نتيجة لظرف طارئ سيتوقف موقع صفحات سورية لثلاثة ايام، نغتذر لكل كتاب واصدقاء الموقع عن هذا التوقف الاضطراري، وعلى امل لقاء قريب.
لكم كل المودة
ادارة الموقع
Political and cultural News of the Middle East, and especially Syria
تقارير اخبارية
خدام ينصح الاسد بالمثول امام لجنة التحقيق وينفي ضلوعه باغتيالات في لبنان
قال ان غازي كنعان قتل ولم ينتحر
الدوحة ـ اف ب: نصح نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام الرئيس بشار الاسد في مقابلة نشرت امس الاحد بان يمثل امام لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رفيق الحريري ونفي الاتهامات الموجهة اليه بالفساد وبالضلوع في اغتيالات قديمة في لبنان.
وقال خدام في مقابلة مع صحيفة الوطن القطرية انصحه (الاسد) بالقبول لأن عدم قبوله قد يعرض سورية للضغوط والعقوبات. اذا كان مقتنعا بالبراءة فلماذا لا يقبل، فالرئيس (اللبناني اميل) لحود قبل واجتمع مع اللجنة .
وكانت لجنة التحقيق الدولية التي شكلها مجلس الامن للتحقيق في ملابسات اغتيال الحريري في 14 شباط (فبراير) الماضي، طلبت الاستماع الي الاسد ووزير الخارجية فاروق الشرع اثر تصريحات ادلي بها خدام قال فيها انه مقتنع ان الاسد امر باغتيال الحريري.
واضاف خدام في مقابلته مع الوطن ان التذرع بالسيادة ليس صحيحا وكلمة السيادة ليست هي الاهم، بل الاهم الا تصاب سورية بضرر .
من جهة اخري نفي خدام مسؤوليته عن التجاوزات والفساد والاغتيالات في لبنان عندما كان مسؤولا عن الملف اللبناني. وقال كانت مسؤولياتي سياسية وكانت معي لجنة، بمعني انني لم اكن وحدي، وقضايا الأمن لم تكن لنا علاقة بها .
واضاف قائلا طبيعة النظام عندنا في سورية، أنه لا علاقة بين السياسيين والقوات المسلحة او قوات الامن .
وكان عدد من السياسيين اللبنانيين الموالين والمعارضين لسورية اتهموا خدام بالفساد والضلوع في التجاوزات آخرهم كان النائب المسيحي العماد ميشال عون الذي اتهمه في مقابلة بثها تلفزيون دبي امس السبت بالضلوع في اغتيال الرئيس اللبناني السابق رينيه معوض.
وفي سورية حرك مجلس الشعب ووزارة العدل ملفات خدام بتهم الفساد والخيانة العظمي. وقال خدام لقد قالوا ان حجم ثروتي يقدر بمليار ومائتي الف لكنني سأطالبهم بهذا المبلغ عندما اعود إلي دمشق .
ونفي خدام اي علاقة للسعودية بمسألة اختياره لقناة العربية التي تتخذ من دبي مقرا لها وتعمل بتمويل سعودي بشكل اساسي، لاعلان اول مواقفه التي جسدت انفصاله عن النظام السوري.
وقال في هذا الاطار ليس للسعودية علاقة بهذا الموضوع من قريب أو بعيد فقد جري اتصال بمحطة العربية عبر مديرها الموجود هنا .
واضاف ان صحيفة الحياة أخذت حديثا مني لكنها اكتفت بنشر مقتطفات منه. وقالت انها ستنشر نص الحوار كاملا في اليوم التالي، وهو ما لم يحدث، وقد علمت فيما بعد أن توجيها سياسيا من السعودية قد صدر بإغلاق هذا الملف .
من جهة اخري عبر خدام عن اعتقاده بان وزير الداخلية السوري السابق غازي كنعان قتل ولم ينتحر،
وقال في هذا الصدد بعد قراءتي لمقابلة الدكتور بشار مع صحيفة الأسبوع العربي قال ان غازي كان متورطا في مخطط عندئذ ايقنت انه قتل . واضاف كنت اعتقد انه انتحر لكن بعد المقابلة اصبحت اعتقد انه قتل، فالمتورط في مخطط، ما هي عقوبته وكيف يتم التعامل معه؟ .
وعن عــــلاقة حزب الله الشيعي اللبناني بسورية، قال خدام ان اســـتراتيجية الحـــــزب تقررها قيادته وليس دمشق. واكد ان دمشق ساعدت حزب الله وتساعده لكن للحزب قيادته والحزب صديق لدمشق بالتأكيد لأنها قدمت له الكثير .
-----------------------------------------------------
الأسد ابلغ وفدا أردنيا بأنه قلق ولكنه لن يقدم تنازلات للأمريكيين بعد قراءته التنازلات العراقية ووصف الوضع الداخلي بالمريح
رفض مصالحة الاخوان لعدم إعترافهم بأخطائهم .. واتصالات لتأسيس إعلام سوري جديد ومحطة بموازنة ضخمة
عمان ـ القدس العربي
ـ من بسام البدارين:
عندما يسأل الرئيس السوري بشار الاسد حاليا عن عنوان المصالحة الداخلية او الاصلاح الداخلي يكتفي بترديد مبادرتين باعتبارهما الاساس في تحركه الداخلي لتحصين الجبهة الشعبية ضد الاستهداف الامريكي العدائي العلني لنظامه وبلاده.
وكما حصل خلال استقباله وفدا اردنيا تضامنيا الاسبوع الماضي ذكر الاسد مسألتين، الاولي تتعلق بنيته دعم تأسيس شبكة فضائية تلفزيونية سورية سيتم الاعلان عنها قريبا، والثانية تتعلق بانضاج قانون جديد للاحزاب، وعد الاسد شخصيات حزبية اردنية بالاعلان عنه مطلع الربيع المقبل.
وقصة الفضائية السورية تحدث عنها الاسد مرتين مؤخرا معترفا بان حكومته لم تكن تقدر اهمية وقيمة الاعلام التلفزيوني تحديدا في مواجهة الضغوط. وفي المرة الاولي اشار الاسد صراحة لذلك خلال لقائه وفدا يمثل مؤتمر الاحزاب العربية قبل نحو ستة اسابيع وفي اللقاء الذي جري الاسبوع الماضي جدد تأكيده بان سورية ستشهد نقلة جديدة علي صعيد الاعلام وانه كلف فريقا من المسؤولين في الحكومة لانجاز تصور نهائي حول فضائية سورية عملاقة اعتبرها الرئيس من الخنادق الاساسية والخطوات الضرورية للدفاع عن مصالح الشعب السوري.
وفي اللقاء الاخير ايضا المح الرئيس الاسد الي انه يدرك بان خصوم سورية واعداءها في لبنان تحديدا، وفي مناطق اخري ومن بينها بعض العواصم الاوربية اعتمدوا علي المحطات الفضائية التلفزيونية في ترويج تحريضهم وتسويق عملهم العدائي تجاه الشعب السوري كما قال.
وفهم الحزبيون الاردنيون وقبلهم ممثلو الاحزاب العربية بان الرئيس الاسد يشير لدور الفضائيات اللبنانية في تأليب الشارع اللبناني ضد بلاده، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ويلمح كذلك الي الفضائية التي يستخدمها عمه رفعت الاسد احيانا.
وازاء الاحساس السوري بأهمية الاعلام التلفزيوني تحرك الرئيس الاسد باتجاهين، فقد ابلغ مسؤولون سوريون قيادات حزبية اردنية زارت دمشق بغرض التضامن، بان الرئيس بشار طلب شخصيا من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز التدخل ليس لمنع تسويق الاراء التي يروجها نائبه المنشق عبد الحليم خدام فقط، ولكن للسيطرة سعوديا علي ايقاع الفضائيات اللبنانية التي تتحرش بالنظام السوري يوميا والتي وصفها الرئيس الاسد نفسه بأنها تلك الفضائيات التي ضبطت توقيتها علي الساعة السعودية ملمحا الي ان بعض هذه الفضائيات تدعم بقوة من الاعلانات السعودية.
ورغم ان الاسد تلقي وعدا سعوديا بانهاء التغطية الاعلامية الخاصة بتصريحات وتعليقات نائبه عبد الحليم خدام الا ان وعدا سعوديا موازيا لم يصدر بخصوص الفضائيات عموما سواء المدعومة بالاعلام السعودي او التي تدار عن بعد عبر امبراطورية النفوذ الفضائي السعودية.
وهنا حصريا فهمت دمشق بان السعودية لن تتدخل كثيرا لصالحها فيما يتعلق بالمحطات التلفزيونية خصوصا بعدما تلقت نصائح سعودية بان تبحث عن طريقها بشكل منفصل لاختراق الاعلام الفضائي التلفزيوني سواء عبر تجديد الخطاب الاعلامي السوري نفسه او عبر تقديم روايات متماسكة ومقنعة للاحداث تخلو من الادبيات الكلاسيكية.
ومن هنا اتجه الاسد نحو فكرة تأسيس محطة فضائية سورية كبيرة حيث شكلت لجنة لهذا الغرض وقدمت للقصر الجمهوري السوري تقارير تتحدث عن خطة انشاء وتأسيس محطة فضائية سورية. كما جرت اتصالات مع رموز فنية سورية كبيرة ومهمة وشهيرة علي الصعيد العربي للمشاركة في تأسيس تصور اعلامي جديد يدافع عن المصالح السورية في وجه الاستهداف الامريكي.
وتؤكد مصادر القدس العربي ان اعلاميين وفنانين سوريين كبارا من بينهم دريد لحام وسلوم حداد قد تمت استشارتهم علي خلفية التفكير بالمحطة الفضائية الجديدة التي ستخصص لها ميزانية ضخمة وستؤسس علي بناء فني ومهني مختلف ومتطور. فقد نقلت الشخصيات الاردنية عن الرئيس بشار قوله بانه واثق من وجود كفاءات سورية اعلامية قادرة علي الرد علي مسلسلات التحريض ضد بلاده.
والمح بشار ايضا الي ان توجهات اعلامية جديدة سيرصدها المشاهد العربي باسم سورية والسوريين، مشيرا لان الشعب السوري مؤمن بموقفه ولديه القدرة ليس فقط للدفاع عن مصالحه وانما لشرح وجهة نظره وموقفه وللرد علي ادعاءات الخصوم والاعداء وخصوصا علي بعض الشخصيات اللبنانية التي كرر الاسد قوله بانها تستخدم كمخلب ضد سورية او كخنجر مخصص للطعن من وراء الظهر.
وفي نفس اللقاء المشار اليه وعندما سئل الرئيس بشار عن رؤيته لحصول مصالحة مع جماعة الاخوان المسلمين وللتعددية السياسية، أكد بان سورية لا يوجد مشكلة بينها وبين التيار الاسلامي والدليل انها تستضيف وتتضامن مع حركات اسلامية متعددة من بينها حماس والجهاد الاسلامي. وقال بان مشكلته مع جماعة الاخوان المسلمين انهم مارسوا اخطاء جسيمة في الماضي وانه لم تصدر عنهم اي اشارة للنقد الذاتي او للاعتذار او حتي للاعتراف بأخطائهم، مما يعني تلقائيا برأيه ان اخوان سورية ليسوا مستعدين من جانبهم للمصالحة، فالمصالحة تعني الاعتراف بارتكاب الخطأ اولا وبالرغم من تصريحات قادة الاخوان العدائية، فقد صدر عفو رئاسي في الماضي يسمح لاي مواطن سوري خارج البلاد بالعودة الي الوطن وممارسة حياته بشكل طبيعي وللأسف شكك قادة الاخوان حتي بهذه المبادرة التي اردنا ان نثبت من خلالها ان صدورنا واسعة وان حدود الوطن مفتوحة لاي مواطن سوري .
واظهر الرئيس بشار عدم اكتراثه لاي مصالحة مع اي جماعة سورية معارضة تكتفي بالتحريض علي النظام والامن الداخلي ولا تبدي اي استعداد للجلوس وممارسة النقد الذاتي والاعتراف بالاخطاء، لكنه تحدث بنفس الوقت عن نقلة تشريعية حديثة فيما يخص التعددية الحزبية، ستتيح لاي مواطن سوري الحق في حرية العمل الحزبي ضمن القانون وشروط الترخيص، مرحبا بالاسلاميين وغيرهم اذا ارادوا الإلتحاق بهذه الاجواء القانونية.
وهنا اشار الاسد الي ان القانون الجديد الخاص بالاحزاب السياسية سيتم الانتهاء منه قريبا وخلال اسابيع وهو قانون روعي خلاله بان يسمح بحريات التعبير وحريات التنظيم الحزبي لمن يرغب من المواطنين السوريين، مؤكدا ان هذا التشريع سيكون عنوانا بارزا من عناوين الاصلاح الداخلي، ومشيرا في الوقت نفسه الي ان الحكم في سورية يثق بنفسه ويثق بالشعب السوري لكن الظروف غير ملائمة لانفلات سياسي او اعلامي او حزبي . فسورية كما اشار تعتبر نفسها في حالة حرب وقرار الشعب السوري هو المقاومة ومن غير المنطقي ان نتعامل مع ظروف استثنائية من هذا النوع وكأننا في حالة استرخاء شديد ، مضيفا و لذلك نتمني ان نكون جميعا منطقيين خصوصا واننا نسمع كثيرا نغمة الاصلاح الداخلي في سورية فاسمحوا لنا ان ننفذ اصلاحنا بالطريقة التي تتناسب مع ظروفنا، فالمرحلة دقيقة وخياراتنا صعبة ولا مجال للاعتباط او التسرع ولدينا خطط للاصلاح والتغيير تناسب مصالح شعبنا ولن نسمح للاستعجال او التسرع، ولن نستجيب للالحاح المستمر الا بما يتناسب مع مصالح سورية العليا ونرجو ان لا ينسي الجميع بان في سورية نظاما مخضرما وشعبا قادراً علي الانجاز والاكتفاء وحتي المقاومة اذا فرضت علينا .
واصر الرئيس بشار علي ان المسألة ليست مسألة بشار الاسد شخصيا ولا يمكن ان تكون كذلك ففي سورية مؤسسات وحكم مخضرم وشعب ناضج وقيادات في كل الاتجاهات وثقة بالنفس وبالتالي نستغرب احيانا التحدث عنا في سورية وكأننا لسنا موجودين او وكأن القصة قصة فرد اسمه بشار الاسد فقط، القصة ليست كذلك وابعد من ذلك ونتحرك ونتخذ مواقفنا في اطار استراتيجية متكاملة وشاملة ومدروسة .
واكد الرئيس بشار ايضا انه يشعر بالقلق فهذا شيء طبيعي لكنه يطمئن الشعوب العربية بان مواقف سورية لا تتخذ اعتباطا، فنحن تحدثنا عن خيارنا بالمقاومة اذا تم استهدافنا عسكريا او اقتصاديا او حتي امنيا ولدينا الامكانات، لذلك لكننا نتحداكم ولو مرة واحدة باثبات ان سورية اغلقت باب الحوار او انها اغلقت ابواب النقاش السياسي بخصوص كل القضايا المثارة ابتداء بقصة الحدود مع العراق وانتهاء بقصة مقتل الحريري.
وقال ويهمني هنا ان اؤكد بان يد سورية مفتوحة للتعاون والتفاهم مع الامريكيين والفرنسيين وغيرهم واللبنانيين كذلك اذا كان الطرف الاخر يرغب بالحوار ويهمني بان اؤكد اننا لا نتصرف عبثا او نتكلم عبثا، فنحن منفتحون علي كل الافكار ومستعدون لمناقشة كل المواضيع لكن هناك فرق بين التحرك باتجاهنا بنوايا حسنة عنوانها الحوار والانفتاح والتفاهم وبين العدائية والتحريض والاستهداف والرغبة في اخضاع سورية، وما قلناه بسيط وهو سورية لن تخضع ولن تقدم تنازلات امام الضغوط الامريكية، ولن تتحول إلي شرطي يحمي المصالح الأمريكية كما يريدونها، لكن سورية بالمقابل ستحترم كلمتها وستدافع عن خياراتها وستكون مستعدة للتفاهم والتحاور والتعاون علي اساس الاحترام المشترك والتفهم لمصالح الشعب السوري .
وكان الرئيس السوري اكد للوفد الاردني الحزبي بان سورية تشعر بالقلق فعلا وهو امر طبيعي ومشروع لكنها بالرغم من ذلك لم تقدم تنازلات ازاء التهديدات التي تتعرض لها، والسبب ليس فقط رغبتنا في عدم تقديم تنازلات، ولكن تقييمنا العيني والمادي للتجربة العراقية في تقديم التنازلات، مشيرا الي ان التهديدات والتحريض سيدفعان الشعب السوري للمزيد من البناء والاعتماد علي النفس، ملمحا بان تجربة التنازلات العراقية التي شهدها العالم ستبقي ماثلة امام اعين صانع القرار السوري ومطمئنا بان بلاده تستفيد من التجربة العراقية ولا تستطيع اسقاطها من الحساب وان كانت تتعامل بمرونة مع الأزمة الحالية .
ووصف الرئيس بشار الوضع الداخلي في سورية بانه مريح جدا وقال بان الشعب السوري قادر علي التصدي لاي مغامرة وهو في اسوأ الاحتمالات.
واستنادا الي شخصيات حزبية اردنية انتقد الرئيس بشار الانظمة العربية ليس لانها لا تقف مع سورية فقط ولكن لانها لا تقف مع مصالحها ومصالح شعوبها بالشكل الصحيح ولا تستغل الامكانات الداخلية لمواجهة التحديات والضغوط الدولية معتبرا انه من الخطأ اقرار السياسيات العربية حسب بوصلة التوازنات الخارجية والاقليمية فيما ينبغي ان تقرر التوجهات الاسياسية بناء علي المصالح العربية فقط.
ورفض التوقف كثيرا عند نائبه المنشق عبد الحليم خدام معتبرا انه لن يتعامل بردود أفعال وان خدام غاضب لان يده كفت عن الملف اللبناني لان المؤتمر القطري للحزب جرده من كل صلاحياته والملفات التي يعمل عليها ملمحا لشبهات بفساد يتم التحقق منها بخصوص نشاطات لخدام في الماضي. وإمتدح بشار المبادرة المصرية والسعودية للمصالحة مع لبنان، لكنه شكك بنتائجها علي الواجهة اللبنانية حيث يوجد بعض الأطراف لا مصلحة لها بإستقرار العلاقة بين الشعبين السوري واللبناني كما قال.
-----------------------------------------------------
تفجير العالم العربي
برهان غليون
لم تكن حقبة العولمة حقبة سعيدة بالنسبة للعالم العربي، لا ككتلة ولا كأقطار متفرقة. فقد كان عليه أن يتحمل أكثر من جميع المناطق الأخرى القسط الأكبر من أعباء إعادة بناء النظام العالمي الجديد الأحادي القطبية، وما ارتبط ولا يزال يرتبط به من صراعات دموية ومنازعات اقتصادية وإستراتيجية.
ويمكن القول بالإجمال إنه وإن تمكنت بعض الدول على المستوى الفردي من تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية المؤقتة، إلا أن العالم العربي ككل قد خسر على طول الخط جراء بروز ديناميات العولمة الراهنة التي تجسدت آثارها الرئيسية في تعميق الفجوات ومكامن النقص والتناقضات التي كانت موجودة من الحقبة السابقة، وفي أحيان كثيرة تفجيرها.
من هذه الفجوات، الفجوة الإستراتيجية التي تشير إلى تراجع شروط الأمن الخارجي بالمعنى القومي أو الإقليمي والوطني القطري على حد سواء. فمما لا شك فيه أن العالم العربي قد شهد تدهورا خطيرا في هامش استقلاله ومبادرته القومية، أي الشاملة. وهو ما يتجسد في إغلاق أفق بناء تكتل سياسي عربي يضمن الأمن الجماعي ويؤكد مشاركة العرب في تحديد سياسة إقليم الشرق الأوسط ومستقبله.
فمنذ الآن أصبحت مشاريع الشرق الأوسط الكبير أو الشراكة المتوسطية التي تقسم البلاد العربية بين متوسطية وغير متوسطية، هي الوحيدة المطروحة على جدول العمل الإقليمي، من دون أي أمل بالتحقيق الجدي أيضا. وفي المحصلة غياب أي أفق للتكتل الحقيقي سواء أقام على أسس التقارب العربي أو التقارب الإقليمي، بين البلدان العربية.
كما شهد العالم العربي تدهورا خطيرا أيضا في ميدان الأمن الوطني الخاص بكل بلد عربي. وهو ما يعكسه انهيار التفاهم العربي وتفجر النزاعات العربية العربية والحروب الأهلية التي فتحت البلدان العربية أمام التدخلات الخارجية ووسعت من دائرة انتشارها ورقعتها مع تحويل العالم العربي إلى ساحة واحدة للحرب العالمية على الإرهاب وبالتالي للحرب الإرهابية. وهكذا فقد العالم العربي عنصري الأمن والاستقرار اللذين لا غنى عنهما في أي تنمية إنسانية، بما في ذلك التنمية الاقتصادية.
وشهد عصر العولمة العربي أيضا تعميق علاقة التبعية التي حاولت الحركة الوطنية والقومية السابقة عمل المستحيل من أجل قطعها وضمان الاستقلال الوطني وتأكيد السيادة الشعبية. فالعالم العربي يعتمد اليوم في استمرار أمن دوله ونظمه السياسية واستقراره الاقتصادي وتأمين حاجاته التقنية والعلمية والصحية والثقافية، بل في بقاء دوله نفسها أو بعضها، على ما يتلقاه من دعم خارجي أو من حماية أو وصاية أجنبية.
فقد نشأت الدول العربية في حضن النظام الاستعماري القديم وسعت فور الخروج من تحت السيطرة الأجنبية إلى الانضواء تحت راية منظمة إقليمية هي الجامعة العربية. وبالرغم من أن هذه المنظمة لم تتسم بالكثير من الفعالية السياسية ومن باب أولى العسكرية، فإنها قدمت للشعوب العربية مظلة إقليمية عززت من هامش مبادرتها الوطنية كما شكلت منتدى سمح للدول العربية بمناقشة خلافاتها والتوصل إلى تسويات لا ترقى إلى درجة الحلول للنزاعات ولكنها تفضى إلى تخفيف التوترات والحفاظ على مظهر الإجماع العربي.
وقد جاءت حركة الوحدة العربية في الستينات وما ارتبط بها من قوة شعبية لتعزز الشعور بالمصير المشترك لدى المجتمعات العربية وتقوي الانتماء لمجموعة واحدة كبرى ذات مصالح متقاربة، ولها مصلحة في العمل المشترك، وربما تكوين كتلة إقليمية مؤثرة في وقت ما. وقد شكل التعاون في المسألة الفلسطينية نوعا من الصدقية لهذه الكتلة القائمة بالقوة إن لم يكن بالفعل.
بيد أن إستراتيجية الوحدة العربية لم تستطع أن تتغلب على عوامل السيطرة الخارجية التي كانت ترمي إلى منع نشوء تكتل، بل حتى تحالف عربي فعال، ضد إسرائيل. وقد تحقق لها ذلك عندما وقعت القاهرة على اتفاقية كامب ديفد عام 1979، والتي استعادت بموجبها سيناء المحتلة، من دون أي اعتبار لمصير الأراضي العربية المحتلة الأخرى، وفي مقدمها فلسطين والأراضي السورية.
وبالرغم من الصدع الذي هز الجامعة، فإن الحاجة إلى التكاتف في وجه الضغوطات الخارجية دفعت الدول العربية، من منطلقات براغماتية، إلى التمسك بالمنظمة الإقليمية التي أصبح وجودها وحده يشكل نوعا من الحماية الشكلية للدول، تجاه الخارج وتجاه الداخل أيضا، بما يؤمنه لكل منها من هامش مبادرة خارجية ومن أداة للضغط والحماية والمفاوضة الجماعية لصالح هذه الدولة أو تلك.
وهكذا بدل أن تكون قاعدة مشروع تكتل عربي مطلوب لدرء المخاطر الأمنية وخلق سوق اقتصادية واسعة ضرورية للدخول في عصر العولمة أصبحت الجامعة العربية إحدى الأدوات الرئيسية التي تملكها الدبلوماسيات العربية لتأكيد وجود الدولة الوطنية وانغلاقها.
هكذا، منعت الضغوط والتدخلات الخارجية من بناء أي إطار للأمن الجماعي العربي، فبقيت اتفاقية الدفاع العربي المشترك ورقة ميتة كما دفنت المنظمة العربية للصناعات العسكرية في مهدها.
وبدل الانطلاق من الجامعة العربية التي كانت تمثل قاعدة جاهزة للعمل العربي نحو بناء تكتل إقليمي يسمح باستيعاب تغيرات ميزان القوى الدولي ويضمن للعالم العربي وبلدانه المختلفة هامشا ضروريا للمناورة الإستراتيجية، اتجهت الحكومات العربية منذ الثمانينات في اتجاه العمل الفردي المنفصل، وأخفقت جميع محاولاتها في التوصل إلى صيغة لتطوير النظام الإقليمي العربي، بما في ذلك الصيغ الاقتصادية المحض كما حاول تجسيدها مؤتمر الاقتصاديين العرب الذي عقد في عمان عام 1980 تحت شعار التنمية العربية.
وفي سياق هزيمة الحركة القومية العربية والحكم بالتجميد والعجز على النظام الإقليمي العربي المجسد في الجامعة العربية سوف ينهار التفاهم العربي السابق، حتى في حدوده الشكلية وتبرز من ورائه تناقضات المصالح وبرامج العمل الخاصة.
وهكذا سيترافق دخول العالم العربي في عصر العولمة بسلسلة من الحروب الخارجية والعربية العربية والأهلية التي ستقوض صدقية الدول العربية وتدمر أسس استقرارها الإستراتيجية.
وفي مقدمة هذه الحروب الحرب الإسرائيلية المستمرة لابتلاع الأراضي المحتلة وتحطيم المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي ستبلغ ذروتها في محاصرة العاصمة اللبنانية بيروت من قبل القوات الإسرائيلية عام 1982، وتكبيدها القوات السورية المتواجدة فيها هزيمة عسكرية جديدة.
وبالإضافة إلى حروب ليبيا جنوب الصحراء وحرب الصحراء الغربية التي سممت حقل العلاقات المغاربية ثم الحروب الداخلية العديدة التي فجرها التنافس بين الدول العربية على احتلال موقع متميز في القضية الفلسطينية، لن يمض وقت طويل حتى تفجرت عام 1979 الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات، في إطار التفاهم مع الدول الصناعية الغربية على كبح جماح الثورة الإيرانية الإسلامية والحد من آثارها وعواقبها الإستراتيجية على المنطقة النفطية.
وقد شق الموقف من هذه الحرب الرأي العام العربي شعوبا وحكومات على حد سواء. لكن الضربة القاضية للنظام العربي ستأتي من العراق البعثي بعد احتلاله لدولة الكويت، وإعلانه قرار إلحاقها بالعراق وضمها إليه.
فلم تقوض هذه الحرب والقرارات التي تبعتها الأسس التي قامت عليها الجامعة العربية وتعمق الشك بنجاعتها وشرعية الرهان عليها فحسب، وإنما عززت إرادة الدول الصناعية في بسط سيطرتها المباشرة على المنطقة، بما في ذلك اختراق المنظومة الأمنية الوطنية في البلاد العربية.
وقد جاء تصويت أغلبية دول الجامعة العربية على القرار الذي اتخذته قمتها لدعم الحرب التي قررها التحالف الدولي ضد العراق عام 1991 لينهي أسطورة العمل العربي المشترك ويؤكد السير الحثيث للبلدان العربية نحو خيار التدويل.
وهذا ما أكدته، في الأشهر التالية، مسارعة دول الخليج العربية إلى توقيع اتفاقيات التعاون العسكري والحماية المتبادلة مع الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة.
ومنذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في واشنطن ونيويورك، والرد الأميركي عليها باحتلال العراق عام 2003، وما تبعه من التفكيك المادي لدولته ومؤسساتها، فقد العالم العربي سيطرته على شؤونه الأمنية وتحول إلى منطقة نفوذ مباشر ودائم للقوى الأطلسية.
وفي هذا الإطار طرحت الإدارة الأميركية الجمهورية على لسان الرئيس جورج بوش مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يهدف إلى تكريس هذا الوضع وإعادة بناء المنطقة تبعا لحاجات العولمة الإستراتيجية والعسكرية، أي إلى إدخال دول غير عربية في التكتل المنشود، وفي مقدمها إسرائيل التي شكلت الحاجة إلى مقاومة توسعها محور البناء الإقليمي العربي، ومن وراء ذلك تصفية فكرة العروبة نفسها كحامل لمشروع إقليمي مستقل وإلغاء أي أمل لها في أن تستعيد المبادرة الإستراتيجية في المنطقة بما تمثله من نزعة استقلالية وأجندة وطنية خاصة ومصالح متناقضة مع المصالح الأطلسية، خاصة في ميدان النفط وضمان أمن إسرائيل وتطمينها على مستقبلها.
وما حصل هنا في الواقع على صعيد النظام الإقليمي لا يتنافى مع معطيات التاريخ، تاريخ العولمة، ولكنه يصب فيه. فما عجزت عن تحقيقه البلاد العربية سوف يتحقق تبعا لحاجات العولمة، لكن هذه المرة تحت الوصاية الأميركية ولخدمة أهدافها الإستراتيجية معا.
فبدل الخروج المنظم والواعي نحو إستراتيجيات إقليمية وعالمية تحترم مصالح الشعوب ووشائج القربى التي تجمع بينها، كما كان عليه الحال في أوروبا، شهد العالم العربي خروجا تبعيا وإكراهيا معا مفروضا بالقوة السياسية والعسكرية كان من نتيجته تعريض المجتمعات للحروب والنزاعات الدموية، وانتزاع سيادة البلدان الفردية وإلحاقها بنظام الهيمنة الدولية الذي يستجيب لمصالح السيطرة الخارجية.
فبقدر ما أخفقت البلدان العربية في التكيف إراديا مع حاجات العولمة الإستراتيجية، وجدت نفسها ضحية الإستراتيجيات البديلة أو المناوئة التي استخدمت معطيات العولمة ذاتها وحاجاتها من أجل فرض إعادة تركيب المنطقة من وجهة مصالحها الخاصة فحسب، أي إعادة فتح الحدود في ما بينها حسب حاجات الأجندة الأميركية، حارمة المنطقة وبلدانها معا من الاستقلالية الإستراتيجية التي تضمن استقرار التوازنات الإقليمية بعيدا عن التدخلات الخارجية المستمرة والمفاجئة، كما تضمن المشاركة في القرارات الجماعية المتعلقة بمصير المنطقة ومصير شعوبها.
ويشكل هذا الاختراق الواسع للمنطقة من قبل الإستراتيجيات الدولية، وحرمان الدول من سيادتها واستقلال قرارها، تحديا كبيرا للمجتمعات العربية التي تطمح إلى الاستفادة من فرص العولمة في سبيل ترسيخ قاعدة الاستقرار وتحقيق التكتل الإقليمي من أجل التكامل وخلق شروط الازدهار لجميع السكان، لا في سبيل ضمان تدفق الموارد الطبيعية والبشرية والرساميل للخارج.
وبالمقابل إن ما حصل بالفعل في إطار العولمة هو تدويل المنطقة من جهة وإخضاعها لحاجات الحرب العالمية على الإرهاب التي أصبحت البوصلة الوحيدة للإستراتيجية الأميركية العالمية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول.
وهي الحرب التي تدور رحاها بالدرجة الرئيسية في البلاد العربية وتتحول أكثر فأكثر إلى حرب الدول العربية والحكومات الرسمية على مجموعات الإرهاب التي تمثل هي نفسها تعبيرا عن الأزمة الخطيرة التي تعيشها حركة المواجهة العربية وما وصلت إليه من انسداد.
فهي تتحول بشكل من الأشكال إلى حرب أهلية عربية إسلامية. ويشكل تجريد المنطقة العربية من مشروعها الخاص ووضعها تحت الوصاية، باسم الكفاح ضد الإرهاب العالمي وتدمير أسلحة الدمار الشامل ونشر الأمن والديمقراطية، جزءا من أجندة العولمة الأميركية، ويدخل في باب تدويل الأمن والسياسة العربيين.
لكن، لم يضمن تدويل قضايا الإستراتيجية والأمن الوطني في البلاد العربية المزيد من الأمن، ولا ساهم في تحقيق الاستقرار. لقد فجر بالأحرى الأزمة العميقة التي تعيشها المجتمعات العربية والتي ساهمت الضغوط الغربية القوية والمتواصلة في تفاقمها والمد في أجلها، من خلال منع أي تكتل إقليمي إستراتيجي عربي، والإبقاء على توازن قوة يخدم مصالح الحفاظ على الأمن والاستقرار في إسرائيل، من دون أن يأخذ بأي اعتبار مصالح الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد العربية.
وهكذا كانت نتيجة هذه العولمة الإستراتيجية زيادة الإنفاق العسكري لدى الدول العربية، لكن مع تفاقم سوء الأوضاع الأمنية، وتدهور قدرات الدول على الاحتفاظ باستقرارها وضمان الحد الأدنى من استقلال قراراتها الوطنية.
مما يعني أن مزيدا من النفقات العسكرية قد قاد، بالعكس تماما مما ينتظر منه، إلى المزيد من التبعية والاختراقات الخارجية. فقد بلغت نسبة الإنفاق العسكري لدول عربية ما بين 12 و13% من الناتج المحلي بين 1995 و1999.
هذا مع العلم أن بلدانا عربية عديدة تخفي حجم نفقاتها الدفاعية الحقيقي بسبب تحويل القطاع العسكري إلى قطاع اقتصادي حافل بالمؤسسات والشركات التي تشكل بؤرة للفساد ومصدرا لتحقيق المغانم السريعة للنخب الحاكمة.
ــــــــــ
كاتب سوري
الجزيرة نت
مفقودون قسراً في السجون أو القبور:
أوان الفضح والمحاسبة
رزان زيتونة
المستقبل
يَصِلُ الألم الى منتهاه، عندما يتعلق الأمر بأحد الأحبّة الذين نعجز عن ملاقاتهم على الأرض أو رفع الصلوات لهم في السماء. على الحد الفاصل ما بين الموت والحياة يقف المفقودون الذين غيّبتهم يد الإجرام.
ردم هذا الألم، لا يكون بغير الوصول إلى الحقيقة أولاً، ومحاسبة المرتكبين ثانياً، والتعويض على ذوي المفقودين معنوياً ومادياً ثالثاً.
تحقيق ما سبق يغدو بالغ الصعوبة وأقرب إلى المستحيل في دولة مثل سوريا، حيث تعزى جرائم الاختفاء القسري التي تعرّض لها الآلاف، إلى نظام أمني مازال قائماً.
أما الآليات الدولية للحدّ من جرائم الاختفاء القسري ومساءلة مرتكبيه، فما زالت قاصرة عن تحقيق الهدفين إلى حد بعيد، فيما يرى نشطاء بأن للوضع السياسي الدولي تأثيره على هذا الملف بشكل مباشر.
في ذلك يقول الدكتور هيثم مناع، الناطق باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان (باريس) : "انتزاع إنسان من الوجود إلى حالة ثالثة بين الموت والحياة اليوم جريمة جسيمة، تعني ممارستها المنتظمة في القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية، كما نص ميثاق روما. تطور مفهوم المحاسبة ووسائل استجواب الحكومات المحلية والإقليمية والدولية انتقل بهذه المأساة من الصمت الرسمي والتواطؤ إلى إمكانية الملاحقة والاستجواب والمحاسبة. أي أننا في أقل من ستين عاما حققنا خطوات نوعية كبيرة. المشكلة أن منجزات النصف الثاني من القرن العشرين موضوعة اليوم على طاولة البحث "الأميركي" منذ بدعة "الحرب على الإرهاب" التي أعادت شبح التعذيب والاختطاف والحصانة ضد العقاب للأميركيين، أي بتعبير آخر، فرض صورة "أبناء الست وأبناء الجارية" في موضوع انتهاكات حقوق الإنسان، الأمر الذي شل العديد من الآليات المقترحة في طور الصياغة وأضعف الآليات القائمة. لدينا عشرات الحالات من المفقودين على أيدي قوات الاحتلال الأميركي الذين ترفض الإدارة الأميركية إعطاء أية معلومات أو ردود بحقهم في العراق وأفغانستان، فلماذا تستعجل الحكومات في سوريا أو الجزائر بشأن ملف المفقودين؟
بينما يرى نيل سايمونز، الخبير في الشؤون السورية من منظمة العفو الدولية، بأنه م.ع.د تعمل عن قرب مع الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي العاملة التابع للأمم المتحدة فيما يتعلق بحالات "الاختفاء" في كل العالم. ويشجع الفريق منظمات حقوق الإنسان على تزويده بالمعلومات ذات العلاقة بهذه الحالات. ويمكن من أجل المزيد من المعلومات عن عمل الفريق الدخول إلى موقع: http://www.ohchr.org/english/issues/disappear
وكما تعلمون، فقد أقرَّت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بعد دراستها لتطبيق السلطات السورية الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ما يلي:
"ترحب لجنة الأمم المتحدة بالمعلومات المقدمة من قبل الوفد حول اتفاق 5 أيار 2005، بين رئيس الوزراء اللبناني والرئيس السوري والمتضمن تشكيل لجنة تجتمع دورياً لمتابعة التحقيق بوقائع اختفاء مواطنين سوريين ولبنانيين في سوريا ولبنان. ولكن لجنة الأمم المتحدة تبقى قلقة لأنه لم يتم تقديم معلومات كافية عن الخطوات العملية المتخذة لتشكيل تلك اللجنة في سوريا وتركيبتها المتخيّلة واستقلاليتها. (المواد 2ـ 9 ـ 7 ـ 6).
على الدولة أن تقدم حساباً خاصاً عن المواطنين اللبنانيين والسوريين وغيرهم الذين اقتيدوا إلى السجن أو نقلوا إلى السجن في سوريا، والذين إلى الآن لم يتم تبيان وضعهم. على الدولة أيضاً أن تقوم بخطوات فورية لتشكيل لجنة مستقلة وموثوقة للتحقيق في كل الاختفاءات تماشياً مع توصيات لجنة الأمم المتحدة المقدمة عام 2001".
وعلى الرغم من أن جريمة الاختفاء القسري الممارسة بشكل منتظم تعتبر جريمة ضد الإنسانية، وعلى الرغم من خطورتها وكثرة ضحاياها على امتداد العديد من الدول، لم يتم إقرار معاهدة خاصة بها حتى اللحظة.
فلجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة اكتفت في العام 2001 بإقرار إنشاء مجموعة عمل من ممثلي الدول لصياغة مسودة اتفاقية نوعية ملزمة قانونيا حول جريمة الاختفاء القسري، وتمت صياغة مسودة الاتفاقية في أيلول 2005 .
يرى الدكتور مناع سبب التأخر في إقرار ميثاق ملزم حول الحماية من الاختفاء القسري بأن "الدول التي كانت محركا أساسيا في هذا الاتجاه لم تعد كلها كذلك، وبالتالي فقد تحول تحالف المنظمات غير الحكومية على الصعيد العالمي مع عدد كبير من الدول المتقدمة في قضايا حقوق الإنسان، إلى تحالف بين هذه المنظمات مع قلّة من الدول الديموقراطية التي تقاوم عولمة حالة الطوارئ، الأمر الذي لا يسمح بإقرار مثل هذا الميثاق".
وعلى ضعف هذه الآليات في حل ملف الاختفاء القسري، فإن اللجوء إليها ضروري كخطوة أولى من خطوات عديدة يمكن أن تتخذ على هذا الصعيد، وفي ما يتعلق بالمفقودين في السجون السورية، فقد بادرت عدة منظمات حقوقية سورية إلى فتح هذا الملف بعيداً عن التعامل مع الآليات الدولية أغلب الأحيان، وكانت النتائج حتى الآن جمع قوائم متنوعة وغير دقيقة لبضع مئات من المفقودين في السجون السورية، بالإضافة إلى بعض الخطوات على سبيل الآليات الدولية. يقول الدكتور مناع: "بدأنا التجميع والجدولة (فيوليت داغر للملف اللبناني وأنا للملف السوري) في الثمانينات، قبل ولادة اللجنة العربية لحقوق الإنسان، أما في التسعينات فقد تقدمت شخصياً بأول 64 حالة اختفاء تم تبنّيها جميعها من قبل الفريق الخاص بالاختفاء القسري أو اللا إرادي التابع للأمم المتحدة، وفي القائمة الثانية، كون الفريق غير قادر على تبني مئات الحالات دفعة واحدة، كان لدينا 336 اسماً، تم دراسة أقل من مائة منها، ورفضت 6 حالات عندما تبين أن السلطات السورية قد أفرجت عنهم بعد أن كانوا في عزلة عن العالم. في حين كانت إجابات كثيرة من السلطات بأن الأشخاص قد نفذ بهم حكم الإعدام لارتكابهم جرائم قتل. كمثل أعطي حالة الفقيد المهندس مضر الجندي الذي اعتقل عام 1987 وقضى تحت التعذيب؛ كان الرد الحكومي يقول انه حوكم في السجن وحكم عليه بالإعدام لاختطافه مواطنين أبرياء وتقطيع أعضائهم، ثم يضيف: وقد توفي في السجن دون توضيح السبب. طبعاً من المثير للسخرية أن عملية اختطاف لأبرياء وقتلهم وتقطيعهم لا تجد سطراً واحداً في الصحافة السورية وقتئذ؟ ومن المأسوي أنه حتى اليوم، تُعطى عائلة الفقيد قيد نفوس يشير إلى أنه على قيد الحياة".
من المستغرب أن ادعاءات بفقدان الآلاف في السجون السورية يقابلها أقل من أربعمائة حالة فقط معروضة على الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري. إذ يسود اعتقاد بأن هذا الملف لم يأخذ من الحقوقيين ما يستحق من الاهتمام على الصعيدين الحقوقي والإعلامي.
يقول الدكتور مناع في هذا الإطار: "عدد الحالات المعروضة على الفريق المعني بالاختفاء القسري الخاصة بسوريا أقل بكثير من المطلوب؛ ولكن ما أعرفه يصل إلى قرابة 400 حالة. للأسف هناك منظمات أخذت مساعدة ضخمة جداً من المفوضية الأوروبية لهذا الغرض، إلا أن من مثّل سوريا لم يفعل شيئاً سوى المشاركة في سياحة مؤتمرات المفقودين حول المتوسط. عندما كنت في "لجان الدفاع عن الحريات الديموقراطية وحقوق الإنسان" قمت بما أستطيع، بعد مغادرتي لها لم تشهد نشاطاً يذكر. كذلك، "الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان" لم تتابع ما قمت به عندما كنت نائباً للرئيس بعد خلافي مع قيادتها؛ كذلك كل من تحدث عن المفقودين والمنفيين في تجمعات في فرنسا، لم يكلف نفسه عناء أخذ نسخ من أرشيفنا الموضوع تحت تصرف من يريد العمل؛ في حين أن اللجنة السورية لحقوق الإنسان في لندن تقوم بعمل تجميعي مهم جدا. كوني كنت بصدد بناء آليات تدخل خاصة باللجنة العربية لحقوق الإنسان فقد تأخرت عامين عن متابعة الموضوع..".
وفي الإطار نفسه يقول نيل سايمونز عن التعامل مع ملف الاختفاء القسري في سوريا: "تعمل منظمة العفو الدولية على حالات الاختفاء القسري باستمرار. في السنوات الأخيرة عملت على حالات "اختفاء" في نيبال ودارفور واريتريا والسلفادور والسنغال وليبيريا والجزائر وجمهورية يوغوسلافيا السابقة والمكسيك وتوغو والإكوادور وكولومبيا وتشيلي والأرجنتين وسوريا ولبنان. وبالنسبة لسوريا فقد عملت م.ع.د مع عدد من منظمات حقوق الإنسان وأفراد في سوريا، وعلى نحو أوسع في لبنان بخصوص حالات الاختفاء القسري. لكن للأسف هناك حالياً فرصة ضئيلة لإعطاء الأولوية لمسألة آلاف السوريين الذين "اختفوا"، معظمهم في عقود سابقة، بسبب الموارد المحدودة والمناخ السياسي الحالي وقضايا حقوق إنسان أخرى ملحّة في البلد".
من ناحية أخرى، ونظراً لترابط ملف المفقودين اللبنانيين والسوريين في السجون السورية، فقد كان من المتوقع وجود نوع من التنسيق أو التعاون ما بين المنظمات الحقوقية في البلدين حول هذا الملف، وهو ما لم نلمسه على أرض الواقع.
في هذا الإطار يقول الناشط عمّار قربي، من المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا: "نتيجة ارتباط ملف المفقودين بين لبنانيين وسوريين حاولنا العمل على هذا الملف وتوصلنا إلى بعض المعلومات. حاولنا التثبت منها عبر التعاون مع المنظمات اللبنانية، وأرسلنا إلى الصليب الأحمر استعدادنا للتعاون ولكن لم يأتنا جواب، فأرسلنا رسالة عامة عبر الصحافة ووسائل الإعلام اللبنانية نعلن فيها استعدادنا للتعاون مع منظمات حقوق الإنسان اللبنانية ولكن لم يتم الاتصال بنا من أية جهة، فبادرت بالاتصال بنقابة المحامين اللبنانية حول نفس القضية وبحثت هذا الملف مع ممثل لمنظمة "مرصاد" اللبنانية أثناء لقاء بيننا، وعلى ما يبدو أنهم لا يملكون معلومات موثقة لمساعدتنا في هذا الموضوع.
هذا الملف شائك ولا توجد إحصائيات لبنانية مفصلة حول هوية المفقودين، فمنهم من هو سوري يعيش في لبنان ويعتبره اللبنانيون لبنانياً، ومنهم من هو فلسطيني يعيش في لبنان ومنهم من هو سوري أو فلسطيني يحمل الجنسية اللبنانية ...الخ. قناعتي الشخصية أن بعض المنظمات اللبنانية التي تملك بعض المعلومات قد اكتفت بما تعرفه، وليست على استعداد للتعاون مع احد من اجلها، ناهيك عن الفكرة الخاطئة عن المنظمات الحقوقية السورية من قبل بعض المنظمات اللبنانية". !!
في كل الأحوال فإن مبدأ المحاسبة والتعويض يغيب عن برنامج عمل الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري كما أسلفنا، ولتلافي هذه الثغرة تقوم بعض الجهات الحقوقية بمحاولات من أجل تنظيم عمل يمكّن الضحايا أو عائلاتهم من مقاضاة مرتكبي الجرائم وتحقيق مبدأ المحاسبة.
يقول الدكتور مناع: "نحن نعتقد بأن حقوق الإنسان إن كانت في القرن العشرين في طور التكون الأساسي قانونياً وثقافياً، والشجب على صعيد مواجهة الانتهاكات، فإن مهمتها في القرن الواحد والعشرين الانتقال من الشجب إلى المحاسبة باعتبارها المكمّل المنطقي لمفهوم إقامة العدل ومنع المظالم. من هنا نحن بصدد مباشرة "البرنامج الدولي لمناهضة غياب المحاسبة"، وهو برنامج مستقل عن الحكومات ومؤسسات التمويل، منبثق عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان (فرنسا) وجمعية الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان (جنيف) ومنظمة العدالة العالمية (لاهاي) يكون مقره لاهاي، ويتسلم إدارته المحامي إبراهيم التاوتي أحد أهم الحقوقيين المهتمين بالاختصاص الجنائي العالمي والمحكمة الجنائية الدولية. هذا المشروع الذي سنعلن عنه مطلع عام 2006 ، سيقوم بعملية بناء بنك للمعلومات ومرصد للانتهاكات الجسيمة، وإقامة الجسور بين الضحايا والمنظمات غير الحكومية والمحامين من أجل إقامة دعاوى تلاحق المجرمين والجلادين. نتمنى التعاون مع كل الطاقات الجدية في سوريا من أجل أن ينال هذا الملف حقه في ملاحقات ملموسة وتوثيق يشكّل أرضية ضرورية لأية هيئات تتشكل في سوريا للمحاسبة في المستقبل".
في المحصلة، هل هناك إمكانية لعمل جدي على صعيد ملف المفقودين في سوريا في الوقت الحالي؟ أم أن العمل على هذا الملف رهن بتغير الظروف السياسية والأمنية السائدة؟ يقول نيل سايمونز "تؤمن م.ع.د بأنه يجب التحقيق في كافة انتهاكات حقوق الإنسان ويجب محاكمة مرتكبيها. لقد أعلنت م.ع.د أن الحصانة والتي تعني الإعفاء من العقوبة، وتخلف الدولة عن التحقيق في الجرائم وملاحقتها بموجب القانون الدولي من أجل جلاء الحقيقة حول ما جرى، وتقديم تعويضات كاملة إلى الضحايا وعائلاتهم ـ هي العامل الأكثر أهمية الذي يقود إلى استمرار انتهاكات حقوق الإنسان. حالات الاختفاء القسري، والتي يمكن أن تشكل جرائم ضد الإنسانية، هي من بين أشد انتهاكات حقوق الإنسان شناعة؛ كما أنها من بين الحالات ذات الأهمية الفائقة التي تتطلب التحقيق. نعم تشير تجربة م.ع.د ـ في جنوب افريقيا على سبيل المثال ـ إلى أن الفترات الأكثر فاعلية للعمل تكون أثناء مرحلة انتقالية. لكن ذلك بالطبع لا يعني أن المسألة قابلة للتجاهل قبل تلك المرحلة. يجب أن نحاول جميعاً أن نساهم بتذكر "المختفين" وبالإعداد للفرصة التي قد نبحث فيها عن العدالة والحقيقة والتعويض".
مروان عبد الرزاق
-1-
- مع تزايد الضغوط الأمريكية على سوريا, والتي تسعى إلى إعادة تكييف السياسة السورية لتصبح متوافقة وداعمة لمشاريع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط, والساعية إلى تفكيك سوريا. تأتي خطوة عبد الحليم خدام بالانشقاق عن السلطة, لتساهم في تفكيك السلطة المرتبكة أصلا تجاه الأزمات التي تواجهها.
ورغم أني لست من أنصار "نظرية المؤامرة ". إلا انه لا يمكن تفسير انشقاق /عبد الحليم خدام/ وتوقيت إعلانه بعيدا عن الاتفاق مع أمريكا وفرنسا. وربما مع أطراف لبنانية عربية أيضا. لأنه ليس من المعقول أن يقوم خدام, وهو الذي تشربت عظامه بالسلطة, وقام بتربية أولاده على النهب, والتسلط, بتقديم خدمة مجانية لأمريكا وغيرها بدون مقابل. وهذه الخدمة بدأها أولا, بتأكيده بأن الرئيس بشار هدد الحريري بالقتل. وهو يدرك أكثر من غيره بان توريط الرئيس شخصيا في اغتيال الحريري يعني نقل المسالة من مستوى بسيط ( أفراد) إلى مستوى أعلى (الرئاسة). وهذا لا يعني توريط الرئيس شخصيا فقط, بل توريط النظام ككل, وبالتالي توريط سوريا بالكامل. ليس لأن الرئيس مطابقا لسوريا الكل, بل إن توريط الرئيس سيشكل المدخل الفعلي والعملي للتدخل الأمريكي المباشر في سوريا. وان هذا التدخل لن يتوقف عند حدود السلطة فقط, بل سيشمل إعادة تكييف سوريا ككل, دولة ومؤسسات وشعب, على الطريقة العراقية. وبذلك يكون خدام قد انتقم من النظام الذي أبعده عن مواقع السلطة الفعلية التي كان يتمتع بها خلال مرحلة الأب ولأكثر من ثلاثين عاما, ورشح نفسه كبديل تبحث عنه أمريكا. و ما تسرب عن اجتماعات بين الحريري الابن وخدام والشهابي برعاية أمريكية فرنسية واتصالات أمريكية مع الإخوان المسلمين, خلال الأشهر الماضية, لا يشكل إلا جزءا يسيرا مما يجري في الخارج لتشكيل البديل الممكن, وخاصة بعد رؤية أمريكا أن شخصا مثل " الغادري " قد لا يكون مفيدا لها في المستقبل, بالمقارنة مع خدام أو الشهابي, وخاصة بعد تجربتها مع " الجلبي " في العراق.
- وكما افرز اغتيال الحريري واقعا جديدا لسوريا ولبنان. تمثل قي استغلال أمريكا لحادث الاغتيال للحد الأقصى ضد سوريا. فان انشقاق خدام يعتبر محطة هامة وخطيرة في مرحلة تفكك الاستبداد, والتي بدأت مع رحيل الأسد الأب. وسيحدث هذا الانشقاق آثارا هامة للغاية, وسيكون لها دورا هاما في تحديد ملامح مستقبل سوريا.
أولها: إن انشقاق خدام هو بحد ذاته مؤشرا هاما على التفكك الداخلي للنظام, وإلا فان خدام لن يقدم على مغامرة كهذه. فالصراع على السلطة داخل النظام, والذي لم يكن واضحا في السابق, دخل مرحلة جديدة مكشوفة سينكشف لاعبوها الرئيسيون في الفترة القريبة.
وثانيها: إن سلسلة الانشقاقات لن تتوقف عند خدام. وستكون خطوته مشجعة للعديد من الذين ينتظرون الفرصة للنجاة بأنفسهم, وتحضير أنفسهم للسلطة في المرحلة القادمة, سواء كانوا من الحرس القديم الذين تم إبعادهم عن القرار, أو الحرس الجديد. فهذا الانشقاق ليس سوى البداية. لكن هذه البداية هامة للغاية. وخاصة انه سيتم فتح العديد من ملفات الفساد والتآمر بين الذين حكموا البلد في العقود السابقة. وكل واحد يعرف أن ملفه جاهز للتنفيذ كما يحصل الآن مع خدام. وهذا لن يقتصر أثره على أبناء السلطة فقط. إنما سيعمل على اهتزاز هيبة السلطة أمام المجتمع, ويساهم إلى حد كبير, في كسر جدار الخوف الذي يمنع السوريين من التعبير عن رأيهم بحرية.
وثالثها: من يتأمل في رد السلطة يدرك إلى أي حد وصل البؤس السياسي عند مؤسسات السلطة ( كما ظهر في مجلس الشعب). حين ردد الجميع بلغة رجل الأمن, وليس لغة السياسة وبصوت واحد: خائن, اخرجوا له ملفاته, واحكموا عليه بالإعدام. حيث لم يتجرأ أحد على الدعوة إلى فتح كافة ملفات الفاسدين الذين نهبوا الوطن, وأذلوا الشعب, وما يزالون في السلطة, وينتظرون الفرصة للهروب إلى أمريكا. لم يتجرأ احد الرد على تصريح خدام: "من سيحاكمني سيجد نفسه في قفص الاتهام ". وعن صفقة الخليوي والنهب المنظم الجديد. والتفرد بالسلطة. لم يتجرأ أحد على الدعوة إلى مكافحة الفقر والبطالة, والحريات والديمقراطية كما حاول تسويقها خدام. مع أن الجميع يعرف أن خدام قام بالنهب, والقمع, والفساد, منذ الحركة التصحيحية وحتى تاريخ انشقاقه. وان تسويقه كمدافع عن الفقراء والديمقراطية والمصالحة الوطنية لن يقنع أحدا. أي مجلس يمثل الشعب هذا!
ولاشك أن الأيام القادمة صعبة بالنسبة لكل رموز النظام. فبالإضافة إلى لجنة التحقيق الدولية والتي كسبت شاهدا هاما ضد سوريا. يأتي الإرباك الداخلي ليجعل من الزوبعة داخل السلطة عاصفة للغاية. حيث ستزداد المراقبة والتجسس والقبضة الأمنية على رموز السلطة. وستتم تصفيات جديدة, وإقامة معادلات جديدة, في محاولة لسد أية ثغرات في المستقبل. وهذا كله سينعكس على المجتمع والمعارضة.
والمطلوب من الجميع أن يتحمل مسؤولياته في هذه المرحلة الخطيرة. ومازال أمام الرئيس فرصة كبيرة لتأسيس مشروعية وطنية حقيقية وإنقاذ الوطن من خطر الانهيار, والتفتت والتشرذم إلى طوائف واثنيات, وقطع الطريق على الذين يسعون إلى التفتيت الطائفي للوطن تحت المظلة الأمريكية. وان مشروعا كهذا لابد أن يستند إلى أسس أولية لابد منها:
- تأسيس مشروع حقيقي لمكافحة الفساد. ودعوة المجتمع إلى تأسيس جمعيات أهلية مدنية للمشاركة الفعلية في مشروع كهذا, وفتح كافة ملفات الفاسدين الذين نهبوا الوطن, بما فيهم رموز كبيرة مازالت في السلطة, وتقديمهم لمحاكمة علنية أمام المجتمع.
- إغلاق ملف الاعتقال السياسي, وإزالة طغيان الأجهزة الأمنية, وإطلاق حرية الرأي والتعبير, والحريات السياسية, وإصدار قانون للأحزاب ينظم الحياة السياسية من جديد.
إن إجراءات كهذه هي الرد الحقيقي على خدام ورفعت والغادري وغيرهم. وهي التي تمنعهم من العودة للسلطة باسم " الديمقراطية " على الطريقة الأمريكية.
إن الثقة بالمجتمع وضرورة المصالحة الوطنية الداخلية, هي المقدمة الضرورية لإنقاذ الوطن. وربما خطوة أولى على طريقة ملك المغرب بتشكيله "هيئة الإنصاف والمصالحة ", والاعتذار من المجتمع, ومواساة ضحايا العنف الذي مارسته الدولة في العقود السابقة, قد تفتح الباب أمام هذه المصالحة وتعيد الثقة المفقودة بين السلطة والمجتمع. وسيكتب التاريخ فيما إذا كانت السلطة ستتحمل مسؤولياتها, وتستفيد من الفرص الأخيرة المتاحة. أم ستكون المسؤولة رقم واحد عن الانهيار الذي يحدث للوطن.
-2-
كذلك إن انشقاق خدام سيضيف للمعارضة إشكالية جديدة. فهل يمكن أن تحضنه وتجعله زعيما للمعارضة الديمقراطية طالما عبرت في أكثر من مناسبة بان دعوتها مفتوحة لكل من يريد أن ينضم إليها من حزب البعث من اجل التغيير الديمقراطي؟ لكن هل يختلف خدام عن رفعت الأسد كمستبدين أذلوا الشعب ونهبوا ثرواته عبر العقود السابقة؟
والخطورة الجديدة هي بداية تشكل محور جديد استبدادي/طائفي مستندا إلى الضغط الأمريكي يسعى لان يكون البديل عن الاستبداد القديم, وباسم الديمقراطية! وليس مصادفة أن يكون أول المؤيدين لخدام: فريد الغادري الذي تم صنعه في البنتاغون الأمريكي, والإخوان المسلمين الذين يسعون إلى دولة إسلامية لا يمكن أن تكون بتركيبة سوريا الاجتماعية الراهنة إلا دولة طائفية, وغيرهم ممن سينضم لهذا الحلف الذي يسعى إلى السلطة ومكاسبها, وليذهب الوطن إلى الجحيم! إن الصراع الراهن على السلطة يذكرنا بالمآسي التي خلفها الصراع بين الإخوان/العراق, والسلطة في الثمانينات. ويجعلنا نتلمس خطر الصراع القادم الذي يدمر الوطن بدلا من إعادة بنائه.
ولأنه هناك فرق كبير بين صراع الطغاة على السلطة, والتغيير الديمقراطي الذي تدعو إليه المعارضة. لذلك على المعارضة تحمل مسؤولياتها, واستكمال مقومات هذا التغيير.
واهم هذه المقومات:
أولا: قيادة سياسية وطنية ديمقراطية
قادرة على تشكيل وقيادة تيار وطني ديمقراطي يضم أطياف المجتمع ومكوناته, وتعبيراته السياسية الديمقراطية المختلفة كافة. ويمتلك برنامجا سياسيا يجيب على استحقاقات الوطن .
ثانيا: حضور المجتمع
أن يكون هذا التيار ممتدا داخل المجتمع. حتى يكون تعبيرا حقيقيا عن المجتمع وليس متحدثا باسمه أو مدعيا تمثيله, كما هو حال العديد من الأحزاب السياسية التسلطية. لان التغيير الديمقراطي ليس انقلابا لأقلية ضد أقلية أخرى, أو طبقة ضد أخرى. أو أن حفنة من المثقفين الديمقراطيين يمكنها القيام بذلك. إنما هو تغيير بنيوي شامل في المجتمع وعلاقاته وثقافته. يرتكز على مصالحة وطنية بين كافة فئات وطبقات المجتمع المتناحرة, تستند على المساواة المواطنية أمام القانون, والى التوزيع العادل للثروة الوطنية. وان يؤدي إلى قيام مؤسسات دولة وطنية ديمقراطية تمثل الجميع ويقبل بها الجميع. وهذا لا يمكن أن يتم بدون هذا الجميع, أي المجتمع. لأنه إذا لم يكن هناك حامل اجتماعي للبرنامج السياسي الديمقراطي, فلن يكون هناك ديمقراطية مهما كانت الرغبات أو الادعاءات من قبل أي حزب سياسي بقدرته على القيام بذلك بمفرده. لأنه في النهاية الديمقراطية حالة كلية تعبر عن المجتمع(الكل), ولا يمكن أن ينجزها الجزء أو احد تعبيراته(الحزب), الذي يعتبر جزء من التعددية, والتي لا تقوم الديمقراطية بدونها. هذه التعددية التي تستند بالضرورة إلى المواطنة وليس إلى التعددية الطائفية, والتوافق الطائفي, كما هو الحال في لبنان والعراق.
ثالثا: تفكك السلطة/الاستبداد
ليس هناك مستبد في التاريخ تنازل بملء إرادته عن السلطة. إنما لابد من وجود قوى تجبره على ذلك. ويسبق رحيل الاستبداد تفكك في البنى الاجتماعية والسياسية والعسكرية التي يستند إليها. ولاشك أن هناك عوامل عديدة تقوم بذلك. منها داخل دائرة الاستبداد وما تحويه من صراعات على مراكز النفوذ, والثروة...الخ. بحيث يؤدي ذلك إلى خلخلة داخل الجسم الأصم الاستبدادي. ومنها بسبب القوى المناهضة التي تعمل على هذا التفكيك من خلال عملها السياسي والثقافي. بالإضافة إلى أن حضور المجتمع مطالبا بالتغيير هو بحد ذاته احد مظاهر التفكك الكبرى. وهذا كله ضمن الأزمات الداخلية والخارجية المختلفة التي تعصف بالبلاد وتكون السلطة عاجزة عن حلها.
وهذه المقومات جميعا هي في طور التشكل. إلا أن تزايد الضغوط الخارجية, تعمل على تفكيك النظام بسرعة كبيرة. وهذا يضع أمام المعارضة مسؤولية الإسراع والعمل الجدي تجاه إنضاج مقومات التغيير الديمقراطي. والمسالة ليست إصدار بيانات فقط ( إعلان دمشق – إعلان حمص – إعلان " الوطن في خطر" – إعلان المثقفين في باريس, والعديد من البيانات التي أصدرتها لجان ومنتديات مختلفة ) وتلقي التأييد عل الانترنت. إنما كل هذه الإعلانات مازالت تنتظر آليات ترجمتها إلى واقع عملي لتشكيل قطب وطني ديمقراطي مجتمعي, يكون ضمانة حقيقية للانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية. ومن الطبيعي أن يكون هذا القطب وطنيا وليس طائفيا. لان الطائفية هي الخطر الأكبر على مستقبل سوريا. وستكون حاضرة بكل استبدادها, وحروبها الأهلية المدمرة, إذا فشلت المعارضة الوطنية الديمقراطية بتشكيل قطبها المستقل وقيادة عملية التغيير الديمقراطي المنشود.
خاص – صفحات سورية -
إعادة تكوين سورية: وردة أم قنبلة؟!
دمشق ـ أحمد الخليل
المستقبل
(إلى الحالمين بـ والساعين إلى مجتمع علماني ـ عالمي قد يأتي وقد لا يأتي.
إلى عبد الرحمن الشهبندر ـ كمال جنبلاط ، تراجيديا المثقف العلماني في مجتمع ديني ـ طائفي).
بهذا الإهداء اللافت يتكثف موضوع كتاب محمد كامل الخطيب (وردة أم قنبلة ؟! إعادة تكوين سورية) الصادر حديثاً في دمشق.
في الكتاب يتجلى ضغط الراهن على الحالم منذ زمن بعيد بأن يكون أحد كتاب القصة القصيرة المرموقين؛ ولكن أمام انكسار الحلم وأمام قوة الشكّ ربما في جدوى الحلم؛ ينغرس الخطيب بالواقع محاولا تفسير ما جرى ويجري بروح الأديب وعقل الباحث.
إعادة تكوين سورية كما يصدرها الخطيب في مقدمته هي قصة الصراع الوجداني ـ النفسي لمدرس جغرافيا يدرس خريطة بلاده والعالم كما هي مرسومة على اللوح، ويعتقد هذا المدرس أن هذه الخارطة مزيّفة ومزوّرة ومرسومة على عجل أو هي أكاذيب في أكاذيب، ولكنّه لا يجرؤ على إعلان هذه الحقيقة أو فضح الأكاذيب.
الحراك الاجتماعي ـ السكاني في المنطقة العربية
لقد تجلّت النهضة في المجتمع العربي في أمور ثلاثة:
ـ التخلّف عن الغرب (تخلف الزراعة الشرقية ونمط حياتها عن الصناعة الغربية ونمط حياتها)، أي تخلف المجتمع الريفي العربي عن المدينة الأوروبية التي هي تشكيل صناعي ـ مديني.
ـ محاولة اللحاق بالغرب والدخول معه إلى مسرح الفعل التاريخي من موقع المشارك وليس من موقع المُستَلَب والمنهوب والمتأخر.
ـ الانتقال من اللاحم الإمبراطوري ـ الديني إلى اللاحم القومي ـ الثقافي أي الانتقال من الدولة الدينية إلى الدولة القومية ـ الوطنية.
وباعتبار أن النظام الرأسمالي ديناميكي وذو طبيعة انتشارية، فقد نظر إلى الشرق كسوق أي: المركز الأوروبي مدينة ومخزن وباقي العالم ريف.
إن امتداد الرأسمالية إلى مناطق الشرق له وجهان من ناحية استعمار ومن ناحية أخرى إدراج وتوحيد له في مسيرة التاريخ العالمي، فمنذ الحملة الفرنسية على الشرق(1798 )، وافتتاح قناة السويس (1869 ) عاد العالم العربي إلى فضاء الفعل التاريخي وساحته، ضمن هذا المنظور يضع الخطيب الانتداب الفرنسي والبريطاني للمنطقة العربية.
ونهضة شعوب الشرق تعني تكييف هذه العملية التاريخية لصالح الشعوب الشرقية، وليس الإبقاء عليها مستمّرة ومتحركة لصالح المسيطرين في النظام الرأسمالي، لذلك نهضة شعوب الشرق هي عملية بناء دولة وتحرر وطني كما هي عملية تحرر اجتماعي، وهذا هو جوهر الحراك الاجتماعي ـ التاريخي الذي تخوضه شعوب المنطقة منذ القرن التاسع عشر
هذا الإدراج للمنطقة، والحراك المذكور، هو عملية تحضير وتمدين ورسملة وتحديث لهذا المجتمع الريفي ككل وليس عملية (ترييف للمدينة العربية)، كما يحلو القول لبعض المفكرين والمثقفين ومنهم بعض الماركسيين. وهذا القول أي "ترييف المدينة"، يخفي (حسب الخطيب) في طياته بذور وعي أو لاوعي طبقي قديم أو وعي ولاوعي طائفي مؤسف، وهو قول يخشى الإعلان عن نفسه أو عمّا في نفسه، فيتقنّع بحذلقات (تقدمية أو علمية أو ماركسية طبقية ـ طائفية) على نمط (الماركسية العشائرية ـ القبائلية) التي هدمت اليمن الجنوبي في تسعينات القرن العشرين.
وينسحب الأمر نفسه على التقدميين الذين يتحدثون عن الأمر ويحللونه على أنه صراع الأقلية ضد الأكثرية بالمعنى الديني أو الطائفي، مع العلم أن مصطلحي "الأقلية والأكثرية" هما من المصطلحات المدنية والسياسية أما الطوائف والأديان فهي مجموعات فكرية شبه ثابتة، ملل ونحل بحسب المصطلح الإسلامي وليست خاضعة لهذين المفهومين السياسيين المتحركين، يقصد الكاتب بهذا النقد "إعلان دمشق المعارض".
والأمر نفسه ينطبق على القائلين بأن الأفكار القومية والاشتراكية إنما هي أفكار أبناء الأقليات وهدفها ضرب الإسلام، متناسين أن الإسلام والمسيحية هما ثقافة وميراث إنساني وعربي عام، وليسا مجرد اعتقاد وطقوس أو مذهب ..، إذا كانت الأقلية والأكثرية هي أقليات وأكثريات سياسية ـ اجتماعية فكرية متحركة ومفتوحة حسب تحرك الأزمان والمصالح والأفكار والسياسات وتغيرها، وليس بحسب شهادة الميلاد التي تقضي وضعاً أبدياً والمثال على ذلك (كتابات محمد عابد الجابري وحازم صاغية وبرهان غليون وجمال باروت ..فهذا التحليل لحركة "أقلية وأكثرية" على أساس ديني وطائفي ومغلق هو طائفية وطبقية مقنعة إنها نظرة طائفية إلى الفكر والمجتمع والتاريخ.
عن الاجتماع البشري وتعدد الهويات
كل تجمع بشري (صَغُرَ أو كَبَر) يقوم على لاحم أو عاقد اجتماعي، وهذا العاقد أو اللاحم مرن ومتغير؛ فتارة تكون العائلة هي اللاحم وتارة الطائفة أو الدين أو الفكرة الفلسفية.... الروابط هي هويات واقعية بقدر ما هي متخيلة وظرفية بقدر ماهي قديمة ومتعددة بقدر ماهي واحدة؛ فالهندي قد يكون مسلماً وقد يكون هندوسياً والأمر نفسه ينطبق على الشيوعي الذي يمكن أن يكون صينياً ومصرياً لكنه يعيش في إطار دولة محددة.
هناك هويات مفروضة على المرء وهناك هويات مختارة. فكون المرء تركياً أو أسود العينين، يعود لمكان وزمان ولادته ووراثته (هوية مفروضة) معطاة مسبقاً، أما كون المرء شيوعياً أو وجودياً فهذا هوية مكتسبة أو هوية مختارة أي صاحبها هو من اختارها محاولاً تحرير نفسه من هويته التي فرضت عليه. ومن الممكن أن يخلع المرء هويته المكتسبة متى أراد، فالشيوعي قد يصبح بعثياً والفيثاغوري قد يصبح أفلاطونياً ولا يحدث ذلك استغراباً؛ أما تحول المسلم إلى مسيحي أو العكس أو زواج امرأة من غير طائفتها، فقد يؤدي إلى القتل؛ من هنا يأتي خطر الهويات المفروضة.
والنتيجة أن ما من هوية أو فكرة أو دولة أو حدود ثابتة أو خالدة. والبشر (أفراداً وتجمعات) يعيدون تجميع وتعريف وتحديد أنفسهم في هويات ومجتمعات بشرية بطرق متعددة وبحسب الأفكار والمصالح والأزمان وموازين القوى. فتركيا العثمانية انهار لاحمها الإسلامي عام 1924 ، واليوم تستعد لدخول لاحم جديد هو الإمبراطورية الأوروبية. مصر كانت شيعية وتسننّت زمن صلاح الدين وإيران كانت سنية وتشيّعت زمن الشاه إسماعيل الصفوي؛ وأسبانيا كانت مسيحية ثم صارت مسلمة؛ ثم عادت مسيحية وسورية، كانت مسيحية ثم صارت مسلمة وساطع الحصري كان عثمانيا ثم صار عربياً. وعائلة جنبلاط اللبنانية (العروبية الدرزية) تعود لأصول كردية حلبية...وأحمد فارس الشدياق خلع المارونية وصار بروتستانتياً ثم أصبح مسلماً..
عن الدولة العربية القائمة
خلال الحكم العثماني كان الدين الإسلامي هو اللاحم الاجتماعي والعقائدي وعندما وهن هذا اللاحم وضعفت أهميته اثر ظهور البرجوازية وفكرتها عن السوق والدولة القومية، تفتت هذه الإمبراطورية (العثمانية) كما تفتت إمبراطورية شارلمان المسيحية؛ ثم أنشأ كمال أتاتورك ما تبقى من الإمبراطورية دولة قوميةً بينما عجز العرب عن تشكيل دولتهم القومية عام 1916، ولم يستطيعوا فيما بعد إلا تشكيل دولهم القطرية، وحتى هذه الدول أخفقت لأنها لم تستطع تأسيس لاحمها أو عاقدها الوطني. ومنطقة بلاد الشام والعراق اللتان انفصلتا عن الدولة العثمانية هما مناطق أقوام وطوائف شبه منغلقة لم تصهرها بورجوازية أو صناعة أو حركة تنوير جذرية أو دولة، ولم تربط آمادها الجغرافية والبشرية والاقتصادية إلا رابطة اللغة العربية، من هنا جاء تأكيد مفكري القومية على عامل اللغة في الفكرة القومية.
الكيان السوري
يروي ساطع الحصري قصة الكيان السوري من خلال كتابه "الإقليمية: جذورها وبذورها" (بيروت ـ1963) ومحمد كامل الخطيب ترك رواية الحصري لنشوء الكيان السوري كما هي، فلا أحد، حسب الخطيب، يستطيع التشكيك بوطنية وعروبة وإسلام الحصري.
جاء في كتاب الحصري: يتباهى بعض السوريين بأن سورية موجودة منذ آلاف السنين ويتخذ هذا البعض ذلك ذريعة لطلب استمرار الوجود السوري، ولكن حقائق التاريخ لا تؤيد مزاعم هؤلاء بل تشهد أن سورية الحالية (1963) حديثة الوجود والكيان، ومدن دمشق وحلب ودير الزور وحماه وحمص ودرعا والسويداء والرقة واللاذقية موجودة منذ آلاف السنين، غير أن تجميع هذه المدن لتكوين سورية بمعناها الحالي لم يتم إلا بين 1918 و1943
ولا يجوز اعتبار دمشق عاصمة الأمويين دليلا على وجود سورية في عهد الأمويين كون أراضي الدولة الأموية تمتد من حدود الصين حتى سواحل الأطلسي.
ثم يستعرض الحصري كيف كانت تقسم الولايات والمتصرفيات واستقلالها وكيفية اندماجها خلال الفترة بين الحرب العالمية الأولى وحتى الثانية، ويستنتج محمد كامل الخطيب من رواية الحصري أن الكيان السوري الحالي حديث النشأة؛ أي أن ثمة مناطق جمعت وألحمت وتعاقدت وما كانت ملتحمة سابقاً. فحلب انضمت إلى دمشق بعد أن فقدت مجالها الاقتصادي الحيوي عقب الانفصال عن الدولة العثمانية بلاحمها الديني، وبعد عزلها عن العراق اثر دخول الإنكليز إليه؛ ومنطقتا الساحل وجبل العرب لم يُضمّا إلى لبنان حتى لا تختل التركيبة الطائفية فيه أكثر مما اختلت، بعد ضم الاقضية الأربعة وبيروت وطرابلس إلى متصرفية جبل لبنان التي حلّت عقب دخول الأتراك الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، ومن ثم إنشاء دولة لبنان الكبير. واللاذقية التي كانت تابعة لولاية بيروت ضمت إلى ولايتي دمشق وحلب بعد أن خسرت دمشق ميناء بيروت كمنفذ بحري عقب تكوين دولة لبنان الكبير وبعدما خسرت حلب، ميناء الاسكندرون عقب سلخه وضمه لتركيا، هذا غير فصل خالد العظم الاقتصاد السوري عن الاقتصاد اللبناني عام 1949.
وضم اللاذقية إلى الاتحاد السوري جعل الدولة السورية قابلة للحياة عبر هذا المنفذ البحري، وبدون هذه الواجهة البحرية كانت سورية ستبقى جزءاً من الصحراء العربية (فاللاذقية وطرطوس بدائل لاسكندرونة وبيروت).
أما اللاحم والعاقد الذي أقيم عليه الاتحاد السوري فهو فكرة العروبة البازغة آنذاك، وليس العاقد الإسلامي الذي جمع الجميع في إطار الدولة العثمانية، ولو كان اللاحم الديني لا يزال صالحاً عند تفكك الدولة العثمانية. والثورات السورية (ثورة صالح العلي وإبراهيم هنانو وسلطان الأطرش..) لم تقم على أساس ديني أو طائفي، بل قامت على أساس وطني ـ عربي، وقيام الاتحاد السوري على أساس اللاحم القومي ـ الثقافي (اللغوي) هو ما أتاح إدماج التعدد الطائفي والديني والمناطقي في فكرة وكيان الدولة السورية؛ ولذلك بقي الفكر القومي قوياً ونشطاً ولا حماً في سورية..
وما حدث في الخمسين سنة الأخيرة جعل فكرة الاندماج أو الاتحاد السوري حقيقة واقعة، ودولة أظهرت أنها قابلة للحياة، وهوية جديدة لتركيبة سكانية تسعى للتجانس والاندماج في دولة واحدة، أي هوية وطنية موحدة قائمة على الأساس الوطني وليس على أساس الدين.
لذلك وبناء على ما تقدم فان الدعوة أو العودة إلى برنامج سياسي يقوم على لاحم أو عاقد ديني إسلامي أو غير إسلامي أو طائفي، هي دعوة وعودة إلى ما قبل اللاحم أو العاقد القومي ـ الوطني ـ الثقافي أو التوافق الذي قام عليه الاتحاد السوري؛ ومثل هذه الدعوة هي تحويل للصراع الاجتماعي والسياسي إلى صراع مذهبي وديني، ما يشكل خطراً كبيراً على الكيان السوري. وتلك هي على كل حال الخطورة الكبرى لتوظيف الدين في السياسة في العصر الحديث ومن المؤسف أن يقع فيه بعض السياسيين والعلمانيين!!
فلا نريد استبدال الاستبداد العسكري واستبداد الحزب الواحد باستبداد ديني طائفي، خصوصاً إذا ما التحف هذا الاستبداد بشعار برّاق ومخادع هو "الأكثرية مقابل الأقلية"، على أساس ديني أو طائفي وحتى قومي. فهذه مفاهيم مدنية وسياسية وحزبية وليست مفاهيم دينية أو طائفية أو قومية، وهي عرضة للتبدّل والتحوّل بحسب الظروف السياسية؛ فالاستبداد الديني أخطر من الاستبداد العسكري والسياسي؛ بل هو أكثر زعزعة لأسس الدولة والكيان كما أنه يتدخل في شؤون الإنسان الحياتية اليومية وفي ضميره.
ويبقى السؤال المهم والأساسي في هذه الظروف هل ستجري إعادة تكوين سورية على أساس "عقلاني علماني ديمقراطي مدني"، أي على أساس تعاقد وطني اجتماعي متساو للبشر، أم تتم على أساس "الهي ديني طائفي عرقي" كما يحدث في العراق أو لبنان مثلاً؟
نضال نعيسة
الإبهار. الإبهار في الإتقان وأداء كل الأدوار، وتقمص كل الشخصيات، في مختلف المناسبات القومية، والوطنية، والكوميدية، والتراجيدية. والإبهار الأكبر في تماهي جوقة العرض الأخاذ التي ارتدت نفس الرداء، ونطقت بنفس الخطاب. الإبهار في قوة التخاطر التي تستجلب من عقول المايستروات كل المشاعر والأفكار، وتسكبها خطبا مسكرة عصماء. الإبهار في فزعة الأحرار في مطاردة الأشرار في زمن التهافت والانحلال القبلي والعروبي. إنه إبهار اللحظة القادمة من زمن موغل في سلفيته السياسية، إزاء عوالم الإنطلاقات المتتابعة في مجرات الفتوحات الإنسانية الكبرى. إبهار تجليات العزف المنفرد ، واللحن النشاز الخارج عن كل مسارات الحداثة، والعصرنة، والحس الرفيع. الإبهار هو العنوان الأعرض لجلسة البرلمان الشعبي التي كرست لممارسة طقوس العشائرية السياسية المثلى، وتأكيد الولاء للقبيلة الستالينية التي بعثرتها ضربات العولمة واندماج الأقوام في كل مكان. وبدا الحدث الكرنفالي المتقن كبدوي قادم على بعير من عمق الصحراء إلى ميدان يعج بمختلف صنوف السيارات الحديثة. إنه الإبهار القاتل حيث تموت بعض الكائنات والمخلوقات الحية حين تخرج من قعر الظلام، وعتم الأوكار إلى فضاء النور والحياة، وهذه حقيقة علمية، وطبيعية خالدة جسدها بحرفيتها هؤلاء الببغاوات. فحين أرادوا أن يقولوا إنا ها هنا، شُطِبوا من كل الذواكر التي خرجوا منها، أصلا، من زمان.
إنها مشهدية فاقعة الإغراء بالمتابعة، ومسيلة للعاب الشامتين، والمبهورين بتحري تلك الأسباب السحرية، والأسطورية الغامضة، التي أنطقت الأحجار والصم البكم الخرسان، والتسليم بقدرة القادر وحده، بعد ذاك، على بعث الأرواح في الأجساد الرماد. إنه تناغم الإضداد، ومسح التناقضات المضبوط بقوة السلاح، وعنجهية العسكر، وسطوة الطغيان، في ساحة جمعت الأصولي المتمشيخ في ميدان بني "علمان"، يؤم بهم "مطوع" قبلي، وكان قد أذّن لهم في مباشرة طقوس الرجم بعثي متحزب، فيما قبع شرطي يراقب في مخفر بعيد عن الكاميرات، وأعين الحساد. والدهشة الصاعقة الأولى هي في انفلات اللحظة الراهنة من عقال التعتيم، والتكميم، وأصفاد الاستبداد "تقبيحا" لرسم نحتت قدسيته، وحافظت على عذريته نفس الجوقة في زمن غابر من أيام الأمجاد، والنضال. وعندما تدافع الكهنة المخلّدون في كاتدرائية الثوار، أولياء الشعب المغيّب بأعتى الفرمانات، لرمي "إبليس" الذي كفر بالمقدسات، وخرج عن المسار، كانت حمى الولاء المدعّم بالامتيازات والمارسيدسات، وفقه الإذعان الأعمى، والطاعة العصبوية لهيكلية لا يشك ويشرك بها إلا المارقون الأوغاد، هي ما جعلت تلك "الجمرات" المباركة لا تصيب إلا نفس الشيطان. فلا حصانة لمحكوم بمعصية الحاكم إطلاقا، حتى ولو قضى جل عمره في جنة السلطان، يأكل من أطاييبه، ويفترس ماشاء من حوره العين الملاح، ويتملك من إيمائه، ويراود صبيانه المرد الغلمان. فمن أدخله الجنة ذات يوم، فهو قادر، ومتي يشاء، على حرقه بالنيران. وفي اللحظة التي صدرت فيها فتوى إجازة التهام الصنم الأصغر بنهم، كان الانتقام المبرمج بإحكام، والمعرفة العميقة بسر، وآداب المائدة والطعام، هو الخيط الجامع بين هؤلاء الأنام.
نعم، الإبهار وحده، هو ما يمكن أن يطلق على ذاك الأداء المتناغم الذي بلغ حد الإتقان. كان الجميع يعزف أوركسترا فيها الكثير من التناغم السيمفوني الرائع الذي لا يسمع إلا في لحظات التجلي الكبرى هياما، وعشقا بربابنة السفن التي تتهادى تيها، وغطرسة في الأيم الغاضب المضطرب. فلم يخرج أحد من الجوقة عن "النوتة"، ولم ينشز أو يشذ لوهلة عن الإيقاع العام، فالكل يعي بعقله الباطن، وحسه الأمني المرهف، أن من يداعب خياله الجنوح، وتزين له "نفسه الأمارة بالسوء" فسق الاستدارات المباغتة، فسيكون له نصيب آخر، ربما، أكثر توجيعاً، وإيلاما من "طبقة" القدح الصوتية هذه التي جاوزت كل المحظورات.
من أيقظ هذه الأوركسترا النائمة بارعة الأداء في زمن الصحوات النادرة ولكن فيه الكثير من العقوق والفلتان، والنعيق المسموع في الأجواء؟ وكيف ولّفت، ودربت نفسها بسرعة لعرض أوبرالي يبهر الأبصار، ويصهر الألباب، ويحظى بمتابعة من ليس له أي باع في الدف، والعود، وفنون التراقص على الحبال؟ فلا تبك أيتها الأوطان المنكوبة بعنف التحولات، وكثرة الانكسارات، والمحروقة بوهج الاستفشار، وعمق الانحدارات، وتطرف التبدلات، فهاهم أبناؤك في أبهى حلل التوافق الوطني والائتلاف المطرزة بإبداعات الشعراء، والمتوشحة بالطهر، وإعجاز البيان في دهر التشرذم، والتفتت في كل الاتجاهات.وها هو المايسترو الخارق يفسح في المجال، ويفتح آفاقا لا متناهية لتقبيح الجمال، واستعباد الأسياد، وتأليه الاصنــام , وتجريم الأبرياء، وتكفير الأتقياء، وتبرئة الجناة، وتجميل الفاسدين، ومداراة المحصنين والمحصنات، وتلميع الصدأ، وتغييب الظواهر، وفضح الأسرار، وتأجيج المشاعر الفاترات، وتوجيه المهاترات، وإثارة الحميات، والبحث عن المكونات الضائعة في لحظات الانهيارات الكبرى، وتلاشي الأحلام، وتبدد الأوهام، وسقوط الرجال. وما على المتابعين سوى التصديق والهتاف وطلب المزيد من هذا الثغاء.
كيف تمت هذه التوليفة العجيبة؟ ومن وزع، وكيف حفظت هذه الأدوار؟ وكيف تم الإخراج؟ ومن هو المايسترو الخارق الذي برع في إخراج هذه الأوركسترا الخطابية المتناغمة إلى الوجود، بالرغم من نشازية الأحداث؟
ويبقى تفرد الحدث الأبرز، ربما هو في نبش مستحاثات محنطة من حقب أزلية طواها النسيان، حافظت على وظائفها الحيوية، السمعية، والحركية، والصوتية، بالرغم من كل عوامل التمويت، والتحنيط، والتقادم، ومظاهر الوفاة.
خاص – صفحات سورية -
كيف يصنع القرار في سوريا ؟ قراءة في بعض ما قاله عبد الحليم خدام
أحمد مولود الطيار
كتب الكثير بعد ال تسونامي التي أحدثها السيد عبد الحليم خدام ويكاد يبلغ ما كتب مجلدا كبيرا لن أنافح أحدا ولن أساجل في كل ما قيل بل سأتفق مع كل ما جادت به الأقلام . ليس هنا المهم من وجهة نظري, بل الأهم لدي هو دفع النقاش إلى الأمام وتحديد من المسؤول في المقام الأول عن السياسات المهلكة والمدمرة التي استجلبت كل تلك القرارات الدولية التي لم يعرفها تاريخ سوريا القديم والحديث و السبب يعود بغض النظر عن الخلل البنيوي
المستفحل في جسد النظام , الى الارتجال والسلق للقرار وعدم وجود المؤسسات القادرة على المساهمة في مساعدة متخذ القرار ووضع لوحة كاملة متكاملة أمامه من الخيارات والبدائل وكافة ردود الفعل الايجابي منها والسلبي تعينه لرسم مسارات دقيقة وواضحة تجنب البلد كافة المطبات الموجودة على الطريق مبعدة اياه عن كل الطرق والأساليب اللاعلمية في اتخاذ القرار قاطعة بحزم أمام كل الشعوذات والأنانيات والاندفاعات اللامسؤولة, مخففة الى أقصى حد ممكن لكل حماس يبلغ مبلغ الحمق. ولعلي أجد محاورا بعثيا يمتلك الجرأة ليقول كلاما جديدا بالطبع غير كل ما قيل في الجلسة الهستيرية لما يسمى مجلس الشعب ويرد عليّ ويحاججني في تحديد المسؤوليات وكلي أمل ألا يكون محاوري هذا جهاز أمني – كما جرت العادة - كي يتكافأ الحوار ولا يختل. لذلك أقول:
لا تستولين علينا الهستيريا ولا نضيعن في الزحام. ليس كل ما قاله عبد الحليم خدام مكانة سلة المهملات. فبعيدا عن دوره القائد كجزء من النظام في تعميم الفساد وبمعزل عن دوره أيضا في قمع كل جنين للحراك الديموقراطي, فالرجل قدم وجهة نظر سياسية متماسكة, حلل فيها وبعمق أسباب الترنح والتعثر والغرق الذي يكابده النظام السوري الآن، واضعا البلد بأكمله في مرمى الهدف. لنقرأ ما يقوله خدام وبالحرف ".. وسمعت من الرئيس (المقصود الرئيس بشار الأسد) إن داريل عيسى سيعمل على تعزيز العلاقات السورية الاميركية ومارتن أنديك انتقد سياسة إدارة بوش حول العراق، ثم قال للرئيس بشار سيأتي خلال أيام (مساعد وزير الخارجية الاميركي سابقاً لشؤون الشرق الأوسط وليم بيرنز) مع وفد كبير، وعلى كل حال الولايات المتحدة الاميركية لا يهمها لبنان، يهمها العراق. وفي مرات أخرى قيل في القيادة الكلام نفسه وزرع في عقل الرئيس بشار الأسد إن الولايات المتحدة الاميركية ستأتيه زاحفة تفاوضه من اجل العراق وتبقيه في لبنان. هذه قراءة خاطئة. هذه القراءة الخاطئة أوصلت إلى نتائج أتت في ما بعد. اذا، القراءة الخاطئة والاستنتاج الخاطىء وضع البلاد أيضا في مجموعة من المطبات تعاني منها الآن.(بالطبع, هذه القراءة الخاطئة لم يكن خدام وحده من نبه اليها وأشارالى النتائج الكارثية التي تمخضت فيما بعد عنها وإنما كل أدبيات المعارضة السورية وكتابها ومحلليها وقبل وقت مناسب)
السبب الثالث هو الانفعال وردود الفعل، هما صفتان سيئتان إذا لازمتا أي مسؤول، لان التصرف بالانفعال وردود الفعل يفقد المنفعل القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب.
نلقي الآن بعد ذلك الاقتباس كل ما قاله السيد عبد الحليم خدام إلى مكب القمامة. لن نختلف لا سلطة ولا معارضة, لا محب ولا كاره لنائب الرئيس في كل ما قاله, ولكن (...) السؤال المركزي : ألم يضع السيد النائب إصبعه على الجرح؟ ليعترف كل المطبلين والمزمرين وكل أعضاء ما يسمى بمجلس الشعب وكل المحللين السياسيين للنظام السوري بدءا من السيد شارل أيوب إلى صاحب نظرية " نفي المصافحة التاريخية " الشهيرة مرورا بالسيد أحمد الحاج علي إلى السيد ميخائيل عوض وأخيرا وليس أخرا المبعد الأكبر بفعل تقرير ميليس السيد ناصر قنديل ولن ننسى بالطبع رجالات الدولة في سوريا الأمنيين منهم والسياسيين, كلهم جميعا ,ألم يزينوا للسيد الرئيس الشاب أقواله وأفعاله وعصموه وألّهوه وأوهموه أنه لا ينطق عن الهوى.
إن الاندفاع والحماس ميزة الشباب, ولقد كانتا على الدوام مرجل ومحرك التاريخ وينقلبان إلى الضد تماما لو خرج الحماس عن رشده وعن طوره وهذا ما حدث في حالتنا السورية حيث توفر الحماس وافتقدنا إلى الخبرة. ما كان ينقص سوريا القارئ السياسي الممتاز الذي يرى خلف الظواهر وما وراء الأكمات. ما وقع به صدام حسين وقع به النظام السوري والآن زمن حصاد السنابل الشامخة ذوات الرؤوس الفارغة. ألم تقل السفيرة الأمريكية في العراق للرئيس المخلوع قبيل غزوه للكويت: لاتهتم أمريكا للكويت.. . وما قال مارتن أنديك للرئيس الأسد: لا يهمنا لبنان, يهمنا العراق .
ألا يوجد في النظام السوري قارئ واحد فقط يدرك أن الاستراتيجية الأمريكية في الضغط على الخصوم قائمة على زرع الأفخاخ ومن ثم الدفع باتجاهها وتاليا الإجهاز عليها؟ ما هي الاستراتيجية السورية المضادة؟ كل الظن أن القرّاء والقراءات المتوفرة للنظام هي من مثل المثقف الجنرال وقراءته التي نشرتها صحيفة السفير اللبنانية بتاريخ 15 / 5 / 2003 تلك القراءة
التي انبت على معطيات الحرب الباردة بعد الحرب الباردة والتي لا تزال ترواح مكانها في عالم واحدي القطب, يبدو أن رفاق الجنرال لم تصلهم تلك المعلومة بعد.
فاجعة العراق نعرفها ونتألم لأشقاء لنا مما حل بهم. هل في الوقت متسع لتجنب المصير المماثل ؟
هذا يحتاج إلى قراءات مختلفة لرجال مختلفين في نظام مختلف.
النظام السوري يتصدع يوما بعد آخر, ويخسر أعمدته الغير مأسوف عليها واحدا تلو الأخر. نحتاج للحماس وللخبرة لكن المهم والأهم دولة تقوم على المؤسسات الديموقراطية, وحدها تلك المؤسسات تعرف كيف يصنع القرار وكيف يتخذ . بذلك وحده نطلّق والى الأبد الارتجال والتسرع والفردية والمقامرة والمغامرة لأنها سورية الشعب والتاريخ والأرض .
سوريا - الرقة
"الرأي / خاص"
تقارير اخبارية
نفي اطلاق النائبين رياض سيف ومأمون الحمصي
نفى المحامي أنور البني تقارير صحافية عن إطلاق السلطات السورية موكليه النائبين المعتقلين رياض سيف ومأمون الحمصي.
وأكد أنه "على العكس تماماً لا توجد أي إشارات لإفراج قريب عنهما، فبعد زيارتي لهما خلال فترة عيد الأضحى تعرضا لمضايقات من سلطات سجن عدرا التي صادرت منهما بعض الأغراض الخاصة وأجهزة التلفزيون". واعتبر أن الشائعات المتكررة عن إطلاقهما مجرد "مراوغة تقف وراءها السلطات الأمنية"، موضحاً أنه "لو كان هناك نية حقيقية في الإفراج عنهما لكانت السلطات فعلت ذلك قبل ثمانية أشهر حينما انقضت ثلاثة أرباع مدة الحكم".
وأضاف: "يرفض موكلاي أن يتقدما بطلب عفو خاص لأنهما سجينا رأي وليسا مجرمين. ولكن إذا كانت هناك نية للافراج عنهما، فلن يتم ذلك إلا من خلال عفو شامل عن التهمة الموجهة اليهما، وإن تم ذلك فسيخرج جميع معتقلي ربيع دمشق".
وأكد أن "المطلوب من السلطات السورية قرار واضح بإغلاق ملف الاعتقال وانهاء المحاكم الاستثنائية وازالة الآثار المترتبة عليها، أما المراوغة فلا تفيد شيئاً".
وكانت السلطات السورية حكمت على النائبين سيف والحمصي بالسجن خمس سنوات بعد اعتقالهما في خريف عام 2001 في سياق ما عرف بفترة "ربيع دمشق" بتهمة محاولة تعديل الدستور بطريقة غير دستورية.
-----------------------------------------------
خدام
يعمل لحكومة في المنفى
فرنسا لم تطلب مني المغادرة
وقال خدام الذي يعيش في باريس إن الاسد يواجه ضغوطاً متزايدة من المشاكل الاقتصادية في الداخل ومن التحقيق الدولي في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. وأكد ان "سقوطه بدأ بالفعل. لا اعتقد ان نظامه سيستمر بعد هذا العام".
وترك خدام الذي كان من المقربين من الرئيس الراحل حافظ الاسد مدى 30 سنة الحكومة في حزيران الماضي. ووجهت اليه تهمة الخيانة وطرد من حزب البعث الحاكم بعد سلسلة من التهجمات على الرئيس السوري.
وسألت "در شبيغل" خدام عما اذا كان يسعى الى تأليف حكومة في المنفى، فأجاب: "هذا صحيح"، موضحا انه سيكون مستعدا للعمل مع الزعماء الاسلاميين الذين وصفهم بانهم "جزء من النسيج الاسلامي الغني الذي يحدد الشخصية الرئيسية لبلدنا" وحزب البعث. وقال :"لن استبعد أي جماعة سياسية تتمسك بالقواعد الاساسية للديموقراطية"، مشددا على انه " ينبغي الا يرتكب أحد الخطأ مع حزب البعث السوري الذي ارتكبه الأميركيون مع حزب البعث العراقي". وذكر ان "غالبية البعثيين في سوريا انقلبوا منذ زمن بعيد على النظام. وهم يرون اخطاء الحكومة كل يوم".
وكرر خدام كل المزاعم التي أطلقها الاسبوع الماضي بان الاسد أمر باغتيال الحريري. وقال "أنا مقتنع ... الامر جاء من الاسد. انه رجل شديد التهور وهو دائما ما يفقد هدوءه".
ونفى خدام في حديث آخر الى اذاعة "سوا" الأميركية ان تكون السلطات الفرنسية طلبت منه مغادرة البلاد الى أي من الدول العربية. وقال ان هذا الكلام عار من الصحة، موضحاً ان السلطات الفرنسية طلبت منه احترام القواعد الفرنسية بعدم شن هجمات اعلامية على النظام السوري انطلاقا من أراضيها. كما نفى أن يكون في نيته القيام بجولة عربية أو انه تلقى اتصالات من أي دولة عربية. وقال: "لم أتصل ولم يتصل بي أحد من الاخوة فى المملكة العربية السعودية أو في مصر ".
وكان نجل نائب الرئيس السوري السابق جهاد خدام أكد ان والده سيبقى في فرنسا ولا ينوي الانتقال الى السعودية. وقال: " ليست هناك مضايقات من الحكومة الفرنسية بل على العكس، ولا مشروع للانتقال الى السعودية". واعتبر ان هذه الانباء "تضليل" من جانب النظام السوري.
وأكدت السلطات الفرنسية اكثر من مرة انها لم تجر " أي اتصال" مع خدام وانه "يقيم في باريس بصفة شخصية".
(و ص ف ، رويترز، أب)
-----------------------------------------------
الاسد قد يزور الدوحة اليوم
نفي شائعات عن اطلاق سيف والحمصي
اوردت صحيفة "الوطن" القطرية ان الرئيس السوري بشار الاسد سيزور هذا الاسبوع قطر للقاء اميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني "لوضعه في صورة التطورات الاخيرة". ورجحت ان تتم الزيارة اليوم وأن تتناول آخر التطورات في منطقة الشرق الاوسط.
واضافت ان من المقرر ان تتناول المحادثات "موضوعي العراق وفلسطين وآخر التطورات في ما يتعلق بهذين الملفين، الى سبل دعم العلاقات الثنائية وتعزيزها في مختلف المجالات في ضوء ما تم ابرامه من اتفاقات ثنائية من اجل تعزيز التعاون المشترك بين قطر وسوريا وتطويره".
وتأتي زيارة الرئيس السوري لقطر عقب زيارتين للمملكة العربية السعودية ومصر بحث خلالهما في آخر التطورات، وخصوصا في ما يتعلق بالملف اللبناني السوري والتداعيات الناجمة عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وفي دمشق أكد وكيل الدفاع عن الشاهد السوري هسام طاهر هسام المحامي عمران الزعبي أن موكله رفض طلب لجنة التحقيق الدولية المستقلة في اغتيال الحريري، للتحقيق معه في المونتيفردي.
وأبلغ الزعبي إلى "النهار" أن موكله هسام "موافق على قيام اللجنة الدولية بالتحقيق معه في أي مكان تختاره لكن خارج لبنان بسبب عدم توافر الشروط الموضوعية والطبيعية لأي استجواب، ولأن هسام غير مستعد لوضع نفسه في مناخ معاد يسيطر عليه بعض اللبنانيين الذين تضرروا من انقلاب هسام وتراجعه عن شهادته أمام لجنة التحقيق". وأضاف: "إن موكلي لا يشعر بالأمن على حياته داخل لبنان مهما كانت الضمانات ومهما كانت درجة الاحتياطات الأمنية بسبب العامل النفسي الداخلي، حيث يخشى على حياته".
وأكد الزعبي أنه أبلغ إلى "لجنة التحقيق السورية أن موكلي يرفض المثول أمام لجنة التحقيق الدولية في لبنان، لكن لا أعرف الى اليوم طبيعة الرد، وما إذا قامت اللجنة السورية بإبلاغ اللجنة الدولية بذلك، وإذا كانت قد حصلت على رد منها". وأبدى استعداده "لمرافقة موكلي الى مكان الاستجواب إذا كانت الشروط القانونية تسمح بذلك".
من جهة اخرى نفى المحامي أنور البني تقارير صحافية عن إطلاق السلطات السورية موكليه النائبين المعتقلين رياض سيف ومأمون الحمصي.
وأكد أنه "على العكس تماماً لا توجد أي إشارات لإفراج قريب عنهما، فبعد زيارتي لهما خلال فترة عيد الأضحى تعرضا لمضايقات من سلطات سجن عدرا التي صادرت منهما بعض الأغراض الخاصة وأجهزة التلفزيون". واعتبر أن الشائعات المتكررة عن إطلاقهما مجرد "مراوغة تقف وراءها السلطات الأمنية"، موضحاً أنه "لو كان هناك نية حقيقية في الإفراج عنهما لكانت السلطات فعلت ذلك قبل ثمانية أشهر حينما انقضت ثلاثة أرباع مدة الحكم".
وأضاف: "يرفض موكلاي أن يتقدما بطلب عفو خاص لأنهما سجينا رأي وليسا مجرمين. ولكن إذا كانت هناك نية للافراج عنهما، فلن يتم ذلك إلا من خلال عفو شامل عن التهمة الموجهة اليهما، وإن تم ذلك فسيخرج جميع معتقلي ربيع دمشق".
وأكد أن "المطلوب من السلطات السورية قرار واضح بإغلاق ملف الاعتقال وانهاء المحاكم الاستثنائية وازالة الآثار المترتبة عليها، أما المراوغة فلا تفيد شيئاً".
وكانت السلطات السورية حكمت على النائبين سيف والحمصي بالسجن خمس سنوات بعد اعتقالهما في خريف عام 2001 في سياق ما عرف بفترة "ربيع دمشق" بتهمة محاولة تعديل الدستور بطريقة غير دستورية.
-----------------------------------------------
السوريون المطلوبون يغادرون اليوم الى فيينا
-----------------------------------------------
واشنطن تهدد بإحالة سورية لمجلس الأمن «إذا لم تتعاون مع التحقيق»
ولش أبلغ بيروت أن واشنطن لا تؤيد صفقة تهدد سيادة لبنان
بيروت: «الشرق الأوسط»
هدد ديفيد ولش، مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، أمس، من بيروت، سورية برفع ملفها مجددا الى مجلس الامن «واتخاذ إجراءات اضافية» بحقها، في حال لم تتعاون بشكل كامل مع لجنة التحقيق في اغتيال رفيق الحريري. وباشر ولش، برفقة اليوت ابرامز، نائب مستشار الرئيس الاميركي جورج بوش لشؤون الامن القومي، «زيارة دعم» الى بيروت، التقى خلالها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في حين تجمع نحو 250 طالبا، غالبيتهم من «حزب الله» حول السراي الحكومي احتجاجا على الزيارة, مما دعا قوات مكافحة الشغب الى تفريقهم بالغازات المسيلة للدموع, كما استخدمت خراطيم المياه .
كما قال ولش بعد مقابلته البطريرك الماروني، نصر الله صفير، ان واشنطن «لا تؤيد اطلاقا صفقة او وعودا تهدد سيادة لبنان لقاء استقرار مزعوم» في المنطقة، في إشارة الى صفقة مع سورية.
الى ذلك، واصل كوفي انان، الامين العام للامم المتحدة، حملته الداعية الى اقناع «كل الاطراف» المعنية بالتحقيق الدولي في جريمة اغتيال رفيق الحريري، الى التعاون مع الرئيس الجديد للجنة القاضي البلجيكي سيرج براميرتز. واجرى انان امس اتصالا هاتفيا مع وزير الخارجية المصرية احمد ابو الغيط، اعرب فيه عن تطلعه الى تعاون كافة الاطراف المعنية مع رئيس لجنة التحقيق الدولية الجديد «بصورة ايجابية».
-----------------------------------------------
خدام: أيام بشار الأسد في سدة الرئاسة معدودة
المستقبل
أنان يتطلع الى تعاون جميع الأطراف مع براميرتس
خدام يعمل لتشكيل حكومة في المنفى ونجله ينفي طلب فرنسا من والده المغادرة
أعلن النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام أنه يعمل على تشكيل حكومة في المنفى، مبدياً ثقته بأن الرئيس بشار الأسد سيُرغم على التنحي خلال السنة الجارية، فيما نفى نجل خدام، جهاد، أن تكون السلطات الفرنسية قد طلبت من والده مغادرة البلاد الى أي من الدول العربية كما أفادت مصادر رسمية سورية.
وقال خدام في مقابلة نشرتها مجلة "دير شبيغل" الألمانية في عددها لهذا الأسبوع رداً على سؤال عن نيته تشكيل حكومة في المنفى "هذا صحيح ولن استبعد أي مجموعة سياسية تحترم قواعد اللعبة الديموقراطية" من هذه الحكومة في المنفى، مشيراً الى أنه سيكون مستعداً للعمل مع الزعماء الإسلاميين الذين وصفهم بأنهم "جزء من النسيج الإسلامي الغني الذي يحدد الشخصية الرئيسية لبلدنا" وحزب البعث.
وأوضح خدام "يجب ألا يرتكب أحد الخطأ مع حزب البعث السوري الذي ارتكبه الأميركيون مع حزب البعث العراقي"، معتبراً أن "غالبية البعثيين في سوريا انقلبوا منذ زمن بعيد على النظام. وهم يرون أخطاء الحكومة كل يوم".
واعتبر خدام أن أيام بشار الأسد في سدة الرئاسة معدودة، مشيراً الى أن سوريا تسيطر عليها حصراً عائلة الرئيس "وفق أسلوب عصابة من اللصوص"، مضيفاً "لقد بدأ السقوط ولا أعتقد أن النظام سيستمر لأكثر من هذا العام".
وأكد مجدداً "ثقته" بأن الأسد هو الذي أصدر الأمر باغتيال الرئيس الشهيد الأسبق رفيق الحريري. وقال "أنا مقتنع .. الأمر جاء من الأسد. إنه رجل شديد التهور وهو دائماً ما يفقد هدوءه".
وأعلن نجل خدام أن والده سيبقى في فرنسا ولا ينوي الانتقال الى السعودية.
وقال جهاد خدام "ليس هناك مضايقات من الحكومة الفرنسية بل العكس ولا مشروع للانتقال للسعودية"، معتبراً أن هذه الأنباء "تضليل" من قبل النظام السوري.
وكانت مصادر سورية رسمية قد ذكرت أن فرنسا لن تجدد إقامة خدام، بينما رفضت السعودية فكرة انتقاله إليها.
وجاء في صحيفة "الثورة" الرسمية على صدر صفحتها الأولى أمس نقلاً عن قناة "الجزيرة" الفضائية أن موفداً رسمياً فرنسياً توجه الى المملكة العربية السعودية لبحث إمكانية انتقال خدام إليها، إلا أن السعودية رفضت ذلك، مما دفع الموفد للتوجه الى الإمارات لبحث الأمر ذاته.
في غضون ذلك أعرب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان عن تطلعه الى تعاون كافة الأطراف مع سيرج براميرتس الرئيس الجديد للجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بالايجابية اللازمة.
وجاء موقف أنان خلال اتصال هاتفي أجراه بوزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط.
وصرح مصدر ديبلوماسى مصري إنه تم خلال هذا الاتصال تبادل وجهات النظر حول عدد من قضايا المنطقة تصدرتها تطورات الملف السوري اللبناني في ضوء تعيين براميرتس لرئاسة لجنة التحقيق الدولية.
وقال المصدر إن أنان أعرب عن تطلعه الى تعاون كافة الأطراف مع الرئيس الجديد بالايجابية اللازمة أسوة بسابقه ديتليف ميليس دفعاً لمسار العدالة وحتى انتهاء المهمة المنوطة باللجنة.
واجتمع الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أمس مع السفير الاميركي لدى مصر فرانسيس ريتشارد دوني.
وقال رئيس مكتب الأمين العام للجامعة العربية هشام يوسف إن الاجتماع يأتي استكمالاً للمشاورات التي يجريها موسى مع الولايات المتحدة الأميركية حول عدد من القضايا التي تهم الجانبين ومنها تطورات الوضع في العراق وسوريا ولبنان.
حول إشكاليات مفهوم المجتمع المدني
جميل هلال
الخلاف حول مضمون المجتمع المدني ووظائفه
منظمات المجتمع المدني والتمايز عن الدولة والسوق
"المجتمع المدني" في الفكر العربي: غياب الاقتصاد والسياسة
المواطنة بين الدولة والمجتمع المدني
ظهر مفهوم "المجتمع المدني" مع نشوء الدولة القومية ونمو الرأسمالية الحديثة، وتمحور، آنذاك، حول مفهوم "المجتمع البرجوازي" (كما عند هيجل وماركس). لكنه المفهوم اكتسب مدلولات جديدة مع تطور الدولة الحديثة، والتحولات في النظام الدولي، وتأثيرات العولمة الاقتصادية (الرأسمالية) والثورة في الاتصالات ونظم المعلومات. واكتسب المفهوم بعدا أيديولوجيا لربطه بالحركات التي شهدتها بلدان أوروبا الشرقية، في عقد الثمانينات، والتي توجهت نحو تقليص سيطرة الدولة على الاقتصاد والتشكيلات السياسية والحركات الاجتماعية والنقابات والاتحادات النقابية والمهنية.
وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفيتي منح المفهوم بعدا "تنمويا" من خلال منظمات الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فقد باتت هذه تنظر إلى "المجتمع المدني" باعتباره المجال الذي يتيح إشراك المواطنين في "التنمية البشرية المستدامة" بعد أن فشلت التنمية في التحقق في معظم دول العالم الثالث. وكان الدافع وراء إعطاء موقع خاص للمجتمع المدني في عملية "التنمية البشرية" تبني سياسة الخصخصة و"التكييف الهيكلي" – في إطار سيادة اقتصاد السوق – باعتبارها الأنجع للتنمية الاقتصادية. ومنح هذا بعدا جديدا لمفهوم "المجتمع المدني". فهذه السياسية التي روجت لها المؤسسات المالية الدولية، وخطاب "اللبرالية الجديدة" ركزت على حصر دور الدولة في تهيئة بيئة قانونية وبنية تحتية ملائمة لنمو القطاع الخاص باعتباره أداة التنمية الأساسية، مع توفير حد أدنى، بالمشاركة والتنسيق مع منظمات المجتمع المدني، من الرعاية الاجتماعية لأفقر الفقراء (ما يعرف بشبكات الحماية الاجتماعية). ودخلت لاحقا مفردات جديدة على خطاب التنمية خصت بالأساس منظمات المجتمع المدني كالمشاركة والتمكين. لقد منح المجتمع المدني وظيفة حماية الفرد من عسف الدولة وسطوتها. أي منح بعدا واقيا وحاميا للفرد من تدخلات الدولة وتجاوزاتها.
يمكن الإشارة هنا إلى أن الحماية التي توفرها التشكيلات الارثية سواء القرابية (الحمايل والعشائر ) أو الطائفية أو المحلية للفرد من سلطة الدولة، لا تأخذ شكلا واحدا، فهي تمنح للتشكيلات القرابية القوية قدرة أكبر على تجاوز القانون والتأثير على مؤسسات الدولة عبر الواسطة والضغط والتحالف من بعض أجهزتها. كما أن هذه "الحماية" التي قد توفرها هذه التشكيلات للفرد في وجه سطوة أجهزة الدولة أو تقلبات السوق تأتي في العادة على حساب فقدان الفرد لاستقلاليته كفرد له شخصيته الاعتبارية والقانونية المستقلة، وتتعاكس مع مفهوم المواطنة بما هي مجموعة واسعة من الحقوق والواجبات تخص الفرد كفرد ذات شخصية قانونية وإنسانية مستقلة.
يمنح المجتمع المدني في أدبيات مؤسسات التنمية تولي وظيفة باتت شاغرة بعد انسحاب الدولة عن مهمة تقديم خدمات أساسية للمواطنين، بحكم عمليات الخصخصة وسياسة "التكييف البنيوي" وأيديولوجية الليبرالية الجديدة. هذا هو مصدر الحرص على استقلالية "منظمات المجتمع المدني" عن الدولة وعن القطاع الخاص باعتبارها تشكيلات لا تقوم على مبدأ الربح. وهذا هو أساس التعاطي معها كآليات لتوزيع وتخصيص موارد في المجتمع مختلفة ومستقلة عن كل من الدولة ومؤسسات اقتصاد السوق. وهو سر التركيز على دعم المنظمات غير الحكومية التي تقدم خدمات (صحية، وزراعية، وتدريبية وما شابهها)، والاهتمام بالمنظمات الدعاوية المتوجهة إلى التثقيف بالديمقراطية وحقوق الإنسان, وهو سبب إغفال منظمات المجتمع المدني المهتمة بتنظيم الناس وتأطيرهم كالأحزاب السياسية، والنقابات والحركات الاجتماعية ذات الجذور. وهو وراء اختزال المجتمع المدني إلى منظمات غير حكومية.
دخل المجتمع المدني إلى الخطاب السياسي والفكري العربي من باب الحاجة للديمقراطية وحقوق الإنسان، أي من مدخل وضع المجتمع المدني في مواجهة الدولة (وخلق ثنائية المجتمع والدولة وعلاقة تنافر واستبعاد بينها)، وليس من مدخل إعادة تنظيم الدولة والمجتمع المدني باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للمواطنة، ولإرساء أسس الديمقراطية السياسية والاجتماعية. فإعادة تنظيم الدولة على أساس فصل السلطات (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وتشريع حرية الرأي والتنظيم والتظاهر على أساس دستور يضمن الحريات المدنية أمور ضرورية لترسيخ المواطنة بما هي حقوق وواجبات. كما أن توسيع دور المجتمع المدني بما هو، بالأساس، أحزاب ونقابات وحركات اجتماعية تستند الحرية المواطن في التنظيم والدفاع عن مصالح ورؤى وانتماءات، هو المدخل لتكريس الديمقراطية كتجسيد لتعددية المصالح والرؤى في المجتمع وحق الأحزاب والقوى المختلفة في التنافس السلمي على السلطة ومن أجل التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
الخلاف حول مضمون المجتمع المدني ووظائفه
لكن مفهوم "المجتمع المدني" - رغم ما بات يتمتع به من رواج في الخطاب الفكري والسياسي العربي– لا يزال يمتلك معاني ودلالات مختلفة من قبل مستخدميه. فالبعض يحدده بالمنظمات والمؤسسات والهيئات التي تقام على أساس طوعي بين المواطنين خارج أطر الدولة والعائلة وعلاقات القرابة (التشكيلات القرابية أو الإرثية أو التي يشير إليها البعض بالتقليدية)/ وما خارج علاقات السوق الرأسمالي. لكن هناك من يصر على وضع التشكيلات القرابية والمحلية (و "التقليدية" بشكل عام)، أو بعض تعبيراتها، ضمن منظمات المجتمع المدني لأنها توفر بعض أشكال الحماية للفرد من بطش السلطة ومن تقلبات وقسوة السوق الرأسمالي. لذا تستثني معظم تعاريف " المجتمع المدني" المؤسسات الاقتصادية القائمة على الربح والمتعلقة مباشرة بعمل وآليات السوق (المؤسسات الاقتصادية والمالية) من إطار المجتمع المدني خلافا للمفهوم الكلاسيكي الذي شمل العلاقات الاقتصادية ضمن المفهوم. هذا مع العلم أن المنظمات المدنية لا تستطيع أن تتجاهل اقتصاد السوق الرأسمالي ولا تأثيراته.
كما يستثني البعض الأحزاب السياسية من تشكيل المجتمع المدني لافتراض أنها تسعى للوصول إلى السلطة (الحكومة)، في حين يصر البعض الآخر على مركزية دورها في المجتمع المدني كونها لا تسعى إلى استلام السلطة فقط، بل لأنها تطرح برامج اجتماعية واقتصادية وتعليمية وغيرها، وبعضها أصغر من أن يأمل للوصول إلى السلطة بل يسعى إلى التأثير على سياسة الحكومة أو الدفاع عن مصالح وتطلعات أقليات قومية أو أثنية أو دينية أو فئات اجتماعية معينة. ولذا يستثني البعض الأحزاب الحاكمة من المجتمع المدني، ويعتبر أحزاب المعارضة من ضمنه. وربما يكون هذا وراء اختزال الدولة في الأدبيات العربية إلى الحكومة (أي إلى السلطة التنفيذية) وتجاهل، لاعتبارات عدة، السلطة التشريعية والسلطة القضائية، حتى عندما يكون لهذه وتلك درجة من الاستقلالية والتأثير.
كما ما زال جدل يدور حول ما إذا كانت التشكيلات القائمة على أساس الدين أو الطائفة أو الانتماء الأثني تشكل جزءا من المجتمع المدني أم ينبغي استثناؤها منه. فالبعض يرى أنها من صلب المجتمع المدني، باعتبارها، في أحيان كثيرة، تسعى إلى التغيير والدفاع عن حقوق وتطلعات فئات واسعة في المجتمع، وتضغط على مراكز القرار، وأحيانا توجه سهامها نحو لاإنسانية السوق الرأسمالي وعجزه عن التنمية الفعلية والعادلة والمتوازنة. في حين يرفض البعض عضويتها في المجتمع المدني بحكم القيود التي تضعها على الانتماء إليها، واقترابها، في هذا المجال، من المنظمات الإرثية، ولكونها تتناقض مع مبدأ المواطنة الذي لا يقوم على الدين أو الجنس أو العرق أو الانتماء الجهوي أو الأثني.
التباين والاختلاف في تحديد تخوم ومكونات المجتمع المدني يعود، في جانب منه، إلى اعتماد مفهوم ذي بعد واحد معزول عن سياق محدد تاريخيا ومجتمعيا. كما يعود إلى الخلط بين ما تقوم به مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني من وظائف مختلفة، وتباين هياكلها الداخلية (المتنوعة كذلك)، وبين شروط قيامها واستدامتها. ومن هنا فالتعريف القانوني الذي يصنف منظمات المجتمع المدني باعتبارها منظمات خيرية وتعمل للصالح العام قد يستثني تشكيلات هامة كالأحزاب السياسية التي تخضع في تكوينها وأهدافها وعضويتها، عادة، لاعتبارات وشروط معينة وقد تجد نفسها، في ظروف معينة، مضطرة للعمل السري. كما يستثني النقابات والاتحادات التي تخضع في أهدافها وشروط عضويتها لاعتبارات مختلفة عن الأحزاب وعن المنظمات الأهلية الخيرية والدعاوية والتنموية والثقافية والرياضية.
ويواجه التعريف الذي يركز فقط على الجانب الاختياري أو التطوعي في العضوية نفس الإشكالية. فمنظمات المجتمع المدني تتباين كثيرا من حيث درجة انفتاح عضويتها؛ فبعضها كالنوادي الخاصة يشترط رسوم اشتراك واهتمامات معينة، وبعضها كمؤسسات البحث والجامعات والمعاهد الأهلية يشترط مؤهلات أكاديمية وعلمية وتخصصية معينة، وتفرغ للعمل المدفوع الأجر. وتضع النقابات المهنية شروطا للعضوية وتحصرها في مجموعات وفئات مهنية. وتتطلب الأحزاب عادة الموافقة على برنامج الحزب ونظامه الداخلي. وهناك روابط كالجمعيات والروابط والمؤسسات الدينية أو الطائفية التي تعمل وفق رؤية دينية محددة في مجال التنمية وحقوق الإنسان، وهناك الجمعيات الخيرية والإغاثية التي تعتمد، إلى هذا الحد أو ذاك، على العمل التطوعي لكن تشمل عددا من المتفرغين والموظفين. باختصار ليست التطوعية غير المقيدة هي السمة الغالبة لعدد غير قليل من منظمات "المجتمع المدني" التي تضع شروطا على عضويتها. ومن هنا فإن التعاطي مع المجتمع المدني وكأنه جسم قائم بذاته أو مترابط أو موحد يقود إلى استنتاجات وتصورات خاطئة.
المجتمع المدني هو تشييد فكري يجمع بين تضامنيات شديدة التباين (من حيث الأهداف والقاعدة الاجتماعية وشكل التنظيم ومصادر التمويل) التي تقام خارج مؤسسات الدولة والسوق والروابط الإرثية. والسؤال هو هل هذا المفهوم يشكل أداة تحليلية مفيدة رغم الخلاف على ما يدخل في مكوناتها؟
منظمات المجتمع المدني والتمايز عن الدولة والسوق
هناك ما يميز منظمات المجتمع المدني عن مؤسسات الدولة أو مؤسسات اقتصاد السوق (شركات، مصانع، ورش، بنوك، مطاعم، مشاريع خدماتية مختلفة، وما شابه). ولعل أبرز ما يميز المنظمات المدنية عن الدولة والسوق يكمن في طبيعة العلاقة التي تقيمها مع جمهورها. وهي علاقة تفترض امتلاك هذه المنظمات ليس مجرد درجة عالية من الاستقلالية في إدارة شؤونها وفي صياغة خططها ونشاطاتها وفي محرك علاقتها مع الجمهور (فهذه الاستقلالية قد تكون متوفرة في مؤسسات القطاعين الخاص والعام)، بل تتمايز في شكل ومضمون العلاقة التي تقيمها مع جمهورها. ولا تتعامل معه من موقع العلاقة بين المؤسسة والفرد وفق إجراءات وقوانين وقواعد مقننة (كما يفترض أن تتعامل معه الدولة). بل تتعامل معه بالأساس كجمهور مكون من فئات متباينة المصالح والاهتمامات والاحتياجات والتكوين (من حيث الجنس والعمر)، من موقع تمثيل هذه المصالح ، ومن موقع الحرص على إشراك الجمهور في تنظيم نفسه وفي الدفاع عن حقوقه الجمهور ورعاية احتياجاته الخاصة..
ويشرّع استقلالية المنظمات المدنية في إدارة شؤونها الداخلية وصياغة برامجها وخطط عملها القوانين مشرّعة. وهذه القوانين تحددها موازين قوى اجتماعية وسياسية، وتتأثر بعوامل إقليمية ودولية. ويحدد مضمونها وتطبيقاتها كقوانين حامية للحريات العامة ديمقراطية النظام السياسي، والقوة التفاوضية لمنظمات المجتمع المدني الرئيسة، والتي تحددها فعالية واتساع القاعدة الجماهيرية لهذه المنظمات وطبيعة العلاقة التي تقيمها معها (قدرتها التعبوية). فبعض منظمات المجتمع المدني - في مجال العمل السياسي الحزبي، على سبيل المثال - قد يحظر عليه النشاط العلني. وفي هذه الحالة يتحدد تأثير مثل هذه المنظمات وفعاليتها بمدى تأييدها ودعمها من الجمهور، ودرجة القمع الذي تتعرض له من السلطة المركزية أو السلطة المهيمنة (وطنية كانت أم أجنبية). ومن الواضح أن قدرة منظمات المجتمع المدني على التواصل والتجدد مرتبطة، من بين عوامل أخرى، بقدرتها على تلبية حاجات وتطلعات اجتماعية وبقدرتها على تمثيل مصالح فئات اجتماعية ودورها التعبوي والتنظيمي.كما تتصل بقدرتها على حشد الموارد الضرورية لمواصلة وتوسيع نشاطها. ويمكن القول أن منظمات المجتمع المدني تستمد مبرر وجودها وشرعيتها، بالأساس،من علاقتها الخاصة بجمهورها وعلاقته بها، وشكل هذه العلاقة التي قد تستند إلى ما توفره من خدمات مادية أو تأهيلية، أو إلى قدراتها التنظيمية والتعبوية في الدفاع عن حقوق ومصالح هذا الجمهور، وإلى فعالية نشاطها السياسي أو الاجتماعي أو الفكري أو الثقافي.
من هنا يمكن القول أن ما يميز، وإن بشكل عام جدا، منظمات المجتمع المدني، بتنوعها الشديد، عن مؤسسات الدولة (التنفيذية والتشريعية والقضائية) يتمحور حول طبيعة نشاطها، وما يفرزه من أنماط تنظيمية متنوعة. فالعلاقة بين المواطن والدولة الوطنية العصرية هي علاقة تعاقدية، مقننة، عادة، في دستور أو قوانين أساسية، تتجسد في واجبات محددة (دفع ضرائب، خدمة وطنية، احترام القانون…). كما تتجسد في حقوق (حق التنظيم والتعبير عن الرأي والمعتقد، والوصول إلى خدمات أساسية، الخ).
وتتمايز علاقات المنظمات المدنية مع الجمهور عن علاقته بالمؤسسات الاقتصادية والمالية المرتبطة بآليات السوق الرأسمالي والقائمة على الربح وإنتاج سلع وخدمات مختلفة موجهة للسوق، فهذه المؤسسات (مؤسسات القطاع الخاص) تتعامل معه كمستهلك أو كموظف أو أجير، أو في أحسن الأحوال كمستثمر. فمحرك عمل وهدف منظمات المجتمع المدني ليس الربح أو تطوير آليات السوق الرأسمالي. فهو محرك يتحدد وفق تنوع منظمات المجتمع المدني (عمل الخير، الإغاثة، التنمية، التأهيل، التنوير، الرعاية، التضامن الاجتماعي، التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي …). أي أن مجالات منظمات المجتمع المدني هي تلك المجالات التي لا تخضع لإدارة وتوجيه مؤسسات الدولة وتنظيمها، وتعتمد إدارات مستقلة يخضع دورها وأشخاصها وبرامجها وخططها، نظريا على الأقل، لموافقة وتوجهات ومساءلة الأعضاء والجمهور المعني. كما لا تخضع نشاطاتها لاعتبارات وآليات السوق، وإن كانت غير معزولة عنه. ولعل هذا الاعتبار كان وراء اعتبار المجتمع المدني، عند مفكرين مثل غرامشي، المجال الذي يجري فيه الصراع على الهيمنة القائمة على الاقتناع وليس على السيطرة.
يمكن النظر إلى منظمات المجتمع المدني (والأهلي) من منظور وظائفي. أي من حيث ما قد توفره من حماية إزاء تعسف أو تجاوزات السلطة المركزية، وكذلك إزاء ما تفرزه آليات السوق الرأسمالي من استثناء ولامساواة وتهميش. لكن من وظائف منظمات المجتمع المدني أن توفر الحماية للفرد ضد عسف أو قمع أو تجاوزات بعضها البعض بما في ذلك تعسف المنظمات الأرثية (العشائرية والطائفية والمحلية). وتجدر الإشارة هنا أن من وظائف الدولة الديمقراطية توفير الحماية للمواطن من تجاوزات لحقوقه قد تقوم بعض منظمات المجتمع المدني أو الأهلي.
برز الاهتمام بالمنظمات المدنية باعتبارها وسائط للتنمية في العقدين الأخيرين. وترافق ظهور هذه توجه المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية (البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ..) نحو الخصخصة، والتكييف الهيكلي وتقليص دور الدولة الاقتصادي في إطار تهيئة المناخ ا لنمو القطاع الخاص، وتقليص خدمات الدولة الاجتماعية للمواطنين. ومن هنا بات ينظر إلى المنظمات الأهلية كوسائط للتنمية المحلية وتولي وظائف "دولة الرعاية"في مجال توفير خدمات أساسية للمواطنين. وتم تسويغ هذا التوجه عبر مقولة أن حرية تشكيل منظمات مدنية هي صلب حقوق الإنسان. واعتبار أن هذا الحق يتجسد في تشكيل الروابط والمنظمات والمؤسسات الهادفة إلى تحسين مستويات المعيشة، والمطالبة بتنفيذ برامج وخطط وقوانين معينة، والدفاع عن مصالح وحقوق الفئات الاجتماعية المختلفة. ومن هنا فكرة مشاركة الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني ( القطاعات الثلاثة) في عمليات التنمية. ونجد في هذه التوجهات تفسير الاهتمام الدولي (الغربي الحكومي والمدني المحلي) في تشجيع وتمويل العديد من المنظمات غير الحكومية في دول العالم الثالث، بما فيها العالم العربي، باعتبارها أقل عرضة للفساد والهدر من المؤسسات الحكومية وأقدر على الضغط على هذه ومراقبتها. ويترتب على التمويل الخارجي لقطاع من المنظمات المدنية تساؤلات تتعلق بتأثير "أجندا" الجهات المانحة على برامج المنظمات المدنية المستقبلة، كما على قدرتها على إدامة نفسها، وعلى التمتع باستقلالية برنامجية ومالية.
"المجتمع المدني" في الفكر العربي: غياب الاقتصاد والسياسة
يهيمن على الأدبيات العربية المتداولة حاليا، موقفا قوامه أن المجتمع المدني هو شرط قيام نظم ديمقراطية وضمانة ترسخ الحريات السياسية والحقوق المدنية وتجسيدها. لكن هذا الرأي ينضوي على تبسيط مضلل للعلاقة لكل من الدولة والمجتمع المدني. فهو يقفز عن حقيقة أن لا مضمون للمجتمع المدني بدون حضور الدولة. وهو يختزل الدولة إلى الحكومة (السلطة التنفيذية)، متجاهلا (غياب أو حضور) كل من السلطتين التشريعية والقضائية. كما ينظر للدولة كجسم متجانس وموحد دون توترات وصراعات وتباينات. كما ينظر إلى المجتمع كجسم موحد وتناسق الوظائف والمهام دون توترات وصراعات وانقسامات.
وهي رؤية تتجاهل التنوع الشديد في منظمات المجتمع المدني من حيث وظائفها والفئات الاجتماعية التي تتوجه إليها أو تسعى لتمثيلها أو لتنظيمها، ومن حيث مصادر تمويلها، وفلسفتها ، وبنيتها الداخلية، وظروف نشأتها. كما تميل هذه الرؤية إلى وضع المنظمات المدنية خارج المجتمع عبر النظر إليها كأجسام تقدم خدمات أو تتولى نشاطات تنموية أو خيرية أو تقوم بتنظيم وتأطير جمهور معين أو تمارس نشاطات دفاعية وإعلامية من فوق أو من جانب أو خلف المجتمع. أي أنها لا تنظر إلى المنظمات المدنية كجزء من تشكيلة مجتمعية بتكويناتها الاجتماعية السياسية والاقتصادية والثقافية، وباعتبار هذه التشكيلة تقييم في فضاءات سياسية-اقتصادية إقليمية ودولية لها استحقاقاتها وتفاعلاتها وتناقضاتها.
كما تميل مثل هذه الرؤية للمجتمع المدني إلى إختزال وتنميط علاقاته بالدولة. وهي علاقات تأخذ، في الواقع، أشكالا متنوعة ومتغيرة ومعقدة في معظم الأحيان. ويسري هذا الميل للتنميط التبسيطي على علاقة منظمات المجتمع المدني مع بعضها البعض. وهذه علاقات تتنوع في العادة لتشمل التنسيق أو التنافس أو الصراع وفق نشاطها وفلسفتها لدورها ومصادر تمويلها وتكوين وحجم قاعدتها الاجتماعية.
تختزل معالجة علاقة الدولة بمنظمات المجتمع المدني، إلى علاقاتها بما يعرّف بـ "المنظمات غير الحكومية"، مما يستثني، أو يساوي في الدور، منظمات "مجتمع مدني" أخرى ذات أهمية خاصة لمفهوم المواطنة كالأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات الشعبية والمهنية والحركات الاجتماعية الأخرى، بالإضافة إلى الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى والغرف التجارية والصناعية والجامعات والمعاهد العليا. أي أن منطلق بحث العلاقة يستدعي إدراك تنوع منظمات المجتمع المدني، وأبعاد هذا التنوع على العلاقة مع السلطة المركزية. كما يتطلب إدراك التغير الذي تدخله الدولة على الحقل السياسي الوطني في مجال المؤسسات الرسمية و الإدارات العامة والأجهزة الأمنية والعسكرية، والنظام القضائي والتشريعي. وما تفعله هذه من تحولات في البنية الاقتصادية للمجتمع، ليس فقط من حيث أنها (أي الدولة) تشغل نسب متفاوتة (وعالية في معظم الدول العربية)، من القوى العاملة، بل وكذلك من حيث فعلها في الاقتصاد الوطني وبنيته، من حيث حجم ودور وسمات القطاع الخاص. أي أن الدولة القومية أو الحديثة لها وقع تراكمي على تشكل البنية الطبقية والاجتماعية، ولهذه تأثيرها على تكوين المجتمع المدني (أحزاب، نقابات، غرف تجارية وصناعية، منظمات خيرية) وكثافته.
كما أن بنية الاقتصاد الوطني وموقعه في شبكة العلاقات الاقتصادية الإقليمية والدولية له تأثيراته القوية على منظمات المجتمع المدني وكثافة حضورها ومجالات هذا الحضور والمصالح التي تمثلها المنظمات المدنية ومراكز القوى التي تستند إليها وموازينها، وأشكال الصراع و التفاوض التي تجري بين هذه لتحديد قوانين اللعب في الحقل السياسي، وبالتالي شكل نظام الحكم. والعلاقة بين مراكز القوى في المجتمع وموازينها هي التي تحدد، في المحصلة، ديمقراطية أو لاديمقراطية النظام السياسي، وليس عدد المنظمات المدنية أو مجموع ما تقوم به من وظائف.
المواطنة بين الدولة والمجتمع المدني
من العبث البحث عن مفهوم واحد قادر على حصر تنوع منظمات "المجتمع المدني" في شكل أو وظيفة أو نمط واحد. فهذه تعمل في مجالات مختلفة وتحمل رؤى متباينة لدورها، وتعتمد وسائل عمل وعلاقات مع الجمهور (وهو جمهور متنوع من حيث المصالح والاحتياجات والمطامح والرؤى المجتمعية) وهيكليات ومصادر تمويل شديدة التنوع. ولذا فإن أية محاولة لاختزال منظمات المجتمع المدني لنمط واحد أو تلبيسها رؤية موحدة أو تصور أسلوب عمل واحد لها، سيكون مصيرها تبديد المكون الأساسي لما يُعرّف بالمجتمع المدني، باعتباره الحقل الذي تتمثل فيه وتنافس وتتعايش تعبيرات ورؤى اجتماعية وفكرية وسياسية متعددة ومتباينة، وأحيانا متناقضة أو متعارضة، بحكم التكوين المعقد والمركب والمتباين لتشكيلية الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية لأي مجتمع إنساني، بما فيها مجتمعاتنا العربية المتباينة في تكوين أنظمة الحكمة فيها وفي تركيبتها السياسية والاجتماعية، وبنيتها الاقتصادية وحجم ومصادر مواردها رغم ما هو مشترك على الصعيد الثقافي والتاريخي واللغوي.
أرى أن الهم المركزي عربيا ينبغي أن ينصب على دمقرطة بنية الدولة الوطنية بما يؤصل المواطنة (القائمة أساسا على سيادة القانون ومساواة الجميع أمامه). ومن هنا تصبح مساءلة مؤسسات "المجتمع المدني" – باعتبارها المجال الذي يعبر فيه المواطنين عن حقهم، بل ومسئوليتهم، في إقامة والانتماء إلى الروابط والتضامنيات والجمعيات والأحزاب والنقابات والاتحادات - تنصب على دورها في تجسيد المواطنة وتوسيعه ليشمل ليس الحقوق السياسية فقط بل والحقوق الاجتماعية. وهنا سنجد أن مؤسسات المجتمع المدني تتباين كثيرا فيعضها يسعى بعضها للتغيير الاجتماعي لصالح مجالات الحرية، وتوسيع وتكريس العدالة الاجتماعية والتضامن المجتمعي، يعمل بعضها الآخر لصالح إعادة النتاج نظم قائمة على سلب أسس المواطنة تحت مسميات مختلفة كالحفاظ على التراث والأصالة والخصوصية ولمواصلة التعامل مع المواطنين كرعايا أو كانتماءات عشائرية أو جهوية أو أثنية أو طائفية...
قد يكون الأجدى الاستغناء عن تعبير المجتمع المدني والعودة إلى المفاهيم الكلاسيكية في التحليل الاجتماعي عن أحزاب (حاكمة وأحزاب معارضة) واتحادات ونقابات وحركات اجتماعية ومنظمات مدنية حقوقية وخيرية وتنموية وعن بنى اجتماعية واقتصادية وثقافية وانقسامات طبقية وأثنية و حضرية-ريفية، الخ في المجتمع. وهذا يعني العودة إلى التحليل الملموس للواقع الملموس في كل مجتمع عربي دون الحديث العام المجرد.. وهذا ما يتيح فهم خصوصيات ديناميكيات كل مجتمع عربي، والديناميكات المشتركة بينها وأين تتجه...
فطبيعة التحديات التي تواجه المجتمع العراقي وقواه السياسية والمدنية ، والمجتمع الفلسطيني، تختلف عن تلك التي تواجه المجتمع السوداني، أو اللبناني أو السوري، والأخيرة تختلف عن ما يواجه المجتمع السعودي أو اليمني أو المغربي، وهكذا... إن العودة إلى المفاهيم الكلاسيكية والمجربة في التحليل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي قد يحرر هذا التحليل من القيود الفكرية والأيديولوجية والقيمية التي بات مفهوم المجتمع المدني مثقل بها في الحقل المفاهيمي العربي. ولعل من الملفت أن قليلة جدا هي الدراسات السوسيولوجية التي تحلل المجتمعات الأوروبية والمتقدمة اقتصاديا تستخدم مفهوم المجتمع المدني..
خاص – صفحات سورية -
نقد مقولة "الإسلام هو الحل"
بلال التليدي
الجزيرة نت
"الإسلام هو الحل" كان هذا هو الشعار الذي تلقيناه من التجربة الحركية الإخوانية، وكنا إذ نتدار الاختيارات الفكرية والسياسية المطروحة في الساحة، لا يساورنا شك في أن ما عندنا من أسس ومنطلقات هو الكفيل بخروج الأمة من مأزقها.
وكنا ننظر إلى الآخرين بعين الإشفاق، إذ حرموا أنفسهم من الانطلاق من عقيدة هذه الأمة وقاعدتها المرجعية، وكان الشعور بالتعالي والتميز هو الذي يطبع أطروحاتنا النظرية وسلوكنا السياسي.
وزاد في تأكيد هذا التوجه نظرتنا للمشروع المجتمعي الذي كنا نبشر به، إذ لم تنقطع كتابات تؤسس لعقلية الانعزال والانفصال عن نمط الحياة الذي يعيشه أفراد المجتمع، منطلقة من مفهوم العزلة الشعورية الذي نحته الشهيد سيد قطب.
وغلب على كتابات عديدة الحديث عن المستقبل للإسلام عقب كل مقاربة ومناظرة، وقد كان القصد من ذلك تبرير الانسجام ما بين الشعار المؤسس للعمل وبين الخلاصة المستنتجة من كل دراسة وتحليل.
لم يكن العقل الإسلامي حينها معنيا بالقدر الكافي بالنقاش الأصولي الذي يميز بين النص الشرعي وبين فهمه، أو بين المراد الإلهي وبين الاجتهاد في تحصيله.
كان الإسلام حينها يعني قيم الدين ومقاصده، واجتهادات العلماء، والتجربة التاريخية الإسلامية.. كان الإسلام يتضمن كل هذا الرصيد الهائل الذي يشمل ما يتوافق مع مقصود الشرع، وما يختلف، وما يتعارض.
وكان العقل الإسلامي الحركي في كثير من الأحيان معنيا بالدفاع عن اجتهادات مرجوحة، انطلقت من تغليب فهم من الفهوم عند النظر إلى نص ظني الدلالة، أو حققت المناط بشكل لا يستقيم مع موارد النازلة، أو بنت حكمها بناء على مآل لا يتصور بالضرورة "سد الذرائع"، وفي بعض الأحيان كان الفقه الإسلامي -السياسي منه على الخصوص- مناصرا لصور من الاستبداد في التاريخ الإسلامي.
لم يكن التمييز بين الموارد في الحقل الإسلامي حاضرا بشكل كبير، إذ كان ينظر لمثل هذا التمايز -على الأقل من طرف نخبة من مثقفي هذه الأمة- وكأنه تأسيس لعلمنة فكرية وثقافية سرعان ما ستهدد كل الحصون، وتنحي الدين من مواقعه الرئيسية.
وفي هذا الإطار وضمن هذه الخلفية انبعثت مقولة "الإسلام هو الحل" كأرضية تعبوية نهضوية، تلفت الأمة إلى منطلقها الإستراتيجي وإلى ثوابتها المرجعية، وتؤسس لاختياراتها المتميزة، وتفاضل بين رؤيتها الفلسفية والمنظور الغربي المستحكم.
في هذا السياق إذن، طرحت هذه المقولة وهذا الشعار ليكون عنوان عمل وأرضية برنامج حركي يهدف إلى التغيير، في حين لم تكن اللحظة تسمح بالحديث عن البرامج والاختيارات التفصيلية.
فالنخبة السائدة والمتحكمة هي التي تملك السلطة ومؤسساتها وآليات تجديدها، والحركة الإسلامية التي طرحت ذلك الشعار لم تكن في أحسن أحوالها سوى نخبة فكرية ريادية، تحاول أن تنغرس في الشعب وتتجذر داخل شرائحه، وهي بالضرورة تتوسل من أجل ذلك آليات متعددة في الدعوة والحركة والعمل الاجتماعي والسياسي والإعلامي.
إنها بعبارة واضحة، كانت تبحث عن "الخطاب" وتنحت مفرداته، وتضم بعضها لبعض، لتظهر في النهاية ملامحه الكبرى. وطبيعي أن أي خطاب إنما يتشكل ابتداء بالشعار.
"الإسلام هو الحل" مقولة فكرية فيها كثير من اللبس والغموض، فهي تفتح الباب واسعا لطرح السؤال، خاصة في حقل التدبير السياسي والاقتصادي، إذ إن الإسلام لا يقدم بخصوص هذه الموارد سوى مبادئ عامة ومقاصد كلية يمكن للاجتهاد البشري أن ينطلق منها ليفرع مئات الجزئيات والتفاصيل، حتى يكون الاختيار والبرنامج السياسي والاقتصادي أقرب إلى تحقيق مقصود الشرع.
قد ترد في بعض النصوص أحكام تفصيلية لبعض الجزئيات والوقائع، غير أنها بالنظر إلى الكم الهائل من القضايا المستجدة التي تنتظر تأطيرا شرعيا، تبقى نادرة لا يمكن أن نبني عليها حكما عاما.
وقديما دار نقاش أصولي حاد حول محدودية النصوص ولاتناهي الوقائع، ولم يكن لرأي ابن حزم في المسألة وجاهة، وإن كانت بعض تكلفاته في اجتهاداته الفقهية في كتابه المحلى، تصور النصوص وكأنها محيطة بكل الوقائع على سبيل التفصيل.
والذي ترجح وتحقق بدليل الاستقراء، أن النصوص مستوعبة لكل الوقائع من حيث الإجمال، إذ الوقائع كلها تندرج ضمن الأصول العامة والمقاصد الكلية. أما على سبيل التفصيل فالقول بذلك وهم وادعاء يضر بالنصوص من حيث يريد أن يخدمها.
وللدكتور أحمد الريسوني في هذا المقام كلام محقق، إذ يرى في كتابه نظرية المقاصد أن المصالح المرسلة إنما هي مرسلة لاعتبار عدم التنصيص التفصيلي عليها، أما من حيث اندراجها ضمن القواعد العامة التي تؤصلها الآيات الكريمة مثل "إن الله يأمر بالعدل والإحسان.." فليست هناك مصلحة مرسلة بهذا الاعتبار.
وحيث إن الأمر بهذا الوضوح فالاجتهاد في حقل السياسة والاقتصاد مرجعه النظر والتقدير العقلي، وفهم الواقع ضمن القواعد العامة للشريعة ومقاصدها. وما دام الأمر متعلقا بالاجتهاد، وما دامت موارده مفتوحة لكل العقول، فشعار "الإسلام هو الحل" يبقى طرحا عاما لا يسعف في بيان المقصود، وقد يربك العقول ويجعلها تخلط بين الإسلام كدين وكمقاصد وبين الاجتهاد البشري المنطلق منه.
وحينها يصبح هذا الشعار بغير مضمون، خاصة في حقل النظر والتدبير السياسي، إذ إن العقل الاجتهادي الذي ينسب اجتهاده إلى الإسلام ويحتكر بذلك الصفة الإسلامية يجوز أن لا يبصر مقاصد الشرع، ويجوز أن يفقد الصواب، وحينها يضيع الكسب السياسي ويسيء إلى الإسلام حين يقدم اجتهاده بمنطق المطابقة.
والمطابقة بين الإسلام والاجتهاد في فهمه أمر غير مطرد، فالاجتهاد قد ينطلق من فهم غير صحيح للنص الشرعي، وقد يخطئ القراءة السليمة للواقع، وقد تختل منهجية التنزيل وتحقيق المناط.
وإذاك تصبح عملية التماهي بين المراد الإلهي وبين الفهم البشري ذات خطورة بالغة، إذ ينسب الخطأ في الاجتهاد إلى الدين، فيعود هذا الأمر على شعار "الإسلام هو الحل" بالإبطال.
فإذا ما ساوينا على سبيل الافتراض بين الاجتهاد الذي نقدمه للنص الشرعي، وبين الإسلام في مقاصده وقواعده، وإذا اجتهد العقل الإسلامي في إقناع الناس بأن ذاك الاجتهاد هو عين الإسلام وتبين بعد ذلك أن لهذا الاختيار نتائج كارثية على المجتمع، أو على الأقل لم يحقق ما أمله الناس فيه، فالضرر لا يصيب الحركة الإسلامية وكسبها الاجتهادي والسياسي فحسب، وإنما يعود على الإسلام كله، فتضعف بذلك قناعة الناس به كمصدر للتشريع، وتقوى حجج العلمانيين القاضية بضرورة فصل الدين عن السياسة.
وعملية المطابقة هذه بين الفهم البشري للنص وبين الإسلام ومقاصده، تطرح مشكلة احتكار الحديث والاجتهاد باسم الدين، وهي معضلة خطيرة ما زالت تجثم على العقل المسلم.
والواقع أن دعاوى العلمانيين في هذا الباب وانتقاداتهم للحركة الإسلامية ليست عارية من كل صحة، خاصة أن التجربة الغربية شاخصة بدلالاتها وتداعياتها.
ولعل صور الاستبداد والتحكم التي مورست باسم النص الديني قد تفزع هذه الأطراف حين ترى مكونات من الحركة الإسلامية تقدم اجتهادها على أساس أنه الدين، وأنه هو المراد الإلهي الذي أمرنا بتحصيله واتباعه.
صحيح أن الحركة الإسلامية في مكوناتها الكبرى لا تطرح مثل هذه التصورات ولا تقتنع بمثل هذه القناعات والأفكار في أدبياتها وحتى في سلوكها السياسي، غير أن الشعار يبقى معبرا عن طبيعة الرؤية ومنهج العمل.
يكون مناسبا أن يكون هذا الشعار عنوان مشروع للأمة بكل مكوناتها وأطيافها، ولا يستقيم بالنظر إلى إحالاته المفهومية والسياسية أن يكون عنوان فئة معينة أو مكون واحد.
حينها ووسط الفرز السياسي، ينظر الطرف المغاير والمخالف إلى نفسه وكأنه ينازل مضمون هذا الشعار ويضع بذلك نفسه خصيما للدين، وتلك معضلة كبرى قد تجلب من الخصومات على الحركة الإسلامية أكثر مما قد تكسبها من قوة جماهيرية تتعبأ وراء جاذبية الشعار وقوته السياسية.
لا يهم إذن الكسب السياسي المؤقت الذي ستربحه الحركة الإسلامية من جراء توظيفها الآني لهذا الشعار، إنما الأهم بالنظر الإستراتيجي ليس فقط هو القوة الشعبية الجماهيرية، وإنما أيضا حجم العلاقات التي تنسجها هذه الحركة مع المكونات الأخرى، وطبيعة السلوك الذي يتعامل به معها من رف دوائر صناعة القرار والنخبة الاقتصادية، ومراكز الضغط الخارجي.
وليس خافيا أن تجارب عديدة إنما أجهضتها قوة الخطاب الذي التفت إلى البعد الجماهيري وأغفل عناصر أساسية في معادلة التمكين، فكان أن ضاعت الجماهير وفقد المشروع الإسلامي إشعاعه، وتراجعت مواقع الحركة الإسلامية إلى الخلف، في حين تقدمت الأطروحات العملية ذات المرجعية الإسلامية، واستطاعت أن تؤسس لنفسها تجربة معتدلة تنساب بهدوء وتحقق قانونيا وسياسيا وحتى بالمقياس الجماهيري مكاسب عديدة على الأرض.
والمتأمل في رصيد التجربة الحركية الإسلامية وكسبها السياسي، لا يمكن أن يزيح من الحساب مثل هذه الخلاصات المهمة التي قد تفيد في إنضاج الخطاب وتسديد السلوك السياسي وتصويبه وترشيده.
مطلوب من الحركة الإسلامية أن تقدم اجتهادها على أساس أنه إمكانية واحدة للفهم من موارد الشريعة، لأن نصوص الشرع يتسع فضاؤها لإمكانات متعددة، ولأنه لا يضير هذه الحركة أن تتعدد الاجتهادات من داخل النص الديني، ما دامت تنطلق من المرجعية الإسلامية.
وإذا نجحت هذه الحركة في أن تقنع الشعب والنخب أنها إنما تقدم اجتهاداتها واختياراتها النسبية، وأنه يجوز في حقها الخطأ كما يحتمل الصواب، فإنها تكون بذلك قد أسهمت في مراجعة نقدية لمقولة "الإسلام هو الحل"، وأسست لأرضية التوافق بين فعاليات المجتمع وفرقائه السياسيين.
فكم من حاجز أقيم، وكم من إمكانات للحوار والتواصل أجهضت من هذا الباب، إذ تقرأ مجموعة من النخب أدبيات الحركة الإسلامية وخطابها السياسي، وتلمس فيه بعض نزعات الإقصاء، فترفض الجلوس للحوار فضلا عن الحديث عن التقارب والتنسيق.
وحين تقتنع الأطراف الأخرى أن الحركة الإسلامية إنما تقدم اجتهادا إلى جانب اجتهاداتها، وأنه لا يميزها عن غيرها سوى أنها قد اتخذت من المرجعية الإسلامية منطلقا لإبداع اختيارها، حينها تتغير الرؤى وتتأسس أرضية حقيقية للحوار البناء.
هذه رؤية منفتحة لا تتنازل عن المرجعية الإسلامية وعن أسسها المنهجية، غير أنها تنضبط للصرامة الأصولية، وتفسح المجال لكل ناظر في موارد الشريعة أن يدلي بدلوه، وأن يسهم باجتهاده لتحصيل المراد الإلهي المثبث في النص الشرعي. وهي دعوة لكل الأطراف أن تنطلق من ذات المرجعية وأن تشحذ آلتها الذهنية، وتفجر إبداعها للوصول إلى أفضل الاختيارات والبرامج التي يمكنها أن تقود هذه الأمة إلى نهضتها ويقظتها.
مطلوب إذن وضمن هذا النسق، أن نطهر خطاباتنا، وبدرجة أكبر شعاراتنا، من كل نفس قد يلمس فيه الإقصاء واحتكار الحديث والاجتهاد باسم الدين.
ولعل الكسب يكون كبيرا لو انبرت مكونات هذه الأمة لتنطلق من المرجعية الإسلامية، وتنافس الفاعل السياسي الإسلامي على مستوى البرامج والاختيارات، وينطلق بذلك حراك سياسي وثقافي يغني التجربة ويثريها، ويسهم في خلق ديناميكية ضرورية لكل تنمية شاملة.
__________
كاتب مغربي
تحرك خدام يبدو مبادرة شخصية اكثر منه خطوة منسقة مع المعارضة
تساؤلات حول اعتراف المعارضة بخدام وتمتعه بأي تأييد من قادة عسكريين
بيروت ـ اف ب: اعتبر محللون ان النداء الذي وجهه النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام للاطاحة بالسلطة في دمشق يشوبه الغموض، فهو يبدو مبادرة شخصية اكثر من كونه خطوة منسقة مع المعارضة السورية.
وفي مقابلة مع وكالة فرانس برس، تساءل المحلل والصحافي البريطاني باتريك سيل المتخصص في الشؤون السورية هل يستعد خدام لعودة قوية الي الساحة السياسية السورية، ام ان تصريحاته لا تعدو كونها صرخة غضب بعدما شاهد كل انجازاته ترمي من النافذة؟ واثار خدام الذي يعيش في منفاه الباريسي منذ صيف 2005 بسبب خلافاته العميقة مع الرئيس بشار الاسد، زلزالا سياسيا عبر دعوته منذ نهاية كانون الاول/ديسمبر الي تغيير النظام في دمشق، وصولا الي اتهام الرئيس السوري بانه امر باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.
واكد خدام (73 عاما) الذي ساهم بوضع السياسة السورية خلال 30 عاما وخصوصا في لبنان، ان الحكم السوري لا يمكن اصلاحه، والخيار الوحيد هو اسقاطه.
واوضح ان سورية في خطر وتعيش عزلة بسبب سياسة السلطات، كما ان وحدتها الوطنية مهددة، لافتا الي انه يسعي الي تأسيس جبهة معارضة من شأنها احداث التغيير المطلوب.
وبذلك كان خدام اول شخصية سورية بهذه الاهمية تعلن انشقاقها عن النظام البعثي الذي يحكم سورية منذ اكثر من ثلاثين عاما.
لكن سيل ابدي شكوكا في امكانات تحرك خدام الذي تزعم الحرس القديم في سورية وكان قريبا جدا من الرئيس الراحل حافظ الاسد، وعلق سيل قائلا ان ستالين كان يقول عن البابا: كم يملك من الوحدات العسكرية؟ واضاف سيل ان الرجل (خدام) لا يتمتع بشعبية في سورية وحتي داخل المعارضة، ربما يدعمه بعض السعوديين، لكن فرنسا والولايات المتحدة تتحفظان عن اعلان موقف .
يشار الي ان سيل كان مقربا من الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد وسبق له ان كتب عنه كتابا بعنوان حافظ الاسد الي جانب كتابه المعروف الصراع علي سورية .
وكان المعارض السوري ميشال كيلو قال قبل ايام ان الديمقراطية مطلب قديم يحظي باجماع في سورية، واذا اراد خدام المشاركة في تحقيق هذا الهدف فليكن.
وكيلو هو احد موقعي اعلان دمشق الاخير الذي يضم احزابا وشخصيات معارضة تدعو الي تغيير جذري وسلمي للسلطة في سورية.
وتعتبر المعارضة السورية ان خدام شارك في قمع ربيع دمشق ، الحركة الديمقراطية التي ماتت في المهد بعيد تسلم بشار الاسد السلطة في تموز/يوليو 2000.
بدورها، اظهرت جماعة الاخوان المسلمين الد اعداء النظام البعثي انفتاحا يشوبه حذر علي انضمام خدام الي حركة التغيير. ومنذ تصريحاته الاولي صعد خدام تدريجا كلامه، ووصل به الامر الي اتهام الرئيس السوري بأنه امر بقتل رفيق الحريري.
لكن سيل اعتبر ان خدام ما عاد يقول شيئا جديدا، وهو يضر بقضيته عبر تكراره هذه التصريحات ، مشيرا الي ان الحكم (السوري) اقوي مما يتصوره البعض .
وفي المقابل، رأي المعارض السوري وائل السواح ان خدام رجل متزن وسياسي مخضرم له رصيد سياسي في اوساط لا بأس بها في الشارع السوري (...) لكن المأساة ان السوريين لا يستطيعون تقديم بديل ديمقراطي حقيقي للوضع الراهن .
اما رامي خوري الكاتب في صحيفة دايلي ستار اللبنانية الصادرة بالانكليزية فلاحظ ان صدقية خدام معدومة حين يحاول اظهار نفسه مدافعا جديدا عن الديمقراطية .
ويبقي السؤال: هل يتمتع خدام بتأييد بعض القادة العسكريين؟ الاجابة تبدو مستحيلة في هذا البلد حيث السرية تحيط بدوائر السلطة الرئيسية.
بيان صادر عن مجموعة من الهيئات الديمقراطية في سوريا
في هذه المرحلة الأخطر من تاريخ سوريا والمنطقة، وبسبب تفاقم الأحداث الأخيرة وتسارعها بطريقة لم تشهدها البلاد سابقاً، ولأن المنظومة الحاكمة وأدواتها ما تزال تعيش بعقلية الحرب الباردة ، ولأن الشعب كله هو اليوم في قلب الأزمة التي تجتاح سورية .
إن الهيئات الموقعة على هذا البيان وفي إطار عملها المستمر على نشر قيم وسلوك الديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان فإنها مطالبة وتطالب:
أولا :على المستوى الذاتي :
– العمل الفوري الجاد والمسئول على خلق آليات وحواضن أساسية لعملها على الصعيدين العملي والنظري، يؤسس لمناخ معارض سياسي ديمقراطي جديد في سورية ، بعيداً عن الطائفية و الأصولية الدينية والأيدلوجية بكافة أشكالها ، وبذات القدر فهي مدعوة اليوم إلى توحيد جهودها ، ولململة صفوفها وقواها.
ثانيا : على المستوى الموضوعي :
1– تؤكد مطالبتها المستمرة ، بضرورة بناء جسور من الثقة المتبادلة بين السلطة والشعب ، في إطار سياق انفراج ديمقراطي لا ينطلق من أي موقع ثأري أو انتقامي أو إقصائي ، مبني على تحقيق المطالب الديمقراطية والحريات العامة واحترام حقوق الإنسان ، انطلاقا من: ( إصدار قانون أحزاب وجمعيات عصري - رفع حالة الطوارئ – الإفراج عن المعتقلين السياسيين – عودة المنفيين بضمانات قانونية وإعطاء الحقوق للأقليات بما فيها منح الجنسية للمجردين والمحرومين منها للسوريين الأكراد وغيرها من المطالب الديمقراطية ) .
2– في هذا السياق نرى ضرورة العمل الفوري على خلق مناخ سياسي يساهم في إصدار قانون انتخابي جديد ، يضمن وصول ممثلين حقيقيين للشعب بعد أن تأكد للجميع أن هذه المؤسسة التشريعية ، و كما هي عليه الآن لا تمثل الشعب بصورة حقيقية.
3– على أرضية موقفنا الثابت من الفساد المستشري في كل مناحي الحياة السورية فإننا نطالب بالفتح العاجل لملف الفساد على مستوى الوطن ، و اجراء التحقيقات اللازمة وملاحقة جميع الفاسدين دون الاعتبار لأي حصانة قانونية كانت أو سياسية او غيرها لأي كان.
4– في إطار التغيير الديمقراطي المطلوب على الصعد كافة ( السياسية – الثقافية – الاقتصادية - الاجتماعية ) فإننا نؤكد على أن إرادة التغيير يجب أن تنطلق من الاحتياجات الداخلية للوطن السوري، و التي تستند على قواه الذاتية الداخلية بمشاركة جميع مكونات المجتمع المدني أحزابا وقوى ومنظمات بصورة ندية أياً كان موقعها ( داخل السلطة أو خارجها ) التي لها مصلحة في هذا التغبير ، ونرى أن الفاسدين أياً كان موقعهم أيضاً داخل السلطة أو خارجها والذين أغرقوا البلاد وأضروا بمصالح المواطن والوطن لا يمتلكون مثل هذه المصلحة .
إن هذه المطالب الملحة والأولية ، تمثل مطالب اسعافية يمكن لها إذا تحققت أن تخرج البلاد من عنق الزجاجة ومن الأزمة التي تعصف بها دولة وشعبا ، وان تضع الوطن على سكة التحول الديمقراطي المنشود.
دمشق في 11\1\2006
الموقعون :
حزب النهضة الوطني الديمقراطي
المنظمة الاثورية الديمقراطية
مركز الشام للدراسات الديمقراطية وحقوق الإنسان
الحزب السوري القومي الاجتماعي
حزب الديمقراطيون الأحرار
الحزب الديمقراطي السوري
التجمع الديمقراطي العلماني الليبرالي(عدل)
نشطاء بلا حدود
لجنة المتابعة في قضايا المعتقلين والمنفيين ومجردي الجنسية
موقع سوريون
------------------------------------
خاص – صفحات سورية -
سحر حويجة
كان واضحاً أن النظام السوري يلعب على عامل الزمن، ويماطل في عملية سير التحقيق، على أمل التغيير على الصعيد اللبناني، أو تغيير مواقف الدول الكبرى، هذه المماطلة التي سوف تنعكس سلباً على الصعيد اللبناني، ومع الزمن ستنعكس سلباً على الصعيد السوري، نتيجة ما تسببه من توتر وقلق، إضافة إلى أزمات اقتصادية وركود، وبطالة، واحتقان، في المقابل فإن أمريكا، التي لا تسعى الآن للحسم العسكري، تعمل هي الأخرى للاستفادة من المماطلة أولاً : من خلال الضغط على النظام في سوريا ، وثانياً: الضغط على لبنان، بما يخدم السياسة الأمريكية، قد يصل الأمر في النهاية، عندما تنضج الظروف لصالحها ، أن تعمل على إظهار فشل مجلس الأمن، مرة أخرى في إدارة الأزمات العالمية، لتستغل الفرصة وتبادر بمفردها، بدعم حلفائها، من أجل تسوية الأوضاع بما يناسبها.
شكل ظهور خدام إنذاراً قوياً للنظام السوري، بأنه يملك معلومات تؤكد تورط الرئيس السوري بتهديد رفيق الحريري، ظهر عجز النظام عن دحض أقواله، ونذيراً أن الصراع أصبح داخل بيت النظام، حيث أن هذا له بالغ الأثر ، على قوة النظام في مواجهة التحديات، فهو في مرحلة أولى يشكل وسيلة ضغط، قوية ضد النظام، للبحث عن مخرج للحفاظ على عدم انتقاص من هيبة الدولة، من خلال رئيسها، وحماية موقع الرئاسة ، من هنا بدأت المبادرات العربية، من أجل أكبر تعاون من النظام مع لجنة التحقيق، مقابل حماية موقع الرئاسة من التعرض، الذي قد يؤدي إلى الاهتزار، إضافة لذلك فإن عبد الحليم خدام يشكل تهديداً كبيراً لما يملكه من معلومات، وملفات تؤدي لفضح سياسة النظام السوري، وفضح أركان النظام، سواء على الصعيد الداخلي ، أم على الصعيد اللبناني، التي سوف تظهر تباعاً، تبعاً لتطور الأوضاع ، يساهم ذلك في زرع الخوف في قلوب أركان النظام، وتؤدي إلى إركاعه، وتطويعه، للوصول إلى مرحلة إسقاطه، ثانياً محاولة كسر الإجماع في البيت الداخلي للسلطة، مما يؤدي إلى ضعضعة السلطة، لما لديه من مريدين وأتباع، وبما يمثل من وزن سياسي وربما عسكري ، باعتباره أحد التيارات الحاكمة ، يساعد في زيادة أزمة النظام التي سترخي بظلالها على كل قوى النظام، سينعكس ذلك أيضاً على الشارع ، خاصة قاعدة النظام.
إن جوهر الصراع القائم بين أجنحة السلطة هو صراع سياسي، بدأ منذ أو قبل تسلم الرئيس بشار الأسد السلطة، صحيح أن خدام بدا أنه ساهم في تسليم دفة الحكم للرئيس بشار طواعية، لكن حقيقة الأمر ، أن موازين القوى، وآلية عمل الدولة ، هي التي حكمت وقضت بذلك، إن توريث الحكم ما كانت تتم إلا بمخالفة أيديولوجيا البعث، و مخالفة الدستور، حيث أن الرئيس بشار الأسد استمد قوته ، من توافق الأجهزة الأمنية التي أعطته ولائها المطلق، على اعتبار أنه امتداد للسلف ، وقد لعب العامل الطائفي دور بارز ، بسبب من انتماء رموز هذه القوى، التي لا تطمح إلى دفة القيادة، بل لا بد من رمز سياسي تدعمه ، أما الجهاز السياسي المتمثل بحزب البعث وبالأخص قيادته القطرية، في ظروف الشلل السياسي التي عاشتها سوريا، تحولت إلى بوق داعم للنظام ، والجناح السياسي كان المهم بالنسبة إليهم الحفاظ على مناصبهم، عبد الحليم الخدام أحد هؤلاء ، وقد كان المتضرر الأول، باعتباره هو الرئيس الشرعي، لكنه قبل بأن يحافظ على دوره ، كما في العهد السابق، بل ربما راهن على دور أكبر مع الرئيس بشار الأسد، ليستفيد الأخير من تجربته وخبرته في قيادة الدولة، لكن في سياق الصراع بين جيلين ومرحلتين ، حيث عمل الرئيس بشار الأسد على إقصاء وجوه أمنية وعسكرية مهددة للحكم، التي كانت تمثل المرحلة الماضية ، وبالتالي إضعاف الاتجاه السياسي لهذه القوى ، مع إن الاتجاه السياسي لم يكن مهدد لسلطة الرئيس الجديد، وبالتالي لا يوجد مبرر لإقصائهم، وهكذا فإن التغيير الأساسي الذي حصل في عهد الرئيس بشار الأسد هو تغيير الرجال، برجال أكثر قرباً من الرئيس أو جيل آخر، من أجل إعادة إنتاج النظام، ولكن لم يتم تغيير السياسات، مع إن تغيير السياسة هي الأهم من أجل حسم الصراع بين مرحلة وأخرى، تغيير السياسة التي كانت لا تتم إلا بتغيير أساليب الحكم، وإشاعة الديمقراطية، والانفتاح ومشاركة المجتمع، لكن كل ما حصل هو تغيير الوجوه، وفقاً للمثل القائل ، التاريخ يعيد نفسه مرتين مرة مسخرة ومرة مهزلة، هذا ترك الباب واسع للمنافسة ، بين قوى النظام ، ورفض الوجوه القديمة للوجوه الجديدة باعتبارهم أقل خبرة وكفاءة، واتخذ الصراع بعد سياسي وعسكري، واقتصادي، بين أجنحة النظام المختلفة، وصل الذروة مع المؤتمر الأخير للحزب، حيث تم إخراج خدام من القيادة القطرية، وأخرج نفسه من القيد الأخير للسلطة، لكن حلمه في قيادة التغيير والعودة للسلطة من الباب الواسع، أن يتربع على هرمه، مازال يدغدغ أحلام نائب الرئيس السابق، وأن الانتقام من سياسة اعتبرها ظالمة ، ومجحفة بحقه كانت بارزة، صب جام غضبه على سياسة الرئيس بشار، بتأكيده أنه فردي وديكتاتوري، أكثر من العهد السابق، فهذا القول في جانب كبير منه يعود ، إلى ردة فعل نائب الرئيس على تحجيم دوره، وتهميشه ، بل والضغط عليه، وإنه لم يكن أحد أصحاب القرار في هذه المرحلة.
إن استغلال خدام قد يحقق أكثر من مهمة ، و فقاً للسيناريو المقرر اتجاه النظام السوري، فإذا تم إدانة الرئيس، قد نكون أمام اتجاه يدعو، إلى تنحي الرئيس، على أن تقوم ، المؤسسات الدستورية بعملها وإلغاء مرحلة الرئيس بشار، والعودة إلى العهد السابق ، حيث سيكون نائب الرئيس رئيساً. هذا الخيار يحمل في طياته تهديد سلطة العائلة، ربما تنعكس طائفياً، التي دعت رفعت الأسد إلى الحذر من الوضع الجديد.
أو سيناريو الخروج من الأزمة عبر انقلاب، والعودة أيضاً للاستحقاق الدستوري السابق، ريثما يتم التغيير في سوريا، حيث أن هناك مجموعة من القوى التي خرجت من السلطة، ولكن مازالت تحتفظ بوجودها من خلال أنصارها السياسيين والعسكريين، لقد قامت بتغيير الوجوه ولم تتغير آلية عمل السلطة، لذلك بقي القسم الأعظم منهم يشعرون بالغبن من اقتسام كعكة السلطة، وهنا يكون الرئيس بشار وسلطته دخلت مرحلة جديدة، لذلك سوف يزداد الخوف، ويتم الاعتماد أكثر فأكثر على الموثوقين والموالين، خوفاً من المجهول، هذا يساهم في ميل السلطة إلى التعسف، وزعزعة الثقة وزيادة الشك داخل بيت النظام، أو أن يقوم النظام في تبني الخيار الآخر وهو خيار صعب، يتم عبر تغيير الآلية السياسية القائمة، في اتجاه التغيير الجذري ، من خلال سن قانون انتخابات، وإفساح أكبر مجال للمشاركة السياسية من قبل جميع القوى، وهذا خيار غير وارد في حسابات النظام.
إن ردة فعل النظام على ظاهرة خدام، بتوجيه تهمة الخيانة، وتهم الفساد، أكدت إن الفساد هو الورقة الرابحة من السلطة ضد السلطة نفسها، هكذا يتم حفظ الولاء، واستمراره، إن المحاسبة وفضح الملفات وكشفها ، لا يتم إلا بمناسبة الخروج من بيت الطاعة، أما عندما تكون رجل سلطة فأنت فوق القانون، وفوق البشر وفوق الشبهات، بل لا يحق لأي كان أن يحاسبك، وهذا ما يبرر دفاع المسؤولين في هذه الدول عن حقهم الدائم في السلطة، لأن السلطة هي مجال الحرية المطلقة من كل قيد، ومن خلالها تعمل ما يحلو لك، ليس المطلوب منك تنفيذ برامج ولا مشاريع، لأنك قد تفشل، أما السعي للمصالح الخاصة والفئوية مهما كانت الوسائل ، ستحقق نجاحاً مستمراً لك، وإذا نزلت عن الكرسي قد تخسر كل شيء، في الوقت الذي يعيش الشعب في ظل رقابة خانقة وقاتلة، بسبب استمرار العمل بأسوأ القوانين، لتكون سيفاً مسلطاً على رقاب الشعب، وحريته وكرامته، هكذا يتم إنتاج ، الفساد والخوف، والجوع، وإن الدفاع عن المصالح الخاصة هو الدافع للدفاع عن الوطن، ليتحول الشعب إلى وقود ومحارق. إن القنابل الصوتية المتقابلة بين خدام والنظام وأقطاب آخرون ، هي مرحلة جديدة تدخل الساحة الداخلية في الصراع والاستقطاب. حيث الشعب سيتحول إلى مجرد مشاهد على المسرح.
على قوى المعارضة أن تكون يقظة، أن لا تتحول إلى رافعة لأحد من قوى النظام، وإعطاء الشرعية ، المهم منع هذه القوى من قيادة حركة المعارضة، لأن هدفهم الأول ، ليس دعم صف المعارضة، بل محاولة كسب شرعية وجودهم المعارض، ودعم مواقعهم، للعودة للحكم، وهم حكماً لا يملكون برامج للتغيير، وليسوا أهل تغيير، إن أكثر ما يهمهم مصالحهم الخاصة، على المعارضة، أن تعمل على الاستفادة من هذه التناقضات، من أجل تعزيز وجودها الشعبي، واستقطاب قوى المجتمع، عبر فضح مجمل قوى النظام، معركة في صالح المعارضة إذا استطاعت استثمارها، من أجل كتابة تاريخاً آخر سطره الشعب بالدم والاعتقال والفقر والعذاب، يفتح المجال لحياة حرة وكريمة، ولن يتم دون محاسبة الفاسدين . وعلينا تشجيعهم على كتابة تاريخهم كما أعلن السيد خدام، لعله يظهر خفايا الأمور التي تساهم في رفع وعي المجتمع و معرفة حقوق الشعب المهدورة أين ذهبت.
سحر حويجة
خدام والصراع على السلطة في سوريا
كان واضحاً أن النظام السوري يلعب على عامل الزمن، ويماطل في عملية سير التحقيق، على أمل التغيير على الصعيد اللبناني، أو تغيير مواقف الدول الكبرى، هذه المماطلة التي سوف تنعكس سلباً على الصعيد اللبناني، ومع الزمن ستنعكس سلباً على الصعيد السوري، نتيجة ما تسببه من توتر وقلق، إضافة إلى أزمات اقتصادية وركود، وبطالة، واحتقان، في المقابل فإن أمريكا، التي لا تسعى الآن للحسم العسكري، تعمل هي الأخرى للاستفادة من المماطلة أولاً : من خلال الضغط على النظام في سوريا ، وثانياً: الضغط على لبنان، بما يخدم السياسة الأمريكية، قد يصل الأمر في النهاية، عندما تنضج الظروف لصالحها ، أن تعمل على إظهار فشل مجلس الأمن، مرة أخرى في إدارة الأزمات العالمية، لتستغل الفرصة وتبادر بمفردها، بدعم حلفائها، من أجل تسوية الأوضاع بما يناسبها.
شكل ظهور خدام إنذاراً قوياً للنظام السوري، بأنه يملك معلومات تؤكد تورط الرئيس السوري بتهديد رفيق الحريري، ظهر عجز النظام عن دحض أقواله، ونذيراً أن الصراع أصبح داخل بيت النظام، حيث أن هذا له بالغ الأثر ، على قوة النظام في مواجهة التحديات، فهو في مرحلة أولى يشكل وسيلة ضغط، قوية ضد النظام، للبحث عن مخرج للحفاظ على عدم انتقاص من هيبة الدولة، من خلال رئيسها، وحماية موقع الرئاسة ، من هنا بدأت المبادرات العربية، من أجل أكبر تعاون من النظام مع لجنة التحقيق، مقابل حماية موقع الرئاسة من التعرض، الذي قد يؤدي إلى الاهتزار، إضافة لذلك فإن عبد الحليم خدام يشكل تهديداً كبيراً لما يملكه من معلومات، وملفات تؤدي لفضح سياسة النظام السوري، وفضح أركان النظام، سواء على الصعيد الداخلي ، أم على الصعيد اللبناني، التي سوف تظهر تباعاً، تبعاً لتطور الأوضاع ، يساهم ذلك في زرع الخوف في قلوب أركان النظام، وتؤدي إلى إركاعه، وتطويعه، للوصول إلى مرحلة إسقاطه، ثانياً محاولة كسر الإجماع في البيت الداخلي للسلطة، مما يؤدي إلى ضعضعة السلطة، لما لديه من مريدين وأتباع، وبما يمثل من وزن سياسي وربما عسكري ، باعتباره أحد التيارات الحاكمة ، يساعد في زيادة أزمة النظام التي سترخي بظلالها على كل قوى النظام، سينعكس ذلك أيضاً على الشارع ، خاصة قاعدة النظام.
إن جوهر الصراع القائم بين أجنحة السلطة هو صراع سياسي، بدأ منذ أو قبل تسلم الرئيس بشار الأسد السلطة، صحيح أن خدام بدا أنه ساهم في تسليم دفة الحكم للرئيس بشار طواعية، لكن حقيقة الأمر ، أن موازين القوى، وآلية عمل الدولة ، هي التي حكمت وقضت بذلك، إن توريث الحكم ما كانت تتم إلا بمخالفة أيديولوجيا البعث، و مخالفة الدستور، حيث أن الرئيس بشار الأسد استمد قوته ، من توافق الأجهزة الأمنية التي أعطته ولائها المطلق، على اعتبار أنه امتداد للسلف ، وقد لعب العامل الطائفي دور بارز ، بسبب من انتماء رموز هذه القوى، التي لا تطمح إلى دفة القيادة، بل لا بد من رمز سياسي تدعمه ، أما الجهاز السياسي المتمثل بحزب البعث وبالأخص قيادته القطرية، في ظروف الشلل السياسي التي عاشتها سوريا، تحولت إلى بوق داعم للنظام ، والجناح السياسي كان المهم بالنسبة إليهم الحفاظ على مناصبهم، عبد الحليم الخدام أحد هؤلاء ، وقد كان المتضرر الأول، باعتباره هو الرئيس الشرعي، لكنه قبل بأن يحافظ على دوره ، كما في العهد السابق، بل ربما راهن على دور أكبر مع الرئيس بشار الأسد، ليستفيد الأخير من تجربته وخبرته في قيادة الدولة، لكن في سياق الصراع بين جيلين ومرحلتين ، حيث عمل الرئيس بشار الأسد على إقصاء وجوه أمنية وعسكرية مهددة للحكم، التي كانت تمثل المرحلة الماضية ، وبالتالي إضعاف الاتجاه السياسي لهذه القوى ، مع إن الاتجاه السياسي لم يكن مهدد لسلطة الرئيس الجديد، وبالتالي لا يوجد مبرر لإقصائهم، وهكذا فإن التغيير الأساسي الذي حصل في عهد الرئيس بشار الأسد هو تغيير الرجال، برجال أكثر قرباً من الرئيس أو جيل آخر، من أجل إعادة إنتاج النظام، ولكن لم يتم تغيير السياسات، مع إن تغيير السياسة هي الأهم من أجل حسم الصراع بين مرحلة وأخرى، تغيير السياسة التي كانت لا تتم إلا بتغيير أساليب الحكم، وإشاعة الديمقراطية، والانفتاح ومشاركة المجتمع، لكن كل ما حصل هو تغيير الوجوه، وفقاً للمثل القائل ، التاريخ يعيد نفسه مرتين مرة مسخرة ومرة مهزلة، هذا ترك الباب واسع للمنافسة ، بين قوى النظام ، ورفض الوجوه القديمة للوجوه الجديدة باعتبارهم أقل خبرة وكفاءة، واتخذ الصراع بعد سياسي وعسكري، واقتصادي، بين أجنحة النظام المختلفة، وصل الذروة مع المؤتمر الأخير للحزب، حيث تم إخراج خدام من القيادة القطرية، وأخرج نفسه من القيد الأخير للسلطة، لكن حلمه في قيادة التغيير والعودة للسلطة من الباب الواسع، أن يتربع على هرمه، مازال يدغدغ أحلام نائب الرئيس السابق، وأن الانتقام من سياسة اعتبرها ظالمة ، ومجحفة بحقه كانت بارزة، صب جام غضبه على سياسة الرئيس بشار، بتأكيده أنه فردي وديكتاتوري، أكثر من العهد السابق، فهذا القول في جانب كبير منه يعود ، إلى ردة فعل نائب الرئيس على تحجيم دوره، وتهميشه ، بل والضغط عليه، وإنه لم يكن أحد أصحاب القرار في هذه المرحلة.
إن استغلال خدام قد يحقق أكثر من مهمة ، و فقاً للسيناريو المقرر اتجاه النظام السوري، فإذا تم إدانة الرئيس، قد نكون أمام اتجاه يدعو، إلى تنحي الرئيس، على أن تقوم ، المؤسسات الدستورية بعملها وإلغاء مرحلة الرئيس بشار، والعودة إلى العهد السابق ، حيث سيكون نائب الرئيس رئيساً. هذا الخيار يحمل في طياته تهديد سلطة العائلة، ربما تنعكس طائفياً، التي دعت رفعت الأسد إلى الحذر من الوضع الجديد.
أو سيناريو الخروج من الأزمة عبر انقلاب، والعودة أيضاً للاستحقاق الدستوري السابق، ريثما يتم التغيير في سوريا، حيث أن هناك مجموعة من القوى التي خرجت من السلطة، ولكن مازالت تحتفظ بوجودها من خلال أنصارها السياسيين والعسكريين، لقد قامت بتغيير الوجوه ولم تتغير آلية عمل السلطة، لذلك بقي القسم الأعظم منهم يشعرون بالغبن من اقتسام كعكة السلطة، وهنا يكون الرئيس بشار وسلطته دخلت مرحلة جديدة، لذلك سوف يزداد الخوف، ويتم الاعتماد أكثر فأكثر على الموثوقين والموالين، خوفاً من المجهول، هذا يساهم في ميل السلطة إلى التعسف، وزعزعة الثقة وزيادة الشك داخل بيت النظام، أو أن يقوم النظام في تبني الخيار الآخر وهو خيار صعب، يتم عبر تغيير الآلية السياسية القائمة، في اتجاه التغيير الجذري ، من خلال سن قانون انتخابات، وإفساح أكبر مجال للمشاركة السياسية من قبل جميع القوى، وهذا خيار غير وارد في حسابات النظام.
إن ردة فعل النظام على ظاهرة خدام، بتوجيه تهمة الخيانة، وتهم الفساد، أكدت إن الفساد هو الورقة الرابحة من السلطة ضد السلطة نفسها، هكذا يتم حفظ الولاء، واستمراره، إن المحاسبة وفضح الملفات وكشفها ، لا يتم إلا بمناسبة الخروج من بيت الطاعة، أما عندما تكون رجل سلطة فأنت فوق القانون، وفوق البشر وفوق الشبهات، بل لا يحق لأي كان أن يحاسبك، وهذا ما يبرر دفاع المسؤولين في هذه الدول عن حقهم الدائم في السلطة، لأن السلطة هي مجال الحرية المطلقة من كل قيد، ومن خلالها تعمل ما يحلو لك، ليس المطلوب منك تنفيذ برامج ولا مشاريع، لأنك قد تفشل، أما السعي للمصالح الخاصة والفئوية مهما كانت الوسائل ، ستحقق نجاحاً مستمراً لك، وإذا نزلت عن الكرسي قد تخسر كل شيء، في الوقت الذي يعيش الشعب في ظل رقابة خانقة وقاتلة، بسبب استمرار العمل بأسوأ القوانين، لتكون سيفاً مسلطاً على رقاب الشعب، وحريته وكرامته، هكذا يتم إنتاج ، الفساد والخوف، والجوع، وإن الدفاع عن المصالح الخاصة هو الدافع للدفاع عن الوطن، ليتحول الشعب إلى وقود ومحارق. إن القنابل الصوتية المتقابلة بين خدام والنظام وأقطاب آخرون ، هي مرحلة جديدة تدخل الساحة الداخلية في الصراع والاستقطاب. حيث الشعب سيتحول إلى مجرد مشاهد على المسرح.
على قوى المعارضة أن تكون يقظة، أن لا تتحول إلى رافعة لأحد من قوى النظام، وإعطاء الشرعية ، المهم منع هذه القوى من قيادة حركة المعارضة، لأن هدفهم الأول ، ليس دعم صف المعارضة، بل محاولة كسب شرعية وجودهم المعارض، ودعم مواقعهم، للعودة للحكم، وهم حكماً لا يملكون برامج للتغيير، وليسوا أهل تغيير، إن أكثر ما يهمهم مصالحهم الخاصة، على المعارضة، أن تعمل على الاستفادة من هذه التناقضات، من أجل تعزيز وجودها الشعبي، واستقطاب قوى المجتمع، عبر فضح مجمل قوى النظام، معركة في صالح المعارضة إذا استطاعت استثمارها، من أجل كتابة تاريخاً آخر سطره الشعب بالدم والاعتقال والفقر والعذاب، يفتح المجال لحياة حرة وكريمة، ولن يتم دون محاسبة الفاسدين . وعلينا تشجيعهم على كتابة تاريخهم كما أعلن السيد خدام، لعله يظهر خفايا الأمور التي تساهم في رفع وعي المجتمع و معرفة حقوق الشعب المهدورة أين ذهبت.
خاص – صفحات سورية -
حزب البعث ونكتة القيادة القومية؟
. داود البصري
ايلاف
التسميات والمصطلحات والعناوين التي إستحدثها حزب البعث العربي النافق في عالم السياسة العربية ظلت طيلة العقود الخمسة الأخيرة من تاريخ العرب الحديث تثير كل معاني التأمل على حقيقة الفكر البوهيمي القومي والشعارات المبتذلة والرخيصة والفاقدة لمعانيها التي يرفعها حزب البعث بمناسبة وبدون مناسبة، ونظرا لإرتباط قادة ذلك الحزب الوثيق بالمخططات والدوائر الخارجية التي كانت تتربص بأمة العرب الدوائر فإن تلك الشعارات لم تكن إلا حالات تمويهية لذر الرماد في العيون لأن البعثيين في إنطلاقتهم وأفكارهم التبشيرية السطحية لم يكونوا سوى أداة من أدوات الحرب الكونية الباردة وفي مواجهة الفكر اليساري الذي إجتاح العالم العربي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان التركيز واضحا على مناطق عربية بعينها كونها كانت منطلقا لنشاط التجمعات السياسية من يسارية وشيوعية ودينية ووسط أجواء ومناخات تتضارب فيها الأفكار القومية بالدينية باليسارية، لذلك لم ينجح حزب البعث مثلا في إستمالة الشارع المصري الذي كانت أفكار القومية العربية فيه ضعيفة نسبيا وسط حالات الشعور الوطني المتضخم أو الإسلامي الشامل، وظلت الساحة المصرية عصية على الإختراق البعثي ونفس الوضعية رأيناها في أقطار المغرب الأقصى المستند لقاعدة شعبية وسياسية وفكرية عمادها الدين الإسلامي أو الفكر اليساري المتعدد الأشكال والولاءات، بينما نجح البعثيون نجاحا ملفتا للنظر في أهم بلدين عربيين في المشرق العربي وهما سوريه والعراق وحيث تمكنوا وفي أوقات قياسية من التغلغل في أدق نقطة في المفاصل الشعبية وهي القطاعات الطلابية ومن خلال المؤسسة العسكرية التي وفرت للحزب عناصر قوة لم يكن يحلم بها أو يتخيلها وعن طريقها تم إختزال الزمن وتقصير المراحل والقفز على الأولويات، ليتسلقوا محاور السلطة ويصادروا المستقبل ويفرضوا ظلهم الثقيل على صدور الشعوب من خلال الإنقلابات العسكرية المخطط لها سلفا في دوائر الغرب! وهذه من حقائق القرن الماضي التي لم تزل تفرز إشكالياتها حتى الوقت الراهن، ففي العراق قدر لحزب البعث القفز على السلطة وإستلامها قبل الساحة السورية؟ وهي ساحة التأسيس والتبشير والإنطلاق، وقد جاء البعثيون للسلطة في العراق في فبراير/ شباط 1963 في مؤامرة دولية معروفة إعترف قادتهم آنذاك بها ومنهم علي صالح السعدي أحد أبرز سفاحي وقتلة تلك المرحلة وبتعاون تام مع أجهزة المخابرات الأميركية تحديدا والمخابرات المصرية أيام صلاح نصر أيضا والقصة معروفة للجميع وباتت مستهلكة وبعد شهر بالتمام والكمال حصل الإنقلاب البعثي في سوريا والذي أبقى البعث إسميا في عناوين السلطة السورية حتى الوقت الحاضر رغم تبدل الأطوار والزعامات والمراحل إلا أن الحرية الشعبية في دمشق قد صودرت عمليا منذ الثامن من آذار/ مارس 1963 الذي أوصل صغار الضباط من البعثيين للسلطة وحيث جرت تصفيات دموية شرسة أدت بالنتيجة النهائية لفرض نظام طائفي عائلي مشى على صيغة التوريث الأسرية في تجربة يقال أنها ثورية وإشتراكية وشعبية وهي حالة إفلاس سياسي فريدة تهيأت لها الظروف في دمشق ولم تسمح لها الأحوال في بغداد رغم أن مخطط التوريث كان ماشيا في طريقه المعهود قبل أن تقبره حرب (حرية العراق)!، وخلال عقد السبعينيات من القرن الماضي كانت حروب البعث المضادة بين فرعيه الرئيسيين من أبرز سمات المرحلة وكان السلاح العقائدي والتنظيمي للنظامين اللدودين ممثلا فيما يسمى بالقيادة القومية للحزب!! وهي الوعاء التنظيمي والدعائي والتبشيري القومي والتي تتكون من أعضاء حزبيين من الدول العربية يتولون مسؤولية تحقيق الهدف والفكر الإنقلابي للبعث وقيادة عمليات الإنقلاب في أقطارهم؟؟ وهي كما ترون عملية تحريض وتخريب ودعوة رسمية مؤطرة لهيمنة البعث على السياسة العربية، وكانت إمكانيات القيادة القومية العراقية على مستوى التحرك والتكتيك أقوى بكثير من نظيرتها السورية بسبب وجود القيادة التاريخية للبعث في العراق ممثلة في أمينه العام الذي طرده السوريون منذ عام 1963 ميشيل عفلق وبقية البعثيين السوريين القدامى من أمثال شبلي العيسمي أو الياس فرح أو الأردني منيف الرزاز أو السعودي علي غنام أو اليمني قاسم سلام أو السوداني بدر الدين مدثر واللبناني عبد المجيد الرافعي! وبقية من الفلسطينيين والسوريين ونفر من الخليجيين وغيرهم، وكانت إمكانيات البترول العراقي تغطي نشاطات القيادة القومية التي عملت جاهدة على تدبير إنقلابات وهمية في بلدانها الأصلية دون جدوى؟ فالعملية بأصلها وفصلها لم تكن سوى عملية تكسب سياسي رخيصة وميدانا للنصب والإحتيال، وبابا للرزق يرتزق منه الشطار والعيارين في عالم السياسة العربية، وقد إنتهت تلك القيادة القومية فعليا مع مجيء صدام لسدة السلطة الأولى عام 1979 ولم تعد سوى هيكل فارغ لحزب فاشل وعقيم إذ لا توجد إمتدادات بعثية حقيقية في أي من البلدان العربية المشار إليها آنفا؟ أما القيادة القومية السورية فهي في حقيقتها كانت في موت سريري معلن، وكانت كل قوتها ونشاطها متمثلة في مجموعة من البعثيين العراقيين المنشقين على الفرع العراقي للحزب والمؤمنين بطروحات فرع الشام للحزب؟؟ وكانت الخلافات شخصية أكثر من كونها عقائدية، وكانت العلاقات المتوترة لعقود طويلة بين سوريه والعراق تدار بالكامل من خلال دهاليز القيادة القومية في منطقة البرامكة الدمشقية والتي هي في حقيقتها المطلقة جزء من تنظيمات المخابرات السورية والطريف أن عمليات التسلل والإغتيال كانت تتم داخل أروقة تلك القيادة كما حصل مع الأمين القطري العراقي الأسبق أحمد أبو الجبن الذي أغتيل داخل مكتبه في القيادة القومية السورية عام 1976؟ إذ كانت الولاءات مختلطة وغالبا ما كان أعضاء في القيادة القومية السورية يهربون بملفاتها ليسلموها للمخابرات العراقية؟ وكانت مهزلة سياسية حقيقية وصلت لحد تولي أحد المندسين من نظام صدام وهو المدعو عبد الجبار الكبيسي لمنصب الأمين القطري للحزب في سوريه عام 1980 قبل أن تكتشف المخابرات السورية حقيقته بعد سنوات وتبعده بعد فضيحة ليقبع اليوم في سجون العراق كأحد الإرهابيين، كما أن القيادة القومية السورية هي أحد أذرع الإرهاب الدائر في العراق حاليا إذ توثقت معلومات مؤكدة عن دور البعثيين العراقيين الهاربين بالتعاون مع عضو القيادة القومية السورية المزمن الرفيق (فوزي الراوي) في تدريب وإعداد وإرسال الإنتحاريين والإرهابيين للعراق من خلال قنوات المخابرات السورية؟ وهذه قصة من قصص العبث البعثي في مصائر الشعوب العربية، فالبعث هو واحد من مراحل التاريخ العربي السوداء التي إنطوت وإنتهت، ومصير البعث السوري الآيل للسقوط لن يختلف شكلا ومضمونا عن زميله البعث العراقي، وسنرى ونسمع عن فجائع وحقائق تاريخية قريبا، فلعنة البعث قد إرتدت على أصحابها، وأنوار الحرية ستبدد كل مخططات أشباح الحقد والظلام من بعثيين وقتلة.
سوريا وإيران تشعلان النيران
د. شاكر النابلسي
ايلاف
-1-
لا يستطيع محمود عباس من خلال موقعه السياسي، أن يقول الحقيقة التي يعرفها جيداً، ونعرفها نحن من غير السياسيين الذين لا نعرف استعمال اللغة الديبلوماسية التي يتكلم بها عباس، ولا نعرف لغة وزراء الخارجية العرب أو أمناء الجامعة العربية، التي يتكلم بها معظم المعلقين السياسيين والكتاب السياسيين في العالم العربي. ولكننا ككتاب ومثقفين ليبراليين لا نعرف غير لغة الحقيقة الشجاعة فقط. وهي أن المبرر لانتهاء التهدئة ، التي لم تكن قائمة أصلاً، ورفض تجديدها أو التشدد في تجديدها، هو نتيجة حتمية وواضحة للمستجدات السياسية الإقليمية التي طرأت على المعادلات السياسية التالية في منطقة الشرق الأوسط، والخاصة بسوريا بالدرجة الأولى، التي تعتبر الراعي الرسمي للألعاب الارهابية والانتحارية العربية:
1- أن سوريا في وضع سياسي حرج الآن، وقد فقدت موقعها كـ "قوة اقليمية عظمى" – كما كانت تدّعي، وبفضل جهاز مخابراتها القوى الذي ورثته عن المانيا الشرقية – وهي تحاول عن طريق إلهاب جنوب لبنان – غزة، أن تستعيد بعضاً من دورها الاقليمي الذي افتقدته.
2- أن سوريا "العظمى" حاولت تركيع أمريكا العظمى في العراق، ولكنها لم تستطع. وكما قال عبد الحليم خدام في مقابلته مع فضائية "العربية"، فقد انتظرت سوريا أمريكا أن تأتيها راكعة على باب القصر الرئاسي السوري، طالبة النجدة، وانقاذها من "المستنقع العراقي". ولكن شيئاً من هذا لم يتم. بل إن سوريا "العظمى" الآن هي التي تركع أمام "البيت الأبيض"، وتدق الأبواب العربية والغربية، ولا من مجيب. وسوريا "العظمى" الآن تحاول تركيع أمريكا العظمى عن طريق جنوب لبنان – غزة، وعن طريق بغداد- بيروت. ولعلكم تلاحظون، بأنه كلما ازداد الضغط الدولي - والأمريكي على وجه الخصوص على سوريا- زاد العنف والارهاب في بغداد وبيروت. وقد شاهدنا من قبل كيف تمَّ رفع وتيرة الارهاب في بيروت بعد قرارات محلس الأمن الخاصة بسوريا. وشاهدنا بعد مقابلة عبد الحليم خدام في فضائية "العربية" كيف تصاعدت الهجمات الارهابية في العـراق، بحيث قُتل وجُرح في يوم واحد (5/1/2006) أكثر من 373 عراقياً، ووقعت أكثر من 420 عملية ارهابية خلال اسبوع واحد.. الخ، رغم أجواء التهدئة التي نادى بها السُنّة بعد الانتخابات التشريعية العراقية. ولكن يبدو أن الاصلاحات السياسية الداخلية العراقية، لا علاقة لها بانخفاض وارتفاع وتيرة الارهاب في العراق. وأن وتيرة الارهاب تنخفض وترتفع حسب البارومتر السياسي السوري والإيراني، وحسب ضغط المطرقة الأمريكية وصلابة سندان مجلس الأمن والأمم المتحدة. باعتبار أن الارهاب في العراق ولبنان مرتبط بعوامل خارجية سياسية محضة، لا علاقة لها بما يجري داخل العراق أو لبنان. وحيث قال عبد الحليم خدام لقناة "فرانس 3" "أن التفجيرات التي تستهدف لبنان لن تتوقف". فراقبوا الأحداث جيداً، وسوف تعلمون.
3- بدأت سوريا بالبحث عن مسرح جديد لاستعراض قواها الأمنية والاستخباراتية والسياسية، بعد انسحابها العسكري من لبنان ذلك الانسحاب المهين. وبعد أن أضاع بشار الأسد (الأندلس السورية في لبنان) إرث الآباء، كما أضاع أبو عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس مُلك غرناطة. بعد أن نامت نواطير الشام عن ثعالبها. وبعد أن كانت سوريا تحكم لبنان من خلال أكثر من 75 بالمائة من القوى السياسية اللبنانية الحليفة لسوريا والمتمثلة بـ "حزب الله"، و "حركة أمل"، و"حزب المردة – فرنجية"، و "حزب البعث اللبناني"، و "الحزب الاجتماعي السوري" وزعامات أخرى لبنانية مسيحية (اميل لحود، وميشيل عون الطامع بالرئاسة) وسُنيّة (عمر كرامي، محمد رشيد قباني، نجيب ميقاتي وغيرهم ) ودرزية (طلال أرسلان، ووئام وهاب). اضافة إلى الجيش اللبناني والأمن اللبناني وقادته الذي يكنون ولاء خاصاً لسوريا باعتبار انها هي التي بنت الجيش اللبناني والأمن اللبناني ودربته، وعيّنت كبار ضباطه، بعد انتهاء الحرب اللبنانية الأهلية. وما زالت سوريا تسيطر على هذه القوى. وما زالت هذه القوى تعلن تحالفها الصريح مع سوريا على رؤوس الأشهاد، مما يشكل أعقد علاقة سياسية في العصر الحديث بين دولتين وشعبين على هذا النحو.
4- لقد نضجت التجربة السياسية العراقية بعد الانتخابات التشريعية. وبدأت أوضاع العراق تستقر قليلاً. وبدأ الارهاب في العراق المدعوم سورياً وايرانياً يخف كثيراً عن السابق. وسوف ينتهي الارهاب مع اشتراك السُنّة العراقية في الحكومة القادمة واقامة "حكومة عراقية قوية متوازنة تشترك فيها جميع الاطراف العراقية"، كما قال في كردستان عدنان الدليمي أحد زعماء "جبهة التوافق العراقية" السُنيّة. وبدأت "القاعدة" توجه صواريخ الكاتيوشا نحو اسرائيل من لبنان. وبدأ النفوذ – السوري الإيراني في العراق يتقلص. ولم يعد لسوريا من ساحة تستعرض فيها قواها المحدودة والمتمثلة بالسيطرة والدعم المادي (ومنبعه الأصلي من ايران) واللوجستي على معظم الجماعات الإسلامية المسلحة غير الساحة الفلسطينية وغزة على وجه الخصوص، التي تم الإعلان عنها مؤخراً بأنها "مزارع شبعا الفلسطينية".
5- أصبحت سوريا "العظمى" لا تخشى من دعمها المكشوف والمباشر للفصائل الفلسطينية الدينية المسلحة. ومن هنا، كان لحماس مهرجان سياسي ضخم في دمشق قبل أيام، وقف فيه خالد المشعل القيادي البارز في حماس وأعلن انتهاء التهدئة، وبدء الانتفاضة الثالثة التي تعني برأينا انتهاء القضية الفلسطينية نهائياً لصالح اسرائيل وخسران الفلسطينيين والعرب ما تبقى من فلسطين. فالانتفاضة الأولى قضمت 20 بالمائة مما تبقى من فلسطين. والانتفاضة الثانية قضمت 30 بالمائة مما تبقى من الباقي. والانتفاضة الثالثة سوف تأتي بالنهاية. وسوريا وايران تتفرجان، وتلعبان بكرة النار الفلسطينية، بعيداً عن الاراضي الايرانية والسورية. وهما غير متكافئتين قوة عسكرية وقوة سياسية مع اسرائيل. ورغم ذلك تدخلان الملعب بالفريق الفلسطيني الديني المسلح تسليحاً عثمانياً، أمام أقوى قوة عسكرية وسياسية في الشرق الأوسط. والنتيجة كما هي في كل مرة معروفة، قبل أن يُطلق الحكم صفارة بدء المباراة.
6- يحاول لبنان ترسيم الحدود السورية – اللبنانية، رغم معارضة سوريا الشديدة، ووضع الجيش اللبناني على هذه الحدود، وذلك لمنع تهريب السلاح والمقاتلين والارهابيين إلى لبنان من سوريا، ومحاولة قطع الحبل السُري اللوجستي بين حزب الله وبين سوريا حتى تستطيع السياسة اللبنانية جرّ حزب الله إلى طاولة المفاوضات لنـزع سلاحه الذي لن يُنـزع ما دامت سوريا /ايران تقف في ظهر هذا الحزب، وتحرّضه على السلطة اللبنانية التي أخرجت سوريا من لبنان. وكان آخر هذه التحريضات تعليق مشاركة الوزراء الشيعة بوزارة السنيورة وتهدديهم بالاستقالة لخلق أزمة وزارية حادة في لبنان وقلب الطاولة السياسية على رأس "المستقبليين" من أنصار سعد الحريري ووليد جنبلاط.
-2-
يقف محمود عباس الآن في مواجهة الحلف الثلاثي (فلسان) المكون من المليشيات الفلسطينية الدينية المسلحة وسوريا وإيران، وهو ما أكده أمس (12/1/2006) غسان تويني في مقاله بجريدة "النهار" تحت عنوان " من جرّب المجرّب" وقال فيه متنبئاً بقيام هذا الحلف الثلاثي (فلسان): "تمضي ايران في برنامج تخصيبها النووي بينما يتهيأ رئيسها لزيارة دمشق مبشراً بتوقيع اتفاق ستراتيجي معها يصير مساراًً ثلاثياًً.. الى اين؟.. الى القدس؟ أم الى حرب اقليمية بل دولية تشرّع أبواب "الساحة" اللبنانية أمام كل الاحتمالات؟" وقد انضم الى هذا الحلف الثلاثي الفتحاوي العتيق فاروق القدومي (الحليف السوري التقليدي) مؤخراً معلناً من غزة أن الانتفاضة مستمرة؛ أي أن الانتحار مستمر. وأن فلسطين لن يحررها غير السلاح الفلسطيني الذي بدأ يتدفق على غزة سالكاً طريق طهران - بغداد – دمشق. وبدأ هذا السلاح يساهم أكثر فأكثر في الانفلات الأمني وبتبني جرائم "القاعدة" في العراق، وهو اختطاف المدنيين. وهذا الحلف أقوى ألف مرة من محمود عباس وباقي أشلاء "فتح" التي لا تملك رصاصة واحدة، ولا قلماً واحداً، ولا فلساً أحمر، وتمشي على أرض فلسطين حافية القدمين. وبالتالي، فإن المعركة بين عباس والحلف الثلاثي (فلسان) معركة محسومة منذ البداية وهي النصر للحلف الثلاثي والهزيمة لعباس وجنده. وهذا ما ستظهره نتيجة الانتخابات التشريعية القادمة في 25 يناير من هذا الشهر. حيث يملك الحلف الثلاثي (فلسان) كل مقومات النصر من المال والسلاح والخطاب السياسي الواضح ودعم الشارع الفلسطيني الديني الفقير. في حين لا يملك عباس وفتحه عنصراً واحداً من عناصر النصر. بل هو يملك من أسباب الهزيمة أكثرها، وعلى رأسها الفساد المالي والإداري، وحالة الفلتان الأمني، والفشل في المفاوضات مع اسرائيل.
فماذا ينتظر عباس؟
هل ينتظر دخول معركة خاسرة بسيوف من خشب؟
لقد سبق وقلنا أن عباس سياسي عقلاني وواقعي، وصاحب قرار. وأنه لا يدخل معارك خاسرة. وانه يفضل أن يعتزل قبل أن يغامر أو يتنازل. وهذا ما فعله عندما استقال بشجاعة الفرسان بعد ثلاثة أشهر من تأليفه الحكومة في عهد عرفات 2003. فهل يتنازل عباس ويرحل؟
-3-
كتبت اليَّ مجموعة كبيرة من القراء، تعليقاً على مقالي السابق (لم يبق غير الرحيل يا عباس) وأجمعوا، بأن دعوتي عباس للاستقالة هي دعوة لعباس لترك الساحة الفلسطينية للفصائل الدينية الفلسطينية المسلحة. وأنا اعترف هنا، بأنني أدعو عباس فعلاً لافساح المجال للفصائل الفلسطينية الدينية المسلحة لكي تتسلم الحكم الفلسطيني وتواجه اسرائيل والعالم من ورائها بشعاراتها السياسية الخيالية، لكي يكتشف الشارع الفلسطيني والرأي العام العربي قدرة هذه الفصائل على استرداد شبر واحد من فلسطين. وكما قال الفيلسوف الألماني هيجل فإن "شرط التجاوز هو التحقيق". ولا يمكن تجاوز الفصائل الفلسطينية المسلحة وشعاراتها الرومانسية الخيالية والعاطفية إلا إذا اتيحت لها فرصة الحكم وممارسة السلطة. وهذا ما ينطبق على كل الجماعات الدينية في العالم العربي. وهذا ما سبق وانطبق على حزب البعث عندما تسلم الحكم 1963 في سوريا والعراق، وأصبحت شعاراته في الوحدة والحرية والاشتراكية هُراءً وسراباً، ولم يحقق على أرض الواقع غير الفساد والطغيان والاستبداد والفرقة. فأين هي الحرية، وأين هي الوحدة، وأين هي الاشتراكية بعد حكم هذا الحزب لأكثر من 45 عاماً ، وما زال في الحكم؟
هل قرأتم كتاب (التجربة المرة ، 1966) لمنيف الرزاز الأمين العام المساعد في حزب البعث (1977-1979 والذي اغتاله صدّام حسين عام 1984؟
هل شاهدتم مقابلة عبد الحليم خدام في فضائية "العربية" الذي طرد بالأمس من حزب البعث؟
فدعوا الأحزاب الدينية تحكم ولو لمرة واحدة، وسيكون مصيرها كمصير حزب البعث الآن؟
وساطة عربية وشرعية دولية تهييء المسرح للتدخل الخارجي:
الأزمة السورية والتغيرات التي طرأت علي قواعد اللعبة
محمد عبد الحكم دياب
القدس العربي
وصل تعقيد الموقف السوري إلي منتهاه. وأمامه يضع الإنسان يده علي قلبه من وساطة عربية تسير، منذ ما قبل حرب الخليج الثانية (1991)، في اتجاه معاكس لخدمة مخططات ترتيب أوضاع المنطقة، وإعادة تشكيلها علي المعايير والخرائط الأمريكية والصهيونية الخالصة.. ساعد علي ذلك مضمون وشكل الشرعية الدولية ، التي ظهرت بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، وبعد سقوط جدار برلين، ثم اختطاف الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتوظيفهما لخدمة السيطرة الأمريكية علي العالم، وتحويلهما إلي غطاء يمنح الدول الكبري شرعية التدخل في شؤون الدول الأخري، ونحن ممن يوقنون بأن الوسيط العربي ، المجرب في السابق مع فلسطين والعراق وليبيا والسودان، ليس وسيطا بالمعني السياسي الصحيح، بل أداة ضغط ورديف للتدخل الخارجي، ووجود حسني مبارك بين الوسطاء العرب لا يبشر بخير، وليعذرني القارئ العزيز إذا ما كنت متشائما للغاية من وساطة يكون هو أحد أطرافها. فالرجل تمرس علي دور المخلب الناهش للحم العرب الحي.
وإذا كان انشقاق عبد الحليم خدام عن الحكم في دمشق قد زاد من الرحلات المكوكية بين دمشق والرياض وشرم الشيخ (عاصمة حسني مبارك)، فهذه رحلات تزيد من دواعي القلق ولا تقلله، خاصة أن فيها من يدعي الحكمة بأثر رجعي، ومن يتظاهر بالبراءة. وقد كشفت طريقة التعامل مع تقرير ميليس، قبل التطورات الأخيرة، بعضا من هذا. فبمجرد نشره، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تنادي هؤلاء متجاوزين قواعد التعامل الصحيحة مع هذا التقرير الحساس، ولا يعنيني هنا مدي صدق أو كذب ميليس، إن ما يعنيني هو أن أبسط المبادئ القانونية، غير المسيسة، تقول بأن المتهم بريء حتي تثبت إدانته ، مهما كان عداؤه، ومهما كانت الملابسات والشواهد ضده، وليس العكس، بجانب أن أكبر مساحة للدفاع يجب أن تكون مكفولة له، بغض النظر عن عواطفنا ومدي كراهيتنا أو حبنا له، ليس هذا فقط، بل إن أساليب التحقيقات تقوم علي البحث عن صاحب المصلحة في اقتراف جريمة ما، وحتي علي افتراض أن النظام السوري صاحب مصلحة، كان الواجـب المهنـي والنزاهة القــانونية يقتضــيان وضع احـتـمال وجــود طـرف أو أطراف أخري لها مصلحة في تصفية رفيق الحريري، مهما كان هذا الاحتمال ضعيفا.
وقد يري البعض أن هذا الطرح يأتي متأخرا، بعدما تمت إدانة سورية، وهذا غير صحيح، ولا أملك إلا التذكير بجحافل المحققين والخبراء الذين مسحوا العراق، طولا وعرضا، ودخلوا غرف نوم كبار المسؤولين، في أكبر عملية انتهاك عرض بلد، له شخصيته الدولية، وعضو مؤسس للأمم المتحدة ولجامعة الدول العربية، مع أن ما كانوا يبحثون عنه لم يكن إبرة في كومة قش ، إنما كان أسلحة دمار شامل من الصعب إخفاؤها، وسوغت هذه الإبرة المتوهمة العدوان وبررت الغزو لبلد شقيق وعزيز، وكان م