unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-10-15  

الأصولية ملاذ آمن للأغلبية العربية!

تثير الحرب التي يشنها الأصوليون و القوميون على العملية السياسية الديمقراطية في العراق استغرابا ً بالغا ً و مؤشرا ً ينذر بعمق التغيير السلبي الارتدادي للمجتمعات العربية في مسيرتها نحو تأسيس دولة الحق و القانون دولة الحرية و حقوق الإنسان.

فلا بد من الوقوف أمام تلك الظاهرة و معرفة التراكبية الفكرية التي غدت تسيطر على فكر و حراك نسبة عالية من أفراد و أبناء العرب في بلدانهم المختلفة و من هنا نتساءل كيف غدا غالبية العراقيين من المتدينين المائلين إلى التعصب و التزمت يدلل على ذلك ما تم تأكيده في مسودة الدستور من بنود تكبل تطور القوانين و التشريعات بقيود الشريعة و المرجعية و لا يعني قولنا هذا أن مسودة الدستور العراقي لا تشكل تقدما ً بالغا ً نحو تأسيس قيم الحرية و حقوق الإنسان و دولة الحق و القانون القائمة على المساواة انطلاقا ً من مبدأ المواطنة المرتكز على الجنسية العراقية. لكن الطموح عادة ما يكون أكبر من الواقع بالرغم من أن الإنجاز جدير بالموافقة و التقدير.

لعله من الخطأ الفادح رد الرغبة الملحة في الدولة الدينية لدى أكثرية ٍ في العراق إلى مخططات أمريكية و مؤامرة غربية تحاك خيوطها في الخفاء و تنسج عباءتها تحت جنح الظلام في البنتاغون؟

الظواهر في الطرقات و في الإعلام و الفضائيات و في لحى المذيعين و حجاب المذيعات. أكثر من ست فضائيات عراقية تنهج أسلوب الإعلام الديني الملتزم و أخريات لا تخرج عن الخط و لا تفتأ تغازل عواطف الالتزام و التحفظ. هذا الإعلام انعكاس لتطلعات ملايين المشاهدين الراغبين في المكوث ساعات خلف المواعظ و الدروس و الأدعية، انعكاس لطرائق في التفكير تجنح نحو العودة إلى الأصول و ترتيب البيت و المجتمع و الدولة كما كان يتم ذلك منذ ألف و أربعمئة عام.

التغيير يتطلب البدء بالعمل نحو إشاعة مفاهيم و قيم الحرية و حقوق الإنسان و مبادئ الديمقراطية في المناهج التربوية و التعليمية في المدارس و المعاهد ثم ينطلق نحو إعلام يتبنى تلك القيم و المفاهيم و يعمل على تأسيسها في المجتمعات من خلال دراسات منهجية تبين مواطن الخلل و تعالج ما ران على قلوب و عقول الناس من يأس و عجز و فقر بالغ في المعلومات و الانفتاح على المجتمعات الأكثر تحضرا ً و ديمقراطية ً.

إن الميل الدائم نحو الشك و الريبة من الخارج و الخشية المعششة في خيالنا الثقافي من الآخرين تجعلنا ننظر إلى واقعنا و مستقبلنا بطريقة ترتكز على اتهام الآخرين في نواياهم و أقوالهم و مشاريعهم و تدفعنا إلى التقوقع خلف الموروث و إظهار العدائية نحو ذلك الخارج الغريب عنا.

مما لا شك فيه أن المشروع الأمريكي في العراق و الشرق الأوسط الجديد يضع نصب عينيه مصالح الأمريكيين شعبا ً و دولة و لو فكروا بغير ذلك لكانوا أغبياء و لو صرحوا خلاف ذلك لكانوا كاذبين. فآلاف الضحايا و مئات المليارات لا تزهق فقط كرمى لعين الآخرين لكن حقيقة الأمر أنهم في كل مناسبة يؤكدون على مصلحتهم العليا في مكافحة الإرهاب و إقامة دول ديمقراطية تسعى نحو السلم و التعاون و بناء المجتمعات الحديثة التي تتراجع فيها النزعة الأصولية الطاردة و المقصية للآخر. وليس هناك شك في رغبة الدول الكبرى في بناء دول ذات صبغة رأسمالية تنشط فيها عجلة الاقتصاد الحر و المجتمع الاستهلاكي و تنخرط في مسيرة العولمة و تدور في محراك منظمة التجارة العالمية و نظم و قواعد البنك الدولي. و ليس في ذلك مشكلة أو أزمة طالما أننا نملك من الحرية و الإدارة في اختيار الطريقة و النهج الأنسب من أجل العمل على ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية و إعادة الاعتبار للطبقات الفقيرة و المسحوقة في مجتمعاتنا العربية و التي كانت و ما زالت تحصد ثمار دعاوى محاربة الرأسمالية و الامبريالية و تدفع الأثمان لملء خزائن المتسلطين على مقدرات الشعوب في دول الأنظمة الشمولية التي ما زالت ترفع شعارات فارغة من مضمونها.

ليست مظاهر التدين الشائعة في غالبية المدن العربية و لا البنود الموحية بتأسيس دولة دينية و حكم رجال الدين في مسودة الدستور العراقي عائدة أو نتيجة للضغوط الخارجية بل على العكس تماما ً هي ناجمة عن ضغوط داخلية تشكلت عبر عقود من العزلة و الحصار على الفكر و العقل متزامنة مع القهر و الظلم و الاستبداد.

تلك المخاوف القديمة الراسخة دفعت بالأكثرية إلى تأييد تلك النتائج و لا يقع اللوم على الخارج بل على الغالبية التي تؤمن بتلك البنود و تضغط من الداخل بما ينسجم مع غرائزها و رغباتها و مجمل العناصر المكونة لتفكيرها و ثقافتها المنسجمة مع الدولة الدينية و حكم رجال الدين.

من جهة أخرى فالأمور ليست بهذا السوء أو تلك السوداوية، فانتقال المجتمعات و الأفراد للخروج من عقود طويلة من الاستبداد و الظلم و القهر و الرعب نحو الحرية و الديمقراطية سيمر بالتأكيد خلال مرحلة انتقالية تفرضها طبيعة الأشياء و مراحل تطور المجتمعات الطبيعية و بالنظر إلى المكونات العمرية لأبناء الشعب العراقي نجد الغالبية العظمى ولدت و نشأت و ترعرعت في أجواء الدكتاتورية و الظلم و لم تنفتح إلا على ثقافة تمجيد الماضي و تقديس الموروث إلى جانب تأليه الدكتاتور إلى جانب تلقي تعليم ٍ و دراسة ٍ محبوكة سعت بصرامة للتأكيد على أيديولوجية قومية مشوهة ثم دينية خاضعة تختزل الكون و الأمم و العالم في أمة موهومة و تختزل الأمة في فرد مؤله و قائد أبدي.

لذلك كان من الطبيعي أن تهرب أغلبية العراقيين نحو الفكر الديني كملاذ آمن قريب من تفكيرها و سلوكها و كلما ترسخت ممارسات الحرية و الديمقراطية و بنود الدستور المؤسسة للحريات الفردية و العامة و قيم دولة القانون و المواطنة ستتحول المجتمعات تدريجيا ً نحو الانفتاح و قيم التحرر و العدالة و المساواة.

تتأثر المجتمعات العربية عموما ً بتوجهات نظمها الحاكمة و تسير تدريجيا ً نحو المزا لق التي تسنها لها من حيث لا تدري و تغدو تلك المجتمعات تفكر و تعمل و تتحرك وفق أجندة أعدها الحاكم بما ينسجم مع ترسيخ سلطته و احتكاره للسياسة و الاقتصاد تلك الظاهرة المحيرة تتطلب مزيدا ً من البحث و التقصي و كإسهام في هذا البحث يمكن رد تلك الظاهرة إلى موروثات قبلية ما زالت حية و بداوة ما فتأت تسيطر على طرائق التفكير و مناهج العمل عززها و رسخها تراث أصولي جعل طاعة ولي الأمر من طاعة الله و بذلك لم تأسس العلاقة بين الحاكم و المحكوم على أسس دنيوية قابلة للخطأ و الصواب و التعديل و التصحيح بحيث أخرجت كل النظم السياسية التي عرفها الآخرون و نظموا من خلالها عقود علاقة الدولة بالحاكم و الشعب بأنظمة الحكم. فالعصمة للولي الفقيه و الطاعة للولي الحاكم أمران راسخان و مؤيدان بالنقول و النصوص و قديما ً كان الخليفة و الأمير سيف الله و سوطه في الأرض ثم غدا الرئيس و القائد العام بديلا ً عصريا ً عنهما.

إن عقودا ً طويلة من تحكم أنظمة شمولية كانت في ظاهرها علمانية اقترنت في ذاكرة الأجيال بالظلم و الفساد و الطائفية و القهر و القتل الفردي و الجماعي ساهمت إلى حد بالغ في نفور مكونات شعوب الدول العربية من تلك التجربة المريرة التي صبغت بالعلمانية مما حدا بتلك الشعوب إلى الانكفاء نحو الأصولية كملاذ آمن يخلصها من براثن التجربة السابقة التي اقترنت في ذاكرتها بالعلمانية.

هذا إلى جانب العديد من المؤثرات التاريخية التي ربطت انهزاميات و انكسارات العرب بالغرب فالشريحة الأكبر من أبناء الدول العربية التي تشكل غالبية السكان الآن ارتبط تاريخها بذكرى الهزائم المتكررة و المتتالية في صراعها مع العدو الذي يدعمه الغرب دائما ً هذا الغرب الذي قام على حضارة تعد في مفهومنا الشعبي خارجة ً عن قيمنا و مبادئنا الأصولية لذلك ناصبناه العداء و ما زلنا نرفض ما يطرحه علينا من حلول لأزماتنا المتفاقمة و أوضاعنا المتردية و بالرغم من الشعور الواضح بالقهر و الظلم و المعاناة من التخلف فأننا ننظر بعين الشك و الريبة إزاء ما يثار حولنا من قيم الحرية و الديمقراطية.

إن نشوء نظم ديمقراطية حديثة قادر على إحداث قناعة جديدة و إزالة مخاوف قديمة إذا ما اقترن باختلاف جوهري على أرض الواقع يغير صورة الظلم و الاستبداد التي كانت سائدة كما أنه قادر على ترسيخ قيم جديدة تحل تدريجيا ً محل قناعات قديمة كانت و لا زالت تحارب التحرر و الانفتاح على خلفية الخشية من الوقوع ثانية في فخ النظم العلمانية المزعومة التي سادت في بعض الدول العربية و ما زالت سائدة في دول أخرى.

و للحديث بقية...

احسان طالب

خاص – صفحات سورية -

   [ POSTED  @ 3:14 م ]


 

مصرع غازي كنعان: كرة الثلج السورية

بشير البكر

يبدو انه صار يتوجب على السوريين ان يدربوا أنفسهم من الآن فصاعدا على المفاجآت ذات العيار الثقيل، هم الذي اعتادوا طيلة ثلاثة عقود ونصف العقد على رتابة لا يضارعها في ثقل الايقاع، الا زمن الحقبة السوفياتية والجدار الحديدي. عليهم ان يصدقوا انه صار بوسعهم ان يصحوا على اخبار" سيئة"، يمكن أن تغير في نمط حياتهم نحو الأفضل، وتعيد اليهم بعض الفرح العادي. ان مصرع شخصية امنية وسياسية من طراز وزير الداخلية غازي كنعان، لابد ان يهز منهم بحر الاعماق الراكدة، بعد ان سيطر عليهم الشعور بأن هذا النظام "مقيم ما اقام عسيب"، لايحول ولايزول، ولايمكن له ان يتغير الا بقدر ما تجود به مقادير الحياة والموت. لاشك بأنهم صدموا بحادث "انتحار" كنعان، فهم قبل يوم من اذاعة هذا الخبر كانوا لا يستطيعون التفكير بمصير مأساوي لهذه الشخصية، أو حتى الحديث عنها في نطاق ضيق.

لقد اصبح الرجل الذي شغلهم بأخباره من لبنان طيلة عقدين من الزمن على الاقل في عداد المنتحرين. وشاهدوا لاول مرة منذ ان حكمهم حافظ الاسد ونجله من بعده، جنازة وزير من عظام رقبة النظام قضى بالرصاص، وهم الذين اعتادوا على طأطأة الرؤوس ودفن ضحاياهم بصمت ومهانة. انها المرة الأولى التي تتدخل فيها الاقدار لتكسر جمود المشهد الرتيب، وتعيده الى مايشبه الدراما الشكسبيرية. انهم ازاء صدمة من نوع مختلف، تقطع الانفاس على طريقة فيلم "العراب"، اذ لم يسبق لأحد من مسؤولي هذا النظام ان رحل على هذا النحو الدراماتيكي، تاركا خلفه قدرا كبيرا من الاتهامات والحيرة والاسئلة والشكوك والمخاوف.انها من ناحية، مخاوف اللحظة المفصلية في تاريخ سوريا، مخاوف تجاه مستقبل البلد، اذ لا أحد يتأسف قيد انملة على مستقبل النظام، فلسان حال الناس مثلما قال رمز سوريا وضميرها الوطني رياض الترك: "ليذهب النظام الى الجحيم."

مخاوف وشكوك مردها الى احتمال انطلاق حرب التصفيات داخل الدوائر الضيقة للحكم، والقريبة عائليا وطائفيا من مركز القرار. وهنا يجدر التوقف امام اليقين الذي كان سائدا داخل سوريا وخارجها، ومفاده ان النظام السوري متماسك جدا بسبب طبيعته الامنية والطائفية من جهة، ولشعور الاطراف المشاركة فيه والمستفيدة منه بان الخطر يتهدد الجميع من جهة أخرى. لذا ذهب الاعتقاد بأنه يصعب الى حد كبير اختراق البنية التي بناها الأسد الأب، أو استمالة احد من اطرافها. وقد دأب الأب قبل رحيله على توريث نجله اجهزة طيعة، لاتفكر في يوم من الأيام بالانقلاب عليه، وثمة من يؤكد ان بشار قام شخصيا باختيار قادة الفرق العسكرية، لكي يضمن الولاء المباشر والدائم. لكن هل سطوة الأجهزة والولاء يكفيان لوحدهما لكي يستمر النظام على قيد الحياة، حتى لو كان الشارع السوري لايمثل له أي تهديد؟. ان مصرع كنعان يبرهن على العكس. أي انه يمكن للنظام ان يتشقق من داخله مثلما حصل لانظمة الحقبة السوفياتية جراء انتهاء مفعول الصلاحية. والأمر ذاته ينطبق على مسألة البديل التي يتخوف منها البعض. ان البديل السوري سوف يولد حكما بنفس الآلية التي سينهار فيها النظام.لأن الاحتياطي الأساسي للمعارضة موجود في المجمتمع الذي واجه طيلة الحقبة السوداء.

جاء مصرع كنعان كنتيجة مباشرة لعملية التحقيق باغتيال رفيق الحريري. صحيح إنه من السابق لأوانه توجيه التهمه اليه قبل صدور تقرير قاضي التحقيق ديتليف ميليس، لكن هناك بعض الهوامش التي تستدعي الوقوف امامها: اولها، ان كنعان عارض الاتجاه الذي مدد للرئيس اللبناني اميل لحود، ومن المعروف هنا ان التهمة باغتيال الحريري تحوم من حول رموز هذا الاتجاه، من سوريين ولبنانيين. ثانيا، ان كنعان كان في اسوأ الاحوال سوف يستدعى كشاهد امام المحكمة التي سوف تتشكل بموجب تقرير ميليس، بوصفه حاكما للبنان لنحو عشرين سنة. ثالثا، لايمكن ان يكون كنعان من دون علم بحيثيات ترتيب عملية اغتيال الحريري، حتى لو لم يشارك فيها، كما انه في نفس الوقت ليست هناك أي ضمانة لدى النظام من أنه لن يقول كل مالديه للمحكمة، على الأقل من باب اثبات البراءة. وهو بذلك سوف يكشف عن الذي يقف فعليا وراء عملية الاغتيال .

من هنا فان مصرع كنعان، بغض النظر عن الذي اطلق الرصاصات، جاء لابعاد احد اهم الشهود واخطرهم بعد ان راجت معلومات في الأيام الأخيرة، تفيد بأن تقرير "ميليس" سوف يوجه التهمة بالأسم الى مسؤولين في النظام السوري، وسيطلب من المحكمة التي ستتولى الأمر استدعاء مجموعة منهم، من بينهم، بالضرورة، غازي كنعان.

ان الأمر على خطورته لايخلو من طرافة سوداء تمد حبالها بين تصريحات وليد جنبلاط ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع، ولاتتوقف عند التحقيق السوري باغتيال كنعان. فجنبلاط يشيد ب"شجاعة" كنعان: "اذا كان يتحمل مسؤولية في مكان ما في جريمة اغتيال الرئيس الحريري فحسنا فعل". ان جنبلاط لايقصد هنا تحية كنعان بقدر ما اراد توجيه "نصيحة" لبقية المتورطين بالجريمة لكي يقدموا على الانتحار، لكن "الشاطر"وليد الذي يتصنع الترفع دائما فاته عن عمد ان غازي كنعان هو "عنجر" والمسؤول المباشر عن المصير المجهول لآباء الكثير من اللبنانيين!. أما الوزير الشرع المشهود له بسوء التقدير دائما، فقد اتهم الاعلام بالمسؤولية عن عملية الانتحار. لو صح قياس الأمر على هذا المنوال لكان الشرع انتحر منذ زمن بعيد، هذا عدا عن انه يقدم لنا جانبا لم نكن نعرفه في زميله كنعان، وهو انه على قد رمفرط من الحساسية بحيث ان خبرا في وسيلة اعلام، يمكن ان يدفعه الى الانتحار! وحتى لو صحت هذه الفرضية فإن الشكوك يجب ان تتجه نحو الجهاز السوري الذي تولى التسريب ضد كنعان وليس الى الاعلام، وبالتالي تبقى المسؤولية ضمن الدائرة السورية الرسمية ولاتخرج عنها.

من دون شك يظل رد الفعل الرسمي السوري هو الاكثر غرابه، وخصوصا جانب التحقيق في الحادث، اذ لم تمض على العملية سوى ساعات محدودة حتى جرى الاعلان عن اختتام التحقيق. ومثلما اقتصر النعي الرسمي على سطرين، فان نتائج التحقيق لم تتجاوز ذلك، اذ تم الاكتفاء بالقول ان الحادث كناية عن انتحار بمسدس الوزير الشخصي، دون ذكر لأي تفصيل آخر. وأظن ان الاجهزة السورية المعنية بالتحقيق كانت تريد ان توجه درسا الى ميليس وفريقه في القدرة على انجاز تحقيقها في قضية يكتنفها غموض كثير خلال ساعات محدودة، في حين ان المحقق الدولي كان ينتظر التمديد للمرة الثانية.

ان مصرع كنعان مؤشر هام على ان الوضع السوري خرج من دائرة الجمود، وقد يتطور مثل كرة الثلج بسرعة تفوق حسابات الجميع.

شفاف الشرق الأوسط

   [ POSTED  @ 2:52 م ]


 

انتَحَر ثُمَّ لم ينتحرْ!

بول شاوول

المستقبل اللبنانية

قال بعضهم إنه انتحر. وقال بعضهم الآخر انه لم ينتحر. ثم قالوا انه لم يُقتل ولم ينتحر. ثم قالوا انه قُتل ثم انتحر. ثم قالوا انه لم يُقتل ثم انتحر. ثم انه لم ينتحر وقُتل. ثم قالوا انه انتحر بعد ما قُتل. ثم انه قُتل بعدما انتحر. فالقول متشابه هنا. ومتماهٍ. ومتجانس. ومعقول لا يخرج الى لا معقول. أو الى فانتازيا. أو الى دادائية. أو عجائبية. أو سريالية. قول متعدد بمعنى واحد. أو معنى واحد بأقوال متفرقة. ذلك أن كل من ينتحر في عالمنا العربي، بين أهل السلطة والسطو والسطوة، وبين أهل الكلام وغباره، وأهل القتل وفنونه، لا يكون في عداد المنتحرين، إلا بما يُفيد بأنه لم ينتحر اللهم، سوى من باب افتراضي، أو ظني، أو من لعب التأويل والتكهن وعلوم الكلام، والفقه، والثورة، وأهل التصحيح، والترجيح، وبين ذوي الكواليس والقبعات، والأنفاق المعتمة. ذلك أن من ينتحر، لا بد من أنه يختار طريقة موت، ويختار بذلك طريقة حياة. إذ أن الانتحار ليس من أهواء القدر إلا بقدر ما يصير القدر ممكناً، يصنع كالأرغفة، والموت، ويُعمَّر كالسجون، ويُشحذ كالنصال.

عندما تكلم غازي كنعان، قبيل أن يرحل، لم يكن بين نبراته، ولا في خفوت صوته، ولا في دقة اختياره التعبير تلو التعبير، والاستعارة تلو الاستعارة، ولا في إيقاع حروفه ولا في قرار حنجرته، ولا في قماشة جمله، ولا حتى في فراغات الصمت القليلة، بين معنى وآخر، ما ينضح به انتحار، أو ما يُوَلّي قامة من صلب ولا ما يشيِّع وجوداً، أو ما يلوح بمناديل مودِّعة، أو يسكب بين الكلام والكلام، ما يُعزّي الروح أو ما يتعتعها، أو حتى ما ينسكب منها، دمعاً خفياً، أو أسفاً مكتوفاً. ذلك أن غازي كنعان، بدا، وكأنه ينتظر، بعد كلامه، وفي الآتي، ما يمكن أن يتردد من أصداء ما يقوله. كأنما كان يريده من كلامه أن يطن في المستقبل، وبشهادته، وبعيانه، وبجسده، وبكل تاريخه. والذي ينتظر ما لقوله، ليس له أن ينتتظر بعده الانتحار. فالانتحار ليس قفزة سريعة من الحياة الى الموت، بقدر ما هو كثير يتراكم ويتكدس ليطفح به الكائن الى آخر نقطة مهدرة من وجوده. وغازي كنعان لم يكن في أحواله ما يشير الى زمن لا في الايتوبيا وسقوطها، ولا في العقيدة وأصولها، ولا في الكائن وفيضه الى ذاته. إذ انه كان ابن زمن فَرُغ من زمنه. وابن تجربة انعطبت مراميها، وابن تكوين تفككت مفاصله، وهو، حياً يرزق، يأخذ ما يأخذ من متاعه، ويرمي ما يرمي من آثاره: فالاتيوبيا تقتل بلا أمل. وتسوق الى الانتحار بلا أمل. بل الاتيوبيا انتحار مبكر. وهذا ما ليس في حسبان أحد، لا غازي كنعان، ولا أي. من تلك الكائنات الشبيهة.

إذاً، من الصعب جداً أن ترى أن اللواء انتحر أو تتصوره هكذا ! جلس في كرسيه. صَمَتَ لحظة. حمل المسدس. ثم ، وبهذا الاختيار الحاسم، الطالع من ذاته، أطلق النار على نفسه. وانتهى. ذلك أن غازي كنعان، لم يكن من طينة أن يصوّب مسدسه من عيار كذا وكذا الى حلقه. ولا الى صدغه. ولا الى أي من أعضاء بدنه وروحه. لكنه وقع. هذا هو المحتوم. انهار من كرسيه الى الأرض. وبقي المسدس في يده اليمنى. لم يترك المسدس. ولم ينسَ أن يتركه. ولم ينتبه، قبيل إطلاق الرصاصة، الى أنه حمل مسدسه من عيار كذا وكذا. ذلك أن هذا العيار كذا وكذا قد لا يناسب غازي كنعان أن يمتحن به حياته، ولا صحبه، ولا رفاقه، ولا مساعديه. ولا حتى حاجب الوزارة. ولا الصورة المعلقة فوق مكتبه. ولا الأرشيف في الأدراج. ولا الملفات. ولا الصور. و لا الرسائل ولا شرائط التسجيل. ولا الصوت المنتشر على الحيطان وعلى المكتب وصولاً الى المكاتب الأخرى، والشهود الآخرين. ذلك أنّ غازي كنعان أراد الحياة من العيار الآخر. والى الآخر. بصمت مشوب. لكن من كان وراء الجدران؟ لم يعرف كنعان ثم عرف. كانت الطلقة ذات دوي بلا حدود. لكن من كان وراء الباب؟ لم يعرف إلا عندما اخترقت الرصاصة حيث يجب أو حيث رسم لها أن تخترق. بلا زيادة ولا نقصان. ولا جلبة ولا أصداء. هذا هو قدر الذين تفاجئهم لحظة بلا زمن. أو زمن يطبق على النهايات، بلا رحمة. ولا شفقة. ولا ذاكرة. ولا نسيان. عرف كل ذلك ربما متأخراً في اللحظة التي أحاطت الظلمة بعينيه، وهبطت على كل جسمه دفعة واحدة، كعباءة و اسعة رماها الرفاق على ثيابه وروحه وتاريخه. عباءة التَّركِ. ثم عباءة النسيان. ثم عباءة العقاب "الالهي"، الصادر عن زمجرات، وغضب، وجنون الواقفين في الضوء، أو على حافة الهاوية، ربما تذكر غازي كنعان ما يجب أن يتذكره الواقفُ على العتبات، أو المسترخي بين الغيبوبة والموت:

بيروت، رفيق الحريري، الانفجارات، حرب الجبل، حرب العلمين، حرب المخيمات، ميشال عون، سمير جعجع، وليد جنبلاط... اميل لحود، من دون أن ينسى حافظ الأسد، ووليده بشار، وكذلك رستم غزالة "مساعده" الأمين المستأمن المستنفرة ملامحه خلف الستائر والكواليس... ثكم كان عليه أن يتذكر بيروت، كلها دفعة واحدة،: الشرقية والغربية، الجبل والساحل. الجنود والميليشيات والناس. كأن بيروت كانت الشبح الأخير الذي حَوَّم حوله. هكذا انطوت الستارة على آخر مشهد يقع بين الواقع والذاكرة والفانتازيا والهاجس. كأنها اللحظة الدراماتيكية بامتياز: ان يعود كل شيء، كل ما صنعته اليدان، وارتكبته النفوس، دفعة واحدة، في مشهد متداخل، فوضوي، صارخ، متهافت، هاذ، مُوَلْوِل. تماماً، كما يختصر المشهد الأخير في مسرحية أخيرة كل المسرحيات التي طلعت على الخشبة. ولربما، عندما استرخت أصابعه على المسدس، عرف، وفي التماعة مدهشة، كم أن العالم صغير. وكم أن الأرض مستديرة، والتي مهما دارت فهي لا تسير أحياناً. تبرم وتعود. تنسى وتتذكر ثم تتذكر الى الأبد.
ربما، وفي التفاتة عابرة الى ما حوله، عزَّ عليه، أن يكون، ومن خلال كل هذه المشاهد، الآتية عليه، في ومضاته الأخيرة، أن يكون هكذا وحده. أن "يُستقتل" ثم يترك وحده. أن يُنتحر ثم يُترك وحده. ذلك أن الوحدة، في عُرف الكثيرين من ذوي الخبرة، من طقوس الانتحار. تنتحر وحدك. هذه هي القاعدة. وعندما "تُنحر" وسط الذين نحروك، عليهم أن يتركوك وحدك. لتكتمل الصورة، والشهادة، وتبصم الحقيقة، بأصابعها العشر والعشرين والألف. بل كأن غازي كنعان، لم يصدق أنه قُتل. أو انقتل. أو حتى انتحر. صدّق فقط أنه يجب أن يقتل. وينقتل. وينتحر في الوقت ذاته. فللضرورة أحكام. وعليه ان يتفهم كل ذلك. ذلك أنه لم يكن يحتاج الى من يفيده بأنه انتحر. أو قُتل. أو "استنحر" أو "استقتل"، فالافادة بلا افادة. هنا. فهو يعرف كل الوجوه التي اكتظت بها الغرفة، واكتظت بها الكواليس، كأنه كان يريد أن يترك الحقيقة للزمن، تماماً كما ترك في حياته حقائق كثيرة للزمن. منها حقيقة من اغتال رفيق الحريري. وكمال جنبلاط. وسمير قصير. وجورج حاوي... وما زالت أصداء التفجيرات تضج في أذنيه. من برمانا الى نيو جديدة الى الزلقا... فالحقائق تُترك لأهلها. وهو كأنما لم يعد من أهلها. ذلك أن قد يعز عليه كثيراً، أن تترك "حقيقته" كما تركت الحقائق الأخرى. بلا جواب. ولا سؤال. ولا مآل. وربما كان عليه أن يسمع ما قاله فاروق الشرع، من حبه، وجرأته، وعلمه وحرصه وغيرته: ان الاعلام اللبناني هو الذي قتله. الاعلام وضع المسدس في يده (غازي كنعان) وأجبره على ضغط الزناد. إذاً لا بد من قاتل! لكن لا بد أيضاً من التباس. من قصة بوليسية. من أغاتا كريستي. أو من محقق. فالقاتل رفيق الالتباس. وهكذا ستكون التأويلات كثيرة. مَنْ قتله؟ ومَنْ "انتحره"؟ و مَنْ "صفّاه" ومَنْ "استصفاه" ومَنْ هو المشتبه به. ذلك أن المشتبه به، عندنا، وفي تر اثنا العريق والحديث عادة هو الضحية. القاتل هو القتيل. لا فاعل سوى القتيل. والقتل فعل غامض لا يقوى على تفسيره أحد. وهكذا يبقى السؤال في سريرته. وفي سريرة الراحلين. فاروق الشرع اكتشف أن إعلامنا قتل غازي كنعان قبل أن يكتشف بحنكته واطلاعه الواسع ونياته الكبرى مَنْ قتل رفيق الحريري! فجأة أشرق رأسه الديبلوماسي بالرؤيا وبالعلم وبالحلم والنبوءة. إذاً، الأخبار الملفقة سببت ألماً "نفسياً" لغازي كنعان فانتحر ثأراً لكرامته! إذاً هذا التسريب لبعض التحقيق، ولأنه مجحف، فقد أحدث في نفس غازي كنعان ما يشبه التراجيديا الشكسبيرية، فانتقم لنفسه بإعدام نفسه. إنها طينة الأبطال التراجيديين. وفاروق الشرع الذي وصلت الديبلوماسية السورية في أيامه "الميمونة" الى أسفل نقطة من نقاطها، وعانت دمشق في أيامه من أسوأ عزلة عرفتها في تاريخها (بفضل عبقريته الفظة والفذة)، من الخبراء بالتراجيديات الاغريقية وكذلك الميلودراميات الهندية، إذاً، ولكي نحول الأنظار، عما حدث في مكتب غازي كنعان، فعلاً، ولكي "نقفل" التحقيق بسرعة (قبل نشر تحقيق ميليس)، فلننقل الكرة الى ملعب آخر، وهل هناك ملعب أرحب من الملعب اللبناني. إذاً فليكن الاعلام هو الجاني. وهو المجرم، وهذا يستدعي معاقبته: قتل بعض رموزه. أو تفجير مبانيه بأهلها. فالاعدام للجاني. وللمجرم. و هما غير موجودين لا في مكتب غازي كنعان، ولا في الجوار. وإنما في بيروت. وتحديداً في بيروت التي يجب أن تؤخذ كلها، بجريرة الاعلام. هذا ليس تهديداً. فالشرع بديبلوماسيته الميلودرامية لا يُهدِّد. إنه يُنذر. بل انه لا ينذر لعمق حبه بلبنان، بل يحذر. بل انه لا يحذر لعمق حبه باللبنانيين. بل ينبّه. نبيه الديبلوماسية السورية ينبه. أو فلنقل يتلو التعميم الرسمي الذي سيكون شغالاً في الأيام المقبلة، ليتهم الاعلام اللبناني "المأجور" و"الفاسد"، و"الطائفي" والمرتبط بأميركا واسرائيل وفرنسا وانكلترا... وسائر حواضر الأعداء والمتآمرين على "الأمة العربية" والقضايا العربية المحقة!
إنه كلام الأفول، أفول عالم ما ز الت لديناصوراته ألسنة مبرية تروي نهاياته، وغازي كنعان، في انتحاره أو في نحره، كأنما من علامات الأفول. ومن مقدمات زمن يخلف وراءه مَنْ تخلَّف عنه. ذلك أنه من علامات النهايات أن يُسقط غازي كنعان في ممكتبه، بالطريقة التي أسقط بها، وأن يحمل المسدس بالطريقة التي وجد فيها بيده، وأن تطلق الرصاصة بالطريقة التي أطلقت فيها، وأن يقع أرضاً بالطريقة التي وقع فيها، وأن تلتبس الأمور بالطريقة التي التبست فيها، وأن يرسل الكلام بالطريقة التي أرسل فيها، وأن يسدل الستار بالطريقة التي أسدل فيها، وأن يُقفل التحقيق بالطريقة التي أقفل فيها، وأن يكون هناك فاروق شرع بالطريقة التي يكون فيها هناك فاروق الشرع، وأن يتكلم بالطريقة التي تكلم فيها، وأن يوجه الأنظار الى مكان آخر، بالطريقة التي وجه فيها الأنظار الى الاعلام، وأن يكون، وسط كل هذه العلامات،. ما يلمع في الأفق، وما ينبئ، وما يبشر، وما يطلق السنونوات في فضاء مفتوح، على بروق، وأمطار، وفصول.
يبقى أن غازي كنعان، عندما دوّى حضيض المكتب بسقوطه، إنما دوَّت أرض بكاملها حوله واهتزت أركان بكاملها، وتضعضع هيكل بكامله. فهو لم يسقط وحده. ولم ينتحر وحده. ولم يُنتحر وحده. ولم يرحل وحده. صحيح أن أسراراً كثيرة فيه. صحيح أن أسراره فيه. لكن الصحيح أيضاً أن الأسرار تصبح وقائع! والوقائع أحوالاً. والأحوال أزمنة لها سماتها وخطوطها وحروفها ولغتها. وما يُظن أنه ذهب بذهاب اللواء، لا بدَّ أنه عائد! أو موجود في "لؤات" أخرى. تنتظر ما تنتظر من أقدار يبدو أنها وصلت الى خواتيمها. إذ ماذا يمكن القول في النهاية: ربما لا شيء! وربما كل شيء. وعلينا أن نكتفي، برغم العلامات الواضحة، بأن نقول: غازي كنعان انتحر ثم لم ينتحر، ثم قُتل ولم يُقتل، ثم قُتل فانتحر. ثم انتحر فَقُتِل. ثم لم يقتل وانتحر. ثم انتحر ولم يُقتل. ثم لم يقتل ولم ينتحر. ثم لم ينتحر ولم يقتل. ثم كان في يده مسدس ولم يكن في يده مسدس، ثمم أطلق الرصاص وثم لم يطلق الرصاص على نفسه...
وهكذا تبقى الحقيقة في اللاحقيقة، والمجهول في المعلوم، والمعلوم في المجهول... أوليست هي اللعبة التي أتقنها غازي كنعان وكل العالم والرموز والوجوه التي صنعته... وصنعها؟
الحقيقة التي ننتظرها، اليوم في بيروت، دَوَّت بقوة هناك... ليصل دويها الى حيث يجب أن يصل، الى حيث يجب أن يدوي بكل القوة التي تُصدع عالماً في سبيله الى التداعي!

   [ POSTED  @ 2:52 م ]


 

استطلاع: مثقفون سوريون عن الأزمة الراهنة

الخليج الاماراتية

كيف ينظر المثقفون السوريون إلى العلاقة السورية الأمريكية المتوترة؟ هل هي مرشحة للتصاعد، وصولا إلى صدام عسكري كما جرى في العراق؟ أم أن الأمور الخلافية بين الإدارة الأمريكية وسوريا يمكن احتوائها بما يقلل من احتمالات لجوء الولايات المتحدة الأمريكية لاستخدام الخيار العسكري. ما الذي تريده الولايات المتحدة من سوريا؟ وهل تقديم سوريا لتنازلات في الملفات الإقليمية الرئيسية الثلاثة، العراق، لبنان، فلسطين، سيوقف الضغوط الأمريكية على الحكومة السورية؟ أم أن المطالب الأمريكية ستستمر وتتصاعد حتى تغيير نظام الحكم السوري؟ هذا هو موضوع استفتائنا، الذي شارك به عدد من المثقفين السوريين، وراعينا قدر الإمكان أن نعكس تنوع وجهات النظر في الشارع السياسي السوري، فيما يخص النظرة والإجابة عن التساؤلات السابقة:

هل تتكرر مغامرة بوش أم أن التوتر قابل للاحتواء؟

الدكتور عماد فوزي الشعيبي رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق:

سوريا تنتهج السياسة الواقعية والبراغماتية التي ترى بأن كل شيء في السياسة يجب أن يكون له مقابل.

إن العلاقات السورية الأمريكية لا تسير نحو التحسن على المدى المنظور، ومن الملاحظ أن هناك لغتين بين الطرفين وعقليتين في الوقت نفسه.. العقلية السورية ترى أنه من الضروري أن يكون لسوريا هامش وأن يكون لها في هذه الحالة وزن إقليمي لا يجوز المس به، إضافة إلى أن سوريا تنتهج السياسة الواقعية والبراغماتية التي ترى بأن كل شيء في السياسة يجب أن يكون له مقابل.

الطرف الأمريكي يرى الأمور بعقلية مختلفة.. يرى أنه منتصر في الحرب العالمية الثالثة ضد الاتحاد السوفييتي والآن منتصر أيضاً في العراق، وأن جميع الدول التي خالفت الولايات المتحدة يجب أن تعاقب باعتبارها لم تكن مع هذه الحرب بالإضافة إلى ذلك من خلال تجربتي مع العديد من المسؤولين الأمريكيين فإن هناك شيئاً من عدم صدقية المعلومات لديهم، بمعنى ما نقرأه في الصحف الأمريكية يتم تداوله كما وأنه حقيقة وهذا أمر يطرح عدة أسئلة:

أولاً أين المخابرات المركزية الأمريكية ال (سي.آي.ايه)، وهل هناك من يخفي تقاريرها عن واقع التعاون السوري في الحدود مع العراق؟ أم أن هناك محاولة فعلا للإظهار وكأنهم لا يعرفون؟.

من خلال تجربتي أقول إنهم لا يعرفون، وأن هنالك فعلا من يخفي هذه المعلومات عن الطرف الفاعل في وزارة الخارجية الأمريكية وبالتالي هذا يرشح الطرفين لسوء فهم متنام. السوريون يتصورون بأن الأمريكيين يعرفون ويتكتكون عليهم ويحاولون أن يبتزوهم بتنازلات متنامية دون مقابل لها، والطرف الأمريكي يعتبر السوريين بأنهم لا يتجاوبون بأي حال من الأحوال. وهذا السوء في التفاهم بين لغتي الطرفين لا يفسح بالمجال أمام نمو علاقات متوازنة بينهما.

الأهم من هذا أن السفارة الأمريكية في سوريا في هذه الحالة لا تقوم ربما بواجبها، أو في حال كونها تقوم بواجبها فإن تقاريرها لا تصل إلى الطرف المسؤول في الولايات المتحدة الأمريكية وأعتقد جازماً أنه يبدو هناك توجهات لبرمجة علاقة غير سوية بين الطرفين من خلال مساع تجري من قبل المحافظين الجدد في فعل كهذا.

وأنا فعلاً مقتنع بأن وزارة الخارجية الأمريكية تعيش تضليلاً حقيقياً إما ناتج عن سوء معلومات تأتيهم، وهذا ثُبت في تقديرهم لإيران قبيل إزاحة الشاه، وثبت أيضاً في موضوع العراق، وبالتالي المخابرات الأمريكية، ليست كلية القدرة كما نحن نتوهم على الأغلب، ويبدو أنها فعلاً تعيش نموذجاً من نماذج التضليل المعلوماتي، بمعنى أنهم يفكرون بالطريقة الأمريكية، ويبحثون عن المعلومات بالطريقة الأمريكية، لذلك لا يصلون إلى نتائج مطابقة للواقع السوري لأن العقليتين مختلفتين.

انطلاقاً من هذا أنا على قناعة أن العلاقات السورية الأمريكية مرشحة لمزيد من التدهور، خاصة بعد القرارين /1559/ و/1595/.. فأنا أقدر أن هنالك محاولة لعزل سوريا وهذا سوف تكون له مفاعيل سيئة ومع ذلك عدم التجاوب ومع سوريا في هذه الحالة سيكون له أمر سلبي جداً في المرحلة القادمة.

وأرى أنه يجب تقريب وجهات النظر والفهم بين الطرفين، ويجب التوصل إلى إزالة للمأزق بين الطرفين، وإلا فإن الأمور ليست لصالح سوريا، ولا لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. أمريكا ارتكبت حماقة كبيرة باحتلال العراق، وجعلته بؤرة لإرهاب “القاعدة”، وخلقت “قاعدة” جديدة في العراق وفي المنطقة وفي كل مكان، وهي تتنامى، وبدأت هذه القاعدة تنمو باتجاه سوريا بشكل “قاعدة” جديدة فيها، أي تنظيم قاعدة جديد في سوريا حتى لو كانت شراذم صغيرة من مستوى “جند الشام” وغير ذلك، ولكن هذا من المرشح أن يتنامى، لأن هذا المناخ الذي يؤكد اللاعقلانية السياسية التي تتمتع به الأيديولوجية التي تحكم الولايات المتحدة الأمريكية سيؤدي بالنتيجة النهائية إلى هذا الدمار.

الأزمة نحو التصاعد

ميشيل كيلو (مفكر):

يجب مراعاة المصالح الأمريكية، وتحاشي الدخول في معركة كسر عظم معها.

النظام السوري يمر في حقبة انتقالية تفرض عليه تجديدات وإصلاحات تتناقض مع طبيعته.

بعد سنوات كثيرة، كانت العلاقات السورية الأمريكية متقلبة خلالها، فهي تارة حسنة وطوراً متوترة. وبعد حسابات كثيرة أجرتها السياسة السورية بخصوص علاقاتها مع أمريكا، تركزت على ضرورة مراعاة مصالح واشنطن في المنطقة العربية، وتحاشي الدخول في معركة كسر عظم معها، باعتبارها القوة الدولية الثانية الضامنة لنظام إقليمي لها فيه مصالح ومواقع على قدر هائل من الأهمية تتصل بأمنها القومي المباشر. دخلت علاقات سوريا مع أمريكا في العامين الأخيرين إلى منطقة التجاذب والتصارع، وتخلت واشنطن عن سياستها التقليدية تجاه دمشق التي رأت فيها قوة إقليمية ضرورية لاستقرار الشرق الأوسط، من المهم أن تتفاهم معها وتتفهم دورها في لبنان والعراق وفلسطين والمشرق العربي عموماً، وشرعت تأخذ بسياسة تنهي عملياً دور سوريا الإقليمي الذي تشكل في أواسط السبعينات بالتوافق مع أمريكا، مع ما يعنيه تخليها عنه في نتائج داخلية وإقليمية كارثية بالنسبة إلى النظام السوري الذي كان قد رتب أموره على هذا الدور، ورتب أوضاعه الداخلية بطريقة تجعله قادراً على الاستجابة لمتطلباته في أي وقت وظرف، ويجد نفسه اليوم أمام مطالبات بتسليمه من دون ان يكون لديه بديل، أو تعرض واشنطن عليه بديلاً، علماً بأن أوضاعه تمر في حقبة انتقالية صعبة تفرض عليه تجديدات وإصلاحات تتناقض مع طبيعته، تهدد بنيته وهياكله ووظائفه وشرعيته، يصعب عليه قبولها، كما يصعب عليه رفض القيام بها، حتى ليمكن القول إن أمريكا تصطاد النظام السوري في لحظة مفصلية، وتسدد نيرانها على مقاتله، مع أنه يبدي طيلة الوقت استعداده للاستماع إليها، ولتفهم حاجاتها ومصالحها ويدعوها بالمقابل إلى فهم حاجاته وقبول مصالحه.

واليوم تقدم الطريقة التي تستغل أمريكا من خلالها قضية اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري مثالاً يكاد يكون مصوباً على أهداف وتصرفات الجانبين، يضمر ملامح صورة المستقبل كما يريده كل منهما. إذ بينما أمريكا تؤكد تصميمها على ممارسة قدر من الضغط على النظام السوري يكفي لإفقاده توازنه، يحاول هو التملص، ويفعل ذلك بطرق ناقصة ومليئة بالأخطاء وبطيئة، مما يساعدها (المقصود أمريكا) على إلصاق صورة سلبية به، تجعل منه نظاماً خارجاً على القانون، يرفض التعاون مع هيئات الأمم المتحدة ومنها لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس الحريري، ويدعم الإرهاب في العراق، ويقف في صف معارضي التسوية السلمية في فلسطين، في حين يرد هو بأنه لن يسلم أوراقه التي تتساقط من يده واحدة بعد أخرى، وخاصة منها أوراقه الدولية الفاعلة، التي بوسعها حمايته وتحسين مواقعه تجاه واشنطن، والعربية، التي لطالما لعبت دوراً مهماً في جعله حلقة مركزية من حلقات الأمر القائم العربي، وفي حسابات السياسات الإقليمية والدولية.

لا شك في أن المواقف ستتصاعد في اتجاه المزيد من المواجهة بين أمريكا وسوريا، وأن نتائج لجنة التحقيق باغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق ستستغل أمريكا إلى أبعد مدى يمكن تخيله ضد النظام السوري، وسيكون لها انعكاسات هائلة الخطورة عليه، إذا صدق ما نسمعه حول ما توصل إليه رئيس اللجنة الألماني وفريقه الكبير من وقائع واستنتاجات.

وأخيراً، يبدو أن لحظة حسم تلوح في علاقات البلدين، أرجح أن تغير كثيراً صورتها الراهنة، وأن تحدد صورة المنطقة إلى زمن طويل قادم، باعتبار أن أمريكا تكتب تاريخاً جديداً للمنطقة، لا مكان فيه للنظام السوري، كما يقول الأمريكيون أنفسهم.

هل يحدث هذا في الفترة القريبة الآتية؟ لن أرد عن الواقع، الذي سيتخذ صورته الجديدة خلال الأشهر القليلة القادمة، فإما أن تفلح أمريكا في تحقيق ما تريد تحقيقه ضد النظام السوري، أو أن ينجح هذا في النجاة من براثنها، بأدوات ووسائل يفتقر إليها اليوم، أهمها الاستعانة بشعبة، وإطلاق الحريات والديمقراطية في البلاد.

محمد الجندي (كاتب وباحث):

ربما الاصطدام العسكري مؤجل حالياً، ولكن التفعيل السياسي للتناقضات السورية الداخلية والإقليمية والدولية جارية، وإذا نجح بالتغيير فقد يستعاض به عن الخيار العسكري.

يمكن أن ألخص إجابتي بعدة نقاط:

كلمة السر لدى الإدارة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط هي “إسرائيل” فالعلاقة الاستراتيجية بين الإدارتين الأمريكية و”الإسرائيلية” هي أكثر من واضحة.

ولا يكفي أن تكون إدارة الشرق أوسطية موالية للإدارة الأمريكية، وإنما يجب أن يكون وجودها وتحركها منسجمين مع الاستراتيجية المذكورة أعلاه.

إن الإدارة الأمريكية تأخذ على سوريا ثلاثة أمور، الأول هو المتعلق بوجود فصائل فلسطينية على أراضيها، والثاني، دورها الذي لا نعرفه تماماً، بين إيران وحزب الله اللبناني، والمتشابك مع دورها السابق في لبنان، والثالث، كون قواتها المسلحة هي ذات حجم وتسليح غير مرغوبين أمريكياً و”إسرائيلياً”.

ربما تحاول الإدارة السورية تحاشي التصعيد، ولكن المسألة لا تتعلق بها وحدها.

الإدارة السورية تجد صعوبة في إخراج الفصائل الفلسطينية من أراضيها، وقد لا تستطيع المساعدة على تجريد حزب الله من سلاحه، وكذلك لا تستطيع التخلي عن قوتها الدفاعية، ولا ندري كيف يمكن وجود حل وسط في كل ذلك؟ إذن، عوامل التصعيد موجودة.

أيضاً حتى لو رضخت الإدارة السورية لكل المطالب الأمريكية الحالية المعلنة وغير المعلنة، تنشأ لدى الإدارتين الأمريكية و”الإسرائيلية” مطالب جديدة.

ربما الاصطدام العسكري مؤجل حالياً، ولو لأمد قصير، ولكن التفعيل السياسي للتناقضات السورية الداخلية والإقليمية والدولية جارية، وإذا نجح في التغيير، فقد يستعاض به عن الخيار العسكري.

سليمان دباغ (كاتب وباحث):

أبرز التغيرات في اللعبة الدولية تتمثل في إلغاء أو تحجيم الأدوار الإقليمية التي كانت قائمة من قبل لمصر وسوريا والسعودية.

تعاني العلاقات الأمريكية السورية منذ عقود أزمة عميقة، وصلت في أوقات عديدة إلى حدود تجاوزت الاشتباك السياسي والديبلوماسي، وإن كانت لم تأخذ صيغة الصراع المادي على الأرض بشكل متقابل ومباشر، وإنما عبر أطراف وقوى أخرى، سواء على صعيد القضية الفلسطينية، أو الجوار الإقليمي ( لبنان بشكل خاص)، والدولي، وفي عديد من الأحيان يجري التوصل إلى توافقات، تجعل حدود الاشتباكات هذه لا تتجاوز الخطوط الحمر، بمعنى الصدام المباشر، وتحويلها إلى توافقات على الأرض غير معلنة، بمعنى غير موثقة، وساعد في ذلك تنامي الدور السياسي والعسكري والاقتصادي لسوريا في فترة الحرب الباردة، وكان هذا الدور محمولا أيضاً على مشروع قومي عماده التصدي للهيمنة “الإسرائيلية” والأمريكية استطراداً. وأسس ذلك كله لدور إقليمي لسوريا، ما جعلها أحد اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، بإقرار أمريكي وأوروبي.

غير أن قواعد اللعبة هذه تبدلت تبدلاً جذرياً بعد معطيين أساسيين لا يمكن تجاهل تأثيراتهما البارزة على الصعيدين الإقليمي والدولي، وهما انهيار الاتحاد السوفييتي، وانتهاء حقبة الحرب الباردة، وما تلا ذلك من استفراد القطب الأمريكي، وتحكمه بالأوضاع الإقليمية والدولية، وأحداث 11/9 وما ترتب على الحدثين (مفاوضات مدريد بكل تداعياتها الإقليمية، واحتلال العراق)، وبحيث بات الأمريكي طرفاً إقليمياً مباشراً وأساسياً وجاراً لسوريا، تتواجد قواته على حدودها الشرقية.

إن ابرز التغيرات في قواعد اللعبة الدولية هذه تتمثل في إلغاء أو تحجيم الأدوار الإقليمية التي كانت قائمة من قبل لمصر وسوريا والعربية السعودية، وذلك بغية إعادة توظيفه في سياق جديد تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”، ومن منظور إدارة بوش المحافظة، وبما يعني تسخير الداخل الاقتصادي والاجتماعي السياسي لهذه الدول خدمة لأغراض الإدارة الأمريكية، وهو ما يفسر الصعوبات التي تواجهها دول حليفة للولايات المتحدة في تنفيذ تلك التوجهات، فكيف الحال مع دولة مثل سوريا. وهو ما يجعل السهام الأمريكية تتوجه بشكل حاد وكثيف نحو النظام السوري، ليس لأنه يشكل تهديداً للمشروع الأمريكي، بل لأنه بات الحلقة الأضعف عسكرياً واقتصاديا، في ذلك المثلث.

وبالتالي إن مجمل الضغوط الأمريكية على سوريا لن تتوقف لأسباب عدة منها أن الجوار الإقليمي لا يعمل على تخفيف أو امتصاص هذه الضغوط. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم تبن سوريا حتى اللحظة سياستها البديلة على المستوى الإستراتيجي في مواجهة القضايا الرئيسية المطروحة، والتي لا تستطيع من خلالها أن تمارس سياسة الممانعة استنادا الى مواقف واضحة تقدم للأمريكيين والأوروبيين ودول الجوار الإقليمي. ويزيد من حدة الوضع تفاقم الأوضاع الداخلية والفساد، والركود الاقتصادي والتململ الاجتماعي، فهذا يزيد من صعوبة الأمر، ويجعل عدداً واسعاً من الملفات والجروح مفتوحة على نزيف بطيء ولكنه مستمر، وعلى هذا تراهن الإدارة الأمريكية، وتصيغ بناء عليها سياساتها حيال سوريا.

إن المبادرة لوقف هذه الضغوط وبنسبة ليست يسيرة، وإعادة إرساء قواعد جديدة للتعامل مع الإدارة الأمريكية ما زالت ممكنة إن بادرت سوريا لإعادة تحديث سياساتها في إطار واقعي ووطني على الصعيدين الداخلي والخارجي، مستفيدة من الإمكانيات الكبيرة التي يختزنها الشعب السوري، ومن فراغ إقليمي واضح للعيان، ومن إمكانيات كبيرة على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية يمكن توظيفها بالترابط مع حركة إصلاح جريئة، سريعة وجادة، على مختلف الصعد، وتنسيق مجمل هذه السياسات على الصعيدين العربي والإقليمي. أما من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، فلا شك أن سياساتها حيال سوريا ستبقى متأثرة حدتها بمسار الأزمة العراقية من جهة، والتطورات الإقليمية والمسار الفلسطيني، والتطورات على جبهة ما تدعوه الإدارة الأمريكية ب “الحرب على الإرهاب”، لكن الاشتباك راهناً سيبقى في إطار سياسي وديبلوماسي واقتصادي، ومن المستبعد أن تلجأ الإدارة الأمريكية للخيار العسكري، فهذا يفتح على فوضى شاملة في المنطقة ستدفع واشنطن ثمنها إن عاجلاً أم آجلاً.