unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2006-02-25  

مقابلة "جدار" مع د. عبد الرزّاق عيد:

أهم انجازات النظام الشمولي في سوريا قيميا هي قيم الـنـفـاق، وثقافة الخــوف

السلطة لا تملك مثقفا مبدعا واحدا..

جامعاتنا مليئة بالمخابرات..

ولا يوجد استاذ جامعي غير بعثي

الدكتور عبد الرزاق عيد من مواليد حلب 1950 حاصل على شهادة دبلوم الدراسات المعمقة في السرديات وتحليل النص وعلم المناهج من السوربون في باريس، وعلى شهادة الدكتوراه من الجامعة نفسها. ناهزت مؤلفاته العشرين مؤلفا في التنوير العقلاني والتأسيس لعقل نقدي، أصدر مؤخرا كتاب (يسألونك عن المجتمع المدني "ربيع دمشق الموؤد ") الصادر عن مركز الإنماء الحضاري في القاهرة ودار الفارابي في بيروت. ومن أبرز المؤلفات الأخرى التي أصدرها: "طه حسين، العقل والدين، بحث في مشكلة المنهج" ـ "الثقافة الوطنية، الحداثة، مشكلة المنهج" "ياسين الحافظ، نقد حداثة التأخر" - "العالم القصي لزكريا تامر" و"الثقافي الجمالي الايديولوجي"، (أزمة التنوير، شرعنة الفوات الحضاري) – دار الأهالي – دمشق 1997، الديموقراطية بين العلمانية والإسلام – مشترك – سلسلة حوارات لقرن جديد – دار الفكر- دمشق 1999، إنجاز بحث حول النظام الأبوي وعلاقته بحقوق الإنسان لينشر كفصل في كتاب سيصدر بالإنكليزية من قبل ملتقى الثقافات (الغرب والشرق) في كمبردج – الولايات المتحدة الأمريكية – بإدارة د. سلمى الخضراء الجيوسي – عام 1998، أبو حيان التوحيدي (فصل الدين عن الدولة/ فصل الدين عن الفلسفة) – الأهالي - دمشق عام 2001، قراءة سوسيودلالية في "مدن الملح" – الأهالي – دمشق 2002، ذهنية التحريم أم ثقافة الفتنة (حوارات في التعدد والتغاير والاختلاف) دار الحوار– اللاذقية- 2001، نقد العقل الفقهي (سَدَنة هياكل الوهم / البوطي أنموذجا) دار الطليعة– بيروت 2003. كما صدر له الجزء الثاني من نقد العقل الفقهي/ سدنة هياكل الوهم، متناولا نموذجا آخرا تحت عنوان "يوسف القرضاوي بين التسامح والإرهاب".

وهو من مؤسسي "لجان إحياء المجتمع المدني" وناشط سياسي معروف، يكتب أيضاً الكثير من المقالات سواء في متابعة الشأن السياسي بجانبه الحدثي أو جانبه الفكري منها مقاله الشهير عن "ثقافة الخوف" حاولنا في هذا الحوار أن نبتعد عن السياسي إلا أن الدكتور عبد الرزاق عيد بدى في الآونة الاخيرة ذا صوت سياسي واضح وإن لم يلحق السياسة بمعناها المباشر فهي تلحقه، فمن المطالبة من قبل (أحدهم: عضو مجلس شعب) لإحالته الى القضاء (قضاء: محكمة امن الدولة) بسبب مقالة له، إلى احالته الى القضاء العسكري فيما بعد بسبب عدد من مقالاته إلى تبرئته الى.. كان لجدار معه هذا الحوار.

* يحجز المثقف (السوري ) لذاته مقعدا رسولياً مكرسا عبره نسقاً تبشيرياً فاقعاً يحتكر عبره الحقيقة وتعبيراتها.. ويمكن أن نلحظ ذلك بسهولة من خلال نتاجه المكتوب وبلاغاته الشفهية مستلهماً في هذا " اشهد اللهم أني قد بلغت " كيف يتلقى عبد الرزاق عيد هكذا صياغة وأين موقعه منها ؟

**السؤال مطروح بطريقة استنكارية ماكرة، ويهجو نموذج المثقف الرسالي بشكل سليط، لذلك يضطر الكاتب أن يتبرأ من هذه التهمة. أنا من الناس الذين يعتقدون ويؤمنون أن الفعل الثقافي نتاج وانتاج وفاعلية في الحياة والواقع، وإذا لم يكن فاعلا ومؤثرا فلا قيمة له، هذا على المستوى الوظيفي الاجرائي، لكن خلط السؤال الاجرائي بالسؤال المعرفي قد ينتج هذه الالتباسات بين ما هو معرفي وبين ما هو وظيفي إيديولوجي، ان المراهنة على الوظيفة الاجرائية ان كانت ايديولوجية او سياسية على حساب المستوى المعرفي أو الابداعي في الممارسة الفنية والابداعية: إن كان في التشكيل، الموسيقى، الادب... هي التي تفضي الى هذا المعنى المرذول للمثقف الذي صاغه السؤال عبر صيغته الوظيفية الاجرائية: ايديولوجي، سياسي، نفعي، غرضي (من غرض ) يخضع البرنامج للراهن في خدمة مؤسسة حزبية تنظيمية قائمة، بهدف الاستقرار والاستمرار والتأبيد، ومن هنا يتأتى المعنى الأدائي المرذول للمثقف في صيغة المثقف التبشيري أو هكذا يغدو المثقف تبشيريا...!

* يعيش المثقف (السوري) إزدواجية واضحة سواء بانفصام سلوكه الحياتي والاجتماعي عن تنظيراته الكتابية أو بانفصامه اتجاه دفاعه عن الاخر عندما لا يوافقه الرأي هذا الآخر.. إذ نرى أن هذا المثقف لا يتمثل المقولات التي يرطن بها شفاهة أو كتابة.. كيف تشكلت هذه الازدواجية وتعممت ؟

** ان موضوع هذه الازدواجية التي عادة يمكن فهمها بلغة السياسة الافتراق بين الفكر والممارسة أو بلغة الابداع الانفصال بين الفكر والواقع، هذه سمة لا تخص المثقف السوري وحده، لكن إذا كان ثمة ما يميز المثقف السوري بهذه السمة بشكل فاقع فإنه يمكن نسبها لمجمل تركيبة الحياة السياسية والثقافية في المجتمع السوري خلال اربعين سنة تم فيها تفكيك بل وتدمير المجتمع المدني. و مما يمكن تسميته أيضاً بأنها سمة ملازمة للبنية السياسية للمجتمع السوري هو الافتراق بين البرنامج السياسي وبين الممارسة التي أنتجها النظام الشمولي الذي أهم انجازاته قيميا هي قيم النفاق، وثقافة الخوف من قيم الصدق، ولعل حزب البعث خلال اربعين سنة من حكمه لسوريا يقدم مثالا خارقا على هذه الازدوادجية..

* هل تنسب هنا ضمناً لحزب البعث فعلاً ثقافياً..؟

** انا اتكلم على مستوى حياة الجماعة، مستوى الصيرورات الاجتماعية او التيارات السياسة وبالتالي فمادام حزب البعث هو الفاعل الاكبر في الحياة الثقافية كونه الفاعل الوحيد في الحياة السياسية، وبالتالي كيف لنا أن نتصور هذه الأجيال التي تكونت خلال 40 سنة، وكيف سيكون عقلها السياسي الذي تربى على هذه الازدواجية القائمة بين الشعارات التي يتعلمها منذ ان كان في طلائع البعث الى الشبيبة الى الجامعة وبين واقع مغاير لا يفتأ انتهاكا لشرف هذه الشعارات. أما على المستوى العام فإن المثقف لا يستطيع ان يعيش خارج هذه المعادلة التي -هي أصلاً- أصبحت كأنها سمة اجتماعية مميزة للمجتمع السوري، حيث يبدو وكأن هناك ثمة عقد ضمني، مضمونه: أنه مقابل أن تقول قول السلطة وتنتظم في خطابها ( سلطة السياسة "سلطة ومعارضة"، سلطة الاعراف، سلطة الايديلوجيا السائدة) مقابل أن تضمن راحة البال والاستمرارية حتى يمكن العيش بأي ثمن ولو على حساب المكانة والكرامة. عندما نتحدث الان عن حزب البعث فان هذا ينطبق على كل الحياة السياسية في سوريا، وهذا أمر طبيعي إذ أنه استقطب كل تيارات الحياة الفكرية (القومية / اليسارية) من خلال الحاقها تبعيا في ما سمي بالجبهة الوطنية التقدمية. إن المثقف يعيش في بيئة متكاملة من النفاق والرياء والكذب بوصفها حياة يومية، لكن هذا لا يعني حكم على كل المثقفين السوريين (المثقف بالمعنى المنتج للثقافة )، وربما يكون حظ المثقف السوري بما يتعلق بمسألة الاتساق والانسجام السلوكي: العقلي والنفسي والثقافي هو الأميز على المستوى العربي، إنه احد اكبر التحديات التي طرحت على السلطة السياسية خلال 40 سنة، وقد تكشف للسلطة أنها لاتملك مثقفا مبدعا واحدا، لذلك قرروا أمام حالة العزلة الثقافية التي يعيشها النظام السياسي أن ينتجوا مثقفين، فأرسلوا بالألاف خريجي الجامعات على أساس الولاء (الحزبي، الامني، المظلي) للتخصص في الدراسات العليا.. والآن فإن جامعاتنا مليئة بأكاديميي الموالاة: مخابرات ومظليين، حيث من المعروف أن ليس في سوريا استاذ جامعي غير بعثي، بينما الكفاءات من الكتاب السوريين نجدهم منتشرين في معظم الصحافة العربية التي تصدر في الخارج إن كان على مستوى المقال السياسي أو على مستوى المُبدَع الأدبي والفني مليئة بكتابات السوريين، حتى فترة قريبة نشر جهاد الزين رأياً يقول فيه لغسان تويني (النهاراللبنانية) بأن النظام السوري لو تغير باتجاه الحريات الديموقراطية، فإن معظمنا قد يحال إلى المعاش، بسبب كثرة المواهب السورية التي يمكن أن تمثل الصحافة.

* كما نرى يعيش المثقف عزلة واضحة للعيان عن الفعل الاجتماعي في الوقت الذي لا يكل فيه هذا المثقف ولا يمل من الحديث باسم المجتمع.. كيف يمكن لهذا المثقف ان يسير باتجاه الناس (كاصطلاح بديل عن الجماهير ) الذي يدعي أنه يمثل مصالحهم ويعبر عن خياراتهم الطامحة لحياة أفضل ؟

**يمكن هنا ان اتحدث عن تجربتي..نحن أمام مأزق انعدام الحياة السياسية في سوريا ومن ثم انعدام الحياة الثقافية، فإن المثقف المنتج للثقافة يجد نفسه يتوجه الى متلقي افتراضي ويكتب وكأنه شاهد على عصره، شاهد على فترة زمنية معاشة أكثر مما يهدف التوجه الى متلقي ملموس ومحدد، وبالتالي يفترض أن على نصه أن يقول الحقيقة (كما يراها طبعا) بغض النظر عن المردودية المنتظرة التي هي بالمحصلة لا تملك من الرمزية إلا القباحة والبشاعة، بعد أن أفقرت الحياة الثقافية والاجتماعية الرمزية (القيمية ) ضمن هذه المناخات.. انهيار القيم.. انهيار الطبقة الوسطى المنتجة للثقافة والسياسة، عندها لن تسود سوى عندها طقوس الاوغاد والحثالات والرعاع التي تفرض على المثقف أن ينأى بنفسه عن هذا الالتياث المعمم، والوسخ الذي يملأ دروب القلب والوجدان!

* لا يملك المثقف السوري أي مشروع بمعزل عن السلطة (وجوده في مقابلها ) إذ أن مشروعيته ومشروعه مستمدا من وجود هذه السلطة التي يمكن اعتبارها المحرك الاساسي لكل مقولاته وانفعالاته النظرية.. و كذلك اشتغاله اليومي.. ويمكن أن نخمن دون أن نرجم في الغيب أن غياب هذه السلطة يعني بالضرورة غياب كل تنظيرات و(مشاريع ) هذا المثقف.. لماذا لم يتملك المثقف السوري مشروعا مستقلا بذاته خارج الاشتغال السياسي المباشر ؟

** بداية إن هذا التشخيص الذي يطرحه السؤال ينطلق من توصيف موضوعي لواقع النظام الكلياني الشمولي المطبق على المجتمع بكل حيزاته، فيستحيل -والامر كذلك- ان يتمكن المثقف من ممارسة بطر لذة تذوق الدال في النص كما يدعو رولان بارت. من هنا نجد حالة التسييس الشديد الذي تفرض على المثقف موضوعياً أن يملأ الفراغ السياسي في سوريا التي أفرغت من قواها السياسية الحقة منذ أربعة عقود، فمنذ خمس سنوات نجد أن من ينشط ويفعِّل الحراك الداخلي السياسي والاجتماعي ما هم إلا المثقفون، لان هناك ازمة تتمثل في غياب للأحزاب السياسية القادرة على التعبير عن الجماعات، الشرائح، القوى المجتمعية، الامر الذي يفرض على المثقف مهمات ربما تبدو اعباء حقيقية عليه، وهي لا تستجيب فعليا لتطلعات او للاستجابات الداخلية للمبدع لممارسة الابداع، وعلى كلٍ هذا الامر ليس سورياً فقط إنما هو الى حد كبير حالة عربية بسبب الظروف الاجرائية المتشابهة على المستوى الاجتماعي أو السياسي من حيث غياب الحريات الديموقراطية. إنه يكتب أو ينتج (اتكلم هنا عن المبدع الفعلي ) لانه لا يستطيع الا وأن يكتب ويبدع تماما كما يستعار مثال الشجرة التي لا تستطيع إلا أن تثمر لنفسها، دون أن يكون هدفها أن تقدم ثمارها لأحد...

*... لكن ألم يساهم هذا المثقف بانتاج هذه العزلة بمعنى ادق ألم يكن صانعاً لها ليس بالمعنى الارادي بل بالمعنى الافتراقي عن الناس إذ ان غالبية المثقفين هم من وسط يساري قومي بينما مزاج الناس هو ديني الى حد كبير...

**... المشكلة أن المأزق يكمن بحالة الطرد المستمر خارج السياسة وبالتالي لا تكمن المشكلة بتوجهات المثقف إن كانت يسارية أو يمينية. والعزلة بهذا المعنى لا تكون مشكلة المثقف فقط إنها مشكلة الحزب السياسي.. مشكلة أي مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني الذي تم تقويضه عبر عقود من الزمن فلم يعد هناك ساحة للتواصل الاجتماعي سوى ساحة المسجد باعتباره الساحة الوحيدة التي لا يمكن أن تطالها وثنية السلطة وعنفها فلم يبق امامنا سوى هذا المقدس وحتى هنا ليست المشكلة مشكلة المثقف اليساري وانما مشكلة مجتمع غيب عن الفاعلية السياسية.. الاجتماعية.. الثقافية.. نحن في سوريا فقدنا حتى مقام (الوجيه ) اجتماعيا الذي يشكل عنصر اللاحم الاجتماعي الرمزي في المجتمعات. يمكن القول أنه على المستوى المجتمعي الأهلي أو المدني فلا حضور سوى للسلطة ورموزها، من هنا تبدو المعادلة مقلوبة إذ يفترض ب العالم الروحي والثقافي الابداعي والوجداني أن يتفتح باحثا عن أسئلته العليا التي تتجاوز الوجود بشروطه الموضوعية، من اجل البحث عن المعاني التي تتجاوز الواقع برثاثته السردية (تفاصيل يومية)، عندما تحل وثنية السلطة محل وثنية السلعة، يكون المدخل لتجاوز الشرط الواقعي (برثاثته) هو شرط تجاوز مشكلة السلطة التي تشكل عقبة أمام أي تغيير لوافع صنعته وصنعها فهي قوة قهرية وظيفتها الاقصاء السياسي من خلال عملية التوثين الدائمة والدائبة لكائنات سلطوية جاهلة وغبية، ومن هنا يكون المثقف في وضعزائد عن الحاجة، وتلك هي الاشكالية.

* يبدو لنا في كثير من الاحيان ان المثقف السوري هو مثقف موسوعي.. و عارف بكل شيء من أقدم النظريات السياسية الى آخر النظريات التقنية في الانترنت.. إذ أنه (أي المثقف ) غير ميال بالمطلق الى الاختصاص فالشاعر ينظّّر في الموسيقى والفنان التشكيلي ناقد للشعر.. الخ أنت كنموذج كان اشتغالك الاساسي هو النقد الادبي لكنك نسجت صورة عامة لك هي خارج اختصاصك الاساسي بل ومهملا له... كيف تفسر لنا هذا ؟

** عود على بدء، المثقف الذي يعيش في المجتمعات العالم ثالثية يفتقر الى ممارسة بطر تذوق لذة النص، لذة الابداع، وهو بالتالي عالق بشرط اشكالِه كمثقف، فهو غير قادر ان يعيش ببرودة الاختصاص كتكنوقراط إذا كان عازماً حقيقة ألا يكون أية سلطة مرجعية سوى مرجعية ضميره عقله لكي لا يكون فيما يكتبه سلطة (أي سلطة).

ينبغي هنا ان نميز بين المثقف التقني الاختصاصي الذي عادة ما يسميه الكواكبي المثقف (المتمجد) بمجد السلطة، أي مثقف السلطة وهو الذي لا يهتم بعلوم الانسان، والمثقف الماجد وهو مثقف يسكنه هم التغيير، مثقف اشكالي يعيش حالة مأزقية في علاقته مع الواقع المحيط به، والذي دائماً يعيش حالة الاستعصاء الذي يريد الانتصار عليه باتجاه انتاج كليات نوعية جديدة، معارف وآفاق اخرى وتحديات وطنية ونهضوية وتنويرية تفرض عليه، ولا يجد مفرا من مواجهتها، وهذه ليست خاصة بالمثقف السوري، فمن الممكن أن تجد تمظهرات عالمية لها من مثل ادوارد سعيد فهو أيضا ناقد أدبي إلا انه في السنوات الاخيرة غدا ناقدا سياسيا، ويمكن أن أذكر تشومسكي عالم اللغويات الشهير فهو منذ ربع قرن وكأنه متخصص بمناهضة السياسات الامريكية .. ان ظاهرة المثقف الاشكالي موجودة في المجتمعات النامية اكثر من المجتمعات المتقدمة بسبب الاشكاليات المطروحة أمام المثقف، وعلى المستوى الشخصي فانا لا التزم بأية مجلة أو جريدة للكتابة المنتظمة بالتكليف لاني لا أستطيع أن اكتب المقال السياسي إلا وفق حاجتي الفكرية والروحية للكتابة، وليس بسبب التزامي نحو جريدة ما أو مجلة هذا يتيح لي أن اعود الى شغلي الاساسي الذي يمكن أن يكون منتظما في اطار ما يمكن تسميته المشروع الكتابي. وبالتالي فإن التساؤل الذي يطرح ما معنى أن الناقد الادبي يشتغل باختصاصات مغايرة أو مختلفة؟ أراه سؤالا غير ذي جدوى فالنقد الادبي اليوم هو تكوين خبرة اختصاصية في معالجة النص وتحليل استراتيجياته تفسيرا وتأويلا لبلوغ المغزى القار في باطن النص، ومن هنا فالناقد الادبي هو الاقدر اختصاصيا على مغادرة ساحة اختصاصه ما دام اختصاصه الاساسي هو الاشتغال على النص، والنص لا ينبغي أن يكون بالضرورة نصا أدبيا، فالحياة كلها بكل متجلياتها وساحاتها وخيراتها نصوص للبحث والتحليل والتأويل والاستقراء والاستنباط، وعلى هذا فالسياسة يمكن أن تكون نصا، المجتمع نص، وهكذا لا يمكن أن نستهجن اشتغال الناقد الادبي بالشأن العام ومن ثم انخراطه بالمعاش واليومي السياسي الاجتماعي، مادام هذا الأمر ناتجا عن الاستجابة لضغط داخلي يكابد الكاتب مطارحاته.

* يلاحظ أن غالبية المشتغلين بالسياسة الآن (معارضة وسلطة ) هم قادمون من حقل ثقافي مما يعني انهم يضمرون احتقارا للفعل الثقافي ويأخذونه مطية للتسلل الى الحقل السياسي حيث هناك (كما يعتقدون ) تتكرس القيمة والدور ويكونون تحت الضوء... انت كمثال للقدوم من الثقافي الى السياسي كيف تنظر الى هذا ؟

** لست موافقاً على تعبير سلطة ومعارضة، فبالنسبة للسلطة فإن الامر معروف انهم هناك من اجل الارتزاق ليعززوا مواقع النفوذ والامتيازات والمكاسب المخزنة، ولم يعودوا يكتفوا بها، بل هو يريدون قنص حتى الامتيازات المعنوية التي يسعى لها المثقف. لقد اصبح لدينا في سوريا جائحة سلطوية هي جائحة الحصول على لقب دكتور للتقدم في مواقع النفوذ والامتيازات، بينما النص المعارض او الكتابة المعارضة هي مكلفة اكثر بكثير من مكاسب الاضواء أي السجن فعلا أو بالقوة، فكل المثقفين المعارضين المحترمين في سوريا يعيشون في السجن بالقوة، أو هم مشاريع سجناء، في بلد محكوم بخصوبة اللامتوقع، بالمحصلة ربما يمكن القول أننا أمام ظاهرة محزنة في سوريا وهي أن نضطر أو أن تقود الظروف القائمة لأن يملا الفراغ السياسي بالفعل الثقافي إنها معادلة استثنائية باستثنائية الحالة في سوريا، نظاما وحكما وأحكاما استثنائية.

* هل هذا يفسر أن المثقفين السوريين لم يتوقفوا عند حدود انتاج النص المعارض فرديا بل قاموا بنشاط جماعي مؤطر بدءاً بالبيانات واستمر عبر التجمعات.. لجان احياء المجتمع المدني.. جمعيات حقوق انسان.. منتديات.. الخ

**نعم هذا يفسر الى حد كبير ذلك، فنحن عندما تداعينا لاصدار بيان الـ99 أو وثيقة الالف أو الوثيقة الأساسية للجان إحياء المجتمع المدني كان يحفزنا شعور أن ثمة نواة للحياة السياسية المدنية ينبغي احياؤها، ولم نكن نطمح الى انشاء حزب او تنظيم وإنما كان طموحنا أن ننتج مقالا جماعيا أو ان نلقي بحجر في هذا الاستنقاع السياسي والركود والانقباض، على حد تعبير ابن خلدون وهو يتأمل انهيارات زمنه، وذلك من اجل هز الحياة السياسية دون ان يكون لدينا هدف لا نشاء حزب سياسي وواقع لجان احياء المجتمع المدني الان يبرهن على أن المؤسسين لم يكونوا يهدفون لقيام تنظيم حزبي أو سياسي.

*يرى البعض ان المثقف مشغول بصناعة العدو سواء عبر حياته اليومية أو حيزه الثقافي.. موهما نفسه أنه يعيش في اجواء معركة مستمرة.. هل هذا واقع الحال لديك ؟

**إن هذة السلطة تقود منذ اربعين عاما حربا باردة وساخنة ضد الثقافة والمجتمع، فهي تؤسس ممارستها على نوع من التضاد الثنائي الحاد، إما معي أو ضدي. فأنا نصف حياتي (السياسية ) في موقع سياسي حليف (الحزب الشيوعي السوري ) ومع ذلك لم يرضهم هذا الموقع وقادوا حربا ضدي في لقمة عيشي وعملي... فهم لا يقبلون أن تكون حيادياً حتى!! إما ان تكون معهم أو يكونون ضدك.. نحن نعيش في مجتمع محكوم بقيم كلية مجتمع يفتقر للحريات يفتقر لأي معنى لأي عقد اجتماعي، سمتها حنة أرندت في وصفها للمجتمعات الفاشية بـ"الاعتباطية المقيدة". فمن الطبيعي –والأمر كذلك- أن تتحكم ثقافة الغاء الآخربعد أن تم تدمير المجتمع على المستوى التعايشي، وقبول الاخر. نحن نتاج بنية المجتمع الشمولي وبالتالي يمكن ان نكون جميعا -الى هذا الحد أو ذاك- ملوثين بالاستبداد والافتقار الى ثقافة الحوار وقبول الآخر.

* في مقال لك عن عبد الرحمن منيف التقطت شخصية (المحملجي ) وشخّصته واستطعت من خلاله نسج نصا بقدر ما هو ابداعي بقدر مايرتبط بحالة واقعية تحتاج لاشتغال نقدي وبالقدر نفسه يرتبط بعبد الرحمن منيف، لقد حللت تلك الشخصية من خلال زاوية معينة (لا اخفي اعجابي بها ).. لكن اليوم في علاقتك مع السياسة من حيث هي فعل يومي أو وضع مشاريع، لم نعد نقرأ لك هكذا نص مما يشكل خسارة لي كقارئ من إمكانية قراءة نص إبداعي كهذا النص كما أرى.. دون أن أعوض بشيء من انصرافك إلى السياسي...

** قلت قبل قليل نحن محرومون اليوم من ممارسة متعة تذوق فخامة الدال، ومن متعة ممارسة ما نحبه من الكتابة المنتجة للذة النص، متعة النص على حد تعبير رولان بارت. كتبت عن المحملجي وانا اتمتع بتحليل هذه الشخصية واتعرف عليها واتوغل عبر المحور السيمولوجي والسيسيولوجي والفني. ان النص الادبي عبر تعقيده وتشابكه يتيح لك ان تستنفر كل مكوناتك وكفاءتك وكل ما راكمته من الخبرات الفكرية والمعرفية.. لكننا ونحن الآن أمام هذه الحالة الكابوسية يشعر المرء انه بدء يخسر هذه النعمة، نعمة ممارسة متعة الكتابة.

* لكن الواقع الحالي من زاوية ما يستدعي هكذا نص لضرورات الحالة التي نعيشها.. هذا الواقع بيئة صالحة لأن تبدع نصاً بهذه الطريقة إذا جاز التعبير..

**انا طوال عمري لم استطع ان اكتب نصا لا ينتج معادلا معرفيا ونظريا ذا وظيفة تغييرية في الواقع لكن يبدو ان طبيعة التحديات والظروف هي التي تقرر شكل ممارستك لهمك الثقافي والمعرفي والسياسي، يقول بلنسكي ( مارسنا النقد الأدبي كتورية عن ممارستنا للنقد السياسي، في ظروف الاستبداد وغياب حريات التعبير) فهو نموذج للمثقف المنخرط في عصره وزمنه. نحن نعيش ظروفا مشابهة للاستبداد القيصري ونخضع لذات التحديات، ما يفسر ربما الابتعاد عن رفاه ممارسة النقد السياسي عبر النقد الادبي كما فعل بلنسكي، فهذا يعبر عن شدة سوء الوضع الذي نعيشه.. الذي استشعره ككاتب ..

* الا تعتقد ان هذا نسق من التوريط تقوم به السلطة لاستدارج من نوع ما للكاتب كي يدخل في دوامة ما لا يترك أثراً مهماً و باقياً...

**أنا برايي السلطة المستبدة على طول الزمن كما قال الكواكبي تهتم بعلوم اللسان لا بعلوم الانسان وبالتالي فإن أي سلطة تفضل ان يهتم المثقف بانشغالاته كتقني يقدم خبراته فيما يخدم قوى الامر الواقع لانها بالنتيجة هي التي تستفيد من هذا الواقع، لانها هي سيدة الامر الواقع، على المستوى الفعلي وصلتني رسائل تقول أن كتابك في نقد العقل الفقهي / سدنة هياكل الوهم، إن كان نموذج البوطي أوالجزء الثاني نموذج القرضاوي، هما أهم من كل ما كتبته في السياسة بمعناها اليومي، ليتبين لي من خلال تكرار هذه الانطباع أن ثمة ناظم يوحد هذه الاطروحات وهي صادرة عن مثقفي السلطة، الذين لا يريدون أن أكتب في الشأن اليومي رغم ان الكتاب ممنوع تداوله سلطوياً، ورغم أنه الأكثر انتشارا وذيوعا، وفي كل الأحوال لا يهم السلطة أن تترك أثرا مهما وباقيا أو لم تترك، كل ما يهمها أن تمارس طغيانها دون رقثيب أو حسيب.

* دائما يتم الحديث عن اربعة عقود كانت السبب في مجموعة من النتائج وهذا ما كررته انت الان الا يمكن الافتراض أن السؤال هو اليوم أو الراهن، فإذا كنا على دراية بسوية النظام وطبيعة علاقته بهذا المجتمع استطعنا أن نحلل ونصل الى نتائج... ألم يعي هذا المثقف أو جموع المثقفين هذه المسلمات وآلية التعاطي معها ؟ ألا يعني هذا اننا انتقلنا بالحالةالثقافية الى منحى التعاطي السياسي وهذا جانب يمكن افتراضه أقل أهمية الى حد كبير بالقياس مع ما يمكن أن ينتجه المثقف الذي يمكن أن يكون دوره اعمق واوسع واكبر ويتجاوز الحيز السياسي والاجتماعي.. على اعتبار ان مهمته العليا هي الحق .. لماذا الحديث دائما في هذه النقطة بالذات مما يبدو وكأنه ميل الى سهولة التحليل بتعليق كل شيء على هذه النقطة ؟

** الان نحن نفسر لماذا واقع الابداع الثقافي بشتى تجلياته يعيش مأزقا، نحن نفسر هذا المأزق بحكم المعادلة التي تحكم المجتمعات ما قبل الرأسمالية بأولوية الايديولوجية، وفي مجتمعات الاستبداد فإن السياسة هي الصانعة للاقتصاد، وهي الصانعة للثقافة والمجتمع وبالتالي البناء الفوقي الثقافي يكون متقدما على البناء التحتي في مجتمعات ما قبل الرأسمالية، إن المعادلة التي أشرت إليها هي المعادلة الموضوعية أو هكذا ينبغي أن تكون عليه الامور، لكن في هذه المجتمعات تحل وثنية السلطة محل وثنية السلعة (كما اسلفت قبل قليل ) أي أنه في المجتمعات ما قبل الرأسمالية السلطة حاضرة أو شاملة لكل مفاصل الحياة.. الديمقراطية، الحريات، الحراك السياسي.. وأمام هيمنة انماط التفكير الشمولي وممارسات الطغيان والقمع يجد المثقف نفسه -ومن خلال استشعاره لبعض الحصانات- انه مطلوب منه اخلاقيا ان يتقدم صفوف الناس المذلين المهانين، يستشعر موضوعيا انه ينبغي ان يكون صوت الناس الذين لا صوت لهم.. في مجتمعات تعامله انظمتها كأنها رهائن تساوم عليها الخارج.ومن هنا يجد المثقف انه يمتلك حصانات (إعلامية ) قادرة على الانتصار على صورة الرهينة هذه، انها حالة تبلغ ذروة مأساويتها عندما يجد المثقف الوطني أن ملاذه الآمن يكمن في نجدة الخارج على أخوته وأبناءعمومته وأهله وعشيرته في الداخل.. إذ يمكن أن نذكر هنا ان اتفاق الشراكة الاوربية – السورية بقي عالقاً بدون توقيع بسبب البنود المتعلقة بحقوق الانسان، فهذا النظام يستخدم مجتمعه رهينة أمام الاوربيين من اجل أن يقدم تنازلات على مستوى حريات الشعب ويفاوضهم مقابل ارخاء قبضة الاضطهاد عن شعبه، وصلنا إلى مرحلة غدا فيها الخجل لا يخجل من نفسه، عندما ترفض التوقيع على طلب الآخرين بأن تحترم أهلك!؟

أجرى الحوار خلف علي الخلف وأحمد برهو

حلب أيلول 2005

   [ POSTED  @ 1:41 م ]


 

المعارضة السورية، والحائط المسدود بالعجز الحزبي، والبسطات، المقامة على عجل!

بشار العيسى

خاص – صفحات سورية -

في معرض تعليقه على اتفاقية أوسلو قال الرئيس السوري حافظ الأسد قولا، غدا مثلا، بالحق أم بالباطل،" أن كل بند في اتفاق أوسلو يحتاج إلى اتفاقية". اليوم، يبدو الأمر وكأنه قد قال ما قال في اتفاق أوسلو، وهو يقصد إعلان دمشق لبعض أحزاب المعارضة السورية وشخصيات وطنية منتقاة، من ذوي الحظوة لديهم. لا بل نضيف، في أن كل فكرة، وكل جملة، في إعلان دمشق تحتاج وتستدعي إعلانا لتوضيحه وجمع المفرد المفرق من حوله.

أن لم يكن اللقاء الأخير بين حركة الأخوان المسلمين ممثلة بالمراقب العام، الأستاذ علي صدر الدين البيانوني، والسيد عبد الحليم خدام، المسمار الأخير في نعش إعلان دمشق فهو في حده الأدنى تعبير عن أن الإعلان ولد معاقا ولن يستطيع لآلياته الراهنة، تجاوز موته السريري.

منذ الإعلان عن إعلان دمشق، لم تهدأ المباراة بين الناطق باسمه حسن عبد العظيم، والشارح لبنوده ميشيل كيلو، وتوضيحات اللجنة المؤقتة الوصية على الموقعين عليه، متاهاته، في إضافة تفاصيل وتفاصيل التفاصيل لما ورد وما لم يرد في الإعلان سواء لجهة الموقف من السلطة السورية فهو تارة لتغييرها لإقامة النظام الوطني الديمقراطي، باعتبار أن عملية التغيير قد بدأت حسب الإعلان، وتارة أخرى هو، الإعلان، للدفاع عن النظام/الوطن، بالشد من أزره في وجه الهجمة الأمريكية/ الصهيونية على النظام وقطع اليد الممدودة للخارج إذا كانت لكمال اللبواني ولا بأس إذا كانت من أسرة إعلان دمشق المقربين.

ترطيبا لخاطر الأصدقاء/ الزملاء فيالمؤتمر القومي العربي في الولايات المتحدة، كان لا بد من تفهم مخاوفهم تجاه الالتباس في تجاهل "الإعلان" للأخطار المدمرة التي تهدد أول ما تهدد كثيرا من مطالبه المحقة، والتي قد يستغل أصحابها والمناضلون من أجلها مطية لتهديد الوطن السوري دولة وشعبا وعروبة... إذ أنها تتلاعب باستخفاف بمصير الوطن السوري، وتتيح لأعدائه مطايا وأحصنة طروادة لتقويضه ونزع عروبته مرة وإلى الأبد، وتحويله إلى كيس أقليات يحمل سمات مفدرلة، تحرسه كردية سياسية تهدد بإلحاق الشمال الشرقي بالشمال العراقي إن لم تبلغ مراميه". حسب ما ورد في رسالة المؤتمر إلى حسن عبد العظيم وميشيل كيلو وعبد المجيد منجونة ورجاء الناصر وفائز الفواز وعبد الغني عيا ش وغيرهم. الرابط : http://www.syriamirror.net/modules/news/article.php?storyid=11022

دفعت تلك الرسالة القائمين بأمر" إعلان دمشق"، أن يسيـّروا السيد المحامي عبد المجيد منجونة، القيادي في تنظيم الاتحاد الاشتراكي/حسن عبد العظيم، القائد لإعلان دمشق وللتجمع الوطني الديمقراطي، من خلف وفد اللجنة التنفيذية لمؤتمر القومي العربي، إلى لقاء التبرك بتوجيهات الرئيس بشار الأسد وتعليماته لمواجهة الهجمة الأمريكية على هديها. فهل رأيتم معارضة منضبطة كهذه بالمكاييل السوقية، نقصد السوقية من السوق حيث البيع والشراء بالتراضي.

أتت حادثة انشقاق السيد عبد الحليم خدام، والتصريحات التي أدلى بها السيد وليد جنبلاط لجهة النصح على المعارضة السورية باستحالة تمكنها لوحدها من عملية تغيير سلطة كتلك السورية دونما دعم خارجي، ليس بالضرورة تدخلا عسكريا، فرصة للناطقين باسم إعلان دمشق، لإطلاق تصريحات بالجملة، لا تصب إلا في خانة، جر المياه إلى طاحونة السلطة التي يريدون تغييرها في مكان آخر لا بل وصل الأمر بالسيد رياض الترك* القيادي في حزب الشعب العضو المؤسس لإعلان دمشق، طلب استقالة رأس السلطة على القناة التلفزيونية المستقلة، لكنه بعد شهر من ذلك، عاد، في برلين، وأبدى استعداده على القبول ببقاء هذه

السلطة عشر سنوات أخرى على أن يمد يده للسيد خدام الملوث بالفساد وجرائم السلطة أكثر من بشار الأسد على حد تعبيره، رافضا في الوقت ذاته نصائح السيد جنبلاط.

توضيحات غير واضحة

بعد إشهار التوافقات المشتركة مع المنظمة الآشورية التي اجتهد الإعلان في ترقيع ما لم يرقع بعد فيه. نحن اليوم أما توضيح جديد للجنة المؤقتة لإعلان دمشق: الرابط: http://www.arraee.com/modules.php?name=News&file=article&sid=9106

لا نعرف المناسبة ولا المبررات التي استدعت أن تتصرف اللجنة المؤقتة لتوضيح ما لم يوضح بعد، ولمقايضة من يتم التوضيح الجديد وبأي حق تتصرف اللجنة وكأنها مالكة الأطراف الموقعة والمنضمة على والى الإعلان، وعلى أية معايير تتصرف هذه اللجنة المؤقتة التي تأخذ على أجهزة السلطة لا ديمقراطيتها في حين أنهم يطيحون بكل المعايير الأخلاقية تجاه الأطراف وتجاه نص اجتهدوا فيه ليكون نصا مقدسا وها هم يتصرفون به وكأنه ملهاة لا أكثر ولا أقل خاصة وأن التوضيحات هذه تنسف بعضا من أساسيات الإعلان.

أهي من تداعيات نخوة قومية متأخرة ؟ أم أنها آلية يتفننون بها نقل الماء إلى طاحونة السلطة كما عودنا البعض في العشرين سنة الأخيرة ؟ تفتيت قوى المعارضة بإشغالها في الاختلاف على المتفق عليه حتى لا ينتقلوا إلى الاتفاق على المختلف عليه. منذ البدء قلنا أن الإعلان بالشكل والصيغة التي رأت النور لم يكن الغرض منه أن يصبح وسيلةـ ومرشدا للعمل السياسي، في مرحلة معينة تتطلبها عملية تغيير السلطة القائمة، وأنهم غسلوا الأيدي، أخيرا، من إمكانية إصلاحها أو التصالح معها بعدما تركت يدهم الممدودة خمس سنوات تلهو في الفراغ المكشوف.

لقد أملت بعض الأطراف الجادة، من الموقعين عليه أو الذين انضموا إلى الإعلان، فيه مرشد عمل لتأطير أوسع وأشمل للقوى ذات المصلحة في التغيير الوطني الديمقراطي، لجر الكتلة الشعبية إلى ساحة الفعل السياسي من أجل عملية سياسية لم تعد تتحمل التأجيل ورأت في الإعلان بادرة خير في أن تتجاوز قوى عجزها ومصالحها الضيقة، لاستعادة للوطن على أنقاض السلطة والنظام القائمين المستمرين بالقمع والفساد. لكن كل الوقائع التي رافقت الإعلان عن الإعلان وبالفلسفة التي بها صاغت بنوده باعتباره نصا مقدسا وكأنه مقدمة تشرع لدستور أثار الكثير من الإشكالات التي كان يمكن تفاديها لصالح صياغة نص سياسي يرتقي إلى مرشد عمل يقول بالمشترك الوطني العام ويتجاوز الحزبية العقائدية إلى الحيوية السياسية الميدانية.

أن اللولحة، التي تتلولح بها اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق يصدق فيهم تصوير السيد رياض الترك، في مشهد التدافع أمام المرآة يمد كل واحد فيهم رقبته إلى أقصى ما يستطيع ليبرز أكثر من غيره في مرآة الإعلان الذي غدا هدفا بحد ذاته.

تصنف في خانة الاحتيال على النفس والآخر المقدمة التالية التي مهدت للتوضيح المشار إليه: " لم يمض سوى زمن قصير على إطلاق إعلان دمشق، حتى خلق حيوية عالية في الوسط السياسي السوري...." وهي إن دلت على شيء فعلى البؤس الذي يتم التفنن به على تغطية ضعف طبيعي لسيرورة عمل لا هدف جدي له، لذا فهم يستجدون بالقنطار والمكيال وعلى كل الجبهات دعما لا يغني ولا يسمن: "... هذا ندعو كل فعاليات المعارضة ( في الداخل والخارج ) التي تجد نفسها في صف الإعلان أن تنضم إليه لتتحول إلى موقع الفعل من داخله".

وما البنود الأربع التوضيحية المضافة مؤخرا، سوى نوعا من الكحل الذي يراد به التغطية على العمى. فالغرق في التفاصيل التي أماتت إعلان دمشق قبل ولادته، ناجم عن ذلك التطاول للرقاب أمام مرآة رياض الترك، للعصبوية الإقصائية التي أدمنها البعض واستطابت للبعض الآخر.

أعادت هذه التوضيحات إلى الأذهان مجددا الصياغات والآليات التي ترافقت وانتهت إليه صيغة نشوء وجمود التجمع الوطني الديمقراطي سنة 1979، عند بيانه اليتيم، والتضحيات التي تحملها طرف واحد وحيد من أطرافه نيابة عن الجميع. لقد تحكمت في إعلان الإعلان جملة من العوامل لا تمت بصلة لإرادة الموقعين عليه، الذين توهموا ـ في لحظة من الزمن ـ عن ضعف بصيرة،: أن تغيير النظام غدا قاب قوسين أو أدنى، أوحت بها الضغوط الأمريكية اللفظية على النظام إلى يومه هذا، التي لم يحسنوا قراءتها، تواقتت و موعد تقديم المحقق الدولي ديتليف ميليس تقريره إلى مجلس الأمن، لجهة ربط التهمة في مقتل الحريري بالنظام السوري.

أما مهزلة المهازل فهي : رسالة الشكر الاقصائية بتوقيع اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق : " إن اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق تنوه بالجهود البناءة والمواقف الشجاعة لكل من السادة الواردة أسماؤهم ، من أبناء وطننا سورية ، الذين أيدوا " إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي " ودعموا انطلاقته ، من أدباء ومفكرين وسياسيين وشباب مهتمين بالشأن العام وعاملين على إنقاذ البلاد من مآزقها ، ومن أجل إقامة النظام الوطني الديمقراطي فيها...الخ .".

لا نفهم بأي حق تنال اللجنة المؤقتة من حق أولئك الذي أعلنوا ـ حسبما ما فهمنا بصريح العبارة ـ انضمامهم إلى إعلان دمشق من داخله مؤملين أن ينقلوا إليه جهودهم، صغرت أم كبرت، المتواضعة في معركة التغيير الديمقراطي التي أعلن الإعلان تصديه لها ولم يكونوا في ذلك ينتظرون لا حمدا ولا شكورا، إلى أن أنزلتهم اللجنة المؤقتة المرتبة الثانية، الدونية وكأن انضمامهم أتى في صيغة خدمة لأهل الإعلان لا غير، ولا أسجل هذا لأستصدر منهم توضيحا جديدا يوضحون به ما التبس علي أو على غيري.

والحالة هذه، ما الفرق بين السلطة والمعارضة السوريتين ؟

أن أكبر الأخطار التي تتهدد سورية، هي، باعتراف الجميع، ذلك الدمار الذي ألحقه النظام في المجتمع ولا يزال، بتحويل الوطن بمن فيه إلى مزرعة فساد وملكية خاصة، والتهديد ـ أيضا ـ هو محاولة بعض المعارضة احتكار العمل المعا رضي، بالتعامل معه وكأنه ملكية خاصة، وحديقة خلفية لمزرعة السلطة، وهي، أرادت أم لم ترد تعرقل بهذه العقلية المستلبة عملية تجديد المجتمع لتعبيراته السياسية بحرية من خارج معسكر القوى الحزبية العاجزة عن إصلاح البيت الداخلي، وهي منذ أكثر من ثلاثين سنة لم تقم بمراجعة نقدية جدية واحدة لتخلف وتماهي تركيبتها الإدارية، مع مصالح السلطة وسقوفها الأمنية، كما يجب القول أن لا حركة واحدة من هذه المعارضة كردها، وعربها، يسارها، وقومييها، مارست النقد الذاتي الذي يقيم تجربتها والقائمين على أمر هذه التجربة وان كنا نحفظ للبعض دون غيره تضحيات أفراده، الكبيرة، والتي ينحنى لها. لكن ذلك لا يعفي القيادات الإدارية من المسؤولية الأخلاقية في افتقادها للشجاعة الأدبية للمواجهة مع الذات بالقطع مع سيرورة ثلاثين وأربعين سنة من عدم افتراقها عن أحزاب السلطة إلا لجهة تقديم الضحايا المجانية.

أن البرامج المتخلفة، غير العملية، المحشوة بالبغضاء التي تتمترس من خلفها الأحزاب هذه، تجاه الآخر وانصرافها عن العمل السياسي باعتباره حركة في الميدان، وافتقارها إلى الإبداع في الرؤى التنويرية والاكتفاء بالتطاول أمام المرآة لينظرهم رب عمل ما يستفيد من خدماتهم. فالمعارضة المتبرجة بإعلان دمشق، أثبتت وتثبت كل يوم أنها فئوية مثل النظام واستبدادية مثله، وهي تفتقر إلى الشفافية في خطابها وسلوكها وهي أسيرة عقلها وعقائدها الحزبية واستبدادية قياداتها، كما هي السلطة أسيرة سياساتها الأمنية، والمعارضة هذه، في طيفها القومي العربي أشد عنصرية من النظام تجاه المسألة الوطنية الداخلية قوميا ودينيا و أكثر تخلفا وخروجا على المنطق والعقل والتاريخ.

ولنا في ما ذهبنا إليه شهادة من السيد عمار القربي على صفحات إيلاف الإلكترونية:

وقال قربي إنه استنتج بعد لقاء واشنطن إن "الأمراض الذاتية التي تعاني منها المعارضة السورية في الداخل تعاني منها المعارضة في الخارج من إقصاء للآخر وديكتاتورية في الرأي وفردية وذاتية في العمل حيث اقتصر الحضور على أصحاب الطيف الواحد"، الأمر الذي اعتبره يعيق توحيد الخطاب إضافة إلى الأمور غير المتشابهة التي يمر بها الطرفان. وأشار قربي إلى أخطاء حصلت في الدعوات الموجهة إلى الشخصيات للمشاركة في اللقاء، إذ لم يدعوا المؤتمر جميع أطراف المعارضة ولم يوجه دعوة لأي من أطياف الحركة الكردية السياسية في الداخل والخارج، الأمر الذي لم يجد له مبررا إذ ان معارضون أكراد تواجدوا في ذات الفترة في واشنطن وكان سهلا الاتصال بهم ولم يحدث ذلك وجاء الوفد الكردي دون توجيه دعوة إلى المؤتمر الصحافي الختامي يوم الخميس الماضي........ إن غياب القضية الكردية من البيان الختامي كان قصورا كبيرا أتمنى ألا يكون مقصودا وخاصة وأنني سمعت مداخلات في المؤتمر لا تختلف عن خطابات بعض البعثيين السلطويين في سورية حول هذه القضية.

راجع الرابط: http://www.fromallangles.com/newspapers/arabic-language/elaph.htm

أن الأحزاب التي تشكلت منها أطراف إعلان دمشق تغيب عن برامجها وحركتها وطموحاتها الكتلة الشعبية وهي تستغبي الناس ونفسها حينما تتخيل أن بإمكانها تغيير هذا النظام دون الاستعانة بالكتلة الشعبية، وهم بعيدون عن الشعب، ونقصد الكتلة الشعبية المشدودة إلى التغيير السياسي حاضنة أي عمل تغييري، قدر بعد النظام عنها، وهم مخطئون في تصور أن مبادراتهم الصوتية قادرة على اختراق الكتلة الشعبية بغير استقامة ميدانية وبغير مصارحة يتلمس المواطنون ونخبهم، الصدق في كلامهم. وبغير جرأة في المواجهة مع نفاق خطاب الطهارة الوطنية لجهة التعامل مع الخارج الدولي ، بالتخلي عن الردح القومي المتعصب الذي يهيج الغرائز ولا يركن إلى حقائق إدارة الكون ومجتمعاته لمصالحه وعلاقاته، ودون الارتكاز على انشداد دولي يقطع بين النظام وغرفة الإنعاش الدولية، ستستمر طبخة البحص التي أولم لها مدراء إعلان دمشق.

أن صيغة انتماء سوريا الدولة إلى المنظومة العربية، كانت وستظل أكثر عقلانية وحضارية، من المهروسة الواردة في البند الثاني من توضيحات اللجنة المؤقتة: "... إن سوريا جزء عضوي من الأمة العربية ...". كيف تصبح دولة، كيان جغرافي، جزءا عضويا من الأمة العربية، تشكيلة اجتماعية سياسية، وسيأتوننا بعد أيام بتوضيحات، تجعل من إسلاميتها جزءا عضويا من الأمة الإسلامية... وهلم جرا.

أليس من العقلانية السياسية بمكان الاكتفاء، لإرضاء الذات القومية، المهزومة، المحطمة بفعل الاستبداد، والاحتلال، القول بانتماء الشعب العربي في سوري، إلى الأمة العربية، وحفظ حق الجماعة الكردية انتماءها إلى أمتها الكردية مع التأكيد على شراكة الجميع بالتمايز الايجابي الإثني، الديني، المذهبي، في الوطن السوري المشارك للمنظومة العربية وفي الفضاء الشرق أوسطي وعالم المتوسط وبلاد ما بين النهرين، دون الغرق في هيجانات عنصرية قومية من أين أتت من الكردي أم من العربي؟ هيجانات تحيل الثقافة القومية الى انغلاق مرضي مكانه المصحات العقلية وليس فسحة الأوطان التي تنعدم فيها نقاوة الدم والعرق الا في عقول تائهة. آن للعربي أن يستمع الى صرخة الكردي بالعقل كما آن للكردي أن يعرف دليله إلى عقل العربي بالحوار ودروس التاريخ، لا إلى مراكزه العصبية المشدودة الى أقصى توترها. فالكردي المستلب بالاستبداد والعنصرية ليس له إلا شريكه مواطنه العربي المستلب بالهزائم والقهر والاستبداد والفساد والخوف وعليه أن يخرج من حذره المبالغ الى رحابة التاريخ ومتع التعرف الى الجغرافيا ونشوء وتطور الخرائط ومسار الهجرات والاستيطان إن هي إلا أقوام وممالك سادت وبادت.

إن اسطوانة، دولة المواطنة، والمساواة بالديمقراطية بين المواطنين لا تغني ولا تتناقض مع حق الآخر الكردي بوجوده القومي المتميز بثقافته وتاريخ وامتداده وأرضه خارج حدود الوطن السوري المقدس عنده قدسيته لدى جاره العربي، قدسية تشترط الاعتراف المتبادل بهذه الحقيقة التاريخية الجغرافية السياسية وهي أن حدود سوريا الوطن الحالي للجميع ترسيم استعماري لخرائط ومناطق نفوذ، التي أملتها مصالح المستعمرين وهي لم تراع التوزع الطبيعي الدقيق للجماعات والأعراق بفضاءاتها التاريخية في الجغرافيا المتحركة. ولاستيعاب هذه البديهية البسيطة، لا يحتاج مخضرم مثل السيد رياض الترك، ذخيرة أكاديمية وهي لم تغب عن كثيرين غيره، وهو الأدرى أن سياسات الإسكان العثمانية لجأت في أوقات من الزمان، واستطرادا نقول، بدأتها أصلا، الدولة الإسلامية الأولى والأموية وكذلك الأيوبية وغيرها، ونقصد بها إسكان قبائل وبيوتات وأقوام على ثغور وفي منابع التربة الخصبة مكافأة، وعقوبة، وحاجة إمبراطورية، وهي السياسة عينها التي زرعت الملايين من الأقوام التركية في البوسنة وكوسوفو وألبانيا وبلغاريا كما هي نفسها التي وطنت أسر كردية في دمشق وبعلبك والقاهرة كما وطنت العشائر العربية في الديار: مضر، وربيعة، وبكر، كما نقلت وأسكنت أسر ألبانية، وتركمانية وشركسية وشيشانية في أكثر من بقعة ومدينة في سوريا اليوم، ومنها أسرة السيد الترك بالضبط. فمتى سيتجرأ رجل شجاع مثل رياض الترك بإرثه الشيوعي وتاريخه النضالي، على التحلي بفضيلة الاستماع إلى المواطن أو المثقف أو السياسي الكردي ليتعرف منه سعة وتشعب وغنى وطنه السوري الذي ربما وجد شيء منه خارج دفاتره الحزبية ولا نكلفه عذاب الاستماع إلى عذابات مئات آلاف الفلاحين الكرد المجردين من كل شيء لدرجة يجعل الصمت عن ما لحق بهم جريمة بحق الإنسانية والقيم.أليس الأحرى بمن يطالب السلطة الاستبدادية " رد المظالم إلى أهلها " أن يكف عن الناس ظلمه وظلماته السياسية والفكرية والعقائدية؟.

فكم من المآسي نحتاج بعد؟ وكم من العذابات تنتظر شعوبنا ؟ وكم من السجون تلزمنا وضحايا أقبية التعذيب والحرمان؟ وكم من المنافي تتطلب أيضا وأيضا؟ وكم من الدمار أمام وطننا المغرق بفساد السلطة وجرائمها كل ساعة ؟.

كم من المياه ستجري في فرات ودجلة والخابور والعاصي؟ حتى يتخلص الحزبي فينا من عصبية الزمرة لصالح مشروع الوطن الإنسان، الإنسان الثقافات، الثقافات الشعوب ؟.