unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2006-03-04  

أزمة النظام ورهانات المعارضة الوطنية

الإصلاح في سورية

محمد أبو رمان

يثير انشقاق عبدالحليم خدام، النائب السابق للرئيس السوري، وأحد أبرز الرجالات التاريخية لنظام البعث الحاكم، سؤالا محوريا حول مستقبل الإصلاح السياسي في البلاد، ومصائر النظام بعد هذه الهزة الكبيرة. إلا أن جدل الإصلاح لم يطرح الآن فقط بل طرح بقوة منذ عام 1999 أي في الفترة الأخيرة لحكم حافظ الأسد، إذ بدت معالم تيار إصلاحي في الصعود يتآلف عموده الفقري من عدد من المثقفين والكتاب، من أبناء الطبقة الوسطى، ويتمركز في قوى المجتمع المدني وبالتحديد في

;ظاهرة "المنتديات الثقافية". وقد صاحب

صعود القوى الإصلاحية ونشاطها حوارات وجدالات متعددة حول المسار المطلوب للإصلاح وسيناريوهاته المحتملة والعلاقة مع السلطة..الخ.

أحد الكتب القليلة التي تتناول موضوع الإصلاح الجديد في سورية كتاب "الإصلاح في سورية: بين السياسات الداخلية والتحولات الإقليمية". والذي قام بتحريره الكاتب والباحث رضوان زيادة، وشارك فيه عدد من الباحثين والكتاب المخضرمين في هذا الشأن.

يقدم الكتاب إطارا فكريا يتضمن جملة من المقاربات لرصد وتحليل مفردات المشهد السوري في السنوات الأخيرة من خلال دور النظام الحاكم وسمات "الحقبة البشارية" والأجنحة المختلفة في النظام، والقوى السياسية المطالبة بالإصلاح والظروف الداخلية والإقليمية والدولية الحاضنة للمشهد الداخلي والاحتمالات والإمكانيات المختلفة.

الرأسمالية العشائرية

يرصد المفكر السوري المعروف برهان غليون صعود التيار الإصلاحي والجدل الداخلي حول العلاقة مع الحقبة الجديدة لبشار الأسد؛ بين من كانوا يرون أن الرئيس الشاب الجديد يحمل توجها للإصلاح الحقيقي، لكنه يحتاج إلى وقت كي يتمكن من مواجهة العراقيل والحواجز التي تحول دون تحقيق عملية الإصلاح، والتخلص من الحرس القديم الذي يمانع التغيير خوفا على مصالحه المشتبكة مع السلطة. إلاّ أنّ هذا الاتجاه تراجع بعد مرور خمس سنوات على حكم الرئيس بشار، وتعزز الاتجاه الذي يرى أنه لا أمل في إصلاح النظام بقرار رئاسي أو بمبادرة داخلية، في ظل تراكم حالة الفساد وتشابك المصالح الخاصة بالنخب السياسية.

على الصعيد الرسمي حاول النظام الاستجابة لمطالب الإصلاح وللمتغيرات الدولية والإقليمية من خلال انفتاح سياسي جزئي ومحدود، مع الإصرار على استخدام مصطلح "التحديث والتطوير" بدلا من الإصلاح. من ناحية ثانية، حدثت زيادة طفيفة على رواتب العاملين في الدولة، لكنها لم تكن مكافئة أو معادلة لارتفاع تكاليف الحياة ومعدلات الفقر والبطالة.

الظاهرة الخطيرة، التي يحللها ويستفيض غليون في دراستها، مرتبطة بالانفتاح الاقتصادي، إذ تم توجيه هذا الانفتاح بما يخدم أبناء القيادات السياسية البيروقراطية والطائفية، التي راكمت ثرواتها سابقا من الفساد في نهب المال العام، مما يؤدي إلى انتقال مركز الثقل من البيروقراطية ومؤسسات الدولة إلى ما يسمى بالتكنوقراط والقطاع الخاص. لكن رؤوس القطاع الخاص الحالية هي محصلة الاحتكار والفساد والمحاصّة، أو ما يسميه غليون "رأسمالية العشيرة". يقول غليون: "فعلى أنقاض الطبقة الوسطى التي تعرّضت لعملية إفقار وتهميش منهجية أفرز النظام البعثي الذي ولد عام 1963 طبقة جديدة من أبناء المسؤولين استفادت من تماهيها مع الدولة لتحقيق تراكم استثنائي وسريع في الرساميل الخاصة جعلها تشكل اليوم النواة الرئيسية في أي نظام جديد لاقتصاد السوق يمكن أن يظهر في سورية".

في المقابل، فإنّ التبدل في مصادر القوة والنفوذ والامتيازات التي تتمتع بها الطبقة الجديدة، لا يقابل بارتياح من قطاعات واسعة من بيروقراطية الحزب والدولة والجيش التي لا تستفيد من هذا التحول، ولا تنظر بعين راضية إلى عملية الانفتاح الاقتصادي وكأنها إثراء منظم لفئة، تحت الحماية السياسية والقانونية والإعلامية الشاملة التي يؤمنها لها إلغاء الحياة السياسية والفكرية بقانون الطوارئ.

على الطرف المقابل، تبدو المشكلة في المعارضة، التي نشطت في السنوات الأخيرة وتمثل الطبقة الوسطى، أنّها لا تمتلك رؤية استراتيجية واضحة لمراحل الإصلاح، وتعتمد على البيانات وعلى ردود فعل السلطة، بينما لم تتمكن إلى الآن من تجاوز حالة النخبوية التي وقعت فيها، والانتقال إلى الشارع من خلال بناء جبهة ديمقراطية، ذات ثقل اجتماعي، تحمل المطالب الإصلاحية في مواجهة السلطة الحالية.

وعلى الرغم من إقرار غليون بأن الطبقة الوسطى، قد أصابها التآكل في الحقبة البعثية، وأنها غير مؤهلة بعد إلى التقدم في عملية الإصلاح، إلا أنه لتحقيق الإصلاح المنشود لا بديل من إعادة إنتاج الدور السياسي للطبقة الوسطى، والاستناد عليها في مطالبة الإصلاح.

أما الضغوط الأجنبية على النظام، فليست جدية، وما يقال عن دفع خارجي باتجاه الإصلاح غير حقيقي، إنما لأهداف مرتبطة بالمصالح الغربية في المنطقة، فلا بد إذن من بناء جبهة ديمقراطية من القوى المتضررة من الوضع السياسي الحالي وعدم المراهنة لا على الضغوط الخارجية ولا على التيار الإصلاحي داخل النظام الحالي، بل الاعتماد أولا وأخيرا على تشكيل الجبهة الديمقراطية الداخلية
.

تحديث النظام السلطوي

من جهته، يرصد البروفسور فولكر برتس - في بحثه "إدارة السياسة الداخلية: تجديد النخبة وحدود التغيير في سورية"- التحديات الرئيسية والسياسات العامة التي انتهجها الرئيس بشار منذ توليه الحكم. فعلى الرغم من السلاسة والسهولة التي انتقلت فيها أزمة الأمور من الأب (حافظ) إلى الابن (بشار) إلا أن طموح بشار بالهدوء والتركيز على الشأن الداخلي والمعضلات الاقتصادية المتفاقمة لم يتحقق. إذ سرعان ما انهارت محادثات (كامب ديفيد2) عام 2000، فتوترت المنطقة واندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وعاد اليمين الإسرائيلي إلى الحكم، وألغى كل ما وصلت إليه مفاوضات السلام مع سورية، ثم وقعت أحداث أيلول والحرب العراقية، وبدت التغيرات الإقليمية تعصف بالمنطقة ولا تترك مجالا للرئيس الشاب الجديد أن يلتقط أنفاسه.

أدرك بشار أن النظام بحاجة إلى تحديث، وهو ما بدأ به خلال السنوات السابقة، إذ قام بتبديل واسع في القيادة شملت ثلاثة أرباع المسؤولين البالغ عددهم ستين، الذين يشغلون المناصب العليا، وتمكن - بذلك- من بناء شبكة من الموالين حوله. إلا أن العديد من كوادر حزب البعث الدنيا والوسطى يرون أن تلك التغييرات تعبر عن جيل جديد وليس سياسات جديدة في النظام، وهو ما يطرح سؤالا رئيسيا فيم إذا كان بشار يريد إحداث إصلاح سياسي حقيقي أم تغييرات جانية لا تنال البنية الحقيقية لنظامه السلطوي.

فلقد ورث بشار نظاما سلطويا يقوم على ثلاث دعامات رئيسة، هي: بيروقراطية الحكومة المركزية، حزب البعث، والأجهزة الأمنية. وفي ظل حزب البعث تم قبول حفنة من الأحزاب الصغيرة في إطار جبهة بقيادة الحزب.

بدرت بعض الإشارات في خطاب تنصيب بشار تدل على توجه نحو انفتاح سياسي، وممارسة سياسية مختلفة، وهو وإن لم يتعهد بإصلاح ديمقراطي إلا أنه ذكر محاربة الفساد واحترام القانون وتحدث عن تجربة ديمقراطية ذات خصوصية سورية. تلا ذلك بعض الخطوات كإطلاق عدد من السجناء السياسيين وإغلاق سجن المزة العسكري. ولم توفر المعارضة الوليدة الفرصة إذ سرعان ما بدأت بنشاطاتها وإصدار بياناتها كبيان الـ99 مثقفا، الذي نشر في الصحافة اللبنانية، وعلى الرغم أن الرئيس لم يكن سعيدا بحركة المعارضة، لكن على ما يبدو فإنّ "عقدة الخوف قد انكسرت" على حد تعبير الكاتب عبدالرزاق عيد.

في هذا السياق يرى برتس أنّ هناك ثلاثة تيارات عريضة داخل نخبة النظام نفسها صاغت جدل الإصلاح وكان لها دورها في التطورات؛ التيار الأول وهو التيار المحافظ ويرى الاستمرار على النهج السياسي الداخلي والخارجي والتحالفات التي يعتمد عليها النظام، ويقر بالحاجة إلى إصلاحات لكن وفق تقدير النظام بعيدا عن الضغوط التي قد تهدد الدولة وأمنها واستقرارها، ويذكر برتس اسم عبدالحليم خدام (قبل انشقاقه) ضمن هذا التيار الأمر الذي ينفيه خدام (في تصريحاته بعد الانشقاق) مستدلا على كتابه حول النظام العربي المعاصر الذي أكد فيه على أهمية الحرية والتعددية.

أما التيار الثاني "المحدِّثون" ويشكل الرئيس والنخبة الملتفة حوله نواته، ويرى أن التغيير السياسي لا بد أن يسبقه تحديث اقتصادي واجتاعي وإصلاح إداري، وأن يدار الانفتاح السياسي بالتدريج وبتسارع أقل من التحولات الاقتصادية. بينما هناك التيار الإصلاحي- الديمقراطي، وهو مشتت ومنتشر في أكثر من مكان. والغريب أن برتس يعد التيار الإصلاحي من نخبة النظام، في حين لا يبرز هذا التيار إلى الآن بوضوح داخل هذه النخبة، كما أن الأسماء التي يذكرها برتس كرياض سيف وميشيل كيلو ليست رموزا في النظام بل في المعارضة، ويبدو أن المقصود التيارات داخل المشهد السياسي السوري، وليس النظام حصرا، بالتالي يكون النظام قد انقسم فقط إلى تيارين: محافظين، ومحدِّثين.

حاولت النخب المعارضة والمثقفين استثمار الظروف واللحظة التاريخية وشكلوا ظاهرة المنتديات وأصدروا البيانات ونشطوا في المطالبة بالإصلاح في الصحافة والندوات، وطرحوا كل مواضيع الإصلاح على الطاولة، وأصبح التيار الإصلاحي- الديمقراطي فاعلا ورقما صعبا، على الرغم أنه لم يستطع بعد اكتساب الشعبية المطلوبة.

في مقابل هذا النشاط كان هناك فعالية موازية من السلطة وحزب البعث تتمثل بطمأنة عناصر الحزب وكوادره في الجامعات والمحافظات وتشويه صورة المعارضين باتهامهم بالعمالة للخارج. وفي آذار 2001 وضع الأسد النقاط على الحروف عندما أكّد على أنّ الوحدة الوطنية والبعث والقوات المسلّحة ونهج الرئيس الراحل حافظ الأسد ليست مطروحة للنقاش!

تلا ذلك إغلاق أغلب المنتديات واعتقالات واستدعاءات أمنية، وبدأ التخوف الحقيقي أن "ربيع دمشق" الذي بشرت به ظاهرة المنتديات قد انقلب إلى خريف، وأن السلطة بدأت الانقلاب على التيار الإصلاحي.

الجدل السياسي حول الإصلاح والتطورات المتسارعة كانت تطرح السؤال مشرعا حول أجندة الرئيس الأسد ونواياه الحقيقية. في هذا السياق يرى برتس أن أجندة الأسد هي "تحديث النظام السلطوي"، وليست أجندة ديمقراطية بالمعنى المطلق. فعلى الرغم من تغيير الكثير من الأشخاص في النخبة الحاكمة، إلا أن هذا لم يترافق مع تغير واضح في السياسات بقدر ما عكس حالة من صراع الأجيال داخل البعث، لم ينل طبيعة البنية السياسية والفكرية، وحتى التعددية والانفتاح النسبي الذي يشهده الإعلام السوري فهي تعددية في إطار سلطوي، ذات طابع محدود
.

أزمة المعارضة

يقدم الباحث لؤي صافي تحليلا لأزمة المعارضة السورية وتياراتها الرئيسية والأخطاء التي وقعت فيها. كما يرسم معالم الإصلاح المطلوب. ويرى صافي أن المعارضة، التي نشطت بعد ثلاثة عقود من الإقصاء، وقعت في خطأ كبير - ابتداء- أنها علقت آمالها على خطاب تنصيب الرئيس بشار، وقرأته وفق منطق الخمسينيات والستينيات، أي إما معنا أو ضدنا، واستثمرته للتنفيس عن ميراث الصراع مع السلطة وتحميلها مسؤولية ما وصلت إليه الأمور، واستمتعت بالقراءة الحالمة غير العقلانية لتطور الأمور. وقد أساءت المعارضة قراءة خطاب الرئيس من زاويتين: الأولى أولويات الإصلاح إذ رأت في الخطاب دعوة إلى إصلاح شامل، في حين دعا الرئيس إلى إصلاح إداري يهدف إلى تنمية الاقتصاد السوري. والثانية أنها أخطأت في تقدير الإصلاح الحاصل في النظام، وقدرة الرئيس على القيام بالإصلاح الشامل، على افتراض أن الإصلاح الشامل هو المطلوب لدى الرئيس الجديد.

وأهم معالم عجز المعارضة عن إدارة صيرورة الإصلاح تتمثل بغياب خطة متكاملة ذات أولويات ومفاصل محددة والاكتفاء بالشعارات، وقصور التحليل في القدرة على قراءة المرحلة والقوى الكفيلة بالتعامل معها، وفقدان المعارضة لقواعد شعبية داعمة لها، والخطاب "الحدي"، والتركيز على سلبيات السلطة ما جعل المعارضة في مواجهة السلطة ومتناقضة معها، ورأت القوى المتحالفة مع السلطة في انتصار المعارضة خسارة كبيرة لها.

في المقابل، فإن تيارات المعارضة انقسمت بين ثلاثة اتجاهات رئيسة: الأول الأخوان المسلمون الذين يصفهم صافي بالحركات وليس الحركة؛ إذ شتتهم المنفى وجعل منهم منابر خطابية تفتقد التواصل مع القواعد الشعبية. كما يفتقر الأخوان إلى الخطاب الإصلاحي وإلى المصداقية بسبب احتكامهم إلى السلاح في صراعهم مع البعث سابقا. أما التيار الثاني فيقوده رياض الترك، المنشق عن الحزب الشيوعي الذي يقوده خالد بكداش (الذي انخرط في الجبهة التقدمية)، وحضور الترك وتياره ما زال محدود اجتماعيا، وقد تعرّض الترك إلى السجن سنوات طويلة، والمشكلة أن هذا التيار فقد كثيرا من قدراته التنظيرية وغير قادر على صوغ البدائل عن الحالة الراهنة، ولا يحظ بقبول شعبي على العموم. من جهة أخرى يقود رياض سيف، وهو صناعي سوري ناجح انخرط في العمل السياسي في التسعينات، التيار الثالث، وقد فاز سيف بمقعد في مجلس الشعب، ونشط بعد انتقال السلطة إلى بشار. وأعلن عبر المنتدى السياسي الذي عرف بـ"منتدى الحوار الوطني" تأسيس حزب سياسي باسم "حركة السلم الاجتماعي". واستعان بعدد من المثقفين السوريين كأستاذ الاقتصاد المعروف عارف دليلة والمفكر السوري المغترب برهان غليون.

وفي الوقت الذي يضع لؤي صافي مفهوم "الإصلاح السياسي" (مطلب المعارضة) في مواجهة "الإصلاح الإداري" (رؤية الأسد) فإنه – أي صافي- يناقش الحجج والقضايا المرتبطة بهذا الجدل ليقول أن المشكلة هي أن المعارضة بدأت بمطالب سياسية ومحاولة تغيير من الأعلى دون أن تتلمس موضع أقدامها، إذ تفتقر إلى القواعد الاجتماعية التي تحمل مطالب الإصلاح. من ناحية أخرى هناك مشكلة حقيقية ترسخت مع حقبة حزب البعث تكمن في افتقار المجتمع السوري إلى ثقافة سياسية ديمقراطية تؤهله لخوض صراع من أجل الإصلاح، أو حمل المشروع الديمقراطي بقوة والحفاظ عليه.

لكن السؤال الذي يطرح في هذا السياق - تعليقا على رؤية لؤي صافي- هل يمكن القول أنّ حقبة البعث طمست الميراث الديمقراطي السوري ووأدت الرغبة الشعبية بالتحرر السياسي؟ وهل المجتمع السوري يفتقر إلى الثقافة السياسية المؤهلة للإصلاح أم أن هذه الثقافة كامنة غير متحركة مرعوبة بسبب عصا الأمن التي لا ترحم، وأن استدعاء هذه الثقافة وتحفيزها يمثل إحدى أولويات المعارضة السورية؟

حدود الإصلاح ومقدماته

يعود رضوان زيادة إلى سؤال يتداوله المعارضون والسياسيون السوريون وهو هل كان الأسد راغبا في الإصلاح في الفترة الأخيرة من حكمة؟ ابتداء من إحالة عدد من المسؤولين الكبار (رئيس الوزراء ووزراء في الحكومة ومديرين عامين ومسؤولين أمنيين نافذين) إلى القضاء للتحقيق معهم في عدد من الصفقات التي تحوم حولها شبهة الفساد، والقيام بأكبر عملية تغيير حكومي بعد عزل رئيس الوزراء السابق محمود الزعبي وطرده من الحزب والحكومة. إذ يرى زيادة أن الجواب على السؤال السابق، ومعرفة وتحليل أهداف الحركة التصحيحة التي قام بها حافظ وتابعه فيها ابنه بشار سيتيح لنا معرفة حدود الإصلاح الذي من الممكن أن يقوم به النظام الحالي.

يعيد زيادة انفتاح الجدل الحقيقي للإصلاح وانطلاق الأصوات المطالبة به من عقالها إلى خطاب القسم الذي أداه حافظ الأسد عام 1999 والذي تحدث فيه عن ضرورة الإصلاح ولمّح إلى الفساد والعديد من الأمراض المنتشرة في النظام. وكان التمهيد لانعقاد المؤتمر التاسع لحزب البعث بعد سنوات طويلة لم ينعقد فيها، وبدا واضحا من خلال إعادة تشكيل المناصب العليا في الدولة أن هناك توجهات جديدة. وزاد من حيوية الجدل والتوقعات مشاركة بشار الأسد، نجل الرئيس وخليفته المرشح، في العديد من ورشات العمل التي تنتقد الحكومة والفساد..الخ.

لكن كما هو حال السياسات الشرق أوسطية فإن وراء الأكمة ما وراءها، فقد كانت التغييرات الكبيرة في المشهد الداخلي ومحاولة التسريع في المفاوضات هي عملية ترتيب للبيت الداخلي وتخفيف من التركة من الأسد الأب تمهيدا لاستلام الابن أزِمّة الحكم. لكن الوقت لم يسعف الأب الذي توفي وترك لابنه تركة كبيرة وثقيلة من القضايا الداخلية والخارجية.

يقول زيادة " إن كبر الإرث الذي تركه الرئيس حافظ الأسد لخليفته يجعل من سؤال الإصلاح بالنسبة إليه مصيريا وحساسا وصعبا بنفس الوقت. فمصيريته تنبع من اهتلاك آليات النظام السابق بشكل مفرط واستمراره يتطلب تجديديا واسعا لمفاصله وطبيعة عمله. أما حساسيته فتقوم على أساس أن التغيير المطلوب يشترط تغييرا هيكليا في مؤسسات الحزب والدولة وفي الأشخاص القائمين عليها، مما يضع على المحك إمكانية استمرار النظام نفسه. وهو مصدر الصعوبة المستحيلة فتجديد النظام ذاته على الأسس نفسها أشبه بالمعادلة المستحيلة غير القابلة للحل".

ويصل زيادة إلى أن السنوات الأولى من حقبة بشار الأسد لا توحي أنه يمتلك الجرأة على القيام بالإصلاح البنيوي المطلوب والذي ينهي سيطرة حزب البعث، ويؤدي إلى تغييرات دستورية وسياسية كبيرة، ويعيد تأسيس مؤسسة القضاء. فهذه التغييرات من المستحيل تصورها دون وجود تيار إصلاحي يقود التغيير من داخل النظام، لكن المشكلة أن هذا التيار غير موجود الآن. إلاّ أن ما نراه مستحيلا اليوم يمكن أن يتحول ممكنا غدا إذا تم النظر من زاوية المصالح الوطنية السورية والضغوط الدولية والإقليمية التي تدفه النظام دفعا إلى خيارات خطيرة لكن لا غنى عنها

.

قراءة في النتائج

بالإضافة إلى الأبحاث السابقة يتضمن الكتاب العديد من الأبحاث والأوراق الأخرى، وأبرز الخلاصات التي يمكن الوصول إليها

:

أنّ السنوات الأخيرة شهدت تطورات كبيرة على صعيد المشهد السياسي السوري أبرزها ترافق تولي بشار الأسد مع تنامي الشعور بالحاجة إلى إصلاحات كبيرة سواء على صعيد السلطة أم على صعيد المعارضة الصاعدة في البلاد

في بداية حقبة بشار كان هناك رهان من قبل تيار من المعارضة على إرادته ورغبته في إحداث إصلاح سياسي، إلا أن هذا الرهان بدأ بالتراجع مع مرور خمس سنوات على حكمه، وبعد أن تراجع الحلم بربيع دمشق بعد أن أغلقت السلطة المنتديات وزجت بالعديد من الشخصيات المعارضة في السجن

أن النخب القيادية في النظام السوري انقسمت إلى اتجاهين الأول محافظ يرفض التغيير، ويصر على المضي قدما في نهج الأسد الأب. والثاني محدِّث يرى ضرورة البدء بإصلاحات لكن على الصعيد الإداري والاقتصادي وليس السياسي

المعارضة السورية تجددت مع تولي بشار الأسد، بل قبل ذلك، في السنة الأخيرة من حكم الرئيس حافظ، وقد تركزت المعارضة في المنتديات وفي قوى المجتمع المدني واعتمدت على البيانات والإدارة الإعلامية في حين افتقدت إلى القواعد الاجتماعية والشعبية

خطاب المعارضة والتيار الإصلاحي الديمقراطي فيها يقوم على أهمية وضرورة الإصلاح البنيوي وإنهاء سيطرة حزب البعث على الدولة وإطلاق تعددية حقيقية، بينما الإصلاح الذي يريده النظام يركز على الانفتاح الاقتصادي والإصلاح الإداري، بحجة أن المجتمع ليس مؤهلا بعد لولوج عصر الديمقراطية والتعددية الحزبية الحقيقية

أحد أبرز الانتقادات على المعارضة السورية أنها ما زالت نخبوية، وأنها لا تمتلك رصيدا اجتماعيا يمثل دعامة لها، وأنها ما زالت تفتقر إلى الاستراتيجية المتكاملة الحقيقية.

على الرغم من ضعف الآمال في صدور إصلاح حقيقي من النظام ذاته، إلا أن ضغوط الواقع قد تؤدي إلى ولادة تيار إصلاحي ديمقراطي داخل النظام يقود عملية الإصلاح المطلوبة بالتعاون مع معارضة وطنية غير مؤدلجة، ويفضل العديدون هذا السيناريو غير المكلف وطنيا أو اجتماعيا مقارنة بالسيناريو العراقي

.

الكتاب: "الإصلاح في سورية: بين السياسات الداخلية والتحولات الإقليمية"

المؤلف: مجموعة من الباحثين والمفكرين، تحرير رضوان زيادة.

دمشق، 2005

جريدة الغد

   [ POSTED  @ 12:18 م ]


 

من فوضوية المحرمات إلي فقه الممكن :

ردات الفعل علي قانون مساعدة الديمقراطية في سورية

محي الدين قصار


دأبت خلال السنوات الماضية علي محاولة ادراك أسس التعامل القائم بين السياسة العربية والإدارة الأمريكية، وما يهمني بهذه المرحلة هو مدي ادراك العرب لآلية القرار السياسي الأمريكي. والقدرة علي ادراك هذه الآليات أمر يكاد أن يكون مصيريا بالنسبة للعربي، ولا سيما يالنسبة للسوري. فالسوري منذ نكبة بغداد أصبح موضع التهديد الأكبر للسياسة الأمريكية الخارجية. وأهم ما يلزمه في هذه المرحلة أن يمتلك ادراكا حقيقيا ليتمكن من بناء استراتيجيته علي معرفة قيمة تقارب للصواب وتزيد صموده. ورأينا خلال السنوات القليلة الماضيات معارك تعكس هذا الادراك، فتعددت المعارك الاعلامية الجانبية التي دخلت فيها القيادات السياسية الحاكمة والمعارضة علي السواء، فكم سمعنا من وزير عربي يجيب علي مقال صحفي أمريكي، وكم مسؤول يعلن الحرب علي تقرير اخباري، إلي ما هنالك من قنابل دخانية لا تتعلق بحقيقة قائمة، وقد سألني البعض عن امكانية قيام مجموعة ضغط سورية في أمريكا وكأن الأمر تشتريه من السوق بخمس دقائق.
وخلال الأسبوع المنصرم تأكدت الصورة المشوهة هذه لكل من تابع ردات الفعل السورية علي قانون المنحة الأمريكية لمساعدة الديمقراطية. فقد نقلت لنا وسائل الاعلام العربية ردات فعل الحكومة السورية وبعض شخصيات المعارضة علي مشروع مساعدة الديمقراطية في سورية، الذي قدمه مكتب الشرق الأدني في وزارة الخارجية الأمريكية. وقد توالي الجانبان المزاودة علي مواقف وطنية لا تنتمي للواقع بشيء.
فالحكومة السورية اعتبرت أن القرار شيء مضحك وأنه تدخل في الشؤون الداخلية السورية. أما جهات من المعارضة فقد عسكت تصريحاتها وكأن هذا المشروع هو دفعة علي الحساب لإسقاط النظام في سورية. فترددت اجابتها بين الرافض له وبين الهامس المؤكد بأنه لا يمكن ان يتم اسقاط النظام إلا بمساعدة أمريكا
وهاتان الرؤيتان، الرسمية والمعارضة، تعكسان قصر نظر سياسي واضح لدي أصحابها، مما يؤكد عجزا لدي أصحابها عن ادراك آليات صناعة القرار السياسي في الادارة الأمريكية. ولكي نتمكن من إدراك هذا لا بد من تثبيت بعض الأمور التي أتت بقرار المشروع مساعدة الديمقراطية في سورية.

حقيقة القانون:

فقراءة القانون نصا تؤكد أنه لا يهدف من قريب ولا من بعيد لاسقاط النظام في دمشق، كما أنه لا يهدف لإيصال مجموعة دون اخري للحكم. وكنا نتمني علي المعترضين حكومة ومعارضة أن يتولوا عناء قراءة نص القانون. فالملايين الخمسة هي منح مشروطة تقدم لأي من الهيئات الأهلية أو المشتركة والتي تسعي للمساعدة في عملية الاصلاح السياسي والاداري في القطر. فقد نص القانون علي أهداف هذه المنح كما هو آت:
تعزيز وتطوير المؤسسات المساهمة في دعم الممارسات الديمقراطية التي تهدف إلي مساهمة السوريين في بناء مصيرهم ومجتمعاتهم. ومثال هذه النشاطات كما وردت علي صفحة وزارة الخارجية الأمريكية:
ـ سيادة القانون
ـ حرية الفكر والتعبير
ـ الحرية السياسية وتشكيل الأحزاب
ـ تعزيز الانتخابات الحرة والنزيهة.
فهذه الأهداف لا تشترط قلب النظام السوري ولا حتي المطالبة في قلبه، وإن كان مبررا للعرب أن ينظروا لكل حركة أمريكية بعين الشك وبمنظار العداء، ولكن يجب علينا أن نفرق بين ما يرغب البعض في الإدارة الأمريكية تحقيقه وما يمكن تحقيقه، فالذين صنعوا قانون المنحة للديمقراطية في سورية هم مختلفون تماما عن الذين صاغوا قانون محاسبة سورية، وإن التعامل معهما علي أنهما من طبيعة واحدة لا يخدم مصلحة الوطن لا من قريب ولا من بعيد.

السياسة الأمريكية في تحول مستمر:

رغم المهاترات الخطابية الأمريكية فإن السياسة الأمريكية غيرت من مواقفها خلال السنوات الماضيات. فالصامدون في الفلوجة وأنحاء العراق قصقصوا بصمودهم أجنحة اللوبي الإسرائيلي الذي كان يطمع أن تتابع الدبابات الأمريكية زحفها من بغداد لدمشق، أما وقد صمد العراق وصحيا الأمريكيون من حلم أكاليل الورود الموعودة علي أبواب بغداد؛ بات السير إلي دمشق غير مقبول في واشنطن، ومع سقوط اجنحة الغربان الاسرائيلية في الإدارة الأمريكية انتقلت أولوياتهم نحو عزل سورية بعد أن تم جرحها في لبنان. فهدفهم اليوم هو أن يدعوا سورية في عزلتها تنزف أطول فترة ممكنة. فإن أصدقاء اسرائيل ضمن التركيبة الحاكمة اليوم في الإدارة الأمريكية هم أول المعارضين لأي تغيرات في التركيبة السياسية السورية بما فيها الانفتاح الذي قد يقوم به الحكم علي الأحزاب والمؤسسات الشعبية. كما أنهم المعارضون لأي تغيرات قد تقيم أي نوع من الانفراج في العلاقة بين دمشق بقيادتها الحالية ـ أو بقيادة ديموقراطية بديلة ـ وبين واشنطن.
فقيام تحول ديمقراطي في سورية سينهي الكثير من متاعبها الخارجية، وسيفشل هذه الغربان في مخططاتها لتأليب المجموعة الدولية علي سورية. وخروج سورية من العزلة يعني مزيدا من الدعم للمقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية. كما ان غربان اسرائيل تعلم حق العلم بأن التحول الديمقراطي الحقيقي لا يعني أبدا وصول سلطة جديدة في سورية ستتخذ مواقف مغايرة أقل صلابة في مواضيع صمود الأمة والمقاومة في العراق ولبنان أو فلسطين. واسرائيل تعلم أن مواقف الصمود السورية قضية تتجاوز أشخاص القيادة السورية، فقضايا الأمة وأهمها التحرير لا يمكن أن يقبلها الشارع السوري سواء من الحكومة الحالية أو أي حكومة ديمقراطية قادمة.
فإذا كانت الفلوجة رمزا لنصر العراق، فأمريكا قبل الفلوجة تختلف عن أمريكا بعدها، وما كان يمكن أن يحققه اللوبي الإسرائيلي قبل غزو العراق أصبح أصعب بكثير أن يقبل بالادارة الأمريكية بعد صمود العراق. كما أن موضع قدم اصدقاء العرب في الإدارة الامريكية بعد صمود العراق اصبحت أكثر ثبوتا. فصمود العراق عزز مواقف الباحثين عن الحق والعالمين بالاجحافات التي تلحق بقضايا الشعوب العربية بعد أن أعطاهم العراق مثالا واضحا بان السياسات القديمة لم تعد صالحة وأن الداعين لها غير صافي النية تجاه المنطقة ولا تجاه المصالح الأمريكية في المنطقة. ونكاد نقول بأن هذا القانون هو مثال حي عن المستحيلات التي دخلت في عالم الممكن بفضل صمود العراق وبفضل تقهقر دور غربان اسرائيل في الإدارة الأمريكية. وان قدراتهم ما زالت محدودة نوعا ما ولكن ما لا يبلغ كله لا يترك جله .
وكان حريا بالحكومة السورية أن تملك تصورا أقرب للحقيقة عن آليات القرار السياسي الأمريكي. فالسياسة الأمريكية لا يملكها فرد، ولا يصنعها شخص واحد. وقد يبدو للانسان العادي أن هناك تيارا واحدا يحكم هذه السياسة الخارجية؛ وهذا الامر صحيح، ولكن هذا التيار لا يمنع وجود بعض القرارات التي تتمكن من الولادة وإن كانت خارجة عليه. ومن ناحية أخري فإن التيار المسيطر رغم بقائه خلال حكم الرئيس ولكن حدود عمله ومجالاته دائما في صراع مع التيارات الأخري، ويمر بفترات تتقلص فيها قدراته علي تنفيذ مخططاته مع زيادة أخطائه وظهور أعماله الفاشلة أمام الجهاز الاداري للحكومة وأمام الرأي العام الأمريكي.
والقانون الجديد لمساعدة الديمقراطية في سورية وليد هذه الآليات التي تحكم القرار السياسي الأمريكي. فليس كل ما يصدر عن الإدارة الأمريكية شر مطلق ولن يكون خيرا مطلقا. والقيادة السورية التي طالما رددت بأنها تبحث عن وسائل التعامل مع صانع القرار الأمريكي، ولطالما بحثت عن تشكيل لوبي سوري في أمريكا ـ بدرجات نجاح أدع لها تقديرها ـ فلا بد لها من مراجعة فهمها وادراكها لتركيبة القرار السياسي في أمريكا. وكان حريا بالحكومة السورية أن تفكر مليا قبل أن تعلن الحرب علي قرار مكتب الشرق الأدني. إن تصريحات السوريين السلبية ليست سوي ذخيرة حية تقدمها لمؤيدي اسرائيل في الإدارة الأمريكية وأخطر ما في الأمر أنها ذخيرة تستعمل ضد من يدعو لتحكيم العقل في تعامله مع القضية العربية.

لا بد من رفض لـ فوضوية المحرمات :

أما التعامل مع هذه الأمور علي أنه عمالة للخارج كما هي العادة فهو أمر غير مقبول، فما زلنا نذكر بان الدكتور الأسد صرح لمذيع (سي إن إن) في الربيع الماضي بأنه ليس كصدام حسين وأنه مستعد للتعاون فالتعامل أو التعاون مع الادارة الأمريكية يجب أن لا يسقط في ديماغوجية فوضوية المحرمات. فهذه الفوضوية لن تفيد سورية إلا في التعامي عن وسائل متاحة تساعدها في صمودها وفي حركتها نحو الأمام. والاصرار علي استعمال فوضوية المحرمات له ردات فعله سيتحمل مسؤوليتها من في السلطة لاحقا، فنحن ما زلنا نذكر أن السفير السوري في واشنطن كان قد هدد في الربيع الماضي بالغاء كل التعاون الأمني والاستخباراتي بين سورية وأمريكا ومن يلوح بفوضوية المحرمات ستوجه له التهمة ذاتها باسم الفوضوية ذاتها. ومن حق السوري أن يتساءل إذا ما الذي يزعج من مشروع كهذا؟ هل مصدر الازعاج أن هذه الأموال من الممكن أن تستخدم لتوعية الناس بأهمية سيادة القانون، أو أنها قد تستخدم لتدريب الكوادر الاعلامية علي الخروج عن النص المكتوب الذي دأبوا عليه للسنوات الخمسين الماضيات؟ أم تراها ستتأثر من مشروع قد يساهم في تدريب الحركة النقابية العمالية علي المطالبة بحقوقها في هذه المرحلة الانتقالية التي يمر بها اقتصادنا؟ أم تري أن دورة تدريبية تمولها هذه الأموال لتزيد من فعالية الهيئات الأهلية و مشاركتها في مواجهة قضايا المجتمع والناس سيكون لها تأثيرها السلبي علي صمود البلاد؟
إن هذه الملايين الخمسة المخصصة لهذا المشروع ليست حكرا علي الأمريكي ليستفيد منها، وكنت أتمني أن تعلن جامعة دمشق أو كلية العلوم السياسية فيها ترحيبها بمثل هذه القوانين، بل أن تعمل عازمة علي تطوير برنامج ما تموله من خلال منحة كهذه. فإذا كان السوريون يريدون أن يبنوا جسور التواصل مع الولايات المتحدةالأمريكية، فإنه من خلال العمل علي مشاريع مشتركة كهذه سيطلع الأمريكي علي السوري في ساحة العمل البناء الحقيقية. ومن خلال مشاريع كهذه سنتمكن من خرق حواجز كثيرة لم يستطع التعاون الاستخباراتي والأمني الذي نمارسه في سراديب السياسة السرية اختراقها.
إنه كان حريا أن تري القيادة في هذا القانون فرصة سانحة لبناء ولو جسور متواضعة للحوار مع بعض الجهات الأمريكية. وإن التيار الاصلاحي في الحكم السوري عليه أن يري في هذا القانون فرصة لدعم هذا التيار داخل السلطة الحاكمة. فعوضا عن إخافة الجميع بالاتهامات الفوضوية، كان من الأصلح أن يشجع جامعات القطر والمنظمات الأهلية لاستغلال هذا القانون، فبنود القانون الجديد لا تخرج عن المساهمة في الأهداف التي طالما رددها الدكتور الأسد منذ وصوله للقصر الجمهوري، أولم يصرح أكثر من مرة أن الضغوط علي سورية هي عامل تأخر الاصلاح. فهذا القانون لا يحمل في طياته أي ضغوط ولا يمكن أن يهدد احدا الا من كان عازما علي أن يحول سورية إلي دكتاتورية.

علي المعارضة أن تملك مزيدا من ثبات القدم:

أما ردة فعل شخصيات في ما يسمي المعارضة فتعكس أيضا غياب الرؤية الحقيقية والنضج اللازم والضروري، فقد قفز البعض بتعليقه علي أنها أموال وضعت لقلب النظام الحاكم في سورية. وأكد بأنه لا يمكن أن يسقط النظام إلا بمساعدة الولايات المتحدة (أنظر أيلاف) فهذا أيضا يعكس بأن هذه الشخصيات لا تدرك حيثيات القرار الأمريكي، وأنها لا تقل تعميما وفوضوية في ردة فعلها.
فجهات المعارضة هذه تحتاج أن تخرج من اسقاط النظام كحالة ذهنية وأن تبحث عن وسائل لانضاج فكرها السياسي والحركي، وأن تتحول من مشروع اسقاط نظام إلي مشروع بناء دولة ومن حالة استجداء النظام إلي حالة حوار مع الشعب. فلن يتدخل الخارج لاسقاط النظام. كما أن النظام لن يتمكن من التحول الديمقراطي ما لم يتم توليد رؤية ناضجة للذات وللدولة لدي كوادر الاصلاح في صفوف السلطة الحالية وفي صفوف المعارضة. فهناك حاجة ملحة لتنمية قدرات العمل السياسي في منأي عن التدخل السلطوي.
كما أن المنحة لم تخصص قط اسم المعارضة السورية كمستفيد منها. فكل من يسعي لتحقيق أهداف المنحة والتي ذكرناها سابقا، وهذه الأهداف طالما كررها الدكتور الأسد في أحاديثه، يمكنه أن يستفيد منها سواء مع الحكم في سورية أم ضده. ونحن نأسف أن الخلاف الكبير علي مبلغ لا يتجاوز الملايين الخمسة، ومقارنة مع مقدار المعونات الأمريكية للدول الأخري يكاد أن يكون زهد المبلغ استهزاء بسورية معارضة ودولة، ولكنه ضمن الظروف الراهنة للعلاقة بين الدولتين، وضمن ظروف الهيمنة الصهيونية علي السياسة الخارجية الأمريكية، علينا أن ننظر له علي أنه خطوة صغيرة جدا ولكنها ايجابية، فهي من ناحية أولي تشكل محاولة وصل لسياسة القطيعة التي تتبناها الإدارة الأمريكية، ومن ناحية أخري، تشكل نقلة نوعية ما إذ تنقل التعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان المنطقة إلي مستوي آخر يتصل مباشرة بالمواطن وجمعياته الأهلية، بعد أن عرفنا عقودا طويلة بوجود تعاون بين الدول وأمريكا علي مستوي الحكومات حيث قصر هذا التعاون علي تزويد بلدان العالم العربي سرا بمعدات القمع وحفظ النظام التي طالما استعملها الحاكم في ترسيخ هيمنته علي السلطة.
اننا علينا أن ندرك أن هذه المنح لن تقدم لأي جماعة معينة حسب القانون الأمريكي، ولكن تقدم علي أساس مشروع محدد له أهدافه، معلوم البداية والنهاية محدد الوسائل والأهداف. وطالما أن هذه الأهداف متسقة مع الغرض المعلن من النص فبإمكان أي جهة في سورية أو خارجها الاستفادة منها ولو كانت من كوادر حزب البعث. فمن ينظر لهذه المنحة علي أنها دفعة علي الحساب لإسقاط النظام فإنما يغالط نفسه.
أخيرا يؤسفني أن أجد نفسي في موضع النقد لكل من النظام الحاكم والمعارضة معا في هذه القضية، فالأمر اخطر من مجرد خمسة ملايين دولار تستطيع حفنة من المغتربين السوريين في أمريكا أن يقدموا بدلا عنها بل ان امكانيات الجالية السورية في أمريكا تتجاوز هذا المبلغ بكثير، ولكن ما هو مهم في هذا الأمر هو حلقة الوصل التي طالما نسعي لانشائها بين بلادنا والمؤسسات الأهلية الأمريكية، وهذه المنحة خطوة صحيحة بهذا الاتجاه، فإن أردنا الحوار المباشر مع هذه المؤسسات، فمثل هذه المشاريع هو الوسيلة المرامة بحيث يتم اللقاء والحوار في ساحة العمل وليس في ساحة النزال والتهم المتبادلة، وقانون المنحة هذا، ولو كان من غير تمويل حقيقي، فإنه يعطي الغطاء القانوني للتعاون بين المجتمعين في لحظة تاريخية حرجة حيث بات مجرد التعامل مع سورية مصدر شبهة في أمريكا. إن المثل يقول بأن النصر يتحقق طلقة طلقة وفي علاقاتنا المأزومة مع الآخر فكل خطوة ايجابية مهمة علي الطريق.

ہ اقتصادي وأكاديمي مقيم في شيكاغو

القدس العربي

   [ POSTED  @ 12:17 م ]


 

النظام السوري يزيد من عدد الممنوعين من السفر

غسان المفلح

خاص – صفحات سورية –

بعد اعتقال النائب مأمون الحمصي والأفراج عنه وعن ولده ثم استدعاء النائب رياض سيف وهما من المفرج عنهما قبل أكثر من شهر فقط..أتحفنا النظام السوري بمنع عدد جديد من الأسماء من السفر إلى الخارج.. ومنهم الأستاذ نجاتي طيارة والأستاذ سمير نشار إضافة إلى المفرج عنهم من معتقلي ربيع دمشق.. يبدو أننا سنصل إلى مرحلة ليست بعيدة هي منع كل السوريين من السفر إلى الخارج..لأن الممنوعين من قبل كثر منهم الكاتب ياسين الحاج صالح وغيره من الأسماء..
ما يلفت النظر في استمرار هذه الإجراءات هو أن النظام لازال مصرا على نفس النهج القديم وإن بأشكال يعتبرها هو أكثر حضارية من العهد السابق..!!
دوما السؤال: إلى أين يمضي النظام السوري..ليس لوحده فحسب بل إلى أين يمضي بسوريا؟
الواضح والذي لم يعد يقبل الشك والأوهام التي كنت من الذين ينادون بها: التغيير الديمقراطي السلمي والذي للسلطة فيه اليد الطولى.. ولكن السلطة مصرة على أنها الطرف الوحيد الذي يقرر مصير سوريا و ليس سوريا وحسب بل المنطقة كلها في حال تأكد أن السلطة مستهدفة للتغيير.. وكأن التغيير الديمقراطي هو دمار لسوريا، وهذا يؤكد أن مجموعة الحكم لا يمكن لهم أن يتخيلوا أنفسهم مواطنيين عاديين أبدا.. هذا محال..إما نحن في الحكم..أو على سوريا والشعب السوري السلام..ليس الشعب السوري فقط بل الشعوب المجاورة لسوريا.
النظام وحده الذي يعرف أن مطالب المجتمع الدولي يمكن لها أن تحوله إلى مواطن عادي مثله مثل أي رئيس ينتخب ثم يذهب إلى بيته ونشاطه الخاص..لهذا هو يحاول عرقلة كل الجهود التي يمكن أن تحوله إلى مواطن عادي في نظام ديمقراطي..وكأن المعركة هي في إثبات براءته من دم الحريري..!! كخطاب يطفو على السطح..تماما كالخطأ الأمريكي في الحديث عن النظام: أنه ضد إسرائيل.. ويدعم الإرهاب في العراق وفلسطين كما يقولون.. وحزب الله في لبنان..الخ على الرغم أن هذا الوجه للنظام يكرسه عند قسم كبير من الشعب السوري بأنه مطلوب منه هذه الأمور فقط.. إنه الأمرالأهم في التغيير المطلوب في سوريا والمنطقة هو تحول هذه النظم المهترئة والتي باتت خارج التاريخ إلى نظم ذات مؤسسات واضحة مالية وسياسية وثقافية وأمنية وقانونية..الخ حتى لو بدأت شكلية !!!
هل هذا النظام قادر فعلا على أن يتحول إلى نظام مؤسساتي ياسيدي ولو بالمعنى الشكلي للعبارة !! حتى وفق قوانينه هو..!!
مثال: هل يتجرأ أحد من حزب البعث الحاكم أن يرشح نفسه للأمانة القطرية العامة للحزب الحاكم في المؤتمر القادم؟
أو هل يستطيع أحد من أعضاء القيادة القطرية أن يترشح لمنصب الرئاسة كي تصوت هذه القيادة عليه قبل إرسال ترشيحها إلى مجلس الشعب العتيد للاستفتاء عليه في الشارع السوري؟؟
سؤال آخر: هل يستطيع هذا النظام أن يتخلى عن الهدايا التي يمنحها السيد رئيس الجمهورية لرؤساء الأفرع الأمنية من سيارات فارهة وخلافه أن يتحدث عنها بشكل قانوني وعلني؟؟
إنه نظام اللاقانون.. وأهم سمة له هو أنه لايمكنه السير وفق قانون واضح حتى ولو كان هو من صممه على قياسه.. وهذا ما ينعكس ارتجالا في السياستين الداخلية والخارجية.
لماذا يمنع مواطنون من السفر وبناء على أي قانون؟ إنه الارتجال اللاقانوني مطلقا.،أخطر مايواجه الدول هو أن تكون لديها سلطات من طبيعة ارتجالية لا خطة لها سوى بقاءها في السلطة ومغتصبة كما تشاء وتريد لوظيفة الدولة الحديثة بما هي دولة مؤسسات ولو في حدها الأدنى.كالنموذج المصري مثلا لا نريد الآن أكثر من ذلك.. حرام علينا أن نجرب كسوريين أكثر من قائد تاريخي أو أكثر من رمز تاريخي أو أكثر من قائد للأمة.. الخ
الارتجال نهايته الخراب...ارتجلوا بما هو ملككم.. وليس بمصير شعب كامل..إنها المأساة السورية... لهذا سنصل إلى اليوم الذي يمنع فيه كل السوريين من السفر.

   [ POSTED  @ 12:15 م ]


 

قلق دبلوماسي في دمشق من تقرير برامرتس

غزالي باق في منصبه ويتابع الأوضاع اللبنانية



تتوقع الأوساط المتابعة لعمل لجنة التحقيق الدولية في بيروت أن يزور رئيسها سيرج برامرتس دمشق مرة ثانية قبل تقديمه تقريره الأول عن نتائج التحقيق في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري امام مجلس الامن في منتصف الشهر الجاري . و نفت المصادر ان يكون القاضي البلجيكي الذي زار دمشق قبل ايام ، قد أمهل أياماً انتهت آخر شهر شباط / فبراير الماضي للرد على طلباته بشأن استجواب مسؤولين سوريين، وقالت إن هذا الأسلوب لا يتلائم مع طريقة عمله.

وكان موقع "ديبكا" الإسرائيلي الالكتروني أورد خبر المهلة نقلاً عن مصادر استخباراتية، وأضاف أن برامرتس أبلغ إلى دمشق صراحة عزمه على إعلام مجلس الامن الدولي بأنها ترفض التعاون مع لجنة التحقيق الدولية كما هو مطلوب منها وفق قرار مجلس الامن، موضحاً ان طلباته تتعلق بلقاء الرئيس بشار الاسد ونائب الرئيس فاروق الشرع بشكل اساسي. وتشير مصادر رفيعة في الأمم المتحدة الى ان الدائرة القانونية تفكر بـ "أسابيع" وليس بشهور لاتخاذ الخطوات الضرورية لإنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي ، مشيرة الى زيارة سيقوم بها المندوب الدولي تيري رود- لارسن الى المنطقة لهذه الغاية في النصف الثاني من الشهر الجاري.
وفي دمشق نقلت وكالة "يوبي آي" عن دبلوماسي غربي قلقه من نتائج التقرير المقبل لبرامرتس في ضوء التطورات المرافقة له في لبنان والمنطقة، وأبدى شكه في "أن يخرج التقرير بنتائج ايجابية في مصلحة سورية". وتوقع أن "يصدر رئيس لجنة التحقيق الدولية مذكرة توقيف بحق بعض المسؤولين السوريين مثل العميد جامع جامع أو العميد رستم غزالي، أو أن يصمّم على لقاء الرئيس بشار الأسد، أو أن يعلن على الأقل الآلية المنتظرة للتعاون بين الجانبين والإطار القانوني الذي سيتم التعامل من خلاله".
وكانت صدرت أول من امس قرارات على مستوى المؤسسة الامنية في سورية تم بموجبها تعيين عدد من الضباط على قمة بعض الفروع الامنية، فيما انتقل بعضهم الى قطاعات اخرى . وطالت التغييرات الفروع التابعة لادارة المخابرات العسكرية التي يرأسها اللواء آصف شوكت منذ نحو عام. واكدت مصادر مطلعة ان العميد رستم غزالة مازال على رأس عمله رئيساً لفرع ريف دمشق المختص بمتابعة الملف اللبناني ويقوم به كالمعتاد، خلافاً لشائعات عن تهميش دوره في الفرع الذي يرأسه.

وفي سياق أوسع، أشار الدبلوماسي،الذي رفض كشف اسمه، إلى أن هناك مساعي متواصلة "مصرية وسعودية" لتقريب وجهات النظر بين سوريا ولبنان بما يخفف الاحتقان بينهما. وأضاف أن المساعي العربية تتركّز على دعوة الطرفين إلى القيام بخطوات "لبناء الثقة كتبادل التمثيل الدبلوماسي بين بيروت ودمشق وترسيم الحدود ووقف الحملات الإعلامية المتبادلة". واعتبر أن "أفضل ما يمكن أن تصل إليه سوريا مع لجنة التحقيق هو توقيع بروتوكول للتعاون وأن يكون تقرير برامرتز مرحلياً بما يفسح في المجال أمام جهود إضافية عربية وغيرها".
وفي حين رفض الدبلوماسي رفض ربط ملف التحقيق الدولي في قضية الحريري بغيره من الملفات، لفت إلى وجود "مجموعة من الأمور الضاغطة على سورية والتي تصاعد الحديث عنها في المدة الأخيرة بالتزامن مع تحركات لجن