unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-12-24  

الوطنية السورية والأزمة الراهنة (3)


العشيرة السورية

حسام جزماتي

السفير

يخطئ معارضون سوريون ومراقبون خارجيون حين يقللون من حجم التأييد الطوعي الذي بات يحظى به نظام الرئيس بشار الأسد، وحجم الالتفاف حوله للدفاع عن الوطن ضد ما يواجهه من تهديدات خارجية متزايدة منذ مقتل الرئيس رفيق الحريري. وجذر هذا الخطأ يكمن في نظرة سياسية ثقافية للواقع السوري، تتخلى عن معاينته لصالح قراءة ديموقراطية محضة، لا تأخذ في اعتبارها سلم أولويات السوريين المرتب وفق معطيات معاشية مباشرة، وثقافة سياسية لا صلة لها بالوعي المدني أو السياسي الحديث.
فالسوريون، الذين ينظرون إلى السياسة الدولية بوصفها مؤامرة من الدول الكبرى، وإلى الغريب، لا سيما الأميركي والأوروبي، بوصفه طامعا ومشروع محتل دائما، وإلى المجال الاجتماعي للدولة بوصفه عائلة يجب إظهار تكافل أفرادها في مواجهة الغريب؛ لا تشكل الديموقراطية واحدة من احتياجاتهم الجادة. إذ تقتصر أولوياتهم على تأمين متطلبات الواقع المعاشي، والحفاظ على الأمان الذي ينعمون به. وعلى خلفية المشهد العراقي الحاضر بقوة، والمرشح في أذهانهم للتكرار حرفياً في سوريا في حال إزالة النظام، يفضلون بلا شك ظلم ذوي القربى، فهم في نهاية المطاف إخوة في عائلة أو عشيرة واحدة، إن غوت غووا، وإن ترشد يرشدوا.
وبتحدرهم من خبرات قرون من الاستبداد التاريخي، مثل غالبية العرب، فإنهم ينظرون إلى التعسف والظلم بوصفهما جزءا من تعريف الحكم. ولا يشتكون جدياً منهما إلا إذا وصلا إلى استفحال عشوائي يهدد الحياة المباشرة للأفراد العاديين. وهم متفقون على أن السنوات القليلة الماضية أخف وطأةً مما سبقها من عقود، ولهذا يفضلون إعطاء الفرصة للرئيس الحالي لإصلاح الأوضاع الداخلية، على محتل يريد انتهاك الكرامة الفردية والجماعية. الخيار الثالث، ببساطة، خارج حسابهم للاحتمالات. وفي نهاية المطاف، ليس بينهم وبين الرئيس بشار الأسد دمٌ به يطالبون. وهو في نظرهم طيب ومخلصٌ بقدر ما يمكن لحاكم. كما تدل الإصلاحات التي يحاول إطلاقها بعدد لانهائي من المراسيم، على رغبته الصادقة في تحسين وضعهم المعاشي وتحقيق انفتاح اقتصادي وتقني وإعلامي. وإذا كان عددٌ كبير من هذه المراسيم لم يحقق تغييرا يذكر على واقع الحال، فمرد ذلك إلى الحاشية المنتفعة والبيروقراطية التي تحاول إعاقة ما يرغب به الرئيس من إصلاحات، علما بأنه دائبٌ على تقليم نفوذها وإقصائها بالتدريج.
وبتخلي النظام عن قسم كبير من دعاويه وسياساته الاشتراكية، شعر عددٌ كبيرٌ من السوريين بالانفراج، وبإمكانية الإثراء من مبادرات تجارية أو صناعية فردية. وبتخليه النسبي عن سياساته العلمانوية، صار يغازل جانباً من الشعور الديني كما يتجلى بشكل شعبي. وإذا كانت عبارة مثل قوتان لا تقهران: قوة الله وقوة الشعب قد بدت مدرسية وغامضة وسلطوية، فإن تعميم الأهزوجة الشام الله حاميها ليشمل كل سوريا، يتكىء على رصيد ديني ووجداني عام تحمله العبارة الأصلية.
وبتراجع النظام عن التشديد على الأولويات القومية، لصالح إحياء وطنية سورية خجولة وهشة أساساً، وذلك بالتركيز الإعلامي والإجرائي على الشأن السوري، إثر حرب الخليج وتنامي الدعوات القطرية بين العرب؛ بهذا التراجع كان النظام يخاطب في الناس اعتزازاً غريزياً بكونهم أعضاء متضامّين في جماعة أضحت واضحة المعالم. وبين انتماءاتهم وهوياتهم المتعددة، من إسلامية وعربية إلى جهوية وطائفية وعشائرية، اختير لهم الانتماء الجغرافي والكياني ليكون رابط لحمتهم المعلن، وحصنهم في مواجهة الآخر. وقد استجابوا لهذا الاختيار بكل الصدق الذي يمكن أن يتيحه شعور جمعي، فهم معادون للأمريكان عالمياً (تربت أجيال سورية على هذه الكراهية، منذ عبد الناصر إلى بن لادن، مروراً بالكتب المدرسية والشعارات الذائعة، بحيث أصبحت هذه الكراهية بديهية)، وللبنانيين إقليمياً (بعد خروج الجيش السوري، ومهاجمة سوريا من قبل قطاع واسع من اللبنانيين)، وللأكراد داخلياً (على خلفية المشهد العراقي أيضاً؛ وقد تجلى هذا الشعور عند حدوث أعمال شغب إثر مباراة بكرة القدم في مدينة القامشلي في آذار 2004).
ومن مقتضيات الحس الجمعي نقصٌ في المحاكمة العقلانية، وانجرافٌ عاطفي إلى كراهية من يمس حمى الجماعة الواقعي أو النفسي، وتكاتفٌ في مواجهة الشدائد، وتجاوز الخلافات الداخلية التي تحدث بين أفراد البيت الواحد، وبالتأكيد... محض الولاء المطلق لكبير العائلة، بينما هو يواجه الخطر الخارجي. ومن هنا يأتي اعتبار المنشق عن الجماعة، أو المشكك في بعض مسلماتها، خائنا أهليا قبل أن تلوح له السلطة بالتخوين السياسي. وهذا ما يفسر بعض أسباب عدم ثقة السوريين بالمعارضة، ففي هذا الوقت بالذات، والجماعة تتعرض لخطر الخارج، يبدو كل تساؤل تشويشا يمكن أن يثير الخلافات الداخلية، ويهدد الأمن النفسي الجمعي قبل أن يهدد الأمن بالمعنى المعروف.
والسوريون مغرمون بأمانهم. فعقب سنوات طويلة من الاستقرار تراجعت القدرة على مواجهة عالم متغير ذي حراك اقتصادي واجتماعي وسياسي قوي. وساد الشعور بأن الدولة هي ضامن استمرار الرتابة الآمنة للعيش، سواء بقطاعها العام المترهل كثيراً، أو بالمناخ الاقتصادي والاجتماعي الثابت نسبياً لأعمال الحرفيين والتجار. وسواء أكان البديل احتلالا أم لا، فإن انفتاح سوريا المباشر والكلي على العالم يعني للكثيرين هزات وأخطاراً لا يقوون على مجابهتها. وأخيراً، يكمن سبب نفسي خاص وراء الكثير من مظاهر التأييد الطوعي الشبابية، كما تتجلى في اعتصامات وتحركات مختلفة، يجعلها مختلفة عن المسيرات الإلزامية التي كان السوريون يقادون إليها في السابق. ففي عهد الرئيس حافظ الأسد، واثر تعقيم المجتمع من السياسة، كان السوريون يشعرون بأن وجودهم ككائنات سياسية نافلٌ بالنسبة إلى النظام. وأمام هيمنته الكلية على المجال العام، كان المطلوب منهم فقط الخروج في مسيرات كئيبة لإظهار الولاء، كديكورات لا قيمة لها على مسرح الفعل، مساقين بفعل أجهزة الرصد الأمنية والحزبية في المؤسسات الحكومية والتعليمية. أما في عهد ابنه الشاب الذي ترك جزءاً من المجال العام خارج السيطرة المشددة، فقد شعر شبان سوريون بأن بإمكانهم اتخاذ موقف سياسي خاص ومستقل. ونتيجة عهود مديدة من التربية فإن سقف المطالب الداخلية التي استطاعوا التفكير بها هو سقفٌ إصلاحي بالفعل. أما في مواجهة الخارج، فإن هؤلاء الشبان يشعرون بأن رئيسهم يحتاج إلى مساندتهم، ما يعطيهم فرصة أن يكونوا فعالين، ومؤثرين في مجرى الأحداث، وعلى سوية ما يشاهدونه من مظاهر عالمية في الفضائيات. إنهم الآن يمارسون السياسة، فيشتمون ميليس ووليد جنبلاط، ويقفون ضد الذين يهينون إخوتهم في العراق وفلسطين، ويهتفون أحراراً طائعين (الله... سوريا... بشار وبس) وهم يلوحون بالعلم السوري العائد بعد غياب.

كاتب سوري

   [ POSTED  @ 1:59 م ]


 

الوطنية السورية والأزمة الراهنة (3)


الوطنية المسلوبة

منير شحود

السفير

برز مفهوم الوطنية والدولة الوطنية في الحقبة الاستعمارية من تاريخ منطقتنا، وعبر عن الرغبة في التحرر وبناء كيانات مستقلة اقتداءً بالدول الأوروبية التي كانت قد أنجزت بناء كياناتها ووضعت لها الأطر القانونية والسياسية بهدف ضبط الصراعات المجتمعية الطبقية واستبدال الصراعات التناحرية بنظام إتاحة الفرص والتعاون الاجتماعي قاطعة بذلك الطريق على إمكانيات قيام الثورات الاجتماعية والتحاقها بالاتحاد السوفياتي، وخاصة بعد أن بدأ هذا النموذج يفقد توهجه بالنسبة للشعوب الأوروبية.
لكن هذا المنحى لم يخلُ من ارتدادات تمثلت بنزعة قومية جياشة ومتطرفة أنتجت النازية والفاشية وكلفت الأوروبيين ملايين الضحايا لإعادة تنظيم البيت الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، ومن ثم تقاسم أوروبا بين المنتصرين، وسادت فترة الحرب الباردة حتى بداية العقد الأخير من القرن المنصرم.
وكانت النزعة الوطنية العربية مرتبطة إلى حد كبير بالكيان القومي المتمثل بالوطن العربي الواحد، وذلك ردا على الهيمنة الاستعمارية وتعبيرا عن رفض تقسيمه إلى كيانات منفصلة باتفاقية <<سايكس بيكو>> الشهيرة بُعيد الحرب العالمية الأولى، ومثلت الناصرية ذروة هذا المد القومي الوطني، ولكن بصورة عاطفية، وليس من خلال ضرورات المصلحة القومية للطبقة البرجوازية الضعيفة والمقلقلة بين الانتماءات القبْلية والميل نحو العصرنة.
ونحت معظم الدول العربية المستقلة حديثاً منحىً تطوريا تدريجيا تراوح بين جمهوريات وممالك وإمارات. ولكن المد الثوري العالمي الذي تخللته أحلام التطور السريع بوجود الاتحاد السوفياتي كحاضنة، مكَّن القوى الثورية الشعبوية من الوصول إلى السلطة عن طريق الجيش، ما قطع الصيرورة السابقة، وحدث ذلك في بلدان المشرق العربي وشمال إفريقيا بشكل عام.
وكان لهذه القوى الأنظمة طريقتها الخاصة في التطور تمثلت بهدف رئيسي هو الاحتفاظ بالسلطة، بغض النظر عن أية شرعية، باستثناء ما تشرعنه لنفسها. وعوضت هذه الأنظمة عن فقدان شعبيتها التدريجي ببناء أجهزة قمع بلغت أوج انفلاتها في البلدان التي حكم فيها حزب البعث. وتمت شخصنة السلطة والدولة والوطن المزرعة وغابت الحياة السياسية وساد النفاق والمحسوبية والتصفيق، وتم لاحقاً توريث السلطة والثروة أو تضييق حلقة المنتفعين أكثر فأكثر، وذلك كتتويج لغياب أية فرصة يمكن النفاذ من خلالها إلى الهيكل الأمني الاستبدادي المتماسك. ولم تكتفِ هذه الأنظمة بنشر الفساد والاستبداد في بلدانها، بل عبرت به حدود الجيران حرباً أو هيمنة، تاركة لمعركتها مع العدو الحقيقي رزمة من الشعارات، ومحتفظة بالعداء فزاعة لتبرير دوام الحال وتخوين من يجرؤ على التشكيك باحتكارها للوطنية، كما احتكرت وأممت كل شيء. ومثَّلت الأنظمة البعثية نموذجاً متخلفاً للفاشية، مع الفرق بأن حربها كانت على مجتمعاتها بصورة خاصة، أكثر من كونها حربا على الخارج. ولكنها استخدمت الأسلوب نفسه في <<بروباغاندا>> التجييش والقمع، وانسلخت من جلدها عدة مرات لتتحول إلى أنظمة استبدادية فاسدة، وبالتالي لا يمكن اعتبارها نوعاً من الاستبدادية الوطنية، لأن مصلحتها في السلطة والثروة هي التي اقتضت الاستبداد، وليس المصلحة الوطنية.
ولكن ما هو الحصاد الوطني لتلك العقود التي حكمت فيها القوى المستبدة وما زالت؟ وهل يمكن الحديث عن الوطن والوطنية في ظروف عدم وجود صيغة تعاقدية بين الوطن والمواطن تحدد الحقوق والواجبات؟ ولم تعش القوانين الوضعية التي سُنَّت في العهد الاستقلالي قبل الاستبدادي سوى سنوات قليلة، لتتم إزاحتها جانباً بقوانين طوارئ غير محددة زمنياً وتنتظر انتهاء الصراع مع العدو، الذي تحاربه السلطات بالصراخ وتكيل له اللكمات الدونكيشوتية صباح مساء.
لم تنتج هذه الأنظمة مواطناً، ولم تحرر شبراً من أرضٍ محتلة، حتى تكون وطنية، بل عمَّمت بذور الخراب بنشرها الفساد والاستيلاء على الثروات المنتجة بالعرق والدم ووضعها في بنوك الآخرين. وانتبهت مؤخراً إلى العلم الوطني لمرحلة ما بعد الاستقلال بعد أن غيبته خلف راياتها، وزجَّت به لخدمة مآربها ومصالحها.
ليست الوطنية شعاراً ولا لبوساً لأحد، إنها فعل يمارسه كل منا في الزمان والمكان، حقوق وواجبات، تحت مظلة القانون، ولا يحق لأحد إصدار شهادات الوطنية، أو إطلاق تهم التخوين، وخاصة أولئك الذين أساؤوا إلى الوطن بسرقة ثرواته، وصموا آذانهم عن مكافحة الفساد، لا بل عمَّموه، لينشروا بذلك أنماط ممارساتهم هذه في مجتمعاتهم... هؤلاء هم من تجب محاسبتهم على تفريطهم واستبدادهم، كخطوة أولى على طريق بناء الوطن.
ولعل أهم ما برهن عليه نظام البعث في العراق ونظيره في سوريا أنهما عصيان على التغيير الأقل دراماتيكية، وأنهما المدخل الذي نفذت أو ستنفذ منه القوى الخارجية في النهاية، وربما قد يكون ذلك الحل الأقل سوءاً لتفادي الخراب المحدق.
لم ندخل مرحلة الوطنية الحقة بعد، لأننا لا نمتلك أي صيغة ديموقراطية للتعاقد. وعندما يتحقق التوافق في دولة القانون والانتخابات نكون قد سلكنا بداية الطريق، ويمكن الحديث عندها عن الأمن الوطني والمصلحة الوطنية، دون أن تكون ثمة مفارقة أو تناقض بين مصالح النخبة المنتخبة والمصالح الوطنية العامة. ولا تمتلك أي صيغة شمولية معارضة مخرجاً من الوضع الراهن لأنها ستعمل على إعادة إنتاج النموذج نفسه. وفي النهاية لا يمكن إعادة الأمور إلى نصابها دون تغيير المفهوم السائد بحيث تعمل السلطات المنتخبة ديموقراطياً على رعاية المصالح الوطنية، لا أن توحي السلطة غير المنتخبة أو المفبرك انتخابها بتطابق مصالحها مع المصلحة الوطنية. وفي هذه الحالة يمكن الحديث عن وحدة وطنية سورية تمثل الانتماء المشترك والأهم لمواطنين يؤدون واجباتهم ويطالبون بحقوقهم بالطرق الشرعية، تمثلهم نقابات عصرية. وعندها لا ضير في احتفاظهم بانتماءاتهم ما قبل الوطنية، إن شاؤوا، من دون أن يتقوقعوا فيها أو يلجأوا إليها لتحميهم من السطوة والتسلط.

كاتب سوري

   [ POSTED  @ 1:58 م ]


 

مبدأ الشرع!


ميشيل كيلو

القدس العربي


أعلن فاروق الشرع، وزير الخارجية السوري، من القاهرة، مبدأ سياسيا جديدا بالنسبة إلي الديبلوماسية العربية الحديثة، يمكن تسميته مبدأ الشرع ، يعين حدود سيادة لبنان ويربطها بالنظام السوري، ويري أن لبنان الحر والمستقل سيكون بالضرورة ممرا ومقرا للمؤامرات علي سورية، وأن هذا ممنوع.
يشبه مبدأ الشرع مبدأ بريجنييف في حينه، الذي أعلن أن للدول الاشتراكية سيادة محدودة تجاه الاتحاد السوفييتي، وأنها لا تستطيع التصرف علي هواها، وأن عليها إعطاء أولوية لمصالحه وأمنه في أي تدبير أو إجراء تتخذه. قال المبدأ كذلك بحق السوفييت في وضع يدهم علي أوضاع الدول الاشتراكية الداخلية، وشرعن تدخلهم العسكري ضدها بعد أحداث عام 1968، التي قمع الجيش الأحمر خلالها حركة شعبية ديموقراطية أرادت تجديد ـ أي تغيير ـ النظام الستاليني.
قلت إن مبدأ الشرع يشبه مبدأ بريجنييف. أما السبب، فيكمن في أنه يري، مثله، أن علي لبنان رسم سياساته في ضوء مصالح وأمن سورية، ويلزمه بالتنسيق معها في كل كبيرة وصغيرة، لأن الوضع اللبناني يدول بمجرد أن تستقل بيروت عن دمشق، ولأن تدويل أوضاعه يعطيها حق التدخل لرد الأمور إلي نصابها ومنعه من أن يتحول إلي ممر ومقر للتآمر عليها، كما قال الشرع خلال مؤتمر صحافي في القاهرة، ألقي خلاله أضواء علي خلفيات الأحداث التي يعيشها البلد الشقيق، وفسر جوانب من سلوك النظام السوري هناك، وبرر ما يبدو غير قابل للفهم إلا بمعايير سورية، كالتصعيد السوري المستمر تجاه لبنان، وإصرار دمشق علي اتهامه بالتآمر عليها، رغم أن حكومته لم تفعل ما يشير إلي قيامها بدور كهذا، ورغم أنها قبلت توسيع الوجود الفلسطيني المسلح في أراضيها، وسمحت بامتداده إلي جنوب بيروت، وتعهدت أن لا تستعمل القوة ضده، وتعاونت مع حزب الله وأعلنت التزامها بأمنه باعتباره المقاومة ، ورفضت نزع سلاحه وقالت بتنظيم وجوده وطنيا بالتوافق بين اللبنانيين ودون تدخل خارجي، وأخيرا، رغم أن رئيس حكومته نال مديح الصحف والسلطات السورية علي دوره القومي، قبل أن يحوله بشار الأسد في حركة مفاجئة إلي عبد مأمور لعبد مأمور .
ماذا يعني مبدأ الشرع وإلي أين يمكن أن يقود تطبيقه البلدين؟
1ـ يكمن أول معاني المبدأ في أمرين يخصان سورية هما: رغبة نظامها في التعامل مع لبنان انطلاقا من رؤية تجعله هو مركزا وتجعل لبنان هامشا أو طرفا، علي أن يقرر المركز وينصاع الطرف لقراراته، وإلا.... وتصميم نظامها علي التمسك بنمط سوفييتي في التعامل الدولي مع دول الجوار، تمسكا بحال سابقة جعلت منه محور المنطقة المشرقية الرئيسي، الذي أخرج العراق من السياسات العربية طيلة فترة ليست بالقصيرة ـ عبر دعم إيران في حربها ضده أو حربه ضدها لا فرق ـ، ووضع يده عسكريا وسياسيا علي لبنان، وعمل بدأب لانتزاع قرار فلسطين من يد منظمة التحرير، التي أراد ضبطها ضمن سياقاته ومصالحه السياسية الخاصة، وأجبر الأردن علي مراعاة هيمنته وسيطرته علي المشرق العربي، والسعودية علي قبول تقاسم وظيفي معه دورها فيه تقديم التمويل والموارد، ودوره ممارسة السيطرة وتهدئة البلدان المجاورة وتخويفها، فضلا عن ضبط داخله بعد سلسلة مأساوية من عمليات السحق الموسع طالت فئات واسعة جدا من المجتمع السوري. لبنان هامش وطرف وعليه أن يحترم موقعه هذا ويلتزم به حتي بعد خروج جيشه من أراضيه، فإن نسي هذا كان هناك ألف وسيلة لتذكيره به، بعضها كلامي وبعضها الآخر عملياتي ـ ميداني.
2 ـ انه يحق للنظام السوري وحده تقرير ما إذا كان لبنان مستقلا أم تابعا لدول أجنبية. وبما أن النظام قرر أن لبنان لا يستطيع أن يكون مستقلا، فإن قراره يعني أنه لا يستطيع أن يكون غير مقر أو ممر للمؤامرات علي دمشق، التي لا يجوز أن يلومها أحد علي قيامها بـ واجبها القومي تجاهه، ولا يحق لها الوقوف مكتوفة اليدين وهي تراه ينزلق إلي ما دون الوضع الذي أقامته فيه خلال وجود جيشها علي أراضيه، وعليها العمل لتحريره من التبعية للخارج، الخطيرة جدا عليها والموجهة أصلا ضدها، التي تستهدف دورها ووجودها باعتبارها آخر معاقل الصمود في وجه أمريكا وإسرائيل. في دعاية السورية، لبنان ساحة الصراع، لكنه ليس هدفه، ما دام هدف النظام إنقاذ أشقائه والدفاع عن نفسه. وإذا نزل بهم ضررا ما خلال العمليات، فذلك راجع حتما إلي حقيقة أن بلدهم صار قاعدة أجنبية يجب القضاء عليها، وللحرية كما يعلم الجميع ثمن، قد يكون بعض من يدفعونه أبرياء، لكن هؤلاء يسقطون في جميع الأحوال بصفتهم ضحايا الخارج، حتي إن قضوا علي يد الشقيق. إذا كان صحيحا أن لبنان صار بعد خروج النظام السوري منه بلدا غير مستقل، مقرا للمؤامرات وممرا لها، فهذا يعني أن حكامه لا يستطيعون أن يكونوا غير عملاء للأجنبي، لسورية الحق في حماية نفسها منهم بمختلف السبل والوسائل.
3ـ يترك مبدأ الشرع أمام اللبنانيين أحد بديلين: عودة سورية إلي بلدهم، أو التعرض لتصعيد متنوع ومتواصل، يجوز فيه استخدام كل شيء من أجل تحقيق الهدف: حماية سورية منه، وهذا يتم إما بعودة قواتها إليه، أو بإيصاله إلي وضع يقبل فيه أن تكون سيادته محدودة تجاهها، ويعترف بحقها في رسم سياساته وتحديد مصالحه والإشراف عليه.
هذا هو مبدأ الشرع . لا تتوقعوا انفراجا أو تحسنا في علاقات سورية بلبنان، إذا لم يبذل العرب جهودا خارقة تقوم بها السعودية ومصر والجزائر والمغرب واليمن... الخ، تستهدف تغيير مبدأ الشرع والعقلية التي يري لبنان بواسطتها. بغير ذلك، لن يكون هذا المبدأ الشرع آخر التصعيد، ولن تكون الأحداث المتفرقة والمؤلمة، التي يعيشها اللبنانيون، آخر أحداث يعيشونها.

   [ POSTED  @ 1:57 م ]


 

تنافس سوري بين السلطة والمعارضة على الشارع الإسلامي

وائل السواح

الحياة

يبدو أن ثمة سباقا بين السلطة السورية ومعارضتها «العلمانية» لاستمالة الشارع الإسلامي، كل إلى جانبه. ذلك اعتراف من كلا الجانبين بإفلاس برامجهما التي عملا عليها منذ مطلع الستينات وحتى الاحتلال الأميركي للعراق. وهو اعتراف مشترك بأن الإسلاميين يلعبون دور بيضة القبان في التوازنات السياسية في الخريطة السورية.

ولا يمكن مغالبة إغراء التفكير أن في سياسة الطرفين إذعانا مثيرا للدهشة وارتدادا عن واقع عرفته سورية منذ انفكاكها عن الدولة العثمانية، اذ طالما وجد – عمليا على الأقل وإلى حد كبير - فصل بين الدولة والدين. ما يسعى إليه الطرفان هو تقويض هذا الواقع والعودة بالبلاد خطوات إلى الوراء حيث يلعب رجال الدين دور الساسة أو دور الموجه للساسة على غرار الجمهورية الإسلامية في إيران.

من هذا المنطلق يمكن قراءة سلسلة من المؤشرات التي بات من غير الممكن تجاهلها. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، عقد في جامعة دمشق عن «المرأة والتقاليد،» رعاه وزير التعليم العالي وشاركت فيه نخبة من المفكرين والمفكرات في هذا الحقل من مختلف بلدان الشرق الأوسط. وزع منظمو المؤتمر كتابا بعنوان «فلينزع الحجاب»، وهو مطبوع في سورية بشكل نظامي وقد حصل الناشر على رخصتي طباعة وتوزيع. رد فعل الإسلاميين كان هائلا، داخل المؤتمر وخارجه. ففي الداخل شنوا هجوما غير مسبوق على الأفكار الليبرالية التي طرحت، وفي الخارج كان موضوع الندوة وتوزيع الكتاب مادة في غير مسجد دمشقي، يوم الجمعة التالي. وهو، على أي حال، رد فعل مفهوم. غير أن رد الفعل غير المفهوم جاء من قبل السلطة. اذ استنفرت أجهزة أمنية لملاحقة الموضوع، واستدعت منظم المؤتمر وناشر الكتاب لمساءلتهم، ولم تجد معهم حجة أن المؤتمر كان برعاية وزير التعليم العالي وأن الكتاب كان مرخصا من قبل وزارة الإعلام. كانت رسالة الأجهزة واضحة لا غبار عليها: هذه منطقة حرام الآن.

والرسالة نفسها جاءت من السيدة غادة مراد، المدعي العام للجمهورية ورئيسة لجنة التحقيق التي شكلتها الحكومة السورية للتحقيق في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، عندما بدأت مؤتمرها الصحافي بعبارة «بسم الله الرحمن الرحيم.» القضاء السوري مؤسسة مدنية، والأحكام في سورية، ونظام القضاء يبدأ عادة جلساته وأحكامه وتقاريره باسم الشعب. وليست هذه حادثة مفردة، وقعت بسبب تدين السيدة القاضية. والأحداث التي سبقتها وتلتها تجعل الوقوف أمامها والتفكير بها مليا أمر لا بد منه. اذ يبدو أن الحكومة السورية قررت أن تلعب لعبة تجيير الدين الإسلامي بدعاته وواعظيه وخطبائه لدعم الحكومة في صراعها مع الأمم المتحدة والغرب.

وفي هذا السياق خصصت خطب الجمعة في الأسابيع الفائتة لحشد مشاعر المؤمنين الدينية «دفاعا عن الإسلام». ففي خطبة يوم الجمعة في 18 تشرين الثاني، والتي نقلتها الإذاعة السورية، حض الخطيب الصناعيين والتجار ورجال الأعمال على الجهاد بأموالهم لإكمال جهاد الآخرين بأنفسهم. أما الدكتور محمد حبش، عضو مجلس الشعب، فخاطب جمهور المصلين في اليوم نفسه في مسجد آخر، محذراً من أن سورية ستمر «بايام سوداء،» طالبا من الناس الرباط وشد الأحزمة لمواجهة هذه الأيام، مشددا أنه يفضل «ألف مرة» أن يبقى في بلد محاصر، محافظا على دينه ومبادئه، من أن يعيش في بلد يفرط فيه بالدين والمبادئ.

المسألة إذن واضحة. ثمة استخدام للدين في تجييش المسلمين السوريين لمواجهة الضغوط الدولية. ولكي ينجح الخطباء في ذلك لا بد من أن يصوروا الخطر وكأنه يتهدد الدين الإسلامي نفسه وليس وضعا سياسيا معينا. ويبدو أن هذه اللعبة صارت شائعة في الفترة الأخيرة بين الحكومات العربية، وساعدتها في جهودها السياسة الأميركية التي تتسم غالبا بضيق الأفق.

والمشكلة أن المسألة لا تقف عند حدود السلطة. فالمعارضة غالبا ما تلعب اللعبة نفسها، متوهمة أنها بذلك تجر الشارع المتدين إلى صفها. ولئن آثرت السلطة الاستفادة من خطباء المساجد والوعاظ في مشروعها، فإن المعارضة اختارت الإسلام السياسي. وما إعلان المعارضة السورية التقليدية الذي ظهر الشهر الماضي باسم «إعلان دمشق» إلا مثالا على ذلك. فالإعلان الذي وقعته مجموعة من الأحزاب القومية واليسارية والكردية والشخصيات الليبرالية لم يتوان عن مغازلة تيار الإسلام الديني ممثلا بجماعة «الإخوان المسلمين»، وذلك بإلصاق رقعة من برنامج الأخيرين «الحضاري» في الإعلان، من دون أن يكون لها أي سياق منطقي او تناسق مقبول؛ وتنازلت، من دون أن يرف لها جفن، عن تاريخ سورية العريق في العلمانية وفي فصل الدين عن الدولة. وكانت النتيجة أن سارع «الإخوان» الى رد الجميل فأعلنوا انضمامهم الى «إعلان دمشق» بعد ثلاث ساعات فقط من إعلانه، وهي مدة كانت كافية لقراءة البيان وتحليله وفهمه ومناقشته والتصويت عليه ومن ثم إعلانه!

كاتب سوري

   [ POSTED  @ 1:55 م ]


 

نص كلمة د / نصر حامد ابو زيد فى الجمعية الفلسفية المصرية

المفكر حارس قيم .. لا كلب حراسة


تعانى أوطاننا من أزمة خانقة ، أو أزمات فى كل المجالات وعلى كل الاصعدة ، لكن هذه الازمات يمكن ردها جميعا لأزمة الحرية .
ان القول النهضوى " ليكن الوطن محلا للسعادة المشتركة نبنيه بالحرية والفكر والمصنع " قد أدرك أن الحرية هى وحدها المفتاح الذى يقود عملية التقدم فى الصناعة والزراعة ، بإختصار الحرية هى قاطرة التنمية ، وعوائق الحرية تتمركز فى الإستبداد الذى يولد الفساد الذى يؤدى بدوره الى الخراب الشامل . ومنذ بداية القرن الماضى والمثقف العربى ، الشيخ والأفندى والتقنى ، يشكو من الاستبداد ويحلل أسبابه ويبين مخاطره ويقترح الوسائل للخروج منه إلى أفق الحرية وسيادة إرادة الأمة تحقيقا للعدل والمساواة ، وها نحن بعد قرن كامل تغيرت فيه الدنيا ، وانتقل العالم من عصر التصنيع إلى عصر تكنولوجيا المعلومات ، لانزال نراوح أماكننا من وطأة الاستبداد السياسى والإجتماعى بل والثقافى والدينى .
تغلغل الاستبداد فى تفاصيل حياتنا من وطأة تاريخ طويل من الحكم العسكرى أو الطائفى أو المشيخى ، فالأب مستبد يقهر الزوجة والطفل باسم " تماسك الأسرة " والمعلم يقهر التلاميذ باسم " حق المعلم فى التبجيل والتوقير " والرئيس أياً كانت درجته يقهر المرؤوسين باسم " الضبط والربط والنظام " ورجل الدين يقهر المؤمنين باسم " السمع والطاعة " والحاكم يقهر شعباً بأكمله باسم " التصدى للأخطار الخارجية " .
صار الوطن معسكراً ... كلنا محبوسون داخل أسواره نحيى العلم كل صباح ومساء وطوال اليوم نغنى الأغانى الوطنية وننشد الأهازيج فى حب الوطن
كان هتافنا فى المظاهرات ونحن صغار - إبان الإحتلال البريطانى لمصر والفساد المتعاون معه فى القصر الملكى - " نموت نموت ويحيا الوطن " ، ولم يكن الأمر مجرد هتاف فقد مات الكثيرون على ضفاف القناة وفى أرض سيناء وأسشتهد آخرون فى معارك حصدت الالوف ، بإختصار دفعنا الثمن وحصد آخرون الثمرة ، وظلت الأوطان كما هى رهين إحتلال من نوع آخر اسمه " الاستبداد " جنرالاته من بنى جلدتنا يمصون دماءنا حتى آخر قطرة ويسدون منافذ التنفس أمام شعوب تختنق ومطلوب منها أن تظل تهتف ، وقد تحولت صيغة الهتاف فصارت " بالروح بالدم نفديك يا .... " .
فى تقديرى أن تفكيك الإستبداد مسألة بسيطة وسهلة فحواها أن نكف عن الهتاف وأن نعيد النظر فى مسألة أننا يجب أن نموت لكى تحيا الأوطان .
لماذا يجب أن نموت ؟ وأى أوطان هذه التى ستبقى بعد موتنا ؟

لقد متنا وبقيت أوطان لانعرفها ولاتعرفنا .

أسير فى شوراع القاهرة أو بيروت أو دمشق أو الدار البيضاء ، فأجد أناساً لااعرفهم ، وأرى مبانى شاهقة وفنادق فاخرة أخاف أن أدخلها ، أبحث عن أصدقائى والناس الذين أعرفهم وأحبهم فأجدهم فى أماكن خانقة ، مكاتب التحرير فى الصحف أو دور النشر فى قاعات الدرس والمكاتب المزدحمة فى الجامعات أو فى المقاهى التى فقدت بهاءها وخلعت أرديتها للكافيتريات السياحية ، أرى وجوهاً مرهقة من التدخين والهواء الفاسد ، لكننا نتضاحك لأننا مثقفون متفائلون نؤمن بالمستقبل ، ونتيقن أنه قادم لامحالة ... هؤلاء أصدقائى الحالمون الذين أحبهم وأسعى اليهم لأنهم مثلى لايهتفون موتاً فى حب الأوطان ، ولايفتدون فلاناً بالروح والدم .
لكن هناك مثقفون آخرون يرتادون الفنادق الفاخرة والكافيتريات السياحية ويسكنون فى مساكن فسيحة صحية يأتيها الهواء النقى من كل ناحية ولهم استراحاتهم الصيفية ومنتجعاتهم . هؤلاء أبناء العصر فهموا روحه وأدركوا أن التغيير - والإصلاح - لايأتى من أسفل لأعلى ، بل يأتى من أعلى الى أسفل . ولأنهم مصلحون حقاً فقد قرروا أن يتخلوا عن صيغ الاصلاح البالية التى تحدث عنها " محمد عبده " و " عبد الرحمن الكواكبى " .. وغيرهما - محاربة الاستبداد و الفساد - وأن يتبنوا صيغة ان لم تستطع مغالبة الموج فاركبه
أشكال الفساد :
من العجيب أن عبد الرحم الكواكبى منذ أكثر من مائة عام قد نبهنا أن " الاستبداد أصل كل فساد ، إذ يضغط على العقل فيفسده ، يلعب بالدين فيفسده ، ويغالب المجد فيفسده ، ويقيم مكانه " التمجد " . كيف لم ننتبه أن الاستبداد أس الفساد وهو الكلمة المفتاح لكل حياتنا العربية فى هذه اللحظة ؟
فالفساد أولاً والفساد ثانياً والفساد أخيراً .
: فساد العقل-
هل نحتاج للشواهد ، وأنظمتنا التعليمية وجامعاتنا واعلامنا المرئى خير شاهد ؟ فساد العقل أدى الى فساد الهوية النابعة من فساد الدين والمؤدية اليه فى نفس الوقت و اقرأ الكتب التى تصدر فكم منها تستطيع أن تواصل قراءته ؟

لقد صارت اللغة تتكلمنا لانحن الذين نتكلمها

صار العقل سجيناً للغة تكلمها آخرون منذ آلاف السنين واجتاح الفساد كل قنوات وعينا ، يشكو الصحفى البارز " صلاح حافظ " من إختراق الصحافة التى أفسدها المال الذى لم يعد يدخل الى الصحف " عبر مسالكه الشرعية ونعنى الاعلانات الصريحة " بل صار يتسرب عبر مسالك أخرى غير شرعية مثل " خلط الاعلان بالاعلام لخداع القارئ والمشاهد والتدليس عليه .. فاذا أضفت الى ذلك نماذج أخرى من نوع الرشاوى الخفية والمكافآت العلنية التى عودت وزارات وأجهزة وأحزاب بل ودول أجنبية دفعها لبعض مندوبى الصحف ووسائل الاعلام من ذوى النفوس الضعيفة والذمم الخربة لأدركت عمق الاختراق الذى نفذ الى العمق " .
فى مقابل هذا الفساد أو بسبب هذا الفساد يتعرض الصحفيون والاعلاميون الأحرار " لمضايقات وصلت لحد الاعتداء البدنى والايذاء النفسى هذا فى مصر ، أما فى بيروت فان الفساد الملازم للاستبداد لايرضى باقل من القتل تفجيراً وتدميراً ، اذا فسد الاعلام فعن أى عقل يمكن أن نتحدث ؟!
: فساد الدين -
احتاج المستبد الى " الدين " ليدارى عورات استبداده ، فأمم مؤسسات " التقديس " على حد تعبير المصرى الراحل " خليل عبد الكريم " لتهتف ليل نهار بعدله واستقامته وحكمته وشجاعته وتصدر الفتاوى لتبرير مواقفه وقراراته فلم يعد أمام المعترض والمحتج إلا ان يلجأ لنفس السلاح .
هكذا ضاع الايمان لصالح الحركية ، ومع ضعف الايمان قوى التطرف و ثار التدين شكلياً .
( إزدحام المساجد مع كثرتها ، اطالة اللحى وتقصير الجلاليب وارتداء الفتيات الحجاب فالنقاب)

حين يصير الدين شكلياً يصير هو المحدد الوحيد للهوية .

وهنا يتبلور مفهوم للآخر فضفاض يساوى بين الأجنبى ( الغربى ) وابن الوطن ( المسيحى والعلمانى ) فيضع الكل فى خانة الأعداء الذين يصبح قتالهم واجباً ،

سيد قطب قسم العالم كله الى مسلمين وجاهليين فقط .

: فساد المجد-
المجد كلمة تتسع لكل القيم والأخلاقيات وأنماط السلوك إجتماعياً وثقافياً ودينياً . وفساد المجد يؤدى الى " التمجد " وهو المجد الزائف الذى حلله أحمد البرقاوى من خلال نصوص " الكواكبى " ثم صاغه بلغة معاصرة فقال : " المتمجد هو البوق الأيديولوجى عند المستبد الذى يزيف الوقائع والحقائق هو الذى يقلب الامور رأساً على عقب لأنه يخفى أهداف المستبد الذاتية الضيقة ويحولها الى أهداف باسم الامة مستخدماً المفاهيم الأخلاقية الأثيرة لدى الناس ولصقها بسلوك المستبد .. كحب الوطن وتوسيع المملكة وتوسع المنافع العامة والدفاع عن الاستقلال ، لا شك أن عبد الحميد هو المقصود بهذا الكشف والتحليل ، ربما أنه ( الكواكبى ) أخفى هذا لسببين : الخوف من المستبد أو لاعطاء معنى كلى للمستبد والمتمجد " .

أن المتجد بإختصار هو ذلك المثقف الذى لايكف عن الهتاف - سواء كان شيخاً أو أفندياً أو تقنياً - للمستبد فيتحول هو بالتدريح الى مستبد صغير فيتوالد الاستبداد ويعيد إنتاج نفسه فى أشكال وأثواب جديدة ، فيصبح استبداداً دينياً واستبداداً ثقافياً واستبداداً تعليمياً .

ولأن الاستبداد هو أس الفساد يصبح الفساد هو الهدف الذى ينصب اليه تفكيكنا؟

: تفكيك الفساد -
كيف نفكك الفساد ؟ وهل هذا ممكن ؟
نعم ... يمكن تفكيك الفساد بفضحه على الملأ بلا خوف ولا حسابات ضيقة ، الفساد الذى يتجاوز السرقة ، سرقة المال العام ، والنهب باسم الاستثمار ، و الفساد الذى يتجاوز المحسوبية ويعلى من شأن القرابة على حساب الكفاءة .. هذا الفساد الذى يتجاوز أشكاله التقليدية تلك ويصبح قتلاً فى الطريق العام : شباب ينتحر لأنه لايجد عملا ، أو لأنه حرم من فرصة العمل بسبب تواضع نسبه ، إنتخابات تدار بالرشوة والبلطجة وخراب الذمم وتخريبها ، قضاة يعتدى عليهم ويداسون بأجهزة الأمن لأنهم صدقوا أنهم مسؤولون عن ضمان النزاهة ، وأخيرا قتل المثقفين والمعارضين وأصحاب الرأى .

لا مكان للعقل ولا مساحة للتفكير الحر ، والمجد للمتمجدين المبررين .. حملة المباخر ورافعى رايات الاصلاح والتنوير الذى لايجب أن يتناقض مع التقاليد أو يخترق أسوار التراث أو يخلخل الثوابت تلك التى يصوغها المتمجدون أنفسهم ويقفون حراساً وسدنة لها .

هؤلاء المتمجدون هم المسؤولون عن فساد العقل لأنهم حولوا العقل عن وظيفته النقدية التى تخترق ظلمات التقاليد والتراث لتؤسس قيم المستقبل من خلال تفاعل خلاق مع الماضى ، وحصروا دوره فى تبرير الوضع الراهن وتجميل قبحه ، هؤلاء المتمجدون حصروا التعليم فى التلقى والتكرار وحاربوا الابداع والقفز فوق أسوار التقليد ، حين أراد المستبد أن يؤمم العقل هللوا له ، منذ حاولت الدولة العباسية أن تضم قوة السلطة السياسية الى سلطة الفكر فى قبضتها منذ عصر المأمون ففشلت لكنها نجحت فى عصر المتوكل . ففى العصر الحديث تم فى مصر تأميم الازهر باسم " الاصلاح " فى الستينات ، وفى الخمسينات كان قد تم تأميم الجامعة باسم " التطهير " ، وكانت تلك بدايات فقدان الاستقلال ، وفى السبعينات تمت عسكرة الجامعة ، وفى التسعينات تمت عملية تسييس الجامعة باستيلاء الحزب الوطنى تدريجياً عليها .
فى الوقت الذى يعلن المسؤولون فيه أنه لاسياسة فى الجامعة بمعنى أنه لايصح قيام فروع للأحزاب السياسية فى الجامعة ، يقوم حزب واحد - غير شرعى - فى تقديرى لأنه ولد فى أحضان الادارة من غير سند قاعدى ، بالاستيلاء على الجامعة من أعلى وبعملية الاختراق تلك تسلل الاستبداد وتسلل فى عباءته الفساد
والمضحك فى مصر - وكم ذا بمصر من المضحكات - أن هذا الحزب الغير شرعى يعتبر نفسه مقياس الشرعية فتمتلئ أجهزة اعلامه بأبواق تندد بقوى سياسية أخرى وتصفها بعدم الشرعية ، هى قوى سياسية قد نختلف معها ، لكن حضورها فى أرض الواقع أمر لايمكن إنكاره .
فى جامعة يسيطر عليها حزب سياسى ، أكرر غير شرعى ، سلطوى يشرع لها ويسيطر عليها بجهازه الامنى ، هل يمكن الحديث عن البحث العلمى فضلاً عن حريته ؟

كيف يمكن للخائف أن يمارس حرية ما ؟ الأمن يحاصر الجامعة من أبوابها الى قرارات تعيين المعيدين وأعضاء هيئة التدريس فضلاً عن المناصب الادارية من وكيل الكلية الى رئيس الجامعة .
هناك دائما التبرير الجاهز : الأمن والخوف من الارهاب ، فى مجتمع خائف ومؤسسات هاجسها الأمن لا يترعرع فكر ، ويصبح الحديث عن الحرية حديث وهم وخرافة .
المشكلة فى الاستبداد وقرينه الفساد أنه يجد من يبرر له من بين ضحاياه أولئك الذين فسد عقلهم وفسد دينهم واستبدلوا بالمجد المتمجد .
لا بديل الا بفتح الأبواب والنوافذ ليخترق الهواء النقى بؤر الفساد فيتحلل الاستبداد .

هذا واجب المثقفين الذين كفوا عن الهتاف وفهموا أن الأوطان لا يمكن أن تحيا بموتنا .. انهم أولئك المهددون بالقتل و التفجير ، الذين يجب أن يتكاتفوا ضد الفساد بفضحه فى كل صوره وأن يتصدوا للاستبداد بكل تجلياته مهما صغرت ، علينا أن نناضل جميعاً من أجل جامعة مستقلة مفتوحة الأبواب حتى تستعيد الجامعة قدرتها على التواصل مع المجتمع ولا تصبح مثلما هى الآن مدرسة مسورة . نريد أزهر مستقلاً يستعيد عافيته التى فقدها فى خدمة الأنظمة.
الأزهر المستقل كفيل أن يعيد للدين عافيته التى فقدها فى أتون السياسة .
ان التصدى للاستبداد والفساد المحليين فى المجتمعات العربية فى الاعلام و التعليم لايجب أن ينسينا أن الحرب ضد الفساد والاستبداد المحلى جزء من حرب ضد الفساد والاستبداد الكوكبى الذى يجد فى قضيتى الارهاب والأمن مبرراً له ، كذلك علينا أن نتحالف مع القوى المناهضة للفساد فى العالم .,
فالارهاب ليس فى التحليل النهائى سوى فرخ من أفراخ الفساد .. من الخطأ أن ننسى أسباب المرض وننشغل فقط بمعالجة الأعراض .

واسمحوا لى فى النهاية أن اشكر الجمعية الفلسفية المصرية التى جعلت مفهوم الحرية محور مؤتمرها السنوى هذا العام وفى مؤتمرها السنوى العام الماضى - والذى كان لى شرف المشاركة فيه كذلك - كان المحور هو المقاومة ، من هنا حاولت أن أربط بين المحورين .. فالمقاومة هى أعلى مستويات الفعل الحر .

دون الحرية لامقاومة ، ودون مقاومة الاستبداد والفساد لاحرية .

من هذا المنبر - منبر المقاومة من أجل الحرية ، ومنبر الحرية التى تستحيل من دونها المقاومة - اسمحوا لى أن احيى الأمجاد - وليس المتمجدين- أعضاء " جماعة العمل من أجل استقلال الجامعة ( 9 مارس ) النشيطين فى التصدى للفساد داخل الجامعة وخارجها " إنها الحركة التى تنطلق من الدلالة الرمزية ليوم إستقالة " أحمد لطفى السيد " رئيس الجامعة إحتجاجا على قرار نقل " طه حسين " من عمله بالجامعة الى وزارة المعارف العمومية عام 1932
لقد تصدت الجماعة ولاتزال لكل قرارات الاستبداد فى الجامعات المصرية وتصدت ولاتزال لكل مظاهر الفساد .

وفى رأيى أن هذا هو السبيل : التصدى بلاخوف والمواجهة دون ممالأة .

إذا لم يحدث ذلك فى الجامعة ويبدأ منها فلا خلاص للمجتمع ، لتعد الجامعة بفضل تلك الجهود وغيرها الى دورها الرائد فى إصلاح المجتمع وتنوير عقله ، بدل أن تكون مجرد متلق لأوامر إدارية عسكرية ، تفترض فى عضو هيئة التدريس أنه جندى فى كتيبة عسكرية .

إن المفكر - وعنوانه أستاذ الجامعة- حارس قيم ، لاكلب حراسة

   [ POSTED  @ 1:54 م ]