سيقول ومن سيتهم والى أي مستوى سيذهب التورط. فميليس يقوم بعمله من دون التحدث مع أحد وتقريره مستقل وهو منبثق عن لجنة مستقلة، ومن المهم جداً ان يحافظ ميليس على استقلاليته. وفي 25 من تشرين الأول (اكتوبر) سيعرف الكل ماذا لديه».

لكن المسؤول الفرنسي كشف ان تحقيق ميليس لن يتوقف بعد نشر تقريره، فهناك عدد من المعطيات والمعلومات التي ينبغي ان يتعمق بها، فتحقيقه لن ينته بتسليم تقريره. وفي كل الاحوال هناك نص في القرار 1595 يتيح للمحقق الدولي ان يستمر في تحقيقه خلال 50 يوماً اضافياً، إذن من المهم جداً تأكيد ان التحقيق لن يتوقف مع نشر التقرير، فهناك المزيد مما يتوجب كشفه». وتابع المصدر الرفيع ان «التقرير سيتهم عدداً من الأشخاص في لبنان وسورية، لكن من هم هؤلاء، وما هو مستواهم، لا أحد يعرف. والاتهامات ينبغي ان تؤدي الى محاكمات والى اجراءات قانونية وهنا التفكير في احتمالات المحاكمة مفتوح كلياً ويجري التداول فيه».

اما بالنسبة الى الوضع الأمني الحرج في لبنان حالياً فيقول المصدر: «من غير المعقول ان ترسل قوة دولية الى لبنان خلال هذه الفترة، صحيح انه في فترة حرجة جداً وينبغي ان نرى ما يمكننا القيام به لدعم الحكومة اللبنانية، لكن ينبغي على الحكومة اللبنانية ان تتخذ اجراءات أمنية استثنائية وعليها ان تطلب من قواتها الأمنية والعسكرية ان تأخذ اجراءات أمنية متشددة ومراقبة وان تنشر الحواجز الأمنية التي تمكن من تبني مواقع ردع، نعلم انهم بدأوا القيام بذلك وعليهم ان يستمروا».

وبالنسبة الى الاسرة الدولية فإن المهم الآن، كما قال المصدر، ان يستمر عمل الأسرة الدولية في لبنان بوفاق دولي واسع جداً، ومن هنا أهمية اشراك الدول العربية الكبرى في كل مرحلة وقد حرصت فرنسا والولايات المتحدة على ذلك، خصوصاً بالنسبة الى مصر والسعودية، فهذا أساسي. والأسرة الدولية لا تستطيع تنفيذ القرارين 1595 و1559إلا بمشاركة وموافقة فاعلة من دول المنطقة خصوصاً مصر والسعودية». وقال إن الحكومة اللبنانية أرسلت الى الأمم المتحدة طلباً للمساعدة الأمنية تجري دراسته ودرس الامكانات المحتملة لدعم أمني. وأضاف انه «في هذه المرحلة يصعب جداً القيام بأعمال واجراءات بدل اللبنانيين». وتابع ان من الملفت انه «منذ تقدم ميليس في تحقيقه هناك تضامن وتماسك في المجتمع اللبناني، وهذا ضروري لأن تضامن الشعب اللبناني إزاء التهديد الحاصل حالياً والذي يمكن حدوثه مهم جداً والشعب اللبناني أظهر هذا التضامن بعد العمليات الارهابية أخيراً وينبغي الاستمرار في ذلك الى ما بعد تقرير ميليس».

الى ذلك، توقع مصدر دولي ان يسلم تيري رود لارسن تقريره عن تقدم تنفيذ القرار 1559 الى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان في 19 الشهر الجاري، معتبراً ان انان سيقرر متى سيقدمه لمجلس الأمن اذا كان قبل أو بعد تقرير ميليس. فالأسرة الدولية تفضل إبعاد القرار 1559 عن القرار 1595. واضاف المصدر ان محادثات لارسن في مصر مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي اكد انه لا يسيطر على العناصر المشاغبة التي تدخل المخيمات الفلسطينية في لبنان لكنه أبدى استعداد ونية كاملة للنظر في الموضوع ومنع مثل هذه العناصر من القيام بزعزعة استقرار لبنان.

الى ذلك، علمت «الحياة» ان لارسن سيشير في تقريره حول التقدم في تنفيذ القرار 1559 الى ان ثلث الطريق الى تنفيذه أنجز، وسيرتكز التقرير الى النقاط الثلاثة من القرار 1559: الانسحاب السوري (مظاهر الوجود السوري الجلية في لبنان قد أزيلت فعلاً ولكن يبقى المخفي والغير ظاهر من هذا الوجود وهذا يتطلب المزيد من العمل لإزالته)، النقطة الثانية السيادة، وهناك عمل كبير مطلوب من اللبنانيين بالنسبة لاجراءات الاصلاح وأخذ زمام الأمور السياسية من تعيينات الى غيرها من ضروريات الحياة اللبنانية السياسية بعد الفراغ السياسي الذي حدث غداة الخروج السوري. أما بالنسبة للميليشيات، وهي النقطة الثالثة، فهذا موضوع مؤجل الى نهاية البحث في تنفيذ القرار 1559.

سيناريوهات امام الأسد ارجحها التضحية بقريبين

الـ"ايكونوميست" في تقرير من دمشق:
3 سيناريوهات امام الأسد ارجحها التضحية بقريبين

أوردت مجلة الـ"ايكونوميست" البريطانية الاسبوعية في عددها الحالي تقريراً من دمشق يفيد ان سوريا رضخت "بعد تأجيل طويل" لطلب رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس استجواب مسؤولين امنيين عملوا في لبنان والمسؤولين عنهم في دمشق بمن فيهم شقيق الرئيس السوري قائد الحرس الجمهوري ماهر الأسد وصهر الرئيس الأسد رئيس جهاز استخبارات الجيش آصف شوكت.

ونسبت المجلة الى مراقبين في دمشق ان ثمة ثلاثة سيناريوهات امام الرئيس الأسد للتعامل مع التطورات المرتقبة من التحقيق الدولي:

- الاول يقول بـ"عقد صفقة بين النظام السوري والولايات المتحدة والمحققين الدوليين يضحي بموجبها ببعض الرؤوس مثل قادة المخابرات الذين عملوا في لبنان وفي مقدمهم العقيد رستم غزالة وتقديمهم الى المحاكمة، كما تستجيب سوريا سائر المطالب الاميركية (...)، وفي هذا السيناريو يكون "حزب الله" هو "الضحية التالية "استجابة لقرار مجلس الأمن (1559) الذي يدعو الى تجريد الحزب من سلاحه.

- السيناريو الثاني، يختار النظام السوري "مواجهة محاصريه مما قد يؤدي الى انهياره عاجلاً".

- السيناريو الثالث، ويدعى سيناريو "العقرب المحاصر الذي يلدغ نفسه عندما تحاصره النيران، وبتعبير آخر يسقط النظام بموجبه بانقلاب داخلي".

وتخلص المجلة الى القول انه "اذا كان تقرير ميليس يعني ان على الاسد التخلي عن بعض اقوى مستشاريه واقربهم اليه أو تسليمهم الى المحكمة، فإن هذا السيناريو هو الأكثر احتمالاً. ولكن في الوقت الراهن الأمر الأكيد الوحيد هو استمرار الشك".

صفقة هادلي" في تركيا: رأس "العمال" مقابل سوريا

أردوغان رفض استخدام "أنجيرليك" واستضافة المعارضة

"

صفقة هادلي" في تركيا: رأس "العمال" مقابل سوريا

أنقرة حسني محلي:

الخليج

كشف مسؤول تركي أن مستشار الأمن القومي الأمريكي ستيفان هادلي طلب الأسبوع الماضي من الحكومة التركية السماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة أنجيرليك ضد سوريا واستضافة قوى المعارضة السورية في تركيا.

وقال نائب رئيس حزب الطريق الصحيح، والسفير التركي السابق في واشنطن شكري ألكداغ، إن هادلي، خلال لقائه برئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ورئيس الأركان الفريق أول حلمي أوزكوك، أقترح عليهما صفقة عسكرية تبدأ بموجبها واشنطن عمليات عسكرية ضد عناصر حزب العمال الكردستاني التركي شمال العراق مقابل تنسيق وتعاون تركيين معها ضد سوريا.

وأشار ألكداغ إلى أن الاستخبارات الأمريكية تستخدم “حزب العمال” لقلب نظام الحكم في سوريا، وشدد على أن السبب الرئيسي لزيارة هادلي كان مناقشة الخطة المرسومة من واشنطن لإطاحة نظام الأسد. وقالت مصادر حكومية إن أردوغان رفض الاقتراح الأمريكي، مشيرا إلى العلاقات الجيدة بين سوريا وتركيا وأهميتها في إقناع الرئيس بشار الأسد للقيام بالمزيد من الخطوات السريعة على طريق الإصلاحات الديمقراطية.

وكانت المعلومات الصحافية قد تحدثت عن مساعي المسؤولين الأمريكيين لإقناع حكومة أردوغان بضرورة الابتعاد عن دمشق، خصوصا في هذه المرحلة التي تسعى فيها واشنطن لإيجاد البديل للرئيس السوري بشار الأسد. وقد تحدث هادلي في أحاديثه المغلقة مع الإعلاميين الأتراك عن العديد من البدائل، بمن فيهم رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، طالما هو مستعد للتعاون مع واشنطن وحلفائها في المنطقة. كما أشار إلى حوار الإدارة الأمريكية مع أطراف سورية معارضة، بمن فيها بعض الإسلاميين المعتدلين وقيادات عسكرية واستخباراتية سورية متقاعدة أو عاملة الآن.

وقالت مصادر دبلوماسية إن موضوع سوريا أصبح الموضوع الرئيسي في جدول أعمال جميع المسؤولين الأمريكيين، الذين زاروا أنقرة طيلة الشهر الماضي، وفي مقدمتهم هادلي، ولفتت المصادر إلى استمرار الرفض التركي لكل المطالب الأمريكية الخاصة بسوريا مع التأكيد على أهمية استمرار التوصيات التركية للرئيس بشار الأسد بضرورة الحوار مع واشنطن والتهرب من المواقف الاستفزازية ضده

أهل المراتب يعلنون عن المكاسب.. والجماهير تعلن النفير

2005-10-01

أهل المراتب يعلنون عن المكاسب.. والجماهير تعلن النفير

حينما يكون صديقنا أبو الجود منزعجاً من أمر ما فإننا نسمع منه أحلى الكلام، وأجمل الأنغام. دخل علينا قبل أيام والتعب باد عليه، مسح عرقه بمنديله، وقال: أخي الشعب السوري محظوظ. صحيح أن الأرض لدينا لا تنبع نفطاً، وليس لدينا فلزَّات ثمينة،

وأراضينا الزراعية لا تعطي أكثر مما نحتاجه، وأحيانا لا تكفي لحاجتنا فنضطر للاستيراد،.. ولكن المسؤولين لدينا، بذكائهم الذي يوشك أن يطوف على رؤوسهم، أغلى على قلوبنا من النفط والفلزات والثروة الزراعية والحيوانية!

سألناه عن سر هذا الاكتشاف الخطير فقال:

- خذ المدينة الجامعية بحلب مثلاً. ( ولست أدري إن كانت المدن الجامعية الأخرى في سورية مثلها ). إنها مثال يحتذى لحُسن التنظيم والتدبير والإدارة. ففي نهاية كل عام دراسي يقول أصحابُ المراتب والمناصب في المدينة للطلاب والطالبات الذين يشغلون غرفها:

- يا الله يا ابني، شيلوا كراكيبكم وقراقيعكم، وافرقونا برائحة طيبة!

فيقف الطلاب، وقفة الرجل الواحد، ويبدؤون بالتزاحم والتدافع عند أبواب الوحدات السكنية، هذا معه بيك آب زراعي، وذاك تنتظره في الخارج سيارة عمومية عتيقة، والثالث بطريزينة شاحنة، والرابع يحمل قراقيعه على كتفه، ويغادرون المدينة.

وفي مطلع السنة الدراسية التالية يتوجه المئات من الطلاب من حاملي الكراكيب والقراقيع إلى المدينة الجامعية، وفي اعتقادهم أن العودة إليها سهلة، خاصة وأن بعضهم ليس مستجداً، بل من طلاب السنوات الثانية وحتى السادسة. فيصيح بهم أصحاب المناصب والمراتب: ستوب. أين هيك طاحشين؟ مفكرين الرجعة إلى الحَمَّام مثل الخروج منها؟

وعلى ذكر الحَمَّام فإن الطلاب العائدين إلى مدينتهم يتحدثون، في تلك الهنيهة، كما تتحدث النسوة في حَمَّام السوق فور انقطاع المياه عن الجرون. باختصار يقولون لأصحاب المراتب: فماذا نفعل إذن؟

فيقول أصحاب المراتب: كل واحد لازم يقدم طلباً جديداً، وينتظر حتى تصدر القوائم. وليس شرطاً أن يرجع إلى غرفته السابقة، وليس شرطاً أن يقعد مع زملائه الذين كانوا معه السنة الماضية، وليس شرطاً أن تطلع له غرفة من الأساس!

ههنا يُعاد سيناريو مطلع العام الدراسي السابق، مع شوية فوضى إضافية تلائم التطور، وعلى النحو الآتي: كل طالب يتدبر سبعَ أو ثماني واسطات، من الحزب، والمحافظة، والمكتب التنفيذي، والمخابرات السياسية، والعسكرية، والجوية، وأمن الدولة، والوزراء، ورئاسة الوزراء، حتى تطلع له غرفة، ثم يتدبر نفس النسبة من الواسطات حتى يسمحوا له بمساكنة أخيه، أو زملاء السنة الماضية، وتحتدم الاتصالات، بالأرضي والخليوي، ويبلغ الازدحام عند أبواب المسؤولين وأبواب المدينة أشده على مدى شهر زمان، وبعدها تنتظم الأمور، في انتظار نهاية السنة.

قال أحد الموجودين: بشرفي يا شباب كل شي حكاه أبوه الجود يتكرر معي بخصوص بناتي منذ ثلاث سنوات وحتى الآن.

سر أبو الجود لهذا التعليق، وأضاف:

- إن ما يميز ذكاء المسؤولين في المدينة الجامعية عن غيرهم من المسؤولين هو أنهم يصنعون هذه الفوضى مرتين في السنة، وفي مواعيد ثابتة. وفضت يا عرب!

قلنا لأبي الجود: من تقصد بغيرهم؟

قال: كلما خطر لمسؤول في الدولة أن يحمل رمحه الرديني ويمتطي حصانه الأشهب ويسحب وراءه تابعه سانشو، ويذهب لمحاربة البطالة، تبدأ الشوارع الرئيسية في المحافظات بالاختناق. لقد وعد الصندوق الوطني لمكافحة البطالة العاطلين عن العمل، قبل سنوات، بقروض طويلة الأجل ليؤسسوا بها لمستقبلهم، شريطة أن يتقدموا بوثيقـة تثبت عطالتهم عن العمل، ( وكأن عطالتهم تحتاج إلى إثبات! ) وهي وثيقة غير عامل، وكان اسمها قبل تطبيق قانون العاملين الموحد وثيقة غير موظف. وكانت تؤخذ من دمشق حصراً، ثم حولت إلى صلاحيات مؤسسة البريد، وفروعها في المحافظات. فأعلن المئات من الرجال النفير وتجمعوا أمام مبنى البريد، ولمدة لا تقل عن عشرة أيام، انتقلوا بعدها إلى الشارع الذي تقع فيه دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل، مكررين مشهد الازدحام وقع الشارع نفسه، لأن الصندوق الوطني لمكافحة البطالة نفسه قد اشترط على كل من يرغب بالاستفادة من خدماته أن يكون مسجلاً في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل.

قال أحد الموجودين: مع احترامي لرأيك أخي أبا الجود، لا بأس بشوية تعب إذا كان الواحد سيتخلص من البطالة في المحصلة.

ضحك أبو الجود وقال: إن تخلصهم من البطالة يشبه مسابقات تعيين معلمات الفنون في المحافظات. تصوروا، ذات مرة أرادوا أن ينتقوا خمسين معلمة فنون، في محافظة إدلب، فهبت العشرات من خريجات معاهد الفنون في المحافظات الأخرى إلى إجراء معاملات نقل نفوس إلى إدلب، وبلغ عدد المتقدمات نحواً من ثلاثة آلاف معلمة تزاحمن على مدار يومين أمام مركز الفحص، الشفهي والتحريري، وتحركت حوالي خمسة عشر ألف واسطة لأجلهن، بمعدل خمس واسطات للمتقدمة الواحدة، وذهبت ثلاثة آلاف رسالة إلى المحافظات الأخرى بقصد الحصول على الدراستين الأمنية والحزبية، وبعد شهور طويلة وجد القائمون على المسابقة أن الواسطات الكبرى ( عدا الفراطة ) أكثر من العدد المطلوب، ولا يمكن إرضاؤها جميعاً، فقرروا إلغاء المسابقة، وحصل من بعد شيء اسمه ( نقل النفوس المعاكس )!

قلت لأبي الجود: أنت لا تفوتك فايتة ولا كعكة بايتة!.. ولكن هل لنا أن نفهم سر تدفقك علينا مثل سيل العَرِم؟

قال: هذه آخر سنة لابنتي الصغرى في كلية التربية. استأجرتُ سيارة شاحنة صغيرة ونقلت لها كراكيبها وقراقيعها إلى المدينة الجامعية بحلب. في العودة، تذكرت أستاذنا محمد الماغوط حينما كان ينزعج من أهل وطنه فيحرد ويركب في مقدمة الطيارة لكي يكون أول الخارجين من الوطن. أنا فعلت مثله. قلت لنفسي: سافر يا أبو الجود بالتكسي، وكلها 50 ليرة زيادة لن تخرب بيتي. المهم، وصلنا إلى نصف الطريق وإذا بحبل من السيارات، لا يقل طوله عن ثلاثة كيلو مترات، يمتد ما بين كازية على اليمين، والطريق العام. وزيادة في النكاية صف سائق التكسي سيارته في آخر الحبل. صحنا فيه نحن الركاب ( يا خيو، يا عيني، يا روحي، مشينا ) فتبسم وقال:

- البنزين لا يوصلنا إلى البلد، هل تحبون أن ننقطع على الطريق؟

وخلال الساعة ونصف الساعة التي استغرقتها عملية ملء الخزان بالبنزين ناقشنا نحن الركاب أزمة المازوت والبنزين التي تختتم حكومةُ العطري بها عهدها الميمون. وقال أحدهم إن الهدف من صنع هذه الأزمة هو مكافحة التهريب وخاصة إلى تركيا حيث سعر المازوت يعادل ثماني أضعاف سعره عندنا. وقال آخر: عجباً! أهكذا يكافح التهريب؟ ثم من هم المهربون الحقيقيون في هـ .. ؟

وقطع الراكب حديثه ونظر إلينا بارتياب وقال: أنا أيش بدي بهذا الحكي الفاضي؟ أنا آسف.

قلت لأبي الجود: وبعد، هل بقي عندك ما تقوله؟

قال: لدي شيء من النوع المضحك المبكي. أنتم تعلمون طبعاً أن في البلد، أزمة إسمنت أيضاً، والازدحام والتدافع عند باب مؤسسة العمران أكبر بكثير منهما في أي مكان آخر. المضحك في الأمر أن أزمة الإسمنت كانت محلولة في ظل عمليات التهريب المستمرة بين سورية وتركيا. فقد كان سائقوا الشاحنات التركية يأتوننا بالاسمنت التركي وكلهم أمل أن يرجعوا إلى بلادهم محملين بالمازوت السوري الأرخص من الفجل!

فهمتوا بقى سيدي، على قولة المرحوم فهد كعيكاتي، ولا ما فهمتوا بقى سيدي؟

خطيب بدلة - سيريانيوز

اتسع الخرق على الراقع يا فخامة الرئيس

اتسع الخرق على الراقع يا فخامة الرئيس

الطاهر إبراهيم

أخبار الشرق

في الوقت الذي يؤكد فيه إعلام النظام السوري أن تحقيقات القاضي "ميليتس"، انتهت إلى أن ‏سورية بريئة من اغتيال الرئيس "رفيق الحريري" براءة الذئب من دم "يوسف" عليه السلام، ‏يؤكد تتابع الأحداث أن النظام السوري يفقد أوراق البراءة، - ولا نقول أوراقا أخرى حفاظا ‏على نظافة القلم الذي نكتب به - ورقة بعد أخرى، ويوما بعد يوم.

ولعل زيارة الرئيس السوري الخاطفة إلى القاهرة يوم 25 أيلول ولقاءه الرئيس "مبارك" ‏تؤكد ما ذهبنا إليه، وتفصح، من دون كلام، عن استمرار انحدار سفينة النظام السوري في ‏أعماق محيط الأزمة. وأن هذا النظام لم يعد يجد أي قارب نجاة يمكن أن يقفز إليه ليعبر ‏فيه إلى شاطئ النجاة. ومع أن الكل يعلم أن الرئيس مبارك لم يكن في أي يوم مضى طوق ‏نجاة لأحد حتى الآن، فإن الرئيس السوري لم يجد أمامه إلا هذا الخيار الخاسر. ‏

عندما يُبْعدُ عن مسرح السياسة في سورية أصحاب العقول النيرة – ولا أعني بهم عواجيز ‏النظام الذين كانوا شهود زور فقط، وتم إسقاطهم في المؤتمر القطري الأخير - من أبناء ‏الوطن. بل كانوا ينفون خارج الوطن، أو يلقون في غياهب السجون، هذا إذا نجت رقابهم ‏من مقصلة قانون الذبح رقم 49 لعام 1980، فلا يبقى في الساحة إلا ضباط أجهزة الأمن، ‏الذين عاثوا في الوطن فساداً. في هذا الجو ما عاد ينفع استجداء الحلول من جيب من لا ‏يملك حلاً لمشاكل دولته مثل الرئيس حسني مبارك، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. وقديماً قال ‏الشاعر (مع بعض التصرف)‏:

‏المستشير "فلاناً" عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار‏

بل إن الشعب المصري يتظاهر كل يوم احتجاجاً، بعد أن ضاق ذرعا بممارسات مافيا ‏الفساد في مصر. صحيح أن "مبارك" أعلن،على لسان المتحدث باسمه "سليمان عواد"، أنه ‏يعارض أي محاولة لعزل سورية. ولكنه لم يستبعد أن تكون سورية متورطة في جريمة ‏اغتيال "رفيق الحريري" عندما عارض توجيه اتهامات إليها بوقوفها خلف اغتيال الحريري ‏إلي أن يصدر تقرير الأمم المتحدة في هذا الخصوص.

الرئيس السوري يجري وراء سراب، ويبحث عن الحلول في غير مظانها، بعد أن أضاع ‏‏"بوصلة" الطريق باعتماده على أجهزة الأمن التي ظن أنها يمكن أن تحمي النظام من غضبة ‏الشعب، إذا ما طفح به الكيل. ‏

ومع أن الشعب السوري هو المتضرر من سياسات النظام الخاطئة، ومع أنه ذاق الأمرين ‏من قمع النظام واستبداده، وهو يحتمي بالمظلة الأمريكية طيلة ثلاثة عقود ونصف، فإن ‏الرئيس، ومن قبله والده، لم يجرب ولو لمرة واحدة أن يستمزج رأي هذا الشعب في ما تمر ‏به سورية من أزمات. ولذلك، فإن المواطن السوري يقف الآن متفرجاً، ومتألماً أيضاً، وهو ‏يرى هذا النظام يتخبط خوفاً من أن يحل به غضب أمريكا في أي لحظة.

الكل كان ينتظر من الرئيس أن يعود إلى الشعب، وأن يصارحه بالأزمة التي تمر سورية ‏بها، وأن يقبل بالدعوة إلى المؤتمر الوطني الذي دعت إليه كل أطياف المعارضة، فيشترك ‏الجميع في هذا المؤتمر، لا يُستثنى منه أحد. وماعدا ذلك فإنه لعب في الوقت الضائع، وقد ‏كان هناك كل الوقت لو أن النظام كان فيه رجل رشيد.

البعض يقول: إن الرئيس غير مدرك لحجم الأخطار التي تهدد الوطن، بعد أن ضمن ولاء ‏الجيش والأجهزة الأمنية بما أجراه من تعديلات حصرت النفوذ في هاتين المؤسستين في ‏أيدي أقربائه وخلصائه. وهاتان المؤسستان، تحت إشراف قياداتها الجديدة، قادرتان على ‏سحق أي معارضة.

البعض الآخر يقول: إن الرئيس ما يزال يراهن على أن أمريكا غير جادة في تهديداتها؛ ‏لأنها ببساطة لا يمكن أن تجد في ما هو ظاهر على السطح من قوى سورية، بمن فيها كل ‏فصائل المعارضة، من يقبل أو يستطيع أن ينفذ ما تريده مثل النظام الحالي.

ويبقى هناك بعض آخر يقول إن ذهاب الرئيس إلى مصر القصد منه هو جس نبض الرئيس ‏‏"حسني مبارك" إن كان لديه علم في ما تنويه أمريكا؟ وبنفس الوقت يطرح أمامه استعداده ‏للذهاب مع أمريكا إلى آخر الشوط، وهل هناك في جعبة الرئيس مبارك أية دعوى لعقد ‏لقاء في "شرم الشيخ" يكون فيه الرئيس بشار أول الحاضرين. ‏

ونحن نذكر الرئيس بشار الأسد بالمثل "العليق عند الغارة ما ينفع"، وأن الخرق قد اتسع على ‏الراقع يا فخامة الرئيس.

‏__________

* كاتب سوري معارض يعيش في المنفى

سوريا والمقاومة العراقية: الخيط السري

سوريا والمقاومة العراقية: الخيط السري


بشير البكر


لو لم يمتدح الجنرال نورمان شوارسكوف قائد عملية عاصفة الصحراء سنة 1991، العميد السوري علي حبيب لدوره في تحقيق الاختراق القاتل في خطوط القوات العراقية، لكان على المرء أن يأخذ على محمل الجد الخطاب السوري الذي يتصنع الغيرة على العراق اليوم. لو لم تقف" سوريا الاسد" بكل ثقلها الى جانب ايران طيلة سنوات الحرب العراقية الايرانية، لكان من الممكن اعتبارها اليوم حريصة بالفعل لا بالقول، على استقلال العراق وعروبته. لكن للأسف، ان كلام الحكام السوريين يذهب ادراج الرياح، عدا عن انهم يتحملون قسطا اساسيا من المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتق حكام العراق السابقين في ما يتعلق بالحالة المأساوية، التي بلغها هذا البلد عشية الاحتلال الاميركي.

ليس صدام حسين وحده المسؤول عن استدراج الاحتلال الاميركي للمنطقة، بل كذلك رفاقه حكام دمشق الذين ساهموا في تسعير نار الحرب مع ايران، ولم يساهموا في المجهود الذي كان يهدف لمنع اجتياح الكويت. لقد كانت النتيجة في الحالين تسخير امكانيات سوريا من اجل استنزاف هذا البلد الشقيق، وتبديد قدراته البشرية والاقتصادية في مغامرتين ضارتين.

يعرف المتابعون لحروب الأخوة الأعداء ان المبرر الذي ساقه حكام دمشق لهذه المكائد، التي كلفت غاليا كان ضربا من العبثية التي لا تليق بصاحب خطاب قومي عروبي. فهم كانوا يرون ان اضعاف العراق يمنعه من توجيه قدراته لاسقاط الحكم في سوريا. ان جانبا من هذا الفهم يندرج ضمن منطق الصراع التاريخي والدموي ما بين اجنحة حزب البعث، الذي استولى على الحكم في سوريا والعراق عن طريق الانقلابات.

ان الجديد في الأمر اليوم، هو ان دمشق تتبنى خطابا يريد اقناع العالم بانها تساند العراقيين من اجل تحرير بلادهم من الاحتلال الاميركي، وتضع كل ثقلها من اجل منع تقسيم العراق. ان المقصود من ذلك هدفين: اولا، انها معنية بمساندة المقاومة العراقية المسلحة، وقد شهدت بعض المدن السورية مؤخرا، ومنها دمشق تظاهرات منددة بالاحتلال الاميركي ترفع شعارات تدعو الى دعم المقاومة في العراق. وليس سرا ان بعض المناطق السورية تشهد مظاهر تضامن فعلية مع المقاومة ابعد بكثير من التظاهر، وخصوصا في المنطقة الشمالية الشرقية (دير الزور، الحسكة، القامشلي) حيث التداخل القبلي كبير جدا، لاسيما بين افخاذ عشائر الجبور الذين يشكلون اكبر قبيلة في المنطقة، من العراق مرورا بسوريا وحتى السعودية. ثانيا، انها تقف ضد "مشروع الفيدرالية" الذي يتبناه حلفاؤها السابقون، في مرحلة العداوة مع النظام العراقي السابق. هؤلاء الحلفاء هم الاكراد والشيعة الذين اتخذوا من دمشق قاعدة لهم لعدة عقود من اجل العمل ضد بغداد. لكن من سخريات القدر ان هؤلاء الذي استضافتهم العاصمة السورية بكرم بالغ، حيث فتحت لهم المكاتب الاعلامية والعسكرية، ودربتهم وزودتهم الاسلحة وجوازات السفر، كانوا أول من قفز الى ظهر الدبابة الاميركية التي دخلت بغداد. والسؤال: هل دمشق قلب العروبة النابض كانت على جهل بنوايا جلال الطالباني ومسعود البرزاني، في حين ان العالم كله كان يعرف ان برنامج الحد الأدنى لأكراد العراق هو الفيدرالية؟

ان دمشق تريد من الناس ان يصدقوا انها تدعم المقاومة العراقية اليوم من منطلق وطني لا غبار عليه، وضمن توجه عروبي لافشال الهجمة الاميركية الاسرائيلية على المنطقة. وتريد ايضا اقناع الناس ان استهدافها من قبل الولايات المتحدة انما سببه رفضها التعاون معها في العراق. كان يمكن لهذا الخطاب ان يكون منسجما مع نفسه، ولا يسقط في التبسيط والسهولة، لو ان سياق المواقف السورية تجاه العراق منذ ثلاثة عقود كانت على غير ما هو معروف. لا يمكن في اي حال من الاحوال تناول الموقف السوري الراهن من العراق دون ربطه بسياقه التاريخي، وبالتالي،ك ما اشرنا اعلاه ان مسؤولية سوريا عن وصول العراق الى الوضع الصعب ليست محل نقاش، ولا تحتاج الى براهين، اذ تكفي جردة حساب تاريخية ليتبين حجم الأخطاء السورية القاتلة.

لم يسبق لدمشق ان سمحت لحركة سياسية أوغير سياسية بحرية العمل والنشاط، كما هو الحال مع الهيئات التي تطلق على نفسها "لجان نصرة العراق"، من دون ان تطمح من وراء ذلك لتحقيق اهداف خاصة بسياساتها اولا. ينطبق ذلك على التنظيمات الفلسطينية وغير الفلسطينية، وكان التنظيم يبتعد او يقترب من قلب القيادة السورية تبعا لاحترامه لمعادلة دقيقة تحددها الاجهزة، تقوم على اسداء الخدمات. ووفقا لهذه التقاليد تماهت بعض التنظيمات مع اهداف السياسة السورية الى حد العمل وفق توجيهات اجهزة الامن، او تعارضت معها الى درجة القطيعة كما حصل مع بعض التنظيمات الفلسطينية. ان الحكم السوري الذي بدا عاجزا يوم 24 سبتمبر عن احتمال اجتماع خمسين ناشطا سوريا في اطار حقوق الانسان، لا يمكن أخذه على محمل البراءة حين يسمح بتظاهرات في نفس اليوم لـ"لجان نصرة العراق"في غالبية المدن السورية. ومن نافل القول ان أحد شروط نجاح دعم المقاومة في العراق هو تحصين المجمتمع السوري، ولا يأتي ذلك قبل احترام حقوق الانسان.

يقع الحكم السوري في تناقض كبير حين يسمح للسوريين بالتظاهر لدعم المقاومة العراقية، ويمنع عنهم في نفس الوقت عقد اجتماع سلمي للجان حقوق الانسان. انها ليست المرة الاولى التي تنقلب فيها الآية. فالسوريون عاشوا تحت حكم قوانين الطوارئ، وصبروا طيلة العقود الماضية على مصادرة حقوقهم في الديمقراطية تحت بند "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". ومن المحزن في نهاية المطاف ان عيوننا لم تكتحل لا بالتوازن الاستراتيجي الذي كلف شعب سوريا غاليا، ولا حتى بغبار المعركة الموعودة، ولا بنسائم الديمقراطية. وها نحن اليوم مضطرون ان نصفق لعرس جديد اسمه المقاومة العراقية، وان ننسى بسبب همروجة التحرير مشاكل بلادنا.

شفاف الشرق الأوسط

لماذا سوريا...!

لماذا سوريا...!

د.احمد عارف الكفارنة

ان نسى الاخرون فالتاريخ حسابه عسير لايرحم، ربما هذه العبارة البسيطة التي يعرفها الجميع ذكرتني بقصة احتلال فرنسا للجزائر, فحين اقدم الفرنسيون على احتلال الجزائر عام 1830 وقف حاكم تونس انذاك حسين باي موقفا حياديا حين جاء اليه المجاهدين من الجزائر يطلبون العون والمساعدة فردهم واتهمهم بانهم ارهابيين لمقاومتهم الاحتلال الفرنسى الذى سوف يستقبله الشعب الجزائرى بالورود! ولم يكتفي بذلك بل ارسل وفدا لتهنئة المارشال "بورمون" قائد الحملة الفرنسية لانتصاره على حاكم الجزائر واحتلاله لها, وبعد ذلك بسنوات اقدمت فرنسا على احتلال تونس.

والسؤال هل التاريخ يعيد نفسه فى الشرق العربى هذه الايام من خلال احتلال العراق؟

والسؤال هل يوجد امثال حسين باى فى الوطن العربى؟

والجواب اتركة للقارىء, غير أن الموقف السوري اختلف عن موقف حسين باي حاكم تونس فلم تفتح سوريا اراضيها امام جحافل القوات العسكرية الامريكية والبريطانية وقطعان التحالف كما لم تطلق العنان لاعلامها أن يبرر ما قامت به الولايات المتحدة الامريكية ضد العراق وشعبة كما أن الشعب السورى تقاسم لقمة العيش سوية مع الاخوة العراقيين الذين هربوا من نير الاحتلال الامريكى. هذه المواقف جعلت سوريا تحت سندانة الضغط الامريكي المتواصل منذ احتلالها العراق. وبالرغم من ذلك تدرك سوريا أن اسرائيل هي اهم محدد للعلاقات بين اية دولة والادارة الامريكية وادراك الادارة الامريكية ومن خلفها خبراء البنتاغون انها من خلال احتلالها العراق لم تستطيع أن تغير أي نظام سياسي في المنطقة جعل الادارة الامريكية تقع فى صلب الجدل الدائر فى دوائرها ما الذى جنته من خلال حربها على العراق؟

وهل تكاليف الحرب غطت مانهب من ترول وثروة العراق!

وهل ادرك حلفاء الامس القريب مدى ضراوة المقاومة العراقية حين صرح بالامس تونى بلير رئس وزراء بريطانيا انة لم يكن يتوقع مدى ضراوة المسلحين داخل العراق!

وهل ادركت الولايات المتحدة أن هناك انظمة سياسية لم تعطي الفرصة لها في اعادة رسم خريطة المنطقة كما تريد؟

سوريا ليست الدولة التي من السهل القفز فوقها او الغاء دورها في المنطقة فعلى الولايات المتحدة أن تدرك تماما أن الشعوب العربية متاثرة بما يمثله الانحياز الامريكي الواضح لاسرائيل والكيل بمكياليين فى شرعية القوانين الدولية ,ومن هنا تكّون فى ذهن المواطن العربى الانطباع الذى يقول أن سوريا هى الدولة التى لا زالت تحمل الراية خفاقة رغم اصرار الادارة الامريكية على محاسبتها لمواقفها الوطنية والسعي لا حكام العزلة السياسية عليها بدءا من قانون محاسبة سوريا الى قرار1559 والقاضي بخروج القوات السورية الى اشارات الرئيس الامريكي مؤخرا بمسالة ضبط الحدود العراقية السورية واتهام سوريا بتدريب اشخاص وتهيئتهم لدخول العراق من اجل المقاومة. ان سوريا تدرك تماما أن الامريكيين يحاولون أن يجدو المبررات لمازقهم في العراق لذلك تسعى الادارة الامريكية الى تصدير ازماتها الى دمشق لتغطية فشلها الذريع والواضح في العراق وهذا التخبط السياسى الغير مفهوم الدلالات, ولعل الانتقاد العلنى الذى وجّهه علنا اقرب حلفاء الامس المملكة العربية السعودية والذى حاء على لسان وزير خاريجيتها الامير سعود الفيصل حين قال أن الولايات المتحدة تسعى لتسليم العراق الى ايران خير دليل على ما نقول. أن سوريا تدرك تماما اللعبة الامريكية لذلك سعت الى تكثيف علاقتهامع دول الجوار والتعامل مع الحدث بصورة موضوعية وواقعية بناء على فهم وادراك لواقع المنطقة لذلك انسحبت من لبنان, لان بقائها في لبنان سوف يعطي الذريعة للطابور الفرنسي(زعماء قرنة شهوان) في لبنان لتدويله والمطالبة بانشاء قواعد فرنسية و امريكية في المناطق المناهضة للوجود السوري في لبنان، وكذلك يتطلب بقاء القوات السورية منها الضغط عليها لتجريد حزب الله حليفها من اسلحته. وبالرغم من ذلك تسعي سوريا لبناء الحد الادنى من التوازن مع اسرائيل وذلك بمحاولة الحصول على السلاح الروسى من خلال صفقة الصواريخ الاخيرة التي عقدتها سوريا مع موسكو مؤخرا, الا أن سوريا تدرك تماما صعوبة تساوى ميزان القوى لما يتلقى الطرف الاخر من مساعدات واسلحة متفوقة وحديثة, ورغم ذلك فهى ماضية في حماية نفسها بقدراتها الذاتية وتطوير قواتها وتقوية وضعها الداخلي وادراك المتغيرات المتلاحقة, وقد تكون الاشارات التي خرجت من المؤتمر القطري العاشري للحزب الحاكم في سوريا خطوات في غاية الاهمية تبّشر بالمزيد من الخير والاستقرار والتقدم والمزيد من تلاحم وتكاتف الجبهة الداخلية من خلال الفصل التام بين الحزب والسلطة التنفيدية بعد تعديل قانون الطوارئ واعادة النظر في بعض مواد الدستور, فرئيسها الشاب الدكتور بشار الاسد يمتلك رؤوى اصلاحية وصاحب مشروع اصلاحي طموح لتطوير وادخال التكنولوجيا المتطورة والنهوض الجاد فى اقتصاد سوريا وقد اثبت جدارته من خلال فرض ديناميات التغيير والتصدى لقيادة عجلة التطور والتقدم .ا ن على الولايات المتحدة أن تدرك أن سوريا لن تقدم على خطوات غير محسوبة تماشيا مع الهوى الامريكي من اجل اعادة هيكلة المنطقة حسب المقاييس الامريكية (الشرق الاوسط الكبير) رغم كل هذة الضغوط والتى أن استجابت لها فنحن ندرك انها عن مضض, وعلى الولايات المتحدة ان تدرك أن سوريا هي الرقم الصعب الذى يجب أن تجيد التعامل معه في المنطقة والذي بدونه لن يكون هناك سلام حقيقي في المنطقة سواء فى العراق او فى منطقة الشرق الاوسط ككل، فسوريا لازال جزء من ارضها محتل من قبل اسرائيل التى تتجاهل حقائق المنطق والتاريخ والصراع فى المنطقة, رغم أن سوريا تنشد السلام الحقيقى القائم على اعادة الحقوق لاصحابها, وسوريا هى الامتداد والعمق للعراق وسوريا هى المعنية باستقرار المنطقة قبل غيرها واخيرا على الولايات المتحدة أن تدرك ان سوريا لايوجد فيها حكام امثال حسين باى.



د.احمد عارف الكفارنة

مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

النظام والقضية

النظام والقضية

حازم صاغيّة

الحياة

أنذرت محاولة اغتيال الزميلة مي شدياق، في ما أنذرت، بحدود العناد التي يبلغها التمسك بوضع قائم ما، ومدى الثأرية والانحطاط اللذين يبديهما المتمسكون بوضع كهذا. وهما ثأرية وانحطاط انطلقا، وينطلقان، هائجين مسعورين، عاجزين حتى عن خدمة الأهداف المفترضة التي يتوخّاها المرتكبون. والعناد، أقلّه هنا، هو وقوف في وجه ما لم يعد منه بدّ، وتعويل على تذليل الواقع ومعطياته بالارهاب. وهذا، بالمناسبة، أحد أبرز أهداف الارهاب.

فكيف متى انطوى الوضع، الذي يراد له أن يبقى، أو يراد الحؤول دون تحوله في وجهة واعدة، على هيمنة تمارسها دولة على دولة أخرى؟

ولنقل، بلغة أوضح، ان اخراج الجيش والنفوذ السوريين من لبنان كان، وسوف يكون، مكلفاً ومؤلماً ودموياً. وليس من سابقة معروفة تنمّ عن أن نظاماً مأزوماً، وتوسعياً بطبيعته، ينسحب هكذا، بطيبة خاطر، من البلد الذي يصرّف أزماته فيه. ولا بأس بالتذكير بالآلام والأكلاف الدموية التي استدعاها تمهيد الوضع اللبناني وتجهيزه لوفادة الجيش والنفوذ السوريين: توسيعاً للتناقضات اللبنانية - اللبنانية، واللبنانية - الفلسطينية، وتأسيساً لتناقضات جديدة كلما لزمت حاجة الجيش والنفوذ المذكورين للبقاء والتمكّن.

واذا كان بديهياً التمنّي ان تقلّ عذابات الخروج عن عذابات الدخول، بقي أن نلاحظ العود على بدء الخطة الأولى، عبر ضخّ المخيمات وغير المخيمات بالأسلحة، تماماً كما كان يحصل قبيل اندلاع الحرب. فالحنين هذا الى الماضي يكمّل التوق الى منع المستقبل على ما تشي محاولة الاغتيال الأخيرة بعد الاغتيالات والمحاولات السابقة.

لكن ما ينبغي التحذير منه، خصوصاً ان أجواء التحقيق تغري بالوقوع فيه، هو الانحراف نحو نقاش تقني. ذاك ان الأحداث الجرمية لا تقف خارج نظام بعينه، فيما النظام المذكور ليس منزّهاً عن قضايا ومصالح، كبيرة كانت أم صغيرة.

فهذا الذي خرج من لبنان «نظام» بالمعنى الشامل للكلمة، بحيث يستحيل فصل أيٍ من «القضايا» عنه، بما في ذلك القضايا التي يبرع النظام إياه في استخدامها وتوظيفها، بل في ابتذالها. وبالمعنى هذا، ليس جائزاً ما يفعله وليد جنبلاط وميشال عون، كلٌ بطريقته، إذ يفصلان الأشخاص او الأجهزة عن النظام، والنظام عن القضايا. فالى ذرائعيتها الانتهازية، تقع النظرة هذه في تقنية بوليسية حينما تعامل الأشخاص أو الأجهزة كمسألة مستقلة بذاتها، لكنها تقع في طوباوية مزعومة ومدّعاة حين ترى الى القضايا في معزل عن النظام، نظامها.

وهو منحى «ثقافي» أعرض من الزعيمين اللبنانيين، كما سبق له أن صدر، ويصدر، عن بيئات تتعدى بيئتيهما. فنحن نعرف، مثلاً، تلك الحجة التي ذاعت بعيد الانفصال السوري عن مصر في 1961، ومفادها انه «كائناً ما كان النظام ينبغي الدفاع عن الوحدة». وقد ترددت في لبنان أصوات من هذا القبيل، مرةً في ما خص المقاومة «المقدسة» في معزل عن «تجاوزاتها»، ومرة في ما خص «الأخوّة» مع سورية (والمقصود، الا عند قلة، نظامها وضباطها) في معزل عن «أخطائها». وبالطبع، كان النظام دائماً، لأنه أعرف وأذكى، يعيد ربط القضايا به على نحو لا يترك للخطأ مجالاً. وهو «نهج» كان بلغ أوجه ذات مرة حين أعلن النظام، بعد حرب 1967، ان عدم سقوطه انتصار، على رغم خسارة الأرض!

وتتركنا التجارب المتكررة أمام سؤال لا يُطرح، هو: ما سر التلازم الذي يتكرر على نحو يجمع البلادة الى الرسوخ، بين هذه الأنظمة وتلك القضايا؟ وما لم نطرح السؤال ونحاول التوصل الى إجابات دقيقة وحاسمة، ستبقى سكاكين النظام، الآتية من القضايا، تحزّ على أوردتنا وشراييننا فيما نحن نتهم... «الأجهزة».

ماذا لو كان ميلس على خطأ

ماذا لو كان ميلس على خطأ

احسان طالب


تتصارع القوى السياسية على الساحتين اللبنانية والسورية في مواقفها وتوقعاتها لما قد يحمله التقرير المحقق الألماني "ديتلف ميلس" من حقائق وتصورات عن جريمة اغتيال الشهيد الحريري وما قد ينعكس من آثار ضخمة على سوريا البلد وسوريا النظام. ويراهن الكثيرون من بين تلك القوى المتصارعة على أمرين أساسيين، الأول؛ أن يخرج التقرير النهائي للتحقيق بإثبات براءة سوريا وبيان الجناة الحقيقيين.

الثاني؛ قدرة النظام السوري على التعامل مع تلك النتائج في حال جاءت مخيبة للآمال وأثبتت تورط مسئولين سوريين بشكل مباشر أو غير مباشر بالجريمة. وهنا يراهن المؤيدون للنظام السوري على قدرتهم في تجنب الآثار المدمرة واللعب على ورقة الوقت والمساومات وتقديم التنازلات في الوقت المناسب وتجنب الكارثة. وكان ذلك يحصل بالفعل كل مرة تحيط الدوائر بالنظام السوري ويتمكن بطريقة أو بأخرى من الخروج من الأزمة سالماً معافاً وربما أقوى من ذي قبل.

وكلنا يذكر في أواخر التسعينات عندما بدأت القوات التركية بالزحف نحو الحدود الشمالية السورية لوقف دعم سوريا لحزب العمال الكردي الذي كان يقوم بعمليات مسلحة في داخل الحدود التركية وكيف تمكن الرئيس الراحل الأسد الأب من تجاوز الأزمة الخطيرة. وقال يومها في مؤتمر مع الصحافة الأجنبية ((لا نريد حرباً مع أحد)). وبعد ذلك تم تسيلم عبد الله أوجلان الزعيم السياسي والحركي لحزب العمال الكردي لتركيا عن طريق كينيا وحصدت سوريا مكافئات عديدة من جراء هذه الصفقة. وتجاوزت الأزمة مع تركيا إلى جانب تقديمها تنازلات أخرى بعدم بحث موضوع المياه والحدود.

ترى هل يستطيع النظام السوري تجاوز أزمته الحالية كما كان يفعل في السابق، أم أن الظروف الإقليمية والدولية والعربية تغيرت تغيراً كبيراً ولم يعد يملك أوراقاً ذات وزن كبير يستطيع بها تعديل كفة الميزان.

في لقاء أجراه ميشيل كيلو مع قناة العربية قال: لقد فقد النظام السوري الحالي شرعيته لأنه فقد دوره الإقليمي الذي كان يستمد شرعية وجوده منه)).

وهنا نلاحظ أن كل مشاكل النظام السوري كانت تحل بدون النظر على الإطلاق نحو الداخل السوري.

وفي ظل الأجواء الدولية المشجعة للحريات والديمقراطية والدا عمة لحق الشعوب في نبذ الاستبداد والفساد غدا الداخل السوري أكثر أهمية وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

في استفتاء أجرته قناة الجزيرة عن مستوى تأييد الشعب السوري لآراء وخطوات نظامه حيال جريمة اغتيال الحريري. جاءت النتائج على الشكل التالي:

67% من الذين شاركوا في الاستفتاء يؤيدون

33% منهم لا يؤيدون

فإذا التفتنا أن الاستفتاء جرى على قناة يعرف تاريخها وحاضرها بدعم الأنظمة الشمولية والاستبدادية فإننا نعتقد جازمين بأن النسبة المعارضة التي بلغت الثلث تقريباً تعد مؤشراً ذا قيمة بالغة على وجود معارضة شعبية عارمة في مسألة ربما كان مزاج الشارع السوري حيالها تتجاذبه عوامل عدة تحركها العاطفة والعصبية التي ترعرعنا عليها والتي تقول: أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.

وإلى جانب الأجواء العامة من الخوف والتخوين والتصريح من قبل الحكومة السورية لمنع المشاركة في البرامج السياسية فإن ثلث المشاركين في الاستفتاء عارضوا النظام القائم علناً.

الداخل السوري لم يعد كسابق عهده، لقد شاهد وسمع ورأى ماذا يعني أن تكون دولة أو نظام في مواجهة تكتل معادٍ يرعاه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ويتغير فيه لون الدب الروسي حسب المصالح والمكاسب، ولما كان كثيرون من الذين يعتقدون باستطاعة النظام على الإفلات من الأزمة بقدرة حاكم الكرملن على تقديم الدعم اللازم والنصح المناسب لتجاوز العاصفة فإننا نحيلهم إلى موقف الدب الروسي من ملف إيران النووي حيث لم يستطع اللعب على أوتار المكاسب والمصالح كما فعل مع صدام وانكفأ في النهاية ولم يعارض التصويت على إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن بل اكتفى بالصمت.

وإذا كان المتفائلون بقدرة النظام على الإفلات من الأزمة بالاختباء تحت عباءة منظومة دول عدم الانحياز فالمؤكد من تلك المظلة إلى جانب قلة فاعليتها فإنها لن تستطيع مد قشة النجاة حتى ولو كانت لها مصالح أو مكاسب في ذلك. فها هي الهند تؤيد المنظومة الدولية في صراعها مع محاولة إيران الحصول على الوقود النووي وتؤيد قرار مجلس الحكماء بإحالة الأزمة إلى مجلس الأمن بالرغم من المساعدة الهائلة التي تقدمها ووعدت بتقديمها إيران للهند بحقل النفط والغاز.

وهنا لا يبقى أمام سادة دمشق إلا المظلة العربية التي بدا وكأنها ستتدخل أخيراً وذلك من خلال القمة الطارئة والسريعة التي جمعت مبارك والأسد الابن في مصر وصورتها الصحافة السورية على أنها إجماع عربي على دعم النظام وسورٌ يحميه من عوائل الزمن، إلا أن الحقيقة غير ذلك. فبالرغم من العناوين الطنانة عن معارضة مصر عزل سورية وعدم اتهامها قبل الانتهاء من التحقيق نجد أن الصحافة المصرية أشارت بشكل واضح إلى النصائح التي قدمها مبارك للأسد بضرورة التعاون في الملف العراقي وتسليم المطلوبين إن وجودوا للتحقيق الدولي، وإبداء أعلى درجات التجاوب مع السيد ميلس.

وبالنظر إلى الدبلوماسية السورية بزعامة السيد الشرع الذي يعتقد بأن المعارضة لنظامه لا تستطيع أن تدير مدرسة.

وبالنظر إلى قدرته البالغة في العمل الرفيع نجد أنه خلال خمس سنوات تمكن بطريقة فريدة للغاية من إضعاف وحتى إسقاط حلف دمشق القاهرة الرياض. والقضاء على إعلان دمشق الذي كان سيادته يتزعمه. وكان يعتبر أهم المحاور الساندة للسياسة السورية الخارجية. استطاع أيضاً ببراعة بالغة خسارة عاصمة النور وتحويلها من صديق إلى عدو لدود وبطريقة لا نظير لها تمكن من شحذ السيف البريطاني الذي كان داخل غمده نتيجة لما عرف عن الإنكليز من لباقة وكياسة تخلت عنها لندن أخيراً وكاد سيفها يقترب من الوتين. كما استطاع الشرع العظيم أن يفاقم من أزماته التي لا تنتهي مع الولايات المتحدة التي كانت في يوم من الأيام تعتبر دمشق حجر القبان في أية تسوية إقليمية كل هذه الإنجازات لرأس الدبلوماسية السورية جاءت إلى جانب خسارة المكاسب لتضحيات الجنود السوريين في حرب تحرير الكويت وعلى أرض لبنان.

إذاً ماذا بقي من الأوراق بيد النظام السوري من أجل تعديل كفة الميزان، فإذا استثنينا الداخل الذي يتفشى فيه سرطان الفساد والاستبداد وخنق الحريات واحتكار السياسة والسلطة والثروة وخيرات البلاد والذي يئن تحت وضع اقتصادي محموم تقدم له علاجات سطحية بقوانين ومراسيم لا تطبق وتعدل قبل تطبيقها وينظر فيها إلى مصالح الأثرياء الذين نشئوا وترعرعوا في فيء الفساد والاستبداد، هذا الداخل الذي غدا الرهان عليه غير مضمون وبعض عناصر النظام تعتبره رهينة الخلاص وليس شعباً له حقوق وواجبات، تبقى الورقة الأهم المنظمات الفلسطينية العشرة المعارضة للعملية السياسية (لا تغرنكم هذه العشرة فنصفها لا يتعدى المكتب الخاص به ومجموعة من القياديين ومثلهم من المنتفعين) والمتواجدة في سورية والتي يظن أنها قادرة على إشعال المنطقة من خلال افتعال الأزمات على حدود لبنان مع فلسطين أي أنها ستتحرك في الوقت المناسب لتحرير القدس إذا ما شعرت بأن نظام الحكم في سوريا مهدد. وبالتالي فإنها ستخلق أزمة بالغة الخطورة للمجتمع الدولي وللبنان وإسرائيل وفلسطين والسلطة الفلسطينية الساعية من أجل الحرية والسلام وبالتالي ستكون سوريا هي مفتاح الاستقرار ثانية حيث سيلجأ المجتمع الدولي إليها لإعادة ضبط الوضع ولن يطول الوقت حتى يطلب من السلطة السورية إعادة جيشها إلى لبنان لحفظ الأمن والنظام. ولكن هل ستعود عقارب الساعة إلى الوراء أم أن المجتمع الدولي بلغ حداً من السذاجة والبلاهة بحيث تنطلي عليه هذه الألاعيب.

هل ستتحقق أمنيات الموالين ويكون ميلس على خطأ أم أنه سيتحول من محقق دولي في القضية إلى مدعٍ عام كما ذكر أمين السفير اليوم؟!

خاص – صفحات سورية -

بيان صادر عن لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا

بيان صادر عن لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا

الحرية لمعتقلي الرأي والضمير في أيلول 2001 ولكافة معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين في سوريا

تمرّ أربع سنوات على اعتقال رياض سيف، محمد مأمون الحمصي، عارف دليلة،حبيب عيسى، وليد البنّي وفوّاز تلّو، الّذين لم يقترفوا أيّ ذنب تجاه مجتمعهم ووطنهم، اللهمّ إلاّ إذا اعتبرنا إبداء الرأي بقضايا المجتمع والشعب والوطن، جريمة يعاقب عليها القانون. إنّنا نستغلّ هذه المناسبة لنعلن تضامننا مع معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين في سوريا كافة ونطالب بالإفراج عنهم فوراً، خاصّةً أنّ سوريا في هذه الظروف العصيبة تحتاج لجهود جميع أبنائها دون استثناء، لاسيّما أنّنا نعيش في ظرف لم يعد مقبولاً فيه اعتقال المواطنين والنشطاء بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية. إنّ أكثر ما يحتاجه وطننا وشعبنا وبلدنا في هذه المرحلة التاريخية، هو الكفّ نهائيّاً عن سياسة تضييق الحريات والاعتقال، التي تلحق أفدح الأضرار بقضايانا الوطنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وتقدّم الذّرائع المجّانية لقوى الهيمنة العالمية للنيل من سيادة واستقلال شعبنا ووطننا. إنّ الخطوة الأولى على طريق تعزيز وحدتنا وصمود شعبنا، لابدّ أن تبدأ بإطلاق الحريات والإفراج عن المعتقلين كافة القدامى منهم والجدد، من أمثال عبد العزيز الخير ومحمد رعدون وعلي عبد الله وحبيب صالح ورياض درار وغيرهم من معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين كافة، دون استثناء أحد، وفتح صفحة جديدة من التعامل الإيجابي البنّاء مع الرأي الآخر والسير نحو مباشرة حوار بين كافة الأطراف والقوى الوطنية لبناء دولة الحق والقانون. وليس هناك غير المعالجة العقلانية وسيلةً لتلمّس الحلول لقضايانا ومشكلات بلدنا، والخروج من أزماتنا ومواجهة التحدّيات التي تعترض سبيلنا.

لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا

خاص – صفحات سورية -

صحـوة أهل الكهـف

صحـوة أهل الكهـف

نضال نعيسة

استفاق الأستاذ عمرو موسى شيخ مشايخ الدبلوماسيين العرب,وبابا الجامعة وسائر العربان, وزعيم قبائل النظام العربي المستبد بكل عشائره ,وأفخاذه وبطونه المترهلة والمتكرشة بفضل الشفط والنفط ,والمتحدث باسم جامعتهم التي تحميهم في زمن الضلال والانحراف القومي,والمغامرات الصبيانية,وارتكاب المعاصي السياسية ,كما حاولت مرارا وحثيثا"لفلفة" ومداراة خطيئة صدام القومية ,ونزعته اليعربية الأبدية في قهر واستعباد العباد ,وقوننة الأفعال الجرمية السوداء واعتبارها ثوابتا وتقاليدا عصماء لا يحق لأحد تركها ,أو التنازل عنها بحال إلا بقرار بإجماع الباب العالي في مؤتمر الفزعة العربية مرجعية العربان الأولى.استفاق الرجل الجليل ,ولو متأخرا, من الحلم العربي الوردي الذي حاول هو وجيش من المتعيشين والساسة الأعراب,والزعماء التاريخيين أن يروجوا له ,ويقنعونا بجديته وصدقيته على مدى عقود من السنين عبر أدبيات الخطابة الحماسية الجوفاء,والتصريحات النارية ومؤتمرات الخذلان,والجهود العبثية والمضنية التي ذهبت أدراج المبادرات.استفاق و"بق"بحصة الحقيقة العارية المؤلمة الجرداء التي مكثت طويلا في فم أجيال كتب عليها الصمت والخنوع والاستسلام لرياح العوربة الصفراء التي هبت عليهم من الصحراء,والتي ركب موجتها العسكر,والمغامرون,والباحثون عن الذهب, وأبهة البلاطات والأرصدة والأموال بين خبايا الخطابات الثورية,والشعارات الكبيرة,وكانت لهم أكبر هدية ,ومطية تجود بها عليهم السماء في زمن القحط والخواء.

استفاق الأستاذ عمرو موسى ,وقلب الطاولة على الجميع ,ويا ليته ما استفاق وأزعجنا وأيقظنا من حلمنا الوردي الذي كنا ننام ونصحو عليه حول بعث هذه الأمة,وانتظار مشهد طلائع سنابك الخيل العربية الأصيلة وهي تفتح الأمصار البعيدة,وعلى صورة القائد الضرورة وهو يحيي الجماهير العريضة من شرفته السماوية وهي تصفق له,وترجوه افتداءها بالدم والأرواح ,وهو متبسم وساهم في زهد القيادة بعد عبء المبايعة الشاملة يدشن صرح العوربة الواحد الخالد من المحيط إلى الخليج, ويضع حجر الأساس لحقب قادمة من الويل والدمار, وحيث سيعج المكان لاحقا بجحافل عرق صاف ونادر ,وخال من العيوب والشوائب من العروبيين المتحمسين الذين سينشرون العدل والخير على الثقلين.وأضاع علينا بذلك الأستاذ الأمين فرصة معانقة فردوس العروبة الواعد,فواحسرتاه. وهاهي مأساة وقدر هذا الإنسان الذي فرض عليه التعريب,والتغريب ,والتبعيث,والتجهيل,والتثوير ,وسياسات غير متبصرة جهلاء, أودت به نحو الهاوية والهلاك, تتكرر مرة أخرى ,وتأتي هكذا فجة و"على بلاطة" وعلى لسان أمين العوربة,وفارسها الملهم,ووليها الفقيه.

فهل يحمل فحوى كلام الأمين العام لجامعة الأعراب,عبر تصريحه المثير بالأمس, أن هذه أمة تائهة ,وضائعة,لا تؤاخذ ولا يعتد بها , ولا تعرف ماذا تريد ,وتعلن عكس ما تبطن , وتقول ما لا تفعل ,وتفعل ما لا تقول,وكلام الليل يمحوه النهار ,ويلحس كلامهم الوزراء,وقرارات القمة تمحوها كوندوليزا رايس.ولم يقدر الرجل أن يأخذ منهم لا حقا ولا باطلا ,وضيّعوه,وأهلكوه,وخدعوه بمظاهر التجميل والرياء,وجعلوه طوال هذه الفترة يلهث ساعيا وراء السراب,وأنه أصبح ضحية أخرى من ضحاياهم الكثيرة في السياسة والاقتصاد, وحيّروه بإتقان كل أحابيل وفنون النصب واللف والدوران, عبر ممارسات طويلة من المكر والتضليل والدهاء,وبعد أن باعوه أطنانا من الوعود والمماطلة والتسويف وقصورا شاهقة في الهواء.

ويعكس هذا التصريح الناري المدهش شفافية مطلوبة ولّدها ضغط الأحداث وعمق التغييرات التي تجتاح العالم من أقصاه إلى أقصاه,وحالة العجز والشلل التي أصابت الجسد العربي ولم يعد أي معنى للتعتيم والانغلاق والحصار بعد أن أصبح اللعب على المكشوف سيد الألعاب ,إلا عند أولئك الذين ارتضوا أن يكونوا من رفاق أهل الكهف في حقب السبات المديدة الظلماء. وإذا كان هذا هو حال رمز الدبلوماسية العربية ومرجعها الخبير فما هو حال صغار القوم من مراهقي السياسة ,وصغار اللاعبين والهواة ,والمستثمرين الجدد في سوق العوربة الكاسد ؟

وكل ما نتمناه أن تشمل هذه الصحوة المباركة كل أولئك الذين مازالوا في سباتهم اليعربي حالمين,وإلى فردوسها الأسطوري ساعين,ومن نعيمها متكسبين, ولا يسمعون كل وقع خطى التغيير والانفتاح والمصالحة الصاخبة من حولهم.أم هل سيستمر النفخ والصفير في القرب المثقوبة ,والرهان على الجواد الخاسر في كل نزال؟

سود صنائعنا,ثلم مواضينا,ذل وقائعنا,قحط مرابعنا,كثر كوارثنا,كذب سوالفنا,شؤم طوالعنا.

خاص – صفحات سورية -

ملتقى باريس لا يخرج عن مشاورات المعارضة نحو "المؤتمر الوطني الشامل"

ملتقى باريس لا يخرج عن مشاورات المعارضة نحو "المؤتمر الوطني الشامل"

أخبار الشرق (خاص)

اختتم ملتقى "باريس 1" كما سماه منظمه الصحفي السوري فهد الأرغا المصري، مساء الخميس بورقة عمل، تؤكد العمل إلى جانب "كامل القوى والتيارات الوطنية المعارضة في الداخل والخارج"، من أجل "التغيير الديمقراطي السلمي في سورية". وفي تأكيد من 14 معارضاً شاركوا في الملتقى، وغالبيتهم الساحقة من الأحزاب الكردية (9 من أصل 14)؛ شددت الورقة على "المحافظة على الثوابت الوطنية ووحدة المجتمع السورية وعدم التفريط بالأساسيات للوطن: أرضه ومائه وسمائه".

وعلى الرغم من أن الملتقى لم يرَ بأساً في "الاستفادة من الظروف الدولية المواتية من أجل التغيير الوطني المنشود"؛ فقد أكد "رفض ونبذ العنف ومبدأ الغزو العسكري الخارجي، ورفض فرض أي تغييرات في سورية بشكل عسكري، قد تؤدي إلى قيام نظام عسكري آخر"، مشدداً على أن "التغيير الوطني الديمقراطي السلمي يقوم به أبناء سورية".

ودعا الملتقى إلى "احترام خصوصية القوميتين العربية والكردية وسائر الأقليات والطوائف، التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع السوري الواحد، لذا تُصان كافة حقوقها دستورياً".

وفضلاً عن مقررات أخرى متعلقة بالعمل على إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإطلاق الحريات السياسية وإلغاء القوانين الاستثنائية والأحكام العرفية، وحرية الرأي والاعتقاد والتعبير، والتأكيد على اللحمة الوطنية والتآخي والعيش المشترك ورفض إثارة النزعات الطائفية والعنصرية؛ فقد قرر الملتقى "تشكيل لجنة تحضيرية للتنسيق مع سائر القوى الوطنية والديمقراطية المعارضة من أجل العمل على عقد المؤتمر الوطني السوري المنشود تقوم بمهامها بمبدأ التوافق بعد استشارة الأطراف ونيل موافقتها".

ووقعت البيان الأحزاب والتجمعات السورية التالية: التجمع من أجل سورية، الحزب الديمقراطي الكردستاني - سورية، الحزب الحضاري الديمقراطي السوري، التحالف الديمقراطي السوري، حزب الوفاق الديمقراطي السوري، حكومة غرب كردستان في المنفى، جمعية الصداقة الكردية العربية، تجمع الشباب الوطنيين الأحرار، الحركة الطلابية - شآم، اللجنة الديمقراطية للعمل السوري، حزب يكيتي الكردي في سورية (بصفة مراقب)، المهندس نجدت الأصفري (بصفة مراقب)، المركز السوري للدراسات القانونية (مراقب قانوني).

من جهته؛ قال عبيدة نحاس مدير معهد الشرق العربي في لندن، الذي حضر المؤتمر مراقباً باسم المعهد؛ إنه لم يوقع البيان الختامي لأن هذا لا يدخل في نطاق اختصاصه "كمراقب".

وأوضح نحاس أن ملتقى باريس "لم يخرج عن كونه لقاءً تشاورياً عادياً، في إطار المشاورات التي تجريها المعارضة في هذه المرحلة، على طريق عقد المؤتمر الوطني الشامل، الذي لا يقصي أحداً ولا يستثني أحداً"، وأن "الهالة الإعلامية التي أحاطت به سببها الظروف السياسية الحالية، من تحقيق ديتليف ميليس في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؛ إلى الضغوط الأمريكية على سورية، إلى ما يتردد عن دور لباريس في تغيير سياسي محتمل في سورية".

وأضاف: "في لندن اليوم كما في غيرها حركة سياسية دائبة، فاللقاءات والمشاورات قائمة على قدم وساق، والجميع يعملون من أجل عقد المؤتمر الوطني"، وقال إن التطورات السياسية المتسارعة تقتضي تسريع جهود عقد المؤتمر، الذي ستدعو إليه لجنة تحضيرية مشتركة، تضم شخصيات وطنية معروفة تمثل الطيف السياسي الواسع في البلاد.

وكان اليوم الأول للملتقى قد شهد لغطاً في الجلسات المغلقة، حين رفض بعض المشاركين انتقادات البعض الآخر للمعارضة السورية التي غابت عنه؛ وأكدوا ضرورة توحيد الجهود باتجاه النظام.

يُشار إلى أن التجمع من أجل سورية الذي أسسه فهد الأرغا المصري في وقت سابق من العام الحالي، دعا قبل شهور إلى عقد المؤتمر الوطني السوري، ثم لم يلبث أن عاد مؤخراً واعتبره ملتقى تشاورياً على طريق المؤتمر الوطني، بعدما اعتذرت الأحزاب السياسية الرئيسية عن عدم الحضور، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في سورية والتجمع الوطني الديمقراطي، والمجلس الوطني السوري (واشنطن)، التي أكدت أن المؤتمر الوطني المنشود لا تنفرد أي جهة بالدعوة إليه.

تدويل الوضع السوري و تداعيات لجنة التحقيق الدولية و المخرج من المأزق

2005-09-30

تدويل الوضع السوري ( المسألة السورية) تداعيات لجنة التحقيق الدولية و المخرج من المأزق

حزب العمل الشيوعي في سورية


اجتماع هيئة المكتب السياسي لحزب العمل الشيوعي في سورية أيلول - 2005

تدويل الوضع السوري ( المسألة السورية) تداعيات لجنة التحقيق الدولية و المخرج من المأزق

التدويل: قد نوافق أو نرفض في الوطن بكل أطرافنا على تدويل الوضع السوري أو قيام مسألة سورية على الصعيد العالمي - كما غدت هناك مسألة عراقية ولبنانية بالتتابع- لكن الآخرين (الأقوياء) قرروا عنا ذلك، وينفذونه فعلياً، فالتطورات تتسارع في هذا الاتجاه ويراد للتدويل أن يكون طريقاً لإجراء تغيرات حاسمة في الوضع السياسي السوري، وإن أول وأكثر من يحس بالأمر ، ويحاول التعايش معه أو التملص منه، امتصاص وتخفيف آثاره عليه بشكل خاص هو النظام السوري بعينه.
إن إصرار النظام على متابعة سياساته التدخلية ، القمعية الشاملة، والخاطئة في لبنان، أكثرها سوءاً خطوة التمديد لرئيس الجمهورية اللبناني، والتي افتقرت لأي ذكاء، أو استخدام صحيح للخبرة من منظور مصالح النظام، أطلقت ردود فعل أولية سريعة وواضحة في إطار التدويل للوضع السوري. فجاء القرار 1559 ليؤكد وضع حد، أو إنهاء سياسية الدور والنفوذ الإقليمي وليجبر النظام على انسحاب مذل بكل معنى الكلمة، ويضع هيبته في مهب الريح إقليمياً وداخلياً، لقد وجد النظام نفسه مجبراً على قبول القرار بسرعة وبدون شروط، فالقصة مختلفة عن الماضي تماماً.
أما مقتل الحريري وسلسلة المفاعيل اللاحقة، بشكل خاص لجنة التحقيق الدولية وتداعيات عمل القاضي (ميليس) في سورية فقد جعل التدويل حقيقةً تتقدم على الأرض بكامل مظاهرها، وكل هذا يزيد في وتائر التطورات الداخلية الخطرة، ويفاقم الأزمة، كما يجعل مسألة بلورة برنامج للإنقاذ الوطني والبدء بتنفيذه قضية بقدر ما هي شائكة وربما بدأت تخرج من يد العمل الوطني الداخلي بسبب شروطه، وكذلك بسبب تسارع الأحداث والضيق الشديد في الزمن المتبقي – بقدر ما هي ضرورية وملحاحة.

حقيقة المشهد السياسي السوري في آخر صوره:
قبل القرار 1559 كان الأمر فيما يتعلق بالوضع السوري من حيث الشكل والأهداف والمحتوى أمريكياً صافياً بدرجة حاسمة: مستوى التدخل، الاستراتيجية العاملة، محاولات الاختراق، الاستقطاب، السيناريوهات المطروحة والتكتيكات بين عسكرية وأخرى سياسية بحسب الشرط.
أما التدويل فقد أعطى الأمر بعض الاختلافات، وخلق ردود فعل وآثاراً مختلفة. وأول من يدرك ذلك ويتعاطى معه مضطراً هو النظام السوري أيضاً. بالنسبة لنا نقول:
1- على الرغم من وعينا ومعرفتنا بالدور الشمولي، الطغياني والهيمني للإدارة الأمريكية، كذلك دورها كمايسترو لأهم مراكز القوى العالمية، واعتراف الأخيرة بذلك واستجابتها لهذه الحقيقة، في إطار تناقضات المصالح ثم التوافق عليها، ضبطها وضبط الصراعات من الانفلات مجدداً بصورة عنفية ( فهذا خط أحمر ممنوع اختراقه). كل هذا لا يعمي عيوننا عن رؤية بعض الحقائق والفرو قات بين قرار وتدخل أمريكي صرف، وآخر دولي، كما لا يعمي عيوننا عن رؤية الأسباب والتطورات والحقائق الداخلية التي ساهمت في خلق الأزمة ومفاقمتها. إن وجهة نظرنا معروفة وقد تكون متميزة فيما يتعلق بالخطر الرئيسي القائم في الوطن والمتمثل بالصراع والاستقطاب بين استراتيجية إدارة أمريكية متشددة، واستراتيجية نظام ونهجه وطبيعته ومنطقه في مواجهة الأزمة، ذلك الاستقطاب الذي يقسم النخبة والقوى السياسية، والمجتمع جزئياً ، ويمنع تشكيل قطب أو قوة معارضة واحدة، ويضعف دورها كثيراً في إنجاز مهمات برنامج ديمقراطي وطني، مهمته المركزية إلغاء احتكار السلطة وقيام نظام ديمقراطي معاصر لكامل المجتمع، ذلك الاستقطاب يؤدي إلى ذلك بحكم إصرار العامل الخارجي الأمريكي على التدخل الكثيف والتمفصل أساساً على دوره، كذلك بحكم إصرار النظام على نهجه القمعي والشمولي والاحتكاري في إدارة الأزمة، والاستمرار في عزل المجتمع والمعارضة مما يسمح بوجود رأي ومنطق في أن عملية الانتقال الديمقراطي مغلقة في سورية بسبب النظام، ولا مخرج إلا عبر العامل الخارجي ( الأمريكي تحديداً). كل ذلك يعني أن الأمر ليس أمر مؤامرة خارجية من حيث الجوهر بل هي أولاً وأساساً مسؤولية نظام في توصيل الوطن إلى شروط محددة جعله عرضةً لكل ما هو قائم من التدخل والاستقطاب ثم التدويل والمخاطر اللاحقة.
2- إن تدويل الوضع السوري وخلق مسألة سورية دولية، لا يخلق أبداً من حيث الجوهر شروطاً مختلفة لوقف مخاطر الاستقطاب الداخلي واندفاعه المحتمل إلى حرب الجميع ضد الجميع. إذ لا تزال الاستراتيجية الحاسمة العاملة في القرار الدولي هي استراتيجية الإدارة الأمريكية بأهدافها ووسائلها وتكتيكاتها ومستوى تدخلها ، فالإدارة الأمريكية الآن هي المحتاجة للقرار الدولي، والشرعية الدولية خاصةً وأن شروط عملها في العراق تبدو أكثر تعقيداً من المتوقع بكثير، وشروط الساحة السورية بحد ذاتها غير ناضجة مما يفترض قيام تكتيكات حركية في التعاطي مع هذه الساحة. فالعامل الأوروبي حتى في العراق لم يستطع لجم الوسائل الميكافيلية الأمريكية (العنف والحرب) عندما قررت الإدارة التدخل على الرغم من غياب قرار دولي ورفض العالم إعطاء شرعية للتدخل، وفي سورية أيضاً لن تستطيع أوروبا ذلك إن قررت الإدارة التدخل، وفي أحسن الحالات قد تسحب غطاء الشرعية، وعلى الرغم من اشتراك أوروبا وموافقتها الآن على تدويل الحالة السورية فإن ذلك لم يحد من مستوى التدخل الأمريكي، وقطبية التناقض والصراع والاستقطاب وآثاره السلبية في سورية، إن التدويل لم (وباعتقادنا) ولن يخلق قوة أخلاقية وسياسية وإعلامية مختلفة حقيقةً عن الحالة الأمريكية لإنقاذ الوضع السوري من المخاطر المحتملة ووقف الاستقطاب والانقسامات في الصف الوطني ووقف احتمال الحرب الأهلية. إن التدويل لم يخلق قوة دولية واستراتيجية مختلفة (حتى الآن) لتعمل على الانتقال التدريجي الآمن في سورية، وتهيئة الأداة أو القوة الوطنية القادرة على ذلك.
3- لكن من الواضح أن للقرار الدولي قوة فعل مختلفة، ومدلولات مختلفة، فعندما ينضم العالم الآخر الفاعل إلى الإدارة الأمريكية بقرارات موحدة ، وعلى الرغم من التأثير الأمريكي الحاسم، فإن الأمر يأخذ بعداً أخلاقياً، وأبعاداً سياسية مختلفة، كما مدلولات مختلفة (على الرغم من القيمة الجزئية لكل وجه)، هذا يعني الآن أن هناك قراراً دولياً ( وبدون عقبات في إطار التناقضات الدولية) لحسم الحالة السورية سريعاً. وعندما نعتقد أن هناك فروقات هامة بين المركز الأمريكي والأوروبي بعلاقة كل منهما بالنخب الثقافية والسياسية والإنسانية والديموقراطية والأخلاقية القائمة، ودورها في سياسات النظم، تصبح مقاومة الأمر أكثر صعوبة، يصبح الفصل بين الأطراف وأهدافها وقيمها ودوافعها صعباً، تصبح إمكانات العامل الوطني، والديموقراطي على اللعب بالتناقضات صعبة، إذ تكاد تكون الأطراف موحدة في إطار الشرعية الدولية، وهذا بحد ذاته يعقد شروط عمل القوى الديموقراطية والإنسانية العالمية التي قد تكون متنبهة مثلنا على مخاطر الاستقطاب داخل الوطن السوري.
4- لكن ما هي وجهات النظر القائمة تجاه لجنة التحقيق، وأعمال القاضي (ميليس) والنتائج المتوقعة؟ نعتقد أن هناك رأيين أساسيين خاطئين، هما وجهان لعملة واحدة، ويساهمان في اشتداد أزمة الوطن بسبب اشتقاقهما واصطفافهما على الاستراتيجيتين المتصارعتين. الرأي الأول القصوي يرى الأمر برمته أمر قرار أمريكي مسبق تجاه النظام السوري وسوريا، يقوم على التناقض مع مواقف النظام في المسألة الوطنية وتكتيكاته من أجلها في لبنان، فلسطين، إيران، بشكل خاص مع الإسلاميين المتشددين والمقاومين للمشروع الإسرائيلي والأمريكي فهذا التناقض يتقدم كل شيء، وتسبب في كامل الدوافع والسلوك والممارسات الأمريكية والإسرائيلية، خلق أزمة الوطن، وهنا الوجه الرئيسي فيها، مما يحدد المهمة المركزية أيضا بصفتها مقاومة العدوان الأمريكي، وضرورة الالتفاف حول النظام ونهجه، الذي تقع عليه المؤامرة بشكل أساسي، أو التحالف معه على هذه الأسس، فالخطر داهم ولا يسمح بوجود أي معنى لأي مهمة أخرى، فالوطن بكامله ( جغرافيا ، سكان ، سيادة ، ثقافة ، مستقبل ) مجتمع، نظام، معارضة مستهدف، بحسب التعبير الشائع: سوريا برمتها يجري اغتيالها الآن، فلماذا نضيع وقتنا في مسألة المعارضة والديموقراطية، نضيع وقتنا في حوارات سفسطائية، بينما العدو على الأبواب، يريد أخذ الجميع بفعله. هذا الرأي مشتق كلياً من استراتيجية ونهج وممارسات النظام ورؤيته ( بالتغاضي عن وعي أو عدم وعي أصحابه لذلك ).
أما الرأي الثاني القصوي، فيرى أن عمل (ميليس) هو عمل قضائي صرف، هو عمل أخلاقي يقوم به المجتمع الدولي لكشف جريمة اغتيال شنيعة، إن كل ما يتعلق بالجريمة أمر سياسي، وعقوبته سياسية وجنائية عامة وشخصية بحسب المسؤوليات، ولا علاقة للأمر بالتالي باستراتيجية أمريكية، أو قرار أمريكي بالتدخل مسبق أو غير مسبق، وفي كل ذلك لا مخاطر على الوطن،
هي على المسؤولين عنها أياً كانوا، والأمر الآن بيد العالم الأخلاقي الذي يرى أنها مسؤولية النظام ، وسيطيح به كنظام شمولي ديكتاتوري قمعي بسب مسؤوليته المحتملة أو المؤكدة. وسيشرف هذا العالم على إدارة التطورات السياسية في سوريا بصورة آمنة وسلمية. فلماذا هذه المبالغات في الخطر؟ لماذا هذا السحب للخطر من النظام إلى الوطن؟ لماذا هذه التحليلات الخاطئة والتي تشوش على لجنة ميليس ونتائجها الأخلاقية، إن كان في لبنان أو سوريا بشكل خاص؟ كذلك نعتقد أن هذا الرأي مشتق من استراتيجية الإدارة الأمريكية وممارساتها ( بالتغاضي أيضا عن وعي أو عدم وعي أصحابه ). كلا الرأيين لن يفعلا إلا خلق المزيد من التحفيز على الاستقطاب، وقسم المجتمع والنخبة والمعارضة، وتسريع التطورات باتجاه المخاطر المتوقعة.
5- بالنسبة لنا نعتقد أولاً وقبل كل شيء بأن هناك ضرورة حتمية لإجراء تحقيق
سريع، نظيف وشفاف في هذه الجريمة، كما نتمنى أن يحصل في أي جريمة أخرى، ونعتقد بضرورة عزل هذا التحقيق عن أي ممارسات تساومية، أو ابتزازية سياسية، في لبنان أو سوريا، كما نعتقد بضرورة إيقاع عقوبات جنائية في أي مسؤول له علاقة مباشرة، أو غير مباشرة، أوفي شاهد كان يستطيع منعها أو الحد من مخاطرها، أو تستر عليها لاحقاً ( أي تطبيق كل ما يتعلق بالأصول القانونية الجنائية لجريمة ) لكننا نميز ويجب أن نميز بين أن يكون الأمر تحقيقاً جنائياً في جريمة سياسية بامتياز، وضرورة معاقبة المسؤولين عنه. وأن يتحول أو يكون واسطة أو طريقاً أمريكياً بشرعية دولية للمزيد من التدخل وتشجيع الاستقطاب، وإضعاف العمل الوطني وتبديد الطاقة الوطنية، لفرض سياسات أمريكية، أو مشروع أمريكي، أو استراتيجية عمل أمريكي قائمة فعلياً، ونراها ضارة وخطرة من حيث المحتوى الحقيقي لأهدافها، ووسائلها، علاقاتها ومعاييرها السياسية تجاه قضايانا السياسية المختلفة.
الدوائر السياسية العالمية والإقليمية مهتمة جداً بمحتوى تقرير ميليس، مهتمة بالآثار التي ستنجم عنه، تكن الدوائر السياسية في الوطن أكثر اهتماماً وتحفزاً، أكثر ترقباً، ونحن بدورنا على درجة عالية من الاهتمام والتقدير لمخاطره، ونعتقد أن سوريا ستشهد تطورات متسارعة خطرة بدأت من الآن، المجتمع السوري بدوره مستنفراً داخل بيوته بسبب العزلة والقمع، مع أنه شهد العديد من تفاصيل التجرؤ على السلطة، كما العديد من الانفجارات على أرضية الاحتقان والشحن العصبي المتخلف، الطائفي وغيره. المعارضة السورية بدورها مستنفرة، لكنها وللأسف لم تفعل شيئا هاما أبداً. فلا تزال غير موحدة الصفوف، ولم تتحول إلى قطب، أو قوة ظل حاضرة في الأزمة بالحد الأدنى المطلوب، لا تزال تعيش على الانفعالات، وردود الفعل على سياسات الأطراف الفاعلة، لا تزال تعيش حالة الانقسامات، والحساسيات والمنطق القديم الجامد والمتخلف في العمل الوطني الديموقراطي المعارض، وهي بذلك عاجزة عن التقاط أنفاسها لطرح مشروع إنقاذ موحد، لطرح مشروع حوار وطني شامل. عاجزة عن الرد على سياسات النظام وقراره الأخير بمنع أي اجتماع أو حراك، عاجزة عن تشكيل هيئة تنسيق مشتركة بسيطة على الصعيد السياسي. لا تجري أي حوارات جادة أو متواترة بين صفوفها ، وهي منقسمة على توافقات العمل الوطني، ولا تجري أي جهد لوقف ذلك الانقسام وتوحيد الصفوف، هذه مسائل مطلوبة من المعارضة فوراً لتلعب دوراً في هذه اللحظات الخطرة والمستوى الخطر من الأزمة والمأزق الذي وصله الوطن، بل عليها أن تبدأ عملية هجوم برنامجي وحواري إنقاذي.
الأطراف الفاعلة لديها خياراتها بالتأكيد. للإدارة خياراتها، قرارها، تكتيكاتها ووسائلها. النظام بدوره عنده خياراته، وهو أكثر الأطراف تنبهاً لاتجاهات تطور الأزمة وتأثيراتها عليه، ويعمل بالمقابل على أكثر من صعيد، صعيد تقديم التنازلات للإدارة الأمريكية، والسعي الهائل ليكون خيارها من داخله، يسعى النظام مستبقاً قرارات الإدارة وتكتيكاتها فيما يتعلق بنتائج عمل اللجنة، ليطرح مساومات مختلفة بين الحد الأدنى والأقصى، وليس السعي السعودي والمصري إلا جزءاً من ذلك. وزيارات أكثر من شخصية سلطوية إلى الخارج محملين بأوراق عمل هو جزء من هذا الجهد، بل إن قبوله بمجيء ميليس في إطار الشهادة وليس الاتهام، جزء أساسي من سياسات التعاطي والاهتمام. بل أخذ الأمر من جهة النظام أبعاداً أخرى. فهناك محاولات لجس نبض المعارضة، وفتح حوارات مع أطرافها، فنحن رصدنا هذا الأمر وحقيقته، كما أن هناك بداية لقاءات مع فعاليات مختلفة في المجتمع. صحيح أن الأمر لا يزال حتى الآن بدائياً، كواليسياً، ويطلب أن يكون سرياً بحجة عدم إفساح الفرصة لتدخل جهات سلطوية وتخريب الأمر. وكل هذا منسجم مع منطق احتكار السلطة، لكن وفي كل الأحوال له دلالاته الهامة على مستوى استشعار النظام للأزمة ومخاطرها عليه، حتى ما قيل ويقال عن خطوط حمراء تجاه الحركة الدينية ( تحديداً الأخوان المسلمين ) أو الحلقة الكردية، أو حتى الخط الأمريكي. نلحظ مرونة في التعامل معها بأشكال مختلفة، ( السيد زهير سالم ، والسيد العريضي في برنامج واحد على طاولة واحدة ، ومرونة عالية في الحوار )، كما سمعنا عن لقاءات أمنية مع أكثر من طرف كردي متشدد في خطابه، كل ذلك في إطار البحث عن خيارات في هذه الشروط الخاصة والصعبة.
كيف نخرج من المأزق؟ كيف نساهم في إنقاذ الوطن؟
في الإجابة على السؤال سننطلق من عدة اعتبارات، افتراضات، حقائق، حتى ولو كانت أولية وبسيطة. كما سنعتمد عدداً من المبادىْ والأسس، لنحاول الوصول إلى أهداف محددة جوهرها فتح عملية أو سياق إنقاذ وطني جاد وشامل .
أولا : افتراضات وحقائق
- نفترض هنا أن عمليات تمهيدية للحوار بين السلطة والمجتمع والمعارضة قد بدأت، أو عمليات جس نبض من أجل ذلك، وهكذا نجد ضرورة في تقديم التصورات التي يجب أن تحملها المعارضة، أو تصوراتنا التي نطرحها بأنفسنا وندافع عنها الآن، مفضلين دائماً آن تكون المعارضة طرفاً واحداً أو قوة موحدة ببرنامج واحد وتصورات إنقاذية واحدة.
- نفترض أن المعارضة يجب أن تبدأ ( وهي تأخرت كثيراً ) هجوماً أخلاقياً وسياسياً لبرنامجها الإنقاذي، ومشاريعها المتعددة بسلوك عقلاني مرن، تحاول إشراك أوسع القطاعات في الحوار، ولا يوجد تناقض بين ضرورة استمرار نشاطها المستقل وممارسة الضغط على النظام، وبين فتح حوار معه والتقدم بمشروع إنقاذي للوطن والمجتمع.
- نفترض أن خيار النهاية الصغرى الممكن أو المحتمل، أو المتاح قد بدأت شروطه بالتحقق، فنعتقد أن السلطة قد أدركت حدود الخطر الواقع عليها بالذات، أدركت ضيق الخيارات المطروحة أمامها، وكل المؤشرات تؤكد أنها تحاول البحث عن المخارج الممكنة، على الرغم من قناعتنا أن نهجها الديكتاتوري والشمولي، ونهج احتكار السلطة، والبحث عن المصالح الضيقة لا يزال الحاسم في ترتيب أو تحديد أولويات الخيارات: على رأسها المساومة وتقديم التنازلات للإدارة الأمريكية كي يكون خيار الأخيرة من داخل النظام، وكي توقف قرارها بتصفيته،على الأقل الوصول مع الإدارة إلى مساومة الحد الأدنى الممكنة التي تسمح بحماية النظام عبر أهم رموزه، وفي نفس الوقت تجد السلطة نفسها مضطرة للتفكير بمقاومة أو الاستعداد لمقاومة مشروع الإدارة في حال إصرار الأخيرة، ومتابعتها لاستراتيجيتها وقرارها وتكتيكاتها في تصفية النظام وعدم لحظ أي مصلحة له، وفي هذا الإطار ربما وصلت السلطة إلى قناعة بضرورة البدء بفتح حوار مع المجتمع والمعارضة للاستقواء بهما. ونحن نعتقد أن جميع الخيارات التي تبحث عنها السلطة، إن كان المساومة والخضوع لابتزاز الإدارة وإجراء تسوية معها، أو خيار السلطة في إدارة الأزمة متفردة لمقاومة مشروع الإدارة نعتقد أنها كلها لا مستقبل لها، وفي أحسن الحالات ستتابع الإدارة ابتزاز النظام في إطار أي خطوات تكتيكية تساومية، بانتظار الشروط المناسبة لإزاحته تماماً. بذلك المعنى ربما أدركت السلطة أو بعض اتجاهاتها أن هناك ضرورة على الأقل لجس نبض المجتمع والمعارضة وإجراء حوارات تمهيدية. لأن خيار الاستقواء بهما قد غدا مفيداً حقيقة، أو أن خيار اشتراك الجميع بحلول إنقاذية قد غدا بدوره مفيداً أيضاً.
ثانياً: بعض المبادئ والأسس
1- ضرورة إجراء حوارات شاملة مع كامل الطيف السياسي الموجود في الوطن بدون شروط بشكل خاص الآن بين المعارضة والنظام .
2- عملية الحوار والإنقاذ تتطلب من البداية اتفاقاً على عدد من الأسس والمبادئ والتوافقات السياسية العامة مثل:
- رفض العنف والحلول العسكرية من الداخل والخارج.
- الانتقال الديمقراطي المطلوب : سلمي، تدريجي( وآمن).
- آمن، بمعنى أنه يأخذ بعين الاعتبار أساساً ضرورة قطع أي احتمال للحرب الأهلية ومخاطرها، منع تقسيم المجتمع وقواه وإضعاف الطاقة الوطنية مما قد يضعف الوطن ويؤدي إلى تسليم مستقبله إلى قوى خارجية.
3- عملية إلغاء احتكار السلطة، وإلغاء آثارها بصورة آمنة وتدريجية مسألة لها الأولوية، تعبر عن المهمة المركزية للمجتمع والمعارضة، وتسمح للنظام عبر القوى صاحبة المصلحة فيه ، بالاشتراك الفعلي في ذلك، تسمح بأخذ مصالحه بعين الاعتبار وأن يلعب دوراً ندياً وقانونياً في مستقبل الوطن.
هذه العملية مفتاحية لأي موضوع آخر وهي ضرورية ولها الأولوية ليس فقط لحاجتنا إليها مجدداً من أجل تعزيز الوحدة الوطنية المتهالكة، أو تعبئة القوى لمواجهة مخاطر العامل الخارجي، أو إطلاق طاقة داخلية لإنجاز برنامج شامل. إنما لأن الديمقراطية ومهمة إنجازها قيمة بحد ذاتها ولم يعد يجوز تقديم أي حجة لتأخيرها.
4- أهم التوافقات التي يجب الحوار والاتفاق عليها هي : مسألة الانتقال الديمقراطي الآمن بإلغاء احتكار السلطة وقيام نظام ديمقراطي معاصر لكامل الوطن - دور العامل الخارجي والتمييز الواضح بين عامل خارجي وآخر، بين عامل تدخلي يزيد في أزمة الوطن، وآخر يساعد على حلها بشكل آمن، يجب بشكل خاص الحوار وتحديد موقف من العالم الأمريكي - حوار حول مرجعية العمل الديمقراطي وقضايا حقوق الإنسان، ونعتقد أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والوثائق الدولية المتعلقة بذلك، تشكل أساساً ومرجعية قادرة على وقف تقدم العصيبات المتخلفة، قادرة بالمقابل على رفع سوية الوحدة الوطنية- حل مسألة الأقليات في إطار ديمقراطي وطني، في إطار وحدة الوطن وسيادته.
ثالثاً: آليات الإنقاذ وبعض المسائل البرنامجية.
1- تشكيل (هيئة عمل وطني للإنقاذ) من النظام والمجتمع والمعارضة، تتمثل فيها جميع التيارات الفكرية السياسية دون استثناء ودون خطوط حمراء على أحد إذ علينا التمييز بين تيارات، آراء وخيارات سياسية لها كامل المبررات في الوجود وبين خطئها وصوابها، والضرر الذي يمكن أن تأتي به، موافقتنا أو عدمها عليها. بشكل خاص يجب عدم استثناء ( التيار الديني وحركة الإخوان المسلمين، الحلقة الكردية، تيار الخيار الخارجي بمختلف تلويناته حتى الأمريكي منه) الاستثناء يشمل فقط التيارات والفعاليات والأشخاص الذين يرفضون الخيارات السلمية الآمنة، ويطرحون بالمقابل خيارات عنيفة أو عسكرية داخلية أو خارجية، أو يوافقون عليها، فالاستثناء أو الاستئصال أو الإقصاء يعيدنا إلى نهج احتكار السلطة، ويبقي المبررات والاعتبارات قائمة في وجود خيارات ترى الدور الرئيسي في التغيير للعامل الخارجي، إن إطلاق عملية أو سياق إلغاء احتكار السلطة سيلغي بدوره مثل هذه الخيارات، خاصةً وأن التمثيل الشامل في الهيئة يجعل الجميع أندادا ًفي البحث عن مخرج.
2- ليس مهماً من الذي أطلق أو سيطلق العملية، لكن نعتقد أن السلطة - الطرف الأكثر قوة وتحكماً وشعوراً بالأزمة- يجب أن تطلقه وتبدأ تنفيذه بالحوار والاتفاق مع الآخرين.
3- ليس مهماً الآن كيفية تمثيل المجتمع والمعارضة والنظام، أو من هو الأقوى أو كيف يجري الاختيار هذا موضوع يحله الحوار التمهيدي الذي يجب أن يجري بسرعة، فليست مشكلة أبداً عندما تكون للنظام الحصة الأكبر في هذه الهيئة المهم هو الاتفاق على برنامج عمل الهيئة، أولوياته، والمبادئ التي يقوم عليها، وآفاقه الزمنية.
4- عندما يبدأ تشكيل الهيئة المعنية، يجب اعتبارها مفتوحة، لاستكمال النواقص وتلافي الأخطاء واستكمال التمثيل.
5- من المهمات الأساسية للهيئة، إعادة الاعتبار للمجتمع والمعارضة، وتكوين أداة أو مؤسسة موثوقة داخلياً وخارجياً، قادرة على إطلاق طاقة فعل وطني تنفذ برنامج الإنقاذ، وتحمي الوطن من المخاطر الخارجية والداخلية المحتملة.
6- الهيئة أداة فعلية لإدارة الأزمة، تجري حوارات في اجتماعاتها وتقسيم عمل في صفوفها، تتفق على المهمات والخطوات المطلوبة وآليات تنفيذها والمؤسسات المعنية بذلك.
7- تعمل الهيئة أساساً على إلغاء احتكار السلطة بصورة تدريجية سلمية وآمنة أي خلق سياق مختلف عن الماضي وذلك في العمل على عدد من الملفات الفورية والسريعة من جهة والذي يحتاج إلى دقة وعمل تدريجي وهادئ من جهة أخرى.
- الملف الذي يحتاج إلى إنجاز تدريجي هو إلغاء المادة الثامنة ومجمل جوانب الدستور والقوانين الأخرى الملحقة، ورسم آفاق زمنية لكل خطوة.
- أما الملفات الساخنة والفورية والتي يجب أساساً أن يبدأ النظام بإنجازها فوراً فأهمها :
* ملف الاعتقال السياسي لطيه كلياً عبر إطلاق سراح معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين، التأمين الفوري لمطالب المعتقلين والملاحقين السابقين، حل إشكالات المتوفين والمفقودين.
* ملف المنفيين بالسماح لهم بالعودة غير المشروطة فوراً.
* ملف الإعلام بتطويره وجعله ديمقراطياً بدايةً من حصص فعلية للمعارضة وفعاليات المجتمع.
* ملف الفساد عبر لجان تخصصية من الهيئة بالتعاون مع الإعلام والقضاء.
* إعطاء كل قوة سياسية أو تنظيم أو فعالية حق إصدار نشرة خاصة بها تراقب موضوعاتها بعد توزيعها.
* تحسين المستوى المعيشي للكتلة الشعبية.
* العمل على (قوننة) قانون الطوارئ، بإلغاء أي دور له في العمل السياسي الداخلي وقصره على قضايا الأمن والتجسس الخارجي.
من الملفات الهامة أيضاً إصلاح القضاء والقيام ببعض الخطوات السريعة فيه: ملف قانون عصري للأحزاب بشروط سهلة- قانون ديمقراطي للمطبوعات.
كما تعمل الهيئة خلال المرحلة الانتقالية بالتعاون مع مجموع القوى الاجتماعية على قيام مشروع تنمية اقتصادي شامل يجد للوطن موقع قدم في العولمة وبين مراكز القوى وتقسيم العمل الاقتصادي العالمي.
كما تعمل على مناقشة كل ما يتعلق بقضايا قطاع الدولة: تخليصه من أزماته الاقتصادية والاجتماعية، دمجه في التطورات الجديدة، قطع الطريق على أي أزمات قد تنشأ بسبب التعاطي الخاطئ مع هذا القطاع.
وبالتدريج تتوصل الهيئة إلى برنامج ديمقراطي وطني شامل وإلى الأسس القانونية والسياسية لنظام ديمقراطي معاصر.



اجتماع هيئة المكتب السياسي لحزب العمل الشيوعي في سورية
أيلول –2005

خاص – صفحات سورية -

وطني دائماً على حق؟؟