unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-11-26  

نداء الي وزارات الثقافة في العراق وسورية ومصر واليمن والسعودية ولبنان:

آثارنا المجلوبة مطروحة في المزاد العلني بباريس!



يوسف عبدلكي

القدس العربي


منذ أكثر من قرنين والدول الاوروبية تمارس عملية سطو منظم علي الثروات الآثارية العربية. حدث ذلك قبل فترة الاحتلال المباشر لبلادنا، وحدث بصورة منهجية متسارعة ايام الاحتلال، ويحدث بعد الاستقلال بالتواطؤ مع تجار ومسؤولين يبيعون ثروات بلادنا وذاكرتنا الحضارية الي من يدفع لهم الثمن، وعلي الأغلب يكون ثمنا بخسا، حيث ان الاثمان المرتفعة نجدها فقط عندما تطرح تلك الثروات في المزادات العلنية في عواصم الغرب.
فضيحة ثقافية كبيرة يجري تنفيذها الآن في العاصمة الفرنسية، حيث ستطرح يوم الاثنين القادم مجموعة كبيرة من القطع النفيسة التي جلبت (او سرقت) من بلداننا، من العراق وسورية ولبنان ومصر والعربية السعودية واليمن.. الخ. مما يدفعنا لتوجيه هذا النداء الي المسؤولين في وزارات الثقافة العرب، والي المسؤولين في وزارات الخارجية ليتحملوا مسؤولياتهم تجاه استباحة آثارنا. كما نوجهه الي الاعلاميين والمثقفين العرب والي المثقفين الفرنسيين من اصحاب الضمير لكي لا تبقي هذه الفضيحة قيد الكتمان.
آن الأوان لتفتح الدول العربية هذا الملف المسكوت عنه، ولكي تسعي مع دول العالم لوضع عمليات التهريب تحت رقابة شديدة، ولتسن القوانين والعقوبات علي كل الجهات المشتركة في العمليات هذه، ولتدعم ذلك باتفاقات صريحة لاعادة القطع المنهوبة الي بلدانها الأصلية.
من الأهمية بمكان، معرفة الطرق التي وصلت بها هذه المجموعة الهائلة الي الدار المنظمة للمزاد، علما ان خصوصية الوضع العراقي تطرح هنا مسؤوليات خاصة، بسبب الاعتقاد بان الكثير من القطـع يمكن ان تكون قد هربت من المتاحف هناك اثر الاحتلال الامريكي للعراق، مما يلقي بأحمال اضافية علي المسؤولين في هذا البلد.
لا بد من ملاحظة ان المنظمين وبغاية طمس اسماء البلدان التي قدمت منها القطـــــع الآثارية عمدوا في دليل المزاد الي تسميات جغرافية مطاطــــــة مثل: شرق المتوسط، او ما بين النهرين او جنوب الجزيرة العربية. غير انهم في عدة مواضيع لجأوا الي التحديد، فذكروا: سورية، مصر، اليمن. لم يذكروا اسم العراق اية مرة، رغم العدد الكبير للقطع العراقية في المجموعة مما يلقي بظلال متزايدة من الشك حول مصادر القطع.
هنا بعض التفاصيل:
سيقام المزاد في العاصمة الفرنسية، في مركز المزادات المشهور اوتيل دروو
(
Hotel Drouot)
في المنطقة الباريسية التاسعة الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر يوم الاثنين 28/11/2005.
تنظم المزاد دار بواجيرار
(
BOISGIRARD)
وشركاهم (!)، وبادارة الخبير ألان كيفوركيان. القطع المطروحة للبيع كثيرة العدد (333) قطعة من نحت وخزف وحلي وطين مشوي ونحت معدني وموزاييك وكتب وزجاج.. الخ. قطع سومرية وفرعونية وآشورية وحثية وبيزنطية وفينيقية وتدمرية واسلامية، منها تعود الي الألف الرابع قبل الميلاد، ومنها تعود الي القرون الميلادية الاولي، والكثير منها (الاسلامية) تعود الي القرون العشرة الاخيرة، وهناك قطع تونسية ومغربية تعود الي القرنين الاخيرين. اضافة للقطع العربية هناك آثار من ايران ووسط اسيا وتركيا.. الخ
تتوجب الاشارة الي ان هناك قطعا شديدة الندرة مثل: التمثال السومري البرونزي لشخص يرفع سلة فوق رأسه من الألف الثالث قبل الميلاد، والتمثال المرمري الابيض (من اليمن علي الاغلب) لشخص يحتضن حيوانا يلف رقبته الي الخلف، وقطعة من السيراميك البيزنطي لشجرة مثمرة من القرن الخامس الميلادي، وتمثال من الحجر الكلسي لاميرة تدمرية من القرن الثاني الميلادي، ولوح صخري فرعوني للقرابين مزين بنقوش حيوانية ونباتية.
بقية القطع لا تقل أهمية من الناحية التاريخية والفنية ويصعب ايرادها كلها، ولكن اذكر هنا فكرة عن نماذج قليلة من عدة بلدان لتبيان حجم الاستباحة. (المعلومات والصور مأخوذة من دليل المزاد الرسمي).

العراق:
1 ـ مسماران من الحجر المشوي بطول 12سم، مطرزان بالكتابة المسمارية. مملكة لاغوش. يعودان الي 2120 سنة قبل ا لميلاد.
2 ـ تمثال لا يقدر بثمن من البرونز، يمثل شخصا يحمل فوق رأسه سلة، من الفن السومري (مدينة اور) يعود الي 2200 سنة قبل الميلاد.
3 ـ وزنة علي هيئة بطة من الألف الثاني قبل الميلاد بطول 7.5سم. تظهر بوضوح علاقة الفن الرافدي بالفن الفرعوني.
4 ـ اصيص نادر معدني. مسجل عليه كتابات مسمارية بطول 14سم. من الألف الثاني قبل الميلاد.
5 ـ اربعة اطواق سومرية مذهبة ومزدانة بالاحجار الكريمة. طول كل منها بحدود 75سم.
6 ـ ابريق سلجوقي من روائع المشغولات المعدنية الاسلامية. من البرونز المحفور والمكفت بالفضة والمزين بالزخارف العربية والكتابات الكوفية، يعلوه طير. من القرن الثالث عشر الميلادي.

سورية:
1 ـ تمثال تدمري بديع لملكة متكئة علي ذراعها اليسري، من الحجر الكلسي. يعود الي القرن الثاني الميلادي بطول 39سم. نحت بارز تدمري في واحدة من اكثر صوره نموذجية.
2 ـ تمثال تدمري من الحجر الكلسي لإله القمر محاطا بنسرين. من القرن الثاني الميلادي بطول 29.5سم.
3 ـ تمثال لرأس امرأة من الرخام الابيض. من العصر الهلنستي. يعود الي القرن الثاني قبل الميلاد. بطول 28سم. يضاهي في دقة نسبه بورتريه فينوس دوميلو.
4 ـ تميمة مسطحة بعينين واسعتين، من تل براك. تعود الي الالف الرابع قبل الميلاد. بارتفاع 3.6سم.
5 ـ قطعة نحت لرأس نسائية مدهشة الرقة من العصر الهلنستي، من الرخام الابيض، بطول 17.5سم.
6 ـ قطعة موزاييك بيزنطية، تمثل شجرة مثمرة، من القرن الخامس الميلادي. ابعادها 122
X 100سم، تمثل علي ما يبدو احد النماذج الذي سار علي طرازها موزاييك الجامع الأموي بدمشق.
7 ـ رأس اميرة من الحجر، من حفريات ماري، يذكر برأس المغنية اورنينا. ارتفاع 14سم. يعود الي 2500 سنة قبل الميلاد.
8 ـ عربة نادرة جدا من المعدن، بأربع عجلات كبيرة يجرها ثوران، من الحقبة ما قبل الحثية. الالف الثاني قبل الميلاد.
العربية السعودية واليمن:
من المرات النادرة التي نري فيها مجموعة من جنوب المملكة العربية السعودية واليمن في المزاد العلني وهي مجموعة فريدة بكل المقاييس التاريخية واللغوية والجمالية.
1 ـ تمثال لا يقدر بثمن لرجل واقف، من المرمر الابيض، يضم ذراعيه الي جذعه ويحمل حيوانا صغيرا. من القرن الثاني قبل الميلاد. يعتبر اهم قطع هذه المجموعة واروعها. جنوب الجزيرة العربية.
2 ـ لوح من المرمر ربما يكون بابا لمعبد يحوي رأسا لثور، وعلي يمينه وشماله شكلان مستطيلان وفي الاسفل كتابة من جنوب الجزيرة العربية سابقة للكتابة العربية من القرن الاول للميلاد.
3 ـ نصب تعلوه رأس تحوي اربعة مقاطع حروفية في الاسفل. القرن الأول قبل الميلاد. ارتفاع 64سم. جنوب الجزيرة العربية.
4 ـ قرطان ذهبيان علي هيئة خاروفين. من الألف الاول قبل الميلاد، اليمن، ارتفاع 3.2سم.

مصر:
1 ـ جزء من تمثال رأس توت عنغ آمون، من الحجر الكلسي، يعود الي عام 1332 قبل الميلاد.
2 ـ لوح حجري للقرابين، عليه نقوش مصورة نباتية وحيوانية، من العصر البطلمي. بطول 44سم.
3 ـ تمثال الفرعون حر بو كرات جالسا، ساندا يديه الي ساقيه، علي قاعدة مستطيلة منقوشة بكتابات هيروغليفية، قطعة نموذجية لاتزان ورصانة النحت الفرعوني.
4 ـ مجموعة من 32 تميمة صغيرة من الحجر والخزف، تمثل مختلف الهيئات الدينية الفرعونية ورموزها. من عصور مختلفة.
5 ـ ثلاثة عقود من الاحجار الكريمة، منها عقد اخاذ بطول 45سم.
6 ـ مخطوطان مملوكيان بالخط الثلث، مزخرفان ومجلدان، يحوي كل منهما جزءا من القرآن الكريم. الاول بأبعاد 18.5
X 27.5سم والثاني 18 X 26سم. من القرن الرابع عشر.

لبنان:
1 ـ رأس صغيرة فينيقية نموذجية من الزجاج الأصفر والاسود، تعود للقرن الخامس قبل الميلاد بطول 1.8سم.
2 ـ ستون آنية زجاجية مدهشة، من عصور مختلفة، نسبت الي شرق المتوسط (يعود أغلبها الي لبنان وسورية) القطع الأقدم منها تعود الي خمسة قرون قبل الميلاد، والأحدث الي الحقب الاسلامية.
3 ـ اصيصان فينيقيان من المرمر، بطول 19.2سم و15.5سم.
اذا كنا في الأمس نقول اننا مكبلون بالاحتلال فنحن اليوم بلدان مستقلة، واذا كنا بالأمس نجهل قيمة ارثـــنا الحضاري فنحن اليوم نعرفه، واذا كنا البارحة لا نعلم كيفـيات تسـرب آثارنا وآليات بيعها في الغرب فاليوم نعرف المكان والزمان، فهل من يتحرك ليوقف السطـو المعلن، او يفتــح تحقيقا لمعرفة الجناة وطرق عملهم لكي لا نبقي انسانا وحضارة مستباحين الي الابد.
فنان تشكيلي من سورية يقيم في باريس

   [ POSTED  @ 12:54 م ]


 

حاتم علي المخرج السوري يخرج للسينما المصرية فيلماً عن محمد علي باشا بميزانية ضخمة

حاتم علي: الآخرون قدموا أفضل الأفلام الفلسطينية

راشد عيسى

السفير

يبدأ قريباً تصوير محمد علي باشا وسط استنكار بعض المصريين:
السوريون قادمون. هذا ما تردده بعض الأصوات المصرية عن التعاون الذي جاء متأخراً مع مخرجين وممثلين سوريين في أعمال تلفزيونية مصرية. فما الذي سيقوله هؤلاء إزاء اختيار حاتم علي مخرجاً لمحمد علي باشا للسينما المصرية؟ سينما يوسف شاهين وأسامة فوزي وسواهم؟ في هذا الحوار يقدم حاتم علي الاعتبارات التي رشحته لإخراج فيلم مصري بهذه الحساسية، كما يشرح أسباب تراجع الدراما المصرية، وتفوق نظيرتها السورية، ولكنه لا ينسى أن ينتقد بحدة زملاءه السوريين وما قدموه من أعمال في رمضان الأخير.
غنيّ عن القول إن علي يأتي من تجربة أخصبها التنوع؛ من المسرح، تمثيلاً وإخراجاً وكتابة، إلى تجربة طويلة ومضنية في الدراما التلفزيونية، وهو يعترف، في حوار سابق، إنه أمضى تجربته في التلفزيون فيما عينه على السينما، ليتحقق له أخيراً أن يدخل السينما من أوسع أبوابها.


كيف تقيّم الأعمال التلفزيونية السورية الرمضانية هذا العام؟


لست ميالاً عامة إلى التشاؤم، وأحبذ رؤية نصف الكأس الملآن، لكنني لست من المتفائلين أكثر من اللازم بحيث لا أرى عيوبي وعيوب الآخرين. كنا نتوقع أن يكون الموسم الدرامي أكثر سوءاً، وأن يلاقي صعوبات في التوزيع انعكاساً للوضع السياسي المتأزم، لكن ما حدث ولسبب نجهله جاءت التوقعات عكس المخاوف، فحضر المسلسل السوري على محطات عربية كثيرة. اللافت في هذه الأعمال قدرتها على تقديم مشهد متوازن في تنوعه. ظهرت مجموعة من الأعمال الدرامية الاجتماعية بعضها على قدر من الأهمية، إضافة إلى أخرى تاريخية درجت الدراما السورية على تقديمها كل عام، بالإضافة إلى الأعمال الكوميدية. كما قدمت هذه الدراما أيضاً أعمالاً عن ما يسمى ظاهرة الإرهاب، وعملاً عن سيرة مبدع سوري عاش بيننا حتى وقت قريب. ولعل نظرة سريعة إلى مجمل هذه الأعمال توحي فعلاً بالتنوع والجدية، أما إذا أردنا التدقيق فسنكتشف بالطبع الكثير من العيوب التي تحتاج إلى نقاش أطول.


كان نزار قباني الأكثر إثارة للجدل بين تلك الأعمال. أين تقف من ذلك الجدل؟


لقد شهد المسلسل سجالات كثيرة قبل ظهوره، انطلاقاً من فكرة جواز أو عدم جواز تقديم عمل عن شخصية لها امتدادات معاصرة دون موافقة الورثة أو الأقارب. مبدئياً لا أميل، باعتباري جزءاً من المشهد الفني، إلى زيادة الخطوط الحمر والرقابات بأشكالها المختلفة الاجتماعية والسياسية. لكن بعد ظهور العمل لا بد للنقاش أن يأخذ منحى آخر، أن يقفز عن سؤال يجوز أو لا يجوز ليصبح: هل يجوز لجهة ما استغلال اسم مبدع لتحقيق خبطة إنتاجية؟ وهل يجوز لكاتب سيناريو غير متمكن وغير موضوعي وغير مطلع على مادته أن يتصدى لهكذا عمل؟ ثم هل يجوز لمخرج مجاراة تلك الرغبات بأدوات فنية بائسة ليقدم هذا المستوى غير اللائق؟ لا أريد أن أتحدث عن النيّات، لأن منطق النقد والمحاسبة يتجاوز هذا الاعتبار، بل عن النتيجة التي شاهدها الناس، والتي جاءت أقل بكثير من المتوقع، فأنا لا أستطيع تصّور اختزال سيرة شاعر بعدد لا يحصى من العلاقات الغرامية تحت ذريعة أنها جذابة درامياً، ثم إنني لا أستطيع أن أفهم ما هي المراجع التي اعتمدها كاتب السيناريو لروي كل تلك العلاقات المتنوعة التي تبدأ من علاقته باللفاية، إلى فتيات الكابريهات، مروراً بزوجات الأصدقاء والمعارف؟ إذا كانت كل هذه العلاقات استُنبطت من قصائد الشاعر، لأنني لم أجد لها مرجعية أخرى، فهذه مصيبة تنمّ عن جهل بآليات الكتابة، لأن الشاعر والكاتب عموماً لا يؤرِّخ بإبداعاته سيرتَه الشخصية، وإلا أصبح علينا أن نقدم بعض هؤلاء الكتاب إلى المحاكم لاقترافهم الكثير من الجرائم، فللخيال عادة ولتجارب الآخرين مكان حتى في أكثر الأعمال الأدبية ذاتية، وإلا صار علينا أن نحاكم دوستويفسكي بتهم كثيرة منها الشذوذ والاغتصاب والإلحاد. وإذا كان الهدف من نزار قباني إحياء سيرة شاعر ومدينة، فأنا لم أستطع تلمّس نزار قباني في سيناريو يعاني من فقر الدم والهزال ويختزل هذه السيرة بمستمع ومتفرج حيناً، وحيناً آخر بدونجوان يتنقل من ملهى إلى آخر، ومن امرأة إلى أخرى، عبر مجموعة مغامرات نسائية بائسة تفتقر إلى المنطق والذوق السليم. أما المدينة فقد تم اختزالها إلى مجموعة صور سياحية لياسمين ونارنجة ومشربية وبحرة، بافتعال فني فيه الكثير من الاستسهال والهروب من معرفة العصر بتفاصيله وعلاقاته الاجتماعية ومنظومة العادات والسلوك، وحتى اللهجة التي تشي أصلاً بفقر في المرجعيات واستسهال فني يحتاج أصلاَ إلى جهد وحلول فنية حقيقية وإلى إمكانيات إنتاجية حقيقية يبدو فقرها واضحاً حتى في اختيار مجموعة من الممثلين الثانويين لأدوار رئيسية، أو لمجموعة من الفتيات اللواتي يمثلن لأول مرة، والاكتفاء بعمارات وشوارع ومعالم سياحية في عواصم كثيرة تبدو مدناً للأشباح. المثير للاشمئزاز هو القفز عن معارك نزار الشعرية والاجتماعية والسياسية، وكلها معروفة وفي متناول اليد، والتركيز على مسائل شخصية، كثير منها مختلق ومتخيّل، واستخدام مجاني لكثير من القصائد كمحاولة لتزجية الوقت عبر إخراج لهذه القصائد يشبه الكليبات؛ فإذا تحدثنا عن امرأة تحاول الخروج من قفصها، صوّر المخرج قفصاً فيه امرأة، أو حفرة فيها امرأة تحاول الخروج وهي تضع أظافرها في الصخر. ونتيجة لقصص الحب المفتعلة تلك فإن أكثر الرابحين في المسلسل كان تيم الحسن الذي مثّل دور نزار، بينما كان نزار قباني أكبر الخاسرين.
الطغاة جسر للغزاة


كنت متردداً في إخراج ملوك الطوائف، سبق أن أعلنت السأم من هذه الأعمال، فما الذي أعادك إليها؟


تحت ضغط العلاقة الشخصية مع المؤلف، والمهنية مع الشركة المنتجة، وجدت نفسي مضطراً لإخراج الجزء الثالث من هذه السلسلة الأندلسية، عندما وجدت نفسي في ساحة العمل حاولت تحفيز ذاتي فنياً باختلاق ألاعيب جعلتها مرتكزات تغريني بالمتابعة، منها اختلاق الجوقة كاختبار فني وفكري، وهي بالطبع من تأثيرات المسرح، وأعتبرها إضافة على المسلسل التاريخي الذي أعتقد أنه بات يعاني من تكرار في الأدوات، من الكتابة إلى الإخراج إلى التمثيل، وهذا ما يجعلني أتردد مستقبلاً في إخراج عمل تاريخي. هذا بالإضافة إلى أن التاريخي يحتاج إلى تكاليف إنتاجية كبيرة لا يستطيع التلفزيون العربي تحقيقها، إلاّ إذا أردنا اجترار ما قدمناه في السابق، فالمشاهد العربي اليوم يشاهد ما تقدمه الإنتاجات الأخرى في مجال العمل التاريخي، شاهد مملكة الجنة والإسكندر الأكبر وطروادة، وهو يطالبنا بالمستوى نفسه، وهذا حق مشروع، ولكن كيف يمكن لنا صناعة أعمال ترضي هذا الطموح بميزانيات بائسة وتقنيات متخلفة.


هل أجريتم تعديلات على نص ملوك الطوائف حتى صار قابلاً للعمل عليه؟


شخصياً لا أحبذ مناقشة الأمر من هذا الجانب، لأنني أميل عادة لإعطاء الآخرين حقوقهم، وأنظر إلى سيف كشريك أساسي، وهو كما أعتقد من أفضل الكتاب العرب، ويمتاز بحس أخلاقي عال على مستوى الكتابة يدفعه إلى البحث والاشتغال على موضوعه، وهو صاحب الخبرة الكبيرة بالصياغة الدرامية، وإذا كنت أشكو من شيء فهذا عائد ربما إلى انتمائنا المختلف إلى جيلين مختلفين، بحكم العمر على الأقل، فأنا أطمح إلى تبسيط العمل الدرامي وإلى صياغة فنية تقارب السينما، أحد أولوياتها اختزال الحوار لصالح الصورة، لكن سيف مثله مثل أم كلثوم، وهذه ليست نقيصة، ولكن أم كلثوم الآن تحتاج إلى مستمع من عصر آخر.


ما يشيعه البعض أنك قمت بلوي نص وليد سيف؟


لا أسمح لنفسي بادعاء أشياء لا أستحقها، وعلاقتي عادة مع النص هي علاقة احترام، ليس لكوني منفذاً لرؤى الآخرين، ولكن باعتباري شريكاً ولكني أعتقد أن من حق المخرج التأكيد على بعض الأفكار الواردة أصلاً في النص، وهذا ما فعلته بالتركيز على بعض الجمل، حتى من خلال الصورة التي جاءت بلون آخر أحياناً. إن فكرة الطغاة هم جسر للغزاة، وهم أسباب الغزو، وأن على الحاكم العربي أن يلتجئ إلى شعبه، فمنه المبتدأ وإليه المنتهى هي فكرة موجودة في النص أصلاً، ولكن من حقي تطويرها وجعلها الفكرة الأساسية، فهذه واحدة من الأفكار الأكثر راهنية وحرارة، وربما أيضاً جرأة، وهي واحدة من السجالات اليومية التي تشهدها عواصمنا العربية في مثل هذا الظرف. عندما أتحدث عن الغزاة فأنا لا أقصر هذا المفهوم على القوى الخارجية وحسب، بل أيضاً على قوى التطرف العقائدي والأيديولوجي بكافة أشكاله.


هل تعني تطرق المسلسل إلى المرابطين؟


هذا يقودنا إلى الحديث عن الحقيقة التاريخية في المسلسل التاريخي، وهذه مسألة شائكة يسودها الغموض. ليست هناك حقائق مطلقة، فإذا كنا نختلف اليوم في فهم، وربما أيضاً تدوين، الكثير من الأحداث المعاصرة رغم وجود كل وسائل الاتصال الحديثة والأقمار الصناعية والبث المباشر، فما بالك بأحداث وقعت منذ مئات السنين. المبدع العربي يجد نفسه غير قادر على التحرك بحرية، وهذا عائد لطبيعة العلاقات الاجتماعية التي هي انعكاس لغياب الديموقراطية وعدم قبول الرأي الآخر. أعتقد أن حركة المرابطون استطاعت فعلاً أن توحد الأندلس، لكنها، شأنها شأن أي دعوة أخرى، انتهت إلى سلطان وغنيمة، أي إلى نظام سياسي. لا أستطيع أن أبشّر بحل معاصر لدويلاتنا وطوائفنا يشبه ذلك الحل. أعتقد أن الأنسب والأكثر نجاعة لمشاكلنا هو الديموقراطية، لا سيادة الرأي الواحد، أياً كان الرأي وخلفياته لأنه سيتحول إلى سلطان طالما ليست هناك آليات محاسبة ورأي آخر.


يمكن القول إذاً إن ملوك الطوائف تناول أيضاً مسألة الإرهاب، ولو بشكل موارب؟


كانت هذه واحدة من أفكار الظل، لكن الأساسي والأوضح الدعوة إلى علاقة مختلفة بين الحاكم والمحكوم. من الأفضل بالتأكيد تسمية الأمور بأسمائها، وإذا أردنا مناقشة المسألة يُفضّل مناقشتها مباشرة ومن دون مواربة. موضوع الإرهاب حيوي وملحّ، ومناقشته عبر الدراما السورية في عملين يحسب لها، وهذا مؤشر على رغبتها في مواكبة ما يحدث، رغم ملاحظاتي الكثيرة على العملين الطريق الوعر والحور العين أعتقد أن ظاهرة الإرهاب تحتاج إلى مناقشة أكثر أصالة لا مناقشة موسمية أو متسرعة، غالباً ما توقعنا في فخ السطحية، أو المباشرة أو الافتعال الفني. الشعار وحده لا يحمينا، والتخفي خلف الأفكار الكبيرة أحياناً هو واجهة لستر الجهل.
انغلاق الدراما المصرية


في رمضان الماضي قدمت عملين، الأول تاريخي والثاني اجتماعي، إلى أي منهما تنحاز؟


شخصياً أميل إلى عصي الدمع كأي متفرج بات ميالاً إلى مشاهدة نفسه ومشاكله على الشاشة. لعل الاختبارات الفنية والفكرية التي يجد الفنان نفسه أمامها تكون أكثر حيوية وخطورة في العمل المعاصر. عصي الدمع من الأعمال الجريئة، وفيه نقاش لقضايا إشكالية تتعلق بمناطق كانت محظورة أو شبه محظورة: موقع المرأة في الدين، القوانين المستندة إلى الشريعة الإسلامية، القضاء، والحب، وغيرها من مشاكل راهنة ومهمة. المسلسل أشبه بقطع صغيرة متجاورة كالفسيفساء، وهو محاولة لرسم لوحة من المجتمع السوري راهنة ومعاصرة، لا توجد فيه أحداث كبيرة ولا مفاجآت ولا انعطافات درامية حادة، فهو يحاول بهدوء أن يناقش هذه القضايا ويطمح أن يكون موضوعياً. مثل هذه الأعمال كما أعتقد يحتاج إلى رؤيا متأنية ومشاهدة مختلفة.


مع تصوير مسلسلك أحلام كبيرة للتلفزيون قمت بتصويره بشكل مواز للسينما تحت اسم العشاق، ما الحافز لتحويل عمل تلفزيوني إلى سينما؟


الدافع هو تجريب تقنية التصوير بالديجيتال ثم تحويله إلى شريط سينمائي 35 مم صالح للعرض في صالات السينما، كي نؤسس على هذا الاختبار لمشاريع أكثر أهمية تُكتب خصيصاً لمشاهد السينما، نأخذ بعين الاعتبار اللغة المختلفة ما بين السينما والتلفزيون، ولهذا أصرّ على توصيف هذه التجربة بأنها محاولة لصنع فيلم سينمائي بسيط على هامش التجربة التلفزيونية، ولا أميل إلى المبالغة في إعطاء التجربة أكثر مما تستحق، فلها هدفها وغايتها المحددة. أما فيلم شغف فلم يأت تأسيساً على تجربة العشاق فهي فكرة مطروحة منذ زمن طويل، ورغبة مشتركة مع مدير مؤسسة السينما محمد الأحمد، وهو ناقد سينمائي قبل أن يكون مديراً ولديه رغبة بصناعة أفلام تعطي بعض الحيوية إلى العلاقة ما بين السينما والمتفرج في سوريا.


قيل الكثير عن حضور الفنانين السوريين في الدراما المصرية. ما تعليقك على أولى ثمرات هذا التعاون؟ نعني تجربة هيثم حقي وأنور عكاشة في أحلام في البوابة؟


لا شك أن النتاج التلفزيوني المصري يعاني تراجعاً. لا أعتقد أن الاستعانة بمخرجين سوريين سيقيم هذه الدراما من عثرتها، فأسباب التراجع أعمق من ذلك بكثير، وإن كان الانغلاق أحد تجلياتها. إن واحدة من الأشياء التي تعطي الدراما السورية حيويتها هي مسألة الانفتاح على الآخر، ولكن مشكلة الدراما المصرية تكمن في آليات عملها، وواحدة من آلياتها سيطرة النجم، فالنصوص تكتب وتُفصّل على مقاسات ممثل بعينه، هناك استثناءات بالطبع ولكنها قليلة. المخرج عادة هو خيار ممثل وهو بهذا يتحول إلى فنان مقيد برؤى ذلك الممثل أو تلك الممثلة وأحياناً رغباتها، ومن دون إعادة تنظيم هذه العلاقة أعتقد أن الدراما المصرية ستظل من دون أفق مفتوح.
لاشك أن أحلام في البوابة، يتمتع بخصوصية واضحة إذا ما قورن ببقية الأعمال المصرية، لكنه لم يستطع الإفلات نهائياً من آليات العمل التلفزيونية المصرية، ومشكلته الأكبر أنه وقع تحت سطوة مؤلف له تقاليده الراسخة كأسامة أنور عكاشة. كما أنه لم يستطع، نتيجة تلك الظروف، أن يبرز خصوصيته السورية من الناحية الفنية.


السينما والآخر


أنت معروف كمخرج تلفزيوني، ولن يكون مستغرباً إذا دعيت لإخراج مسلسل تلفزيوني مصري، أليس غريباً أن تدعو السينما المصرية مخرجاً سورياً، ليس معروفاً كسينمائي، لواحد من أخطر أفلامها وأكثرها حساسية وأضخمها إنتاجاً؟


سبق أن سمعت مثل هذه الأصوات، وبعضها كان مصرياً، لكن الاستنكار الأكبر كان لحساب جنسيتي السورية. هناك اتفاق على إمكانياتي الفنية، تحديداً في هذا النوع الفني التاريخي. ما قرأته هو استنكار أن مخرجاً سورياً يقدم عملاً هو في أحد أبعاده سياسي، وربما وطني، وهل لديه القدرة على تحسس مثل هذه المشاعر الوطنية، بالإضافة إلى المعرفة بطبيعة العلاقات الاجتماعية، والفترة التي تحدث عنها العمل. مثل هذه الآراء متسرعة، ناهيك عن أنها تنطق عن هوى ورؤيا ضيقة، فأنا سوري، ولكني أزعم أنني قدمت أفضل الأعمال عن القضية الفلسطينية التغريبة الفلسطينية وكثر يوافقونني الرأي على أن المخدوعون من أهم الأفلام التي ناقشت القضية الفلسطينية وهو للمصري توفيق صالح، والأمر نفسه ينطبق على كفر قاسم، فيلم اللبناني برهان علوية. كما أنني لا أظن أنه يكفي أن أكون سورياً لكي أمتلك الخبرة الفنية والتقنية التي تسمح لي أن أتحدث عن المجتمع السوري، الأمر نفسه ينطبق على أي مخرج من أي جنسية، والسينما الأميركية مثلاً هي من أكثر السينمات التي تستعين بمخرجين أو تقنيين أو حتى ممثلين غير أميركيين. هذه نظرة إقليمية ضيقة من المفترض تجاوزها، على الأقل لأننا ننتمي إلى الأمة نفسها.


ما هي برأيك الاعتبارات التي قام عليها اختيارك للفيلم؟


ربما تجربتي في التلفزيون، والتي يمكن أن تساعدني في صنع فيلم جماهيري، وكذلك خبرتي في مجال العمل التاريخي. أعتقد أن هذين الاعتبارين كانا جزءاً مما دفع المنتج إلى الثقة بي. شخصياً تعودت على احترام النص، ومؤمن بأن الممثل هو الأداة الرئيسية والأكثر أهمية، ونزوعي الذاتي قليل، فأنا ممن يتخفّون خلف عناصرهم الفنية، وهذه كلها شروط مهمة لصناعة فيلم تاريخي يصل إلى أكبر قدر من الناس. هذا بالإضافة إلى مناخ إنتاجي أفضل توفره السينما عادة في صنع مشهد متقن.


لنتحدث إذاً عن الفيلم؛ أفكاره ووضعه الإنتاجي.


فيلم محمد علي باشا يتناول سيرة مؤسس مصر كدولة حديثة، وينتمي إلى نوعية الفيلم التاريخي الذي تفتقر إليه السينما العربية عامة، وهو من إنتاج إعلامي مصري بارز هو عماد الدين أديب، الذي أنتج فيلم حليم وعمارة يعقوبيان، المأخوذ عن واحدة من أهم الروايات العربية في السنوات العشر الأخيرة، وكما هو واضح فإن هذا المنتج لديه مشروع طموح في مجال الإنتاج السينمائي، وربما هذا ما جعله يطرح المشروع على مخرج غير مصري، فهو رجل منفتح على الآخر ولديه رغبة في الحوار والتعرف على درامات وأفكار مختلفة، ولا يعنيه كثيراً أن يكون صاحبها مصري أو غير مصري، السيناريو كتبته لميس جابر وسيقوم يحيى الفخراني بلعب شخصية محمد علي، ويفترض أن يتم التصوير في الأسابيع القليلة القادمة، حيث بدأنا التحضيرات الأولية لهذا المشروع الذي سيستغرق عاماً كاملاً لإنجازه. أما كلفته فهي عشرة مليون دولار، أي أربعين مليون جنيه مصري، في حين أن أعلى كلفة لفيلم مصري كانت ستة عشر مليون جنيه وهي لفيلم عمارة يعقوبيان.
يبدأ الفيلم من لحظة تأزم درامية وشخصية كبيرة، اللحظة التي يقف فيها الحاكم بمواجهة نفسه وربما محاسبتها. محمد علي باشا شخصية إشكالية فقد اقترن اسمه مع المذبحة الشهيرة، مذبحة المماليك. والفيلم يبدأ من سؤال يطرحه الحاكم على نفسه، وهو سؤال أخلاقي يتعلق بالضرورات التي يجد الحاكم نفسه أمامها في سبيل بناء دولة قوية متماسكة، وهل يمكن للغايات أن تقدم تبريراً أخلاقياً فيما إذا استطاع أن يجد لنفسه تبريراً سياسياً. علي باشا، كما أرى، واحد من الشخصيات التي تحتاج إلى إنصاف، خاصة في ظل أيديولوجيات وأنظمة حكم تميل إلى طمس التاريخ أو تشويهه لكي تقول إن التاريخ يبدأ من عندها، وقد تصل أيضاً إلى نتائج مفادها أن الأوطان تنتهي بزوالها إذا زالت.

   [ POSTED  @ 12:53 م ]


 

قصة إعلان دمشق

د. حازم نهار

-1-‏

بدأت فكرة إعلان دمشق منذ أشهر قليلة بين عدد من الأفراد، وقدمت صيغة أولية ما لبثت أن تحولت إلى موضوع ‏للحوار بين ممثلين عن لجان إحياء المجتمع المدني وقيادة التجمع الوطني الديمقراطي، لتصبح الصيغة أكثر نضجاَ وأوسع ‏مدى.

أثناء الحوار جرت مناقشة المعايير والأسس في اختيار القوى الأولى التي ستوقع على الإعلان، كما جرى تحديد الرسائل ‏والأفكار الأساسية التي ينبغي إيصالها من خلال الإعلان.

أما من حيث المعايير التي حددت القوى التي وقعت على الإعلان فهي:

‏1- تحديد سقف التحالف بالأفق السياسي، وهذا يعني إبقاء الجمعيات الحقوقية والمنتديات الحوارية خارج إطار إعلان ‏دمشق، على الأقل في المرحلة الأولى.

‏2- التوجه نحو القوى السياسية والجماعات المستقرة نسبياً، أي تلك التي كونت نفسها وبرامجها وأطرها، وهذا يعني ‏تأجيل القوى الأخرى لمرحلة لاحقة، خاصة أننا شهدنا خلال السنوات الماضية تشكل العديد من القوى والجمعيات ‏والتيارات على أسس واهية أو غير واضحة، مما أدى إلى انحلالها، إن كان بسبب آلية التكون غير السوية، أو بسبب ‏الاختلافات والتناحرات الذاتية لأعضائها.

‏3- التوجه كمرحلة أولى نحو القوى السياسية التي حسمت خيارها في المعارضة الوطنية الديمقراطية، ووصلت إلى قناعة ‏واضحة بأن النظام السياسي القائم في سورية غير قادر أو راغب في القيام بإصلاح أو تغيير جدي، مما جعله العائق ‏الأساسي أمام التغيير الديمقراطي في سورية، وهذا يعني تمحور الإعلان حول القضية المركزية، أي الديمقراطية.

‏4- التوجه نحو القوى السياسية التي أوضحت موقفها بجلاء فيما يخص الداخل والخارج، أي تلك القوى غير المستعدة ‏لبناء تحالف مع الخارج من أجل إنجاز التغيير في سورية، دون أن يعني ذلك الانعزال عن العالم ورفض الحوار مع المجتمع ‏الدولي بكافة مستوياته.

‏5- محاولة تغطية كل الطيف السياسي في سورية، بمعنى أن يتم تمثيل جميع التيارات السياسية من خلال قوى وأحزاب ‏سياسية تمثلها، أي التيارات القومية والماركسية والليبرالية والإسلامية. لكن هذا ما كان ممكناً، بسبب أن بعض هذه ‏القوى خارج سورية، أو أن بعض هذه التيارات لم يتبلور بعد على أرض الواقع داخل سورية، ولذلك جرت محاولة ‏تعويض ذلك من خلال عرض الإعلان على عدد من الشخصيات العامة التي تمثل هذه التيارات.

‏6- محاولة أن تكون الشخصيات العامة الموقعة على الإعلان في المرحلة الأولى موزعة على جميع المناطق الجغرافية ‏السورية كافة، لأجل تشكيل حالة استقطابية بالمعنى الوطني العام.

‏7- التوجه نحو القوى التي يتوقع أن يحدث توافق عام سريع نسبياً بينها على المبادئ الأساسية المطروحة في الصيغة ‏الأولية للإعلان، وهذه السرعة ضرورية في اللحظة السياسية الراهنة، خاصة أن الضغوط الخارجية على النظام السوري ‏تصل إلى حدود غير مسبوقة، الأمر الذي يمكن أن يجر الأوضاع إلى الانفجار الداخلي.‏

أما الأفكار والمضامين الأساسية التي جرى التأكيد عليها في الصياغة الأولية للإعلان وأثناء الحوار مع القوى السياسية ‏والشخصيات العامة فهي:

‏1- ضرورة تغيير الصورة السائدة، سواء عند النظام أو في الخارج، والتي تقول أنه لا يوجد معارضة في سورية، إنما ‏يوجد معارضون، وهي الصورة التي لا تقيم وزناً لوجود معارضة متماسكة داخل سورية.

‏2- ضرورة تغيير مسار خطاب المعارضة السورية من خطاب يعول على النظام ويناشده القيام بالإصلاحات المطلوبة ‏وانتظار مبادرته تجاه المعارضة والمجتمع، إلى خطاب يضع تصوراً للتغيير الديمقراطي بمعزل عن النظام، خاصة بعدما ظهر ‏أن النظام قد أدار ظهره لكل دعوات المعارضة بالإصلاح والتغيير.

‏3- تأكيد وتثبيت القضية المركزية التي يجب على التحالف بين القوى السياسية أن يقوم عليها، وهي قضية الديمقراطية ‏وحقوق الإنسان، وعدم تمييع هذه القضية بطرح كل إشكاليات وأزمات الواقع العربي والسوري، كالاحتلال ‏الأمريكي للعراق والقضية الفلسطينية، أو من خلال طرح قضايا اجتماعية اقتصادية تصلح في هذه الفترة أن تكون ‏برنامجاً لحزب سياسي وليس لتحالف أو ائتلاف سياسي، خاصة بعد أن تأكد أن مقاومة ضغوط الخارج غير ممكنة ‏دون وجود البشر الذين يفترض أن يكونوا الرقم الأساسي في السياسة والمقاومة على حد سواء، وأيضاً لأن هذه ‏القضايا يستثمرها النظام ويحشد عليها، ويرفعها إلى المرتبة الأولى من أجل طمس القضية الديمقراطية وتأجيل ‏الاستحقاقات المطلوبة.

‏4- توجيه خطاب المعارضة إلى كل المجتمع السوري في الداخل والخارج، ولفت انتباهه إلى أن مساراً جديداً للتغيير قد ‏ولد، وهذا المسار لا يلتقي مع سياسات النظام، ولا يتوافق مع أساليب الخارج في آن معاً، لذا من الضروري عدم ‏استثناء أي جهة أو فئة أو فرد إلا أولئك المندرجون في سياسات القمع والفساد، والذين يقيمون تحالفاً صريحاً مع ‏الخارج وموجهاَ ضد سورية الدولة والمجتمع.

‏5- ضرورة أن تكون صيغة الإعلان ذات طابع سياسي توافقي، وهو الأمر الذي اقتضى التخفيف من الأيديولوجيا ‏قدر الإمكان، والاقتراب أكثر فأكثر من الحقائق الواقعية، وهو ما تجسد فيما بعد في الحديث عن "المنظومة العربية" ‏بدلاً من "الأمة العربية"، وفي تثبيت فقرة خاصة بالإسلام، وأخرى خاصة بحقوق الأكراد والقضية الكردية، وهذا ‏نوع من الإقرار بالحقائق الواقعية الموجودة على الأرض.

بعد تحديد المعايير الخاصة باختيار القوى السياسية والشخصيات العامة، وتحديد الأفكار الأساسية للإعلان، جرى تثبيت ‏آليات أولية للسير في طريق إطلاق الإعلان:

‏1- توزيع الأدوار في نطاق ضيق للاتصال بالقوى والشخصيات من أجل ضمان النجاح، وعدم نشر الصيغة المقترحة ‏للإعلان كي لا يصار إلى إفشاله قبل إنضاجه.

‏2- إجراء حوار دقيق وتفصيلي حول صيغة الإعلان، كي تكون التوافقات واضحة لجميع الأطراف، وهذا يساهم في ‏ألا يكون الإعلان مجرد فقاعة أو بيان يتلى وينسى ولا يتمخض عنه شيء، خاصة في ظل كثرة البيانات والمبادرات التي ‏خرجت إلى العلن في الفترة الماضية، وانتهت بمجرد إعلانها.

قبل إصدار الإعلان جرت مناقشة التوقعات التي يمكن أن تحدث بعد صدوره على مستوى القوى السياسية. لم تحدث ‏مفاجآت بعد الإعلان، لكن صدى الإعلان كان أكبر وأوسع مما تصورته القوى والشخصيات التي أصدرته.

في هذا الشأن كان الاتجاه، ولا زال، أننا لا نستطيع أن نمنع أحداً من تأييد الإعلان أو التضامن معه، أو حتى إعلان ‏الانضمام إليه. وهنا جرى التأكيد على أن الموقعين، رغم ذلك، يملكون زمام المبادرة والإرادة في التنسيق والتعاون مع ‏قوى بعينها، وتأجيل قوى أخرى لحين استبيان اتجاهاتها ورؤاها بناء على المعايير المذكورة سابقاً، واستبعاد قوى أخرى ‏لا تتوافق لا تتوافق مع روح الإعلان ومضامينه، رغم أنها قد تبادر لإعلان انضمامها إليه لأسباب معروفة. أي من ‏حق القوى التي أصدرت الإعلان أن تحدد متى وكيف يتم التنسيق مع القوى الأخرى، وهذا أمر طبيعي في العمل ‏السياسي.

لا يمكن القول أن مسيرة إعداد الإعلان كانت سهلة، فالعقبات كانت عديدة، منها ما هو أيديولوجي، ومنها ما هو ‏ذاتي، ومنها ما هو موضوعي.

بعض القوى أو الشخصيات التي أجري الحوار معها كان تعلقها بالأيديولوجية وببرامجها الخاصة أهم من الحس السياسي ‏ومن التوصل إلى ائتلاف وطني عريض. بعضها الآخر يقف ضد أي مبادرة لا تصدر عنه. على كل حال جرت ‏حوارات مفيدة للمستقبل مع قوى وشخصيات أخرى لم توقع على الإعلان، كما جرت أيضاً محاولات للاتصال بعدد ‏من الشخصيات الأخرى، كالدكتور عارف دليلة الموجود في السجن، لكنها لم تثمر. أما من حيث صيغة الإعلان ‏المقترحة فقد تغيرت كثيراَ خلال الحوار، وهذا يبدو أنه ساهم نسبياً في ركاكة بعض الصيغ أو إبهامها وعدم وضوحها.

‏-2-‏

ملاحظات للمستقبل:

‏1- رغم الجهد المبذول في الإعلان، والنوايا الطيبة لموقعي الإعلان، فإن استمرار الائتلاف أو التحالف محفوف ‏بالمخاطر والمطبات، لعل أولها طبيعة اللحظة السياسية التي تجعل التوصل إلى خطاب سياسي ناضج تجاه الأحداث ‏السياسية أمراً ليس سهلاً، خاصة في ظل حالة الاستقطاب الجارية على مستوى الشارع، وفي ظل خطاب التحشيد ‏الذي تطرحه السلطة ضد الخارج بهدف تمرير أزمتها المستفحلة. وثانيها أن الإعلان والظرف السياسي الراهن يدفعان ‏إلى ضرورة التوصل إلى برنامج تفصيلي يصلح لأن يكون مسودة لدستور أو برنامجاً لحوار وطني عام، وهذا الأمر ‏يتطلب الكثير من المسؤولية من جهة، والكثير من السياسة على حساب الأيديولوجيا والبرامج الخاصة، وثالثها ضرورة ‏التوصل إلى آليات عملية واضحة أو نظام داخلي يحدد الحقوق والواجبات ونسب التمثيل والهيئات واللجان الضرورية، ‏وطرائق التعامل مع الصحافة والإعلام، كي يتسنى لقوى الإعلان تحويله تدريجياً إلى واقع عملي. ورابعها لن ينجح ‏الإعلان وقواه ما لم يتوجه إلى القوى السياسية الأخرى بهدف زيادة مساحة التوافق الوطني، وهذا ممكن من خلال ‏الحوار العميق والصبور.

‏2- بالنسبة للقوى التي اعترضت على الإعلان أو وقفت ضده: هذه القوى مطالبة بداية أن تطرح على نفسها السؤال ‏التالي: أيهما أجدى سياسياً البقاء خارج إعلان دمشق أو الانضمام إليه وإجراء التعديلات الممكنة بالتوافق مع القوى ‏الأخرى؟

هذا الأمر يحتاج إلى إعمال العقل السياسي من جهة، ويحتاج إلى التأمل ملياً في اللحظة السياسية الراهنة وتحديد أين ‏تكمن المصلحة الوطنية بإنجاز التغيير الديمقراطي، وهذا باعتقادي أهم من إصدار إعلانات موازية تثير من البلبلة أكثر مما ‏تقدم من الفائدة.‏

‏3- عند كل أزمة أو عند الوصول إلى مفترق طرق يعاد عادة طرح سؤال الهوية، وهو السؤال الذي يحكم وعي الجميع ‏أفراداً وقوى سياسية ومجتمعية. هل سورية دولة قائمة بذاتها، أم أنها جزء من "الأمة العربية" أو "الأمة الإسلامية"؟ ‏هل نحن عرب؟ هل نحن أكراد؟ هل نحن مسيحيون؟ هل نحن آثوريون..؟

سؤال الهوية هذا لم يتح له للآن التواجد في بيئة صحية، ويتجلى دائماً بسيطرة الماضي والتاريخ والذاكرة على حساب ‏الحاضر والمستقبل، إذ ينظر للهوية على الدوام على أساس أنها تكونت وانتهت، وبالتالي ليس من دور للقوى السياسية ‏سوى النضال لتثبيت هذه الهويات وضمان حقوق أفرادها وجماعاتها.

هذه الآلية في التعاطي مع موضوع الهوية ذات طابع أيديولوجي، يرتكز في الغالب الأعم إلى هواجس الخوف وعدم ‏الأمان، ومن البديهي القول أن هذه الآلية لا تنتج فهماً سوياً للهوية، وتؤدي في المستوى السياسي لنمو ذهنية "‏المحاصصة" المعيقة لبلورة ما هو عام وتوافقي ومشترك.

معظم الخيارات السياسية والأيديولوجية للقوى السياسية في سورية، بل ولجميع فئات الشعب السوري، قد نمت ‏وتكونت في ظل بيئة استبدادية، ولم يتح لهذه الخيارات بعد التكون في بيئة صحية.

لذا من الهام أن تتعامل القوى السياسية مع سؤال الهوية في هذه اللحظة السياسية بشيء من المرونة، وأن تترك فرصة ‏للمستقبل لإعادة تكونها في ظل شروط وبيئة ديمقراطية. ما يحتاجه السوريون جميعاً هو فسحة من الأمل والديمقراطية ‏لإعادة تكوين قناعاتهم ورؤاهم، وإعادة النظر بهوياتهم الموروثة أو المشوهة، الأمر الذي يخفف حدة الدفاع عن ‏الموروثات ويرفع من سوية الدفاع عن الخيارات الحرة.

النقد الموجه للفقرة المتعلقة بالإسلام في إعلان دمشق بعضه صحيح وأغلبه زائف. الصحيح أن الصياغة مرتبكة وغير ‏واضحة واستخدمت مفاهيم سياسية (الأكثرية) في ميدان الهوية وليس في حقل السياسة والتعاقد الاجتماعي. لقد ‏وضعت هذه الفقرة لغايات متعددة، يأتي في آخرها حساب انضمام "الإخوان المسلمين" إلى إعلان دمشق بوصفهم ‏تياراً دينياً معتدلاً. الغايات الأكثر أهمية تتحدد في: أولاً: لقد أصبح الإسلام مشكلة على صعيد العالم، فيما المسيحية ‏ليست كذلك، خاصة لجهة ربطه بالإرهاب، لذا كان من الضروري إبراز فهمنا لأحد المكونات الأساسية لثقافتنا، ‏وثانياً: محاولة تشجيع التيارات الدينية المعتدلة على حساب التيارات العنفية المتطرفة التي تنمو في ظل الاستبداد وتجد ‏متنفساً لها بعد زواله، وثالثاً: تأكيد القوى الوطنية الديمقراطية انتماءها لعلمانية ديمقراطية في وجه العلمانيات المعادية ‏للدين (ومنها تلك التي يمكن تسميتها بالعلمانيات الطائفية) والقافزة فوق واقع وشروط مجتمعاتها، والتي تمارس سياسة ‏متطرفة هي الوجه الآخر للتطرف الديني.

‏-3-‏

إعلان دمشق هو ثمرة لجهود ناجحة وأخرى فاشلة قامت خلال السنوات الخمس الماضية على صعيد المعارضة، لكنه في ‏الوقت ذاته خطوة نوعية تتجاوز المبادرات والمشاريع السابقة، من حيث المنظور، ومن حيث التطور الحاصل في ‏علاقات القوى السياسية مع بعضها، وفي التقنيات الحوارية الجديدة القائمة على التوافق والتشارك، وهي التقنيات ‏الضرورية للممارسة الصائبة للسياسة، وأيضاً من حيث كون الإعلان جاء مشروعاً إنقاذياً في اللحظة السياسية الراهنة.

لا يمكن تجاهل تحول الإعلان إلى قوة معنوية، وهو الأمر الذي دفع بالقوى والشخصيات المعارضة خارج سورية إلى ‏إعلان تأييدها وانضمامها، بما يعني أن إيقاع المعارضة السورية أصبح مرتبطاً بإيقاع قواها في الداخل، وهذا هو الاتجاه ‏السياسي الصحيح الذي يمكن من خلاله ألا تكون حركة المعارضة في الخارج حركة بلا إنتاج أو حركة بلا بركة أو ‏حركة دون مسار واضح.

الإعلان بحاجة إلى نقد واسع، لكنه بحاجة إلى نقد يستند إلى روح التضامن معه، ودون إغفال الحقيقة السياسية التي ‏تقول أنه من الضروري لكي نلتقي أن نترك جزءاً منا خارج غرفة الحوار، وجزءاً آخر أثناء الحوار. دون روح التفاوض ‏والتسوية والحلول الوسط والتوافق لا يمكن لنا أن نتشارك، فهذه الروح هي جوهر ممارسة السياسة، وهي ما تجسدت ‏نسبياً عند القوى والشخصيات الموقعة على إعلان دمشق.

__________

* كاتب سوري - دمشق

   [ POSTED  @ 12:52 م ]


 

نظام الوصاية البعثي عاث فساداً في لبنان .. ووضع سورية على كف عفريت..

الطاهر إبراهيم

أخبار الشرق

الخصوصية بين لبنان وسورية تكاد لا تجتمع لقطرين عربيين آخرين كما اجتمعت لهما، ‏خصوصاً منذ بداية القرن العشرين، حيث جمع بينهما المستعمر الفرنسي في احتلال دام ربع ‏قرن ثم فرق بينهما في دولتين، ومع ذلك فقد توحدت فيهما القوى الوطنية في مواجهة قمع ‏المحتل وتنكيله.