unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2006-01-07  

عالم جديد

د‏.‏ أنور عبدالملك

الاهرام المصرية

هذا العام الجديد‏2006‏ يمثل لحظة بداية تفكك النظام العالمي حول القطب الامريكي المهيمن الأوحد لحظة بداية صياغة عالمنا الجديد متعدد الاقطاب والمراكز والثقافات‏.‏

الداخل والخارج‏,‏ مرة أخري‏,‏ المرة تلو المرة‏.‏ أن ينتقل الكشاف بين ضفتي النهر الأوحد‏,‏ بين الداخل والخارج‏,‏ ثم من الخارج إلي الداخل‏,‏ يبدو أنه أقرب منهج يمكن أن يضيء بعض النواحي الغامضة‏,‏ أو المغيبة عن ساحة وعينا السياسي المحاصر‏.‏

في الداخل‏,‏ سمح الحراك الذي نحياه منذ شهور بأن يرتفع مستوي إدراك قطاع واسع من الناس بأننا بلغنا نقطة تحول لما يري البعض أنها نهاية مرحلة سياسية بأكملها‏,‏ بينما يؤكد الآخرون أنها بداية إصلاح وتغيير للنسق العام لحياتنا القومية وعلي كل‏,‏ فإن الشعور بثنائية النهاية والبداية منتشر بين الناس‏.‏

حسنا ولكن كيف يمكن تفسير ظاهرة أخري مواكبة يبدو أنها تعم معظم الأجواء‏,‏ ألا وهي عدم إدراك أن الخارج‏,‏ أي النظام العالمي قائم وكأنه مستقر‏,‏ بل وأزلي أبدي‏,‏ لا يتصور معظم المعنيين بالشأن العام أنه هو أيضا يمر بتقلبات النهاية ومفاجأت البداية؟ وكأن النبهاء في بلادنا آمنوا بأن مسيرة التاريخ قد توقفت منذ الحرب العالمية الثانية مثلا‏,‏ أي أن تاريخ العالم قد بلغ نهايته‏,‏ وهذا ما يفسر انتشار مقولة المفكر الأمريكي فوكوياما حول نهاية التاريخ‏.‏ والغريب في الأمر‏,‏ الغريب المستغرب‏,‏ هو أن نظام العالم في تفكك عالم يتنكر يوما بعد يوم لفكرة النهاية‏,‏ ويؤكد أن التحرك والتجديد هو رمز السنوات التي نحياها منذ بداية هذا القرن الحادي والعشرين التي وضعت حدا للجمود النسبي الذي أصاب النظام العالمي في العقد الأخير من القرن العشرين بعد نهاية نظام القطبية الثنائية الغربية بين‏1989‏ و‏1991.‏

أحد مفكري النهاية يعترف
التاريخ بلغ مرحلة النهاية‏,‏ حسب زعم أنصار النهاية دونما بداية‏,‏ مادام أن العالم أصبح قرية واحدة يتولي إدارتها مأمور المركز الأمريكي بطبيعة الأمر‏,‏ وتأتمر جميع الأحياء وسكانها بطبيعة الأمر بأوامره ـ مادام أنه ليس هناك قري أخري‏,‏ دعنا من المدن أو العواصم أو الأمم والدول لاقدر الله‏.‏ أفلم نصل معا‏,‏ يدا في يد إلي ساحة النهاية‏,‏ نهاية التشتت والصراعات والحروب والانحدار أو النهضة؟ وصلنا‏.‏ استرحنا‏.‏ ملأت البهجة قلوبنا الساكنة الطيعة بعد طول تشتت وسعي وراء المستحيل الذي أطلقنا عليه خطأ أسماء بالية مثل المثل العليا أو المشروع أو رؤي الخيال‏.‏ أخيرا بلغنا‏,‏ وانحنينا‏,‏ واسترحنا‏.‏

هل سمع النبهاء في بلادنا عن حوليات المدعو كيشور مهبوباني؟
الرجل مواطن في دولة سنغافورة من دولة هندية الأصل ظهر فجأة علي المسرح منذ عشر سنوات بوصفه مؤلف كتاب حمل عنوانا غريبا مستغربا لم يسمع العالم به من قبل يتساءل‏:‏ هل يمكن للآسيويين أن يفكروا؟ أي أن رجلا أسيويا يخصص كتابه الأول لطرح السؤال الذي طالما ورد علي لسان وأقلام المستعمرين العنصريين منذ القرن الثامن عشر‏(‏ المفكر الفرنسي مونتسكيو مثلا يتساءل‏:‏ كيف يمكن للانسان ان يكون فارسيا؟ والذي يري أن الرجل الأصفر‏(‏ أي الأسيوي‏)‏ بعد الرجل الأسود في إفريقيا في القديم والرجل قمحي البشرة في الشرق اللا آسيوي لا يستطيع أن يرتقي إلي مستوي الفكر‏.‏ نعم‏:‏ إنه يعبر عن الأفكار ولا شك‏,‏ بل ويكتب عنها أحيانا‏.‏ ولكنها أفكار واردة من الناس اللي فوق‏,‏ أي من مجتمعات وأمم ودول الرجل الأبيض كماكانوا يقولون أيام الاستعمار‏,‏ أي الغرب في أوروبا وأمريكا الشمالية‏.‏ وليت الأمر كان‏,‏ ومازال حتي الأن يقتصر علي قدرة شعوب الشرق في الأساس‏,‏ أي القارات الثلاث‏(‏ أسيا‏,‏ إفريقيا‏,‏ أمريكا اللاتينية‏)‏ في الإبداع الفكري أو إنتاج النظريات الرائدة في مجال العلوم وخاصة العلوم الإنسانية والاجتماعية‏,‏ مادام أن اختصاصها أن تنتج فنونا شعبية وزخارف ومجموعة من الأدبيات والفنون التشكيلية ذات الألوان البهية تناسب مقامها المتخلف بين الأمم‏.‏ وكذا يتيح للعالم المتقدم‏,‏ العالم الأول‏,‏ أو الأول والثاني كما كانوا يقولون في عقود سابقة‏,‏ أن يرحبوا بألوان وأجواء تتجاوب مع ماتتصور موجات السياحة المتدفقة من الغرب أنه فنون شعبية فولكلورية تمثل خصوصية عوالم التبعية والتخلف‏.‏ من هنا جاء التساؤل عما إذا كان من الممكن لهؤلاء‏,‏ سواء أكانوا آسيويين أو أفارقة أو شرقيين أن يفكروا‏,‏ فإذا كان الفكر أيضا من صلاحياتهم لكانوا من خلق الله أسوة بشقيقاتهم وأشقائهم في دول المركز‏.‏ وهو الأمر الذي لا ترتضيه رؤية المركز أو المراكز المحيطة به في الغرب‏.‏

ثم انتقل الأستاذ مهبوباني من هذا الكتاب الأول إلي لقب السفير لدولة سنغافورة‏,‏ بل وارتفع اسمه حتي كاد يبلغ قمة الساحة الدولية في مطلع هذا القرن الجديد الذي نحياه‏,‏ إذ ورد خبر إمكان ترشيحه أمينا عاما لهيئة الأمم المتحدة بعد كوفي أنان الأمين العام الحالي‏.‏

المهم في الأمر أن السفير المرشح لمقام الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة انتقل إلي مقام رفيع ثالث‏,‏ إذ تم تعيينه عميدا ولم يكن ابدا لا استاذا ولا حتي دكتورا لمدرسة السياسة العامة في جامعة سنغافورة الوطنية‏,‏ بعد أن أنتج كتابه الثاني ذا العنوان الدال‏,‏ ما بعد عصر البراءة‏:‏ إعادة بناء الثقة بين أمريكا والعالم‏:‏ من البراءة إلي الثقة حتي العمادة ولم لا؟

تعالي بنا نقرأ ما يكتبه الرجل‏:‏ إن النظام العالمي الأمريكي البريء الذي ابتدعه روزفلت وتشرشل‏,‏ ثم أطلقه الرئيس هاري ترومان عام‏1945‏ كان المسئول عن السلام العالمي والرغد غير المسبوق خلال السنوات الستين الماضية‏.‏ ذلك أن هذا النظام العالمي يبدو أنه يسير إلي نهايته خلال سنوات حياتنا‏,‏ وذلك رغم إسهامه الهائل للانسانية‏.‏ حسنا‏.‏

ثم يضيف عبارة لم يكن ينتظرها العارفون بالأمر منه‏.‏ يقول‏:‏ إننا نتصور أن استمرار النظام العالمي أمر بديهي‏,‏ تماما كما نتصور أنه من البديهي أن الشمس سوف تشرق صباح كل يوم‏.‏ ولكن قوانين الفيزياء هي التي تجعل الشمس تشرق‏.‏ أما في عالم الانسان فإننا نحتاج إلي المبادرة الانسانية لكي تستمر الأمور‏.‏ والمأساة هنا أن المبادرة الانسانية التي تصب في مجال الحفاظ علي النظام العالمي وتحديثه قليلة جدا‏.‏ هذا علي نقيض كون عدة عوامل تعمل ضد استمرارية الأمور‏.‏

ثم يعد الكاتب خمسة عوامل تعمل ضد استمرارية النظام العالمي‏:‏ أولها إنما هو فشل الحارس الرئيسي لهذا النظام العالمي‏,‏ أي الولايات المتحدة‏,‏ في القيام بالمسئولية الرئيسية في الحفاظ علي هذا النظام‏.‏ حتي يخلص إلي نتيجة تأثير هذه العوامل الخمسة التي لا يتسع المجال هنا لعرضها بالتفصيل بقوله‏:‏ الناتج الصافي لكل ذلك هو نزع مشروعية العديد من المؤسسات العالمية‏,‏ وكذا الأمناء علي النظام العالمي القائم في نظر غالبية سكان العالم‏.‏ وبعد هذه المقدمة يتصور الكاتب أن هناك أربعة أشكال للنظام العالمي المقبل‏,‏ هي علي حد تعبيره نظام ترومان العالمي‏,‏ ثم نظام عولمة السوق العالمي‏,‏ ومن بعده النظام العالمي للمحافظين الجدد وأخيرا نظام أسامة بن لادن العالمي ثم يواصل العرض بما يراه من تصورات‏,‏ أو ربما خيال‏.‏

المهم في الأمر أن حتي الرجل الذي بلغ إيمانه بنهاية التاريخ أنه آمن بأن شعوب قارته الآسيوية لن يرتقو إلي مستوي إنتاج الفكر منذ عشر سنوات وجد نفسه مضطرا في نهاية ديسمبر‏2005‏ إلي أن يبرهن علي أن تغيير النظام العالمي قادم‏,‏ وأنه آت نتيجة لعجز دولة المركز في الأساس‏,‏ إلي حد أنه تجرأ وقام بتقديم أربعة بدائل لنظام عالمي مرتقب‏,‏ وهي طفرة عقلية عند السفير العميد الشاب تحسب له‏,‏ ولو من باب مراجعة الذات تحت وطأة تغيير العالم‏,‏ والتي جعلت منه عميدا أيضا‏.‏

ما بعد التغييب‏..‏
ما القول إذن عن أحوال الدنيا في بلادنا المحروسة؟ ولماذا لايدرك معظم النبهاء المتطلعين إلي صفوف الطلائع أن تغيير العالم‏,‏ تغيير النظام العالمي‏,‏ أصبح واقعا يعم المعمورة ويتداخل في جميع نواحي حياة مجتمعاتنا العربية ومصر في قلبها؟

   [ POSTED  @ 3:54 م ]


 

الإخوان المسلمون على أبواب العالم العربي .. ولكن أي إخوان مسلمين؟

هاشم صالح

الشرق الاوسط


كلمة الإخوان المسلمين تذكرنا «بالبعبع» الذي يثير الرعب عموماً لأسباب تاريخية معروفة (التنظيم الخاص، الاغتيالات، الاستبداد العقائدي المطلق، الطابع الطائفي والمذهبي لهم، الخ..). ولكن يقال لنا بأنهم تغيروا وتطوروا منذ الخمسينات وحتى الآن وإن جيل الأحفاد اصبح أكثر حداثة وتأقلماً مع العصر من جيل الآباء والأجداد.. فلماذا لا نصدقهم؟
افلا شيء يبقى جامداً تحت شمس هذا الكون. والتطور حق لكل البشر وسنة الله في خلقه، فلماذا لا يكون من حق الاخوان المسلمين؟ ولكن المشكلة هي ان الاسم لا يزال يثير الرعب وأعتقد شخصياً انه اصبح عالة على هذا التنظيم الديني ـ السياسي الكبير. وربما لهذا السبب فإن الاخوان المسلمين الأتراك أو المغاربة ما عادوا يسمون أنفسهم بالاخوان المسلمين وانما بتسمية لبقة وعصرية: حزب العدالة والتنمية.

واما الاردنيون فأصبحوا يدعون أنفسهم بحزب جبهة العمل الاسلامي. وهي تسمية جميلة في رأيي وناجحة.

وقد وصل الأمر بالأصوليين التوانسة الى حد تسمية أنفسهم بحزب النهضة!! لا أكثر ولا أقل..

وحدهم الاخوان المسلمون السوريون أو المصريون او سواهم لا يزالون مصرين على التسمية العتيقة على الرغم من ان بعض المثقفين العلمانيين كعبد الرزاق عيد مثلاً اقترح عليهم تغيير اسمهم لكي تنزاح هالة السرية والدموية والرعب عنهم. وأعتقد انه محق في ذلك.

فلماذا لا يمشون على خطى طيب رجب أردوغان وعبد الله غول وبقية الحركات الاسلامية المعتدلة في المشرق والمغرب؟ ولكن الاصولية التركية التي نجحت في امتحان الحداثة العسير استفادت من الجو العلماني السائد في تركيا منذ تأسيس الجمهورية على يد مصطفى كمال اتاتورك قبل حوالي القرن تقريباً. او قل إن العلمانية الكمالية المحروسة من قبل الجيش والطبقات المثقفة والبورجوازية المستنيرة هي التي تجبرهم على تقديم بعض التنازلات المهمة للحداثة. يضاف الى ذلك ان ضغط الاتحاد الاوروبي المستمر عليهم كان عاملاً حاسماً في الابتعاد عن التشريعات القمعية القروسطية للفقه الظلامي والاقتراب من التشريعات الليبرالية الحديثة التي تحترم حقوق الانسان وكرامته.

مهما يكن من أمر فإن التسميات على أهميتها ليست هي الاساس، وانما ما يقبع خلفها من أفكار وممارسات عملية على ارض الواقع. فكل شخص يستطيع ان يخلع على نفسه أجمل تسمية في العالم كما فعلت الحركة الاصولية التونسية مثلاً ولكن العبرة في الفعل لا في الاسم. واذا كان الاخوان المسلمون يحظون بشعبية كبيرة في بعض البلدان فذلك عائد إلى عوامل سلبية في الواقع اكثر مما هي عوامل ايجابية وأولها بالطبع فساد كثير من الأنظمة الحاكمة وفقدانها مصداقيتها بعد ان انتشرت فيها ممارسات الرشوة والمحسوبية والغنى غير المشروع الى اقصى حد ممكن.. انظر حكاية عبد الحليم خدام مع النظام الذي كان أحد أركانه حتى الأمس القريب. وانظر الى اي درجة وصل بعض قادة الأحزاب التقدمية التي كانت يوماً ما حزباً طليعياً له علاقة بآلام الفقراء والفلاحين. ولكن لست متفاجئاً بأي شيء. فأنا أعتبر ان صلاح العرب لن يبتدىء قبل عام 2096 هذا اذا ابتدأ... (أعتذر عن المبالغة، ولكن..) واما ثانيها، اي ثاني العوامل التي أدت الى شعبية الاخوان المسلمين، فيعود الى فشل الاتجاه المعاكس للأنظمة: اي مشروع بن لادن والظواهري والزرقاوي.. فالواقع انه من كثرة تطرف هؤلاء ووحشيتهم ودمويتهم راح الاخوان المسلمون الكلاسيكيون يبدون وكأنهم ملائكة! او قل بدوا واقعيين، معتدلين، مسؤولين. ولذا فإن الجماهير المتدنية راحت تلقي بنفسها في أحضانهم بعد ان خافت من مواصلة السير وراء بن لادن.

فالاخوان المسلمون بدوا للتو وكأنهم عقلانيون يرفضون المغامرة او المقامرة على هذا النحو الخطر واللامسؤول وغير المضمون العواقب. وبالتالي فكان متوقعا ان تكبر شعبيتهم بعد ان فشل الخط الانتحاري لبن لادن. ولكن شعبيتهم ضعفت كثيرا في فترة من الفترات عندما توهم الكثيرون في الشارع الاسلامي أن بن لادن قد ينجح وعندئذ خاف الاخوان على انفسهم ولو للحظة.. ثم سرعان ما تبخر هذا الوهم كالسراب، ولذلك عاد الناس الى حظيرة الاخوان من جديد. نقول ذلك على الرغم من ان كل الحركات المتطرفة خرجت من معطف الاخوان المسلمين ومن كتابات سيد قطب وأخيه محمد قطب على وجه التحديد. هذا من جملة آخرين كثيرين.

ولكن لا ينبغي ان نفهم من هذا الكلام ان كل الشعب اصبح اخوان مسلمين! فأولا كل الاقليات الدينية او المذهبية داخل العالم العربي ـ تقف بالضرورة خارج حركة الاخوان المسلمين.

انظر حالة المسيحيين العرب والطوائف الشيعية كلها. وحتى داخل الشارع السني فان كل الشرائح التحديثية والليبرالية تقف خارج هذا التيار القائم عموما على الاكراه في الدين والطابع التوتاليتاري لكيفية فهمهم للاسلام او تأويل رسالته. وبالتالي فلا ينبغي ان نبالغ في اهمية الاخوان المسملين كما لا ينبغي ان نقلل من اهميتهم او حجم شعبيتهم.

وفي رأيي انهم ينتعشون الآن لسببين رئيسيين: الاول هو فقدان الاحزاب العلمانية لمصداقيتها بسبب فشلها في انجاز التحديث وتحقيق العدالة الاجتماعية. والثاني هو مرور العالم العربي بأزمة مخيفة أدت الى زعزعته او زلزلته نفسيا. والناس في مثل هذه الحالة يلتجئون عادة الى الدين الذي يشكل أعمق طبقة من طبقات الوعي الجماعي وأكثرها رسوخا وصلابة.

وبالتالي فالاخوان يقطفون الآن ثمار الفشل الذريع الذي منيت به الحركات الايديولوجية السابقة: كاليبرالية والقومية العربية والماركسية واليسارية السطحية عموما. هذا بالاضافة الى انكسار المشروع القومي العربي في مواجهة المشروع الصهيوني اليهودي ووضعهم من هذه الناحية يشبه وضع اليمين المتطرف في فرنسا. فهو لا يزدهر الا في اوقات الازمات والخوف من المستقبل.

ولكني اعتقد ان مرحلة ازدهار شعبيتهم لن تدوم الى الأبد. فالاخوان المسلمون اذا لم يقوموا بالاصلاح الديني كما فعل الاخوان المسيحيون في اوروبا او على الاقل اخوان تركيا، لن يستطيعوا تقديم اي مشروع قابل للحياة في المستقبل، ولهذا السبب فسوف يصطدمون من جديد بكل القوى الطامحة الى الحداثة والحرية على المستوى الداخلي. كما وسيصطدمون بقوى العولمة الكونية على المستوى الخارجي. واذا كان الغرب الاوروبي ـ الاميركي قد قبل مؤخرا بأن يدخلوا اللعبة السياسية فذلك لكي يضرب عصفورين او ثلاثة بحجر واحد. الاول هو تحجيم تيار بن لادن الذي يعتبر اكثر تطرفا منهم وان كان من نفس المعدن. والثاني هو اجبارهم على تجديد الفقه الاسلامي وكيفية فهمهم للدين عن طريق الاحتكاك بضراوة الواقع وتحمل المسؤولية. والثالث هو توسيع القاعدة الشعبية للانظمة الحالية التي تقلصت قاعدتها بسبب الفساد الى حد مخيف فعلا. وبالتالي فإن ادخالهم في اللعبة السياسية سوف يخفف من حدة الاحتقان الداخلي الذي وصل الى حافة الانفجار.

   [ POSTED  @ 3:52 م ]


 

الإعتداءات على العمال السوريين في لبنان

ليست قضية دولة فقط


حسناً فعل الأستاذ جهاد الزين في مقالته المنشورة في صفحة "قضايا النهار" بتاريخ 3/1/2006 بمطالبته رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة بضرورة اعتبار الاعتداءات على العمال السوريين "قضية دولة" من الدرجة الأولى تستدعي الإيعاز لوزير الداخلية بعقد اجتماع خاص للقوى الامنية والمراجع القضائية المعنية يخصص لدرس حالات الاعتداء المتواصلة على العمال السوريين، قتلا او تنكيلا، ودرس سبل معالجتها.

وكان سبق لجهاد الزين عشية 14 آذار أن كتب في "النهار" بتاريخ 4/3/2005 مطالباً ما كان يعرف وقتها بقوى المعارضة أن تشكل لجنة لرصد الاعتداءات ومقاضاة المعتدين على العمال السوريين من خلال تحويل المتهمين إلى السلطات القضائية وتقديم شكاوى من قبل محامي المعارضة ضدهم. هذا مع العلم أنه إلى يومنا هذا، وبحسب معرفتنا المتواضعة، لم يتم توقيف أو محاكمة أي من المعتدين برغم إساءتهم إلى لبنان بقدر إساءتهم إلى سوريا.

لكن ومع توافقنا التام مع معظم ما ذهب إليه جهاد الزين في مقالتيه المذكورتين آنفاً، فإننا نحب أن نضيف جوانب أخرى قد تفيد في التنبيه إلى أن هذا الموضوع الشائك والخطير يجب أن لا يكون فقط "قضية دولة" في لبنان ولكن أيضا قضية رأي عام وقضية إعلام وقضية نخب، لأنه من دون أن يعي المجتمع خطورة تفشي هذه الاعتداءات بين ثناياه، فإنه من الاستحالة بمكان أن تضع الإجراءات الأمنية أو القضائية حداً لها.

-1 الاعتداءات على العمال السوريين في لبنان، وإن زادت حدتها وتفاقمت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، هي في الأساس قضية موجودة ومستمرة منذ سنوات عدة. فهذه القضية ترافقت مع تصاعد النقمة على الوجود العسكري والاستخباري السوري في لبنان في السنوات الخمس الماضية، وكانت مرتبطة أساساً بإصرار بعض القوى السياسية اللبنانية على إقحام موضوع العمالة السورية في معركتها ضد الوجود السوري بحثاً عن شعبوية سياسية رخيصة وسهلة. ويكفي في هذا المجال أن نتذكر سيل الاتهامات التي وجهت للعمال السوريين عشية ما سمي وقتها "تظاهرة المليون" تأييداً للنظام السوري وغداتها، حيث تم الافتراض بأنهم يشكلون جزءاً هاماً من المشاركين في هذه المظاهرة الفاشلة ووجهت إليهم الاتهامات الواهية بأنهم عملاء للمخابرات السورية ويأتمرون بأمرها.

-2 لم تقم السلطة السورية أثناء تواجدها المديد في لبنان، كما لم يقم حلفاؤها من اللبنانيين الممسكين آنذاك بمعظم مفاصل السلطة، بأي عمل جدي لأخذ الاعتداءات على العمال السوريين في الاعتبار، فهؤلاء لم يكونوا يعنون لهم شيئاً. لكن في المعركة المستجدة بعد اغتيال الحريري وانسحاب الجيش السوري وبداية عمل لجنة التحقيق، صحت السلطة السورية وأجهزتها الإعلامية فجأة على هذه الاعتداءات وراحت تدينها بشدة وتوظفها سياسياً وشعبوياً في معركتها الشرسة ضد تحرك 14 آذار وانعكاساته المحتملة في سوريا.

3- لا يمكن فصل قضية الاعتداءات على العمال السوريين عن نمط سائد في التفكير لدى بعض الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية الفاعلة في صناعة الرأي العام. ويتجلى نمط التفكير هذا، في انعدام القدرة أو الرغبة في التمييز بين الحاكم والمحكوم أو بين العامل السوري و ضابط الاستخبارات أو بين الشعب السوري ونظامه. ويكفي في هذا المجال أن نلحظ مدى السهولة التي باتت تستخدم فيها إعلاميا وسياسياً كلمة "السوري" للدلالة على ممارسات النظام السوري وانتهاكاته، في حين أن أي مواطن سوري يشعر أنه هو، لا نظامه، المستهدف عندما يسمع مثل هذه الكلمة.

-4 يعاني العامل السوري في لبنان من صورة نمطية مجحفة وغاية في السلبية. فهو بات في نظر الكثير من اللبنانيين يأتي إلى بلدهم ليزاحم العامل اللبناني في لقمة عيشه، وهو لا يقدم شيئاً للبنان وللاقتصاد اللبناني بل يحول كل ما يكسبه إلى بلده الأصلي سوريا، وهو مدعوم من الاستخبارات السورية وعميل لها، ناهيك عن عقدة "الرجل الأبيض" الموجودة لدى البعض والتي ترى في العامل السوري إنساناً "بدائياً" و"متخلفاً".

-5 هذه الصورة النمطية السائدة تساهم في صناعتها وتعميمها، من حيث تدري أو لا تدري، بعض وسائل الإعلام اللبنانية وبعض التيارات السياسية. ويكفي في هذا المجال أن نذكر كأمثلة البرنامج الهزلي "بسمات وطن" الذي يتجاوز في بعض الأحيان الهزل ويقع في التحريض المباشر ضد العمال السوريين. كذلك الحال مع بعض الممارسات السابقة ومن امثلتها بعض التصريحات للجنرال ميشال عون التي كان يسمي فيها العامل السوري "العامل المحتل".

-6 أخيراً، فإن قضية العمالة السورية في لبنان تبقى مرتبطة بالنقص الكبير في التوعية المجتمعية لجهة حقوق العمال الأجانب في ظل غياب فادح في التشريعات التي تضمن حقوق هؤلاء العمال في لبنان (بمن فيهم الخادمات الآسيويات) وتمنع استغلالهم وتحول دون منافستهم للعمالة اللبنانية في بعض القطاعات المنتجة.

كاتب سوري

محمد علي الأتاسي

النهار

   [ POSTED  @ 3:50 م ]


 

مقالات تناولت انشقاق عبد الحليم خدام عن النظام السوري 11

خدام وتغيير النظام السوري

القدس العربي

تفاوتت الآراء تجاه مسألة انشقاق السيد عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري المستقيل بين مؤيد ومعارض، كل حسب موقـــــعه السياسي، وتقييـــــمه الشخصي او التنظيمي.
فالفريق الاول انتقد السيد خدام بشدة، ووصف تصرفه بالانتهازية السياسية والتحالف مع اعداء بلاده من اجل تصفية حسابات شخصية، وتباري اعضاء هذا الفريق في الحديث عن الفساد، ودفن النفايات النووية، وتكوين الثروات الهائلة استغلالا للموقع الوظيفي، وذهب البعض الي ما هو ابعد من ذلك، اي تحميل السيد خدام مسؤولية الكثير من اخطاء وخطايا النظام السوري في سورية ولبنان، بحكم مشاركته في عملية صنع القرار علي مدي خمسة وثلاثين عاما، ومن هذه الخطايا اغتيال شخصيات لبنانية مثل كمال جنبلاط وحسن خالد وبشير الجميل ورينيه معوض، وكذلك مجازر تل الزعتر وحرب المخيمات، واخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وفرض حصار المخيمات.
اما الفريق الثاني فقد انحاز الي السيد خدام وثمّن انشقاقه، واعتبر انتقاداته للنظام السوري عملا مشروعا جاء في وقته، فقد استعصي النظام علي الاصلاح، واغلق الابواب في وجه كل الدعوات في هذا الاطار، واطلق العنان لقواته واجهزته الامنية للفتك بالمعارضة. ويعترف اعضاء هذا الفريق بان السيد خدام ليس الوحيد الذي اثري من اموال الشعب السوري، فالدائرة الضيقة داخل النظام غرقت في الفساد حتي اذنيها، وهناك مقربون من القيادة السورية فاقت ثرواتهم المليارات، وبات فسادهم علي لسان القاصي والداني في سورية، وبعضهم هرب آلاف الملايين من الدولارات الي اوروبا ودبي، ولم يتحدث اعضاء مجلس الشعب او الصحافة السورية بكلمة واحدة عن هؤلاء.
ويظل هناك فريق ثالث يقف ضد الطرفين خدام والنظام معا، ويري انهما يتحملان مسؤولية الوضع الراهن المزري في سورية، فالنظام دكتاتوري قمعي، وخدام احد رموزه، ويردد هؤلاء المثل العامي فخار يكسر بعضه اي ان صراعهم يصب في مصلحة الشعب السوري، لان هذا الصراع سيظهر كل ما جري اخفاؤه علي مدي ثلاثين عاما من القمع والارهاب والنهب.
ومن المفارقة ان السيد خدام نصب مدفعيته الثقيلة ضد النظام في وسائل اعلامية كانت حتي الامس القريب حليفة النظام الحاكم في دمشق، والاثيرة الي قلبه.
السيد خدام قد لا ينجح في حربه التي اعلنها لتغيير النظام في سورية، لانه ليس الوجه المقبول الذي يمكن ان يوحد المعارضة خلفه، او يحرك الشارع السوري في مظاهرات غاضبة، مثل تلك التي حدثت في اوكرانيا او جورجيا. فلم يمض علي انتقاله من سدة الحكم الي صفوف المعارضة الا بضعة ايام فقط، حيث كان حتي الامس القريب يطارد هؤلاء وامثالهم، ويصفهم بالعمالة للاجنبي. اما تحريك الشارع السوري لاسقاط النظام من الداخل فيبدو مهمة شبه مستحيلة بالنسبة اليه، فاذا كان السوريون يأكلون من القمامة، مثلما قال في مقابلته مع محطة العربية الفضائية، فان هؤلاء لا يمكن ان يقبلوا ان يحركهم زعيم يقيم في قصر فاخر في باريس، ويملك مئات الملايين من الدولارات في حساباته الشخصية او حسابات اولاده وافراد اسرته.
امر واحد نجح فيه السيد خدام بشكل كبير وهو انتقامه من النظام ورموزه، هذا النظام الذي جمده علي مدي خمس سنوات وحرمه من تحقيق طموحه في الوصول الي مقعد الرئاسة. ولكنه انتقام صغير، وقد يكون مكلفا للغاية، له شخصيا، وللنظام، وربما للشعب السوري ايضا.

------------------------------------------------------

زلازل سورية في عهد البعث

محمد الحسناوي

إن انشقاق السيد عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السورية السابق عن النظام الذي كان فيه أحد الأعمدة الرئيسة فيه طوال أربعين عاماً .. حدث مهم يعادل زلزالاً في التاريخ السوري وتاريخ الحزب الحاكم بالذات ، وفي توقيت شديد الحساسية والأهمية ، تعكسه حفلة ( الشتائم ) التي أقامها له ما يسمى مجلس الشعب ، وهي كلها ترتد بشكل أو بآخر على النظام نفسه بدءأً من مجلس الشعب الذي ظل ساكتاً

على تجاوزات من اتهموه بالخيانة العظمى حتى لحظة (بصقه الحصوة من فمه ) منذ أيام ، ومروراً بالرئيس الذي يمسك بكل السلطات التشريعية والتنفيذية وحتى القضائية من خلال تعيينه وعزله لأعضاء المحكمة العليا ونصوص الدستور، وهيمنة أجهزة القمع الثلاثة عشر، وانتهاء بالحزب الذي بات دريئة وحسب!

إن زلزال (أبو جمال) ليس الأول ولن يكون الأخير ، بفضل الحزب الحاكم وقدرته الهائلة على تفريخ الفضائح وإحداث الزلازل ، التي تكسر عظام الوطن السوري على مدار الساعة ..بدءاً من ظهور الجاسوس الإسرائيلي في 18/5/1964م، والمرسوم الجمهوري ذي الرقم /385/ في عهد الرئيس الأب القاضي بالعفو عن /23/جاسوساً إسرائيلياً ، ولم ينشر إلا في الجريدة الرسمية ، بتاريخ /5/2/1974م ، وانتهاء بمصافحة الرئيس الابن لرئيس العدو كاتساف العام الماضي على الملأ .

لو كان حزب البعث السوري ككل الأحزاب – وقد كان قبل انقلاب الثامن من آذار – وفي ظل وضع ديموقراطي ، لما أهلك نفسه وأهلك القطر معه ، باغتصابه السلطة ، بل الدولة والمجتمع حين وضع دستوراً ينص في مادته الثامنة على أنه قائد الدولة والمجتمع ، ومارس ذلك وبشكل أقسى من خلال القبضة القمعية ، وبات مسؤولاً عن كل صغيرة وكبيرة في المجتمع والدولة ، فسبق الستار الحديدي السوفياتي ولم يلحقه بالتغيير حتى الآن .

نقول لو كان أو لو ظل هذا الحزب مثل غيره من الأحزاب لما شعر أحد بوفاة ابن أمينه العام بحادث سير ، ولا بانتحار أعضاء كبار فيه ، أواغتيال بعضهم لبعض . لكن انتحار رئيس الاستخبارات عبد الكريم الجندي في /1/3/1969 ورئيس وزراء كالزعبي 1999م، وانتحار وزير داخلية كغازي كنعان 2005 ، وتجريد رفعت أسد أحد نواب رئيس الجمهورية طرداً من مناصبه ومن الحزب في 8/12/1988م ، واغتيال محمد عمران رئيس اللجنة العسكرية في الحزب ووزير دفاع سابق في عام 1972م ، وصلاح الدين البيطار أحد مؤسسي الحزب ورئيس وزراء سابق 21/7/1980م ... كل ذلك كانت له منعكساته على الشارع والمجتمع السوري ، وعلى الخط البياني القمعي الذي سار فيه المسلسل الانفرادي تسلسلاً هندسياً متصاعداً .

وهنا نستذكر ما يمكن أن يعدّ جواباً على سؤال المفكر الجزائري (مالك بن نبي) : لماذا تحولت اليابان بعد عشر سنوات من وقوعها تحت ظل الاستعمار الغربي من زبون على الحضارة إلى شريك ثم إلى منافس ، ولم يبرح العالم الإسلامي والعربي يعيشان مجرد (زبون) على مائدة الحضارة الغربية ، وقد وقعا تحت الاستعمار في التاريخ نفسه !! إنه التخلف ولكن بثوبه القمعي الاستبدادي ، وعبد الرحمن الكواكبي يكمل التفسير .

إن تاريخ سورية خلال العقود الأربعة الماضية – وهي كلها في عهد الحزب الحاكم – حافلة بأنواع من الزلازل السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية ، التي كان من ثمارها تصدع الجبهة الوطنية ، وسحق الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني ، وتخريب المدن بالمجازر الجماعية ، وانهيار الاقتصاد الوطني بالتأميم التعسفي ، والفساد المالي ، والنهب المنظم للثروات ولقوت الناس، وظهور المافيات المالية والأمنية ، وقوافل الشباب العاطلين عن العمل ، والهجرات الجماعية لذوي الطاقات ، أو التهجير القسري لآلاف المعارضين . وبالمناسبة نسمح لأنفسنا أن نستشهد بالشهادات الحضارية التي تبادلها وتداولها مؤخرأً أعضاء مرموقون (ممثلون ) للشعب في ( مجلس الشعب) بمناسبة انشقاق السيد خدام ، تشيب لهولها الولدان إن بقي من لم يشب بعد ، من بعضها السكوت على دفن (النفايات النووية) ، فمتى يتحدثون عن دفن الآلاف في المقابر الجماعية ؟ إنها وثائق تاريخية نطق بها ممثلو أحزاب الجبهة الحاكمة بحق نظام يرضعهم ويحتضنهم ، ولا شهادة أقوى من اعتراف الجاني نفسه في العرف القضائي .

من المجازر الجماعية التي اقترفت بحق الشعب المعترض على نظام الحزب الـ(القائد للدولة والمجتمع ) سحق انتفاضة مدينة حماة و(جامع السلطان ) عام 1964م والبطش بما يسمى (كتائب) محمد بالدبابات في (جامع بني أمية) بدمشق عام عام 1965م ومجزرة جسر الشغور 1/3/1980ذهب ضحيتها مئة شهيد ، ومجزرة سرمدا 25/7/1980 استشهد فيها ثلاثون ، ومجزرة حي المشارقة بحلب 11/8/1980 استشهد فيها مئة ، ومجزرة الحجاب في دمشق 29/9/1980م استشهد فيها عدد من المدافعين عن حجاب زوجاتهم وأخواتهم ، ومجزرة تدمر استشهد فيا ألف مواطن خلال نصف ساعة ، أما مجزرة حماة الكبرى عام 1982م فقد استشهد فيها أربعون ألف إنسان طوال شهر شباط من ذلك العام ، فضلا عن تهديم المساجد والكنائس والمعالم الأثرية التاريخية النادرة التي لم يهدمها الاستعمار الفرنسي . هل تفعل الزلازل الطبيعية بالشعب مثل هذا الفعل ؟

من المجازر الحضارية جداً موجات التسريح للكادحين الشرفاء من رجال التعليم ففي عام 1979م تم نقل /500/ خمس مئة مدرس ومعلم من التعليم إلى إدارات الدولة تعسفياً (مثل مكتب دفن الموتى) ، وفي 2/2/1980 تم تسريح /190/ مدرساً ومعلماً أيضاً . أما على مستوى الجامعات فقد تم تسريح /9/ مدرسين من جامعة دمشق بالمرسوم رقم /1249/ بتاريخ /20/9/1979م ، وتسريح /7/ آخرين من جامعة اللاذقية بالمرسوم رقم /1250/ في التاريخ نفسه . وهذا غير العلامات الإضافية التي تمنح للحزبيين والمخبرين وأعضاء الشبيبة وبقية الطفيليين العاطلين عن العمل . ثم يسألونك لماذا هذا الانهيار في العلم والأدب والحياة العامة ؟

أما مؤسسات المجتمع المدني فقد عانت هي الأخرى من مجازر خاصة بها مثل حل نقابات المهندسين والأطباء والمحامين دفعة واحدة ، واعتقال وفروعها في كل المحافظات في/9/4/1980م واعتقال أعضاء مجالسها ، ثم افتعال نظم داخلية لهذه النقابات ، وتعيين مجالس ومؤسسات قسرية لها حتى يومنا هذا ! ومن الظلم والسخرية المرة أن الحزبيين الكبار الذين تم فصلهم مؤخراً من (قيادات الحزب الحاكم) أو ماتوا ، صرفت لهم (نقابة المحامين) رواتب تعويضية أو تقاعدية ، وهم لم يمارسوا المحاماة يوماً واحداً ، فما هذه العدالة ؟ ومن أي الزلازل يعد هذا ؟

أما عن الجيش والتصفيات الفردية والجماعية ، أو إفساده بالموبقات ، وبالطائفية والمحسوبية والتصفيات الفردية والجماعية ، فحدث ولا حرج ، نكتفي بالإشارة إلى تسريح /150/ ضابطاً بتاريخ /7/6/1964م تعسفياً ، وإلى طرد /16/ مهندساً عسكرياً من الدورة /124// بتاريخ 18/8/1908م ، وإلى نموذج من مسلسل الإعدامات وهو تنفيذ حكم الإعدام بثلة من خيرة أبناء سورية العسكريين والمدنيين عددهم /11/ مواطناً بما فيهم عالم الفيزياء النووية الدكتور حسين محمد حسين في عرطوز- دمشق بتاريخ 5/7/1980م ، ويسألونك لماذا لم تحرروا الجولان حتى الآن ؟؟ أو لماذا سقط الجولان أصلاً ؟ ولماذا لم تجرِ محاكمة للمسؤولين عن سقوطه حتى الآن ؟

فهل تحدث السيد عبد الحليم خدام وأعضاء مجلس الشعب عن كل هذه الأمور ، أو سوف يتحدثون في (الماراتون)القائم ، أو في الفرص القادمة ، وقد فتحوا الباب وقالوا الكثير الكثير مما كانت تقوله المعارضة وما من سميع .

يروي السيد خدام روايات تلمس الجرح الغائر مثل غضب الرئيس الابن على المرحوم الحريري (لأنه يجمع طائفته من حوله ) والحقيقة أن الحريري حاز على رضى الأطراف اللبنانية جميعا ، وأفاد طائفته كغيرهم على الطريقة اللبنانية وزيادة ، فقال له أبو جمال : كل السياسيين اللبنانيين يجمعون طوائفهم من حولهم مثل جنبلاط مع الدروز، وفضل الله مع الشيعة ، والجميّل مع المارونيين ، فلماذا الاستنكار على الحريري وطائفته ؟ أليست هي الكلمة التي أودت بالشيخ الدكتور صبحي الصالح التي قالها للرئيس الأب قبل اغتياله بأيام ، ولكن (حمزة لا بواكي له ) !! والشهيد الشيخ المرحوم حسن خالد مفتي الجمهورية اللبنانية ، ما جريمته غير دفاعه عن ( طائفته) التي هي ركن أساس في بنيان الوطن المقاوم للشرذمة والصهينة والاستبداد على حد سواء ؟

قبل المقابلة التي أذيعت للسيد خدام كان هناك سجال حول حقيقة الدور الذي يلعبه الرئيس الابن في النظام الذي هو على رأسه ، بمعنى : هل يملك القرار ، أم يتقاسمه مع (بارونات) الأجهزة الأمنية وقادة الفرق العسكرية ، أو لا دور له يذكر . أما بعد المقابلة – وقد شهد شاهد من أهله – فقد ترجح انفراد الرئيس بالصلاحيات أو بالقرار بنص الدستور وبواقع الحال ، وسوف يغير كثير من المعنيين سياساتهم ومواقفهم بناء على هذه المعلومة . وهذا بعض من معطيات الزلزال الجديد . أما البعض الآخر ، فهو ما لم يقله السيد خدام ، ولعله يسطره في مذكراته التي خرج من أجل تدوينها . وهي خطوة أخرى لو خطاها على هذا المنوال لفتحت له قلوب أبناء شعبه المسحوق ولدخل التاريخ من أبوابه العريضة . كما نأمل أن يكون انحياز السيد خدام عن النظام حافزاً للآخرين من بقية المتململين والناقمين من أركانه أو الساكتين على مضض أن يقتدوا بأبي جمال ، وأن يعينوا أنفسهم وشعبهم على (الخلاص ) السلس من هذا لوضع الكارثي (للدولة والمجتمع ) على حد سواء .

عن الجانب العسكري لم يستفض أبو جمال معللاً ذلك بأنه لم يكن على صلة مباشرة بالجيش إلا من طريق الرئيس وبعض الصلات الشخصية ، ولعله ترك الفرصة لأصحاب العلاقة ، الذين يتوقع انحيازهم وإكمالهم المسيرة التي اختارها بملء إرادته ، وعلى هدي الإصلاح والإنقاذ للقطر قبل فوات الأوان .

وبالمناسبة نحن نثني على موقف المعارضة السورية التي تفهمت مواقف السيد خدام ، وأعلنت على لسان مسؤوليها في (إعلان دمشق ) أن الباب مفتوح لكل من ينحاز من الحزب أو النظام للمعارضة من أجل التغيير الديموقراطي . وهذه كلها مؤشرات على اقتراب الفجر السوري وعودة (ربيع دمشق ) ، والخلاص من الزلازل إلى الأبد .

* كاتب سوري وعضو رابطة أدباء الشام

القدس العربي

------------------------------------------------------

عودة خدام

محمد جمال باروت

أخبار الشرق

لم يفاجئ انشقاق عبد الحليم خدام النائب السابق للرئيس السوري؛ الخبراء الذين كانوا يعرفون العديد من مؤشراته، لكنهم فوجئوا بتوقيته الذي "اختاره" خدام بشكلٍ محسوبٍ يسمح هنا بتطبيق مايسمى بـ"نظرية الألعاب" على اشتغال العوامل والفواعل والوظائف في المشهد. فلقد تزامن هذا التوقيت مع تصعيد جنبلاط - الحريري، لسقف "اللعبة" بعد تقرير ميليس الثاني "المتريث" بالدعوة المكشوفة إلى إسقاط "النظام السوري"، والمقصود بها هنا بشكلٍ رئيسيٍ قيادة الرئيس بشار الأسد وليس النظام نفسه بالضرورة، ومع تهيؤ لجنة التحقيق الدولية برئاسة المحقق البلجيكي سيرج برامرتز، وبمرافقة ميليس انتقالياً لمواصلة عملها بدءاً من حدود السادس من كانون الثاني/ يناير الحالي، مركزةً محورها وفق ما هو متوقع أو مقرر على الشق السوري من التحقيق. ويأتي انشقاق خدام هنا على وجه التحديد ليؤدي وظيفة إعطاء زخمٍ "اتهاميٍ" للتحقيق، وليضعه في مرحلةٍ جديدةٍ، سيكون عنوانها خلال الشهور الستة القادمة مزيداً من الضغوط على دمشق، وإطلاق "مفاجآت" جديدة تسعى إلى "طرنبة" أوراقها.

مع أنه ليس معهوداً عن المحققين العامين في الولايات المتحدة الأمريكية أو ألمانيا رفع تقارير علنية عن موضوعات عملهم، حيث يوجهون التهم أو يطوون التحقيق، وهو ما خرقه ميليس بشكلٍ فضائحيٍ مبرراً إياه بضرورات التحقيق، بينما يقال إن نمط خليفته مختلف من ناحية احترام ذلك التقليد المرعي بقوة، فإن ما قاله خدام سيتم توثيقه كشهادة "ملك" بدرجاتٍ عليا من "الضجيج" الذي هو جزء من بلاغة اللعبة، التي أدخلها خدام في شوطٍ جديدٍ. ومن هنا برز خدام على الرغم من تحوطه في بعض اللحظات أكثر "ميليسيةً" من ميليس نفسه، من دون أي ملامسةٍ لفرضية طرف ثالثٍ دخل على خط التوتر العالي بين دمشق والحريري وفجر الصاعق. فقواعد اللعبة التي توظف التحقيق لا تكترث سوى بوظائفها وغاياتها، لأنها السياسة يا..

إن انشقاق خدام لا يمكن عزله بأية حالٍ من الأحوال عن ردة فعل انتقامية لـ"استبعاده" الجاري على حلقات منذ عام 1998 من الدائرة الأساسية للغرفة الخضراء لصناعة القرار، ولا سيما صناعة قرارات السياسة الخارجية وتوجيهها، وعن تفكيك مركز القوة الثلاثية السورية "الحريرية" بمعنى ما، والذي ينتمي إليه خدام، وهو مركز (الشهابي- كنعان- خدام)، بشكلٍ استأثر فيه هذا المركز بشكلٍ تامٍ بتقرير الشؤون اللبنانية، وإلى حد أن فرع لبنان قد تمتع فعلياً إبان حكم قائده السابق الراحل غازي كنعان بنوعٍ من استقلاليةٍ ذاتيةٍ تامةٍ حتى داخل الجهاز الذي يشكل جزءاً من منظومته، في إدارة "غرفة النوم" السورية على حد وصفٍ سابقٍ لخدام نفسه للبنان. كما لا يمكن عزله عن آليات التناقض التقليدي التي تسود عادةً النخب البيروقراطية العليا في النظم التسلطية في الصراع الضاري على كعكة النفوذ والقوة، وهو ما برز في إطلاق عصابيته الانتقامية من خصمه اللدود وزير الخارجية فاروق الشرع إلى أقصاها، وهي عصابية ليست جديدة بل إنها معروفة بشكل تفصيليٍ قبل انشقاق خدام، لكنه عبّر عنها بعد الانشقاق بطريقةٍ فاقعةٍ. وليس لها صلة بخلافٍ جوهريٍ سياسيٍ بل بمنطق الصراع التقليدي بين النخب، وتقدير أوزان اللاعبين اللبنانيين في سلطة الإدارة المشتركة للبنان قبل القرار 1559. فلقد برز خدام طيلة فترته العصابية مع الشرع على أنه الأكثر تشدداً منه في قضايا السياسة الخارجية وما يسمى بالثوابت، وخلافاً لما أظهره في الفضائية. وبغض النظر عن تقويم أداء الشرع، كان خدام في تلك المواقف على يمين الشرع.

إذا كانت الأسباب" الحريرية" - وهي أكثر بكثير من أسباب شخصية - تحضر بقوةٍ لا لبس فيها بانشقاق خدام، فإن توقيت هذا الانشقاق الذي شكلته موازين قوى وتشاورات وضمانات ليس مستقلاً أبداً بهذا الشكل أو ذاك عن سيناريوهات غرفة العمليات الدولية لمايسمى بـ"التغيير السياسي في سورية"، ولا سيما بعد القرار 1559، والتي ظلت تنوس وربما ما زالت تنوس حول شكل التغيير بين فكرة التخلص "الجراحي" من النظام التي يذكيها بعض راديكاليي الإدارة، وبين فكرة إضعافه وإنهاكه وتطويقه وجعل "الثمرة" تتساقط من تلقائها، وبين التعويل على احتدام تناقضات داخلية حادة تودي به من خلال انقلابٍ داخلي يقوم به مركز قوة ضد الرئيس، أو من خلال الرهان على انقضاض القوات المنسحبة من لبنان على القصر، وبين "ترويض" سياساته الإقليمية المعكّرة لعملية إعادة تنظيم الشرق الأوسط، وإرغامها على التكيف مع السرير الاستراتيجي الأمريكي واستطراداً عبر أطلسي الجديد لها. فما كان ممكناً للنائب أن يحرق السفن مع النظام الذي كان على مدى ستة وثلاثين عاماً على الأقل وحتى عام 2000 على الأقل من "أصحابه" الفعليين، وبقي حتى حزيران/ يونيو الماضي من القيادات المؤثرة فيه، ومن أبرز الغانمين لريعياته التي يمكنك أن تراها بالعين المجردة منتصبةً في سلسلة الوكالات والمطاعم والشركات والقصور ومجمع بانياس والمرفأ الخاص به، بمعزلٍ عن تلك السيناريوهات التي من الطبيعي أن تعمل أطرافها اللاعبة والوازنة بطرقٍ خاصةٍ من طرق المافيا أو" الجماعة المنظمة"، في حبك القصة أو اللعبة.

إن التعويل على خدام- الشهابي في موضوع القيادة البديلة لم يكن سراً أبداً في الدائرة الجنبلاطية- الحريرية، وربما تكمن هنا كلمة السر في توقيت تصعيد النبرة لإسقاط "النظام الإرهابي" قبل "مقابلة" خدام، بل إن جنبلاط تعمد أن يوجه في شكل وجهة نظر "رسائل" ضمنية إلى دمشق بذلك، عبر طرق عديدة كان من بينها جورج غالاوي إبان زيارته الأخيرة لبيروت ودمشق، ولقد عرفناها نحن المحيطين بهذا الشكل أو ذاك بغالاوي من غالاوي نفسه، وهو ما فهم منه يومئذ ثلاثة تقديرات: عملية تسليف مقدماً لدمشق مقابل ثمن معين، أو كشف حساب بمدى ما يمكن أن يبلغه الصراع، أو "برقية" تقليديةً من برقيات الوليد. ولقد تسربت في حدود آب/ أغسطس- أيلول/ سبتمبر من العام الماضي؛ إشارات معينة عن حركة اتصالات مع ثنائي خدام- الشهابي، لكن العماد أول الشهابي نفى يومئذ رسمياً في تصريحٍ مقتضبٍ صحة ما قيل عن حركته، و"تآمره على بلاده"، في حين كانت المؤشرات تؤكدها.

مع ذلك قد تكون تلك الإشارات والتسريبات من باب "يوميات" الكلام السياسي وما أكثره، غير أن التقرير الأخير "سورية والتغيير السياسي" لمعهد الولايات المتحدة للسلام، الذي حرر ملخصه التنفيذي كل من سكوت لاسنسكي ومنى يعقوبيان- وهو معهد مرموق يسمي الرئيس الأمريكي أعضاءه الثمانية في ضوء موافقة فردية لكل عضوٍ من أعضاء مجلس الشيوخ على عضويتهم- وهو بمثابة أول تقرير للمعهد عن سيناريو التغيير في سورية، يشير إلى حركة عبدالحليم خدام والعماد أول حكمت الشهابي في موضوع القيادة البديلة، والربط على نحو افتراضيٍ تفضيليٍ ما بين تلك الحركة وبين موت وزير الداخلية السوري غازي كنعان، وربط ذلك كله بتقدير ندوة المعهد أنه ربما على صلة بأنهم" يخططون لانقلاب".

إن ما قدمه "النائب" من عرضٍ مسهبٍ لوجهات نظره في سياسات واستراتيجيات الدولة وحبكات الفساد وخط الفقر يرتقي في قواعد اللعبة إلى طر