unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2006-03-11  

رسالة إلى الروائية سمر يزبك

إسكندر حبش

عزيزتي سمر...
لا أعرف حقا كيف ماذا أقول لك، وأنت طريحة الفراش، بعد الاعتداء بالضرب الذي تعرضت له أول من أمس، مع بعض زملائك وأصدقائك، في محيط القصر العدلي، في دمشق. لا أعرف إن كان يصح أن نقول بعد إنه اعتداء سافر وفاشي أو ما شابه هذه التعابير التي تبدو وكأنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من ثقافة دولنا السياسية ومن عاداتنا الاجتماعية التي أبدعتها أنظمتنا <<العظيمة>>.
أعرف فقط أن صوتك كان متعبا صباح البارحة. وتعرفين جيدا بأن ليست الرضوض التي تعرضت لها ولا اللكمات التي تلقيتها ولا السحل في الشارع، هي السبب الوحيد في ذلك، بل هو هذا الألم الداخلي، ألم أحلامنا التي تُقمع بالقوة، على اعتقادنا أننا نعيش في عصر أبدع لنا مقولات من مثل الديموقراطية وحق التعبير، وما إلى هنالك من حقوق لهذا الإنسان الذي فينا. ماذا نفعل إن كنا نعيش في مناطق يحكمها أناس لا يعرفون عن الإنسان إلا كونه حشرة، يرغبون في سحقها ساعة يشاؤون.
كل ما نحن عليه هو أننا كائنات تفكر قليلا وتحلم بأن تكون بلادها أقل قبحا، كي يأتي الربيع إليها. لكن يبدو أن ربيع المجتمع العربي لن يأتي، بالأحرى لن يتشكل هذا المجتمع ما دامت هذه الأنظمة المستبدة والشمولية تريد من شعبها أن يبقى مثل القطيع وأن تجره مثلما تريد. هل تصدقين أن مجتمعا يدفع طلابه الذين من المفترض أن يكونوا في طليعة التغيريين إلى ضرب بعض المتظاهرين فقط لأن هؤلاء المتظاهرين يرغبون في المطالبة بإلغاء حالة الطوارئ التي لا تزال سارية منذ ثلاثة وأربعين عاما؟ لنفترض جدلاً وبغباء، أن ليس ثمة من آخرين متنكرين بزي الطلاب (كذبة جميلة أليس كذلك؟ بصراحة هل فعلت حكوماتنا شيئا آخر سوى الكذب على نفسها قبل أن تكذب على الآخرين!) ألا يستحق هذا الإعلان <<الواهي>> فعلا أن يدفعنا إلى طرح تساؤل حول هذه الإيديولوجيا التي تُحقن في رؤوسهم، والأنكى أنها تأتي من طلاب <<الجبهة الوطنية الديموقراطية>>؟
لست هنا في وارد مرافعة سياسية بالطبع. قد لا يكون لكل ذلك من معنى حين لا يجد شخص مثلك أو مثل غيرك، فاقد الوعي ومرمياً على الأرض من يستطع حمله ونقله إلى المستشفى إلا بعد أن يكون قد أوسع ضرباً. لا أعرف كيف يمكن لهؤلاء الآخرين أن يصرخوا بأنكم خونة بعد. أليست أولى الخيانات أن تقف دولة ما في وجه مجتمعها الذي لا يريد سوى فسحة من الهواء الطلق غير الملوث بالعسكر والأسلحة والقمع والسجون؟
ربما لأن أنظمتنا عربية إلى هذا الحد فهي تعتبر أن أفكارنا <<مستوردة>> من الفرنجة ولا تصلح لأن تكون حاضرة بيننا. ومع ذلك، لنحلم مرات ومرات حتى ينقطع الحلم. هذا كل ما نستطيعه: الحلم بأن الحياة لا تزال ممكنة عندنا، وبأن الكتابة لا تزال ممكنة.
قد تكون كلمة <<سلامتك>> عادية جداً، لذلك سأقول لك إنني سأنتظر روايتك الجديدة.

السفير

   [ POSTED  @ 5:27 م ]


 

العمل السياسي في سوريا

علي الشهابي

تناقضات التيار
موضوع التيار، الذي أطلقته مجموعة قوىً سياسية مع بعض الأفراد، سبق وبينت رأيي فيه من حيث الشكل، يرجى العودة إلى مسودته في "البديل". أما من حيث المضمون فلا أرى فيه سوى نقطتين إيجابيتين، وهما الدعوة للعمل على بناء دولة المواطنة في سوريا، وإلى مواجهة المشروع الأمريكي في المنطقة. لكن هاتين النقطتين سرعان ما تبهتان في سياق تناقضات المسودة، لأنها تحاول التوليف بين ما لا يتولف: من جهة تحاول تركيب علاقات ديموقراطية على أساس شمولي، ومن جهة أخرى يتناقض فيها العمل السياسي الساعي للوصول إلى السلطة، برغم عجزه عن الوصول، مع العمل الذي ليس من منطقه أن يسعى إليها. هذان التناقضان الأساسيان يجعلان التيار شديد التناقض، وبالتالي مؤقت الوجود أو محدود الفاعلية، مما يضعف فاعلية نقطتيه الإيجابيتين.

الحوريات
التناقض الأول ليس جديداً، فقد سبق وتجلى في برنامج الاتحاد الاشتراكي عام 1981، الذي حدد بمنتهى الدقة "مشكلتي" المنظومة الاشتراكية والعالم الامبريالي. رأى "مشكلة" الأولى بكونها ديموقراطية اجتماعية، تغيب عنها الديموقراطية السياسية بالمطلق، و"مشكلة" الثاني باقتصار الديموقراطية فيه على الجانب السياسي، دون أن تتعداه إلى الجانب الاجتماعي قط. بعد هذا التوصيف الصحيح، أخذ من الأولى ديموقراطيتها الاجتماعية ومن الثاني ديموقراطيته السياسية، وركبهما على بعضهما ليقول "إننا نريد كلتا الديموقراطيتين في سوريا".

إذا كان هذا البرنامج، المولّد بطريقة الحوريات، مبرراً في تلك المرحلة، وهو مبرر لعدم وضوح الشمولية السوفييتية برمتها، لا له ولا لنا، فقد تجاوز التفكير السياسي خرافة هذا التوليد. وهو ما يتوضح بالمنطق الصارم للاقتصاد، الذي لا تأبه علاقته بالمجتمع بالتفكير الرغبي لمعدي المسودة.

في المستوى الاقتصادي
انطلاقاً من أن الرجعي هو من يحن إلى مرحلة بائدة، يمثلنها في مخيلته ليقوم من ثم برسم المستقبل على صورتها، فإن المسعى الاقتصادي لهذا التيار رجعي لأنه يطمح إلى بناء سوريا على نمط الستينات، ولو لسببين مختلفتين، يختلفان باختلاف مكونات التيار. هذا الاتجاه المقترح، لو قيّض له النجاح، من منطقه أن يفضي إلى إقامة دولة اقتصادها سوفييتي، في مرحلة باتت تلفظ هذا النمط.

فهذا النمط، الذي أسس رأسمالية الدولة، تأسس على ملكيتها لوسائل الإنتاج. وهذه الملكية تفرض ضرورة شمولية الدولة، لتتمكن من فرض المعايير الرأسمالية المناسبة لها في سوقها الداخلية. هذا ما تقوم به لعجزها عن التباري الرأسمالي الشريف، التباري الحر، مع اقتصاد السوق الذي تسيطر عليه الرأسمالية العالمية. فهذه الشمولية إذن ضرورية لتتمكن الدولة من حماية رأسماليتها حتى تتطور، ولولا ضرورة هذا التطور لما انبثقت الحاجة إلى رأسمالية الدولة أصلاً. واستطراداً أضيف بأنه لولا قيام هذه الدولة في الصين (المأخوذة مثالاً لفقرها بالثروات الطبيعية) لكان وضعها الراهن كالهند، أو أسوأ بكثير.

ثمة جانب آخر في الدولة التي تسيطر على وسائل الإنتاج، له علاقة بالسلطة. صحيح أن هذه الدولة لا تنشئها إلا سلطة من منطقها أن تصير شمولية، لكنّ هذه السلطة التي تقيم هذه الدولة لا تقيمها محايدة، بل بمواصفات أوصفها أنها تؤمن استمراريتها كسلطة. ومن طبيعة هذه الدولة أن السلطة تقيم فيها مؤسسات لها، تسميها "مؤسسات دولة". وهذا "حقها" طالما أنها رب هذه المؤسسات الذي خلقها وسوّاها، وعلاوة على ذلك يموّلها.

والخلاصة هي، كل من يسيطر على وسائل الإنتاج يسيطر على الإنتاج. ومن يسيطر على الإنتاج يسيّر العلاقات الإنتاجية، أي الاجتماعية، بطريقة تظل آليتها تخدمه. وتظل تخدمه، دون أن يشعر المجتمع بذلك، طالما ظل المجتمع يستفيد من التطور الحاصل جرّاء بناء هذه الدولة (هنا مصدر ترحم البعض على أيام زمان، الشيوعية أو البعثية). أما مع انتهاء هذه المرحلة، ودوماً تنتهي، فيبدأ المجتمع يشعر بوطأة الشمولية ليأخذ بالتململ. وآخر من يتململ، هذا إن تململ، الطبقة العاملة وموظفو الدولة لشعورهم بنفلان ضرورتهم لعملية الإنتاج، لأنهم يصيرون بحاجة للدولة حتى تعيلهم، وهي لا تحتاجهم. هذا ما يحدث من الناحية الاقتصادية، أما سياسياً فتظل تحتاجهم ليظلوا تابعين لها، ولهذا تظل تنفق عليهم.

هذه هي العلاقة المتبادلة حكماً بين المجتمع و"الدولة" التي تسيطر على وسائل الإنتاج فيه، وبالتالي يستحيل تركيب علاقات اجتماعية ديموقراطية على أساس اقتصادي شمولي، إلا إذا كانت هذه رغبة دعاة التيار. فقد نجد من يرغب بتناول فتة بيتزا بقهوة إكسبرس، هذه حريته الشخصية التي لا يحق لأحد أن يماري فيها، لكن المشكلة تبدأ عندما يشرع بتسويقها في المجتمع، وهنا تبدأ مشكلة دعاة التيار.
إذا كانت هذه هي مشكلتهم، وهي هذه، فهذا لا يعني قط عدم وجود أي مشكلة اجتماعية حقيقية في انتقال سوريا من سيطرة "الدولة" على وسائل الإنتاج إلى سيطرة رأس المال الفردي. وإنما هناك مشكلة كبيرة ستكلف شريحة واسعة من المجتمع ثمناً باهظاً، وخصوصاً عمال الدولة وموظفيها، إن تم هذا الانتقال بشكل مفاجئ. وهذه التكلفة لا تستدعي التفكير بالعودة إلى شكل ما من أشكال الستينات، بل تتطلب التخطيط والعمل الدؤوب لتسليس هذا الانتقال، عسى أن يتم تدريجياً قبل سقوط السلطة. وبغير هذا ستستفحل الأمور لتتشقق السلطة، ويهب المجتمع ليسقطها. هنا ستحدث كارثة هؤلاء، لأنهم سيعيشون ردحاً من الزمن في مجتمع لا أحد فيه يدفع لهم مرتباتهم.

السؤال الأهم
سأتناول نفس الموضوع من الزاوية المعاكسة. لنفترض أن كل ما تحدثت به أعلاه خاطئ بالمطلق، مما يقود إلى إمكانية المزاوجة بين سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج وأرقى شكل من أشكال الديموقراطية. حتى بهذه الحال، مازلنا نجهل دواعي قيام الدولة بهذه السيطرة.
إذا كانت هذه السيطرة ضرورية فقط من زاوية الحاجة لبناء رأسمالية محلية قابلة للتطور، وأن هذه الرأسمالية لا يمكن أن يتم بناؤها إلا بالمواجهة مع الرأسمالية العالمية. إذن فمواجهة الرأسمالية العالمية ليست رغبة، بل ضرورة تستدعيها فقط ضرورة بناء هذه الرأسمالية المحلية. والسؤال الآن: لماذا يصرّ دعاة التيار على "التخطيط" لتطوير سوريا على أساس المواجهة مع الرأسمالية العالمية؟

هل يعتقد فرد واحد، ممن طرحت تنظيماتهم مسودة هذا التيار، أن سوريا تمتلك الآن إمكانية التراكم الرأسمالي الأولي الذي يمكّنها من بناء رأسمالية محلية قابلة للتطور حتى يستوجب الوضع فيها الوقوف بمواجهة الرأسمالية العالمية؟ أتحدى أن يجيب عاقل منهم، أو من غيرهم، بـ"نعم".

بما أن الكل موقن بعجز سوريا عن هذا البناء، فأسباب إصرارهم على مواجهة الرأسمالية العالمية لا علاقة لها قط باحتياجات المجتمع السوري، بل باعتيادهم على استسهال التفكير والجري على مألوف عادتهم. لقد عاشوا عمرهم شيوعيين، ومن طبيعة تفكيرهم أن يظل الشيوعي دوماً شيوعياً، تماماً كما تظل الحمامة حمامة. وبما أن "الزّمار يموت وأصابعه تلعب"، فالشيوعي سيظل يتكلم بالسياسة. وعمّ سيتكلم إن لم يتكلم عن القطاع العام وعن الطبقات الشعبية وعن الجشع الرأسمالي والنهب الإمبريالي وعن ضرورة مواجهة الرأسمالية العالمية؟!

مشكلة الشيوعيين
من البديهي أن يتأرجح الإنسانيون بين خيوط الأماني الحريرية التي تشد المجتمع إلى الأعلى، نحو العدالة الاجتماعية، وبين حبال الواقع الغليظة التي تشده نحو الأسفل، إلى وحشية الرأسمالية. وفي الوقت الذي يدرك فيه الشيوعيون أن الاشتراكية غير مطروحة على جدول أعمال الواقع القريب أو المتوسط، فإنهم يتعاملون مع الرأسمالية القائمة من موقع الرافض لها، لأنها لا تحل مشكلة البشر بالطريقة التي يرغبون بها. وهذه كل مشكلتهم، لأنهم يخلقون بأنفسهم مشكلة للمجتمع ويدعونه إلى حلها. لذا من الطبيعي ألاّ يأبه المجتمع بهم أو بها لأنها ليست مشكلته، بل مشكلتهم فيه.

بديهي أن المجتمع الرأسمالي أعجز من أن يحل المشاكل الاجتماعية بالطريقة التي يريدونها، وهو لا يتطلب حلها بهذه الطريقة. ولو أنه يتطلبها، لكانت الشيوعية مطروحة على جدول أعماله. فعدم انطراحها يعني فقط أن هذا المجتمع، الذي يلفظ الحلول الاشتراكية لمشاكله، يستدعي حلولاً رأسمالية لها. وبما أن الشيوعيين "أنبل" من أن يستنبطوا هذه الحلول الرأسمالية لمشكلات هذا المجتمع، فهم أنبل من أن ينوجدوا سياسياً في هذا المجتمع. هذا هو الاستنتاج الواجب، نقطة انتهى.

قبل الانتقال إلى المسودة، لابد من توضيح نمط تفكيرهم. لنقل أن المجتمع يعيش الآن في الشتاء، ومعظمه يريد حلاً لمشكلة البرد. فهم ما عادوا يجرؤون على دعوة البردانين إلى الثورة ليفرضوا تعميم الدفء، لأن البردانين سيسخرون منهم، ولا هم قادرون على التفكير بحل واقعي يقلل من برد البردانين ويبقي الناعمين بالدفء ناعمين فيه. لا بل إنهم يأنفون من التفكير بمثل هذا الحل، لرؤيتهم بأن "البرد والدفء مقاييس نسبية، وفي ظل العلاقات الاجتماعية القائمة، كلما قلّت معاناة البردانين قيراطاً كلما ازداد نعيم الدافئين عشرين قيراطاً، لذا فالهوة بينهما تتسع. واتساعها ليس عدلاً، بل هو الظلم عينه".

ولأنهم ينتهكون ذاتهم إن ظلوا مكتوفي الأيدي إزاء هذا الظلم، ولعجزهم عن تقديم حلٍ واقعي، نراهم يدبجون المقالات الساخطة على العلاقات الاجتماعية التي تفرض البرد على البردانين، وتدعوهم إلى الوقوف ضد هذه العلاقات بالعام. وإن صدف وقدّموا حلاً ملموساً، فغالباً ما يكون وهمياً، أي تعجيزياً. ومسودة التيار إحدى هذه التدبيجات التي توهم بالحل، دون أن تقدمه.

فنراهم فيها لا يدعون المجتمع إلى الاشتراكية، لئلا يسخر منهم، طالما أنه لا يراها حلاً بالنسبة له. ولأنهم يصرون على تقديم الحل وبنفس الوقت لا يعرفون إلا الحل الاشتراكي، يقعون في معادلة مستحيلة الحل "الاشتراكية ليست حلاً، وهم لا يعرفون حلاً خارجها، ومع ذلك عندهم الحل". ولأنه لا يمكنهم حل هذه المعادلة منطقياً، نراهم يجترحون مخرجاً أسطورياً يصير المجتمع السوري بموجبه مصمم أزياء ليفصّل رأسمالية ضيّقة
body (على قد جسد سوريا) تكون ديموقراطيتها سترتش (مطاطة) لتستوعب كل بدانة المواصفات الاجتماعية "للاشتراكية السوفييتية".

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا يعقّدون مواصفات هذه الرأسمالية في سوريا حتى تصير مستحيلة الوجود واقعياً؟
لأنهم، في نص المسودة، يريدون من الرأسمالية أن يظل اسمها رأسمالية ـ فقط لأنهم لا يجرؤون على قول أنهم يريدون تحويلها إلى اشتراكية ـ دون أن تتضمن مثقال ذرة من وحشية الرأسمالية. والدليل أنهم يقفون ضد كل أشكال العولمة لأنها عولمة تسحق الشعوب، وهم يريدون عولمة تعمل "على بناء عالم الشعوب الذي يقوم على التكافؤ والمساواة والتعاون السلمي". حسناً، إذا كانت الرأسماليات المتطورة لا تقوم ببناء عالم التكافؤ والمساواة بين الفقراء والأغنياء في مجتمعاتها، فهل عدم قيامها بهذه الأمور معنا وعندنا سبب كافٍ لرفضها؟ في الحقيقة هذه ذريعة لدعاة التيار حتى يرفضوا الرأسمالية لأنهم لا يقبلون إلا بالاشتراكية.

بما أن الأمر كذلك، فالأولى بهم أن يقولوا بوضوح "نحن ضد العولمة الرأسمالية ونريد عولمة اشتراكية، ولأن العولمة الحالية ـ سواء كانت أمركة أم أوربة ـ امتداد طبيعي للرأسمالية، فإن الوقوف ضدها يتطلب الوقوف ضد الرأسمالية. وبما أننا نعيش ونعمل في سوريا، فسنبدأ بأنفسنا، من سوريا". هذا خير الكلام، وخصوصاً لأننا لم نعهد الشيوعيين يخافون من طرح قضاياهم وأهدافهم بدقة ووضوح، إلا إذا باتوا يخجلون.

علي الشهابي
5/3/2006

الحوار المتمدن

   [ POSTED  @ 5:27 م ]


 

تحدي الموالاة للمعارضة أمام قصر العدل وبمرأى قوى الأمن بدمشق

جهاد مسوتي

خاص – صفحات سورية -


بتاريخ 3/3/2006 دعت اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق من خلال بيانها الملحق أدناه الشعب السوري وفعالياته السياسية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني إلى اعتصام سلمي وحضاري لمدة ساعة واحدة احتجاجاً على استمرار فرض حالة الطوارىء والأحكام العرفية على البلاد ، وتعزيزاً للنضال من أجل رفعها . وذلك عند الساعة الواحدة من بعد ظهر الخميس التاسع من آذار 2006 ، أمام القصر العدلي في دمشق ( الحميدية – شارع النصر ) :
(( إلى الشعب السوري العظيم :
في الذكرى الثالثة والأربعين لإعلان حالة الطوراىء والأحكام العرفية ، تظهر بشكل مدمر النتائج الكارثية التي حملها فرض هذه الحالة – مع كل ملحقاتها من قوانين ومحاكم استثنائية وإجراءات ظالمة وغير قانونية بحق المواطنين على اختلاف انتماءاتهم – بشكل مستمر على جميع أنحاء البلاد منذ صبيحة الثامن من آذار 1963 .
وإذا كانت السلطات المتعاقبة على النظام الاستبدادي القمعي منذ ذلك التاريخ قد تذرعت بقضية " الصراع مع إسرائيل " لتأبيد هذه الحالة وإضفاء شرعية على سلوكها غير الشرعي ، فقد أظهرت وقائع المواجهات مع العدو وخاصة هزيمة حزيران 1967 ، بأن هذه الحالة لم تساعد على الصمود ، إنما كانت من أسباب الهزيمة . وتبين أن المستفيد الوحيد منها هي السلطة لفرض الصمت والانصياع على المجتمع ، وتأمين استمرارها واستمرار حكمها خارج إطار الدستور والقانون وإرادة المواطنين . وكان الشعب السوري أبرز ضحاياها . حيث تم تغييب المجتمع ، وحصر العمل العام بالسلطة وأجهزتها الحزبية والأمنية والحكومية . بعد أن شلت الفعاليات السياسية والمدنية ، وصودرت الحريات العامة . ومضت آلة القمع في ترهيب المواطنين وكبح أي حراك وطني ديمقراطي باتجاه المطالبة بحقوق الشعب ، وصلت حد ارتكاب المجازر . كما حدث في حماة وغيرها من المدن السورية خلال أحداث الثمانينات . حين سقط عشرات الآلاف من السكان الآمنين قتلى وجرحى ، وأودع الآلاف في السجون لفترات طويلة تجاوزت العشرين عاماً . وغيب آلاف المفقودين الذين لا يعرف شيئاً عن مصيرهم حتى الآن . وكما حصل في أحداث القامشلي في 12 آذار عام 2004 ، عندما سقط العديد من المواطنين الأكراد ضحايا الممارسات القمعية .
ولم يسلم الاقتصاد السوري من انعكاسات الحكم العرفي طويل الأمد ، الذي وضع الحكام خارج النقد والمساءلة والتغيير . ففشلت مشاريع التنمية ، وجرى تدمير المؤسسات الاقتصادية واستنزافها بالنهب والتخريب . وتدهورت الأحوال المعيشية للمواطنين ، في الوقت الذي تراكمت فيه الثروات الخيالية لدى المسؤولين وأولادهم وأعوانهم وأقاربهم على حساب ثروة الوطن ومصالح الشعب ولقمة عيشه .
إن ما تعاني منه سورية اليوم على مختلف الصعد ، يعود في جانب كبير منه إلى السلطة المطلقة التي منحتها حالة الطوارىء للحكام . إذ وضعتهم فوق المحاسبة ، وأطلقت يدهم لاحتكار السلطة والثروة والمعرفة . وكانت النتيجة مئات الآلاف من المهجرين طوعاً وقسراً ، وآلاف المعتقلين والسجناء السياسيين تغص بهم السجون السورية ، وآلاف الممنوعين من المغادرة والمحرومين من الدخول بشكل آمن إلى وطنهم . ومازال شعبنا يتعرض للاضطهاد السياسي ، كما يتعرض النشطاء السياسيون ، وخاصة في أوساط الشباب وطلبة الجامعات ، للملاحقة والاستدعاء والاعتقال وكل صنوف الترهيب ، لمنعهم من التحرك والتعبير عن آرائهم وحاجاتهم وطموحاتهم .
إن بلاداً تقيد فيها الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية للشعب ، وتنعدم فيها الحريات العامة والمساواة بين المواطنين ، وتفتقر للحياة الدستورية وسيادة القانون ، وتحتجز فيها إرادة الشعب وحركته من أجل النهوض ، و تنتفي السياسة في العلاقة بين حكامها وشعبها ولا يبقى غير القمع ، لا يمكنها أن تواجه العدو والمخططات الخارجية ، كما لا يمكنها أن تعبر إلى المستقبل بسلام في ظل استمرار هذه الأوضاع ، فلا بد من التغيير .
تدعو اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق الشعب السوري وفعالياته السياسية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني إلى اعتصام سلمي وحضاري لمدة ساعة واحدة احتجاجاً على استمرار فرض حالة الطوارىء والأحكام العرفية على البلاد ، وتعزيزاً للنضال من أجل رفعها . وذلك عند الساعة الواحدة من بعد ظهر الخميس التاسع من آذار 2006 ، أمام القصر العدلي في دمشق ( الحميدية – شارع النصر ) .
كما تدعو أطراف إعلان دمشق وأصدقاءهم والجاليات السورية في الخارج لإجراء مثل هذا الاعتصام أمام السفارات السورية في الأوقات والشروط التي يرتأونها .
فلنعمل معاً من أجل إخراج بلادنا من حالة الطوارىء والاستبداد ، وبناء سورية الديمقراطية وطناً حراً لكل أبنائها .))
وفي التاريخ والوقت والمكان المحدد في الدعوة للاعتصام يوم الخميس 9/3/2006 تقاطر عشرات المثقفين والناشطين الحقوقيين والسياسيين أمام قصر العدل . وكان عدداً من الصحفيين والدبلوماسيين بالقرب من المشاركين كمراقبين. وكان أيضاً بانتظار هذا الحشد عناصر من قوى الأمن والشرطة . وفي ذلك أمر طبيعي ، لضمان الأمن لهذا الاعتصام المحدد لساعة واحدة . ولكن المتوقع وغير المفاجيء قد حصل بقدوم عشرات من الفتية والصبية يلوحون بالأعلام السورية وبصورة الرئيس بشار الأسد ويهتفون – الله سورية بشار وبس – وبعد قليل قلب بعضهم الأعلام وقام بلفها وتحويلها إلى عصي يلوح بها ويهدد . ولم يفاجأ المعتصمون لأنه كان من المتوقع حدوث مشهد مكرر لما جرى في اعتصام العام الماضي عندما بدأ الصبية والفتيان بالتعرض بالضرب لأحد المعتصمين الذي عبر عن إحتجاج لهذا المظهر غير الحضاري وتم جره بمساعدة الشرطة إلى سيارة كانت تقف بالقرب من المكان. ثم تكرر الأمر مع أكثر من معتصم وكان الضرب ينهال بشكل جماعي من الصبية على الضحية الجديدة . وكانت حركة متظاهري الموالاة ذهاباً وإياباً أمام قصر العدل كقاطعين لطريق شارع النصر مداهمين جموع المعتصمين. بينما يقف من بقي من معتصمي إعلان دمشق على الأرصفة يشاهدون مشهد اً مهماً من مشاهد قانون الطواريء في سورية . وهم بموقفهم هذا كانوا يعرضون مشهداً حزيناً إضافياً للمعارضة السورية. وكانت قوى الأمن تقف متفرجة على هذا المشهد بل حامية له.
السؤال الموجه إلى النظام السوري : هل في هذا الاستعراض الإرهابي من قبل أولاد وصبية قد تم تربيتهم على العنف والإرهاب في مواجهة أهلهم وشعبهم نبني سورية الحديثة ؟ وهل إذا منع الحوار والحراك السياسي والاجتماعي إلا إذا كان موالياً يصنع قدرة على الصمود في مواجهة الأخطار الخارجية ؟ وهل قوى الأمن في موقفها كمتفرج هو الدور المناط بها ؟ وهل لو تصرف المعتصمون المعارضون بنفس الأسلوب الذي مارسه الموالون سيكون موقف قوى الأمن حيادياً ؟

   [ POSTED  @ 3:23 م ]


 

ثقافة الخوف

منذر خدام

في إحدى سهرات الثلاثاء، التي تجمعني، بين الحين والآخر، مع بعض الأصدقاء، كان الموضوع الثقافي الذي تبادلنا الرأي بشأنه هو " ثقافة الخوف". ونظرا لاختلاف مشاغل كل من الحاضرين، كان من الطبيعي أن ينظر كل منهم للموضوع من زاوية خاصة به، أو أن يغلب مجال انشغاله على نظرته ورؤيته للموضوع المبحوث، وهذا أمر طبيعي ومفهوم. مع ذلك، بل رغم ذلك، يمكن القول أنه قلما اختلفت وتكاملت، في الوقت ذاته، وجهات النظر التي نتبادلها في مناقشاتنا الثقافية، في أمسيات الثلاثاء، مثلما اختلفت وتكاملت وجهات نظرنا تجاه "ثقافة الخوف". في تلك الأمسية الغنية والخصبة "ثقافياً"، كنت خلالها قد اتخذت وضعية المستمع والمتلقي أغلب الوقت، من جهة لكون أغلب الحاضرين من ذوي الاختصاص الرفيع في مجال "ثقافة" الثقافة، إذا جاز التعبير، وهي فرصة لا أدعها تمر عادة بدون أن أتذود ببعض ما يفيض من ثقافتهم، وذلك بتشنيف الأذنين للإنصات والاستماع، مع حضور ذهني فعال، ومن جهة ثانية، بسبب خشيتي من أن يؤدي تدخلي إلى حصر الموضوع في ثقافة الخوف السياسي، أو على الأقل التركيز على هذا الجانب دون غيره. ونظرا لأهمية الموضوع بالنسبة لجمهور واسع في بلدنا فكان من الضروري إخراجه من نطاق الجدران التي تم تداوله فيها إلى بعض وسائل النشر، عل وعسى، يستجر نقاشا أوسع يغنيه.
بداية كان لا بد من تحديد معنى الخوف، وهل هو صفة غريزية في الإنسان، أم أنه عارض طارئ تحدثه في الإنسان المؤثرات الخارجية. لقد كان الخلاف واسعا بين "المتسامرين" حول هذه النقطة، بين أكثرية لا تعتبره غريزة في الإنسان، وأقلية تميل إلى اعتباره صفة غريزية ليس في الإنسان وحسب، بل في جميع الكائنات الحيوانية الحية، وقد كنت من وجهة نظر هذه القلة. حجتي في ذلك أن الكائن البشري مركب من جملة استعدادات، ترد باستجابات معينة على المؤثرات الخارجية، فيبدو هذا الكائن، بحسب طبيعة هذه المؤثرات، فرحا أو حزينا، خائفا أو آمنا، كارها أو محبا..الخ. والخوف بهذا المعنى، أي كجملة استعدادات، وليس كمنتج انعكاسي(حالة خوف)، هو شرط لوجود الإنسان، يولد فيه استجابات سلبية، كما يولد فيه استجابات إيجابية.
بعد ذلك كان لا بد من تحديد الموضوع المبحوث في سؤال يقبض عليه، فجاء التمييز بين سؤال ثقافة الخوف بما هي ثقافة مولدة للخوف، وسؤال الثقافة المنتجة في ظروف الخوف وشروطه. وأعتقد أن التمييز بين هذين السؤالين ضروري، فهما سؤالان مختلفان جوهريا، لكنهما، في الوقت ذاته، مترابطين إلى حد بعيد.
فثقافة الخوف، بما هي فعل ثقافي، تهيئ الشروط والظروف لنماء الاستعداد لتقبل الخوف لدى المتلقي، فهي تستهدف فيه شل إرادته، وإعادة تكوينه إنسانا سلبيا محاطا بشبكة عنكبوتية من النواهي والمحرمات. هذا النوع من الثقافة في مجتمعاتنا الشرقية للأسف الشديد مزدهر إلى حد كبير، وهو يشمل طيفا واسعا من المنتجات الثقافية، بدء من أبسطها، أعني الشفاهي منها، إلى أعقدها وأكثرها تأثيرا، أعني الثقافة الدينية والسياسية. ففي المنزل حيث تبدأ عملية تكوين شخصية الفرد، يتلق الفرد تمارين ثقافية متنوعة على الخوف، ولسوء حظ الأنثى فهي تتلق شحنات أكثر تكثيفا منها، فهي ترغم على العيش في مناخ كل شيء فيه يذكرها بالعيب، فتعيش خائفة دوما. في مجتمعنا البطريركي التقليدي ثمة هرمية مضبوطة للطاعة والتدخل، الولد بالنسبة للبنت، الأخ الأكبر بالنسبة للأصغر، الأب بالنسبة لجميع أفراد الأسرة، الأستاذ في مدرسته، زعيم العشيرة في عشيرته، زعيم الحزب في حزبه، السلطان في رعيته. وفي كل حلقة من هذه الهرمية يحضر الخوف بكل فعاليته. فهناك خوف على مستقبل الأولاد، وهناك خوف على أخلاقيات وقيم الأسرة(كذا) من انتهاك يصيبها من تمرد ولد هنا، أو بنت هناك، وهناك خوف من تمرد " الرفاق" أو الرعية على زعيم الحزب، أو السلطان..الخ.
إن الثقافة التي تنمي في الشخصية الاستعداد للطاعة، والتقبل، هي ثقافة تسلطية بامتياز، إنها ثقافة للخوف، وبما هي كذلك فهي ثقافة تقتل الأسئلة، تقتل القدرة على التساؤل، تعيد إنتاج الشخصية كموضوع للفعل، بعد أن تقتل فيه إرادة الفعل. تتفاقم هذه الوضعية كثيرا في المجتمعات المتخلفة، وخصوصا في ظل الأنظمة السياسية المستبدة.
أما الثقافة المنتجَة في ظروف الخوف، فهي نوعان: نوع يمكن تسميته اصطلاحا بثقافة المعارضة أو التمرد، والنوع الثاني هو صورة عن ثقافة الخوف متمثلة، ومعيدة إنتاجها على شاكلتها، لكن بدون إكراه ظاهري. تنشط ثقافة المعارضة على الفجوات التي لا تستطيع السلطة المستبدة أن تسدها، ويغلب عليها التقية والتورية(للجدران أذان، أو العين بصيرة واليد قصيرة)، أما الثقافة المعيدة إنتاج الخوف، في حركتها العكسية، فهي تعيش دوما هاجس الرقيب الداخلي، بعد أن احتل موقعه المحصن في الداخل، مع أنه عند مستوى معين من تأصيل الخوف على نطاق الكل الاجتماعي بفعل الرقيب الخارجي، يعمل على التستر خلف ركام هائل من اليقينيات اللفظية، أو المصالح، حتى يبدو وكأنه غير حاضر أو موجود، وان المنتج الثقافي في هذه الحالة يفيض عن اقتناع منتجه. يغلب على هذا النوع من الثقافة التي تسمى عادة بثقافة السلطة، الكذب، والديماغوجيا، والمبالغة، والمنطق التبريري..الخ. وما أسهل أن ينقلب منتجوا هذا النوع من الثقافة على منتجاتهم الثقافية ذاتها، بعد رحيل سلطة الخوف السياسية، ويصطلح عليهم في حالتهم هذه مصطلح "المرتدون" أو "المنشقون". وهم في ولائهم السابق، أو في ارتدادهم عليه، لا يبدلون طبيعتهم التي شكلها الخوف، فهم في كلتا الحالتين انتهازيون.
لقد أصبح واضحا أن الحديث يجري على ثقافة الخوف، بما هي نمط خطاب، وليس بما هي إبداع أدبي وفني، حتى لا يتم توسيع نطاق المثاقفة، مع أنه مهم جداً الحديث عنها في المجال الإبداعي أيضاً.
في هذه المقالة سوف أركز على ثقافة الخوف السياسي، التي لم تحظ بما تستحقه من نقاش في سهرتنا تلك، وإن أحد أسباب ذلك، على ما أعتقد، هو الخوف ذاته. هذا لا يعني أبدا أنني أكثر جرأة من الآخرين، أو أنني لا أخاف. بل، وهذا اعتراف صريح مني، أنني لم أكتب أي مادة ثقافية أو سياسية، ولم أشارك في أي حوار شفهي، إلا وكان الخوف حاضرا، يحاول محاصر كل كلمة أقولها. لكن في النهاية ثمة واجب يفرض منطقه، إنها رسالة المثقف، الرسالة التي يكون بها المثقف إنساناً، وأنا حريص على إنسانيتي. وقديما قيل: لا خير في علم لا ينتفع الناس به....
وحتى لا يحصر النقاش في مجال الخوف المرتبط بالعمل السياسي الحزبي، يجري الكلام هنا على الخوف المرتبط بالانشغال بالقضايا العامة، ومنها بطبيعة الحال الانشغال بتنظيم الحياة الحزبية، والتي هي قضايا سياسية بامتياز. من الناحية المنهجية لابد من مقاربة الظروف المولدة للخوف، قبل الغوص في ثقافة الخوف بما هي نمط خطاب، وسلوك، يعكس تلك الظروف. وحتى لا يكون الكلام عاما سوف يجري حديثنا على بلدنا سورية التي نحب، والتي ليس لنا بديلا عنها، في حين الآخرون الذين زرعوا الخوف في أرجائها لهم أوطان وأوطان.
إن نقطة الانطلاق في فهم الخوف المرتبط بالشغل على القضايا العامة، وبها، والتي هي قضايا سياسية بامتياز، تكمن في طبيعة السلطة السياسية، والمصالح التي تعبر عنها، أو تلك التي تكون قد تولدت في سياقها، وفي طريقة إدارتها لهذه المصالح. وبصورة عامة فإن الخوف ثمرة من ثمار القمع، الذي يسجل حضورا لافتا في ظل الأنظمة الاستبدادية، وخصوصا في ظروف البلدان المتخلفة كما هو حال بلدنا. هنا تلجأ السلطة، إلى إحاطة نفسها بأسيجة قهرية من القوانين، والتشريعات، والأوامر الإدارية، المقيدة للحريات، وبكثير من الأجهزة الأمنية، عل وعسى "ينام" رجالاتها الطبيعيون بعمق، لكنهم لا يقدرون. إنه الخوف الذي عملوا على زرعه في النفوس، وقد امتد واستطال حتى بات يؤرقهم. في ظل السلطة المستبدة، ثمة شبكة محكمة من أجهزة الخوف، لا تقتصر على الأجهزة الأمنية المعنية، بل تشمل أيضا الأحزاب السياسية السلطوية، والمنظمات النقابية، والأهلية، وحتى مخاتير الأحياء، والبائعين المتجولين، وبعض سائقي التاكسي،..الخ. هنا كل شيء يتحرك حول محور ثابت هو الأمن، وإذ يتحرك فهو يتحرك بدلالته. والأمن هنا له مرجعية محددة تعايره هي السلطة، ومصالح الأشخاص الطبيعيين الواقفين وراءها. فالسلطة دائما على صواب، ومن هم خارجها فهم على خطأ.
في ظل السلطة المستبدة، يتحول الأمن(بمعناه الضيق) إلى صنم، يعود في دورة تأثيره العكسي، بعد أن يكون قد حاز على درجة عالية من الاغتراب، والاستقلالية عن الأجهزة المولدة له، والمتابعة لشأنه (أي تحوله إلى رقيب داخلي)، إلى التحكم بنمط الخطاب، وبالسلوك الفردي، والجماعي.
وبالفعل، لا يحتاج المرء إلى جهد كبير ليكتشف مدى حضور وفعالية الرقيب الأمني الخارجي، أو شقيقه التوأم الرقيب الداخلي، في جميع مجالات حياتنا، يذرع الخوف فينا، يشل إرادتنا، وكما صورته( بقعة ضوء-في عدم مبالغة)، فقد أثبت حضوره على فراش الزوجية أيضاً.
ماذا يعني أن تحتاج إلى موافقة أمنية في كل عمل تريد القيام به، فرح، مأتم، شغل، طباعة ونشر، سفر..الخ. ماذا يعني أن تكون تحت المراقبة الدائمة، خصوصا عندما تصنف من قبلهم ب"المشاغب"، أو عندما يقدرون أن الرقيب الداخلي لديك ليس متطورا بما يكفي؟ ماذا يعني أن يسأل الأمن البقال، أو الحلاق، أو زملاء العمل عنك: أين تذهب؟ من يأتي لزيارتك؟ مع من تلتقي؟..الخ. بل ماذا يعني أن يشعروك بصورة مباشرة بوجودهم، من خلال زياراتهم المتكررة إلى بيتك، على الرغم من كل مظاهر الاحترام التي يبدونها لك، أو من خلال الاتصال بك بالهاتف؟ إنه ببساطة، الحرص الشديد على أن تكون ضمن دائرة الخوف، لا تخرج منها. والأخطر من كل ذلك الحضور الأمني المكثف بصورة مباشرة، أو غير مباشرة(الرقيب الداخلي) في جميع مستويات اتخاذ القرار، من مستوى اجتماع المعلمين في مدرسة الأطفال،إلى لجنة البناء السكني،(...) إلى مستوى مجلس الوزراء ومجلس الشعب.
ثمة معادلة بسيطة:
في ظل السلطة الأمنية، تحتل الأجهزة محل التنظيمات المجتمعية المدنية والأهلية، يزداد الخوف، يفقد المجتمع فعالية الإبداعية، يتباطأ حراكه العام، يسلطن الفساد، ينمو التخلف. فحسب أحد الاقتصاديين السوريين البارزين(وهو بالمناسبة رفيق بعثي) أن دخل الفرد في عام 1980 كان أعلى منه في عام 2005، وان القوة الشرائية لدخل الفرد في عام 1963 كانت أعلى منها في عام 2000. هل نحن بحاجة إلى مؤشر أكثر تكثيفا، مما ذكره زميلنا الاقتصادي؟!!!
في الكيان العضوي الحيواني ثمة جهاز مناعي يحمي الجسم من المتدخلات الخارجية التي يمكن أن تعيق عمله الطبيعي، وفق قوانينه البيولوجيه، وقد تسبب له المرض. والمجتمع الطبيعي الذي يشتغل وفق مبدأ وفكرة القانون، يحمي نفسه، في نهاية المطاف، بواسطة أجهزة أمنية يطورها لهذا الغرض، يكون الأمنيون فيها بمثابة الخلايا البيض في الجسم الحي، إنهم الجنود المجهولون الذين يسهرون لننام، يتعبون لنرتاح، يراقبون ويحمون تطبيق القانون، لنفكر ونعمل بفعالية، وفي المحصلة يشتغل المجتمع بكامل فعاليته، ويحقق تقدمه الاجتماعي بصورة مطردة. في مثل هذا المجتمع، الحرية نمط حياة، المسؤولية واجب، المحاسبة قصاص لأولي الألباب، وأخيرا وليس آخراً، الرجل في السلطة هو رجل دولة وللدولة.أين نحن من كل ذلك؟!!!!

الحوار المتمدن


   [ POSTED  @ 3:22 م ]


 

أحزاب العرب الكوميدية

نضال نعيسة

خاص – صفحات سورية -

أحزاب العرب الكوميدية في ليالي الأنس السياسية
قد ينطوي العنوان على بضع مفارقات كوميدية فعلاً في هذا المحيط العربي الدامي. وأولى هذه المفارقات الفقعاء هو وجود "أحزاب" شرعية في بؤر استبدادية مستعصية، والمفارقة الأخرى هو وجود أي نوع من الكوميديا حتى السوداء يمكن أن تنتج مجرد ابتسامات باهتة. إلا أن تطميناً يقيناً تسجله مؤشرات الأحداث في الملمات والنازلات يؤكد وجود مثل هذه الظواهر الغريبة وتناميها. لكن الثابت أيضا أن في أحيائنا الشعبية، وزواريبنا البلدية، بعض الفرق الجاهزة وتحت الطلب لإحياء الحفلات والمناسبات المختلفة كالأعراس، وأعياد المولد النبوي، ونجاح الأولاد بالشهادات، والطهور، والختان، والعودة من الحج والديار المقدسة. وقد اعتادت هذه الفرق الشعبية إدخال البهجة والسرور في نفوس الناس عبر تأديتها لعملها، ومهامها الإنسانية والترفيهية المختلفة، بحرفية، ومهنية، وصدق عال.

وفي ليالي الأنس، وحقب التهريج السياسي، ومسلسلات ارتكاب الأخطاء، والمناسبات الوطنية النكداء انتشرت أيضاً ظاهرة "بزنس" أحزاب الدعم، والتأييد، والاعتصامات والخطابات مهمتها المعلنة نشل الأنظمة من الهاويات. وإذا كان هناك ثمة قواسم مشتركة وَصْفِيّة، وملامح وضعية متشابهة، وبعض المسارات التاريخية المتطابقة التي تَسِمُ الأحداث بين الوضع السوري الراهن، والوضع العراقي البائد في بعض الأوجه، فقد يبدو هذا أولاً من قبيل الصدف الجيوسياسية البحتة ليس إلاّ، والأقدار السياسية الصعبة التي طبعت الجارين اللدودين. غير أن سير الأحداث، بنفس الوقت، وتتابعها في نفس المسار الدرامي، ولا سيما في ظاهرة الدعم والتأييد من نفس الشخصيات والأحزاب، هو وبلا شك، نذير شؤم، وسوء طالع، وتكرار ممل لنفس السيناريو والأحداث.

ولعل ظاهرة الأحزاب العربية الخطابية هذه هي واحدة من أوجه عدم التفاؤل على الإطلاق، ربما نظراً للدور "التوريطي" الكبير الذي ساهمت فيه في تقصير عمر نظام صدام، عبر دفعه لاتخاذ مواقف بدت فضفاضة وكبيرة على مقاسه السياسي، مما فضح عوراته، وعجّل بسقوطه التراجيدي ذاك. وإذا كان النظام السوري عموماً أذكى، وأكثر مناورة، وأقل بطشاً ودموية من سلفه البعثي العراقي، ولديه شيء من المرونة، والتكتيك، والديناميكية والحذر تجاه الخارج، وعدم التهور والاندفاع، بما لا يقارن مع نظام صدام حسين المنقرض، فإن تكرار عروض التهريج في ليالي الأنس السياسية، التي تقودها فرقة الأحزاب العربية الكوميدية توحي بشيء من الخوف، والانقباض، وعدم الارتياح، وتفرض على النظام، في الوقت نفسه، تجنب القيام، أو حضور أية حفلات إباحية سياسية من هذا المقام، بسبب عدم جدواها، وتحسباً، طبعاً، لحسن العاقبة والختام.

وإذا كانت الغاية هي إظهار تلك الاحتفالية المطلقة، والمهرجانية القصوى، دون إحداث أي تأثير لوجستي على أرض الواقع أو تغيير في المعطيات، فإنه من الممكن تماماً، والأجدى عملياً، الاستعانة بفرق من الطبّالة، والزمّارة، والدّبيكة، وبرغم عدم شطارتهم، وذكائهم، وتخصصهم السياسي، فهم الأمهر والأقدر على تولي هكذا مهمات، التي تضفي على متابعتها بعض المؤثرات الشعبية الخاصة، شيئاً من المتعة والاهتمام. أما إعطاء تلك المهمة الوطنية، ولكل من أراد أن يتعلق بحبال الهواء، لفرقة الأحزاب العربية الخلبية الكوميدية، فهو وبلا شك، من قبيل الذهاب للعنوان الخاطئ، ومقامرة سياسية لا تحتمل أية إمكانيات للنجاح، فهم ما حلوا يوما بأرض، إلا وأعقبها التصحر والخراب، وأظهرت منصة العرض بعد مغادرتهم، كماً هائلاً من المهازل، والنقد، والسخريات.

لقد كانت الغاية، عموماً، من إنشاء أية أحزاب سياسية في العالم، هي لحمل أهداف عظمى، ومبادئ سامية كتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحرير المجتمعات، ومناهضة العنصرية والفاشية والاضطهاد، ومقاومة الظلم والاستبداد، وتحقيق العدالة بين كافة الطبقات، أو إنجاز برامج تنموية وخدمية واقتصادية للمجتمعات للارتقاء والسير بها نحو الأمام. أمّا أن تتحول الأحزاب بأسمائها الوطنية الطنّانة الرنّانة الكبيرة، وشعاراتها القومية العريضة، إلى مساحيق، ومواد تجميل وماكياجات وأقنعة تتخفى وراءها أنظمة الاستبداد، ومجرد فرق من الجوالة و"الكسّيبة" للاسترزاق من هذه العاصمة أو ذاك النظام، وعلى حساب قوت الشعوب والفقراء، عارضة خدماتها الخطابية الاستعراضية الجليلة، وقدراتها المسرحية الخارقة في ليالي العربدة والأنس السياسية، وبعيداًَ عن مهامها الأصلية، فذلك ليس سوى من قبيل العلامة التجارية الفارقة التي ميّزت تاريخها، وكانت أصلاً مبرراً لوجودها وعاملا لاستمرارها، وصفة لازمة لعملها الدائم بالشأن العام في هذه المنطقة الموبوءة بشتى أنواع الموبقات، والبطالات السياسية.

وفي الحقيقة فلقد وصلت بعض الأنظمة المتهالكة، والتي عاشت ردحاً طويلاً من الزمن على الادعاء والمقويات الإعلامية، إلى مرحلة بات من المحتم عليها الاستعانة ببعض المنشطات السياسية والخطابية التي تعيدها لسالف العهد التليد والأوان، وتضخ فيها من نفس تلك الدماء التي سرت في شرايينها يوما ما وأعانتها على البقاء. وقد قُدِّر الآن، أن هذه الحركات، والخزعبلات السياسية القرعاء للأحزاب الكوميدية العربية العرجاء، هي العلاج والمخدر لذاك الداء العضال، لكنها لا تدخل إلا في إطار التهريج، الذي يسبب الحزن، والأسى، والاستفزاز، رغم أنه لم ينقذ، في النهاية، أي نظام متغطرس، يوماً، من هاويته السوداء.

أحزاب الكوميديا العربية المبكية، الجاهزة وتحت طلب أي نظام، ليس لها من نظير سوى تلك الفرق الشعبية الدوّارة التي اختصت بالطهور، والختان، والأعراس، مع فارق بسيط، ولكنه جوهري، أن الأخيرة تمتعت على الدوام بمصداقية عالية، وحس شعبي رائع ومرهف وعفوي الأداء، جلب الفائدة والمتعة للناس، فيما لم تخلّف الأولى وراءها سوى تلك الدعائية الزائفة المفرطة، والتمثيلية المتصنعة الزائدة، إضافة طبعاً، لطبقة عالية من صيحات الشجب، والإدانة، والاستنكار، علاوة على أنها لم تكسب أية قضية على الإطلاق.

وبالرغم من ذلك كله، وبرمزية مطلقة وتحاشياً مطلوباً لعدم الوقوع في مطبات الجزم الحمقاء، فإنه ليس مؤكداً، حتى الآن، بأنها قد ساهمت بشكل مباشر بأية عملية ختان سياسي لأي نظام.

   [ POSTED  @ 3:19 م ]


 

بلقنة سورية : جذور 8 آذار


دلور ميقري

" البلقنة " ؛ نسبة للإقليم الجغرافي الشاسع ، المعروف بـ " البلقان " في جنوب أوروبة . بيد أنه ، قبل كل شيء ، مصطلحٌ سياسيّ يتمّ تداوله ، تحديداً ، في حالة الدولة الوطنية المُشرفة على الإنقسام . هذا المصطلح الذي شاع ، خصوصاً ، خلال مراحل الحرب الأهلية اللبنانية ، للإستدلال على خلفيتها التاريخية . ثمّ عاد إستعماله للواجهة إثر تداعيات إنهيار الإتحاد السوفييتي ومنظومته ؛ لجهة تفتت الكثير من دولها ، وبالدرجة الأولى البلقان اليوغسلافي بالذات. يستوقفنا هنا ما جاء في تجيير مفهوم " البلقنة " ، سياسياً ، في أحد أهم المراجع المتناولة وضعَ المشرق العربي ، عموماً ؛ وهو كتاب " تعدد الأديان وأنظمة الحكم " للباحث اللبناني د. جورج قرم . يقول الباحث في هذا الشأن : " يقدم لبنان ، إبتداء من سنة 1840 ، مثالاً ساطعاً على البلقنة الإجتماعية الناجمة عن تقوية المؤسسات الطائفية ، التي ترك لها الحبل على الغارب . وفرنسة ، أيضاً ، عمدت على إنجاز بلقنة كاملة لسورية " .

ها هما البلدان الجاران ، ضمن إطار الصورة التاريخية ، مجدداً : هنا وهناك ، يحمل الربيع مناسبتيْن لكلّ منهما ؛ الثامن من آذار ، يوم الإنقلاب البعثي في سورية ؛ فيما الرابع عشر منه هو يوم الإستقلال اللبناني ، الثاني ، المدشن إنسحاب جيش النظام البعثي نفسه . ما كان في تفكير جورج قرم ، على الأرجح ، وهو يعدّ كتابه في مستهل ستينات القرن المنصرم ، أنّه سيكون بمثابة " نبوءة " لتلك المحرقة الأهلية التي ستأتي ، لاحقاً ، على هشيم وطنه المبتلي بالطائفية السياسية . الطائفية المزمنة ، التي أضحى شبحها ، الآن ، مهيمناً على مشرقنا إجمالاً ؛ كما سنعاينه هنا ، في الحالة السوريّة ، ماضياً وحاضراً . ونعرج بدءاً على عين مرجعنا التاريخي ، في توصيفه لمفهوم البلقنة بإعتباره نتيجة لهيمنة مؤسسات طائفية على دولة ما ، تؤدي بالتالي إلى خلل إجتماعيّ عام ؛ أو ما يصطلحُ على نعته بـ " أزمة بنيوية " . جدير هنا التوقف عند إشارة الباحث جورج قرم لمثال سورية ، في ذكره سياسة المستعمرين الفرنسيين أثناء فترة الإنتداب (1920 ــ 1946 ) ، بما هي " بلقنة كاملة " بحسب تعبيره .

سنضعُ جانباً مسألة الحدود السياسية ، الإعتباطية ، التي رسمتها خارطة " سايكس بيكو " في تفصيلها للدولة السورية ، والتي شهدت تعديلات و" إغتصابات " من لدن جارتنا اللدودة ، تركية . إنّ ما يهمنا هنا ، هو مشروع الجمهورية السورية ، وفق تصوّر المنتدبين الفرنسيين وكذلك سياسيي البلد المنتمين لأقاليم مختلفة . كان الإستعمار العثماني ، الذي إستمرّ على الوتيرة نفسها من الإستبداد طوال قرون أربعة ، قد رسّخ الحياة الداخلية لكل من تلك الأقاليم المرتبطة بولاية سورية ؛ الساحلية والداخلية والجنوبية ، فضلاً عن مركزها الدمشقي . على أنّ الخلافة العثمانية في كمال قدرتها ، كانت قائمة على التعصّب للمذهب السنّي وإنكار ما عداه من مذاهب الدين الحنيف ؛ خصوصاً العلوية والإسماعيلية والدرزية وغيرها من الفرق " الهرطوقية " لشيعة آل البيت . هذا الواقع ، ما كان له إلا أن يخلق ظلماً فادحاً بحق تلك الأقاليم الشاميّة ، الغالب على سكانها التشيّع المذكور ؛ والمتجلي بحرمانها عموماً من الحقوق المستوفاة في الأقاليم الاخرى ، السنيّة .

لا غرو إذاً أن يلقى الفرنسيون والبريطانيون ، لدى إحتلالهم بلاد الشام ، ترحيباً من لدن أهالي تلك الأقاليم المضطهدة بوصفهم " محررين " ؛ في السنوات الأولى على الأقل . في الآن ذاته ، هبّ أعيانُ السنّة في سورية ولبنان ، إلى الدعوة للجهاد المقدس ضد الإنتداب الفرنسي ، بعدما فقدوا تدريجياً إمتيازاتهم التي تنعموا بها أيام السلطنة الهمايونية ، المندحرة . ثمّ كان مشروع تقسيم سورية إلى دويلات على أساس جغرافيّ أو مذهبيّ ؛ والمتمثلة بالعلويين ( الساحل السوري ) والدروز ( جبل العرب ) وحلب ودمشق ، فيما إحتفظ جبل لبنان نهائياً بإستقلاله تحت وصاية الدولة المنتدبة . إلا أنّ التداخل المذهبي في الإقليم الواحد ، خلق إشكاليات شائكة للفرنسيين ؛ كما في مثال دولة الساحل السوري ، التي وقع فيها أبناء الطوائف المسيحية والإسماعيلية في قبضة المشايخ العلويين ، الظالمة . علاوة على أن صلف ضباط وساسة الدولة المنتدبة ، هنا وهناك ، أجج مشاعر الكراهية ضدهم مؤذناً بثورة شعبية إمتدت في منتصف العشرينات إلى معظم الأقاليم السورية . ولأول مرة في تاريخ البلد ، يتوحّد خطاب الجماعات السورية في المطالبة بالإستقلال الناجز ، ضمن وحدة الوطن الواحد . فما مضى ذلك العقد حتى شهد التالي له ، نشوء الجمهورية السورية تحت الإنتداب الفرنسي ؛ وكان رئيسها _ يالمصادفة التاريخ ! _ كردياً دمشقياً ، هو الوجيه الأرستقراطي محمد علي العابد .

ليس وارداً لدينا هنا ، أيْ إسقاط تاريخيّ على الحالة العراقية ، الراهنة . بل نتابع ما إعترى حال سورية تحت الإنتداب الفرنسي . لنجد هذا الأخير يستفيد من الهدوء النسبي المخيم على البلاد ، فيُقيل عثرة َ جيشه من خلال رفده بفرق خاصة ، محليّة ، مؤلّف كلّ منها من عناصر مذهبية أو إثنية محددة ؛ كالمسيحيين والعلويين والإسماعيليين والدروز ، إضافة للأكراد والشركس .. وغيرهم . هكذا وجد أبناء الأقليات المذهبية أنفسهم ، للمرة الأولى ، في جيش محليّ ، منظم ؛ هم الذين كانوا ممنوعين من خدمة كهذه طوال قرون من السلطنات الإسلامية ، السنيّة . رغم مساويء الإدارة المنتدبة في نواح عدّة ، إلا أنها أسهمت بتحديث سورية وإخراجها صناعة ً وإقتصاداً وتجارة وثقافة من ظلام القرون العثمانية ، الوسيطة . كانت الطائفة العلوية ، بحسب المراجع التاريخية كافة ، أكثرالفئات المار ذكرها ، تحصيلاً لنِعم الفرنسيين : لقد تخلصوا من وضعيتهم المزرية كمواطنين من الدرجة الثالثة ؛ يسبقهم في درجة التصنيف المسيحيون الذين تمتعوا على الأقل بإعتراف السلطات السابقة كـ " أهل ذمّة " . علاوة على حقيقة أنّ الدروز ، وإلى حدّ ما الإسماعيليين ، كان حالهم أقلّ وطأة في زمن العثمانيين ، بسبب أمرائهم ومشايخهم الذين إدعى الكثير منهم ، تقيّة ً ، إنحداره لأنساب قرشيّة شريفة .

حصّة الأسد من مكارم الإنتداب الفرنسي ، إستحوذ عليها إذاً علويو البلاد ؛ الإنتداب نفسه ، الذي يُذم حالياً في " سورية الأسد ! " ، سواءً بسواء من خلال المسلسلات التلفزيونية أو القنوات الإعلامية الاخرى . إنتسب الطالب الفقير ، حافظ الوحش ( وهو إسمه الحقيقي ، كما باح به بنفسه لصديقه الصحفي باتريك سيل ؛ الذي ألف عنه كتاب " حافظ الأسد : مسيرة مقاتل " ) للمدرسة الجوية ، في بداية الخمسينات ، ليتخرج منها فيما بعد ضابطاً . قبل ذلك التاريخ كان بنو جلدته ، من العلويين ، قد سبق لهم وأتخموا الجيش السوري بمختلف مراتبه . بالرغم من ميولهم السياسية ، المختلفة حدّ الإختلاف والتناحر ، فإن الضباط العلويين قد تناهى بكل واحد منهم حسّ عال بالمسؤولية تجاه طائفته ؛ وهي حقيقة لا يُمترى فيها قط : بدليل نزوح مراتبهم العسكرية من صفوف الحزب القومي السوري ، إثر ضربه وحلّه أواسط الخمسينات ، بإتجاه حزب مناقض له في العقيدة ؛ هو البعث العربي الإشتراكي ، الفتيّ آنذاك . علاوة على تشكيل ما أسمي بـ " اللجنة الحزبية العسكرية " ، التي عُدت بمثابة هيئة أركان إنقلابية ؛ والمستأثر فيها العلويون بغالبية الأعضاء ، وبينهم كان حافظ الأسد نفسه . بعد نجاح الحركة العسكرية المسماة " ثورة الثامن من آذار " ، شمّر أولئك الضباط المنتمون للأقليات المذهبية عن ساعد الجدّ ؛ فما أسرع ما أطيح بالرفاق العسكريين ، السنّة ، الملتفين حول قيادة الحزب ، القومية . ليباشر العلويون حصرياً مهمة قيادة أجهزة الجيش والأمن ، إثر تطهير واسع إنتهى بإستلام الأسد سدّة الرئاسة : هكذا إبتدأ في تاريخ سورية ، الحديث ، عهدُ الطائفة المختارة والعائلة المقدسة والأب القائد !

للحديث صلة ..

الحوار المتمدن

   [ POSTED  @ 3:18 م ]


 

آذار نامه

مسعود عكو

خاص – صفحات سو