unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2007-07-25  

علمانيون، ديمقراطيون، وإسلاميون... ولكن أين الأمة؟

ياسين الحاج صالح

خاص – صفحات سورية -

في التصور المتداول عربيا للعلمانية، ثمة تركيز مفرط وشبه حصري على لحظتها الانفصالية، انفصال الدين عن الدولة، وغفلة تامة عن اللحظة الاتصالية المؤسسة لها. وأعني بهذه شيئين: اتصال الدولة بالأمة، أو سيادة الأمة، وهي جذع الديمقراطية كما هو معلوم؛ ثم اتصال الأمة بذاتها وشروط حياتها المعاصرة، بما يلبي وظيفتي التماهي الداخلي والغيرية أو الاشتراك في العصر والانفتاح على العالم.

يتعلق الأمر بالنهضة الثقافية وتطوير منظومات معرفية ورمزية وقيمية تمكن مجتمعاتنا من استيعاب شروط حياتها وتملك واقعها وإضفاء معنى على وجودها وتوسيع أفق المتخيل أمامها، أي باختصار تكون ثقافة (ثقافات) قومية متطورة أو عالمية. والمقصود بهذه ثقافة قومية نمت ثقتها بنفسها فتخطت أنانيتها الطبيعية، وأخذت تتعاون بثقة مع غيرها من الشعوب والثقافات في صنع عالم متنوع ومفتوح.

وليس بُعدَا اللحظة الاتصالية عنصرين في إشكالية العلمانية كما تطورت في الغرب. فهذه تقتصر على استقلال الدولة أو حيادها حيال الأديان. هذا مفهوم. ففي العملية التاريخية التي تشكل فيها الغرب الحديث كان تحويل السيادة إلى الأمة، وقد تمخض لاحقا عن الديمقراطية، مقترنا بتشكل الأمة ذاتها وبروز محددها السياسي والثقافي الدنيوي على حساب محددها الديني. وكانت النهضة الأوربية التي أضفت صفة نسبية على النظرة المسيحية إلى العالم، والإنسانوية التي جعلت من الإنسان مركزا للكون ومقياسا للأشياء، والإصلاح الديني الذي فرّد الدين وأسهم في صنع الضمير، كانت أوجها لتحول تاريخي، برز انفصال الدين عن الدولة محصلة له وتعبيرا عنه في الوقت نفسه. بعبارة أخرى، للعلمانية في الغرب تاريخ، أو "ما قبل تاريخ"، يسبقها زمنيا ويؤسس لها منطقيا.

وإنما لحظتا الاتصال السياسية، أي الديمقراطية، والثقافية، أي الهوية القومية المتطورة، هما ما يشكل المضمون الإيجابي الذي تستند إليه العلمانية بوصفها فصلا. ولا تحوز العلمانية هذا المضمون الإيجابي من تلقائها، فهي مفهوم سلبي أصلا.

سجال ديمقراطي علماني: ما الذي يغيب؟

على أن اللحظة الاتصالية السياسية قد تحضر لدينا في صورة سجالية على شكل تساؤل: علمانية أم ديمقراطية؟ أي فصل بين الدين والدولة أم وصل بين الدولة والأمة؟ كما لو أن من المحتم أن تكون العلاقة بين العمليتين إقصائية. وسنحاول هنا أن نقول لماذا تبدو كذلك في مداولاتنا، وكيف يمكن أن تسير العمليتان معا.

بداية، لا يكفي الوصل بين الدولة والمجتمع من أجل الفصل بين الدين والدولة. بلى، أكثر العلمانيين العرب الخالصين لا يبالون بالديمقراطية، إن لم يصطفوا صراحة إلى جانب الاستبداد. لكن رغم ذلك الديمقراطية لا تغني عن العلمانية. بلى أيضا، قلما يهتم الديمقراطيون الأقحاح بالعلمانية، وقد يقفون إلى جانب الإسلاميين ويغفلون عن المشكلة الدينية. ومع ذلك فإن فصل الدين عن الدولة لا يضمن تكون الأمة وتأهيل الدولة الديمقراطية. وسنقول على الفور إنه يغيب عن طرحنا قضيتي الديمقراطية والعلمانية مسألة تكون الأمة والعلاقة بين الأمة والدين. كيف ذلك؟

إن تمحور كل من الديمقراطية والعلمانية في التداول الثقافي والسياسي العربي حول الدولة، هذه التي يراد فصل الدين عنها مرة ووصل الأمة بها مرة، يُبقي العلاقة بين الدين والأمة خارج التفكير. إذ بينما تنشغل الديمقراطية بوصل الدولة والأمة، وتهتم العلمانية بفصل الدين عن الدولة، ليس ثمة مقاربة فكرية سياسية تعنى بأمر العلاقة بين الأمة والدين. هنا ثمة فراغ فكري وسياسي، هو الذي يملأه الإسلاميون. فهؤلاء يصادرون على تطابق الأمة والدين، الإسلام بالطبع، وتاليا يتقبلون الديمقراطية مفهومة كتعبير للدولة عن "الأمة الإسلامية" أو الوصل بينهما، ومن ثم سيكون القرآن هو الدستور والشريعة هي القانون والإسلام هو الحل. ومن المفهوم أن العلمانية تمسي لا معنى لها. فالفصل بين الدين والدولة سيعني الفصل بين الأمة والدولة، أي القضاء على "الديمقراطية" ذاتها.

الأمة السياسية والأمة الدينية

لكن هل ثمة تطابق بين الدين والأمة؟ هل الأمة إسلامية؟ الإجابة الواضحة على هذه السؤال لا مناص منها لأن افتراض إسلامية الأمة هو حجر الزاوية في عقيدة "الإسلام السياسي". وأضعف الإجابات فيما نرى هي تلك التي تقول لسنا كلنا مسلمين، بيننا مسيحيون.. إلخ. وأمتنها هي التي تقول إن "الأمة الإسلامية" هي جزء من أممنا المعاصرة، أو حزب فيها، وقد تكون حزب أقلية. هذا لأن الاجتماع السياسي الحديث مولد لانقسامات متعددة المستويات في كل المجتمعات والثقافات، وهذه الانقسامات تحدد خيارات الأفراد والجماعات مضعفة تأثير المحدد الديني. وصعيد الوحدة الوحيد الممكن في هذه المجتمعات هو الدولة والسياسة، الصعيد المعني بصنع إجماعات أو أكثريات متبدلة، تقوم على أسس من المصلحة والحكمة البشرية والمعرفة الدنيوية. والانقسام المتعدد المستويات قائم في مجتمعاتنا كما في غيرها، ولو تمتعت هذه المجتمعات بسويات أوسع من الحرية لظهر تنوعها وانقساماتها بصورة أوضح (وربما لطورنا هياكل سياسية صانعة لإجماعات تعدل الفاعلية الانقسامية).

وهنا ينبغي أيضا إجراء التمييز الأساسي بين أمم المواطنين، أو الأمم السياسية، وبين أمة المؤمنين، أو الأمة الدينية. فالأولى تعيش في هذا العالم وتعرف نفسها به، تعاصره وتنازعه وتسهم في تشكيله وتعترض عليه، فيما الثانية تعيش في عالم عقائدها والتزاماتها الدينية الثابتة. وإذا كان يبدو أن أمتنا الدينية تجمع بين الانسحاب من العالم والخروج عليه، فلأنها تريد أن تجعل من نفسها أمة سياسية في الوقت نفسه، أو تجعل من الدين سياسة. لكن من حيث المبدأ، ما من تعارض جذري ونهائي بين الأمتين السياسية والدينية، لكنهما غير متطابقتين، والعلمانية هي صيغة تنظيم العلاقة بينهما. بل إن التمييز بينهما هو شرط العلمانية.

لكن ما الأمة السياسية أو أمة المواطنين؟ وهل تنتظم بلداننا كأمم سياسية؟ وما هي القيم والمعاني والرموز والقوانين والمفاهيم التي تنتظم حولها أمة المواطنين؟ هنا المشكلة. العلمانية الانفصالية تنشغل بفصل الدولة عن قيم ورموز ومعاني وقوانين دينية، فلا تجيب على السؤال، أو هي تحيل إلى "العصر" و"العالم" إحالة مجملة، تضمر أن العناصر الثقافية تنتقل من مجتمعات ("متقدمة" و"عصرية") إلى أخرى ("متأخرة") دون إشكال. وهي بذلك تطلب الغيرية دون هوية، أو لا تهتم بوظيفة الهوية أصلا. وبالطبع لن تقوم ثقافة قومية متطورة على ساق واحدة. والديمقراطية الاتصالية لا تجيب، مفترضة أن أمة المواطنين أمر معطى، وأن المشكلة الوحيدة هي انفصال الدولة عنها. أما الإسلاميون فيجنحون إلى تحجير الهوية حين هم، على عكس العلمانيين، يمنحون قيمة مطلقة للهوية أو التطابق مع الذات، ولا يهتمون بوظيفة الغيرية أو التعاون العالمي والمشاركة في العصر. هنا أيضا لا تقوم ثقافة قومية.

العلمانيون لا يهتمون بأساس ثقافي وروحي ورمزي تقوم عليه الأمة، الإسلاميون يعتبرونه موجودا بلا إشكال وهو "الإسلام"، والديمقراطيون يحيلون إحالة مجملة إلى "ثقافتنا". لكن يبدو لنا أن تصور الأمة دون أساس ثقافي وروحي ورمزي، على ما يغلب استخلاصه من مفهوم العلمانية الانفصالية، هو السر في ما تبثه لدينا الأدبيات العلمانية من أنها تغفل شيئا أساسيا، قلما نعرف كيف نسميه. هذا أمر يعني الديمقراطيين أيضا. فالأمة التي يمكن أن تنتظم ديمقراطيا هي أمة متميزة عن الدين، مستقلة عنه. ليست أمة دينية. إنها أمة مكونة من أفراد وشرائح وتشكيلات اجتماعية طوعية، استقل منتسبوها عن روابطهم الدينية والدموية. ليست الأمة الديمقراطية معادية للدين، بل قد تكون أمة متدينة إلى حد كبير، لكنها ليست بالقطع أمة دينية، وبالتأكيد لا يحكمها الدين بل تحكم نفسها.

لكن ما عساه يكون الأساس الروحي والرمزي والثقافي للأمة؟ ليس الدين بالتأكيد لأن الأمة التي تنتظم حوله دينية، والأمة الدينية هي جزء فحسب من أي من "أممنا" الراهنة. وليس العلمانية لأن هذه لا مضمون إيجابيا لها. وليس ثقافتنا الراهنة بما فيها من دين ولا دين كما ربما يرى الديمقراطيون، لأن هذه فاقدة للاتساق وضعيفة الإبداعية، ومن الواضح أنها لا تمثل ثقافة قومية متطورة، تلبي وظيفتيْ الهوية والغيرية بكفاءة.

إذن، لدينا أساس ثقافي وروحي، لكن الأمة التي تنتظم حوله دينية وجزئية، ولدينا أمة سياسية افتراضية لكنها تفتقر إلى أساس ثقافي وروحي حيوي ومتسق. فهل يمكن تطوير الأساس الثقافي الروحي المتاح ليصلح ميثاقا لأمة جديدة؟ وبالتحديد هل يمكن تجديد الدين الإسلامي أو إصلاحه بما يناسب تكون أمة مواطنين، أي بما يسهل العلمانية ويلائم الديمقراطية؟ لا نرى بديلا عن ذلك.

إصلاح ديني وثقافي

في هذا الصدد، هناك موقفان متطرفان: موقف من يريد عزل الدين تماما أو إقالته من الحياة العامة، وموقف من يعتقد أن الإسلام الحالي يصلح أساسا أو عنصرا أساسيا في اجتماعنا السياسي والثقافي الحديث. ضد هذين ننحاز إلى مبدأ الإصلاح الديني. ونعطي لهذا المفهوم مضمونا يتصل بنفي الإكراه وكل ما يتصل به من الدين، وتعهد إقامة هذا على الوجدان أو الضمير المستقل. ونعتقد كذلك أنه يجب التحرر من أوهام عزل الإسلام أو دحره، لا لأنها متطرفة جدا وعدمية فقط، ولا لأنها تصدر عن روح عدائية عقيم، لا تستطيع أن تفهم أن حضور الإسلام وانتشاره طوال 14 قرنا يعني أنه يستجيب لمطالب وحاجات روحية واجتماعية أصيلة، وإنما كذلك لأن أمة بلا ركائز روحية ومعنوية صلبة وعريقة هي أمة يصعب أن تكون حرة ومبدعة. وهنا نستطرد قليلا في شأن العلمانية العربية، التي يجنح كبار ممثليها وصغارهم بسهولة نحو موقف معاد للدين الإسلامي. ربما هذا ما يمنعهم من تبين أهمية أساس ثقافي وروحي غني للأمة. ونرى في هذا الصدد أنه يتعين فك الارتباط بين العلمانية والعداء للإسلام إن كان للعلمانية أن تكون تيارا فكريا وسياسيا ناهضا ومستقبليا في بلداننا.

من جهة أخرى، دون إصلاح ديني ينبذ الإكراه سترتد الديمقراطية إلى تقنية سياسية معدومة أو محض إجراء، لا شيء يضمن الثبات عليه. كذلك دون إصلاح ديني ستفرض العلمانية بالإكراه.

على أن الإصلاح الديني ركن أساسي، أو الأساسي، في إصلاح ثقافتنا بأبعادها الرمزية والأخلاقية والمعرفية والجمالية، باتجاه توسيع طاقتها الاستيعابية وتطوير قدراتها الإبداعية. إن ثقافة رفيعة المستوى، فنيا وفكريا وعلميا..، تلبي من المطالب الروحية ما قد يخفف الضغط على الدين. اعطني ثقافة رفيعة راقية، أضمن لك انفصالا ميسورا للدين عن الدولة. وبالعكس من شأن ثقافة مشتتة الروح، محدودة الإبداعية، قاصرة عن القيام بوظيفتي الهوية والغيرية، أن تكتنفها التمزقات والصراعات والعدوانية وجفاف الروح، وأن تنشغل بالسلطة وتدور حولها، بما في ذلك دينها أو أديانها.

في الختام، ينبغي أن يكون اتضح أصل التنافي بين الديمقراطية والعلمانية في تداولنا الفكري والسياسي المعاصر: غياب الأمة. يريد الديمقراطيون وصل الدولة بالأمة كما لو أن هذه قائمة ونشطة ودون اشتغال على ثقافتها ودينها، ويريد العلمانيون فصل الدين عن الدولة دون اهتمام بقيام الأمة ثقافيا وسياسيا. هذا لا ينجح. ولن ينجح.

فإن كان للديمقراطية والعلمانية أن تتقدما معا، فينبغي أن تولد الأمة. هذا يوجب إصلاحا دينيا ونهوضا ثقافيا.

   [ POSTED  @ 12:58 م ]


 

المشروع الأبيض لإلغاء الرقابة في سورية (2+3)

ابراهيم الجبين

خاص – صفحات سورية -

أنظر الجزء الاول من هذه المقالة

الفكرة تتطور... والمشاركون يزدادون حماساً..‏

المزيد من الأصوات ترفض الرقابة السورية على الكتاب وتطالب بتغيير آلياتها !!‏

كان لنشر الجزء الأول من (المشروع الأبيض) وقع أكبر، وأكثر تأثيراً مما خمّن له المتشائمون.

أما المتفائلون، ونحن منهم، فلم يخب ظنهم، إذ كان من البدهي أن يعترض كتّاب سورية ومثقفوها على الشكل القائم للرقابة، ولم يستطع، حتى المستفيدون من الإبقاء على جسم الرقابة المتكلّف المتقشّر الحالي، لم يستطيعوا كبت بهجتهم بجرأة المناقشات التي جرت في الحلقة الماضية. هذه حقيقة، وما حصل هو أن نوعين من ردود الفعل تولّدا ، الأول: رد فعل مضطرب وخائف، تحسّب كثيراً للمشاركة في الملف واعتبر أن مجرد ذكر اسمه فيه، هو نوع من الانتحار، والفعل غير مضمون النتائج! لن نذكر أسماء هؤلاء، بعضهم تأخر في الرد بحجج كثيرة، وبعضهم طلب وقتاً للتفكير، وبعضهم اعتبر أن من تحدثوا في الحلقة الأولى يقولون ما لا يفعلون! رد الفعل الآخر وهو ما يسمى بالأخبار الطيبة.. فقد تحمّس كثيراً، وطالب بأن نزيد من حرارة النقاش، وبإطالة الجدل والحوار للوصول إلى ما نطمح إليه، وسارع إلى المشاركة سواءً عبر البريد الإلكتروني أو الحوار المباشر؛ وأكثر أشكال الاستجابة حميميةً هي استجابة الدكتور طيب تيزيني الذي قدّم مداخلته ـ هاتفياً ـ وبحماس وتفاؤل بما يسمع؛ وكذلك، بلهفة وسرعة كريمتين، مفتي الجمهورية الدكتور أحمد بدر الدين حسون حين حاولنا الاتصال به، تحدث إلينا من أوسلو، وطلب أن نحجز له مكاناً في المشروع، وهو يمثل أعلى جهة تشريعية دينية رسمية، لها كلمتها أيضاً في ملف الرقابة. خاصة حين يدور الحديث عن الممنوعات ـ المحرمات، أو المحاظير الدينية التي تنشر في كتاب. كذلك رئيس رابطة علماء بلاد الشام الدكتور وهبة الزحيلي، قدّم رأياَ مميزاً يثبت وبوضوح أن مؤشرات العقل الديني أكثر انفتاحاً، ربما، مما يظن كثيرون!!‏

الدستور ..سيد الحاكمين و... المراقبين‏

لدينا اليوم أصوات جديدة، واقتراحات من نوع آخر، وتحليل مختلف للآلية الهدف ـ الرقابة، ولم يكن لدينا تحفظ على استشارة خبراء إعلاميين من غير السوريين...‏

مانويلا رومير ـ إعلامية ألمانية ـ خبيرة في الـ ASBU :

لا أعرف الكثيرعن الرقابة في سورية؛ أسمع من أصدقائي من الكتّاب معاناتهم، واضطرارهم إلى اللجوء إلى دور النشر اللبنانية وغيرها، وحتى سمعت أن بعضهم يلجأ إلى دور نشر سورية ولكن لها مكاتب في الخارج، لطباعة أعمالهم التي لا تحصل على موافقة من الرقابة؛ حضرت مؤتمراً حظر فيه توزيع كتاب يناقش في فعاليات المؤتمر ذاته، كان الكتاب(فلينزع الحجاب) وقد تعرض المسؤول عن الموضوع لمشاكل مختلفة.‏

في ألمانيا لا توجد رقابة قبل الطباعة، ولكن أي شيء يتم نشره، ويحتوي على أفكار مضادة للمجتمع، مثل حقوق الطفل، وحقوق الإنسان بشكل عام، يتم الاعتراض عليه من قبل الأشخاص المهتمين بالأمر؛ أقول إن الامر صعب، لأن الحدود بين الحرية واحترام عقائد ومحاظير الآخرين، حدودٌ غير واضحة تماماً ليس لدينا في ألمانيا ما يسمى (رقابة)، ومن لا يعجبه بعض ما ينشر في الكتب، يمكنه أن يلجأ إلى المحكمة أو إلى البرلمان؛ هناك في وزارة الداخلية لجنة تعمل على حماية الدستور اسمها (VERFASSUNGSSCHNTE) وكل سنة تقدم تقريراً يحتوي على بعض الملاحظات حول الكتب وغيرها، وترصد ما يعارض الدستور، وإن شاء الله لن يكون هناك ما هو غير عادل في الدساتير.‏

ـ كيف ترين، كخبيرة، حل مشكلة الرقابة عملياً مع المحافظة على آفاق العمل في الكتابة والنشر؟‏

أفكر في التالي: إذا كان لديكم، مثل ألمانيا، نظام للنشر يسمح بإصدار الكتب، دون أن تتعرض للمراقبة قبل الطباعة، ثم بعد ذلك لو رأى أحد ما لا يناسبه، وما يتنافى مع القوانين، يمكنه أن يتقدم إلى جهة عليا تنظر في الموضوع؛ لا يمكن أن يحدث هذا بين اليوم وغداً، يجب أن يكون واضحاً ما هو الممكن نشره، وما هو الذي لا يمكن أن ينشر في كتاب؛ ليس فقط ما يعتبر ضد الدولة أو الدين وغيرها من الممنوعات، أحياناً يوجد مسؤول ما! لا يفضل أن يرى موضوعاً ما في كتاب! وهكذا؛ أنت تعرف ما يقولونه عن حساسية موضوع الهولوكوست في أوروبا! .. ومع ذلك، فإن الكتب تتحدث بحرية، وأحياناً تنفي وجود الهولوكوست من أساسها، يمكن لليهود أن يذهبوا إلى البرلمان ويحتجوا على ذلك، لا أحد يمنعهم ولكن الكتب تنشر.‏

نصف التفاحة لأبنائنا والنصف الثاني للـ...رقيب!!‏

ما يجعل الامر مؤلماً هو أننا نفقد قسماً كبيراً من معارفنا، بوضعها بين يدي الرقيب، لأنه سيقضم ما يطيب له قضمه، ويترك للقراء، ولمن سيرثهم، ما رضيت عنه ثقافته وذائقته، مما يزيد الامور تعقيداً، أكثر من تعقيدها أمام الاجيال التي تتلقى وسط هذا الضجيج..‏

محمد خير الجمالي ـ إعلامي ـ مدير تحرير الثورة سابقاً:‏

قد تكون أحد الذين راقبوا وروقبوا كثيراً!! لا أعرف موقفك الآن؛ ولكن، هل تعمل الرقابة برأيك بشكل صحيح؟‏

المشكلة في الرقابة، أنها تقنن الفكر، وتحذف كثيراً من الحقائق العلمية والتاريخية والسياسية والاجتماعية، فضلاً عن كونها تخضع لمدى ثقافة الرقيب وجرأته، فإن كانت ثقافته ضحلةً تراه يشدّد من الرقابة، مما يسيء إلى جوهر الفكر وحرية التعبير، إضافة إلى تزويد الجيل بحقائق مشوّهة، أو معلومات غير مكتملة عن موضوع الكتاب! لذلك أراني غير متفق مع الرقابة، بشكلها الحالي.‏

ـ وماذا تقترح ما دمت غير متفق مع الشكل الحالي للرقابة؟‏

لكي أوضح ما قصدت إليه، أقول: بأن الرقابة يجب أن تكون على الرأي الذي يخدش الذوق العام، ولا يتفق مع الأخلاق والقيم الأصيلة في مجتمعنا العربي، وذلك يكون بعد وضع الكتاب في شكل مخطوط، ومن ثم يعرض على لجنة مختصة ولا يخضع لرأي فردي، فإن كان الكتاب حول التاريخ مثلاً، يجب ألا يراقب إلا من قبل لجنة مختصة، ومشهود لها بأمانتها العلمية، فيما يتعلق بكتابة التاريخ، وليس بالشكل الذي ترغب به السياسة، لأننا شوّهنا تاريخنا كثيراً بصراحة، مما حرم الأجيال من حقها في معرفته على حقيقته.‏

(ننصح بقراءته) ..الجملة الحلم في سورية!!‏

في العالم يحتفلون بالكتاب، لاعتبارت أكثر بقليل من كونه سلعةً ـ ولكن ما الضير في ذلك!!ـ ويقيمون له حفلات توقيع، ويرصدون حركته، ويعلنون عنه في كل مكان، عندنا يحظر الإعلان عن كتاب جديد ـ إلا إذا كان الكتاب مدعوماً بشكل ما!! ـ ويشغلون ماكينات الملاحقة، لترصد، ولكن هذه المرة، مخالفات الكتاب، ومخاطره؛ لعل الفارق واضح!‏

الأرقم الزعبي ـ باحث:‏

هناك مرونة كبيرة الآن عن المرحلة السابقة، ومساحة تسمح بحريّة أكبر، طالما أحسنّا التقدير والظن، وعند الحديث عن الرقابة يحق لنا الإشارة إلى النقاط التالية: الرقابة على كتاب، تنبع من الكاتب أصلاً، وكل كاتب يعتقد أنه يقدّم أفضل ما عنده، أفضل قصيدة، أفضل بحث.. إلخ، وهو معجب بما كتب، وأي ملاحظة حول ما يكتب، من أي جهة تعدّ هجوماً على حرية الكاتب، وتقزيماً لها، مهما كانت مرجعية هذه الجهة وقداستها!! لذا أرى أننا في زمن تصح فيه العبارة (ممارسة العلنية في السرية والسرية في العلنية)!.‏

وأسوة بالدول التي همّشت الرقابة، إلى حد اليباس والموت، نرى تفعيل الهيئة العامة للكتاب التي أحدثت، ولم تفعّل إلى الآن، وكأنها لم تصدر لها قوانين ناظمة؛ ونرى أن الدور الأساس الذي يجب أن تلعبه الهيئة، ليس مراقبة وإجازة المسموح والممنوع، بل منح أي كتاب يعرض عليها سماحية النشر والطباعة، مذيّلاً بعبارة (ينصح بقراءته) كون هذه الجهة المفروض بها أن تكون جهة فنيّة، ناصحة للقارئ وليس للكاتب!‏

أقول ذلك لنستفيد من تجربة الجمعية الفرنسية للكتاب التي هي لجنة اختيارية، وليست إلزامية، يتقدّم إليها الكاتب بكتابه، من أجل قراءته وتزويد القارئ بنصائح تزيد من إقبال الجمهور على الكتاب وأيضاً لـ(حماية وقت القارئ).‏

الدكتور نذير العظمة ـ شاعر وباحث:‏

أعتقد أن التركيز على إلغاء الرقابة على الكتاب سيعطي مساحة حرية واسعة، وضرورية للبحث العلمي والحضاري ، ويجب أن نرفع الرقابة عن الكتاب بأسرع وقت،.في الكتاب توجد مسؤولية، المؤلف يمارس مسؤولية في الكتاب ربما لا توجد في المقال، أو البحث الجزئي، ويمكن أن نرى رداً على كتابٍ ما بكتاب آخر؛ وأن تصادر الحرية في الكتاب يعني أن تخرّب هذه العلاقة القائمة بين أشكال التفاعل العلمي. ولا شك أننا في العالم الثالث، قد تعودنا على الرقابة، حيث أصبحت من الممارسات المؤسسة في حياتنا الفكرية؛ أقترح أن تعطى مساحة أوسع لإجازة الكتب من جهة، وأن تعطى حرية للكتاب من جهة أخرى بعد طباعته،حتى إذا احتجّ أحدٌ على الفكر الوارد في الكتاب المنشور يمكنه أن يرد بالفكر؛.مقارعة الفكر بالفكر وليس بالمنع والحجب!! الرقابة، بشكلها القائم، وإن كانت تمارسها وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب، هي وصاية على الفكر.‏

‏ كيف نحمي المشروع ؟!‏

المرجعيات التي امتازت بها سورية بقيت على الدوام مرجعيات فكرية ومعرفية ،وقامات عالية، يعتد بآرائها وتفكيرها الفعّال باستمرار؛ والدكتور طيب تيزيني إحدى تلك القامات، ويحق له أن يتفاءل خيراً بالمشروع الأبيض، ويحق لنا أن ننظر جيداً في طريقته ـ كرجل فكر وبحث واسعين ـ في النظر إلى الفكرة،إلغاء الرقيب، أو إضعافه...‏

الدكتور طيب تيزيني ـ مفكّر سوري :‏

فكرة جيدة ..أن نلغي الرقابة على الكتاب، وتأتي في وقتها، لكن في المرحلة الحالية، والآن تحديداً، قد تلتمع فكرة يمكنها أن تكون مدخلاً إلى الفكرة الأولى، أعني لماذا لا يفكّر بمسألة أكبر وأوسع، ولو تحققت ستسمح لمشروع إنهاء الرقيب على الكتاب، بأن يصبح قابلاً للتحقق، أعني أن سورية الآن بحاجة ماسة إلى العلاقات الثقافية والسياسية والاجتماعية، إذا ما استطاعت أن تحقق هذه المرجعيات الثلاث، ومن الضروري أن توضع في إطار (المرجعية).‏

وأنا، حين سمعت بهذا الاقتراح، شعرت بشيء من الفرح، لكن أتساءل في الوقت ذاته، أليس ضرورياً بأن يُفكّر بما يحدث على الصعيد السوري، عموماً؟ وبالتالي، على صعيد فتح المجتمع السياسي والثقافي؟.. إن الفعل السياسي هنا ليس محاذياً للفعل الثقافي، بل هو صنوه، والمدخل إليه، وبالتالي فالتفكير بقانون جديد وعصري للأحزاب، يمثّل استحقاقاً حاسماً لإعادة النظر في كثير من نقاط القصور التي يواجهها المجتمع السوري؛ إن حديثاً عن إلغاء الرقيب على الكتب والمجلات والثقافة عامة، لا شكّ أنه هام، ولأنه حقّاً هام يطرح سؤالٌ نفسه: كيف يمكن أن نتيح لذلك الاقتراح الخاص برقابة الكتب أن يصبح واقعاً محققاً وأن يُحمى ؟! الإجابة في ظني تتأسس على إعادة بناء المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وهذا سيكون لصالح النظام السياسي السوري ذاته ، كما للمجتمع السوري، ولهذا أرّحب بالاقتراح المقدّم، حول التفكير بإقصاء رقيب الكتب، أو بإضعافه، لكن مع ملاحظة، أراها مدخلاً إلى ذلك، وهي أن نضع مفهوم الحرية العمومي، حصناً وتحصيناً للمسألة الثقافية، فأنا أدعو إلى إعادة النظر بالملفّين السياسيّ والثقافي؛ الأول لأنه سيسمح بإنتاج إمكانات واسعة لحرية الحوار، على الصعيد المجتمعي العمومي، ومن ثمّ، فإن كلاماً عن زحزحة الرقيب الثقافي، يمكن أن يكتب له مصداقية في سياق الحديث عن إعادة بناء المجتمع السياسي، مجتمع الأحزاب والصراعات السياسية السلميّة، ولعل ذلك، إذا ما حدث، يخفف من القبضة التي تسعى إلى حصار سورية خارجاً وداخلاً، فتحصين سورية هو أولاً ،وأولاً، تحصين لها من داخلها.‏

الرقابة سببها الخوف والخوف سببه الضّعف!!‏

تلك المعادلة توصلت إليها أثناء محاورتي هذا العدد من الضيوف. ولعل معظمهم بدأ يدرك ذلك، من يخشى من كلام منشور في كتاب فهو قلق جداً، وليس لديه ما يجعله مطمئناً لما هو عليه، وهذا معاكس لواقع الحال، الجميع يتفقون على أن يترك الناس وشأنهم فيما ينوون كتابته، ولن يتغيّر شيء بسبب صفحات مغلفة لا يباع منها سوى نزر يسير كل عدة أشهر!! وحين يقول لك ضيفك وأنت تحاوره ، لا مانع من أن نسمع رأي الناس في الكتب، فهذا دليل على أن الخشية المبطّنة الأولى قد زالت، وأن وهماً فقط يعشش في رؤوس القائمين على تعديل هذا المبدأ التقني( الرقابة على الكتاب)، وهمٌ يقول بحرصهم على مراعاة حساسيات سياسية ودينية واجتماعية.‏

الدكتور وهبة الزحيلي ـ رئيس رابطة علماء بلاد الشام ـ عضو مجلس الإفتاء الأعلى ـ جدة:‏

بسم الله الرحمن الرحيم..أما بعد..فإن الرقابة موجودة في بعض بلدان العالم، وذلك من أجل الحفاظ عى خط الدولة أو النظام العام، الذي تسير عليه، وقد يكون هذا الأمر، صَلُحَ واستفِيد منه، في عهد مضى، أما الآن فقد تغيّر العالم وتطوّرت وسائل الاتصال، فإن كانت الغاية في ذاك الزمن ضبط ما يكتب، فالآن لا يمكن ضبط اي شيء، في ظل الانترنت والفاكسات والفضائيات، وأصبح من غير المفيد، وجود وأما من هذه الرقابة. من يبحث عن نزاهة الكلمة وسمّوها،فهذا حيّز يجب على الكاتب. أن يراعيه، ولا ينبغي تقييد حرية الإنسان، لأن الحرية، من أسس الديموقراطية والعيش الكريم.‏

لم يعد موافقاً لاتجاه التطور أن نقوم بمراقبة مايكتبه الناس بهذه الطريقة البدائية التي تتم الآن.‏

أصبح الناس يتعلقون بكل خبر لم يخضع للرقابة، وبالتالي هم سيتعلقون بكل ما لا يراقب، من كتب ومجلات وغيرها، واتجه اهتمامهم نحو المصداقية والارقام والإحصاءات، من أجل الوصول إلى الحقيقة، ونقع في بؤر التخلّف والتعصب وضياع المقدرات وفي أمور كثيرة من هذه بسبب غياب الرأي الآخر.‏

ولكن ماذا عن حساسية المؤسسة العلمية الدينية اتجاه بعض الكتب والنصوص الإبداعية؟ وأنتم تعرفون حديث النبي (ص) لعثمان بن مظعون حين بلغه تشدّده،قال( ياعثمان،إن هذا الدين لمتين فأوغل فيه بيسر)..على ماذا يخشى أصحاب تلك الحساسية؟! وماذا تقترح لنصل إلى ما تسميه (حرية)؟‏

بالنسبة لشريعة الحق، فهي عندنا الأقوى، ولا خوف عليها من أي شيء قد يكتبه البعض، وإذا كانت الرقابة أحياناً تقترح تغيير عبارة أو جملة، فهذا يمكن التغلب عليه من قبل الكاتب، بفضل اللغة التي تسمح بإيصال الفكرة بأكثر من طريقة،..الأهم هو من الذي يحق له الحكم على عمل‏

ما بأنه خرج عن الأصول؟ أرى أن تكون الرقابة متخصصة، وأن يكون جهاز الرقابة حراً لا سلطان لأحد عليه، فوزارة الاوقاف تمارس دورها برقابة وتدقيق الكتب المعنية بالدين فقط، ووزارة الثقافة تشرف على الكتب التي تصب في المجال الثقافي والإبداعي ووزارة الاقتصاد تقرأ الكتب المتعلقة بالتجارة والاقتصاد، لا مانع من أن نسمع رأي الناس في الكتب التي يكتبونها، ينبغي أن توزّع هذه المهام، على رقابات مختصة، ولا يمكن أن نسمح بالرأي الشاذ الذي يهدف إلى تخريب الأمة والمجتمع،..تسمع هذه الأيام عن شخص يذهب إلى إسرائيل ويدعو إلى صداقتها، وهي تحتل الارض ! كيف برأيك يمكن أن يكتب هذا الشخص عن موضوع كهذا؟ وكذلك من يحاولون اختراق أصول الأديان، ويشوهون الهدف الرئيسي منها، وهو خير الإنسان. لا يمكن أن تلغي الرقابة، ولكنك تستطيع أن تطورها، وتجعلها أكثر مرونة وأكثر علمية، واختصاصية. شعبنا بخير، وعلى درجة عالية من الوعي، ولا يحتاج لمن يراقب تفكيره بالعموم.‏

الدكتور نزار بني المرجة ـ شاعر سوري:‏

حقاً لقد آن الأوان بعد قرابة أربعة عقود، لإعادة النظر بالمرسوم رقم /31/ لعام 1971، والذي حمّل اتحاد الكتاب العرب مسؤولية الرقابة على نسبة كبيرة من الكتب التي تطبع في سورية. وبداية، إذا كنا نقبل حقيقة ما يسمى بـ (صناعة الكتاب)، فإنني أقترح إحالة هذه المسؤولية إلى (الهيئة العامة للكتاب) التي تم إحداثها مؤخراً، حيث أصبح الأمر يتطلب بالفعل وجود (إيزو!) أي أسس ومعايير لجودة الكتاب السوري، وإذا كان مثل هذا الأمر يتطلب تعديل المراسيم والقوانين الناظمة لهذا الموضوع، فهذا يشكل استجابة لدعوة السيد الرئيس بشار، الأسد لتطوير وتحديث الأنظمة والقوانين، بما يخدم المصلحة الحقيقية للوطن والمجتمع.‏

وبغض النظر عن التبعية الإدارية لـ ـ الرقيب ـ فقد أصبح وجوده حتمياً ضمن ـ ملاك ـ وظائف الدولة... أية دولة، لأنه، بطريقة ما، لا بد من ضبط إيقاع حركة أو آلية الطباعة والنشر في أي بلد في العالم.‏

إن اتفاقنا على ضرورة وجود تفاعل الرأي والرأي الآخر، يجب أن لا يعني الانسياق وراء شعارات مشبوهة، ومنح ثقة عمياء يمكن أن تسمح بتحويل شارعنا الفكري والثقافي إلى غابة وحوش، أو غابة سيقان! لأن السقف يجب أن يبقى دائماً وأبداً هو الوطن، والرقابة، بمفهومها الإيجابي، هنا تعني منح حق إبداء الرأي الآخر، وضبط آلية العمل، دون منح فرصة للذين يبحثون عن جوازات مرور للعبث بالوطن من الداخل.‏

وأنا شخصياً أتمنى أن نصل إلى درجة من الشفافية والمسؤولية، من طرفي عملية الرقابة والتأليف ،حيث تنحصر مسؤولية الرقابة على ـ المدقق اللغوي ـ!‏

وحقيقة فنحن نشفق على أحاسيس ومشاعر ومواقف بعض زملائنا الذين اضطروا للعمل في ميدان الرقابة، حيث لا يمكن للمرء أن ينكر حدوث الكثير من الأخطاء على مستوى الممارسة، بسبب اختلاف الميول والخلفيات، وحتى المستويات الفكرية والثقافية بين ـ الرقيب ـ وصاحب العمل ـ المراقب ـ (بفتح القاف)، ولا أعتقد أن أي رقيب بوسعه، الادعاء والقول بموسوعيته وإحاطته المؤكدة بموضوع الكتاب الذي يراقبه، فضلاً عن استحالة التنزه المطلق عن الأخطاء، ووجود مثل هذه الهوامش العريضة، يمكن أن يسمح بحدوث الكثير من الأخطاء وكل ذلك من مبررات إعادة النظر كلياً بالواقع الحالي لآلية عمل الرقابة، حيث أن الرقابة بنموذجها الأعلى والأرقى يجب أن تكون رقابة موضوعية ومهنية وأي رقابة على سلامة اللغة وسلامة المستوى العام للكتاب.‏

المطلوب إذاً الوصول إلى توصيف عمل ومهنة ـ الرقيب ـ الذي يجب أن يكون مثقفاً، وديمقراطياً ونزيهاً وواعياً وحذراً، في الوقت ذاته، من تمريرات يمكن أن يفيد منها أعداء الوطن؛ إن الكتاب في المحصلة، هو بوح الأديب أو المفكر بمكنونات القلب والشعور والضمير.‏

وقناعتي أن الزمن والجمهور هما ـ الناقد النهائي ـ و ـ الرقيب الحقيقي ـ اللذين يحددان مصير الكتاب... أي كتاب، بين عالمي الخلود أو الإهمال.‏

كتّاب في الاغتراب ..‏

كيف ينظر الكتاب السوريون في الخارج، إلى فكرة ومشروع إلغاء الرقابة على الكتاب، وكيف يرونها أصلاً؟ لدى سورية عدد كبير من المثقفين والكتاب يعيش خارج الحدود، ولكن هل يعيشون فعلاً خارج تلك الحدود؟ حدود الرقابة؟!‏

فواز القادري ـ شاعر سوري ـ يقيم في ميونيخ:‏

السؤال المهم الذي يجب أن يطرح عن علاقة المثقف بالرقيب , ومدى تأثير ذلك على المناخ الثقافي بشكل عام هو :هل المشكلة في الرقيب أم في المؤسسة ؟, والموًسسة التي نحن بصدد الحديث عنها هنا في هذه العجالة هي : إتحاد الكتاب العرب , النموذج الاكثر تعبيراً عن هذه العلاقة الشائنة، بين المؤسسة والرقيب من جهة, والمبدع الحقيقي المقموع من جهة أُخرى, المؤسسة التي اختارت دوراً لرقيبها، ليس له علاقة بالثقافة بأي معنى من المعاني، وحدّدت له مهاماً هي في أحسن أحوالها لا تبتعد كثيرا عن مهام المخبر" الجميل " ، الطموح، والمخلص، لأن يكون جديرا بالمهام الموكلة اليه ( ونحن نتكلم هنا عن المآل الذي آل اليه الاتحاد, ولسنا بصدد رصد التحولات التاريخية التي طرأت عليه , من حيث طبيعة مهامه , ونحن في نفس الوقت لاننسى الاستثناءات المتواجدة داخله والتي هي على الأغلب مهمشة أو مقصاة أو مبتعدة).‏

وعلى ذلك نستنتج ان الرقيب الذي هو أجيرٌ لدى هذه الموًسسة، بشكل او بآخر, لن يستطيع الخروج على كونه، مخبرها "الجميل "، الذي تقع عليه ملاحقة، ليس الذي يشير اليه النص فقط, بل الاستشراف على ما يختبئ في نوايا الكاتب أيضاً, ناهيك عن المعرفة المسبقة للمواقف المطلوب منه اتخاذها , من أسماء محددة عليها إشارات استفهام أمنية, أو غير المرضي عنها على الاقل. وارتباطه العضوي مع التابو :" السياسة، الدين، الجنس "، وغالباً ما يكون هذا المخبر "الجميل", غير موًهل لأي دور له علاقة بالأدب, ناهيك عن أن يكون قادرا على تقييم العمل الابداعي الذي يتطلب أصلا , مبدعين حقيقيين لا يرضون بهذا الدور، وهذا ما يتلاءم مع طبيعة الدور التي أخذته موًسسة مثل اتحاد الكتاب العرب في سورية, على سبيل المثال لا الحصر, كونها الموًسسة المفترض فيها أن تكون الحاضن الحقيقي للإبداع , وضمير الناس الحي ــ إذا جاز لنا أن نستخدم تعبيراً كبيراً في هذا السياق ــ, والتي هي، في واقعها ـ الحاضنة الكبيرة لكل من ليس له علاقة بالابداع، هوًلاء الذين يصلحون وحدهم لأخذ دور الرقيب (وأحد الادلة المهمة هو: هذا العدد الكبيرمن غير المبدعين، وأتباعهم الحاصلين على هذا الشرف ؟ وهم لم يكتفوا بتخريب الثقافة , بل هم مصرون أيضاً على سرقة صفة الاديب والشاعر حتّى يكتمل المجد ؟) في هكذا موًسسة. أما المبدعون الحقيقيون، فيتم تجاهلهم أو إقصاؤهم، أو يبتعدون من تلقاء أنفسهم كما أسلفت، فمن هذه المشكلة الأم, لابدّ أن يولد العديد من الأبناء الشرعيين؟، رغم اعتقادنا أن الكلام العام، مهْما كان مفيداً، في هكذا موضوع , لن يكون كافياً دون تناول أمثلة حية عن علاقة المثقف بالرقيب , حدثت وستحدث طالما الحال هي الحال!. لكن المجال هنا لا يتيح استعراض أمثلة, لكوننا أشرنا بشكل سريع الى مشكلة الرقاية في سورية على وجه العموم، إن المشكلة في المؤسسة وليست في الرقيب.‏

مروان علي ـ شاعر سوري ـ يقيم في آيسن :‏

بحكم وجودي خارج سورية لأكثر من عقد من الزمن، فإن رؤيتي للرقابة على الكتاب في سورية، ستكون رؤية مبنية على مشاهداتي ومتابعاتي خلال أواخر الثمانينيات، وبداية التسعينيات ،وقتها كانت الرقابة تعامل الكتاب والكتاب بضم الكاف، كما كانت الأجهزة الامنية تعامل المعتقلين والمتهمين، فكل كاتب هو معارض مؤجل بشكل او بآخر، وكان يندر أن تسمح الرقابة لكتاب جيد بالمرور،في غرفها الملوثة بالرؤية الحزبية الضيقة، مشكلة الرقابة في سورية أنها هي التي تحتاج الى رقيب، للرقابة، أمرٌ لابد منه ولكن لابد من وضع اليات لضبط عملها وتنظيمها،والشكل الافضل لرقابة اذا كان ينبغي لها ان تستمر ان تكون هناك لجنة دائمة تقرأ النصوص، وبالتالي أن يكون هناك قرار بالاكثرية وابعاد الكتاب ذوي الاتجاهات الحزبية، والتابعين للأجهزة الامنية منها، والاعتماد على بعض الكتاب والمبدعين غير المحسوبين لا على المؤسسة الرسمية ولا على الهامش، وان تتغير هذه اللجنة بشكل دوري لاتاحة الفرصة لعدد أكبر من الكتاب والمبدعين، للمشاركة فيها، طبعا مع اتاحة الفرصة للجيل الجديد من الكتاب والمبدعين للمشاركة فيها والابتعاد عن الاسماء وسطوتها.. مأساة الرقابة في الدول المتخلفة أنها متخلفة أيضاً.. ووفق المنطق والنظريات يفترض ان تكون متطورة ، ولكنها وللاسف تعاني من امراض الديسك وارتفاع ضغط الدم، وحتى السكري!.. الرقابة عندنا تحتاج الى إدخالها الى غرفة العناية المشددة.‏

الحمد لله وللانترنيت وللغربة! .. كنت قد نسيت الرقابة تماما لولا أنك ذكرتني بها بعد كل هذه السنوات.‏

الجزء الثالث

وصلنا إلى الطريق المسدود ... بيدِ مَنْ مفتاح صندوق الرقابة؟!!‏

مفتي الجمهورية يطلق أعنف التصريحات ضد الرقابة ويصفها بالشنيعة...‏

المفتي: لو كانت هناك رقابة في الإسلام لما سمح لنا الله بقراءة كلام الشيطان وفرعون في القرآن..لماذا لم يقم بحذف تلك المقاطع؟!‏

المفتي: الرقابة تقوم بتحجيب العقل... ثم يتحدثون بعد ذلك عن حجاب المرأة!!‏

حسين العودات : رفضنا نحن الناشرين تعديلات وزير الإعلام لأنها ستزيد من حجم الكارثة!!‏

عدنان سالم: حين تحدث الرئيس حافظ الأسد عن رقابة الضمير، فهموا أنها رقابة ضمير السلطة فقط!!‏