الـحــريــة الـثــكــلـى

٢٠٠٥-٠١-١٨
الـحــريــة الـثــكــلـى
محمد علي الأتاسي -
ملحق " النهار " العدد 671 - الأحد 16 كانون الثاني 2005

في السادس من هذا الشهر، رحل شيخ المثقفين السوريين أنطون مقدسي عن نحو من تسعين عاماً، وجرت مراسم الدفن في دمشق في أجواء مهيبة ومتواضعة، احتفظ خلالها أنطون مقدسي لنفسه ومحبيه وأصدقائه بمفاجأة أخيرة. إذ نقل عنه الأب الياس زحلاوي في كلمته الموجزة التي ألقاها بعد انتهائه من أداء الطقوس الدينية، أن مقدسي أوصى أن تخلو جنازته من كل تمثيل رسمي للسلطتين الدينية والسياسية، وأنه في حال مشاركة أيّ من ممثلي هاتين السلطتين، فهم يشاركون في صفاتهم الشخصية لا السلطوية.
قد يقول قائل أمام رحيل مثقف في العقد التسعيني من العمر: أن الموت قضاء وقدر وكلنا سواسية أمامه. لكن ما يجعل من موت شيخ المثقفين السوريين أنطون مقدسي فجيعة وفقداً كبيرين، هو أن الرجل كان في ذروة عطائه ورجاحة عقله وعمق تفكيره وخفة ظله. فلا المرض ولا تقدم السن ولا استحالة مغادرة المنزل بسبب صعوبة الحركة، حدّت من تألق الرجل وتوقد ذهنه وسعة صدره. كان أنطون مقدسي من طينة أولئك الرجال الذين كلما تقدمت بهم السن، توقدت روحهم شبابا ومعرفتهم اتساعاً.
في منزله المتواضع في حي الشعلان بمدينة دمشق، كنا نزوره شباناً في العقد الثالث من العمر، وهو الرجل التسعيني الذي يفيض تواضعا ودماثة وعطاء. كان قادراً بملاحظة ذكية أو كلمة عابرة أن يخففنا من عبء النصف قرن الذي يفصلنا عنه. لم ندخل عليه مرة إلا كان يقرأ أو يكتب على طاولة صغيرة. الكتب، بهمة زوجته وشريكة حياته، كانت دائما في متناول يده، تحيط به من كل جانب، بعيدة عن رفوفها، بسبب الصعوبة في الوقوف والتنقل التي كان يعانيها في السنوات الأخيرة.
نبادره بالسؤال: أستاذ أنطون ما هي مشاريعك وعلى أي موضوع تشتغل الآن؟ تتوقد عيناه وينظر إلينا، الواحد تلو الآخر، ويبدأ بسرد مشاريعه التي لا تنتهي: من مقالة بالفرنسية يعدّها عن المثقف ودوره، إلى دراسة عن حزب البعث، إلى مقدمة ديوان لصديقة طلبت منه كتابتها، إلى قراءات متراكمة في الفلسفة والرواية والشعر. ومع ذلك كان دائما هو الأول، ليس فقط في الانتهاء من قراءة آخر ما نُشر من روايات ودواوين، ولكن في التعليق عليها وإيجاد العبارة المختصرة والمعبّرة بدقة وذكاء عن قيمة هذا العمل أو ذاك. أما التاريخ فهو، في حضرة أنطون مقدسي، صفحة مفتوحة مليئة بالحكم والعبر والأحداث المغيبة.
ولد أنطون مقدسي في قرية يبرود السورية عام 1914 لعائلة من الروم الكاثوليك، ودرس في بداية حياته في مدرستها الأسقفية قبل أن يتابع تعلمه في مدراس زحلة ففي جامعة القديس يوسف في بيروت ومنها إلى فرنسا حيث تخصص في الفلسفة الإغريقية. باشر مهنة التدريس في ثانويات حمص ودمشق ثم في قسم الفلسفة في الجامعة السورية حيث درّس الفلسفة الإغريقية لعشرات السنين وتخرج على يديه خيرة المثقفين السوريين. ترك مقدسي الجامعة السورية، عندما شعر أن "مهنة التدريس أصبحت تهريجاً"، على ما قال لنا في أول حوار أجريناه معه لـ"الملحق" (9\ 9\2000)، وتفرغ لعمله في وزارة الثقافة مسؤولاً عن مديرية الترجمة والتأليف التي أصبحت شيئاً فشيئاً ومع التدهور العام في البلد مديرية لـ "الترجمة بدون تأليف"، بحسب الأستاذ أنطون الذي قال في الحوار نفسه: "التأليف غير ممكن في بلادنا، لأن الجامعة السورية لا تخرّج قارئاً للكتاب، فكيف لها أن تخرّج باحثاً أو مؤلفاً".
بقي أنطون مقدسي بعد تقاعده على رأس هذه الهيئة متعاقداً من خارج الوزارة، ومساهماً في مشروع ترجمة، هو واحد من أهم المشاريع التي غذّت الثقافة العربية خلال العقود الماضية. إلى أن وضعت وزيرة الثقافة السابقة مها قنوت حداً لخدماته بشكل مجحف في العام 2000.
إلى جانب نشاطه الفكري والتعليمي، كان أنطون مقدسي، واحداً من أوائل المثقفين الذين شاركوا في الحراك السياسي الذي طبع بطابعه الأربعينات والخمسينات من القرن المنصرم. فإلى جانب صداقته وقربه من زكي الأرسوزي، نشط في التحركات المطالبة بإنصاف الفلاحين السوريين وأنضم إلى الحزب الاشتراكي العربي الذي أسسه أكرم الحوراني وساهم في النقاشات التي أدت إلى دمجه بحزب البعث في العام 1953 وظهور ما بات يعرف باسم حزب البعث العربي الإشتراكي. وحال وصول حزب البعث إلى السلطة محمولاً على دبابات العسكر إنسحب منه أنطون مقدسي وغادر نهائيا النشاط السياسي المباشر وتفرغ لعمله الفكري. وفي العلاقة بين حزب البعث الحالي وحزب البعث الذي عرفه خلال الفترة الديموقراطية السورية في الخمسينات استعاد مقدسي في الحوار المذكور أعلاه قول أرسطو: "إن المشترك الوحيد بين مجموعة نجوم الدب الأكبر وحيوان الدب هو الاسم فقط".
كتب أنطون مقدسي في رحلته الفكرية المديدة عشرات المقالات المطولة في الفن والأدب والسياسة والفلسفة والروحانيات ورثاء الأصدقاء، لكنه لم يؤلف كتابا واحداً. أما الكتاب الصادر في العام 1992عن "دار الريس" تحت عنوان "حرب الخليج، إختراق الجسد العربي" فهو أساسا مقالة كتبها لمجلة "الناقد" ونشرتها الدار لاحقاً في كتاب من دون علم المؤلف. ورغم أن الكثير من مقالات أنطون مقدسي يتجاوز عدد صفحاتها المئة، أي أن كل واحدة منها تصلح منفردة لأن تكون كتاباً، فإن مقدسي ظل مصراً على بقائها طي المجلات المتخصصة، ورفض نشر أي منها في كتاب مستقل، كونها جميعاً، بحسب رأيه، في حاجة إلى مراجعة وتدقيق. فتواضعه الجم لم يكن يكافئه سوى توقه إلى الاقتراب من الكمال ومعرفته الفلسفية باستحالة هذا الوصول.
دور المثقف
كأن يحلو له أن يردد كلما أتى الحديث على علاقة المثقفين بالسلطة وتوهم بعض المثقفين بإمكان سيطرتهم على الحاكم، حكاية أفلاطون مع تلميذه حاكم سرقسطة الذي بعدما دعا أستاذه إلى زيارة مملكته إنتهى به الأمر إلى بيع أستاذه في سوق النخاسة.
يجسد أنطون مقدسي في كتاباته الفكرية ومواقفه السياسية مثالاً نادراً للمثقف المستقل والنقدي الذي يخدم السياسة في معناها النبيل متحملاً العواقب، بدلا من أن يستخدمها سعياً وراء المناصب الزائفة والمكاسب الآنية. وإذا كان مقدسي فضّل ترك حزب البعث حال وصوله إلى السلطة، فإنه في المقابل كان يلوم الكثير من المثقفين الذين خدموا النظام وتعاونوا معه. ففي حوار ثان أجريناه معه ونشره "الملحق" بتاريخ 17\2\2001 أفصح عن الآتي: "مسؤولية بعض المثقفين كبيرة في ما حدث بعد العام 1963، فقد أعطوا مشروعية لحكم العسكر، وعلى المثقفين اليوم أن لا يسلموا أنفسهم مرة ثانية للعسكر. على المثقف أن يقول رأيه بصراحة ووضوح وقوة وليفعل العسكري بعد ذلك ما يريد". وإذا كان مقدسي قد أشار في الحديث نفسه إلى ضرورة "أن يوحد المثقفون صفوفهم في مواجهة القوة الضاربة داخل السلطة السياسية، أي المخابرات والجيش والقيادة القطرية"، بحسب تعبيره، فإنه مع ذلك لم يكن يحمل أية أوهام حول حدود دور المثقف. ففي الحوار الثالث الذي أجريناه معه في أعقاب انقضاض السلطة على "ربيع دمشق"، ونشره "الملحق" بتاريخ 12\1\2002، ولدى سؤالنا له هل لا يزال للمثقفين من دور يضطلعون به، أجاب بالآتي: "طبعاً، ولكن يجب على المثقفون أن لا يشكلوا تنظيماً سياسياً في وصفهم مثقفين. فالمثقفون في طبيعتهم يتميزون بتعدد الآراء وتنوعها. وضمن حدود معرفتي أنا، لم يسبق في التاريخ أن شكل المثقفين حزباً سياسياً. لكن عليهم أن يظلوا يكتبون وينتقدون ويتكلمون، وان لا يتوقفوا، ولا يخافوا. لقد اعتقلوا عشرة، ولنفرض أنهم صاروا عشرين، سيصبح عبءاً على السلطة. للحرية ثمن لا بد من دفعه".
كيف مارس أنطون مقدسي دوره خلال تحرك "ربيع دمشق"، وما الثمن الذي دفعه؟
ربيع دمشق
كان صوت أنطون مقدسي من أوائل الأصوات التي ارتفعت داخل سوريا بعد وصول الدكتور بشار الأسد إلى السلطة مطالبةً بالإصلاح السياسي. فما هي إلا أيام قليلة على خطاب القسم الذي أشار فيه الرئيس السوري للمرة الأولى إلى الرأي الآخر وضرورة إحترامه، حتى أسمع أنطون مقدسي السلطة والمجتمع في سوريا ما هو الرأي الآخر، فسطّر رسالة مهذبة إلى الرئيس أثنى فيها على "كلمات وردت في بيانك، حقاً واعدة"، ومن ثم طالب بضرورة الإنتقال بالشعب "من وضع الرعية إلى وضع المواطنة"، وفي الرسالة نفسها صارح الرئيس الأسد بالآتي: "لقد كفانا يا سيدي من الكلام الفضفاض: مكاسب الشعب، إنجازات الشعب، إرادة الشعب. الشعب غائب يا سيدي منذ زمن طويل". وختم رسالته بأن تمنى التوفيق للرئيس الجديد في "السير على درب محفوف بالمزالق من كل الأنواع".
بعث أنطون مقدسي في البداية برسالته إلى جريدة "تشرين" السورية متصوراً أن الإعلام الرسمي سيفسح المجال، في أعقاب خطاب القسم، للرأي الآخر. لكن هيهات! واضطر بعد طول انتظار، أن ينشر رسالته المفتوحة في جريدة "الحياة" اللندنية بتاريخ 13\8\2000. وبعد يومين، ذهب إلى عمله في وزارة الثقافة فوجد في انتظاره قرارا وقّعته وزيرة الثقافة مها قنوت بتعيين شخص آخر على رأس مديرية التأليف والترجمة لشغور المنصب! فما كان منه إلا أن أخرج عقده وذيّله بكتاب استقالته وعاد إلى بيته هو والثقافة السورية مرفوعي الرأس.
أحدثت الرسالة صدى واسعا لدى المثقفين وكانت لبنة أساسية من لبنات الحراك الديموقراطي الذي بات يعرف في ما بعد باسم "ربيع دمشق"، وما هي إلا أسابيع حتى كان اسم أنطون مقدسي يتصدر بيان المثقفين السوريين الـ 99 الذي صدر بتاريخ 27\9\2000 وكان الأول في المطالبة بإطلاق الحريات العامة وبرفع حال الطوارئ وبإطلاق سراح السجناء السياسيين. كذلك وقّع الأستاذ الوثيقة الأساسية للجان إحياء المجتمع المدني أو ما بات يعرف بـ "بيان الألف"(9\1\2001). وعندما قامت السلطة بهجومها المضاد وبدأت حملة الاعتقالات في بداية شهر أيلول من العام 2001 ظل صوت أنطون مقدسي مرتفعاً في وجه العسف والاضطهاد، كما أنه وقّع كل البيانات المنددة بحملة الاعتقالات. وكان من الأصوات القليلة التي دافعت علنيا عن تصريحات رياض الترك التي أدخل على أثرها إلى السجن، وفي هذا السياق قال لنا: "مواقف رياض الترك مواقف رجل دولة، وكلامه لم يكن استفزازياً، أخذ عليه استخدام أوصاف الديكتاتورية ولكن هل سبق للنظام أن قدّم كنظام ديموقراطي؟ في بلادنا ليس هناك انتخاب ولكن استفتاء، والديموقراطية الشعبية مصطلح من اختراع ستالين" (الملحق 12\1\2002).
أما آخر ما وقّعه أنطون مقدسي فكان بيان المثقفين السوريين واللبنانيين الذي احتجوا فيه على تعديل الدستور اللبناني والتمديد للرئيس لحود، وأكدوا فيه أن معركة الديموقراطية واحدة في البلدين.
لم يتوقف أنطون مقدسي عن الكتابة وبث الأمل وتنشئة الأجيال مدى حياته كلها، وخصوصاً في الأعوام الأربعة الأخيرة. ففي كل مرة كانت جذوة الأصوات المعارضة تخفت بسبب القمع أو اليأس أو القنوط، كان صوت الرجل التسعيني يعود مجدداً ليذكّر الجميع بأن لا مخرج لسوريا إلا بالإصلاح السياسي، وبأن القمع سيرتد في النهاية على أصحابه. وفي هذا السياق كانت رسالته الرائعة إلى حفيده والتي ختمها مخاطبا أنطون الصغير بالآتي: "ما قلته لك ليس نصاً من نصوص القراءة قد يكون صعباً او سهلاً، بل هو دستور حياة نفهمه عندما نعيشه. وستعيشه أنت وجيلك في السنوات القليلة المقبلة اذا قررتم أن تدفعوا ثمن الحرية. فالمستبد جبان، يزج الناس في السجون. قد يقتلهم، لكن دفاعاً عن نفسه. ويبدو لي حسب تجربتي أن عهد الاستبداد صار من الماضي البعيد. وهو اليوم في موقع الدفاع عن النفس. لقد دخلنا القرن الحادي والعشرين الذي جعل القرن العشرين من الماضي ليدفعنا باستمرار نحو المستقبل. وكلي ثقة بأن مستقبلكم سيكون مشرقاً كالحرية، لا حد يحدها".
نعم أستاذ أنطون، لا حدّ يحد من الحرية، لكنها اليوم ثكلى بغيابك .

العيش في مسقط الرأس كسائح: عارف حمزة

٢٠٠٥-٠١-١٧
العيش في مسقط الرأس كسائح: عارف حمزة

لطالما سألني الأصدقاء: "ماذا تفعل هناك في الحسكة؟". سواء من الذين أصبحوا في مدن كبيرة داخل سورية، مثل حلب ودمشق، أو من الذين هاجروا الى خارج البلاد.
"كيف تستطيع أن تكتب فيها؟ هل بقي فيها شيء؟". وعلى الرغم من عدم بقاء شيء فيها، بالطريقة التي يكيلون فيها الأشياء، إلا أنني لا أعرف بماذا أجيبهم. فأنا لست من مدمني هذه المدينة، أو محبيها على الأقل، فلا أستطيع أن أقول بأنني لا أغادرها لأنني أحبها أو متعلق بها، فالمحبة ليست هي ما يجعلني أن أبقى فيها. وليست الكراهية أيضاً. هناك شيء خفي، ربما العزلة وكبر والدتي في السن، يجعلاني لا أغادر هذه المدينة. وربما لمحبتي لمدن أخرى، أجمل وأكبر منها، ولي فيها مآزق وماض لم يمت، مثل حمص وحلب، جعلني أسكن فيها وأمد نظري الى المدن التي أحب.
"عشت في مدينة لا تستحق" كتبت ذلك في كتابي الشعري الأول، حياة مكشوفة للقنص.
"مدينة صنعناهامثل حلم لا يستكينثم خرجنا الى الأطرافورأيناكم أسرفنافي مدينةلا تستحق..".
الحسكة، التي تقع في أقصى الشمال الشرقي من سورية، بين العراق وتركيا، لا يعترف بها أبناء مدنها. ابن مدينة القامشلي، التي تتبع إداريا للحسكة، يجيب عندما يسأله أحد ما، في الجامعة، من حبيبته الغريبة، أو في قطعة الجيش أو في السويد..، أنا من القامشلي، وهكذا أبناء عامودا وديريك والقحطانية ورأس العين والدرباسية... وتفرط سبحة المدن من يد الحسكة لتبقى وحيدة لا يتبعها أحد.
كنت أقول، للذين لا يعرفونها، بأن الحسكة كانت تملك تنوعاً هائلاً ورائعاً في القوميات والأديان والطوائف، ومنافسة بينها في صنع الحياة والمحبة الجديدة على نار هادئة، إلا أنني أخاف الآن، بعد مواسم الهجرة الكثيرة والمتلاحقة، والإهمال الذي سكن فيها مثل مرض عضال، أن يتحول ذلك التنوع الى معمل للأزمات، في أن تفقد ذلك التنوع وإلى الأبد.
نهر الخابور... يا سلام.. مَن يستطيع أن يفرط بهكذا نهر؟ بالقرى الآشورية التي كانت تطلق فتياتها الى مائه ويُطلق علينا بياضهن وجمالهن النار؟ بالصيادين الجالسين على ضفافه، مع أجهزة الراديو الصغيرة وعلب "الحمراء الطويلة" للتدخين ساعات طويلة، والنظر في هذا الوحش الجريح؟ ببقايا القطن والصوف، والتعب القروي العالق بالثياب، وهي تُغسل على ضفة بعيدة فتفوح، طوال النهر، رائحة برية يحملها نهر سعيد؟..
الخابور الذي بنى حوله الحضارات، طوال مسيره للقاء الفرات، ما عاد يجري الآن، بالكاد ينظر في أصابعه. لا يجري ولا يندفع، بل أصبح مثل مريض، على سرير النهر، يُعالج بالسيرومات، بضخ مياه الآبار إليه، كي يفتح عينيه قليلاً ويطرد البعوض والنفايات بعيدا، ثم يغمى عليه من جديد.
أسأل نفسي أحياناً: ماذا يعني أن نبني ثلاثة سدود كبيرة على نهر لا يستطيع أن يبصق كل المياه المطلوبة الى بحيرات ثلاث؟ ألا يعني ذلك جفاف النهر وجفاف البحيرات الثلاث؟ ألا يعني إهداراً، بالإضافة للمال العام والماء العام، لماضينا وحكاياتنا ولمدينة بكاملها؟
إذا جف النهر، أو لم يجف، سنلحق بالآشوريين الى شيكاغو أو أستراليا، يجيب أحد الشبان الجامعيين من الحسكة، أو سنلحق بالأكراد الى ألمانيا أو السويد أو كندا أو إيطاليا، أو بالسريان الى أمريكا أو السويد.... الخ.
"ماذا يوجد في الحسكة؟". والحسكة لا يوجد فيها شيء. أو بكلام أدق ما عاد يوجد فيها شيء. فلا توجد فيها أي دار للسينما، بعد إقفال وحريق وخسارة كل من سينما دمشق وفؤاد والقاهرة.
المقاهي تعني وجود العاطلين عن العمل والمقامرين والزعران وثلاثة رجال أمن ومخبرين متطوعين.
نادي الجزيرة لكرة القدم أصبح منذ سنوات في الدرجة الثانية، وفي هذا العام يلعب مبارياته من دون جمهور، بعد الأحداث المؤسفة التي حصلت في آذار الماضي بعد مباراة فريقي الجهاد والفتوة !!؟؟
لا يوجد فيها أي مقهى رصيف. ولا صالة معارض ولا مسرح ولا مكتبات تبيع الكتب الصادرة في دمشق فما بالك بالتي تصدر في بيروت...
قبل أكثر من سنة ظهر في شارع القامشلي "سناك بار" الأصدقاء، وقبله بستة أشهر أعيد افتتاح مطعم "الشلال" الذي يبيع البيرة والشاورما، ثم ظهر مطعم ومشرب "فينوس" في نفس الشارع المتقاطع مع شارع "المحطة" المكنى بشارع العشاق والذين تغنى به الكثيرون من مطربي ومهاجري الجزيرة.
كل الحدائق، التي بمعنى الكلمة، تحولت الى استثمارات توجب عليك الأكل والشرب. لا توجد حديقة عامة تستطيع أن تذهب إليها للمشي أو شم النسيم. ولا مدينة ملاهٍ ولا فنادق يمكن الإشارة إليها... الحسكة تحولت الى مبان حكومية وحزبية، ومنظماتها، ومطاعم للأكل.
الحسكة، بما فيها مدنها، عانت من إهمال شديد طوال عقود طويلة، على الرغم من أن أكثر من نصف الاقتصاد الوطني، من نفط وغاز وحبوب وقطن..، يعتمد على هذه البقعة الجغرافية الحزينة من البلاد..
أشعر بالوهن عندما أقرأ شاعراً يكتب كثيراً ومطولاً عن مدينته، وقريته وبلده وقارته، إذ من أين يجلب جسارة الكتابة عن هذه الأشياء المهملة؟ ثم هل الشعر يذهب الى محطة محبة المدن وامتداحها؟
في الصيف لا يوجد شيء في الحسكة سوى الشمس الحادة والإشاعات. الشمس الحارقة على صلعة مدينة صحراوية، لدرجة أن لا أحد يقول للآخر: صباح الخير، قبل الحادية عشرة قبل الزوال. وليس هناك من شجاع، ابن عالم وناس، يمشي في الشارع بين الواحدة والرابعة ظهراً حيث تكون درجة الحرارة في الظل أكثر من ستين درجة مئوية. ومع وجود العدد الهائل من المكيفات المائية، الصحراوية، والغازية تحولت الشوارع الى نهر من الحرارة العالية المشفوطة من جوف الناس والبيوت. لذلك يجلس الناس في بيوت تشبه الأفران، ويتناولون النميمة، باصقين من أفواههم، بين تقلب وآخر، بقايا الحياة المرة.
في الشتاء لا شيء في الحسكة سوى البرد. البرد القارس. البرودة التي تصل الى عشرة تحت الصفر، من دون غيوم في السماء أو رأفة.
في الشتاء نفتقد الإشاعات التي كانت حياتنا تُطهى عليها في الصيف. والحياة سقيمة ومملة، كما يقول هيروسترات، من دون إشاعات.
لم يبق، بعد جفاف نهر الخابور، تقريباً، في هذه المدينة سوى الحزن والتفكير في الهجرة. أصبح العيش، بعد سفر الكثير من الأصدقاء والأقارب والجيران والأتراب وهجرتهم، في مسقط الرأس مثل عيش الغريب أو السائح المغبون. فمن المحزن، وربما من الأفضل، ألا تعرف سوى عشرة أشخاص من أصل مليون ومائتين وخمسين ألف شخص في هذه المدينة الأكثر إهمالاً في العالم.
أشعر بالحرج عندما يسألني أحد ما عن هذه المدينة البائسة، ولا أعرف بماذا أجيب شعراء من مدن أخرى يرغبون بزيارتها وإلقاء قصائدهم على مسامع أبنائها، أفكر عندها: ماذا سيفعلون في الحسكة؟ أين سيذهبون؟ وبماذا سأجيبهم إذا سألوني عن شيء ما فيها؟.. أنا الذي عشت فيها كغريب.
وعلى الرغم من الجمال الموجود في الحسكة، ومحبة فتياتها للبياض والموضى الجديدة، إلا أنها تبقى مدينة أقرب للحزن والنسيان.
شعرت بالحرج عندما طلب مني الكاتب صبحي حديدي، المولود في القامشلي والذي في باريس منذ سنين طويلة، في إحدى بطاقاته أن أسلِّم "على مطعم البيروتي والخابور وعلى كراج خط الحسكة ـ قامشلي...". أرسلت له بطاقة بريدية عن الحسكة وفيها إطلالة مطعم البيروتي على جسد الخابور (بطاقة من السبعينات)، فأعاد الكتابة لي بشكر كبير، وكلمات عن الحنين والكهولة والصبا..، على "المفاجأة الكبيرة". وأنا لم أستطع أن أقول له: سلّم عليها من هناك، من باريس، فهي تعيش معك هناك، في باريس، وليس هنا.
"المستقبل"

ثلاثة في واحد ليس إعلاناً لمنتج بل توصيفاً لوزير

ثلاثة في واحد ليس إعلاناً لمنتج بل توصيفاً لوزير: حكم البابا

قد لاينطبق الوصف الذي أطلق على وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بأنه يفقد أمريكا صديقاً كلما أطلق تصريحاً ، على وزير الخارجية السوري فاروق الشرع بالكامل ، لكن مجموعة من التصريحات التي أطلقها رئيس الدبلوماسية السورية منذ التحضير لغزو العراق وحتى اليوم تدخل بشكل أو بآخر ضمن هذا الوصف ، فهو لم يترك جهةً تعتب عليه لأنه لم يتناولها بأحد تصريحاته ، أكثر من ذلك لم يكتف الأستاذ الشرع بمهام وزير الخارجية بل اختصر بشخصه وزارة كاملة مصغرة ، فجمع بين تصريحات يفترض أن يكون مطليقها ثلاثة وزراء معاً ومن أصحاب الحقائب السيادية ، فتارة يقوم بمهام وزير الدفاع ، وتارة بمهام وزير الاعلام ، وتارة ثالثة بمهام وزير الداخلية ، إضافة إلى صفته كوزير للخارجية ، وقد أصبح تصريحه الشهير بعد قصف الطيران الاسرائيلي لأحد المواقع العسكرية السورية في لبنان بأن (سورية تحتفظ لنفسها بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين) شهيراً إلى الدرجة التي تجعلني أتجرأ على القول بأنه ذهب مثلاً ، واكتشف السوريون عبر هذا التصريح طرافةً (لم ينتبهوا لها قبله) في الشخصية السورية وتحديداً بعد قصف الطيران الاسرائيلي لمنطقة عين الصاحب القريبة من دمشق ، حين بدؤوا يتداولون فيما بينهم بأن الرد لن يتجاوز إعادة إطلاق الاستاذ الشرع لتصريحه الشهير ، وهكذا كان ..
وقد بدأت شعبية الأستاذ الشرع العربية بالارتفاع مع وصفه للغزو الأمريكي للعراق بـ"السطو المسلح" ، الذي نال عليه تصفيقاً شديداً كون غالبية الشعب العربي كانت ضد هذا الغزو ، ولم يكن ينقصه في ذلك المشهد الحماسي الذي جرى خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي في لحظة مفصلية من تاريخ العالم الحديث ، إلاّ حذاء خروتشوف الشهير ليضرب به الطاولة ، أو عدداً كبيراً من النياشين العسكرية التي كان يضعها جنرالات الاتحاد السوفييتي على صدورهم ، وأن يكون هو ممثل دولة تملك ترسانة نووية وجيشاً عرمرماً وأسلحة عابرة للمحيطات ، لكن بما أن ذلك كلّه لم يكن بمتناول يد الأستاذ الشرع فقد جرّ تصريحه (إضافةً إلى التصفيق العربي سالف الذكر) على سورية تهديدات أمريكية بدأت ويبدو أنها لن تنتهي ، كانت في منجى منها لو وصّف رئيس الدبلوماسية السورية غزو العراق بالاحتلال ، وهي مفردة تتسق مع مهمته كدبلوماسي وتؤدي نفس الغرض ، دون أن تكون لها نفس النتائج التي جنتها سورية جرّاء إفراطه في الحماسة ، ورغم ذلك لم يشعر أحد بالأسى على خسارة أمريكا لأن السوريين لايعدونها من الأصدقاء أصلاً . لكن الأستاذ الشرع عاد وفي نفس الموضوع ليطلق تصريحاً من نفس النوع الذي يفقد الأصدقاء أو على الأقل الذي لايهتم بالعلاقات العامة التي هي أحد أسس العمل الدبلوماسي حين اعتبر أن المستفيد من الاحتلال الأمريكي للعراق هم الأمريكيون والاسرائيليون والأكراد ، متجاهلاً تاريخاً من التحالف السوري الكردي (عبر شقهم العراقي) وصل إلى حد المساندة والدعم وتقديم الملاذ الآمن والأرض التي يتم التحرك من خلالها ، مما أثار مجموعة من الردود التي صدرت عن شخصيات كردية تم احتواؤها بسرعة وبأسهل الطرق الاعتذارية وأقلّها إقناعاً عبر انكار التصريح سبب المشكلة وتكذيبه .
ومع صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن بشأن العلاقة السورية اللبنانية وجد الأستاذ الشرع ميداناً آخر للنزال غير المتكافئ كسابقه إنما بطريقة مختلفة عن قضية أمريكا والعراق ، ففي الوقت الذي كان التوجه الرسمي للسياسة السورية يطلب أخذ القرار على محمل الجد ، كان وزير الخارجية السوري يصر على تتفيه القرار ، مرةً بـاعتباره لقضية الوجود السوري في لبنان (قضية تافهة لاينبغي أن تشغل مجلس الأمن ..) ، وثانيةً باعتباره القرار الذي أصدره مجلس الأمن الدولي (تدخل بما لايعنيه) وإشارته إلى دول (وافقت عليه وضللت لتسلمها تقارير ليست صحيحة وليست دقيقة لكنها ستصحح مواقفها كما نأمل) وكأنه يتحدث عن شيوخ منسر يتقاسمون غنائم غزواتهم أو مجموعة حشاشين في جلسة كيف ، لا عن ممثلي دول تملك بعضها حق النقض وبعضها الآخر يملك ألاّ يوافق أو على الأقل ألاّ يصوت ، لكن تصريحات الأستاذ الشرع تتجاوز كل منطق وتفوق أي خيال في المرة الثالثة التي يتناول فيها القرار والبيان الصادر عن رئاسة مجلس الأمن حول تطبيقه حين يعتبر أنه (لايوجد فيهما مايمس سورية أو لبنان) ، وهنا يتجاوز التعامل مع أعضاء مجلس الأمن على اعتبار أنهم مجموعة من الحمقى ، ليسم كل بني البشر (من الذين قرؤوا القرار والبيان ، أو قرؤوا حولهما ، أو سمعوا نشرة أخبار ورد فيها ذكرهما) بالبلاهة !
ولم يكتف الأستاذ الشرع بالشأن الخارجي ، بل أدلى بدلوه في الشأن الداخلي ، حين تناول بنفس أسلوبه الممازح موضوع المعارضة السورية ، واصفاً إياهم بأنهم (غير قادرين على إدارة مدرسة إبتدائية) غير عابئ بالظرف المناسب أو الحالة الافتراضية التي يمكن أن يكون فيها مثل هذا الكلام مقبولاً ، وذلك في وقت يتم فيه الحديث عن حوار وطني يجمع مختلف الأطياف السورية في مواجهة التهديدات الخارجية !
يمكن لي ولغيري تسطير موسوعة في دبلوماسية الأستاذ فاروق الشرع التي تخترع تعريفاً جديداً للسياسة يناقض أبسط تعريفاتها بكونها فن الممكن ، وتبتكر نوعاً جديداً من العمل الدبلوماسي المبني على أساس تدمير الطرق وهدم الجسور مع الآخرين ، وقطع كل شعرات معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وزياد بن أبيه والمغيرة بن شعبه مجتمعين !
حادثة من التاريخ تلح علي كلما سمعت تصريحاً للأستاذ الشرع عن خليفة أموي جاء إليه قاضي مدينة (قم) المشهور بعدله للسلام عليه ، فقال له الخليفة : ياقاضي قم ، قد عزلناك فقم ، ويبدو أن سجعته راقته ، فنظر بزهو إلى من في مجلسه وقال : والله لو أن سجعةً حضرتني وذهبت بملك بني أمية لما ترددت في قولها !!
دمشق 16/12/2004
"الرأي / خاص"

ممدوح عدوان

٢٠٠٥-٠١-١٤

ممدوح عدوان
فخري صالح
الحياة
2005/01/12
مثل ممدوح عدوان, الراحل عنا في الأيام الأخيرة من الشهر الماضي, بالنسبة الي نموذج الكاتب الذي يكدح في الكتابة بصفتها حرفته
ومهنته التي لا يملك شيئاً غيرها, فقد كان على مدار سنوات طويلة منشغلاً بالإنجاز في حقول عدة: بدءاً من الشعر, مروراً بالرواية والكتابة المسرحية, والترجمة, وكتابة المقالة, وانتهاء بالكتابة الدرامية التي كان يزاولها من منطلق البحث والقراءة المستفيضة للإرثين الشعري والسردي العربيين, على نحو ما جاء في مسلسليه عن الزير سالم والمتنبي. ما أقصده هو أن ممدوح عدوان كان مثالاً لما ينبغي أن يكون عليه الكاتب العربي, متفرغاً للكتابة مشدوداً إليها بكل حواسه, راحلاً إليها دون غيرها مما يحف بها من مغريات ومناصب ومنافع دمرت, وما زالت تدمر, كثيراً من المواهب التي لو لم تنشغل بمتع الدنيا الفانية لأنجزت الكثير.
كان ممدوح, للقريبين منه, وحتى للمطلين عن بعد من خلال اللقاءات السريعة وعبر الأصدقاء, نقيضاً لهذه الفئة من الكتاب العرب الذين انشغلوا بأشياء كثيرة غير الكتابة, وبددوا مواهبهم على أبواب المنافع العامة وفي الدفاع عن السلطة وهي غارقة في الخطأ. ولذلك كان مكروهاً من جانب هؤلاء, معدوداً خارج السرب الذي يدفن رأسه في الرمال. وكان في الوقت نفسه منصرفاً بإخلاص يحسد عليه إلى الكتابة, يصحو في الصباح, كما صرح أكثر من مرة في اللقاءات الخاصة والمقابلات الصحافية والتلفزيونية, ليكتب, ويسهر ليكتب, من دون أن يسمح لنفسه بأن يبدد بعض وقته في المهاترات التي تغلب على الراهن الثقافي العربي. ولذلك أنجز عدداً كبيراً من المجموعات الشعرية, وكتب روايتين, وعدداً من النصوص المسرحية, ومسلسلات تلفزيونية, وترجمات عدة على رأسها إعادة ترجمة الإلياذة عن الإنكليزية, بحيث بلغت الكتب التي نشرها نحو الثمانين كتاباً في رحلة عمره التي بلغت ثلاثة وستين عاماً ثم توقفت. ولا أظن أن ثمة كاتباً عربياً آخر استطاع في فسحة العمر هذه أن ينجز ما أنجزه ممدوح عدوان.
لقد كان ممدوح في شبابه شاعراً متحمساً لتغيير الواقع الشعري العربي, وكان من الأسماء التي فاجأت القراء في منتصف ستينات القرن الماضي. كان صوتاً طالعاً من الجرح العربي النازف, وكانت فلسطين في قلب شعره, حتى ظنه كثيرون شاعراً فلسطينياً. كان شاعراً غاضباً تنضح قصائده بذلك النوع من الألم النبيل الذي يرى الهزيمة تشرش في الواقع وتصبح جزءاً من آليات الحياة العربية. وإذ نعود إلى قصائده الأولى نعثر على العبارة الشعرية الحادة, والغنائية الملتهبة, والاقتراب من سمات شعر المقاومة الفلسطينية الطالع في الستينات من القرن الماضي. هكذا كان صاحب "الظل الأخضر", و"الدماء تدق النوافذ", و"للخوف كل الزمان". لكن شعره في ما بعد بدأ يتجه إلى العناية بالتفاصيل, إلى بعض المباشرة وشرح الفكرة التي تقوم عليها القصيدة. ولعل ذلك هو ما أبعده قليلاً من قلب حركة التحديث في الشعر العربي المعاصر, لأن التيار الأساسي في هذه الحركة ما زال يفضل الصوت الخفيض على النبرة العالية, والإشارة على الوضوح وتسمية الأشياء بأسمائها في القصيدة.
لكن هذه الانحناءة العاصفة في شعر ممدوح عدوان لا تضير عمله, لأنه كان رجلاً متعدد المواهب, معنياً بالوصول إلى القارئ عبر سبل عدة: من خلال الكتابة الروائية, والمسرحية, والدرامية, والمقالة الصحافية, والترجمة التي أنجز فيها الكثير الذي يعجز عنه أشخاص كثيرون, فكيف بشخص واحد منشغل بفنون وأنواع أدبية كثيرة!
عندما سيقرأ ممدوح عدوان في المستقبل بعين فاحصة محايدة, ويطل الباحثون على إنجازه كله, سيظهر أن الشعر كان مبثوثاً في كل ما كتبه: في المسرح والرواية والدراما, وحتى في ترجماته الجميلة التي تشدك إلى عوالم من ترجمهم: من كازنتزاكيس في "تقرير إلى غريكو", إلى هيرمان هيسه في "سدهارتا" و"دميان", وفرديناند أويونو في "الشيخ والوسام", إلى عدد آخر من الترجمات المميزة التي أنجزها عدوان عن الإنكليزية. لكن شيئاً آخر ينبغي ألاّ نغفل عنه في شخصية ممدوح عدوان وعمله, أقصد كونه مثقفاً عضوياً ملتحماً بالواقع من حوله, بأهل قريته قيرون ومنطقته مصياف. ولعل مشهد أهل قريته ومنطقته في تشييع جثمانه يدل على تلك العضوية والاتصال الحميم بمسقط رأسه. رجال ونساء البلدة خرجوا من بيوتهم ليودعوا الجثمان في يوم قارس البرد. أطفال المدارس اصطفوا هم أيضاً رافعين أيديهم بالتحية لابن بلدتهم الذي أدخل في قاموس الشعرية العربية أسماء: مرتفعات دير ماما, وقيرون, ومصياف, حتى إنني سمعت امرأة تقول أثناء تشييع جثمان ممدوح إنه انتشل تلك المنطقة من النسيان وسلط ضوءاً قوياً عليها في شعره. لقد كان بالفعل كاتباً عضوياً, بشهادة أصدقائه وأهل بلدته. كان كاتباً محباً للحياة, لكن ذلك لم يمنعه من الانقطاع, بكل جسده وروحه, للكتابة والإنجاز الثقافي.

حول جبلة وقصّابين والشاطئ وحقوق الإنسان في سورية

٢٠٠٥-٠١-١٣
حول جبلة وقصّابين والشاطئ وحقوق الإنسان في سورية
أدونيس الحياة 2005/01/13
تحية - رسالة الى أنطون مقدسي، وميشيل كيلو، وفايز ساره
- 1-
اعتدتُ، منذ أن تيسَّر لي الأمر، أي منذ فترة قريبة، أن أقومَ كلّ سنة في الصيف بزيارة الى قصابين، القرية التي ولدتُ فيها. أقول: «منذ فترة قريبة»، لأنّ هذه الزيارة لم تكن ممكنة بسبب من الأوضاع الشخصية والعامة. فقد بقيت مُبعداً عن سورية عشرين سنة كاملة لم تطأها قدماي (1956 - 1976)، ثم أضيفت الى هذه السنوات، سنوات الحرب الأهلية في لبنان، حيث اضطررت للسفر الى باريس والإقامة فيها.
زرت قصّابين، هذه السنة، مبكراً، في الشتاء، لكي أشاركَ الأخوة والعائلة جميعاً في إقامة احتفال لمناسبة مرور مئة سنة على ولادة أمي، واستقبال عامها الأول بعد المئة. وقد فوجئتُ برفضها الفكرة كلياً. ولم أشأ أن أسألها عن سبب هذا الرفض، احتراماً لرغباتها وأسرارها.
ربما رأت في هذا الاحتفال، بفعل حكمتها القروية نوعاً من الوداع الصاخب، لا تريده. كأنها تُحبّ أن تذهب الى الموت، أو يأتي اليها، في صمتٍ كاملٍ يكون استمراراً لصمتها هي، ولصمت أيامها.
- 2 -
يبلغ طول الطريق الساحلية بين بيروت وقصّابين حوالى مئتي كيلومتر. نقطة الحدود اللبنانية - السورية، العريضة، هي منتصف الطريق تقريباً. الحدود، جغرافية أو إنسانية، مادية أو معنوية، سجونٌ أخرى. وليس بيننا، نحن العرب، للمناسبة، غير الحدود.
- 3 -
على امتداد الشاطئ السوري، لا يكاد الزائر أن يرى إلا صحراء من البيوت البلاستيكية، خصوصاً بين طرطوس وبانياس. «ذروةٌ» في البشاعة. يحلّ البلاستيك محلَّ البحر، والجبال، والحقول. محلّ الشمس والفضاء. هكذا لا يضربُ البصر وحده، وإنما يضرب كذلك البصيرة. إنها صحراءُ تخنق البيئة (التي نتغنّى بها!) وتسمّم الطبيعة (التي نعشقها!)، وهي إضافةً الى ذلك، تدبيرٌ خاصٌّ ليس إلاّ نوعاً من الفن في قتل الإنسان نفسه قتلاً بطيئاً.
كدتُ أن أسمع شهقات الحقول، وكدت أن أرى الشجر يبكي، في صحراء هذه «الجيوش» البلاستيكية الزاحفة.
أليس هذا «غزْواً» لأحشاء الطبيعة والأرض، ولـ«تدميرها» من داخل؟ ولقد خُيّل إليَّ، فيما أنظر الى هذا «الغزو» الفاتك الذي يُسَرْطنُ قلب هذه الأرض - الأمّ، ان أصحاب هذه «الجيوش» - هذه البيوت البلاستيكية، لو استطاعوا أن يلتهموا الأرض بما عليها ومن عليها، لما ترددوا.
إن الاستهزاء بالأرض، (كمثل الاستهزاء بالإنسان): إبادةٌ لما فيها من البراءة، والجمال، والقوة، وتحويلها الى مجرّد آلة للانتاج السريع، انتاج ثمارٍ وخضارٍ لا طعم لها ولا فائدة، غير الاتجار والربح.
إنه فَنُّ تلويث الهواء الذي نتنشقه، والماء الذي نشربه، والجمال الذي نراه، والثمار والخضار التي نعيش عليها. إنه، باختصارٍ، فنّ قتل الطبيعة، بعد الفن الذي برعنا به، شأن شعوب كثيرة، فنّ قتل الانسان.
كل شيء على هذا الشاطئ العريق الفريد ركامٌ من البلاستيك. كأنّ فيه ما ينذر بأن البشر أنفسهم يكادون أن يتفتتوا الى قطعٍ من «البلاستيك الاجتماعي»، تتناثر في الفراغ.
- 3 -
جبلة - بلدة يمكن وصف حيّها القديم بأنه بين أجمل الأحياء القديمة في المدن المتوسطية ويمكن وصف مَسْرحها الذي يعود، في شكله الأخير، الى العصر الروماني، بأنه بين أجمل المسارح الرومانية في حوض المتوسط. لكنه، على مدى السنوات التي تفصلنا عن تاريخ بنائه، تهدّم وهُدّم، وخُرّب، ولا يزال خُرْبةً!
أما الحيّ القديم فساحةٌ لاستقبال النفايات من كل نوع!
أولو الأمر، وأعوانهم المثقفون، لا يكرزون إلا بتكفير البشر الذين يحيدون عن التراث. غير أنهم لا يفعلون، هم أنفسهم، إلا الاستهتار بهذا التراث أي هدمه، على النحو الأكثر تنظيماً - لا التراث السومري، البابلي، الفينيقي وحده، وإنما كذلك التراث البيزنطي، والتراث العربي.
وكيف يحدث أن النظافة هي من تعاليم الدين الذي يؤمن به سكان جبلة، ولا يُعنى بها أيٌّ منهم؟ وهل يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً حقاً إذا لم يكن «نظيفاً» حقاً؟
- 4 -
كورنيش جبلة جميلٌ، خصوصاً أنه لا يزال قريباً الى الطبيعة، إضافةً الى غناه التاريخي بمآثر الأسلاف وبقاياهم المحفورة في الصخر.
ينقسم الى قسمين: شمالي وجنوبي. الحجاب هو العلامة الفارقة بينهما. نقطة «الحدود». للجنوب الحجاب. للشمال السّفور. أحياناً يحدث «تسلّلٌ» - اختراقٌ، وتمازجٌ، لكن من جهة الجنوب.
لا شكّ أن وراء الحجاب جمالاً. غير أنّنا مضطرون الى الاكتفاء بتخيّله. ونتمنى أن يسفر لتزداد الحياة جمالاً.
هكذا يستأثِرُ السّفورُ بحضور الجمال الطالع من الشمال. ويستأثِرُ الكورنيش، ويستأثر رعاةُ النجوم، وصيادو الشمس والقمر. خصوصاً أن المرأة الوافدة من قرى الشمال تحمل في جسدها الينابيع والجبال وكثيراً من خصائص الأودية والغابات. وتحمل تفتحات البراعم، وتحمل بهاء الفضاء، وشهوة الأرض.
- 5 -
«جمعية العاديات» (الآثار) في جبلة: أمّ أيهم، طه، جهاد، بدر، فايز، أحمد... وأصدقاؤهم، «عُمّالٌ» - يدورون كمثل الكواكب في فلك هذه المدينة. يحاولون تحريكها في اتجاه الفرح والحب والصداقة، أملاً في أن تنخرط كلها في العمل المبدع. بدأوا، تحقيقاً لهذا كله، عملاً متواضعاً، لكنه ذو دلالة عالية: إقامة مهرجانٍ سنويّ في الأسبوع الأخير من تموز (يوليو). مهرجانهم التأسيسي الأول، في السنة الماضية، نجح بشكلٍ باهرٍ. ومن المؤكد أنه سيكون هذه السّنة أكثر نجاحاً.
- 6 -
في أي لقاء مع السوريين، عُمالاً وفلاحين، كتّاباً ومفكرين، أطباء ومهندسين، معلمين وأساتذة جامعيين، إعلاميين وصحافيين، نساء ورجالاً، تبدو ملامح كثيرة تدل على التفوق والتفرّد، وتشير الى توقهم المتلهف للخلاص من الظلم، ولسيادة القانون والعدالة وحقوق الإنسان وحرياته. ولا يُخفي أحدٌ منهم استنكاره الكبير، الغاضب لهيمنة الفساد. فهو من الحضور الساحق، على كل مستوى، حتى ليبدو أنه القاعدة، وأنه ماء الحياة اليومية وهواؤها.
وفي هذا الإطار، وعلى هذا المستوى الإنساني - الاجتماعي - الأخلاقي، قَلّما ترى شخصاً غير مُعارضٍ لواقع الحياة اليومية. وهذا دليل صحة وحيوية. فالمعارضات في المجتمعات المتقدمة هي المحرّك الأساس لمزيد من التقدم. وغياب المعارضة في المجتمعات المتخلفة كمثل مجتمعاتنا العربية، دليل موتٍ مزدوج: موت السياسة على مستوى النظام، وموت الحركية الخلاّقة على مستوى الحياة الاجتماعية. فالمجتمع الذي لا معارضة فيه، سياسية وفكرية، على الأخصّ، مجتمعٌ لا حياة فيه. مجتمعٌ - مقبرة.
وهذا مما يفرض على المعارضة مسؤولية سياسية وأخلاقية عالية، تميّزها عن النظام الذي تعارضه، بحيث لا يصحّ، في أي حال، أن تقوم المعارضة بممارسات تقوم بها السلطة التي تعارضها. ذلك أن أبسط المبادئ التي تقوم عليها المعارضة في أي مجتمع هي التفكير والسلوك بطرقٍ أكثر فاعليةً ونزاهةً وعدالةً في إدارة شؤون المجتمع، وفي احترام الإنسان وحقوقه - من أجل تحقيق حياة أكثر جمالاً، وأوسع حرية. من دون ذلك، لا تكون المعارضة إلا امتداداً لأهل النظام - أعني طرفاً آخر في صراع المصالح والأغراض والمنافع.
ما الفرق، مثلاً، بين أن يضعك النظام في السجن لأنك مُعارضٌ له، وأن تتهمك المعارضة بأنك عميل لهذا النظام أو خائنٌ أو طائفيٌّ على الرغم من جميع ما أنزله بك هذا النظام نفسه؟ إن مثل هذا الاتهام أشدّ هَوْلاً، وأكثر استهتاراً بالانسان وحقوقه من السجن نفسه. ذلك أن السجن قيدٌ ماديّ محدود، في حين أن هذا الاتهام نوعٌ من «الحصار»، بل إنه نوعٌ من القتل. أفلا تكون المعارضة في مثل هذه الحالة فاتكةً بالانسان وحقوقه كمثل النظام، وربما أشد فتكاً؟
القانون هو، وحده، الذي يحقّ له أن يتهم: هذا مبدأ يجب أن يكون في مرتبة القداسة، عند كل شعب حيّ، حقاً، يحترم نفسه، حقاً. وهو، مع ذلك، مبدأ تدوسه الأقدام يومياً في الحياة العربية - أقدام الأنظمة والمعارضات على السواء. فالشخص، بمصالحه وأهوائه واتجاهاته (أو الحزب) هو الذي يتخذ، عند العرب، صفة القانون، ويُطلق التهم على الآخرين، كما يشاء، ساعة يشاء، باللغة التي يشاء. ويجد الى ذلك، ويا للعار، من يؤيده، ومن يشجعه، ومن ينشره. إنها ظاهرة في الحياة العربية تعكس مدى الانحطاط السياسي، والفكري، وتعكس المدى الذي وصلت اليه هذه الحياة في احتقار الإنسان وحقوقه.
ولماذا لا نُفيد، في سورية خصوصاً، من تجربتها السياسية، منذ خمسينات القرن الماضي، حتى اليوم. فلم يكن «النصر» الكبير الذي يحققه حزب من الأحزاب يقوم على انتشار مبادئه، وتحقق برامجه، وتعميم الوعي في الأوساط الشعبية، بقدر ما كان يقوم على «تخوين» الأحزاب الأخرى، والمطالبة بعزلها ونبذها،أو إبادتها. وهكذا كان لا بُدّ من أن يترتب على ذلك أن أي حزب من هذه الأحزاب التي «يخوّن» بعضها بعضاً، أو «يُشَيطِنُه»، أو «يُعَملِنَهُ»، سيكون حين يصل الى السلطة، بالضرورة، حزباً أوحد، لا يُفسح أي مجال للمعارضة - إلا بوصفها «ديكوراً» في بيت السلطة.
إن الحق في المعارضة يجب أن يكون مسألة بنائية تأسيسية تقوم في أساس الممارسة السياسية، وفي أساس الرؤية السياسية - الفكرية، عند جميع الذين يؤمنون بالديموقراطية والتعددية والتنوع، وبالانسان وحقوقه وحرياته. وما يمارسه، اليوم، بعض «المدافعين عن حقوق الإنسان» في سورية خصوصاً، والبلدان العربية، بعامة، من «تخوين» أو شَيْطنة» لكل مختلف عنهم في الرأي أو النهج أو غير تابع، إنما هو متابعة وترسيخ لذلك الخطأ التأسيسي، وتوكيدٌ وتسويغٌ لممارسات الإقصاء والإلغاء والتهميش التي تقوم بها الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية كلها. وأسأل هنا: ما الفرق، إذاً، بين الحاكم والمعارض؟ وعلى هذا المستوى، تحتاج الحياة السياسية العربية برمتها، يميناً ووسطاً ويساراً، وبخاصة في سورية والعراق، الى نقد ذاتي جذري وشامل، لكي تسترد هذه الحياة نفسها من جهة، ولكي تستردّ، من جهة ثانية، حيويتها، وفاعليتها، ووجهها الانساني. أقول: بخاصة في سورية والعراق، لأن اليسار فيهما، بمختلف تنويعاته، كان النواة الأولى في إلغاء الديموقراطية والتعددية والتنوع، وتبعاً لذلك، في ازدراء الانسان وحقوقه، وفي ازدراء الحريات. كان بتعبير آخر النواة الأولى في التأسيس لنوعٍ من «الوحدانية»، ضد الحرية، وضد العقل والفكر، وضد الانسان: «وحدانية» لا شيء فيها غير الطغيان.
أحبّ هنا أن أعطي مثالاً حديث العهد. وأعتذر لأنه يتعلق بي. غير انني آثرت أن أقدّم مثلاً يخصني، أعرفه جيداً، على أن أقدّم مثلاً آخر عن شخص آخر، لا أعرفه جيداً. ولست أقدمه هنا لكي أدافع عن نفسي، بل لكي أؤكد ما ذهبت اليه في كلامي على المعارضة، توكيداً على ضرورتها، واحتراماً لها. فقد وزّع الفرع السوري لمنظمة حقوق الانسان (الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان - فرع «المنظمة» في سورية) - أقول وزّع بياناً في الانترنت يقوم على مبدأ «تَسويد» صفحة شخص معين اسمه أدونيس. ومن أجل تحقيق هذه الغاية، أباح كتّاب هذا البيان لأنفسهم أن يستخدموا جميع الوسائل: التزوير، والافتراء، والكذب الصُّراح. كلّ ذلك باسم الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية، وباسم المعارضة في سورية كذلك.
والحّق أن الدفاع عن حقوق الانسان مهمة نبيلة، بامتياز. وهي، من أجل ذلك، مسؤولية ضخمة، تبدأ بالنزاهة والدقة ومعرفة الحقيقة. وإلا تحوّلت الى دفاع عن فريق، وافتراء على فريق آخر، بحيث يبدو هذا الدفاع «قتلاً» لآخر، و«إحياء» لآخر. يقدّم «الخير» بيد، و«الشرّ» باليد الثانية. دفاعٌ أعمى، وغير إنساني، وخارج العالم الذي تنهض عليه مبادئ حقوق الإنسان.
وأسارع الى القول إن الخطوة التي قام بها أصحاب هذا البيان بالكتابة الى الأكاديمية السويدية لحجب الجائزة عن أدونيس لا تعنيني إطلاقاً. إنها شأن خاص بين المرسل والمتلقي. وأعرف أن أشخاصاً عرباً كثيرين تبرعوا بمثل هذه الكتابة الى هذه الأكاديمية، وهي كتابة مليئة هي كذلك بالتزوير والافتراء، وتدعو الى الرثاء.
بماذا يتمثل هذا التزوير وهذا الافتراء عند أصحاب هذا البيان؟ إنهما يتمثلان في ما ينسبونه لي، على نحوٍ باطلٍ كلياً. فهم ينسبون إليّ ما يلي:
1 - عدم التوقيع على «عريضة دولية تطالب بإطلاق سراح البروفسور عارف دليلة».
2 - «مديح آية الله الخميني ونظام الملالي» (هكذا حرفياً).
3 - «الموقف المخزي من الفتوى التي أصدرها الخميني بقتل سلمان رشدي (هكذا، أيضاً، حرفياً).
4 - «رفض المساهمة في الحملة الدولية التي أطلقها أواسط التسعينات عدد من المثقفين والفنانين العرب، ومن أنحاء العالم الأخرى، لإطلاق سراح الشاعر السوري فرج بيرقدار» (هكذا أيضاً، حرفياً).
5 - «العلاقة السياسية والطائفية المشبوهة مع أركان النظام السوري، وبشكل خاص بعض ضباط مخابراته» (هكذا أيضاً، حرفياً).
6 - «رفض اتخاذ أي موقف من اعتقال رموز حركة «ربيع دمشق من المثقفين المطالبين بالديموقراطية واحترام حقوق الإنسان» (هكذا، أيضاً، حرفياً).
تكراراً، ليس في هذه الأمور الستة إلا التزوير والافتراء اضافة الى الجهل. وما يشار اليه في هذه الأمور يُكرر على نحو ممجوج منذ أكثر من ربع قرن، حتى انني أكاد أن أشفق على المكررين متسائلاً: أين المخيلة عندهم، ولماذا لا يخترعون قضايا أخرى؟
وأكرر انني أقدم هذا المثل، دفاعاً عن الحق في المعارضة وعن ضرورتها، لا دفاعاً عن نفسي، واحتراماً للحقيقة وللقارئ، وللمعارضة في سورية.
أولاً - لم يكلمني أحدٌ إطلاقاً عن هذه العريضة الخاصة بالاستاذ عارف دليلة. ولم يتصل بي أحدٌ، إطلاقاً. ولو عُرضت عليّ، لكنتُ أوّل من يوقعها. ثم إن شخصاً يوقع على بيان الـ99 لا يمكن أن يتردد في توقيع عريضة كهذه.
ثانياً - هذه القصيدة - الخرافة لم يقرأها أصحاب هذا البيان، ولم يقرأها جميع الذين تكلموا عليها قراءة صحيحة، وإنما قرأوا «مواقفهم»، من صاحبها - الشخص، ومن الثورة الايرانية. أما هي، بوصفها نصاً فقد غابت عنهم.
والدليل واضح: يقولون انها في «مدح الخميني والملالي»، وهي لا تقول كلمة واحدة عن الخميني - الشخص، ولا عن الملالي. وهي تدور، جوهرياً، على العلاقة بين «الغرب» و«الشرق». هذه المقطوعة (ولا أسميها قصيدة) إنما هي لحظة من الحماسة مرتبطة حصراً بظاهرة الثورة الايرانية، الفريدة بين ثورات الشعوب. كما أرى: غير عنفية، وغير طبقية. غير أنني، مع ذلك، انتقدت مباشرة قيام هذه الثورة على الدين، وحذَّرت على نحو خاصّ ممن سميتُه بـ«الفقيه العسكري». وهو ما نراه، اليوم، بتنويعات مختلفة.
وأدعو أصحاب هذا البيان، إذا كانت الحقيقة تهمهم الى قراءة ما كتبته في هذا الصدد، منذ قيام الثورة الإيرانية، وهو منشور في الجزء الرابع من «الثابت والمتحــول»، وفي معــظم كتــبي اللاحـــقة.
ثالثاً - لا يجهل أحدٌ، إلا أصحاب هذا البيان، انني أعرف سلمان رشدي شخصياً، وانني كنت بين أوائل الذين دافعوا عنه. وكنت أول من ترجم دفاعه البديع العميق عن نفسه وعلاقته بالإسلام لنشره في مجلة «مواقف». وكان الوضع آنذاك في لبنان يحول، جذرياً، دون إمكان نشره. فقد رفض عمّال المطبعة أنفسهم أن ينضّدوه! وقال لي صاحب المطبعة: إذا «جاؤوا» ونسفوا لي المطبعة، وقتلوا عمّالها، فماذا يمكنك أن تقدّم لي؟
رابعاً - طلب مرة مني في باريس أن أوقع على عريضة تطالب بالإفراج عن «الشاعر فرج بيرقدار». قلت لمن طلب توقيعي:
- لا أعرف شاعراً اسمه فرج بيرقدار.
- استخدمنا هذه الصفة لكي نحقق أكبر قَدْرٍ ممكن من المساندة والدعم، من الكتّاب والشعراء في الغرب.
- لكننا لا نحتاج الى هذه الصفة. وعلينا أن ندافع عنه بوصفه معتقلاً، أياً كان. يجب علينا هنا أن نتجنب كلياً فوضى المعايير، التي اعتدنا عليها في بلداننا العربية. وهي فوضى شاعت مع الحركات السياسية، و«الثورات»، فمنح كثير من المناضلين صفات وألقاباً شعرية وفنية، بقوة النضال لا بقوة الشعر أو الفن.
لهذا السبب لم أوقّع على هذه العريضة. وليس لأنني لا أدافع عن المعتقلين السياسيين في سورية.
تذكرني قصة فرج بيرقدار الذي أحترم نضاله كثيراً، بقصة أخرى تعود الى سبعينات القرن المنصرم. كنت في موسكو بدعوة خاصة، وفي أثناء حديث مع بعض الكتاب والشعراء هناك، سُئلت عن شاعر دمشقي يعيش في موسكو يوصف بين عارفيه من الحزبيين بأنه ماياكوفسكي العرب، (هكذا، أيضاً وأيضاً، حرفياً). صُدمت حتى الذهول. وبسبب من هذه الصدمة، لا أزال أذكر اسمه حتى الآن: أيمن أبو شعر.
قلت للحضور إنني لا أعرف شاعراً دمشقياً بهذا الاسم. لم أقرأ له بالعربية أية قصيدة. هل يكتب بالروسية؟
- لا. يكتب بالعربية.
- الفُصحى أو الدارجة؟
- الفُصحى.
- آسف، لا أعرفه.
تذكرني هذه القصة كذلك بالإشارة الى أسماء كثيرة خلعت عليها «آلة النضال» اليميني واليساري، صفة الشاعر - آلة الثورة الجزائرية، وآلة الثورة الناصرية، وآلة الثورة الفلسطينية، وآلة الثورة العراقية - الصدّاميّة، خصوصاً في مهرجاناته المربدية، وفي حربه «العربية» ضد «الفرس».
تذكّرني كذلك باتحادات الكتّاب العرب التي تضم أعداداً من الشعراء قد تتجاوز أعداد الشعراء في العالم كله.
- 7 -
أترفّع عن الخوض في ذلك الباقي من هذه الأمور المزوّرة المفتراة. وأقول لأصحابها: سامحتكم المعارضة، وسامحتكم حقوق الإنسان.
- 8 -
أعود الى جبلة.
مدينة جبلة واحدة، إدارة وسياسة. لكن ما أكثر المدن التي تتقاطع داخلها وتتنابذ. مدينة الزمن الأفقي الذي ليس إلا تراكماً. مدينة الزمن العمودي الذي يخترق الأنقاض والتراكمات ويتخطاها. مدينة المعتقدات المتناقضة المتصارعة في صمت كأنه صمت السيف أو صمت القبر. مدينة الحجاب. مدينة السفور. مدينة الصورة التي لا تكفّ عن التأوّه بحثاً عن معنى. مدينة الذاكرة التي لا تتذكّر إلاّ مَحْوَ الآخر. مدينة الحاضر الذي ليس إلاّ خِرَقاً ممزقةً مِن عباءة الماضي.
- 9 -
يعيش محروماً من الحب والشعر والفكر.
- ماذا يفعل؟
- ينذر حياته للحقد والكراهية و«الانتقام».
- ممن ينتقم؟
- من كلّ شخصٍ تمتلئ حياته بالحب والشعر والفكر.
- 01 -
الحاسّة بيت الروح.
عندما تتَوَلَّهُ الحاسَّةُ تتحوّل الروح الى جسد.
أدونيس ووالدته في قريته قصابين.

في تلازم التغيير الديموقراطي في سوريا و لبنان

٢٠٠٥-٠١-١٢
في تلازم التغيير الديموقراطي في سوريا و لبنان
محمد علي الأتاسي
منذ القرار الخاطئ بالتمديد للرئيس اللبناني إميل لحود، راحت ترتفع أصوات العديد من حلفاء سوريا التقليديين في لبنان، بدءاً من وليد جنبلاط وصولاً إلى سليم الحص، مطالبةً القيادة السورية بوقف تدخل أجهزة الأمن والمخابرات في الشؤون الداخلية اللبنانية وفي إدارة ملف العلاقات السورية - اللبنانية. ويكاد هذا المطلب أن يكون في مقدم أولويات العديد من الأطراف اللبنانيين، مضافاً إليه مطالب أخرى تراوح بين تصحيح الخلل في العلاقات السورية - اللبنانية مروراً بتطبيق إتفاق الطائف وإعادة انتشار القوات السورية إلى سهل البقاع، وصولا إلى المطالبة بانسحاب القوات السورية الكامل من الأراضي اللبنانية كما ينص على ذلك القرار الدولي رقم 1559.
لقد بات مطلب حصر عمل أجهزة الأمن في إطار اختصاصها يتصدر خطاب العديد من السياسيين اللبنانيين الذين لم يعرف عنهم في السابق معاداة النظام الحاكم في سوريا. وهذا في ذاته إذا دل على شيء فعلى المدى المتفاقم الذي بلغه التدخل الأمني في إدارة ملف العلاقات السورية - اللبنانية الذي كان من المفترض أن يظل نظرياً في مجال اختصاص المجلس الأعلى المشترك والمؤسسات الحكومية المعنية في كلا الدولتين. لكن، لا اتفاق الطائف ولا معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق ولا وصول أصدقاء سوريا الى سدة الحكم في لبنان ولا مرور عقد ونصف عقد من السلم الأهلي، سمحت بتغيير طريقة التعامل الأمني السوري مع الملف اللبناني. وإذا كانت هذه الطريقة قد سمحت في السابق للسلطة السورية بأن تتجاوز تحديات دقيقة اعترضتها خلال العقود الثلاثة التي مضت على وجودها في لبنان، فإن تبدل الظروف الدولية والإقليمية وانسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني وترسخ السلم الأهلي في لبنان وتوق الكثير من اللبنانيين إلى رفع الوصاية السورية عنهم وتبديل الطبقة الحاكمة في بلدهم، هذا كله، وغيره كثير، كان من المفترض أن يدفع بالسلطة السورية إلى إعادة النظر في طريقة تعاملها مع الشأن اللبناني لجهة فك قبضتها الأمنية والعسكرية عن هذا البلد، وتمكينه من حكم نفسه بنفسه في ظل مناخ من التعاون والتنسيق والأخوة بين البلدين. لكنها بدلا من أن تفعل ذلك، زادت من اعتمادها على المنطق الأمني في إدارة الشأن اللبناني وصولا إلى قرار التمديد للرئيس لحود، والذي تم فيه الضرب بعرض الحائط حتى بآراء العديد من حلفاء سوريا المقربين وفي مقدمهم السيد رفيق الحريري. وكانت النتيجة صدور القرار 1559 وزيادة عزلة سوريا الدولية وجعلها عرضه للمزيد من الضغوط والإضعاف.
المنطق الأمني
قد يسأل المرء عن السبب الذي دفع بالسلطة السورية خلال السنوات الأخيرة إلى الإحجام عن تعديل طريقة إدارتها لملف العلاقات السورية - اللبنانية، وخصوصا عندما كان متاحاً لها فعل ذلك في ظل شروط أفضل بكثير من الشروط الحالية، مثلما كانت عليه الحال في الفترة التي أعقبت انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب ونجاح حليفها الأوثق، "حزب الله"، في الحفاظ على السلم الأهلي ومنعه عمليات الثأر وتصفية الحسابات التي اعتدنا عليها خلال الحرب الأهلية اللبنانية.
كان من المفترض أن يدرك رجل القرار السوري التبدلات التي طرأت على الخريطة الجيو - سياسية للمنطقة وإعادة رسم خياراته الإستراتيجية وفقا لهذه التبدلات. كان عليه الاقتناع بأنه بات من المستحيل الاستمرار في إدارة الشأن اللبناني وفقا للمنطق الأمني المحض. كان عليه الرضوخ لضرورة تجديد دماء الطبقة السياسية اللبنانية وفقا لرغبات الشعب اللبناني، بدلا من أن يحاول تأبيد حكم الطبقة السياسية التابعة له في لبنان. لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل تم تفويت الفرصة تلو الأخرى وصولا إلى الإحتلال الأميركي للعراق وما أعقبه من انكشاف سوري كامل على الضغوط الدولية وانقلاب في موقف الحليف الفرنسي السابق.
المراوحة والجمود في ملف الإدارة السورية للشأن اللبناني، لا نجد مكافئاً لهما إلا في الكيفية التي تتعامل بها السلطة السورية مع الشأن الداخلي السوري. إذ نجد أنفسنا أمام المراوحة والجمود نفسيهما في مواجهة المطالب الديموقراطية الداعية إلى فك القبضة الأمنية عن المجتمع السوري، والمضي قدماً في مسار الانفتاح والإصلاح السياسي وطي صفحة الماضي.
فالمنطق الأمني الذي يرفض الاحتكام إلى صندوق الانتخاب في البلدين، ويتحسس من مظاهر الاستقلالية والاختلاف، ويفضل أبواق الإستزلام والتبعية والتدجين على الأصوات الحرة والصادقة والمسؤولة في البلدين، لا يقف عقبة فقط في وجه تصحيح العلاقات السورية - اللبنانية، ولكنه يقف أيضا عقبة كأداء في وجه كل إصلاحات سياسية حقيقية في الداخل السوري. ومن هنا فإن أي استجابة سورية للمطالبة اللبنانية بإخراج العلاقات السورية - اللبنانية من المنظور الأمني، يعني عملياً إعادة النظر في مكانة هذا المنظور في بنية السلطة السورية، وبالتالي في الدور الذي يؤديه في الداخل السوري أيضا. ومن هنا تنبع صعوبة قرار كهذا.
تلازم المسارين
قد يفترض بعض الفرقاء اللبنانيين، أنه سيكون من الممكن للبنان ديموقراطي مشتهى - فور الانسحاب السوري - أن يعيش بسلام وأمان إلى جانب سوريا مكبلة بقيود الديكتاتورية. فإذا وضعنا جانبا أصحاب هذه الطرح المهللين للعم سام والحالمين بفك كل أشكال الترابط والتشابك بين البلدين - إذ لا فائدة ترتجى من الحوار معهم، فهم كانوا وسيبقون موضوعياً معادين لكل ما هو سوري -، فإن هناك في المقابل أطرافا لبنانيين آخرين من الذين يقولون بعروبة لبنان، لكنهم مع ذلك لا يجدون غضاضة من تعايش لبنان إلى جانب سوريا، كتعايش الصين وهونغ كونغ، على ما ذهب إليه النائب وليد جنبلاط في برنامج "كلام الناس" الذي استضافه بتاريخ 23\9\2004 على القناة الفضائية اللبنانية LBC. فعندما سأله مقدم البرنامج رأيه في "ربيع دمشق" والحراك الديموقراطي السوري أجاب جنبلاط بالآتي: "ما شغلتي الأوضاع الداخلية السورية مثل ما منطلب منهم إحترام نظامنا علينا أن نحترم أوضاعهم الداخلية". وأشار جنبلاط في المقابلة نفسها إلى أن لكل نظام حيثياته ومتطلباته وأنه يمكنهما أن "يتعايشا كما تعايشت الصين وهونغ كونغ" وأضاف أن "من غير اللائق لسوريا ولا للبنانيين أن تكون العلاقة بين البلدين محصورة في المنظار الأمني. نستطيع أن نبني علاقات من دولة الى دولة ومن حكومة الى حكومة، من خلال المجلس الأعلى (اللبناني - السوري)، ومن خلال احترام المؤسسات".
يمكن أن نفهم وفق أي منطق يتحرك الخطاب الجنبلاطي ضمن حقول الألغام المحيطة به من كل صوب. لكن يا ترى من أجل الوصول إلى علاقات من دولة الى دولة ومن حكومة إلى حكومة ومن خلال احترام المؤسسات، ألا يجب أن نخرج من معادلة الصين وهونغ كونغ، نحو فضاء أرحب وأكثر حرية؟ ومن ثم كيف يمكن الدولة السورية أن تقبل بقيام علاقات من دولة إلى دولة ومن خلال إحترام المؤسسات، إذا بقي المنظور الأمني مسيطراً على بنية الدولة السورية تجاه شعبها كما تجاه لبنان؟ ومن قال إن في قبول السياسيين اللبنانيين إبداء الرأي في حراك "ربيع دمشق" تدخلاً في الأوضاع الداخلية السورية؟ أليس في ذلك استرجاع لمعنى العروبة المتنورة الذي آمن به الراحل الكبير كمال جنبلاط، عندما تحدث عن السجن السوري الكبير ودعا علنا إلى أن تسلك سوريا سبيل الديموقراطية السياسية؟
يمكن أصحاب أحلام اليقظة أن يتخيلوا لبنان ديموقراطياً حراً وسيداً، بمعزل عن آفاق عملية الإصلاح السياسي في سوريا. لكننا، للآسف، لا نرى سبيلا للوصول إلى هذا اللبنان المرتجى القابل للاستمرار والازدهار من دون أن يتداخل هذا مع مسار التحول الديموقراطي لدى الجار السوري. لا بل أن قيام مثل هذا اللبنان معناه حتما أن شيئاً ما تغير في الجانب السوري، إلا إذا كان البعض لا يزال يؤمن بإمكان قيام لبنان كهذا على شكل قلعة ديموقراطية معزولة ومحصنة داخل السجن السوري الكبير؟! وهذا في رأينا من سابع المستحيلات، بسبب قدرة الجار السوري على خنق هذه المحاولة من داخل أسوار القلعة ومن خارجها.
إذاً، لا مفر من تلازم مسارَي التغيير الديموقراطي في البلدين، وكل خطوة تخطوها سوريا في اتجاه الإصلاح السياسي، هي في الضرورة خطوة في اتجاه حرية لبنان واستقلاله. أما من يريد أن يضع استقلال لبنان واستعادته سيادته، بالقطيعة مع هموم الشعب السوري وشجونه، بل وفي إطار الشحن والتعبئة العنصريين وتغذية مشاعر العداء والكراهية التي لا يتقن البعض في لبنان سوى ممارستها كفعل سياسي، فإن فعله هذا يسي إلى قضية إستقلال لبنان بقدر إساءته إلى الهم الديموقراطي المشترك بين الشعبين.
المخرج الديموقراطي
إذا قبلنا بالرأي القائل بأن منطقتنا اليوم مستهدفة في استقرارها وفي أمن شعوبها، قبل أن تكون مستهدفة في أنظمتها الحاكمة، فإن الطريق الأنجع والأمضى في مواجهة هذه التحديات، هو في إعطاء هذه الشعوب حقوقها الأساسية ليس فقط لتدافع عن أوطانها في مواجهة التهديدات الخارجية، ولكن لتستطيع أن تعيش حياة كريمة ولائقة داخل أوطانها الحرة المستقلة. لقد انتهت عملياً صلاحية الحل السلطوي القمعي في صيانة الأوطان رغم أن هذا الحل لا يزال يملك القدرة على المماطلة والمناورة، عدا أن هذه المناورة لن تكون في النهاية إلا في صالح المزيد من الضغوط الأميركية وفي صالح المزيد من إضعاف البنيتين السورية واللبنانية في مواجهة هذه الضغوط.
ترى، ماذا ينتظر حكامنا للخروج من المنظور الأمني المهيمن في سوريا كما في لبنان؟ ألم يسمعوا ويقرأوا تصريحات الرئيس الأميركي جورج بوش لمراسلة صحيفة "يديعوت احرونوت" الإسرائيلية في واشنطن والتي قال فيها: "إن سوريا بلد ضعيف جدا لذلك يستحيل الاعتماد عليها. يتحتم على الأسد الآن الانتظار. السلام أولاً بين إسرائيل وفلسطين، ومن ثم سنرى ما سنفعله مع سوريا". ترى هل من المعقول أن ننتظر المزيد من الضعف والمزيد من التآكل والمزيد من التنازلات والمزيد من العقوبات الدولية حتى يقرر جورج بوش ما الذي يفعله في شأننا، أم أن الأوان قد آن، لتمكين شعوبنا من أخذ مصيرها بيدها، ولإيجاد مخرج مشرّف للوجود السوري في لبنان؟
سيؤدي المخرج الديموقراطي إلى بناء العلاقات السورية - اللبنانية على أسس أكثر تكافوءاً وندية، وسيؤدي في النهاية إلى تبديل في بنية السلطات الحاكمة في كلا البلدين، لكن هذا التبديل لن يأتي بين ليلة وضحاها، ولن يمحو كل ما سبقه، ولن يغرق البلاد في حمامات الدم، كما يفعل التغيير الآتي على ظهور الدبابات الأميركية. وعلينا أن نتأمل ملياً في النموذج التركي الجاري بناؤه أمام أعيننا، ليس فقط لجهة التبديل والتجديد في دماء النخبة الحاكمة بعيداً عن العنف والثأر، ولكن أيضا لجهة قدرة الحكومة المنتخبة ديموقراطياً على المناورة الأوسع في مواجهة الضغوطالأميركية.
إن طريق الإصلاح الديموقراطي طويل وشاق، لكن مدخله بات واضحا، ومن العبث إطالة الإنتظار على مشارفه، لأن معنى ذلك المزيد من التدهور والضعف والإحتقان. وعلى القوى الديموقراطية في كلا البلدين، سوريا ولبنان، أن تعي تلازم مساري الإصلاح وأن تضع حداً لكل المظاهر الشوفينية الضيقية في صفوفها والتي تسيء أبشع إساءة لصورة كل طرف لدى الطرف الآخر، وتبث بذور التفرقة والكراهية في ما بينهما.
العالم يتغير بسرعة من حولنا، وإذا كنا لا نزال نمانع في أن نتغير بإرادتنا، فمعنى ذلك أن كل شيء يمكن أن يتغير فجأة ولكن بمعزل عن هذه الإرادة. والسؤال هو: ألم يحن الوقت لأن تتنازل السلطة أمام مطالب شعبها بدلا من أن تضطر للتنازل أمام هيمنة الأجنبي؟ ألم تدق ساعة الحقيقة من أجل إنهاء نظام الوصاية السوري على لبنان؟
خسارة بعض المكاسب السلطوية، في سوريا كما في لبنان، لا تعني شيئاً أمام خسارة أوطان بأكملها.
670 ملحق " النهار " العدد
الأحد 9 كانون الثاني 2005

أبو عنتر الشعلان

٢٠٠٥-٠١-١٠

أبو عنتر الشعلان

صبحي حديدي
القدس العربي
2005/01/10
الشعلان واحد من أجمل أحياء العاصمة السورية دمشق، وأشدّها وداعة وحيوية في آن، وأكثرها عراقة وانفراد شخصية، وذلك رغم مساحته المتواضعة. وهو يقع علي الكتف الأيسر لشارع الصالحية الشهير، ويلامس المبني التاريخي للبرلمان السوري، كما يحاذي ساحة النجمة وحديقة السبكي، ولا بدّ أنّ شارع الحمرا الدمشقي ــ النظير الشائه للشارع البيروتي الأشهر ورمز صرعة الاستهلاك التجاري الطفيلي التي اجتاحت سورية أواخر السبعينيات ــ قد بتره الآن نصفين. وباختصار، حيّ الشعلان ينطوي علي تلك المفاتن الدمشقية الفريدة التي جعلت الشاعر السوري الكبير الراحل نزار قباني يهتف:يا دمشق التي تفشّي شذاها تحت جلدي كأنه الزيزفونكلما جئتها أردّ ديوني للجميلات... حاصرتني الديونوالشعلان كان نموذجاً مدهشاً للتعددية السورية في مستوي الأديان والأعراق والجنسيات، وكان المرء يجد الصائغ الأرمني جاراً للتاجر اليهودي أو اللحّام الشامي أو البقّال الإيراني. وفي مطلع السبعينيات، أثناء سنوات الدراسة الجامعية، كنّا نرتاد الشعلان بصفة يومية لسببين: أنّ عدداً كبيراً من زملائنا طلاب الجامعة العرب كانوا يسكنونه لقربه من الجامعة، وأنّ واحداً من أنظف وأرخص مطاعم الطلاب كان يقع هناك (وجبة من ثلاثة أطباق + حبّة فاكهة، مقابل 60 قرشاً سورياً... فقط لا غير!)...غير أنّ للشعلان صفة خاصة، قد لا يعرفها الكثيرون اليوم، وهي أنه كان البقعة الدمشقية التي شهدت بواكير استقرار عشائر الـ رولة في الشام إجمالاً، وفي العاصمة السورية تحديداً. وكان الشيخ نوري بن هزاع بن نايف بن عبد الله بن منيف الشعلان (1848 ـ 1942) قد تقلّد رئاسة عشائر الرولة سنة 1894، وعاصر أكثر من عهد (من العثمانيين إلي الاستقلال، مروراً بالهاشميين والانتداب الفرنسي). وثمة بين المؤرّخين مَن يطعن بعض الشيء في وطنيته، مستنداً علي برقية قيل إنه أرسلها إلي المفوّض السامي الفرنسي وتضمنت استنكاره للثورة السورية الكبري سنة 1925.الثابت تاريخياً، مع ذلك، أنه دخل دمشق صحبة الملك فيصل الأول علي رأس عدد كبير من خيّالة الرولة، ثمّ شارك في الحياة النيابية السورية ممثلاً لعشيرته، ولعب أكثر من دور حساس في حكم السلطان عبد الحميد، والسلطان رشاد، والاتحاديين، وسامي باشا الفاروقي، وجمال باشا السفاح، والملك فيصل، والجنرال الفرنسي غورو. وكان قد اختار دمشق مستقراً له، فرمّم بيتاً قديماً في منطقة الصالحية جعله مضافة آل الشعلان (لعلّها ما تزال قائمة حتي اليوم). وبالطبع، كان لا بدّ أن يجاوره أفراد حاشيته وبعض أبناء عشيرته، فاتسعت الديرة هذه تدريجياً حتي انقلبت إلي حيّ كامل عُرف منذئذ وحتي اليوم باسم الشعلان.... وتخيّلوا مَن يريد اليوم إشعال الحرب في شوارع دمشق، وبينها بالطبع شوارع حيّ الشعلان؟ إبن عشيرة الخزاعل الشعلاني وزير الدفاع العراقي المؤقت حازم الشعلان، أو أبو عنتر كما يحلو لبعض الإخوة العراقيين وصفه بحقّ! سمع العالم كلّه تصريحه الهمجي الذي يقول فيه بالحرف: العين بالعين والسنّ بالسنّ. نملك الوسائل لنقل المعركة من شوارع بغداد إلي شوارع طهران ودمشق ! أهذا وزير دفاع بلد ينوي تغيير شخصية الدولة المارقة السابقة وإعلاء شأن القانون الدولي والديمقراطية؟ أم هو بلطجي خرج من باب نظام صدّام حسين ليدخل من نافذة بول بريمر؟ وما الذي تغيّر، حقاً، في لسانه حين كان واحداً من زبانية العهد السابق، لكي تتغيّر اليوم سجيّة واحدة في نفسه بعد أن انخرط في العهد الجديد؟ومن جانب آخر، مَن يتوقع أبو عنتر هذا أن تكون هوية الذين ستجندلهم المعركة التي يهدد بنقلها إلي شوارع دمشق؟ أيكون بين الضحايا نظيره وزير الدفاع السوري مثلاً؟ أم ضبّاط الأمن السوريون الذي يتهمهم بالوقوف خلف العمليات المسلحة المناهضة للحكومة العراقية المؤقتة؟ أم لعله يريد تأديب البعثيين الصدّاميين الذين يمرحون ويسرحون في مرابع سورية؟ يعلم الشعلان أنه لن يصيب قلامة ظفر من هؤلاء، لأسباب عديدة أبسطها أنهم ــ مثله تماماً! ــ في حرز أمني حصين، وأوضحها أنهم ليسوا البتة جزءاً من حياة الشارع اليومية. وقبل سبع سنوات، أيّام الاستبداد الأكبر، خرج إلي شوارع دمشق دون سواها طلاب وتلامذة سوريون انتزعوا العَلَم الأمريكي من سارية السفارة الأمريكية، وأسقطوه أرضاً، ومزقوه، وأحرقوه. هل يعرف أبو عنتر حازم الشعلان لماذا؟ لكي يهتف الفتي السوري من سويداء قلبه: أوقفوا الحرب ضدّ أطفال العراق ! ولكي تهتف الفتاة السورية: بالروح، بالدم، نفديك يا عراق! ... وأياً كان دور السلطة السورية في ترتيبها آنذاك، فإنّ أية سلطة لم تكن قادرة علي تصنيع الصدق الذي بدا علي الوجوه، وكان بليغاً وجليّاً وكاشفاً في حدّ ذاته. كذلك لم يتجاسر أخلص خلصاء صدّام حسين علي اتهام تلك التظاهرات بالولاء للدكتاتور العراقي. وإذا نفّذ أبو عنتر الشعلان وعيده فإنه لن يجهز إلا علي أمثال هؤلاء وسواهم من المواطنين الأبرياء، أصدقاء العراق الشعب والبلد والحضارة، وبينهم دون ريب عدد من أبناء عمومته الشعلانيين... نسبة إلي الحيّ العريق في أقلّ تقدير!

ركود في سورية وسط تراجع الاصلاحات

٢٠٠٥-٠١-٠٩

ركود في سورية وسط تراجع الاصلاحات

يعتقد بعض السوريين ان الرئيس بشار الاسد نكث بوعوده
وعد الرئيس بشار الاسد بالكثير عندما تسلم السلطة عام 2000، ولكن البعض يقول انه لم يف بهذه الوعود.
ومازالت الحكومة السورية تعتقل المعارضين، ولايزال الاقتصاد الذي تسيطر الحكومة على معظمة راكدا.
وكان الرئيس بشار الاسد يتمتع بشعبية واسعة عندما خلف والده الرئيس الراحل حافظ الاسد، فقد وعد بفتح النظام السياسي والاقتصادي، وافرج عن المئات من المعتقلين السياسيين.
ولكن سرعة التغيير ارعبت اركان النظام الثلاثة: الجيش وحزب البعث والاقلية العلوية، وبدأت السلطات تقمع من جديد المناظرات العامة. والان من يتجرأ على الكلام يواجه احتمال الحبس.
وقال طالب في جامعة دمشق: "حوالي 20 من رجال الامن احاطوا بنا عندما خرجنا من مطعم الجامعة. وبعد ذلك، وضعونا في سيارة كبيرة وقيدوا ايدينا.
ولم يرغب هذا الطالب بالكشف عن هويته للبي بي سي. وقال انه كان يحتج لان زملاءه في الجامعة طردوا لانهم تجرأوا على انتقاد الحكومة لتخليها عن سياستها في ضمان فرض عمل للخريجين.
وقال انه اخذ بعد ذلك الى قسم الامن السياسي.
وقال: "لم يتكلم الي احد لمدة اربعة ايام. كنت في الحبس الانفرادي."
وقال: "في كل مرة كنت اخرج من الزنزانة كنت معصوب العينين. واثناء الاستجواب كانوا يصيحون ويسبون. كانوا يريدون ان يعرفوا ان كنت عضوا في جماعة شيوعية."
ومن بين المحتجين الاخرين سمير نشا، وهو رجل اعمال ونشيط في المجتمع المدني.
وهو يواجه الان ثلاثة احكام بالسجن بعد ان رتب محاضرة في مكتبه عن ضرورة الغاء حالة الطوارىء الذي بدأت قبل اربعين عاما. ووفق هذا النظام يحاكم المدنيون امام محاكم عسكرية.
وقال نشا انه كان يعتقد ان النظام بقيادة بشار سيكون اقل قمعا، ولكنه اصيب بخيبة امل.
وقال: "اعتقدت انه سيفي بوعوده عندما قال ان الديمقراطية تعني ان تكون حرا في ان تخالف."
وقال: "ولكن بعض اشهر قليلة من تسلمه للسلطة، اعيد معظم نشطاء المجتمع المدني الى السجن."
ويبدو واضحا ان الاصلاحات الاقتصادية في سورية بطيئة. ونصف عدد سكان سورية البالغ عدد 18 مليونا تحت سن الـ 19، وهم يشعرون بالتململ: فمعدل البطالة مرتفع، والاقتصاد غير قادر على ايجاد فرص عمل طويلة المدى.
قال مدير احدى شركات الهواتف: "كنا تحقق تقدما الى ان طلعت الحكومة بفكرة مشاركة شركة كورية."
وقال: "اذا كانت أي شركة حكومية او وزارة تريد ان تشتري أي نظام فان عليها ان تذهب الى هذه الشركة الكورية. لماذا لا يسمح لنا باي شكل من اشكال المنافسة؟"
واضاف الرجل انه مستاء من الوضع الراهن، ويشعر بان التغيير ضروري جدا في سورية.
وتعاني سورية ايضا لانها خسرت السوق العراقية عبر الحدود وامكانية الحصول على نفط رخيص الثمن.كما ان الولايات المتحدة هددت بفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية ضد سورية متهمة اياها بمناصرة الارهاب وبعدم القيام بما يكفي من العمل للحيلولة دون وصول المسلحين الى العراق لمهاجمة قوات التحالف.
قال حسن عايبي الذي فقد ابنه في الحرب العراقية: "كان الناس يشعرون بكثير من الغضب. فالمشايخ في الجوامع كانوا يحثون الناس على الجهاد، لانه اذا قصف العراق اليوم بان دور سورية قادم."
وتسلم ابن السيد حسن جواز سفر للذهاب الى العراق خلال ساعتين، وهو ما استغربه الاب لان الحصول على الجواز يستغرق اسبوعا في العادة.
ولكن وزيرة المغتربين بثينة شعبان قالت لبي بي سي ان الادعاء بان سورية تساعد المسلحين "لا يقوم على اساس على الاطلاق."
وقالت: "حتى لو ان هناك مسلحين يجتازون الحدود الى العراق فانهم يفعلون ذلك دون موافقة الحكومة السورية."
ولكنها اشارت الى ان كثيرا من السوريين عبروا الحدود الى العراق دون اذن من الحكومة السورية.
وقالت: "اعتقد انك يجب ان تكون عربيا او مسلما من ا جل ان تفهم مشاعر الناس عندما بدأت الولايات المتحدة بدخول العراق."
واضافت: "هناك شبان يذهبون الى العراق لانهم متحمسون. وهم غير مدربين، ولا يحملون اسلحة.
وبعضهم يقتل بمجرد الوصول الى الحدود."
ونفت شعبان الاتهامات التي تقول ان الحكومة السورية اعتقلت متظاهرين مسالمين.
وقالت: "هناك اسباب اخرى للاعتقالات. اننا لا نساوم على وحدتنا الوطنية. ففي سورية اقليات كثيرة، وديانات كثيرة. ولذلك نحن لا نسمح بان يعمل أي طرف على احداث شرخ في الوحدة الوطنية التي نشعر بالفخر بها. انها ضرورية جدا لبقائنا كدولة."
وعن احداث فرص عمل جديدة قالت الوزيرة ان "الموضوع بالغ الصعوبة" لان الحكومة في الماضي اعطت الانطباع بان دورها يتمثل في ايجاد فرص عمل للناس.
وقالت: "اننا لا نستطيع ان نلحق بالزيادة السكانية. وعلينا ان تركز على المهم."
BBCArabic.com
http://news.bbc.co.uk/go/pr/fr/-/hi/arabic/news/newsid_4155000/4155701.stm

الموافقة الأمنية تقطع أرزاق الناس وأعناقهم.. اسرائيل السبب طبعاً


الموافقة الأمنية تقطع أرزاق الناس وأعناقهم.. اسرائيل السبب طبعاً : فراس سعد

بأي حق يتم تقسيم الناس على أساس موال غير موال معارض وغير معارض للوطن للسلطة للدولة بأي حق دستوري أو طبيعي أو إلهي أو.
وكيف يمكن قطع أرزاق الناس بهذه السهولة والمزاجية التي أسمها موافقة أمنية, بل موافقات أمنية خمس أو ست أو عشرون موافقة أو لا موافقة من جهات تنصب نفسها قيمة على البشر والوطن وتعطي لهذا دون ذاك ولذاك دون ذياك, على هوى الهوى والطقس ونشرة الأحوال الجوية, من يعطي الموافقة أو غير الموافقة وعلى أي أساس وأي مبدأ, من خرج بهذه البدعة الأسوأ من محاكم التفتيش الارهابية في القرون الوسطى حيث كان يحاكم من كان ليس مسيحياً كفاية - برأي أعضاء تلك المحاكم- بالموت حرقاً أو شنقاً وحال السوري مع الفروع الأمنية التي تمنح موافقات أمنية كحال من كان ليس مسيحياً كفاية مع محاكم التفتيش في عهود الظلام تلك ترى هل وصل بنا الحال في سورية إلى تلك العهود من الظلام في وضح النهار والعصر العولمي دون أن ندرك ونحن »نايمين على ودانا« بحسب التعبير المصري الشائع.
هل أضع الحق على أميركا التي أذعنت أخيرا لحيلة الأنظمة العربية في مؤتمر المستقبل المنتهية أعماله في المملكة المغربية, وقبلت بمبدأ »الأصلاح من الداخل« فيما يمكن اعتباره إعادة تكيف أميركية مع الأنظمة العربية التقليدية والديكتاتورية ونصف الديكتاتورية بضغط اسرائيلي, اسرائيلي لأن الطرف الاقليمي الوحيد المتضرر من الأصلاحات الحكومية العربية هو اسرائيل لأن ذلك سيفتح عليها أبواباً جديدة لم تكن معتادة عليها. فمن غير المعتاد اسرائيليا خروج حركة مجتمع مدني سورية واحزاب وحركات غير حكومية تطالب وتندد وربما تعمل في اتجاه لا تستطيع اسرائيل هضمه أو ملاحقته أو ضبطه في المستقبل لذلك ندعو حركات وأحزاب سورية لعدم إثارة المخاوف الاسرائيلية, بسبب أن اسرائيل وحدها من يملك القرار في المنطقة ولا سيما الدول المحيطة بها طبعا عبر القوة الأميركية, فما لا ترضى عنه اسرائيل في سورية لن يكتب له الحياة, ومن لا يصدق فليقرأ ما فعلته اسرائيل بالحزب القومي السوري عبر عملائها وعبر بريطانيا وأميركا لدرجة تحريمه نهائيا من سورية الشام التعبير القومي المحبب.
لكن ما علاقة اسرائيل بالموافقة الأمنية?!
لها علاقة يا أخي بل هي السبب قلي كيف?
كيف?
طيب أليست حالة الطوارئ في سورية أعلنت بسبب و حجة الحرب مع اسرائيل ? نعم صحيح!
أليست كل ممارسات الحزب في سورية و الأجهزة الأمنية قائمة على أساس قانون الطوارئ أو قانون اللاقانون? صحيح نعم.
إذاً فبدعة الموافقات الأمنية و سواها من بدع اللاقانون سببها اسرائيل و هي بحاجة لموافقة منها لالغائها, فهل يكون شارون أفندي أحن من قطاع الرزق الذين يفقعونا التقرير وراء الآخر, و هل يكون الحاخام الفلاني في الهيستدروت أحن وأرحم من قطاع الطرق ومانحي صكوك البراءة وبائعي أمتار الفردوس عندنا?
هذا ما سوف نعرفه غداً بعد أن يجف حبر مقررات مؤتمر المستقبل بعد أن يجف جيداً ويتحدد وضع العراق بعد الانتخابات.
بركاتك يا عزمي بشارة
آمين
كاتب وشاعر سوري

"السياسة"

أيام سوداء وسمت مطلع القرن الجديد في دمشق

٢٠٠٥-٠١-٠٧

أيام سوداء وسمت مطلع القرن الجديد في دمشق
أرادوا ربيع دمشق فاختارت السلطة للبلاد الخريف
عارف دليلة - حبيب عيسى - رياض سيف - مأمون الحمصي- فواز تللو - وليد البني
مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية يطالب الحكومة السورية بالإفراج الفوري عن رموز ربيع دمشق و يطالب الهيئات والمؤسسات العربية والدولية لحقوق الإنسان بمساندتنا من أجل العمل والضغط على الحكومة السورية للإفراج عن مناضلي ربيع دمشق الستة باعتبارهم من رموز الإصلاح السياسي والمدني وحقوق الإنسان في سورية.
لقد قام مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية واللجنة العربية لحقوق الإنسان بتبني قضيتهم إذ طالبوا من المقررة الخاصة بنشطاء حقوق الإنسان وفريق العمل الخاص بالاعتقال التعسفي التابع للمفوضية السامية لحقوق الإنسان تبني هذه الحالات ونجحنا في ذلك. كذلك تبذل منظمة العفو الدولية جهودا حثيثة من أجل الإفراج عنهم باعتبار اعتقالهم تعسفيا. وقد أصدر اتحاد البرلمانيين الدوليين في جنيف تقريرا خاصا بالنائبين حمصي وسيف واعتقالات رموز ربيع دمشق علما أننا أصدرنا دراسة وافية في الموضوع عبر تقريرخاص بالمحامي رياض الترك (أفرج عنه) كما تبذل جمعية حقوق الإنسان في سورية ولجان إحياء المجتمع المدني جهودا حثيثة للإفراج عنهم.
طالب البرلمان الأوربي، بعد تدخل اللجنة العربية لحقوق الإنسان ومركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية بالإفراج عنهم. وطالبت عشرات المنظمات العربية والدولية بالإفراج عنهم.
في بداية هذا العام، يطلق مركز دمشق حملة عربية ودولية للإفراج عنهم فشاركوا معنا في نجاحها

معطيات زمنية
13/8/:2000 المثقف السوري أنطون المقدسي يوجه رسالة مفتوحة إلى الرئيس السوري بشار الأسد من على صفحات جريدة "الحياة"، يهنئه فيها بمنصبه الجديد ويطالبه بنقل البلاد من الرعية إلى المواطنة.

n منتصف أيلول :2000 النائب رياض سيف يطلق منتدى الحوار الديمقراطي في منزله بدمشق.

27/9/:2000 صدور "بيان الـ99" مثقفا سوريا يطالب برفع حال الطوارئ وإطلاق الحريات العامة والإفراج عن المعتقلين السياسيين. والمثقفون اللبنانيون يصدرون بيانا للتضامن مع موقّعي "بيان الـ99".
خريف 2000: صدور العدد الأول من مجلة مقاربات لتكون منبرا مستقلا لكل الأصوات الحرة في سورية.

1/1/:2001 بيان المحامين السوريين يطالب بمراجعة دستورية شاملة وبإلغاء القوانين والمحاكم الاستثنائية وإطلاق الحريات العامة.

10/1/:2001 الوثيقة الأساسية للجان المجتمع المدني تتسرب إلى الصحف، ويطلق عليها اسم "بيان الألف".

16/1/:2001 "منتدى جمال الأتاسي" يعلن عن نفسه كمنتدى مستقل عن الأحزاب ويعيّن المحامي حبيب عيسى ناطقا باسمه. وظاهرة المنتديات تبدأ بالانتشار في كل المدن السورية.
3/7/:2001 أربعون ناشطا سوريا يجتمعون في دمشق ويعلنون تأسيس جمعية حقوق الإنسان في سوريا وينتخبون المحامي هيثم المالح رئيسا لها.

5/8/:2001 رياض الترك يلقي محاضرته في "منتدى جمال الأتاسي" في حضور حشد كثيف من الناس، ويدعو فيها إلى نقل سوريا من حال الاستبداد إلى الديمقراطية من طريق التوافق السلمي.

14/8/:2001 رياض سيف يصدر دراسة مفصلة (100 صفحة) عن صفقة الخلوي تحت عنوان "صفقة عقود الخلوي".

7/8/:2001 مأمون الحمصي يعلن إضرابه عن الطعام في مكتبه ويصدر بيانا من عشر نقاط يطالب فيه برفع حال الطوارئ وإطلاق الحريات العامة.

9/8/:2001 إلقاء القبض على مأمون الحمصي ثم نزع الحصانة البرلمانية عنه بإذن من رئيس مجلس الشعب عبد القادر قدورة.

1/9/:2001 اعتقال رياض الترك داخل عيادة احد الأطباء في طرطوس. موجة احتجاج عارمة وبيانات لمثقفين سوريين ولبنانيين وجمعيات حقوق الإنسان تدعو إلى الإفراج عنه.

6/9/:2001 اعتقال النائب رياض سيف وبعد اعتقاله رفع الحصانة عنه في مخالفة قانونية واضحة.

8/9/:2001 اعتقال الاقتصادي عارف دليلة والطبيب وليد البني والدكتور كمال اللبواني وحبيب صالح وحسن سعدون.

12/9/:2001 اعتقال حبيب عيسى، محامي رياض الترك والناطق باسم "منتدى جمال الأتاسي"، واعتقال فواز تللو.

20/3/:2002 محكمة الجنايات في دمشق تصدر حكمها بالسجن خمس سنوات على النائب مأمون الحمصي.

3/4/:2002 محكمة الجنايات في دمشق تصدر حكمها بالسجن خمس سنوات على النائب رياض سيف الذي يصرح بأنه ضحية الهاتف الخلوي.

28/4/:2002 بداية محاكمة رياض الترك أمام محكمة امن الدولة في دمشق.

27/5/:2002 الجلسة الثالثة لمحاكمة رياض الترك، وللمرة الأولى يتم الاعتصام في الشارع أمام المحكمة، وترفع لافتات لإطلاق سراح "مانديلا" سوريا، وقوى الأمن تفرّق المعتصمين.

24/6/:2002 محكمة أمن الدولة تصدر حكمها على حبيب صالح بالسجن ثلاث سنوات.

26/6/:2002 محكمة أمن الدولة تصدر حكمها على رياض الترك بالسجن لمدة سنتين ونصف سنة.

31/7/:2002 محكمة أمن الدولة تصدر حكمها على عارف دليلة بالسجن عشر سنين وعلى وليد البني بالسجن خمس سنوات.

19/8/:2002محكمة أمن الدولة تصدر حكمها على المحامي حبيب عيسى بالسجن خمس سنوات.
28/8/:2002محكمة أمن الدولة تصدر حكمها على المهندس فواز تللو بالسجن خمس سنوات.
الناشطون من أجل حقوق الإنسان والمجتمع المدني المعتقلون في سجن عدرا اليوم
عارف دليلة
من مواليد مدينة اللاذقية عام 1943 , يقطن في ضاحية دمر , وهو أحد أهم الباحثين الاقتصاديين في سورية, درَس الاقتصاد في جامعتي حلب ودمشق, وأصبح عميداً لكلية الاقتصاد في جامعة حلب إلى عام 1198, تم إبعادة بقرار أمني تحت حجج واهية من قبل رئيس الوزراء في حينها. وإثر لقاء تم بطلب من رئيس الجمهورية بشار الأسد معه أعيد إلى عمله في الجامعة في 20/9/2000 .
عضو مجلس إدارة الجمعية السورية للعلوم الاقتصادية التي تناولت قضايا الفساد الاقتصادي في سوريا والحديث عن حرية الرأي والتعبير الداعمين للإصلاح الاقتصادي في سوريا رشح نفسه لعضوية مجلس الشعب السوري وأصدر بياناً من عشر نقاط أنتقد فيه الفساد السياسي والاقتصادي وهو أحد مؤسسي لجان أحياء المجتمع المدني وإحدى الشخصيات الاعتبارية الأساسية في البلاد. وبسبب تأثيره وفعاليته في لجان إحياء المجتمع المدني, تمت بحقه عدة ملاحقات ومضايقات أثناء نشاطه في ظاهرة المنتديات والعمل الأهلي.
للدكتور عارف دليلة عدة مؤلفات في مجالات الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع , وله الكثير من المقالات والبحوث الاقتصادية والتي تم نشرها في عدد من المجلات المختصة والجرائد والكتب ونخص دورة في نشرة جدل الصادرة عن دار كنعان في دمشق. ويتم جمع دراساته في مجلد يصدر قريبا.
اعتقل د : عارف دليلة بتاريخ 9/9/2001 وبعد محاكمته من قبل محكمة أمن الدولة نال د: عارف دليلة الحكم الأثقل رغم أن التهم التي وجهت له مشابهة للتهم الموجهة للعشرة الأفاضل إلا أنه تلقى الحكم الأكبر وهو 10 سنوات وجرد من الحقوق المدنية والسياسية , هذا الأمر الذي لا تفسير إلا مزاجية محكمة أمن الدولة الخاضعة للتوجيهات المباشرة لأجهزة الأمن.
يعاني من ترد في وضعه الصحي ويشكل استمرار اعتقاله خطرا على حياته

حبيب عيسى
مواليد 1956 مدينة مصياف . اعتقل في 12-9-2001 ، معتقل في سجن عدرا (محام وكاتب ) عضو مؤسس في لجان إحياء المجتمع المدني وجمعية حقوق الإنسان في سورية والناطق الرسمي باسم منتدى جمال الأتاسي
قبل اعتقاله كان محامي من سبقه للاعتقال في الحملة.
حكم عليه بالسجن خمس سنوات مع تجريده من الحقوق المدنية والسياسية
عضو المؤتمر القومي العربي وله عدة مقالات ودراسات
صدر له عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان كتاب: النداء الأخير من أجل الحرية في طبعتين.

رياض سيف
من مواليد دمشق عام 1944 , عضو في مجلس الشعب السوري,
رجل أعمال ورئيس جمعية حركة السلم الاجتماعي. أحد الكوادر الأساسيين في ظاهره المنتديات وكان يستقبل في بيته منتدى الحوار الوطني الذي يرئسه
حكم على السيد رياض سيف بخمس سنوات بعد تجريمه بجناية الاعتداء , الذي يستهدف تغيير الدستور بطرق غير شرعية وتشكيله جمعية سرية غير مرخص لها (حركة السلم الاجتماعي) وعقد اجتماعات غير مرخص بها, وهو معتقل في سجن عدرا قرب دمشق.
صدر له عدة تقارير ودراسات وكراسات عن نشاطه البرلماني والمدني آخرها كتاب توثيقي لكل محاضرات منتدى الحوار الوطني والنقاشات التي جرت حرره وقدم له الدكتور رضوان زيادة (من أجل مجتمع مدني في سورية ...حوارات "منتدى الحوار الوطني"... صادر عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان)
رفضت المحكمة كل اعتراضات محاميه على الحكم بحجج شكلية

مأمون الحمصي
من مواليد مدينة دمشق عام 1955 عضو مجلس الشعب السوري ورجل أعمال وهو الرئيس الفخري لنادي الوحدة الرياضي . اقترح إنشاء لجنة لحقوق الإنسان في مجلس الشعب وبدأ إضراب عن الطعام في 9 آب 2001 وأعلن برنامج للإصلاح السياسي من عشرة نقاط على أثره تم اعتقاله.
جرمت محكمة جنايات المتهم بجرم محاولة تغيير الدستور ومنع السلطات الرسمية من ممارسة مهامها, وبجنح ذم وقذف السلطات التشريعية والقضائية وقضت بحجره وتجريده من حقوقه المدنية, وصدر عليه الحكم بالسجن خمس سنوات
رفضت المحكمة كل اعتراضات محاميه على الحكم بحجج شكلية وهو في وضع صحي سيء.
معتقل حاليا في سجن عدرا

فواز تللو
من مواليد دمشق (1961)، مهندس وناشط شارك في تأسيس جمعية حقوق الإنسان في سورية ومنتدى الحوار الوطني
ألقي القبض عليه بتاريخ 12/9/2001 وأصدرت محكمة أمن الدولة العليا بتاريخ 28/8/2002 بحقه حكماً بالسجن خمس سنوات
معتقل حاليا في سجن عدرا

وليد البني
من مواليد دمشق عام 1963، درس الطب في هنغاريا وعمل طبيبا في سورية. عضو في لجان إحياء المجتمع المدني وعضو منتدى الحوار الوطني.
ألقي القبض عليه 8/9/2001 وأصدرت محكمة أمن الدولة العليا بتاريخ 31/7/2002 بحقه حكماً بالسجن خمس سنوات.
معتقل حاليا في سجن عدرا

حضور الذكرى

"ثمة أشخاص وتعبيرات جماعية تختصر حقبة، بل تصبح، بإرادتها أو بالرغم عنها، الرمز والمعنى والمبنى لكلمات بسيطة أو معقدة، ولكن بالتأكيد معبرة عن أمل هنا وحلم هناك. لم أجتمع برياض سيف يوما، كذلك لم أتعرف على أي من أعضاء لجنة منتدى الحوار الوطني، فرقنا المنفى وجمعتنا جملة قيم ومبادئ ناضل كل واحد منا من أجلها في محيطه وبالوسائل المتاحة له. كنت أحد قدماء المنفيين المصرين على أن التغيير لا يمكن أن يأتي إلا من الداخل ومن المجتمع، وأن دور المنفى يكمن في توفير كل الجسور المعرفية والتواصلية بين الداخل والخارج. وكان في منهج رياض سيف الذي يجمع بين العقلانية والمبادرة ترجمة عملية لإمكانية بناء بذور التغيير الداخلية السلمية لانتقال ديمقراطي غير جراحي لا يترك سوى العافية والصحة لكل من الدولة والمجتمع. فرغم استهلاك الشعار الوطني وصناعة "لا صوت يعلو على صوت المعركة" والإنتاج الواسع في هذا الوضع لمنظومة معممة للاستبداد والفساد, كان واجبنا أن لا ننسى أن أي حرب أهلية أو عداوات طائفية أو أحقاد شوفينية ستشكل بالضرورة إضعافا لجسد الشعب الذي لن يقبل بالتضحية بالاستقلال الأول (عن المستعمر) بسبب تضحية السلطة التسلطية بالاستقلال الثاني (الدولة الديمقراطية الحديثة).
ضمن هذا الربط الجدلي بين الوطن والمواطن، بين الحرية والتحرر، كان طموح إعادة المناعة الذاتية من صلب المجتمع ، طموح إعادة بناء التوازن بين دولة مؤممة ومجتمع مغيّب باعتبار حضور الثاني استعادة لحرية الأولى وبالتالي إمكانية وجود قضاء مستقل ونائب ناقد وحكومة مسئولة.
لم نسمع يوما من رواد هذه التجربة حديثا في كمالها، أو غرورا من إنجازاتها. كانت هذه المرحلة بكل معاني الكلمة عملية تعرّف على أساليب التغيير ووسائل التأثير وطرق التعامل مع الذات والآخر. من هنا قوة حدسها وخطرها على أعداء التغيير، فهي قوة جاذبة وهم قوة نابذة، هي أمل الغد، وهم مقتل المستقبل، هي أفضل معبر عن طموح الشبيبة في حين جسدوا ترهل البيروقراطية المتآكلة بالفساد والعقم الفكري والإفلاس السياسي.
من هنا لم يعد العدد يعبر عن أي قيمة فعلية في موازين القوى الناشئة وصار ضرب هذه المجموعة معركة بقاء لكل رموز الفساد والاستبداد في البلاد.
إذا كانت حركة الحقوق المدنية إذا صح التعبير قد فجعت أول مرة بإعلان حالة الطوارئ في 1963 وفجعت في المرة الثانية في اعتقالات إضراب اليوم الواحد في 1980 يمكن القول دون مبالغة أن الفاجعة الثالثة كانت دون شك في الشهر الأسود الذي شهد اعتقال العشرة الأفاضل. بكل ما لهذا الحدث من معانٍ على الصعيدين المجتمعي والدولاني.
كان اغتيال ما عرف بربيع دمشق نقلة للوراء بكل المعاني وجرح عميق في معاني الأمل والعمل من أجل التغيير. وقد برزت نتائج هذا القرار التسلطي واضحة للعيان يوم احتلال بغداد وعزلة الخطاب الحكومي إقليميا وعالميا ووصول النهج التسلطي إلى الطريق المسدود على كل الأصعدة. لقد تحولت سورية إلى بطن رخو تملى عليها الشروط ويفرض عليها ما لا يطاق في استمرار لسياسة تغييب الناس، أو بالأحرى تغييب القوة الوحيدة القادرة على إعادة بناء توازن استراتيجي إقليمي. ولم تدرك العقلية التسلطية حتى اليوم، أنها بتصديها لمشروع الإصلاح، لا ترفض وحسب فكرة الديمقراطية بل تضع في الميزان وجود سورية المستقلة ومستقبلها. من هنا راهنية أطروحات ربيع دمشق وأهميتها في هذا الظرف الصعب والعصيب الذي نحن بأمس الحاجة فيه لقيادات ديمقراطية ورموز مدنية تعيد لسورية المكانة التي تستحق في منطقتنا والعالم".
(تعقيب هيثم مناع في كتاب من أجل مجتمع مدني في سورية ...حوارات "منتدى الحوار الوطني"... صادر عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان)
طالبوا السلطات السورية بالإفراج عن رموز ربيع دمشق فورا
السويد في 6 يناير 2005
مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية
http://www.dctcrs.org
dctcrs@dctcrs.org
tel&fax : 004619251237

ثلاثة مراسيم تشريعية بخصوص تخفيض مدة خدمة العلم والتدريب الجامعي والبدل النقدي


ثلاثة مراسيم تشريعية بخصوص تخفيض مدة خدمة العلم والتدريب الجامعي والبدل النقدي
نصوص المراسيم كما اوردتها الوكالة العربية السورية للأنباء سانا
وفيما يلى نص المرسوم التشريعى رقم /1/
الجمهورية العربية السوريةالمرسوم التشريعى رقم /1/رئيس الجمهوريةبناء على احكام الدستوريرسم مايلىالمادة /1/ تعدل المادة / 15/ المعدلة من المرسوم التشريعى رقم / 115/ لعام / 1953/ وتعديلاته لتصبح كالاتى
مدة خدمة العلم الالزامية العادية سنتان تنتهى فى اليوم الاول من الشهر الذى يلى تاريخ انقضائها ويتم التسريح بشكل جماعى فى اليوم الاول من الشهر التالى لتاريخ انقضائها وتعد الايام الزائدة عن السنتين خدمة الزامية
0يسرى حكم هذه المادة على الفلسطينيين المقيمين فى الجمهورية العربية السورية 0المادة /2/ يلغى المرسوم التشريعى رقم / 43/ لعام /1968/
0المادة /3/ ينشر هذا المرسوم التشريعى فى الجريدة الرسمية 0دمشق فى /26/ 11/ 1425/ ه الموافق ل /6/ 1/ 2005 /م0رئيس الجمهورية
بشار الاسد
=========
المرسوم التشريعى رقم / 2/
رئيس الجمهوريةبناء على احكام الدستور 00يرسم مايلى
00المادة / 1/ تعدل الفقرة / ج/ من المادة /3/من المرسوم التشريعى رقم /11/ تاريخ / 29/7 / 2000/ لتصبح كالاتى
0ج/ 1/ 2000/ الفى دولار اميركى اذا كانوا قد ولدوا فى دول عربية او اجنبية واقاموا فيها حتى دخولهم سن التكليف
0/2/5000/ خمسة الاف دولار اميركى اذا كانوا قد غادروا الجمهورية العربية السورية الى بلد الاقامة قبل اتمامهم سن الحاديةعشرة من العمر واقاموا فيها مدة لاتقل عن خمسة عشر عاما بعد مغادرتهم
0المادة / 2/ ينشر هذا المرسوم التشريعى فى الجريدة الرسمية 0دمشق فى / 26/ 11/ 1425ه / 6/1/ 2005/ م
0رئيس الجمهورية
بشار الاسد
=========
المرسوم التشريعى رقم /3/
رئيس الجمهوريةبناء على احكام الدستوريرسم مايلىيعدل المرسوم التشريعى رقم /7/ تاريخ /2/1/1974/ م
على النحو التالى
المادة /1/ يخضع طلاب الجامعات والمعاهد التابعة لوزارة التعليم العالى فى الجمهورية العربية السورية من السوريين ومن بحكمهم الخاضعين لخدمة العلم للتدريب العسكرى وفق خطة تضعها القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة ويعتبرون من القوات المسلحة الاضافية ولايشمل ذلك الطلاب الجامعيين من العسكريين السابقين او الذين ادوا الخدمة الالزامية او الموجودين فى الخدمة العسكرية / خدمة علم / تطوع
/ 0المادة /2/ يدعى الطلاب المذكورون فى المادة السابقة للخدمة فى القوات المسلحة زمن الحرب او اثناء العمليات الحربية او عند التعرض للكوارث الطبيعية ويقومون بالاعمال والمهمات التى تكلفهم بها القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة وحسب خطتها وتحسب هذه الخدمة من خدمة العلم
0المادة /3/ تعتبر مادة التدريب العسكرى من المقررات الالزامية فى السنوات الدراسية الاولى والثانية للجامعات والمعاهد وذلك للمشمولين باحكام المادة الاولى ويصدر وزير التعليم العالى القرارات اللازمة لذلك
0المادة/4/ تخفض الخدمة الالزامية مدة / شهر/ واحد لمن ينهون بنجاح مقرر التدريب العسكرى المحدد بموجب المادة السابقة 0المادة /5/ تصدر القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة بالاتفاق مع وزير التعليم العالى القرارات المتضمنة نظام التدريب والادارة والخدمة 0المادة/6/أ/ يستفيد الطلاب الجامعيون عند قيامهم بالخدمة وتنفيذ المعسكرات الصيفية بموجب احكام المادة الثانية من هذا المرسوم التشريعى من سائر الحقوق المالية المقررة للمجندين
0ب/ يستفيد الطلاب الجامعيون وعيالهم عند تعرضهم اثناء قيامهم بالتدريب او الخدمة لعجز او وفاة او استشهاد او فقدان من الحقوق المقررة للمجندين الواردة فى قانون معاشات الافراد وتطبق عليهم فى تصفية وصرف هذه الحقوق النصوص النافذة على المجندين
0
المادة/7/أ/ تطبق احكام هذا المرسوم التشريعى على طلاب السنة الاولى والثانية للعام الدراسى /2004م/2005م/ 0ب/تسوى اوضاع طلاب السنة الرابعة للعام /2004م/2005م/ والطلاب الذين انهوا مقرر التدريب الجامعى لاربع سنوات فى الكليات وسنتين فى المعاهد0المادة/8/ ينشر هذا المرسوم فى الجريدة الرسمية .دمشق فى 6/1/2005/ م26/11/1425/ ه
رئيس الجمهورية
بشار الاسد

حين يعيد التلفزيون السوري تمثيل دور الذئب في قصته مع ليلى!:


حين يعيد التلفزيون السوري تمثيل دور الذئب في قصته مع ليلى!: حكم البابا

اتصلت بي المذيعة السورية وفاء قسومة ظهر الأربعاء 5/1/2005 لتطلب مني المشاركة عبر الهاتف مع ثلاثة من زملائي الصحفيين هم شعبان عبود وإياد عيسى ويعرب العيسى في ندوة حوارية تناقش الشاشة السورية من الناحية الإعلامية ويكون ضيفاها في الاستديو الأستاذ حسين العودات ومدير عام التلفزيون السوري معن حيدر ، وقدرت ارتباك المذيعة السورية ، وفهمت صمتها حين سألتها: ولماذا نشارك عبر الهاتف ، ولانحضر الندوة بشحمنا ولحمنا ، خاصة وأن المشاركة تلفونياً ستمنحنا فرصة قول رأي دون مناقشة من يحاول تسفيهه ، وقبلت المشاركة مبدئياً ، لكني بعد انتهاء الاتصال وإغلاق سماعة الهاتف أعدت التفكير على النحو التالي ..
إما أن الأوصياء على عرش التلفزيون السوري يظنونني مصاباً بالجذام ، وهم باعتبارهم مهتمين بالحفاظ على مشاعر المشاهدين (نسبياُ طبعاً لأن أغلب مذيعاتنا يحتاجون لأطباء تجميل لرفع حاجب أو تعديل أنف أو تعلّم نطق ، وأغلب المذيعين يبدون من خريجي فروع التحقيق والمداهمة) ولذلك لايرغبون بحضوري الجسدي ويكتفون بي صوتاً !
و.. إما أنهم يظنون بأن حي مساكن برزة الدمشقي بلداً قريباً من إقليم دافور فهم لايرغبون بتكليفي أو تكليفهم قيمة تذكرة طائرة ، أو تعريضي لخطر التنقل ، لأني أعرف مهنياً أن الاتصال التلفوني في البرامج التلفزيونية عادة مايكون مع شخص في بلد بعيد ، وليس على بعد ستة كليومترات من مبنى التلفزيون !
و.. إما أنهم يظنون أني أبحث عن نجومية يرون أني لاأستحقها ، ومثل هذا الاحتمال يوصف عادة من يفكر به في وضع من يدير جهازاً إعلامياً مثل التلفزيون السوري بجنون العظمة ، فمثل تلفزيونهم غير المشاهد لايستطيع أن ينجّم ، إلاّ إذا كان مفهومهم للنجومية مشتق من فعل التنجيم وقراءة الكف والفنجان وفتح الفال وضرب المندل ورمي الودع وتبييت الاستخارة ، وهي الأساليب التي أظن أن التلفزيون السوري يعتمدها في تطوير شاشته !
و.. إما أنهم يريدونني بوظيفة اكسسواراية لتكميل مشهد التطوير الذي يفتعلونه على طريقة الذي يسير على جهاز المشي الرياضي ، والذي يتحرك في مكانه ، إنما يظهر للآخرين أنه يمشي ويتحرك ، ولايستفيد أحد من حركته إلا جسمه وصحته ، وهو هنا في حالتهم إظهار الحركة أمام رؤسائهم للاحتفاظ بمناصبهم ، وبذلك يضربون عصفورين بتلفون واحد الايحاء برغبة التطوير وتقديمي بالشكل الذي يريدون تصويري فيه مبعبعاً شتاماً أجوف ، وأظن أن هذا الاحتمال هو الأكثر واقعيةً !
لكن كما يقول المثل (على هامان يافرعون) ، فتلفزيون الأستاذ معن حيدر له تاريخ معي ومع غيري ، فهو التلفزيون الذي قام فيه ممثل مثل أيمن ريدان بحذف اسمي كمؤلف من على شارة مسلسلي (عيلة خمس نجوم) في عرضه الأول ، ومنعت لجنة من لجان رقابته عرض مسلسلي الأخير (قلّة ذوق وكثرة غلبه) بكامله ، بعد أن منعت لجان سابقة عرض حلقتين من (عيلة خمس نجوم) وخمس حلقات من مسلسلي الثاني (أحلام أبو الهنا) ، ولم يدعني أي من مسؤولي هذا التلفزيون ولو مرة (من قبيل قلع العين) لحضور ندوة أو لاقتراح برنامج ، في حين أتدلل أنا على محطة الإم بي سي وأقبل مرةً وأرفض أخرى إعداد البرامج لصالحها ، وهذا هو نفس التلفزيون الذي وضعت على بابه قائمة سوداء بأسماء كتّاب وصحفيين يمنعون من دخوله تتجدد باستمرار ، وهو نفس التلفزيون الذي فرش فيه معد برنامج (مدارات) الأرض ورداً للكاتب ميشيل كيلو كي يشارك فيه ، وتعهد بعدم حذف أية جملة من كلامه ، ومع ذلك حذفت أكثر الجمل أهمية ، كما أعلن ذلك ميشيل كيلو نفسه في ندوة البي بي سي الاعلامية التي أقيمت في دمشق العام الماضي ، وهو ذات التلفزيون الذي قال لي فيه مدير انتاجه (عندما طلب مني المنتج الأردني طلال عواملة التوسط للحصول على موافقة تصوير بعضاً من مشاهد من مسلسل (ذي قار) الذي اعتبر قراء نصه من الرقباء أنه عمل جميل يمجد بطولة العرب في معركة ذي قار) : لاغبار على المسلسل ، لكن قد يزعل من إنتاجه الأصدقاء في ايران لأن معركة ذي قار حدثت بين العرب والفرس ، لو تحضر لنا موافقة السفارة الايرانية عندها سنعطيك موافقتنا فوراً ، وبعد ذلك حل المضوع بتلفون ، وهو نفس التلفزيون الذي منع برنامج (ملفات حارة) ، وقطع حلقة مسلسل (عشنا وشفنا) التي تتحدث عن الصحافة السورية على الهواء ، وعرض برامج وثائقية لحظة سقوط بغداد ، وأخفى حقائق ، وتستر على فساد .
باستطاعتي أن أحصي قائمة من المواقف العدائية التي سلفها التلفزيون السوري لنا كمشاهدين وكتاب وصحفيين وفنانين تعادل الشعر الموجود في باروكة الفنانة صباح ، ومن المنطقي أن لايكون الأستاذ معن حيدر مدير عام التلفزيون مسؤولاً إلاّ عن بعض منها ، لكنها آلية عمل مستمرة في هذا المكان الذي تحاك فيه خطط ودسائس يعجز أن يصل إليها خيال آغاثا كريستي ، فالكل هناك يغلق بابه على نفسه لاليعمل بل ليفكر بتدبير قشرة موز للآخر يزحلقه بها كي يبقى على كرسيه ، وبعد ذلك يأتي من يريد اختصار حضوري بجملة أو جملتين على الهاتف (!!) ثم تعالوا نفكر بمنطق : إذا كانت مشاركتي تأتي من كوني أمثل مايشبه رأياً آخر له انتقادات تمس جوهر الأداء الاعلامي في التلفزيون لماذا لاأكون موجوداً خلال كامل الندوة ، التي يعتبر عقدها ودعوتي للمشاركة بها إقراراً معلنا بواقع تلفزيوني مرير وبصحة ماأقوله أنا وغيري في هذا الواقع ، بينما يحضر الأستاذ معن حيدر أحد المسؤولين ولو معنوياً عن هذا الواقع !
فيما سلف من كلام حاولت أن أفكر بصوت عال ، ولأني أعتقد أنه مادام نضال زغبور لايزال يطل من على شاشة التلفزيون السوري معتقداً أن الرأي الآخر هو الذي ينام على يده اليسرى بدلاً من النوم على يده اليمنى ، ومادام محمد علي أديب مخرج مسلسل يتيم من تأليف مدير القناة الفضائية مروان ناصح يكلّف بتغيير الـ(لوك) في الفضائية السورية لقاء ملايين الليرات ، ومادام تميم ضويحي يتنقل من أمام مكتب إلى خلف مكتب ، ومادام سعد القاسم يرأس تحرير مجلة فنون التي لاتبيع إلاّ خمسمائة نسخة ، ومادام توفيق أحمد يدير التلفزيون السوري ويمنع برنامج موفق الخاني (والذي كفانا الزميل يعرب العيسى شر الكتابة عنه حين قال فيه أكثر مما قاله الفرزدق في جرير ) ، ومادامت الشاشة السورية تنهي برنامجاً عن السينما لتبدأ برنامجاً عن الفن السابع في بلد لاينتج سينما ولايستورد أفلاماً ، ومادام بند الاشراف على البرامج يترجم مالياً للمدراء والمحظيين ، ومادام طلبة البونات يسرحون ويمرحون في طوابق التلفزيون وممراته ، ومادامت المذيعات لايعرفن من أحرف الجر إلاّ دوريات المخابرات ، ومادام الأستاذ معن حيدر يدير كل هؤلاء ، فلا يوجد أي أمل بتطوير لابندوات ولابدونها ، ولهذا أعتذر من المذيعة وفاء قسومة على أن أكون معزياً في ندوة ، كل هدفها كما أظن تجميل ميت قبل عرضه على أهله ، دون أن أنسى شكرها الجزيل على مثل هذه الدعوة ، ولأني لاأريد أن أضيع اتصالها بي عبثاً ، أهمس لها دون أن تتحمل هي وزر كلامي : أخرجي كل تلك الأسماء التي ذكرتها آنفاً وغيرها ممن تعرفينهم أكثر مني ، من مبنى التلفزيون وانظري كيف سيتطور الأداء الاعلامي فيه من تلقاء نفسه !
نهايةً لا أدري لماذا استذكرت خلال تفكيري بدعوة التلفزيون هذه لي قصة (ليلى والذئب) الشهيرة التي سمعناها آلاف المرات في طفولتنا ، وبالذات المقطع الذي يرتدي فيه الذئب ثياب جدة ليلى وينام في سريرها لتأتي ليلى إليه ويلتهمها!!

شيخ المثقفين السوريين يتوفى مساء أمس


شيخ المثقفين السوريين يتوفى مساء أمس
تنعي لجان احياء المجتمع المدني في سورية الى مواطنيها والى كل المواطنين في البلدان العربية المفكر العربي انطون مقدسي الذي توفي مساء امس بدمشق عن عمر يناهز التسعين عاماً بعد رحلة عطاء طويلة قضاها في خدمة الثقافة والمجتمع في سورية وفي محيطها العربي.
لقد ترك شيخ المثقفين السوريين اثره في الحياة السورية العامة طوال أكثر من ستين عاماً. فكان بين الذين عملوا في التعليم وفي الحياة السياسية، وفي ميدان الثقافة والفكر، فكان استاذاً وسياسياً وكاتباً ومشرفاً على الترجمة الى العربية والنشر بها في واحد من اهم المشاريع الثقافية في العالم العربي.
وكان الراحل انطون مقدسي احد ابرز وجوه الحراك الاجتماعي والثقافي في سورية والذي كانت بداياته في بيانات المثقفين والنشطاء السوريين من اجل الاصلاح والديمقراطية وحقوق الانسان، وكان مقدسي احد ابرز الذين وقعوا هذه البيانات، وهو بين الاول ممن شاركوا في ظاهرة المنتديات العامة التي عاشتها سورية قبل ان تحظر السلطات نشاطها.
لقد اختار انطون مقدسي في حياته العامة خيارات المواطن، فكانت هاجسه في كل نشاط قام به او مارسه، وبرحيله خسرت حركة المجتمع والثقافة في سورية شخصية وطنية من طراز رفيع، وهي في هذا تتقدم الى عائلة الراحل واصدقائه ومواطنيه والى كل الذين عرفوا انطون مقدسي في البلدان العربية والعالم بخالص العزاء طالبة لروحه الرحمة.
6/1/2005
لجان احياء المجتمع المدني في سورية

وجدتها .. وجدتها : الحل السحري للإعلام السوري

٢٠٠٥-٠١-٠٥
وجدتها .. وجدتها : الحل السحري للإعلام السوري: حكم البابا

دخلنا في السنة الخامسة إصلاح ، وتبدّل ثلاثة وزراء إعلام ، وكتبت عشرات المقالات عن حال الإعلام السوري الذي لايسر عدواً ولاصديقاً ولاحتى (رفيقاً) ، ولم تترك صفة من صفات التخلف في كل القواميس يعتب عليها الاعلام السوري بأنها لم تستخدم في توصيفه : فسمي الإعلام الشمولي والخشبي والببغائي والشعاراتي والحكومي والمقيد وإعلام العصر الحجري و.. و.. ومرّ على جريدة الثورة خمسة مدراء عامين أحدهم موّت بالجلطة ، وعلى جريدة البعث مديران أحدهما رقّي وزيراً ، وعلى وكالة سانا ثلاثة مدراء أحدهم نصّب سفيراً ، وعلى التلفزيون السوري ثلاثة مدراء ، وبقي مدير عام جريدة تشرين صامداً في مكانه ، ودمّر أسامة بن لادن برجي مركز التجارة العالمي ، واحتلت أمريكا أفغانستان والعراق ، واعتقل صدام حسين ، ومات الشيخ زايد وعرفات ، وحدثت كارثة تسونامي ، وانقلب العالم كلّه عاليه سافله ، وسافله عاليه ، وتغيرت المفاهيم بشكل يزيد في عدد مرتادي العيادات النفسية ، فاختلط الجهاد والمقاومة والارهاب ، وأصبح الاتحاد السوفييتي (الصديق) ومنظومته الاشتراكية السابقة مثالاً للديكتاتورية البغيضة ، وغدت (الامبريالية الأمريكية) حامية حقوق الانسان ومحررة الشعوب . حدثت كل تلك الخلخلة وبقي الإعلام السوري صامداً لايرف له جفن ، مثل مريض مستعص على الوفاة رغم أنه في حالة موت سريري ، ميت في غرفة إنعاش يعيش على الأجهزة ويكلف أهله المبالغ الطائلة ، وهم خجلون من نزع أنابيب السيروم من جسمه وقطع الكهرباء عن الأجهزة الموصولة به ، يأملون أن تحدث معجزة أو يخترع علاج ، متخذين من الآية الكريمة التي تقول ( يحيي العظام وهي رميم) شعاراً لصمودهم حوله .
لا أفهم ماالذي نأمله من الاعلام السوري بعد اليوم ، الذي لو جئنا بغوتنبرغ وعرضنا عليه صحفنا الثلاث لندم لاخترعه الطباعة .. وماجدوى مايكتب حول تطويره كمن يعطي رجلاً مصاباً بالعقم قرص فياغرا لينجب .. وعلى أي أهبل في القرن الحادي والعشرين يضحك مدير عام وكالة سانا حين يعتبر استبدال كلمة الرفيق بالسيد في الأخبار المحلية حدثاً تطويرياً في الإعلام السوري ، كبقّال يتحدث لبيل غيتس مالك شركة مايكروسوفت عن اختراع مذهل في العالم يجمع ويطرح ويقسّم ويضرب الأرقام بثانية اسمه الآلة الحاسبة .. ومن أي كهف (كانوا يغطون فيه في سبات عميق) خرج بعض صحفيي سورية مفزوعين ليكيلوا المدائح لوزير الاعلام مبهورين بانفتاحه حين نشر مجرد مقالة تنتقده وتنتقد الأجهزة الأمنية فاعتبروها الأعجوبة الثامنة وأضافوها إلى عجائب الدنيا السبع ، والأغرب من صحفيي سورية الآنفي الذكر الذين لايزالون حتى ساعة كتابة هذا المقال يقومون بأداء صلاة الشكر لهذا الانفتاح الاعلامي غير المسبوق الذي مُنّ به على الإعلام السوري ، الأغرب ردة فعل عدد من الصحفيين العرب الذين كتبوا عن نشر مقال متواضع الجرأة في نظري في جريدة سورية بدهشةِ من ظهر له في الشارع فجأة رجل كهوف بدائي بشعره المنكوش وجلد نمر مرقط يستر عورته ، لكنه يمسك بيده موبايلاً يتحدث به !
من الغريب أننا في سورية نطالب الرياضيين فرقاً ولاعبين أن يسجلوا لنا أرقاماً قياسية ، ويحصدوا لنا (ميداليات) ذهبية ، ويصعدوا إلى الأدوار النهائية في البطولات العالمية ، وننتقدهم إذا لم يفعلوا ، ولكن عندما نأتي إلى الإعلام نطالب الصحفيين بعكس مانطالب به الرياضيين ، بحجج مثل الخصوصية والاعلام الهادف والمسؤول والملتزم بالقضايا القومية وكأن الآية الكريمة ( وجعلنا من بين أيديهم ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لايبصرون ) أنزلت خصيصاً في الإعلام السوري وصحفييه !
بدون نشر اليأس ، وحتى لانضيع مزيداً من الوقت في محاولة إصلاح الإعلام السوري الذي أجد أن خير مقال لمقامه (إكرام الميت دفنه) ، وبدون تضييع الجهود في تبديل مدير وتغيير وزير ، أعتقد أني اكتشفت (حسب الأسلوب الأرخميدسي) طريقة عبقرية كفيلة بجعل كل السوريين يثبتون القناة السورية على شاشات تلفزيوناتهم ، ولايقرؤون سوى الصحف السورية ، وهي اختراع عاصفة ثلجية تستقر كل شهور العام فوق سورية فتمنع عن الصحون اللاقطة من التقاط أية قنوات فضائية ، وتقطع طريق ضهر البيدر الذي تصل عبره الصحف العربية إلى سورية ، فعندما حدثت مثل هذه العاصفة في العام الماضي صار التلفزيون السوري مشاهداً والصحف السورية مقروءة !
ادعوا الله ليرسل هكذا عاصفة أو اخترعوها فبغير هذه الطريقة لن تعثروا على أي حل للإعلام السوري !
"الرأي / خاص"

السؤال أيضاً: صورة سوريا بعد الانسحاب ؟

السؤال أيضاً: صورة سوريا بعد الانسحاب ؟
لبنان المستقبل لن يبنيه لبنانيو الماضي
ياسين الحاج صالح

يتوقف شكل لبنان بعد الخروج السوري على شكل الخروج السوري من لبنان. السؤال، إذن، كيف ستخرج سوريا: خروجا وديا عبر معاهدة وتفاوض بين البلدين، أم خروجا مدوّلا نتيجة فرض دولي يتوسل ضغوطا سياسية واقتصادية، أم خروج إكراه عبر تهديد باستخدام القوة؟
لا ريب في ان معاهدة تنظم الأبعاد الأمنية والاقتصادية وحركة الافراد بين البلدين هي الصيغة الأمثل لتنظيم العلاقة بين سوريا ولبنان من وجهة نظر مستقبل لبنان بعد انتهاء الوجود العسكري والأمني السوري المفروض ( كما من وجهة نظر مستقبل سوريا ذاتها). خلافا لذلك سيكون لخروج سوري غير تعاقدي تأثيرا سلبياً على التوازنات والتفاهمات اللبنانية الداخلية. فالخروج المدول سيعيد العلاقة بين البلدين إلى ماكانت عليه قبل الحرب اللبنانية في احسن الأحوال: علاقة حرجة لا تستقر على حال. ومن المحتمل أن تكون ثمرة خروج بالقوة شبيهة تماما بالعلاقة الحالية بين البلدين، لكن بالمقلوب. إذ يمكن ان يستخدم لبنان لإذلال سوريا ومنصة لهيمنة دولية عليها.
وبينما فوتت نخبة السلطة السورية الاحتمال الأول، الودي أو "الأخوي" (الحقيقة أنها لا تعرفه ولا تجيده ولا يقع ضمن مخزون خبرتها المحلية والدولية)، فإن الاحتمال التدويلي هو المرجح راهنا، وإن كان يمكنه أن يتراجع لمصلحة الاحتمال الثالث، استخدام القوة او التهديد باستخدامها، إذا عادت السلطة السورية إلى التصرف كما فعلت حين مددت للرئيس لحود.
إذا سارت الامور وفق احتمال الخروج المدوّل، وهو أقرب إلى طبائع السياسات وبنى السلطة السورية من الاحتمال الودي خلافا للمتوقع منطقيا وللمأمول سياسيا (ونكاد نقول إن تلك الطبائع وهذه البنى تجتذب التدويل و"تستأنس" به وتشبهه لأنه من جنسها و"عنصرها")، فلن يكون لبنان المستقل مختلفا كثيرا عن لبنان الواقع تحت الهيمنة السورية. سيبقى نهبا لانقسام داخلي ولتجاذب هيمنات خارجية. فالواقع أن لبنان مستقبِل للهيمنة قدر ما هو مخضَع لها، وللهيمنة السورية قدر هيمنات أخرى محتملة. واشد اللبنانيين عداء للهيمنة السورية هم اشدهم تحمسا للاندراج في مشاريع هيمنة أخرى. وأكثرهم رفضا لهيمنات اجنبية، في المقابل، اكثرهم تحمسا لهيمنة سورية، ما يعني انفصالا بين الاعتراض على الهيمنة والاستقلال اللبناني.
نقول، لذلك، إن لبنان المستقبل للهيمنة هو ذاته لبنان المستقل عنها، أو عن شكل وصائي مباشَر لها. وقليل من اللبنانيين فعلوا القليل من أجل لبنان مختلف ومنتج لاستقلاله. ويظن بعضهم ان العداء لسوريا او تأييد القرار 1559 يقربهم من الاستقلال ومن نهاية الهيمنة السورية. من نهاية الهيمنة السورية؟ نعم على الأرجح، لكن لأن القطار سائر في هذا الاتجاه لا لأنهم صعدوا إليه؛ من الاستقلال؟ لا بكل تأكيد. فالاستقلال لا يرتد إلى محض زوال الهيمنة. إنه بناء إرادة موحدة وحرة ونظام سياسي قابل للحياة وقادر على إنتاج توازنات دينامية داخلية ومع المحيط، وبالخصوص مع سوريا، تعود على الشعب بالنفع.
هذا ليس غير موجود فقط، وإنما السياديون الأعلى صوتا يسيرون بعكسه. إنهم متحمسون لانتهاء الهيمنة السورية لأنها سورية لا لأنها هيمنة. وليس هناك رجل دولة لبناني واحد اليوم يمثل مطالب اللبنانيين المتعارضة ( سيادة لبنان والمساواة بين اللبنانيين والتفاهم مع سوريا) أو يمكن لتلك المطالب أن تتعرف على ذاتها فيه (وهذا يعود إلى التباس المطالب ذاتها، لكن بالخصوص إلى ما تعرضه السوق السياسية اللبنانية من سياسيين، أضعف من ان يؤثروا على الطلب).
بيد أن الوطنية اللبنانية الجديدة لا تبنى على غير تسوية واضحة وعادلة ودائمة بين تلك المطالب. وهو ما لا يتعارض مع فرض تنازلات على الأطراف تشذب طلباتها وتهذبها وتقلمها لصنع ميثاق لبناني جديد ووطنية لبنانية جديدة. ولعله لا ينبغي أن يكون مستغربا ان "اللبنانويين" غير قادرين على إنتاج الوطنية اللبنانية الجديدة لتثبتهم على سيادوية مطلقة، موجهة، تفضيليا أو حصرا، ضد سوريا، وتاليا لعجزهم عن اقتراح صورة للبنان يتعرف جميع اللبنانيين على انفسهم فيها. فهم الوجه الآخر لأتباع سوريا الذين يهملون المطلب السيادي ولا يكادون يهتمون إلا لفظيا بالمساواة السياسية والوطنية بين اللبنانيين.
من هذا الباب يحتاج لبنان إلى تقوية موقع القوى والتيارات الوسيطة التي تنسجم مصلحتها مع السيادة والمساواة والتفاهم مع سوريا، القوة القادرة على التفاهم مع الطرفين وتلطيف اندفاعاتهما. لعله لذلك وليد جنبلاط هو الأقرب إلى نموذج رجل الدولة اللبناني. فهو وطني لبناني لا يهمل أن العروبة عنصر مكون أساسي للبنان الواقعي، خلافا للعروبيين المطلقين من أتباع سوريا ولطباقهم أعداء العروبة المطلقين المعادين لسوريا كيفما كانت والذين يغفلون المشكلة الإسرائيلية، كي لا نقول اكثر.
انقسام اللبنانيين حول التمديد المرعي سورياً للرئيس لحود، ثم حول القرار 1559 يعطي فكرة "سبقية" عن لبنان ما بعد الهيمنة السورية. قليلون هم الذي حرصوا على التمييز بين الانقسامين بصورة يمكن تصديقها. وليد جنبلاط استثناء هنا أيضا، استثناء حرصت سوريا وابواقها الصادحة على تبديده بتخوين الرجل ودفعه نحو صفوف حزب القرار 1559. كان هناك اعتراض واسع على التمديد للحود. اعتراض سياسي، عابر للطوائف، وديموقراطي. لم تكن خطوط الانقسام السياسي تطابق خطوط الهويات أو التوازنات الديموغرافية بتعبير جوزف سماحة. خلافا لذلك كان الانقسام حول القرار 1559 ابعد عن الاختلاط الديموقراطي واقرب لصفاء الهويات. ويفضل البعض ان يغشوا انفسهم حين يستخلصون القرار 1559 من التمديد للحود، ثم يستخلصون ان حزب 1559 هو ذاته التحالف ضد التمديد. ليس في ذلك ما يبشر باختلاف مهم لما قبل عن ما بعد.
هناك لبنانيون محاصرون داخل ما يظنونها حريتهم: عاجزون عن العبور إلى قطاعات مهمة من اللبنانيين، وعاجزون عن حب أي شيء يخص سوريا. لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا اي شيء، وتدفعهم عقدة الحصار إلى مد اليد إلى اي عابر. بعض "حزب القرار 1559" من هؤلاء.
انقسام اللبنانيين يضعف تأثيرهم على مصيرهم ومستقبل بلدهم. هذا من الألف باء. انقسامهم يزيد فرصة تدخل الراغبين في التدخل في شؤون لبنان وأهله. هذا من الالف باء ايضا. انقسام اللبنانيين ليس ثمرة حصرية لتدخل الآخرين في شؤونهم أو لحروبهم على ارضهم. هذا كذلك الف باء. استقلال المنقسمين قد يفضي إلى انقسام الاستقلال - إلى اثنين: استقلال سوري (أو عربي) التوجه واستقلال غربي التوجه. أي أن ما يمكن ان نجده في نهاية درب الاستقلال هو الانقسام والتبعية معا. هذا يعطي الأولوية لبناء التفاهم والتعاطف والتفاعل اللبناني على المطابقة بين الخروج السوري والاستقلال. وهو يبرز أولوية نقد التدخل السوري والفرض السوري والعرقلة السورية للتفاعل المستقل بين اللبنانيين على الاعتراض العمومي لمحض الوجود السوري في لبنان. وهو يعطي أولوية لنزع الطابع العسكري والأمني للعلاقة السورية اللبنانية على الانسحاب السوري بحد ذاته. فعسكرة علاقة البلدين ليست مرتبطة تلقائيا بوجود العسكر السوري في لبنان بقدر ارتباطها بدور عسكرنا (و"أمننا" بخاصة) في السياسة اللبنانية. وسحب العسكرة من العلاقة السورية اللبنانية لا يعني بالضرورة سحب العسكر السوري من لبنان. سوريا ليست الولايات المتحدة ولبنان ليس ألمانيا بالطبع، لكن ربما يناسب أن يفكر اللبنانيون في منظار يجمع بين لبنان سيد وسوريا اقوى لا اضعف، ديموقراطية لا تسلطية، عقلانية لا اعتباطية.

سوريا ولبنان: علاقة مصيرية
إذا صح اننا دخلنا مرحلة ما بعد الخروج السوري من لبنان، وهو اقتناع يشارك كاتب هذه السطور لبنانيين كثيرين فيه، فإن الكرة في ملعب السيادويين. إنهم مطالبون بان يتحولوا من "لبنانويين" إلى لبنانيين حريصين على لبنان كله وعلى اللبنانيين كلهم، ومن سيادويين إلى سياسيين ذوي افق استراتيجي. لكن قد نتذكر (والذكرى تنفع أكثر من نماذج التحليل السياسي العقلانية احيانا) أنه جرى التمديد للرئيس لحود بعد ان كانت اكثرية الطبقة السياسية والإعلامية اللبنانية قد قطعت بان لا تمديد - وبالمثل قد يجري التمديد لسوريا في لبنان (وقتيا، بالخصوص إذا نضجت خطط أميركية لغزو إيران...)، او قد تندرج الهيمنة السورية على لبنان ضمن هيمنة اكبر، الأمر الذي يوجب منح اهتمام للتفاعل والتفاهم اللبناني أكثر من "السيادة".
بالمناسبة، يشعر المتابع ان "السيادة" مجرد إيديولوجية هيمنة داخلية تتوسلها نخبة تعيش في الماضي، رجعية بالمعنى الحرفي للكلمة، لاستعادة مجد بائد. انتحال "حداثة" ما لا يغير من ذلك، والاعتراض على هيمنة سورية فظة واعتباطية لا يمنح المعترضين صكوك براءة حضارية وديموقراطية لم يتعبوا لاستحقاقها، والتلوث العنصري لا يمكن إنكاره عن السيادويين المطلقين. لبنان المستقبل لا يبنيه لبنانيو الماضي.
هناك شكلان لفساد العلاقة السورية اللبنانية لا شكل واحد. شكل نعرفه منذ عام 1976: الهيمنة السورية على لبنان وفيه، وشكل كدنا ننساه: لبنان "المقر" أو "الممر" لما يزعج سوريا، أو لبنان "الخاصرة الضعيفة"، لبنان غير المرتاح حيال سوريا القلقة او المجافي لها. كان لبنان غير المرتاح وسوريا القلقة متوترين على الدوام في حضرة بعضهما: لبنان يخشى هيمنة سوريا القوية وفرض مشيئتها عليه، وسوريا تخشى ابتعاد لبنان الضعيف واستقوائه عليها باعدائها. ليس ثمة ما يشير إلى تنبه غير لفظي لعدم عودة لبنان إلى شكله قبل عام 1974 ولعدم عودة العلاقة السورية اللبنانية إلى شكل ما قبل 1976. والشكلان مترابطان. فلبنان معافى غير ممكن مع علاقة سورية لبنانية سيئة (لأن سوريا جزء من لبنان - لايتجزأ!). ولعل ثمة حاجة إلى إقرار بأن لبنان لم يكن "فردوسا مفقودا" قبل 1974 ولا قبل 1969 ليصبح شكله ذاك "فردوسا مستعادا" اليوم.
يخشى أن يستبطن لبنان سوريا المهيمنة بعد خروجها منه. أعني واحدا من شيئين حسب صيغة الخروج السوري: (1) شعور بالذنب عند قطاعات لبنانية إن تعرضت سوريا لأوضاع مأسوية بالارتباط مع خروجها من لبنان أو اخراجها منه، وهذا ليس مما يمكن استبعاده؛ (2) وجود حزب سوري قوي في لبنان منزعج من حزب "لبنانوي"، ما يكون استمرارا للانقسام اللبناني الداخلي ولعدم الارتياح اللبناني حيال سوريا بوسائل اخرى. لاجتناب "عقدة سورية" محتملة او توتر لبناني مستمر قد يناسب العمل على تخفيف التثبّت اللبناني على سوريا كلية الحضور. فسوريا تحتل الشعور اللبناني اكثر مما تحتل لبنان. ولعل في "العامل السوري" عنصر تخلٍ عن المسؤولية عن الذات، ربما تطلبه الذات اكثر مما هو مفروض عليها. مهلا إذن: قد تكون سوريا "نوعا من الحل"!
تشكل لبنان وسوريا من عمليات لم يساهما فيها: لبنان من لصق وضم، وسوريا من قطع وفصل. وكل منهما يشعر بالعار حيال أصله: سوريا تشعر بالعار لما تعرضت له من تقطيع واجتزاء، لأنها انتهكت من الخارج، ولبنان لأنه لم يستطع ان يتوحد ويتماسك، اي لم يتمكن من تكوين داخل. السياسة السورية فيها دائما اعداء، وهاجسة دائما بالأحوال الإقليمية، وهو ما يفرض عليها انتباها خاصا لما يجري في لبنان. السياسة اللبنانية متمحورة حول التوازنات الداخلية ولسوريا تأثير مهم عليها دوما، ما يستوجب مراعاة خاصة للأحوال السورية.
يمكن معاهدة تنظم علاقة الطرفين ان تلبي الشاغل الإقليمي السوري والتوازن اللبناني الداخلي بما يجنب البلدين شكلين مؤسفين لعلاقتهما: ايام خالد العظم الليبرالي وايام حافظ الأسد البعثي. ويمكن البلدين أن يطبعا نفسيهما ويستويان إذا استعادا تجربة تكونهما وتصالحا معها. فالجميع أولاد حرام في هذا التاريخ، ولا موجب للخجل والعار. لبنان، اكثر من سوريا، لم يتطور "روحيا"، إن جاز التعبير، لأنه لم يتمكن من تصفية حسابه مع عدم ارتياحه. أو ربما نقول إنه لم يعثر على طريقة للبحث عن الارتياح المفقود غير الانقسام على ذاته. كانت الحرب اللبنانية حربا اهلية، أولا وبالأساس.
ثمة لبنانيون مستعدون لخوض حرب اهلية اليوم لإثبات ان حربهم طوال 15 عاما لم تكن حربا أهلية. أما سوريا فربما ستواجه مشكلات "النمو الروحي" في المستقبل القريب. كانت قد عبرت عن قلقها وحاولت مواجهته بالانقلابات العسكرية، بوحدة مع مصر، بنظام حزب واحد، ثم بحكم تسلطي مديد شديد الوطأة، وبـ..."الرسالة الخالدة" طبعا. البلدان على أبواب مرحلة جديدة. مرحلة ما بعد الهيمنة السورية على لبنان هي مرحلة سورية جديدة بقدر ما هي مرحلة لبنانية جديدة. كيف ستهدئ سوريا قلقها بعد زمن "الرسالة الخالدة"؟ وما ستكون صورة سوريا بعد الخروج من لبنان؟
"النهار"
الاربعاء 5 كانون الثاني 2005

إنهم يسرقون التاريخ!: صبحي حديدي

إنهم يسرقون التاريخ!: صبحي حديدي

في مطلع العام 2003 أصدر الأمريكي جوزيف برود كتاباً ذا عنوان لافت طويل فضفاض: "العراق الجديد: إعادة بناء البلد من أجل الشعب، والشرق الأوسط، والعالم". وعلى غلاف الكتاب، كما في موقعه على الإنترنيت، نقرأ ما يلي: "العراق في أذهان العديد من الأمريكيين مكافىء لصدّام حسين، وهذا انطباع يساعد في توطيده الساسة والصحافيون والأساطين. غير أنّ السجالات حول نظام صدّام طمست جزءاً حيوياً من الحكاية: الشعب العراقي نفسه (...) وفي هذا الكتاب يروي الخبير الشرق أوسطي جوزيف برود قصة هذا البلد بكلّ تقلّباتها، من ذكرات ماضيها البعيد وحتى الحقائق المؤلمة هذه الأيام، ويشرح كيف أنّ التزاماً كونياً بإعادة تجديد العراق سوف يجلب النفع لكلّ من يشارك في المشروع المطروح لإعادة بناء الدولة".
وفي وسع أيّ قارىء أن يتخيّل، مبتدئاً من ملحمية العنوان وزواياه المنفرجة أو من الحرارة الغنائية في كلمة الغلاف، أنّ الرجل شديد الإخلاص عظيم اللهفة بالغ الحرص على هذا المثلث المبجّل: العراق والشرق الأوسط والعالم... لولا أنه أسدى للمثلّث ذاته، ولكن للعراق بصفة خاصّة، خدمة لا تُقدّر بثمن: بعد أسابيع معدودات على صدور الكتاب، وفي 11 حزيران (يونيو)، ضبطته سلطات الجمارك الأمريكية في مطار كنيدي الدولي وهو يحمل في حقيبته مهرّبات غير عادية، تتألف من ثلاثة أختام عراقية من الرخام والمرمر، يبلغ عمرها 4000 سنة، مسروقة من المتحف الوطني العراقي!
بالطبع أنكر برود التهمة في حينه، ثمّ اضطرّ ــ بعد قرابة عام وتحت ضغط الأدلة الدامغة ــ إلى الاعتراف بالتهريب أمام المحكمة الفدرإلية في بروكلين. ولأنّ الاعتراف سيّد الأدلة كما تقول الشرائع، فإنّ في وسعنا الآن أن نفهم معنى حديثه عن "نفع" إعادة بناء العراق، وكذلك مغزى بعض تفاصيل سيرة الرجل، كما جاءت في موقع الكتاب: "ولد لأسرة عراقية ـ يهودية، ودرس لغات الشرق الأدنى في جامعة ييل، والعربية في برنستون. وهو طليق في العربية والفارسية والعبرية، ومستشار لدى الحكومة الأمريكية وبعض الشركات الكبرى حول الشرق الأوسط. ظهر في برنامج NBC's Today Show، وبرنامج CBS's Early Show، وهــو ضيف مـــألوف في أقــــنية CNBC وCNN وFox News وMSNBC".
مناسبة استعادة هذه الحكاية، التي لا تحتاج إلى أيّ تعليق كما نظنّ، هي أنها واحدة من عشرات الأقاصيص المشابهة المذهلة التي يرويها روجر أتوود في كتابه الجديد "سرقة التاريخ: غزاة القبور، المهرّبون، ونهب التاريخ القديم"، الذي صدر أواخر العام ولكنه قد يكون واحداً من أهمّ إصدارات 2004، الثقافية والسياسية والتاريخية قبل تلك المؤلفات التي تخصّ علم الآثار وحده. وبالطبع، الكتاب يبدأ من مآسي نهب العراق لأنها آخر ما حُرّر في هذه "الصناعة الثقيلة"، ولكنه يستعرض محطات أخرى في طول العالم وعرضه، كبرى وأساسية ولا تقلّ مأساوية وبشاعة.
والأنذال الحقيقيون في كتاب أتوود ليسوا حفّاري القبور، الذين غالباً يقومون بهذا العمل لأنه مصدر رزقهم الوحيد، بل أثرياء العالم من هواة جمع الآثار في متاحف خاصة، وبعض مسؤولي المتاحف العريقة الذين يقبلون حيازة القطع المهرّبة لإثراء متاحفهم، والتجّار الكبار الذين يديرون شبكات التهريب. وثمة "نظرية" متكاملة تفلسف هذه السرقة الفاضحة البيّنة، مفادها أنّ الآثار المسروقة الموجودة في متاحف بلدان متقدّمة (والمقصود في الغرب، حصراً ربما)، أو حتى في متاحف خاصة مغلقة إلا لنخبة النخبة، تظلّ في الحفظ والصون أفضل مّما تكون عليه حالها في بلدانها الأصلية.
ورغم أنّ النظرية تستهدي حقّاً لا يُراد منه إلا الباطل، فإنها زائفة عملياً ومرفوضة قانونياً وساقطة أخلاقياً... الأمر الذي لا يعني أنها لا تجد لها أصداء ذرائعية عند بعض المسؤولين الثقافيين في البلدان المنهوبة، ذات الأنظمة التي تعيش أصلاً على نهب الشعوب والأوطان (كما فعل، ذات يوم غير بعيد، مسؤول ثقافي مصري كبير في تبرير عدم مطالبة مصر باستعادة آثارها). ولا يعني، في سياقات مختلفة، أن لا تهتدي بالنظرية ذاتها شخصيات غربية رفيعة المقام، عُرفت عنها الأخلاق الثقافية الحميدة، بل والتقدّمية الثورية.
وشخصياً يحلو لي أن أسوق المثال التإلى الذي، للدهشة، أغفله أتوود. في عام 1923 كان الجندي الفرنسي الشاب أندريه مالرو، والذي سيكون له الشأن العإلى الذي نعرف في حياة فرنسا الثقافية، قد ضُبط وهو يستخدم منشاراً وإزميلاً وعتلة لانتزاع، ثمّ سرقة، سبعة تماثيل من معبد "بانتياي سري" في أنغكور، كمبوديا. هل كانت تلك نزوة شباب؟ كلا، للأسف! ففي كتابه "أصوات الصمت"، والذي صدر بعد 30 سنة على حادثة السرقة، بشّر مالرو بمفهومه عن متحف متخيَّل متعدد الثقافات تحتضنه فرنسا، وما كان له في واقع الأمر أن يكون سوى صيغة إضافية لإشباع نهم المركزية الأوروبية حول الذات.
نعرف، إذاً، أنّ جوزيف برود لن يكون الأخير، لا بدليل آخر سوى أنّ لوائح الماضي حافلة بأسماء سابقيه... الأعظم منه شأناً!
"الرأي / خاص"