'لـخـيـر هـذا الـوطن' عن المثقف والسلـطة فـي سوريا

٢٠٠٥-٠٢-٠٨
'لـخـيـر هـذا الـوطن' عن المثقف والسلـطة فـي سوريا
لم يخطر لي أنه سيُعرض عليّ "التعاون" مع أحد أجهزة الأمن في دمشق خلال استدعائي إليه يوم 29/1/2005. التعاون بلغة أجهزة الأمن السورية يعني ان يصبح المرء "عميل مخابرات". يقوم بتسقط المعلومات عن معارفه وأصدقائه والوشاية بهم و"كتابة التقارير" عنهم إلى تلك الأجهزة التي يصح القول فيها إنها لا ترحم الناس ولا تخشى الله. لم يخطر في بالي عرض التعاون لأني كنت أتخيل أن ذهنية التعامل مع المعارض كعدو ينبغي محقه، معنويا وسياسيا وأخلاقيا، على طريقة معاملة عشرات الألوف من السوريين خلال العقدين الأخيرين المظلمين من القرن العشرين، قد انقرضت. وربما كذلك لأني توهمت نفسي "محصنا" بسابق سنوات سجني وبعملي الكتابي.
قال الضابط الذي قابلني إن "التعاون بيننا هو لخير الوطن"، ما يعني ان عملي الحالي لا "يخدم الوطن"، أو على الأقل لا يخدمه مثل الوشاية والتلصص على الناس وبذل الجهد للإيقاع بهم وكشف سرائرهم وتسطير التقارير عنهم. لا أعرف مبرر استدعائي ولا إن كان السيد الضابط يعلم عن عملي شيئا. لكن في جميع الاستدعاءات السابقة، والأخير هو رقم 10، كان السبب شيئا كتبته او قلته أو فعلته ويتصل بعملي ككاتب معارض لنظام الحزب الواحد البعثي. وقد تبين لي بالخبرة ان أجهزة الأمن لا تعرف عنا إلا المعلومات السرية التي تنتزعها بالتعذيب (وأقل بالتقارير)، أما كل ما نفعله علنا فلا تعلم عنه شيئا، ولا تراه إن جرى امام عينيها، ولا تعرف كيف تتعامل معه إن رأته. ففي جميع المرات أيضا استدعيت بناء على تقارير نُقلت إلى الأجهزة عن شيء كتبته علنا وباسمي الصريح او قلته علنا. في عبارة اخرى، تعتمد الأجهزة أساليب عمل مجلوبة من مناخات السرية والكتمان، ولا شك أنها تفضل لو يعمل الناشطون والمعارضون والمثقفون سرا بما يناسب أساليبها ويسوّغ لها التعذيب والتهويل من أخطار "العدو الداخلي".
كان استدعاء 29/1/2005 هو المرة الأولى يعرض عليّ "التعاون لخير هذا الوطن" منذ خروجي من السجن آخر عام 1996. لقد ذكّرني العرض بـ"المساومات" الأمنية التي كنا نتعرض لها في السجن على أيدي لجان مختصة: تتعاون معنا مقابل الإفراج عنك. كان الخيار المطروح علينا أن نكون سجناء أو أذلاء، إما أن تخسر حريتك وإما كرامتك، ولا مجال لأن تكون حرا وكريما في الوقت نفسه في "الوطن". وكانت "المقدمة النظرية" الدائمة لتلك المساومات هي أن المرحلة حرجة والأخطار محدقة بالوطن، وأن "التعاون" والوشاية ببعضنا أو بمواطنينا هو دورنا، نحن السجناء السياسيين، في المعركة الوطنية (تركت لديّ هذه الخبرة المتكررة والممزقة نفورا ثابتا من كلمة وطن؛ استخدم عادة كلمة البلد او البلاد).
قبل ثلاثة اعوام استدعيتُ إلى الجهاز الأمني نفسه. كان الشخص (الأرجح أنه برتبة مساعد) الذي قادني إلى مكتب أحد الضباط هو نفسه الشخص الذي قادني هذه المرة إلى مكتب رئيس قسم الأحزاب في الجهاز المذكور. وقتها أعاد عليّ ذلك المساعد المفترض بالكلمات نفسها وبالنبرة نفسها وباليقين نفسه جملة افترضها مطمئنة لي: "ما في شي! بس نتعاون لخير هذا الوطن!". أعادها مرات وهو يضع يده في جيبه ويشدد على عبارة "هذا الوطن" إلى درجة تبعث على الظن أن ما في جيبه هو الوطن بالذات، وأنه ربما يظهره في أي لحظة لعيني المتشككة. والواقع أنه في العهد الذهبي لأجهزة الأمن السورية كان كل شيء يقول إن "الوطن" شيء لا يلتقيه المرء إلا في غرف التحقيق أو في أقبية التعذيب في تلك الأجهزة. كانت المعادلات الضمنية المستقرة: الوطن هو المخابرات، والوطنيون هم الجلادون، تعذيب السجناء أعلى فضائل الوطنية. وبالطبع خدمة الوطن هي العمل مخبراً!
هذا القلب التام للقيم منبع فياض ودينامي لخراب الوعي والرابطة الوطنية. ولعله لا يتجسد في شيء اكثر مما في تعبير اجهزة الأمن نفسه. فهذا تعبير أورويلي بالفعل معناه الحقيقي اجهزة الخوف. فقد كانت تلك الأجهزة طوال عقود الحكم البعثي المديدة مصدر الخوف ونزع الأمن الأول في البلاد السورية المشدوهة. وكانت سوريا طوال تلك العقود بلدا اورويليا بامتياز. يكفي التفكير في مقابلات واقعية لمفردات الشعار البعثي الشهير: وحدة، حرية، اشتراكية!
في ذلك "الاستدعاء" قبل ثلاث سنوات، وكان الثالث بعد أيلول 2001، امتنع الضابط عن عرض "التعاون" عليّ. ربما شعر بأن من غير اللائق أن يعرض على سجين سابق أن يستأصل نفسه أخلاقيا وسياسيا. فضباط الأمن وعناصره يعرفون جيدا مغزى عرضهم، ولذلك بالذات يعرضونه على ضحاياهم. لسان حالهم يقول: المثقف الجيد هو المثقف الميت.
هذه المرة وفي بداية عام 2005 لم يمتنع الجهاز عن عرض "التعاون لخدمة هذا الوطن" عليّ، تاركا لي ان استنتج أن "وطني" يستفيد مني واشيا بينما قد يتضرر مني مثقفا. يحتاجني ميتا أخلاقيا وسياسيا بينما أفيض عن حاجته إن كنت مستقل الضمير والرأي.
الأمر كذلك بلا جدال. وواقعة العرض الأمني لي معيارية أو نموذج مثالي في ذاتها للعلاقة بين المثقف والسلطة. واقعة لا تحتاج إلى تجريد لأنها مجردة بذاتها، ولا إلى القياس على غيرها لأنها مثال أقصى يقاس عليه: يطالب المثقف بأن يكتب... تقارير بمواطنيه لأجهزة سلطة تتمتع بحصانة مطلقة ولا تحاسب مهما فعلت، وتقاريره يقرأها أفراد مستواهم الثقافي معدوم. وتتكفل بالتجريد علاقة القوة العارية بين الطرفين: المستدعي سلطة لا تحد، والمستدعى شخص محدود حتى الإمحاء (ينبغي القول إن هذه العلاقة مشوبة واقل عريا اليوم: رفضت العرض بلا لبس وخرجت من الجهاز بعد قرابة ساعتين على استدعائي!). ولم أعرف للأسف هل يريد الجهاز الأمني مني التفرغ لكتابة "التقارير" أم أن أمزج بين المثقف والمخبر، بين فنين للكتابة: "التقارير" والمقالات. في المناسبة، لم لا يعترف "اتحاد الكتاب العرب" بفن "كتابة التقارير" ويقبل اصحاب "الخط الحلو" (عبارة يكني بها السوريون عن كتّاب التقارير) أعضاء فيه؟ سيكون هذا إبداعا وطنيا لا يقل "أصالة"عن الجبهة الوطنية التقدمية ومنظمة طلائع البعث!
ربما نلاحظ أن "كتابة التقارير" للمخابرات هي الشكل الأقصى من التزام المثقف، أعني الشكل غير الخاضع لدستور او ضوابط ثقافية واخلاقية مستقلة عنه. بمعنى آخر الالتزام في ذاته ومن دون ضبطه بشيء آخر لا يقف عائقا في وجه النوع الثقافي الأمني الذي هو "كتابة التقارير". ولا شك أن مخابرات ستالين وهونيكر وامثالهما كانت تطلب الوشاية من المثقفين لأن السلطة في ذاتها كانت ثقافة وأخلاقا وخيرا محضا، أي حائزة النسخة الوحيدة الصحيحة من "مصالح الشعب الحقيقية"، المصالح التي يفترض بالمثقف أن يلتزمها. إن "التقرير" هو أعلى اشكال الثقافة والالتزام في انظمة الاستبداد العقيدي (الشمولية او أنظمة الطغيان المحدث). وفيه تتجسد الثقافة سلطة.
ترى، كيف هو "الوطن" الذي يستفيد من "كتابة التقارير" لا من عمل المثقفين؟ وما حال البلاد التي يتقدم فيها الواشي على المثقف، بل لا يثبت المثقف أهليته الوطنية إن لم يكن واشيا؟ وكيف يكون شعب يُفرض عليه مثال للمواطن الصالح هو الواشي المعدوم الضمير و"كتّيب التقارير"؟
من جهتي، لست مواطنا وليس هذا وطني! وطني يقيم في الزنازين لا في المكاتب الفخمة، ويمشي على قدميه أو ينحشر في "السرفيس" ولا يركب المرسيدس والهامر، ويعيش من جهده لا من سلطته الامتيازية، ويسكن بيوتا بائسة لا في فيلات ومزارع! مواطنيّ هم الخائفون والسجناء وليسوا المخابرات وصنّاع الخوف!
دمشق 31/1/2005
ياسين الحاج صالح
ملحق " النهار " العدد 674 - الأحد 6 شباط 2005
ضد الحرية وليس ضد الحرة
سيتعرض اي عضو في اتحاد الكتاب العرب إلى عقوبة زاجرة إذا ظهر على تلفزيون الحرة الأميركي. هذا ما أفتى فيه بـ غالبية ساحقة مؤتمر الاتحاد الذي عقد في بحر الأسبوع الماضي في دمشق. بهذا القرار يظهر الاتحاد الذي يفترض انه منظمة المثقفين السوريين أنه ثابت على نهج العقاب والزجر الفوقيين، ولا يثق بالحكم الشخصي والقرار الشخصي الحر لأعضائه. الاتحاد وفيٌّ بذلك لثابتة راسخة في نظام الحزب الواحد السوري ومنظماته: لا يستفيد الناس من حرياتهم إلا للخروج على الثوابت وخيانتها، ولا يلتزمون الثوابت إلا بقدر ما لا يكونون احرارا. لذا ينبغي زجرهم ومعاقبتهم بـ غالبيات ساحقة إن فكروا واختاروا بحرية. فكل حرية وفقا لهذا المنطق مروق أو خيانة، ولا يلتزم إلا الإمعات والعبيد وغير الأحرار. ليس ثمة ما اساء إلى قضايانا العامة، المحلية والعربية، من فصلها بهذه الطريقة العسكرية عن المنبع الثر لجميع القيم: الحرية. وليس ثمة ما أهان مواطنينا ومثقفينا أكثر من عدم ائتمانهم على أوطانهم وقضاياها. يرمز لانفصال الثوابت عن الحرية ويجسده السيد علي عقلة عرسان رئيس الاتحاد منذ قرابة 30 عاما. و الثوابت هي سلاحه للإقصاء والتخوين والبقاء؛ إنها مطية كتاب من الدرجة الثالثة فما دون إلى السلطة المؤبدة.

تألّق الشعر في المناسبة الحاشدة: حضور عربي وسوري متميز في أربعينية ممدوح عدوان

٢٠٠٥-٠٢-٠٤
تألّق الشعر في المناسبة الحاشدة: حضور عربي وسوري متميز في أربعينية ممدوح عدوان
أنور بدر
القدس العربي 2005/02/04
هل شكلت دعوة الناقد جابر عصفور لتأبين الشاعر ممدوح عدوان في مصر مهمازاً لحث وزارتي الثقافة والإعلام في سورية للاحتفاء بذكري مرور أربعين يوماً علي وفاته؟! وهل كنا نخشي أن يُسرق مبدعونا من بيننا بعد رحيلهم؟ أم أنّه المجيء المتأخر بعد فوات الوقت كما قال نزيه أبو عفش؟! وهو يُفضل باسم الشاعر زهرة في الحياة علي أكاليل الورد بعد الممات؟!مهما كانت الأسباب، فقد كان حفلاً تكريمياً كما قال وزير الثقافة الدكتور محمود السيد وليس تأبيناً، لأنّ ممدوح عدوان لم يزل بيننا، حياً بإبداعه وحياً بذكراه وحياً بعلاقاته، والتي تمثلت بالحضور العربي المتميز في هذا الحفل، فمن فلسطين جاء محمود درويش يُعلن فقدَهُ بيننا، ومن مصر حضر أحمد عبد المعطي حجازي و عبلة الرويني بينما غاب الدكتور جابر عصفور رئيس المجلس الأعلي للثقافة والفنون فيها، مع أنّ اسمه مطبوع في برنامج الحفل الذي وزع كبطاقة دعوة.ومن لبنان شارك السيد طلال سلمان رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، بينما حضر العديد من الأسماء الذين لم تُتح لهم المشاركة. ومن سورية كانت أسماء محمد الماغوط و نزيه أبو عفش و عادل محمود و صادق جلال العظم والوزير السابق عصام الزعيم، وهي أسماء حاولت بحضورها وبقولها تأكيد هوية الراحل وانتمائه. وهو الانتماء الذي رددت صداه أكف المحتشدين في دار الأوبرا والذين فاق عددهم الألف وخمسمئة، وهم رغم المناسبة التأبينية، إلا أنّهم صفقوا للشعر والشعراء، كما صفقوا لأوجاعهم المنثورة هنا وهناك علي شفاه المتحدثين.وأستطيع أن أقول بجدارة إنّ أجمل رثاء قرأته أو سمعته في حياتي، كانت قصيدة الرثاء التي ألقاها الراحل ممدوح عدوان من خلال فيلم قصير يصور ممدوح وهو يُلقي شعراً أو رثاء، رثاء للمبدع أو لذاته إذ يقول:كيف حولت بنا الخوف من الموت حنينا إننا ننهضُ عن مائدة العمر وقد تركنا منسفاً من الأحلام والرغبات والشرابا نحن أكملنا مدار العمر فرساناًوقد مُتنا شبابا.ويعرف النُقاد أنّ ممدوح عدوان كان يرتل شعره بصوته المميز، وهو يعرف كيف يتلاعب بمخارج الألفاظ، وأينَ يُتابع أو يتوقف، وكأنه لاعب ماهر يتحرك برشاقة وليونة علي حبال القصيدة.وحين توقف الشريط السينمائي لأسباب تقنية، دخل مُقدّم الحفل الفنان بسام كوسا ليُعلن:كالعادة...حدث خطأ تقني. وبعد التصفيق أكمل: مع أنّ البناء حديث!الممثل بسام كوسا قدّم برنامج الحفل عبر إلقاء مقاطع من شعر الراحل ممدوح عدوان:وحين وقفت أختلس الثقافة عاشقأرجوك أيّ لقاء...ركضت إليك كالمجنون من شوقي.وحين وصلت لم أبصر سوي الصحراء.كما قرأ برقية اعتذار من وزيرة الثقافة الأردنية أسمي خضر، تحمل كلمات التقدير للراحل وللدعوة، وتعتذر لانشغالها عن الحضور.ہہہبعد كلمة محمود السيد وزير الثقافة السوري، تحدّث الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي فقال أنّ موت ممدوح لم يُفاجئهُ، لأنّ ممدوح حاول أن يجعل هذا الموت متوقعاً، ففي شعره ونثره كان يخدعنا:لقد خدعتنا إذن يا صديقيكأنك تُصر علي مواصلة سخريتك حتي بعد رحيلكفالموت الذي نظمت فيه قصائدك، وهو الكائن الذي كنت تحاكيه، وأنا لا أستطيع أن أعرف في سيرتك وشعرك أين تنتهي الحياة ويبدأ الشعر، فشعرك هو سيرتك وسيرتك هي شعرك.أما الوزير السابق عصام الزعيم الذي يُصر علي ممارسة الحياة العامة بعد تبرئته في المحكمة التي أُحيل إليها، فجاء يعتذر عن مُضاهاة الشعراء في مجالسهم، ولكنه أصرّ أن يقول أنّ ممدوح عدوان عالج بالشعر مشكلة الإنسان، الذي يعاني من الحيونة المتزايدة في ظل العولمة، مؤكداً علي تلك القوة العارمة في قلب الشاعر وفكره، والتي أعطته ذلك الإبداع الذي نعتز به اليوم، وتابع يقول أنّ ممدوحاً دخل التاريخ وغادر الحياة وغادرنا... لكنه فتح أمامنا المستقبل ننهل مما أعطي. الدكتور والمفكر صادق جلال العظم أعلن بعكس الشاعر عبد المعطي حجازي أنّه فوجئ بموت ممدوح لأنّه كان يُراهن علي إصرار ممدوح وقوته علي رفض المرض، ورفض الموت، ممدوح الذي لم يتمكن من احتمال نعمة الراحة التي نزلت عليه، لأكثر من ثلاثة أيام دون أن يقرأ أو يكتب. وهو الذي كتب هاملت يستيقظ مُتأخراً كإدانة لانتلجينسيا عايشت الهزيمة وأحاطت بها، فشاء أن يُميز نفسه بالفعل والقول ضدها وضد المرحلة، بقوة التحدي وقوة الحياة.ويعترف أنه ما من مبدع جسد في حياته ونمطه وبديهيته وديناميته وحيويته وذكائه وفوضويته جيل الستينات كما جسده ورمز إليه ممدوح بكل كيانه، ليتساءل في النهاية: هل مات جيل الستينات بوفاة ممدوح عدوان؟ ثمّ كان لنا لقاء آخر مع شريط فيديو، لكنه هذه المرة لصديق ممدوح عدوان، الشاعر محمد الماغوط الذي يقرأ علينا كلمة رثاء يُخاطب بها ممدوحاً بقوة حضور تُغالب الغياب، وهو يصرخ لصديقه ممدوح، مُذكراً باتفاقه مع الله شخصياً في إحدي الحالات، مُعلناً بما أنني وممدوح صحراويان، فإنني لم أكن أريد أن يكون لأي منا مكان تحت الشجر، بل تحت المطر.مُختتماً: لن يُشفِ غليلي من موته المفاجئ سوي القبض... علي أرواح من كان سببا في موتنا.طلال سلمان قدم في رثاء ممدوح رثاءً لجيل ومرحلة، رثاءً لشعارات وأحلام قائلا:أتيناك بأثقالنا قبل أن تكتمل حيونتنايكاد لا يجمعنا سوي الموتها نحن بعض الفتية الباقية، أتيناك من لبنان وفلسطين ومصر، نتلاقي يا ممدوح نحن الذين صارت شعاراتنا التي كانت مُقدّسة في منزلة الأوهام، نتلاقي وكل منا مقتول في منزلة القاتل أنت بهويتك مقتول وقد كانت رمزاًأنت بلغتك مقتول وقد كانت الثقافة جميعاًأنت بدينك مقتول وقد كان رسالة سلامأنت قاتل أحلامك والمبدع في رثائها.الشاعر عادل محمود قال:كان مُتهماً بالحياة وهو حي حتي أطراف غابته.وهو يقيم الآن برقاً......جيلنا كله لا يستطيع أن يكتب سطراً واحداًتعريفاً جامعاً لكلمة واحدة هي الحرية........ممدوح أحد مؤرخي لحظة قبيحة في حياتنا...مات قبل أن يُسجل يهودي آخر بعد كارل ماركسحق الفلسطينيين ولو 22 بالمئة من ارض فلسطين.مات ممدوح قبل أن ينتصر احد من المحيط إلي الخليجإلا برأس مقطوعكان ممدوح ريفياً محترفاً في صناعة الأحلام.........أنقص الشرفاء واحداً في زمن عربي لا يعرف إلاّ النُقصان.ہہہوبعد أن تلقت السيدة إلهام زوجة الراحل ممدوح درع التكريم من القسم الثقافي من صحيفة الأهرام العربي، حدثتنا الناقدة عبلة الرويني عن أول لقاء لها مع ممدوح عدوان في عمان 1989، حين سمعت قصيدته نيابة عن زوجها الراحل أمل دنقل، بعنوان زفة شعبية لسليمان خاطر الجندي المصري الذي أطلق الرصاص علي سياح إسرائيليين في سيناء، ومن يومها ربطتها وممدوح الصداقة، هو القادر علي ابتكار الأصدقاء، بالقوة ذاتها علي ابتكار الأعداء.وتابعت أن ممدوح يكتب لأنّه يريد أن يكتبولأنّ هنالك أشياء لا بد من ذكرهاوهو لا بُد أن يُكمل صرخته.كلمة الشاعر نزيه أبو عفش جاءت محملة بروحه المسيحية، أو بثقل صليبه الذي استعاره من الواقع وهمومنا وهو يُعلن تشاركه بالأمس مع ممدوح في كتابة هذه الكلمة الرثاء .. النص .. المنشور: طائفة أسلاف موتي وئدوا في مصائد أحلامهم فلم يتوفر لنا الوقت لنسند أرواحهم بلقمة أمل أو بلقمة جمال جيش من عاثري الحظوظ والأحلام قتلتهم سموم الحبر وحماقة الأحلام قلت: قتلهم الموت؟ لا، بل قتلتهم الحياة قتلتهم فاقة الكرامة وفاقة الحرية ماتوا مصعوقين بالسرطانات وذبحات القلب وذبحات الضمائر وذبحات اليأس .....ما الذي نفعله نحن الشعراء سوي أننا نعبد طريقنا إلي الموت الشعراء يربحون بقدر ما يحسنون إدارة خسائرهم فيما الآخرون يسهرون علي إدارة أرباحهم المختلسة من حياتنا ثم تحدث عن آل الفقيد ابنه زياد مذكراً بما كتبه في موته: يقول الأب لابنه: كنت أول من رآك حياً. يقول الابن لأبيه: كنت آخر من رآك حياً. وأخيراً، ألقي محمود درويش قصيدة رثاء إلي ممدوح عدوان بعنوان كما لو نودي بشاعر أن انهض، يقول فيها: علي أربعة أحرف يقوم اسمُك واسمي، لا علي خمسة. لأن حرف الميم الثاني قطعة غيار قد نحتاج إليها أثناء السير علي الطرق الوعرة.في عامٍ واحد وُلدنا، مع فارق طفيف في الساعات وفي الجهات. وُلدنا لنتدرّب علي اللعب البريء بالكلمات. ولم نكترث للموت الذي تَدقّه النساء الجميلات، كحبة جوز، بكعوب أحذيتهن العالية.عالياً، عالياً كان كُل شيء... عالياً كالأزرق علي جبال الساحل السوري، وكما يتسلق العشب الانتهازي أسوار السلطان، تسلقنا أقواس قُزحٍ، لنكتب بألوانها أسماء ما نحب من الأشياء الصغيرة والكبيرة:يداً تحلب ثدي الغزالة،مجداً لزارعي الخسّ في الأحواض، شغف الإسكافي بلمس قدم الأميرة، ومصائد أخري لجمهور مطرود من المسرح.ولما التقينا عرفتك من سُعالك، إذ سبق لي أن حفظته من إيقاع شعرك الأول، يُفزع القطط النائمة في أزقة دمشق العتيقة، ويبعثر رائحة الياسمين.ممدوح، لا أطيق سماع اسمك الآن، لأنه يذكرني بما ينقصني من رغبةٍ في الضحك معك علي عورة بردي المكشوفة كأسرارنا القومية. ولأنه يُذكرني بمدي حاجتي إلي استراحة من الركض آناء النوم، بحثاً عن حلم مسروق، أراه واضحاً وأحاور السارق. ويذكرني اسمك بما أنا فيه من طقطقة كأني حبّة بلوط في موقد الفقير ليلة العيد.لهذا، اكتب اسمك ولا ألفظه، ففي الكتابة يتموج اسمك علي ماء الحضور. وفي الكلام أسمع وحش الغياب يطاردني من حرف إلي حرف، ليفترس الشلو الأخير من قلبي الجائع إلي هجائك المادح.ممدوح! ماذا فعلت بك وبنا؟ فلم نعد نحزن من تساقط شعرك المبلل بالزيت، فإنك تستعيده الآن من عشب الأرض. ولكن، في أية ريح أخفيت عنا سعالك، فلم يعد في غيابك متسع لغياب آخر.ممدوح! هذا هو وقت الزفاف الفاحش بين الرعد والصحراء، شرق الشمال، لإنجاب الكمأ إعجازي التكوين. صف لي ولادة الكمأة أصف لك عجزي عن وصف القصيدة، فانظر شرق الشمال!الآن، لا أتذكر شيئاً منك. فالذكري تلي الحرب والموت والزلزال. وأنت، ما زلت معي تكتب هذه المرثية، علي هذه الورقة البيضاء، في هذا الليل البارد... أو نكتبها معاً لشاعر محبط. فلعلها لا تعجبه فيتوقف عن اغتيال نفسه، إلي أن يقوم غيرنا بكتابة مرثية أفضل، لا تعجبه هي أيضاً، فينتظر غيرها ويحيا أكثر.كما لو نُودي بشاعرٍ أن انهض من هذا الألم.يا ابن الحياة الحر، أيها المدافع عن جمال الوردة العفوي، وحرية العشاق في العناق علي مرأي من كهان الطهارة اللوطيين! من بعدك سيسخر ممن يتقنون تسمية الآلهة، ولا يقوون علي تسمية الضحايا؟ يأنفون من الانتباه إلي دم مسفوك علي طريق المعراج، ويسرفون في التحديق إلي غيمة عابرة في سماء طروادة، لأن الدم قد يلطخ نقاء الحداثة المتخيلة، ولأن الغيم سرمدي الدلالات. لعلهم علي حق، ما دامت هزائمنا تستدعي تطوير النقد إلي هذا الحد!لكن هذا أيضاً لا يهمك، أيها المتعالي علي التعالي، أيها العالي من فرط ما انحنيت بانضباط جنديٍ أمام سنبلة، ونظرت، حزيناً غاضباً، إلي أحذية الفقراء المثقوبة، فانحزت إلي طريقها الممتلئ بغبار الشرف. الشرف؟ يسألك المترجم: ما معني هذه الكلمة؟ فلم أجدها في الطبعات الجديدة من المعاجم.ممدوح، يا صديقي، لماذا كما يفعل الطرخون خانك وخاننا قلبك؟ لماذا لم تعلم كم نحبك؟ لماذا تمضي وتتركني ناقصاً؟ لماذا... لماذا؟

أطفال سوريون شرّدهم الفقر

٢٠٠٥-٠٢-٠٣
أطفال سوريون شرّدهم الفقر
2005 الخميس 3 فبراير
حيان نيوف
لا يريدون قانون أحزاب أو إلغاء الطوارئ بل لقمة عيش
حيان نيوف من دمشق: وسط تنامي الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية، ومطالبة قوى سياسية معارضة وتجمعات أهلية بإلغاء قانون الطوارئ وإصدار قانون جديد للأحزاب ؛ يهمل المراقبون حكاية شريحة كبيرة من السوريين لا تطالب بقانون أحزاب ولا بإلغاء الطوارئ وإنما تطالب بمجرد " قرص فلافل " أو " ساندويتش بالزعتر والزيت " في نهاية اليوم تسد رمقها. إنها شريحة أطفال سوريين وجدوا أنفسهم يطرقون الأبواب ليتحولوا إلى " متسولين محترفين " أو بائعين جوالين سرّبهم الجوع والفقر من المدارس أو أخذتهم الظروف الاجتماعية المحيطة والمعاناة إلى السجون و مراكز الأحداث.
المعارض وماسح الأحذية..
في إحدى شوارع دمشق تَوزّع بعض الأطفال ليعملوا في مهنتهم اليومية " ماسحي أحذية " ( بويجي بالعامية السورية ). وكانت لقطة نادرة جدا أن يكون أحد هؤلاء الأطفال يعمل بجهد بفرشاته جيئة وذهابا على حذاء زبون لا يمكن وصفه إلا بأنه أحد المعارضين السوريين وهو من المطالبين باحترام حقوق الإنسان. واستمر هذا المعارض واضعا حذاءه أمام الطفل حتى أخذ يلمع حذاؤه فرمى للطفل قطعة نقدية ومشى دون كلمة واحدة. وفي هذا المشهد الدرامي المتفجّر، سوف يصعب إلقاء العتب على الحكومة السورية بما يخص أوضاع الأطفال في حين أن بعض دعاة الديمقراطية يجدون متعة بالغة في الطلب إلى هؤلاء الأطفال مسح أحذيتهم.
طلاق وفقر يشرّد الأطفال
هؤلاء الأطفال، الذين يمسحون الأحذية لكسب عيشهم، أوصلتهم ظروف عائلية إلى هذه الحالة. ومن العوامل الكثيرة التي تأخذ هؤلاء الأطفال إلى هذا العمل الفقر وطلاق الزوجين. بعض الأسر السورية مكونة من أفراد كثيرين مع وجود دخل محدود لرب الأسرة وهذا ما يدفعه إلى الإلقاء ببعض أبنائه إلى سوق العمل. بعضهم يترك المدرسة ويفضّل الحصول على مائة ليرة في اليوم مقابل عدم الذهاب للمدرسة. وبعضهم يتابع تحصيله العلمي ويوجد أطباء وجامعيون كثر في سورية درسوا نهارا و عملوا ليلا عمال نظافة !. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الأطفال، وأثناء وجودهم في سوق العمل تلك، قد يتأثر " برفاق سوء " لتنتهي به الأمور إلى مراكز الأحداث والتي هي الأخرى " ليست جنة " كما بينت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية في تقرير قريب لها.
تشرّدوا حتى في مراكز رعايتهم !
قالت المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع سورية، في تقرير وصلت شبكة " إيلاف " الإخبارية نسخة منه، إنها تلقت شكاوى من بعض المواطنين حول معاملة الأحداث الجانحين. وذكرت المنظمة بعض الأمثلة على معاملة هؤلاء الأحداث، ومنها : " مراكز الملاحظة التي أنشأتها وزارة الشؤون الاجتماعية في معظم المحافظات للتوقيف الاحتياطي تفتقر للتجهيزات و الأخصائيين الاجتماعيين مما جعل الأحداث فيها يتعرضون للمضايقات والاعتداءات البدنيّة وغيرها، وتعرض الأحداث للعنف والتعذيب، إضافة إلى أن معاهد إصلاح الأحداث موجودة في دمشق وحلب فقط، وهي غير قادرة على استيعاب جميع الأحداث الموقوفين في سوريّة".
وطالبت المنظمة السورية، وهي جمعية غير مرخصة ؛ بإنشاء معاهد لرعاية الأحداث في جميع المحافظات السوريّة، توزيع الأحداث الجانحين وفقا لفئات عمرية متقاربة، وضع معايير وشروط خاصة للعاملين في هذه المعاهد، وتشكيل لجان متخصصة لمراقبة هذه المعاهد والتفتيش عليها، و السماح لجمعيات حقوق الإنسان، والجمعيات الأهليّة المهتمّة بالأحداث بزيارة معاهد إصلاح الأحداث، وتقديم ملاحظاتها لوزارتي الشؤون الاجتماعية والعدل ولمديري هذه المعاهد.
المعاناة تدفع لإتقان فن التسوّل
ويعمل هؤلاء الأطفال، الذي أصيبوا بنقمة الفقر أو الظروف الاجتماعية السيئة، بأعمال مختلفة. بعضهم يبيع الصحف والعلكة، والبعض يبيع أدوات بلاستيكية متنقلا بين الحارات الشعبية ومن منزل إلى منزل. وقسم كبير من هؤلاء ذهب إلى "مهنة" مسح الأحذية. إلا أن بعض الأطفال قرر الابتعاد عن العمل والاكتفاء بالتسول وله أنواعه أيضا من التسول عبر طرق الأبواب كل يوم إلى التسول أمام المصارف التجارية والمحلات التجارية. هذا الطفل أو ذاك أتقن فن طلب النقود، وهو يصرخ في إحدى الشوارع السورية، وبأعلى صوته : من مال الله يا محسنين...
صفقة بطاطا للأوروبيين أفضل من حقوق الطفل !
أعضاء الاتحاد الأوروبي، الذين سبق لهم أن قدموا إلى سورية بزيارات عمل، نزلوا في فنادق فخمة وناقشوا الشراكة مع سورية في صالات مضيئة ومنيرة وفخمة ثم سافروا دون جولة واحدة في الشوارع السورية ليتعرفوا على قصة ماسحي الأحذية. إن هذا الإهمال الأوروبي أيضا لمعاناة هؤلاء الأطفال يذكّر بأن الاتحاد الأوروبي ما زال مهتما بعلاقات تجارية واقتصادية مع سورية، وربما استيراد الطماطم والبطاطا، أكثر مما هو مهتم بحقوق الطفل.

مشهد كوميدي : مجلس الشعب يكافح التسول.. وكيف ؟!
ينقص هذه القصة التراجيدية مشهد كوميدي. مؤخرا، وفي مبادرة من مجلس الشعب السوري لمكافحة التسول، قامت اللجنة المشكلة من مجلس الشعب لدراسة ظاهرة التسول فى دمشق، قامت بزيارة إلى معهد تأهيل وتشغيل المتسولين التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. وتفيد وكالة الأنباء السورية " سانا " أن اللجنة زارت " مهاجع إقامة المتسولين واطلعت على أحوالهم والظروف التى دفعتهم لمخالفة القوانين وممارسة التسول كما اطلعت على الدور الذي يقوم به المعهد في توفير وسائل تعليم الحرف للمتسولات من خياطة وحياكة وسواها". ونقل في حينها عن لجنة مكافحة التسول في مجلس الشعب السوري أنه " توضح وبشكل طبيعي مسؤولية المجتمع حيال هذه الظاهرة والمخاطر الأمنية على المجتمع والتي تشكل ظاهرة التسول والتي لا تقل عن الأخطار الاجتماعية " !.
جاءت هذه الخطوة في الوقت الذي كان فيه أعضاء مجلس الشعب يصوتون على منع العامل من اللجوء إلى القضاء في حال فصله من عمله وذلك وفق المادة 137، إلا أن الرئيس الأسد أعاد مشروع المرسوم وقد نص على منح العامل هذا الحق. ولم يطرح أحد في مجلس الشعب، في وقتها، أن هذا العامل المسرّح من عمله بلا أسباب له عائلة وأطفال سوف يتشردون جميعا.
وظاهرة التسول في سورية ليست ظاهرة عادية برزت بين ليلة وضحاها، وإنما لها ظروفها الاقتصادية والاجتماعية وحتى العائلية التي بلورتها وأبرزتها إلى العلن. والمتسول في غالب الأحيان هو إنسان درويش طيب ومسكين لم يضع في " حساباته التسولية " أن يخالف قوانين بلاده ؛ فهو ضحية ظروف اجتماعية وعائلية واقتصادية رمت به إلى الشارع دون أن يجد منقذا، فعلّمه الدهر مهنة " الدق على الأبواب " أو الجلوس صامتا على الأرصفة فاتحا يديه من أجل بضع ليرات أو علبة زيت يسد بها جوعه وحرمانه.هكذا تستمر شريحة كبيرة من الأطفال السوريين في العمل بأعمال مختلفة، ودون اكتراث لمعنى صدور قانون أحزاب أو تنظيم مظاهرة، طالما أن قانون الأحزاب أو المظاهرة لن يأتيا بقرص الفلافل أو ساندويتش بالزيت و الزعتر لهم في نهاية اليوم ؛ حيث يرجعون من نهار تسولي إلى غرفهم الصغيرة لتجتاحهم قطعان من الأحلام المكتظة بالبؤس البارد والمستقبل المجهول.

ثلاثة عشر عاما على اعتقال عصفور الحرية في سورية : عبد العزيز الخير

٢٠٠٥-٠٢-٠٢
ثلاثة عشر عاما على اعتقال عصفور الحرية في سورية : عبد العزيز الخير
الحوار المتمدن - العدد: 1097 - 2005 / 2 / 2 4.8 / 5

باريس ، 1 شباط / فبراير 2005 تقرير خاص عصر يوم الأول من شباط / فبراير 1992 ، وبعد مطاردة استغرقت زهاء أحد عشر عاما ، وهي من أطول فترات الملاحقة والمطاردة المتواصلة التي عرفها أي معارض في التاريخ ، إن لم تكن أطولها على الإطلاق ، تمكنت دورية مسلحة تابعة للفرع 235 ( فرع فلسطين ) في المخابرات العسكرية ، بقيادة المقدم عبد الكريم الديري ، وبمساعدة دورية مؤللة من الشرطة العسكرية تواجدت في المكان بمحض المصادفة ، من اعتقال الدكتور عبد العزيز سليمان الخير في منطقة " باب الجابية " في دمشق القديمة ، مع عدد من زملائه . لم يكن المقدم الديري مستعدا لبيع فرحته بهذا " الإنجاز " الباهر لأحد في الدنيا . وكيف كان بإمكانه أن يفعل وهو الذي كلف بهذا المهمة ( دون غيرها ) وفرّغ لها من قبل قادته قبل أكثر من عشرة أعوام على ذلك ، فارتبط " مستقبله المخابراتي " بهذا الأمر !؟ ولهذا لم يملك سوى أن يصرخ بسيده اللواء مصطفى التاجرعلى الطرف الآخر من الهاتف المحمول : سيدي لقد وقع العصفور في القفص ! وعلينا أن نسجل اعترافا للمخابرات السورية بأن ضباطها لم ينسجموا مع الحقيقة في يوم من الأيام باستثناء ذلك اليوم . فقد كان عبد العزيز الخير ولم يزل عصفورا بالفعل !لم يحدث أي شيء غير عادي أو غير مألوف لعبد العزيز الخير بعد اعتقاله ! فما حدث له كان أمرا تقليديا .. وتقليديا جدا في عرف جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي الذين مروا على أقبية أجهزة المخابرات السورية : جلسات لا نهاية لها من التحقيق تحت التعذيب . وكان من الطبيعي والطبيعي جدا أن تتركز ضرباتهم على الرأس ـ مكمن الخطر والخوف بالنسبة لجميع أجهزة المخابرات عبر التاريخ . فههنا ، في هذه المساحة الصغيرة من الجسد ، تصاغ الأسئلة الكبرى حول الحرية والديمقراطية والمستقبل . ولو كان أي منا مكانهم لما كان رضي ـ ربما ـ بأقل من تحطيم جمجمته . فالرأس المفكر والمخابرات هما الضدان والمتناقضان الوحيدان اللذان لا يمكن أن يعيشا معا . فحياة كل منهما مرهونة بموت الآخر !خلال الأحد عشر عاما التي قضاها عبد العزيز الخير باسمه المستعار " أبو أحمد " ، لم يغادر دمشق أبدا إلا مرة واحدة ربما ، ولمدة لم تتجاوز عدة أيام . كان يتنقل ، وهو المطارد ليلا نهارا ، بكل حرية . وربما كان حرا آنذاك أكثر من أي وقت مضى ومن أي وقت سيأتي في حياته . فما من حرية بلا ضفاف يمكن أن يبلغها المرء أوسع من تلك التي يمنحها حب الناس لنا . وعبد العزيز الخير أحد أولئك المناضلين الذين يمكن أن يحسدوا ليس على حب الناس لهم وحسب ، بل وإجماعهم على هذا الحب . كان الطبيب الذي يخاطر بأمنه ليلا نهارا ليعبر دمشق من أقصاها إلى أقصاها كي يطبب رفيقا أو صديقا ، والصحفي المحترف والمرهف الذي يشرف على عدة مطبوعات ، والمناضل الذي يحرض الناس على ..الحرية والأمل . وحين اعتقل وانتهى التحقيق معه ونقل إلى سجن صيدنايا العسكري ، لم يتبدل شيء في حياته . فهو الطبيب الذي يعيش على مدار اليوم في حالة استنفار وجاهزية كاملة لتلبية نداء الواجب . فمئات السجناء الذين دمرت أجسادهم سنوات الاعتقال الطويلة ، والمعاملة البهيمية الوحشية التي تعرضوا لها في سجن تدمر الصحراوي وفروع المخابرات ، باتت حيواتهم أمانة في عنقه .. فلا طبيب في السجن إلا السجين ـ الطبيب . هناك ، في تلك الغرفة المتطرفة من الجناح أ ـ يمين من الطابق الأول ، نجح عبد العزيز الخير بمساعدة رفيقه المهندس نزار مرادني في إنشاء عيادة " ميدانية " بما توفر من الأدوات الطبية التي استقدمها من عيادته الخاصة أثناء زيارات أهله ، وبما وقع في اليد من الصناديق الخشبية المخصصة لتعبئة الخضار ( السحاحير ، كما يقول أهل الشام ) . وفوق هذا : نجاحه في وضع جدول منتظم لزيارة وعيادة المرضى من المعتقلين . ولم يكن هذا إلا بعد أن فرض ـ بقوة إرادته ومنطقه وحجته ـ على إدارة السجن أن تتعامل مع " عيادته " وروادها من السجناء كعيادة مرضى لا كاصطبل للحيوانات . وفي هذا العيادة ، وبأدواته البسيطة ، استطاع أن ينقذ أرواح العديد من المعتقلين .في شتاء العام 2001 أطلقت السلطة آخر دفعة من رفاقه المعتقلين على ذمة قضية " حزب العمل الشيوعي " . ولم يبق سواه ! وحده من بين جميع المعتقلين السياسيين العلمانيين في تاريخ سورية من صدر حكم بحقه يحتوي كل هذه الكمية من الحقد واللؤم : 22 عاما تنتهي في العام 2014 !! نطق بها جزار محكمة أمن الدولة فايز النوري .. بالسهولة نفسها واللذة نفسها والنشوة نفسها التي يعيشها حين يهرس عصفورا كي يصنع وجبة يسد بها شهوته وجوعه إلى القتل !جميع المنظمات الدولية المعنية بالدفاع عن حرية الصحافة ، التي قضت معها منظمتنا وزملاؤنا شهورا ، بل وسنوات طويلة في مناقشة قضيته ، وعلى رأسها " صحفيون بلا حدود " ، رفضت تبنيه كصحفي رغم أنه كان في لحظة من اللحظات رئيسا لتحرير ثلاث مطبوعات ، إحداها كانت تطبع وتوزع سرا أكثر مما تطبعه وتوزعه صحيفة الحزب الحاكم ! لماذا ؟ لأنه لم يكتب باسمه الحقيقي ! دافعت " صحفيون بلا حدود " عن مصورين صحفيين من روسيا البيضاء تخصصوا بتصوير الفتيات القاصرات لصالح عصابات مافيا الرق الأبيض في أوربة ، وصنعوا منهم " سجناء رأي ومناضلين " ، ولكنها رفضت أن تتبناه كصحفي ! دافعت عن بشر نكرات لمجرد أن لهم أسماء حقيقية ، ورفضت الدفاع عن صحفيين مناضلين لمجرد أن لهم أسماء حركية !يقول الشاعر السوري وسجين الرأي السابق فرج بيرقدار : " موقفها ( صحفيون بلا حدود ) أعجوبة جديرة بالتأمل ! لقد تبنوا قضيتي ودافعوا عني ورفضوا تبني قضية عبد العزيز ، رغم أنه كان رئيسي في العمل . كنت محررا وكان رئيس تحرير ! اعترفوا بالمحرر صحفيا ، ورفضوا الاعتراف برئيس التحرير على أنه صحفي "!!في العام الماضي ، وبالتنسيق مع معهد الصحافة الدولي في فيينا ، ولجنة " كتاب في السجون " التابعة لاتحاد الكتاب العالمي ، أطلقت المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير حملة دولية للافراج عن عبد العزيز الخير . ونعيد هنا نشر بعض ما جاء في النص العربي للتعريف بقضيته :مساء الأول من شباط / فبراير 1992 , وبعد أحد عشر عاما من المطاردة والتعقب , تمكن عدد من ضباط وعناصر الفرع 235 في المخابرات العسكرية السورية من اعتقال الطبيب والكاتب والصحفي البارز عبد العزيز الخير في حي سوق الحميدية بدمشق القديمة . وفور اعتقاله تم اقتياده إلى زنزانة انفرادية في مقر الفرع المذكور , حيث خضع على مدار شهرين ونصف لتحقيق مكثف مصحوب بتعذيب وحشي أشرف عليه مباشرة كل من العماد علي دوبا رئيس المخابرات العسكرية السورية في حينه , وعدد من الضباط الكبار في الفرع المذكور , أبرزهم العميد(آنذاك) مصطفى التاجر والعقيد عبد المحسن هلال . وفي 14 نيسان/ أبريل تم نقله مع ثلاثة من رفاقه إلى السجن العسكري الأول ( المعروف باسم سجن صيدنايا العسكري , 40 كم شمال شرق دمشق) , حيث لا يزال معتقلا حتى الآن .في آب / أغسطس من العام 1995 , وفي إطار محاكمة المئات من أعضاء وأصدقاء الأحزاب اليسارية والوطنية المعارضة , التي ستعرف لاحقا باسم " المجزرة القضائية الثانية " , أصدرت محكمة أمن الدولة العليا , شبه العسكرية , حكما بالسجن لمدة 22 عاما مع الأشغال الشاقة على الدكتور الخير . وهو أطول وأقسى حكم يصدر في تاريخ سورية ضد سجين رأي علماني . وذلك بعد أن استندت المحكمة إلى مذكرة الاتهام المقدمة من قبل الفرع 248 ( فرع التحقيق) في المخابرات العسكرية , الذي يقوم بدور " مدع عام عسكري " استنادا إلى قوانين الطوارئ المعمول بها منذ أربعين عاما . وقد أدين الدكتور الخير بـ "الانتماء لجمعية سياسية محظورة " (حزب العمل الشيوعي ) , و " القيام بأنشطة مناهضة للنظام الاشتراكي للدولة " و " نشر أخبار كاذبة من شأنها زعزعة ثقة الجماهير بالثورة والنظام الاشتراكي " و " مناهضة أهداف الثورة " ! ومنذ ذلك الحين تبنى قضيته العديد من المنظمات الدولية والإقليمية , مثل منظمة العفو الدولية و هيومان رايتس ووتش ثم اللجنة العربية لحقوق الإنسان التي تأسست في العام 1988 و المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير بعد تأسيسها العام الماضي , بوصفه سجين رأي . وما انفكت هذه المنظمات , وغيرها, تطالب السلطات السورية بإطلاق سراحه دون قيد أو شرط . وقد لاحظت منظمة العفو الدولية في وثيقتها رقم ((MDE, 24.7.2002 أن " حزب العمل الشيوعي منظمة لم يعرف عنها أنها استخدمت العنف أو دعت إلى استخدامه (...) وأن قرار الاتهام (...) استند بشكل أساسي إلى تحليل البرنامج السياسي للحزب (...) . ولم تكن هناك أية أدلة مادية تثبت , أو حتى توحي , بأن المتهم ارتكب أيا من أعمال العنف أو خطط لارتكابها حسبما ادعت النيابة .." .عبد العزيز الخير أمام " محكمة التفتيش البعثية " :أسست محكمة أمن الدولة العليا في سورية بموجب مرسوم رئاسي صادر في العام 1968 جعل منها محكمة متخصصة بالقضايا السياسية المتعلقة بأمن الدولة , وأداة من أدوات نظام الطوارئ المعمول به منذ الانقلاب العسكري الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة في 8 آذار/ مارس 1963 . وذلك إلى جانب المحاكم الميدانية العسكرية الأخرى التي تعقد جلساتها بشكل سري . وخلافا لهذه المحاكم التابعة لوزارة الدفاع , وللمحاكم النظامية التابعة لوزارة العدل , فإن محكمة أمن الدولة تخضع لإشراف مكتب الأمن القومي ( القيادة السياسية العليا لأجهزة المخابرات الأربعة وأركان الجيش) . ومن المهمات الأمنية والسياسية العديدة لهذا المكتب الذي يرأسه عضو قيادة قطرية في حزب البعث الحاكم, تعيين قضاة هذه المحكمة , وبضمنهم جنرال من الجيش أو المخابرات كعضو في هيئتها العليا. واستنادا إلى مرسوم إحداثها , فإن قرارات هذه المحكمة لا تقبل الطعن أو الاستئناف . وقد أجمع فقهاء القانون والمحامون , بمن فيهم رئيس المحكمة الدستورية العليا السابق ( نصرة ملاّ حيدر) , وهو عضو في الحزب الحاكم , على أن وجودها يشكل بحد ذاته خرقا وانتهاكا لجميع معايير القضاء العادل والنزيه المتعارف عليها دوليا , بل وحتى للدستور السوري النافذ نفسه , الذي ثبّت في مادته الثامنة والعشرين(الفقرة 4) حق المتهم بسلوك سبل الطعن في الأحكام الصادرة ضده . ونظرا لأن الأغلبية الساحقة من القضايا التي أحيلت إليها منذ تأسيسها حتى الآن تتعلق بحرية الرأي والتعبير والمعتقد السياسي , فضلا عن خصائصها الشاذة تلك , فقد اصطلح شعبيا على تسميتها بـ " محكمة التفتيش البعثية " , تذكيرا بمحاكم التفتيش التي عرفتها أوربة العصور الوسطى .هذه المحكمة هي التي حاكمت الدكتور عبد العزيز الخيّر, والمئات من رفاقه والمعارضين الآخرين بمن فيهم أعضاء منظمة لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية (1992 ), استنادا إلى المرسوم (القانون الحربي Martial Law ) رقم 6 للعام 1965 . وهو أحد قوانين الطوارئ التي سنها حزب البعث الحاكم من أجل تثبيت دعائم سلطته والانفراد بها . وقد لا حظ المحامون ومراقبو منظمة العفو الدولية أن حكم الإدانة الصادر ضد الدكتور الخير " استند إلى اتهامات تتعلق بانتمائه ومعتقداته السياسية , وليس بارتكابه أي عمل من أعمال العنف أو التحريض عليها" . عبد العزيز الخير : المناضل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسانخلافا لمعظم أحزاب اليسار التقليدي التي ولدت في ركاب الاتحاد السوفييتي السابق وأيديولوجيته الرسمية , ركز " حزب العمل الشيوعي " منذ تأسيسه في العام 1981 , وقبل ذلك بحوالي خمس سنوات حين كان يعرف باسم " رابطة العمل الشيوعي" , على قضية الديمقراطية في سورية و " دحر الديكتاتورية " . وجعل الكفاح من أجل التعددية الحزبية والسياسية وإلغاء حالة الطوارئ وما تمخض عنها من قوانين عرفية , محورا أساسيا من محاور نضاله السياسي والفكري , إلى جانب العدالة الاجتماعية وفضح عمليات القمع والتعذيب والأشكال الأخرى من انتهاكات حقوق الإنسان في سورية . ومن بين المواقف التاريخية المتميزة والمشهودة لهذا الحزب وقوفه ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان والهيمنة السياسية والأمنية السورية على لبنان , فضلا عن مواقفه الحازمة ضد أعمال العنف التي مارسها جناح من الإسلام السياسي الأصولي الراديكالي في صراعه مع النظام الحاكم . وبحكم موقعه القيادي في الرابطة , ثم الحزب , وميزاته الأخلاقية والثقافية والفكرية العالية , والحضور الآسر لشخصيته المحبوبة , لعب الدكتور الخير دورا بارزا ومحوريا في نشاطات حزبه السياسية والثقافية والفكرية . وبعد اعتقال أعضاء القيادة التاريخية للحزب خلال العامين1981ـ 1982, قدّر له أن يضطلع بالدور القيادي الأول في الحزب لأكثر من عشرة أعوام من النضال هي الفترة التي قضاها في الكفاح الديمقراطي متعقبا ومطاردا إلى حين اعتقاله في الأول من شباط/ فبراير 1992 بفضل تعاون أحد " المعارضين " مع أجهزة المخابرات . وبسبب دوره الفعال في فضح الممارسات القمعية للسلطة , والكفاح من أجل الديمقراطية , كرست المخابرات العسكرية السورية مجموعة " متخصصة " من ضباطها وعناصرها برئاسة المقدم عبد الكريم الديري وفرّغتها بشكل شبه كامل لتعقبه ومطاردته . وحين فشلت عدة مرات في اعتقاله , بفعل مواهبه التنظيمية واحتضان الناس له , لم تتورع عن اعتقال بعض إخوته وأقاربه أو ضربهم في الأماكن العامة بغرض الضغط عليه وابتزازه . فقد اعتدي على شقيقته( الأستاذة الجامعية سلمى) بالضرب وسط الشارع العام في مدينة اللاذقية , واعتقل شقيقه النقابي والأستاذ الجامعي هارون ,وشقيقته ندى , وابن عمه , وزوجته المدرسة منى صقر الأحمد التي اعتقلت ( وهي أم لطفل في السابعة من عمره آنذاك ) كـ " رهينة " لأكثر من أربع سنوات ( آب/أغسطس 1987 ـ كانون الأول / ديسمبر 1991 ) , حيث أطلق سراحها بسبب وضعها الصحي السيئ .عبد العزيز الخير : "الإنسان الكامل"حين نتذكر مقولة الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر عن " الإنسان الكامل" , فإن عبد العزيز الخير سيكون بالتأكيد واحدا من أولئك الناس القلائل الذين يستحضرهم المرء إلى مخيلته . فعلى مدى تجاوز الثلاثين عاما من حياته العملية , قبل السجن وبعده وأثناء ملاحقته , كان وسيبقى من الصعب الفصل بين ما هو خاص وما هو عام في همومه . فمنذ أواسط السبعينيات , وفيما انصرف معظم أبناء جيله من الأطباء لملاحقة همومهم الخاصة والتفكير باجتراح أقصر الطرق للحصول على الثروة وتسلق سلم التراتبية الاجتماعية في مجتمع شوهت الديكتاتورية قيمه الأخلاقية وبات ينظر بعين الإجلال لبعض المهن وعلى رأسها مهنة الطب لما تدره من ثروة , وبعين الاحتقار لمهن أخرى , لم تكن مهنة الطبيب تعني أي شيء لعبد العزيز الخير سوى السهر على راحة الناس وتخفيف آلامهم , وفي معظم الأحيان دون أي مقابل .خلال الأحد عشر عاما التي قضاها مطاردا وملاحقا من قبل واحد من أشد الأجهزة الأمنية شراسة ووحشية في العالم , المخابرات العسكرية السورية , ورغم أن هاجس الاعتقال والوقوع في قبضة هذا الجهاز الدموي كان يخيم على مدار يومه الكامل , لم يكن يتورع عن المجازفة ليلا أو نهارا في الذهاب لمعاينة المرضى من الأصدقاء والمعارف حتى في الأحياء البعيدة عن مكان تخفّيه . وبعد اعتقاله قدر له أن يكون في واحد من أكبر السجون والمعتقلات السورية ـ سجن صيدنايا العسكري المصمم كي يتسع لحوالي ثلاثة آلاف معتقل . وبالنظر للانعدام شبه الكامل في الخدمات الطبية التي تقدمها سلطات السجون للمعتقلين , فقد ترتب على الأطباء من المعتقلين السياسيين , وخصوصا عبد العزيز الخير , القيام بجهود خاصة واستثنائية للعناية بالمرضى من زملائهم . وبعد إطلاق سراح الأطباء , واعتبارا من أواسط التسعينيات , أصبح الدكتور عبد العزيز الخير الطبيب الوحيد في سجن يضم أكثر من 750 معتقل سياسي , الأمر الذي ألقى على عاتقه أعباء الخدمة الطبية لهؤلاء جميعا . عن هذه الأعباء المضنية , وعن الاندفاع غير العادي لعبد العزيز الخير للقيام بهذه الأعباء , يقول الزميل نزار نيوف الذي عرفه في السجن عن قرب وتمكن من رسم بورتريه له وتهريبه إلى الخارج , وهو الصورة الوحيدة لعبد العزيز الخير منذ تخفيه في العام 1981 :" رغم أنني كنت أعرفه سماعا قبل عشر سنوات على اعتقالنا , إلا أنه لم يتسن لي الالتقاء به وجها لوجه إلا بعد تسعة أشهر على هذا الاعتقال , أي مساء 5 شباط / فبراير1993 حين استدعوه إسعافيا إلى زنزانتي الانفرادية في الجناح ج / أيسر من الطابق الأول , قبل نقلي إلى سجن تدمر الصحراوي ببضع ساعات . وبعد سبع سنوات ونصف على هذه الواقعة , أي في 13 أيلول / سبتمبر 2000 , تمت إعادتي مجددا إلى هذا السجن بعد إغلاق سجن المزة العسكري. ونظرا لأنه الطبيب الوحيد في سجن صيدنايا , فقد كان المعتقل الوحيد الذي سمح له بزيارتي في زنزانتي الانفرادية . وخلال الأشهر السبعة التي قضيتها في هذا السجن قبل إطلاق سراحي في 6 أيار/ مايو 2001 , قدر لي أن أكون شاهدا على واحدة من أنبل ملاحم التضحية ونكران الذات التي يمكن للمرء أن يشهدها خلال حياته (...) لا أذكر أنه كان يمضي يوم دون أن يسمع المعتقلون طرقات استغاثة قادمة من أحد المهاجع عند الفجر . وكان الجميع يعرف أن إدارة السجن ستوقظ عبد العزيز الخير في هذه الساعة من الليل من أجل الخدمة الإسعافية الطبية . وبالنظر لأنه ليس طبيبا رسميا للسجن , فقد كان بإمكانه رفض ذلك . إلا أنه ما تأخر يوما من الأيام عن القيام بواجبه الإنساني النبيل (...) . وفي مرحلة من المراحل استطاع أن يقنع إدارة السجن بتحويل إحدى الزنازين الشاغرة المجاورة لزنزانته إلى "عيادة ميدانية " يزورها المعتقلون وفق جدول منتظم , فضلا عن الحالات الاسعافية . وقد زود هذه العيادة بتجهيزات كان معظمها من تصميمه وتصنيعه أو تصنيع رفاقه في الحزب , لا سيما المهندس نزار مرادني . وبالأدوات الجراحية البسيطة التي استقدمها من منزله , استطاع أن يجري عمليات جراحية عديدة , وعمليات إسعافية في منتهى الخطورة . صحيح أنها كانت صغرى بحكم الإمكانيات المتوفرة , إلا أنها أنقذت الكثيرين من موت محتم أو عاهة دائمة . غير أن " الأهم" من هذا كله , وهو ما سيتذكره المعتقلون طوال حيواتهم , هو ذلك النبل والشهامة والتواضع الذي لا يفارقه لحظة واحدة , حتى في ذروة آلام عموده الفقري الناجمة عن التعذيب الوحشي الذي تعرض له في فرع المخابرات العسكرية 235 (...) وكنت ألاحظ في كل مرة أراه أن علامات الإرهاق تتزايد على جسده , وأن شحوب الوجه الذي يسببه التعب والاستيقاظ المتكرر بشكل شبه يومي في منتصف الليل وعند الفجر , والسهر على العناية بالمرضى في ظل عدم وجود الأدوية والتجهيزات الطبية الضرورية , قد أصبح علامة فارقة لا تكاد تبارح محياه (...) وإذا كان لا بد لنا من تكثيف شخصيته بعبارة واحدة , فلن نعثر على تعبير أكثر دقة وصدقا من مفهوم " الإنسان الكامل " الذي أبدعه سارتر في سياق حديثه عن شخصية" القديس الأحمر" تشي غيفارا" . عبد العزيز الخير : الكاتب والصحفي و .." مؤرخ أعراس الديكتاتورية" !أجبر القمع , وبالتالي الكفاح السري , عددا كبيرا من الكتاب والصحفيين الموهوبين في سورية , كما في بلدان أخرى كثيرة , على التخلي عن أسمائهم الحقيقية لصالح أسماء مستعارة , خصوصا منهم أولئك الذين كرسوا جهودهم للمؤلفات والأدبيات الحزبية . وريثما ينتهي الوضع السياسي الشاذ , وتنتقل سورية من حكم التسلط إلى الديمقراطية , سيكون من العسير جدا على أي شخص ,باستثناء الكاتب نفسه , وبعض زملائه محدودي العدد , التحقق من الشخصيات الحقيقية التي تقف وراء هذا النص أو ذاك . ولعله أمر مخز ومجلبة للعار , وتعبير عن ذهنية بليدة , أن معظم المنظمات الدولية المعنية بالدفاع عن حرية الصحافة والتعبير قد أسقط من حسابه هذه الظاهرة حين وضع معاييره في تصنيف الكتاب والصحفيين . وهذا ما اصطدمنا به في نقاشنا مع عدد من هذه المنظمات بشأن قضية عبد العزيز الخير , حيث رفضت هذه المنظمات تبني قضيته ككاتب وصحفي , في الوقت الذي تبنت فيه , ونحن متأكدون من ذلك بالأسماء والوقائع , قضايا مصوري أفلام دعارة (بورنوغرافرز) اعتقلوا في بلدانهم لأسباب جنائية تتعلق بتسويق فتيات قاصرات من روسيا البيضاء وبلدان أخرى في" سوق الرق الأبيض" الأوربي , وهو ما سيكشف عنه التقرير السنوي لمنظمتنا في أيار/ مايو القادم.قام عبد العزيز الخير بمهمة رئيس تحرير صحيفة النداء الشعبي خلال الفترة 1981 ـ 1984 . وفي ظل إشرافه عليها, ورغم أنها كانت صحيفة سرية , تحولت إلى أكثر الصحف السورية شعبية وطباعة وتوزيعا , بسبب حساسية وسخونة الموضوعات التي كانت تعالجها وعلاقتها بالحياة والهموم اليومية للمواطنين السوريين . ومنذ التاريخ المذكور وحتى اعتقاله ,كان الدكتور الخير عضو هيئة تحرير صحيفة الراية الحمراء التي وصل عدد نسخها الموزعة أواسط الثمانينيات إلى ما يزيد عن سبعة آلاف نسخة من كل عدد , وعضو هيئة تحرير مجلة الشيوعي الفكرية ـ النظرية التي لعبت دورا مهما في طرح ومناقشة العديد من القضايا التي لم تكن مطبوعة سورية أخرى تتجرأ على الاقتراب منها , إما لأسباب أيديولوجية أو لأسباب أمنية , أو لكليهما معا . وكان من اللافت أن هذه المجلة قد فتحت أبوابها لجميع المثقفين السوريين دون أدنى اعتبار لانتماءاتهم السياسية والأيديولوجية . وبعد أن تمكنت السلطة من اعتقال معظم الكوادر الثقافية والفكرية في الحزب أواسط الثمانينيات , أصبح القيام بالإشراف على هذه المطبوعات الثلاث ملقى على الدكتور الخير وحده تقريبا . خلال عمله في هذه المطبوعات , وعلى مدى أكثر من أحد عشر عاما , كتب عبد العزيز الخيّر مئات المقالات والتحقيقات والتقارير الصحفية والأبحاث الفكرية , فضلا عن مساهمته في تحرير أعداد كبيرة من الكراسات السياسية والنظرية . ويؤكد العديد من رفاقه الذين استطلعت المنظمة آراءهم على" أن كتاباته امتازت بالحيوية والجرأة والعمق وجدة الطرح والحرفية العالية التي يفتقدها محررون كثر حتى في أعرق الصحف" . ولعل الأكثر شهرة من بين ما كتبه هو " الكتاب الأسود " الذي أعده أواسط الثمانينيات وأصبح مرجعا أساسيا للعديد من المنظمات الدولية في قضايا القمع والإرهاب التي تمارسها السلطات السورية ضد معارضيها , فضلا عن بيانه الشهير " عرس الديكتاتورية " الذي كتب ووزع على خلفية الاستفتاء على رئاسة الرئيس الراحل حافظ الأسد في تشرين الثاني / نوفمبر 1991 . وكان هذا البيان أحد الأسباب الأساسية التي دعت محكمة أمن الدولة إلى أن توجه له تهمة " نشر معلومات كاذبة من شأنها زعزعة ثقة الجماهير بالثورة والنظام الاشتراكي " ! ومن المعلوم أن سورية شهدت في ذلك الشهر حملة " تجييش هستيرية " لا سابق ولا لاحق لها لإجبار الناس على المشاركة في المسيرات ليلا نهارا "تعبيرا عن حبها وولائها لقائد الأمة حافظ الأسد " . وقدرت دوائر مقربة من وزارة الداخلية السورية أن عدد الأوراق التي وجدت في " صناديق الاستفتاء" فاق الـ 62 مليون ورقة , أي ما يتجاوز عدد مواطني سورية الأحياء والأموات منذ مطلع القرن التاسع عشر!عبد العزيز الخير : رهينة الحقد الديني والسياسيفي تشرين الثاني / نوفمبر من العام 2001 أطلق النظام السوري آخر ثمانية معتقلين من " حزب العمل الشيوعي " , بحيث لم يبق معتقلا على ذمة هذا الحزب سوى الدكتور الخيّر وحده . ورغم المناشدات العديدة التي وجهتها منظمات إقليمية ودولية لإطلاق سراحه , ما يزال النظام السوري يصمّ أذنيه عن سماعها , ويضرب بها عرض الحائط . ومن الواضح أن هناك سببين أساسيين يفسران هذا التعنت الرسمي الأرعن وإصراره على الإبقاء عليه معتقلا في الوقت الذي أطلق فيه جميع رفاقه , أولاهما تحدّر الدكتور الخيّر من الطائفة العلوية , وثانيهما بيانه الشهير " عرس الديكتاتورية " . فمن المعروف أن الدكتور عبد العزيز ينحدر من عائلة " الخيّر" وهي من إحدى أكبر الأسر في هذه الطائفة , إن لم تكن أكبرها وأكثرها حضورا على صعيد المكانة الاجتماعية والدينية . وهو فضلا عن ذلك ابن بلدة القرداحة التي تنتمي إليها أسرة الأسد . وقد جرت سياسة النظام خلال العقود الثلاثة الماضية وفق عرف يقول بأن عقوبة " العلوي المعارض " يجب أن تكون أشد من عقوبة من ينحدر من طائفة أخرى , لأن الأصل في منطق هذا النظام هو" ولاء العلوي للسلطة وليس معارضتها " ! هذا في حين يرى النظام أن عبد العزيز الخيّر تجاوز في بيانه " عرس الديكتاتورية " جميع الخطوط الحمر التي وضعت حول شخصية الرئيس الراحل حافظ الأسد و " قدسية " هذه الشخصية !عبد العزيز الخير : جرح الحرية النازف منذ أحد عشر عامااليوم , الأول من شباط / فبراير 2003 , يكون قد مضى [ثلاثة عشر عاما ] على اعتقال عبد العزيز الخيّر . وفي هذه المناسبة المؤلمة لضمير كل مناضل من أجل حقوق الإنسان وحرية الرأي في العالم , تتوجه المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير بندائها الحار إلى جميع المنظمات المحلية والإقليمية والدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير , مناشدة إياها جميعا المشاركة الفعالة في حملتها من أجل الضغط على النظام السوري لإطلاق سراحه دون قيد أو شرط . فقد آن الأوان لواحد من أعمق جروح الحرية في تاريخ سورية أن يتوقف بعد أحد عشر عاما من طعنة الديكتاتورية الغادرة !الحرية لعبد العزيز الخير وكافة معتقلي الرأي في سجون النظام الشمولي في سورية , وفي مقدمتهم الكاتبان والصحفيان : عارف دليلة ، حبيب عيسى .

كما لو نُودي بشاعرٍ أن انهض: محمود درويش


كما لو نُودي بشاعرٍ أن انهض: محمود درويش
على أربعة أحرف يقوم اسمُك واسمي، لا على خمسة. لأن حرف الميم الثاني قطعة غيار قد نحتاج اليها أثناء السير على الطرق الوعرة.في عامٍ واحد وُلدنا، مع فارق طفيف في الساعات وفي الجهات. وُلدنا لنتدرّب على اللعب البريء بالكلمات. ولم نكترث للموت الذي تَدقّه النساء الجميلات، كحبة جوز، بكعوب أحذيتهن العالية.عالياً، عالياً كان كُل شيء... عالياً كالأزرق على جبال الساحل السوري، وكما يتسلق العشب الانتهازي أسوار السلطان، تسلقنا أقواس قُزحٍ، لنكتب بألوانها أسماء ما نحب من الأشياء الصغيرة والكبيرة:يداً تحلب ثدي الغزالة،مجداً لزارعي الخسّ في الأحواض، شغف الإسكافي بلمس قدم الأميرة، ومصائد أخرى لجمهور مطرود من المسرح.لم ننكسر بدويٍ هائل كما يحدث في التراجيديات الكبرى، بل كأشعة شمس على صخور مدَببة لم يُسفك عليها دم من قبل، لكنها أخذت لون النبيذ الفاسد، ولم نصرخ، هناك، لأن لا أحد، هناك، ليسمع: أو يشهد.دلتني عليك تلك الضوضاء التي أحدثتها نملة بين الخليج والمحيط، حين نجت من المذلة، واعتلت مئذنة لتؤذن في الناس بالأمل،ودلتك عليّ سخرية مماثلة!ولما التقينا عرفتك من سُعالك، إذ سبق لي أن حفظته من ايقاع شعرك الأول، يُفزع القطط النائمة في أزقة دمشق العتيقة، ويبعثر رائحة الياسمين.لم يكن لنا ماضٍ ذهبي على أهبة العودة، كما يدّعي رواد المقهى الخائفون من القبض على قرون الحاضر الهائج كالكبش، ولا غد أكيد، خلفنا، كما يدعي رواد الشعر الخالي من الملح، المتخم بفراغ المطلق.لم نبحث إلا عن الحاضر.ولكننا، من فرط ما أُهنّا، بشرنا بالقيامة بصوت مرتفع، أثار علينا غضب الملائكة المنذورين لصيانة اللغة الصافية من غبار الأرض، والباحثين عن الشعر الصافي في جناح بعوضة.ودُعينا، في غرف التشريح معقمة الهواء والكلام، الى بتر المفردات كثيرة الاستعمال. وسرعان سرعان ما علاها الصدأ من قلة الاستعمال، وفي أولها: الحياة... ومشتقاتها.لكننا آثرنا أن نخاصم الملائكة.ممدوح، لا أطيق سماع اسمك الآن، لأنه يذكرني بما ينقصني من رغبةٍ في الضحك معك على عورة بردى المكشوفة كأسرارنا القومية. ولأنه يُذكرني بمدى حاجتي الى استراحة من الركض آناء النوم، بحثاً عن حلم مسروق، أراه واضحاً وأحاور السارق. ويذكرني اسمك بما أنا فيه من طقطقة كأني حبّة بلوط في موقد الفقير ليلة العيد.لهذا، اكتب اسمك ولا ألفظه، ففي الكتابة يتموج اسمك على ماء الحضور. وفي الكلام أسمع وحش الغياب يطاردني من حرف الى حرف، ليفترس الشلو الأخير من قلبي الجائع الى هجائك المادح.ممدوح! ماذا فعلت بك وبنا؟ فلم نعد نحزن من تساقط شعرك المبلل بالزيت، فإنك تستعيده الآن من عشب الأرض. ولكن، في أية ريح أخفيت عنا سعالك، فلم يعد في غيابك متسع لغياب آخر.لا لأن حروف اسمك هي حروف اسمي، لا أتبين من منا هو الغائب، بل لأن الحياة التي آلفت بين ثعلبين ماكرين لم تمنحنا الوقت الكافي لنقول لها كم أحببناها، وكم أحببنا فجورها وتقواها... فتركت ثعلباً منا بلا صاحب.لا جلجامش ولا انكيدو. ولا الخلود هو المبتغى ولا قوة الثور. فنحن الخفيفان الهشان، كواقعنا هذا، لم نطلب أكثر من وقت اضافي لنلعب بالكلمات لعباً غير بريء، هذه المرة، أو لنورث ما لم نقله بعد من لم يقل بعد. ولنجعل من الشعر مزاحاً مستحباً مع العدم. لكن حرف الميم الثاني في اسمك واسمي ظلَّ قطعة غيار لا تنفع.ممدوح! هذا هو وقت الزفاف الفاحش بين الرعد والصحراء، شرق الشمال، لإنجاب الكمأ اعجازي التكوين. صف لي ولادة الكمأة أصف لك عجزي عن وصف القصيدة، فانظر شرق الشمال!هي حسرة التعريف، أنين الرمل على الشاطئ حيث يرفع القمر، بأصابعه الفضية، سروال البحر وقت الجزر، ويرش علينا قصيدة حب، إباحية التصوف.فاغضض من صوتك، لا من بصرك، وانظر. فمنذ ولادة اللغز الكوني، والشعر مختبئ في أشد المواقع انكشافاً. ويظهر جلياً جلياً في اللامرئي من سماء مسقوفة بكفاءة الغيب.كل الأزهار شريفة حيث تترك لحالها، ما عدا القرنفلات الحمر التي يضعها الجنرالات، ما بين وسامٍ ونجمة، على بزة سوداء أو كحلية... لخداع أرامل الشهداء.وكل اليمامات نظيفة، حتى لو بالت على شرفاتنا والوسائد، ما عدا اليمامات التي يدربها الغزاة والطغاة معاً، وعلى حدة، على الطيران الرسمي في أعياد ميلادهم، وفي مناسبات وطنية أقل أهمية.الآن، لا أتذكر شيئاً منك. فالذكرى تلي الحرب والموت والزلزال. وأنت، ما زلت معي تكتب هذه المرثية، على هذه الورقة البيضاء، في هذا الليل البارد... أو نكتبها معاً لشاعر محبط. فلعلها لا تعجبه فيتوقف عن اغتيال نفسه، الى أن يقوم غيرنا بكتابة مرثية أفضل، لا تعجبه هي أيضاً، فينتظر غيرها ويحيا أكثر.كما لو نُودي بشاعرٍ أن انهض من هذا الألم.وأنسى الآن، لتبقى معي، أكثر من غلسٍ لم يدركنا ولم ندركه قبل أن تُفرغ آخر كرم عنبٍ مقطر في كأسك التي لا تخلو أبداً إلا لتنكسر، أيها العاصر الماهر!ليس هذا مجازاً، بل هو أسلوب ليلٍ لا يصلح إلا ضيفاً، وأنت المضيف الباذخ. وإن افتأت عليك، كصديقٍ حامض القلب، عاملته بالحسنى وأرقت عليه حليب الفجر.لكني لا أنسى ضحكتك التي تشبه شجرة زنزلخت مبحوحة الأغصان، عاليةً وعريضة، لا تاريخ لها منذ صار التاريخ قهقهة عابثة. ومنذ عادت الجرار الى حفظ الصدى، كالزيت، خوفاً عليه من آثار الشمس الجانبية.كم حيَّرني فيك انشقاق طاقاتك الإبداعية عن مسار التخصص، كعازفٍ يحتار في أية آلة موسيقية يتلألأ. لم أقل لك ان واحداً منك يكفي لتكون عشيرة نحل تمنح العسل السوري مذاق المتعة الحارق. بحثت عن الفريد في الكثير، من دون أن تعلم أن الفريد هو أنت. وأنت أمامك بين يديك. ألا ترى اليك، أم وجدت نفسك أصفى في تعددها، يا صديقي المفرط في التشظي ككوكبٍ يتكون.فصصت الثوم للقصيدة لتحمي شرايينها من التصلب. فالشعر، كالجسد، في حاجة هو أيضاً الى عناية طبية، والى فصادٍ كلما أُصيب الدم بالتلوث. آه، من التلوث الذي جعل الإيقاع نشازاً، واستبدل حفيف الشجر بموسيقى الحجر، واعتبر الحياة عبئاً على الاستعارة!لكن هذا لم يهمك. لأن الحياة لا تُوهب لتعرف أو تعرض للنقاش، بل لتُعاش... وتعاش بكاملها، وتُلتهم كقطعة حلوى إلهية، أو شفتين ناضجتي الكرز. وقد عشتها كما شئت أنت، لا كما هي شاءت. أحببتها فأحبتك. وشاكست ما يجعلها أحد أسماء الموت، في عصر القتل المعولم الذي يمنح القتلى قسطاً من الحياة لا لشيء... الا لينجبوا قتلى.يا ابن الحياة الحر، أيها المدافع عن جمال الوردة العفوي، وحرية العشاق في العناق على مرأى من كهان الطهارة اللوطيين! من بعدك سيسخر ممن يتقنون تسمية الآلهة، ولا يقوون على تسمية الضحايا؟ يأنفون من الانتباه الى دم مسفوك على طريق المعراج، ويسرفون في التحديق الى غيمة عابرة في سماء طروادة، لأن الدم قد يلطخ نقاء الحداثة المتخيلة، ولأن الغيم سرمدي الدلالات. لعلهم على حق، ما دامت هزائمنا تستدعي تطوير النقد الى هذا الحد!لكن هذا أيضاً لا يهمك، أيها المتعالي على التعالي، أيها العالي من فرط ما انحنيت بانضباط جنديٍ أمام سنبلة، ونظرت، حزيناً غاضباً، الى أحذية الفقراء المثقوبة، فانحزت الى طريقها الممتلئ بغبار الشرف. الشرف؟ يسألك المترجم: ما معنى هذه الكلمة؟ فلم أجدها في الطبعات الجديدة من المعاجم.ممدوح، يا صديقي، لماذا كما يفعل الطرخون خانك وخاننا قلبك؟ لماذا لم تعلم كم نحبك؟ لماذا تمضي وتتركني ناقصاً؟ لماذا... لماذا؟ألقى الشاعر محمود درويش هذا النص في أربعين الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان، في احتفال اقيم مساء أمس في دمشق، بدعوة من وزارتي الإعلام والثقافة في سورية وعائلة الفقيد. وتحدّث في الاحتفال: الشعراء محمد الماغوط وأحمد عبدالمعطي حجازي ونزيه أبو عفش وعادل محمود، الناقدة عبلة الرويني، الصحافي طلال سلمان، المفكر صادق جلال العظم ووزير الثقافة السوري محمود السيد.
"الحياة"

أنا لقمان ديركي اصنعوا لي تمثالاً

أنا لقمان ديركي اصنعوا لي تمثالاً
أنا لقمان ديركي من شعراء الثمانينات في سوريا ، ولكن هذا الأمر غير مهم أمام إنجازاتي الأهم وسأورد بعضاً منها :شاهدت وبشكل شبه
يومي المطرب عصمت رشيد على شاشة التلفزيون العربي السوري وهو يغني بالمصرية(ليه بتشكي من الدنيا يا ورد ليه دمعك يجري على الخد ) ومع ذلك بقي شعري محافظاً على لونه الأصلي حتى الآن ، كما شاهدت الأغاني الكاملة لعبد الكافي أحمد وتابعت المسيرة الفنية لسمير سمرة من رائعته ( وحبيبي شكله حلو روحوا عنه واسألوا برجه برج الدلو )إلى رائعته ( حقي عليك حقك عليّ ) ولم تهر شعرة واحدة من رأسي ، كما قرأت الأعمال الكاملة لعلي عقلة عرسان من شعر ومسرح ودراسات ، وتابعت قصص حسن حميد المختص بالبالغين و صبحي سعيد المختص بالأطفال ، ولم تفتني قصائد عيسى أيوب في غمرة انهماكي بأدب صبحي سعيد ، وربيت نظري على مسبحة عيسى مسوحوسمعي على أغاني فريد اسكندر ، وبقيت حيّاً .أنا الذي شاهدت (والأصح شاهد ) يوسف الصيداوي كل يوم بعد الأخبار وبالطبع كنت قبله قد شاهدت الأخبار ، أنا الذي شاهد مهران يوسف وهو يبهدل المتسابقين ويضربهم على أيديهم عندما يحاولون الغش ، ورضيت بقسمتي صباح كل جمعة مع منير الجبان ، بل وحاولت تقليده في سف كميات كبيرة من حبة البركة التي كما قال بأنها تشفي من كل الأمراض ، وأنا نفسي شاهدت هيام أبي سمرة تقول وهي تعرض مباراة من الدوري السوري :ننتقل بكم إلى استوكهولم لنقل وقائع مباراة بين فريقي الجيش والحرية ، وها أنا بينكم ولم أذهب إالى السويد .أنا الذي قرأت رواية مسلسلة لسليم عبود على صفحات ملحق الثورة الثقافي ، وطلبت طيلة عمري الأغاني التي أفضّل من شخص واحد هو ( أم عمار ) ، كما تسمرت أمام الشاشة وتابعت بقلب مرتجف علاء الدين الأيوبي وهو يحقق مع المجرمين ، وما زلت حراًطليقاً ، وانا نفسي كنت أقلب على القناة الثانية لأمتع نظري بإطلالة يحيى العريضي الإنكليزية .أنا الذي قرأت لنهاد الغادري وعماد فوزي الشعيبي ونبيه البرجي وسمعت أشعار عمر الفرا .أنا الذي سمعت عدنان بوظو يصرخ (كول لسوريا الأسد ) ورزحت تحت كلمات وجيه شويكي السوري الية لمدة عشرين عاماً وما زلت حياً .أنا الذي أضطر لسماع أسماء مثل ( مروان ناصح وعصام خليل ) ولا أجرؤ على قول ( من هؤلاء ) كي لا أتهم بالجهل ، أنا الذي سمعت وشاهدت الثلاثي الديني (مروان شيخو ومحمد سعيد رمضان البوطي ومحمد كفتارو ) يتملقون الله والقيادة السياسية بآن معاً وبقيت عاقلاً .أنا لقمان ديركي الذي بقي حياً على الرغم (مما قرأ وسمع وشاهد ) ، فهل ألجأ للغرب كي أفوز بجائزة نوبل التي يعطونها للحمير الأكثر قدرة على الصبر والتحمل ، وانا أعرف أنكم ستخوّنونني وتتهمونني بالعمالة للغرب ، أم توفروا على بلدنا الحبيب خائناً إضافياً وتصنعون تمثالاً لي وتنصبونه في إحدى ساحات دمشق أسوة بيوسف العظمة جدي السوري الذي لم يدخل العدو الفرنسي إلى دمشق إلا على جثته ، تماماً كما دخل كل هؤلاء وغيرهم إلى الإعلام السوري على جثتي .لقمان ديركيwww.lukmanderky.ulworld.com
مرآة سورية

نحن سوريون وهو أدونيس.. أخذ ورد مع تيارات أدونيس: لؤي حسين

نحن سوريون وهو أدونيس.. أخذ ورد مع تيارات أدونيس: لؤي حسين

ليس مطلوبا من شخص أو شاعر أن يكون مع المعارضة أو مع الحكم، ولا يعيبه أن يكون على مسافة غير متساوية منهما، فكلاهما سلطة. لذا فالاصطفاف بينهما هو فعل في السياسة، وليس على كل شاعر أو شخص أن يكون سياسيا أو فاعلا في السياسة أو يكون له موقف من صراع قائم في الميدان السياسي.
لكن بالمقابل يُفترض بالمثقف أن يكون مع الإنسان، ليس الإنسان المطلق بل الإنسان المحدد بزمان ومكان وثقافة وجماعة ووطن. مثل إنسان يعيش بين مدينتي طرطوس وبانياس في سنة 2004، وإنسان آخر جاره، وآخر جار جاره ليكونوا مئات أو ألوفا. بعضهم لا يملك من تراب الوطن السوري أكثر من بضعة عشرات من الأمتار لا تصلح لشيء إلا لوقوف شاعر عليها، في طريق سفره من بيروت إلى قصّابين، ويتأمل البحر. فإن يقيم هذا الإنسان، أو جيرانه، بيتا بلاستيكيا للزراعة المحمية يعيش منه ونأكل من إنتاجه برغبتنا وقبولنا، إذ لا خضار في الشتاء إلا من زراعة محمية، إن فعل هذا الإنسان ذلك سيعتبره شاعرنا المسافر أنه يهزأ بالأرض وسيصعد إلى منبر جريدة ليهزأ منه ومن جيرانه أصحاب "جيوش" "«الغزو» الفاتك الذي يُسَرْطنُ قلب هذه الأرض – الأمّ"، بل أنهم مجرمون حقيقيون "لو استطاعوا أن يلتهموا الأرض بما عليها ومن عليها، لما ترددوا" "هكذا حرفيا". كل هذا لأنهم حدّثوا أسلوبا قديما في الزراعة, أسلوبا نشأ عليه أدونيس، فاعتبرهم أجرموا بتغييرهم مشهدياته التي يحبها، فلم يعد يرى جمالا في هذه القرى إذ تشابهت مع المدن التي لا تملك جمال بريّاته. فكيف لهم أن يستحدثوا أساليب عيشٍ مشروعة دون مراعاة حساسيات أدونيس البريّة.
من يعلن نفسه مدافعا عن الحيوان أو بعضه يمتنع عن ارتداء ملابس مصنوعة من جلده أو منه، وربما يغالي البعض ويمتنع عن أكل اللحوم رأفة بالحيوان أو قرفا من زنخة طعمه. لكن أدونيس يأكل من نتاج البيوت البلاستيكية التي يعتبرها "باختصارٍ، فنّ قتل الطبيعة" وهي "تدبيرٌ خاصٌّ ليس إلاّ نوعاً من الفن في قتل الإنسان نفسه قتلاً بطيئاً". يأكلها رغم أنه كاد يسمع عند مروره بها "شهقات الحقول" وكاد يرى "الشجر يبكي"، يأكلها في الوقت الذي يمكنه ألا يفعل ويكتفي بما تنتجه أو تخبئه ضيعته قصابين للشتاء.
ليس مزارعو ما بين طرطوس وبانياس وحدهم الذين يسممون الطبيعة ويخنقون البيئة، حسب المقال، بل كذلك "أولو الأمر، وأعوانهم المثقفون" وجميع ذكور مدينة جبلة ما عدا خمسة أسماء وثلاث نقاط من جمعية العاديات. أما نساؤها فبريئات من إثم التخريب والتشويه والتوسيخ لكونهن، فقط، خارج دائرة الفعل. فدورهن يقتصر على إكمال المشهد الجمالي. فإن خرجن، أو أُخرجن، إلى الكورنيش شطرنه، كما الكون، إلى شمالي سفور وجنوبي محجب. حاملات بأزيائهن الجمال، يتستر حينا خلف الحجاب وحينا يسفر عن وجهه "الطالع من الشمال" تحمله "المرأة الوافدة من قرى الشمال" إذ "تحمل في جسدها الينابيع والجبال وكثيراً من خصائص الأودية والغابات. وتحمل تفتحات البراعم، وتحمل بهاء الفضاء، وشهوة الأرض". تحمل جمالا برّيا غير مشغول من قبلها أو من معاصريها من السوريين الذكور المخربين الخاربين. فقط الأسلاف يحق لهم التدخل في الطبيعة وجمال كورنيش جبلة الذي "لا يزال قريباً إلى الطبيعة، إضافةً إلى غناه التاريخي بمآثر الأسلاف وبقاياهم المحفورة في الصخر".
إنسان جبلة وما بين طرطوس وبانياس هو من نفس طينة إنسان النظام وإنسان المعارضة. هذه المعارضة التي لا تحظى باعتراف ولا باحترام أدونيس، فقط لأنها لا تطابق الصورة المغلوطة للمعارضة في ذهنه. فهو يرى أنه "لا يصحّ، في أي حال، أن تقوم المعارضة بممارسات تقوم بها السلطة التي تعارضها. ذلك أن أبسط المبادئ التي تقوم عليها المعارضة في أي مجتمع هي التفكير والسلوك بطرقٍ أكثر فاعليةً ونزاهةً وعدالةً في إدارة شؤون المجتمع، وفي احترام الإنسان وحقوقه - من أجل تحقيق حياة أكثر جمالاً، وأوسع حرية"، فإن قامت معارضة في بلد ما بممارسات مثل سلطاتها أو أسوأ منها فهي ليست معارضة، كما أنها ليست موالاة بالطبع، بل "امتداداً لأهل النظام - أعني طرفاً آخر في صراع المصالح والأغراض والمنافع". وكأن السياسة تقوم على الجمال والشعر وليس على المصالح والمنافع وتقاسم الثروات والنفوذ، وكأنها عمل في الأخلاق. كما أن التاريخ يرينا في تجاربه الكثير من المعارضات التي هي أسوأ من سلطاتها، حتى في الدول الاستبدادية. ومع هذا السوء يبقى اسمها معارضة، وهي ليست مجموع أفراد يمكننا، فقط، أن نعيب عليهم أفعالهم وأفكارهم، بل جماعات وفئات تصارع بالقوة، وليس بالأخلاق، لمصالحها أو لمصالح من تمثلهم من الجماعات كما من الأفراد.
ربما يخطئ الشخص في سَوق المحاكمات وقراءات التاريخ، وربما يغضب أو يستثار فيقول ما تمليه عليه أناه المخدوشة. هذا رد فعل الشخص، أما الشاعر، وخاصة بمثل قامة أدونيس، فغير مقبول أن يكون رد فعله بهذا الحجم وبهذا العسف على اتهام مبهم وأن يعتبره "أشدّ هَوْلاً، وأكثر استهتاراً بالإنسان وحقوقه من السجن نفسه. ذلك أن السجن قيدٌ ماديّ محدود، في حين أن هذا الاتهام نوعٌ من «الحصار»، بل إنه نوعٌ من القتل. أفلا تكون المعارضة في مثل هذه الحالة فاتكةً بالإنسان وحقوقه كمثل النظام، وربما أشد فتكاً؟" يطلق أدونيس هذا الحكم/الحكمة على مداءاتهما لمجرد أن شخصا مجهول الاسم والعنوان والهوية والجنسية والطول والجنس "وزّع بياناً في الانترنت يقوم على مبدأ «تَسويد» صفحة شخص معين اسمه أدونيس", ليحمّل المعارضة السورية (كلها) وهيئات الدفاع عن حقوق الإنسان مسؤولية التجني على شخصه.
حال المعارضة السورية وطباعها أسوأ مما ساقه أدونيس عليها بكثير. واعتراضي عليه ليس دفاعا عنها ولا سببه الحساسية التي تقوم بين كل مهاجر أو مغترب أو مبعد أو منفي وبين مستوطن أو مقيم أو ممنوع من السفر أو محبوس، بل لأن السبب الذي أثار أدونيس هو سبب واه، أكاد أراه ذريعة. فالبيان الذي يستند عليه أدونيس صادر عن (فرع المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير في سورية) وهي منظمة وهمية وزعته على أكثر من موقع على الانترنت، أحدها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وهذه موقعها مصر، وليس كما كتب أدونيس "الفرع السوري لمنظمة حقوق الإنسان (الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان - فرع «المنظمة» في سورية)". أدونيس لم يخطء بقراءة الأسماء والعناوين ولا بكتابتها …!! فلا أحد يخطئ في هذا. فالمنظمة التي أصدرت البيان ليس لها عنوان إلا موقع على الانترنت قيد الإنشاء تكلفته أقل من عشرة دولارات، وليس لها عنوان جغرافي أو هاتف أو صندوق بريد ولا أسماء القيّمين عليها، فيمكن، وهذا المرجح، أن يكون صاحبها شخص واحد مقيم في مدينة خارج سوريا, كباريس مثلا!!
أحيانا، وكثيرا، نقول ما أورده أدونيس متأخرا في بعض مقاطع مداراته هذه, فننتقد معارضتنا أو شعبنا أو حتى نظامنا ـ مع توكيدي على هذه الـ(نا) ـ ننسبهم إلينا أو ننسب أنفسنا إليهم، ونؤكد على انتمائنا لهم. هذا لأننا سوريون. أما هو فقد نظر إلينا من موقع أدونيس: أراد لنا أن نكون أفضل حالا وأن نتخلص من سوئنا، وأن نصلح زراعتنا وشواطئنا ومعارضتنا وسلطتنا وحجابنا، بعدئذ نتوجه إليه سافرين ليقبل انتمائنا إليه. هذا لأنه أدونيس.
كنت سأقبل, وما زلت، وكثيرين غيري، وربما جميع من سُجنوا في بلدي أن نعيش في باريس، أو غيرها، مُصَاني الحقوق المدنية على أن نُُسجن، حتى لو اتهمتنا معارضة ما بأبشع التهم، خاصة إذا كان رأينا فيها كرأي أدونيس بالمعارضة السورية. فنحن لم نجد, أن السجن عبارة عن "قيد مادي محدود", بل ذقنا فيه طعم المهانة والإذلال والضعف والحرمان والفشل والبرد والعذاب والانكسار وتهدم الأحلام (كلها بأل التعريف)، وبعده عرفنا الجوع والمنع من السفر ومن التجوال ومن العمل وكذلك من الشعر. السجن هو البدايات والنهايات ـ هو الأصول: أصل الألم وأصل الشوق، أصل الذل وأصل المَهان، لا يقرن بسواه ولا يقارن بغيره، هو العدم والخواء.
إن حقّ لي أن أستبطن مقال أدونيس لقرأت فيه: في زمن العولمة والعالمية على بعض الأوطان والشعوب أن تكون بدون شاعر عالمي، كما يحق لشاعر أن يتعولم بدون شعب أو وطن.
 كل العبارات والكلمات الواردة بين هذه الأقواس الصغيرة هي من مدارات أدونيس 13/1/2005
"الرأي / خاص"

من أجل سورية بدون تعذيب: "حملة وطنية"

من أجل سورية بدون تعذيب: "حملة وطنية"

نداء
إلى كافة الأفراد والهيئات والمنظمات المحلية والعربية والدولية المعنية بحقوق الإنسان وإلى وسائل الإعلام .
نناشدكم التضامن معنا في حملتنا من أجل منع التعذيب والممارسات التي تحطّ من الكرامة الإنسانية في السجون والمعتقلات السورية .
نظراً لأن أوضاع حقوق الإنسان في السجون ومراكز التوقيف العادية والسياسية منها ما تزال سيئة ، ومشينة , و لا يقبل بها إنسان ولا ضمير ولا دين ، وذلك بالرغم من تصديق سوريا على اتفاقية مناهضة كل أشكال التعذيب والممارسات التي تحط من الكرامة الإنسانية ونخص منها خمسة أمور رئيسية
1-التعذيب الجسدي بكل أشكاله و الإهانة المباشرة
2- الزج في أماكن قذرة واستخدام أدوات قذرة والحرمان من وسائل النظافة والطعام اللائق والهواء النظيف
3- الزج في زنزانات انفرادية لمدد طويلة
4- الحرمان من الزيارات
5- الحرمان من الكتب ومن وسائل الإعلام و من التواصل مع الخارج .
ولما كان هذا يتناقض مع كل القيم الإنسانية ومع شكل ومضمون وروح اتفاقية مناهضة التعذيب ومع الدستور ومع أنظمة السجون . نهيب بكم العمل من أجل وضع حد نهائي لمثل تلك الانتهاكات وإيجاد آلية تنفيذ فعلية ، وآلية مراقبة محايدة تتشكل من القضاء ورموز المجتمع المدني أو الأهلي لتتفقد السجون وتضع المسئولين والرأي العام بصورة ما يجري فيها
إننا ندعو الجميع للتضامن مع هذا المطلب القانوني الحقوقي الأخلاقي الحضاري الإنساني. والمطالبة بإلغاء ممارسة كل أشكال التعذيب في سوريا وسحب التحفظات السورية على اتفاقية مناهضة التعذيب , وإلغاء المواد القانونية في قانون إدارة المخابرات العامة وقانون قوى الأمن الداخلي وقانون الجيش التي تحمي مرتكبي التعذيب وتمنع تحريك الدعوى العامة بحق أفراد هذه الهيئات قبل الحصول على موافقة رؤسائهم .
ونأمل التضامن بكل الوسائل والأساليب السلمية ، ونخص منها استخدام المنابر الإعلامية أو التوقيع على العرائض المطلبية أو المساهمة في إرسال الرسائل أو في الإعتصامات . وبشكل خاص نهيب بكل ضحايا التعذيب توثيق قضاياهم و التقدم بدعاوى ضد من ارتكب هذه الجرائم ونحن نتطوع للمرافعة عنهم ومتابعة قضاياهم أمام القضاء.
ونأمل أن نحتفل معاً بتاريخ 1/7 /2005 ذكرى مرور سنة على تصديق اتفاقية مناهضة كل أشكال التعذيب والممارسات الحاطّة بالكرامة الإنسانية ، بإعلان سورية خالية من التعذيب .
حري بالحكومة السورية أن تحترم قانونها ، وحري بالإنسان السوري أن تحترم حقوقه وكرامته الإنسانية في كل الظروف والحالات ...
لجنة حملة ( من أجل سوريا بدون تعذيب )
المحامي أنور البني
حبيب ابراهيم ناشط ومعتقل سياسي سابق
حسيبة عبد الرحمن ناشطة ومعتقلة سياسية سابقة
المحامي طارق حوكان
المحامي عبد الرحيم غمازة عبد الصمد خلف ناشط ومعتقل سياسي سابق
عماد شيحة ناشط ومعتقل سابق
علي العبد الله كاتب ومعتقل سياسي سابق
الدكتور محمد كمال لبواني ناشط ومعتقل سابق

وما صلبوك ، ولكن شُبّهت لهم

٢٠٠٥-٠٢-٠١
وما صلبوك ، ولكن شُبّهت لهم !
نزار نيوف
الحوار المتمدن - العدد: 1096 - 2005 / 2 / 1
رسالة مفتوحة إلى عبد العزيز الخير في الذكرى الثالثة عشرة لمحاولة صلبه عزيزي أبا المجد ،في كل عام ، منذ أن غادرت زنزانتي الصغيرة إلى سجننا الكبير ، وحين يقترب الأول من شباط ، تجتاحني الحيرة ويجرفني التردد. فأنا لا أعرف إن كان عليّ أن أكتب إليك أم أكتب عنك !أن أكتب إليك ، يعني أن أكون واثقا من أن رسالتي ستصلك ؛ وأن أكتب عنك ، يعني أن أرضى بأن يشاركني الناس رغيف حميمياتنا الذي تقاسمناه ذات " عشاء أخير " . وأنا لست هكذا .... لست واثقا من وصول رسالتي إليك ، لأن عرّابي الموت وحراس الخوف والمقابر لمّا يزالوا يعسكرون على مداخل " سوق الحميدية " ويجوبون أرصفة " باب الجابية" .. بحثا عمّا تبقى من رائحة خطواتك التي قادتك على طريق الجلجلة ، وعمّا تبقى من وصيتك التي أرادوا لها أن تكون الأخيرة !.. ولست أرضى بأن يشاركني الناس رغيف حميمياتنا ، لأني " ضِِنّين " بهذا النوع من الكرم ، وغيور على من أحبهم .. يا عبد العزيز !لو اخترت أن أكتب إليك ، كنت سأقول في رسالتي إني خرجت من السجن الصغير إلى السجن الأكبر ؛ من السجن الذي يحاصرك مفردا بصيغة الجمع إلى السجن الذي يحاصرنا جمعا بصيغة المفرد ؛ وإني كنت أكثر حرية حين كنت لم أزل بجانبك !أعرف جيدا أنك ستتبرم من هذا العبث وتنكر عليّ هذه السوداوية حين تقف عند هذه الكلمات ؛ وكأني بك تقلص قوس حاجبيك وتطرق قليلا لتقول : من يصنع الحرية هم أولئك الذين يحبون الحياة . أما الذين تصالحوا مع عبوديتهم فوحدهم جديرون بها ! ولهذا كان عليّ أن أضيف : لم أكن أكثر حرية حين كنت إلى جانبك ، لأني استمرأت السجن وأريد العودة إليه ، ولكن لأني تركت جزءا من روحي عندك و .. عندكم ؛ ومحال أن تكون حرا حين يكون بعض روحك طليقا هنا .. وبعضها الآخر أسيرا هناك !لو اخترت أن أكتب إليك ، كنت سأخبرك في رسالتي إن أحوالنا لم تتغير كثيرا منذ ذلك المساء الحزين الذي صادف قبل ثلاث عشرة سنة من الآن ، حين قادوك على طريق الجلجلة وحاولوا صلبك ، بعد أن أخفقوا في اغتيال حريتك . فما تزال شرائع المماليك الجدد تكبل دمشق من رسغيها وتجرها من ضفائرها إلى مخادع العسس كلما هاجت ساديتهم وانفجرت نزواتهم. وما تزال ألوف الأمهات تلوب في دهاليز الأسئلة المختنقة ، وحول نيرانها المحرقة ، بحثا عن الأبناء الذين سقطوا صباح " ليلة الغدر " ، وقبيل قليل من حلول " ليلة القدر " في " مرايا الغياب" ، كما يقول صديقنا فرج بيرقدار ؛ أو الذين أسقطوا في مقابر تدمر الجماعية ، ومقبرة الدحداح ، قرب مضر الجندي ، كما أقول أنا !لو اخترت أن أكتب إليك ، كنت سأحدثك عن " ربيع دمشق" الذي ذبح براعمه فِرّيسيو " العهد الجديد " قبل أن تتفتح بتلاتها ، قربانا ليشوع " العهد القديم " الذي لم يزل يحكمنا من قبره ، وينفخ من ههناك في قرون الثيران الهائجة .. منذرا بالخراب ! .. وعن " ابن العم " رياض الترك الذي وقع شهادة موته حين ظن الآخرون أنه سيبقى حيا في دواخلنا ؛ فما كان من هؤلاء الفريسيين إلا أن صلبوا " ابن العم " مرة أخرى ، لتظل راحاب الدمشقية تحيض في جرن العمادة !عمّاذا كنت سأحدثك أيضا !؟كنت سأحدثك عن عشرات الألوف من أبناء سورية الذين نهشتهم أنياب الغربة وقد صارت وطنهم ، لأنهم أبوا أن يكون الوطن غربتهم !.. وكان بوسعي أن أضيف ، لو حدثتك عن هؤلاء ، وجلهم من أصدقائك ورفاق الدرب الذين حملتني في ذلك " العشاء الأخير " تحياتك وأشواقك لهم ، أني أصبحت واحدا منهم بعد أن تجاسرت على القول : يا للعار .. إن الملك عارٍ !.. وأن القيمين على إرث يشوع " الخالد" أعطوا تصريحا للوطن يسمح له بأن يفتح ذراعيه مرة أخرى لأبنائه هؤلاء ... شريطة أن يعودوا على متن نعوشهم ، كما عاد في الأمس القريب أحمد محفل ، وفي الأمس البعيد جميل حتمل ، أو كما لم يعد .. أكرم الحوراني ومصباح الغفري!عزيزي أبا المجد ،عن ذلك كله ، وغيره الكثير ..الكثير من كوابيسنا النهارية ، كنت سأحدثك لو اخترت أن أكتب إليك ، ولو كنت واثقا من أن رسالتي ستصلك . ولكن ماذا كان بوسعي أن أكتب لو اخترت الكتابة عنك !؟مرة أخرى كان سيأخذني التردد ، وتربكني الحيرة مما إذا كان أجدى أن أكتب عنك .. مناضلا ومقاتلا من أجل الحرية يعيد إلينا كبرياؤه بعض كرامتنا وإبائنا في زمن المهانة والإنهيار .. زمن نصّابي الديمقراطية " الوطنية" وقصّابي المجتمع المدني الذين يريدون أن يطعمونا كفتة مصنوعة من لحم الفطائس !؟ .. أم أكتب عنك ..طبيبا يعز على المعتقلين ، من فرط محبتهم له ، أن ينال حريته ، لأن في حريته عبوديتهم لغيلان الأمراض التي تفتك بهم !؟ .. أم أكتب عنك .. صحفيا منحتنا كلماته دفء الحقيقة حين داهمنا صقيع الرياء !؟ لو اخترت أن أكتب عنك مناضلا من أجل الحرية ، كنت سأحكي عن تلك اللحظة التي تساحقت فيها كؤوس الشمبانيا وتضاجعت في أيدي حراس الأقبية المتراصفة كالمقابر على جانبي " شارع المخابرات" من حي البرامكة الدمشقي ، احتفاء بما توهموه صعودك الأخير إلى الجلجلة ! وعن ذلك الإسخريوطي الذي أسكرته غبطة داهمته رغم انتظاره لها أحد عشر عاما ، فصاح وسط جموع الناس على جهازه الخليوي بعد أن باغتك من الخلف : لقد وقع العصفور في القفص يا سيدي !آه وآخ يا عبد العزيز كم يشعر المرء بالذل حين لا يجد مهربا من إعلان انتمائه لوطن يحتفي بصيد العصافير لقاء ثلاثين من فضة !أعرف أنك لا تحب هذا التفجع ، لأن المناضل فيك كان دوما يلوذ بالعقل ويستغيث بالإرادة حين تحاصره العواطف . وأعرف أنك ستقول لي : في كل وطن وطنان ، وطن يحتفي بصيد العصافير وقتلها ، وآخر يبني لها الأعشاش ويحتفي بغنائها . هذا وطننا وذاك وطنهم ! ندافع عن هذا ونخون ذاك ! سلام على هذا وطز في ذاك !الحق معك يا عزيزي ، فلو اخترت أن أكتب عنك طبيبا ، كنت سأقول إن إرادتك الحارة وعقلك البارد ، لم يخذلاك أبدا حين كانت تحاصرك رقة الإنسان فيك وقد فجرتها آهات الموجوعين ونظرات الاستغاثة في أعين المحتضرين ، لأنك كنت تدرك دوما أن برودة العقل وحرارة الإرادة وحدهما القادران على هزيمة الموت !أجل ، أيها العزيز ؛ هذا ما كنت سأقوله لو اخترت الكتابة عنك طبيبا . أما لو اخترت الكتابة عنك صحفيا ، فأول ما كنت سأقوله إنك كنت معرفة باسمك المستعار حين كان الآخرون نكرات بأسمائهم الحقيقية ؛ وإن الحقيقة ثكلت بغيابك ؛ وإن الشجاعة في قولها مفجوعة بهذا الغياب ؛ وإن صنّاجات الرياء أصبحت أكثر قدرة على الضجيج وصم الآذان في " عرس الديكتاتورية " (*) الذي ما انفك راقصوه يهرسون أعصابنا وما تبقى من أشلاء أرواحنا بصليل أحذيتهم في هذه الظلمة الحالكة التي أرخت سدولها على حيواتنا منذ أربعين دهرا .. ولم تزل !ليست هذه مرثية يا أبا المجد ، فالمراثي لا تكون إلا للموتى ، أما أنت فحيّا فينا ستبقى . وإذا كان جلادوك العفالقة قد توهموا بأنهم صلبوك ، فلأنهم كانوا دوما أكثر عماء في أبصارهم وبصائرهم من أن يروا الناس إلا أشباها ، فما أنت صلبت ، ولكن شبهت لهم!فسلاما للصلابة والكبرياء فيك .. مناضلاوسلاما للرحمة والرقة فيك .. طبيبا وإنساناوسلاما للحقيقة فيك ..كاتبا مرهفا وصحفيا شجاعاوسلاما لك في غيابك الحاضر فينا أبدا .. حتى مطلع الفجر !ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(*) ـ " عرس الديكتاتورية " : آخر ما كتبه عبد العزيز الخير قبل اعتقاله على مدخل " سوق الحميدية " في محلة " باب الجابية " من دمشق القديمة مساء الأول من شباط / فبراير 1992 ، بعد قرابة أحد عشر عاما من التخفي والمطاردة ، وقبل أن تصدر محكمة أمن الدولة شبه العسكرية حكما باعتقاله لمدة 22 عاما . أما " عرس الديكتاتورية " بحد ذاته ، فكان من أعمق وأجرأ ما كتب حول الاستفتاء على رئاسة حافظ الأسد أواخر تشرين الثاني / نوفمبر 1991 ، والذي ترافق بـ " أعراس" هستيرية من قبل أجهزة السلطة وزبانيتها وأذنابها من أحزاب ما يسمى بـ " الجبهة الوطنية التقدمية " التي ما تزال منذ ثلث قرن تتقدم بالبلاد نحو .. مقبرة لا قاع لها.

أنا مش كافر ، أنا مجنون

٢٠٠٥-٠١-٣١
أنا مش كافر ، أنا مجنون
خطيب بدلة
قبل أن أكتب هذه المقالة التي اعتدت أن أخاطب بها زملائي المجانين عبر مضحك " الشهر " المبكي ، توضأت وصليت ركعتين لله ، وتضرعت إليه أن يرد عني كيد الأغبياء من إخواننا العقلاء الذين يعيشون في ظل ( نظرية المؤامرة ) و ( التكفير ) و ( التخوين ) ومحاربة المرتدين ، وطواحين الهواء الدونكيشوتية ، .. ففي دفاتر الأغبياء من العقلاء ( دون الأذكياء ) : أن تحتلنا أمريكا المستبدة أهون ألف مرة من أن يبدي مجنون منا رأيَه في مسألة لا تزيد عن جواز الصلاة لرجل متوضىء أخذ غفوة من النوم دون أن يسد إسته بكعب قدمه ! .. وعلى ما يبدو فقد شككوا ، ذات مرة ، بعقيدة واحد من أهم زملائنا المجانين وأكثرهم إبداعاً ، وأعني الموسيقار الكبير زياد رحباني ، فرد عليهم بالأغنية التي أحببناها نحن المجانين وطالبنا إدارة " العصفورية " بأن تبثها على نحو دائم ، عبر مكبرات الصوت ، ويقول فيها زياد ، نافياً التهمة عن نفسه : ( أنا مش كافر ، بس الجوع كافر ، والذل كافر .. ) ، ثم يقول لمحبوبته ، بلهجة الإقرار بالأمر الواقع ، ما معناه : ( ماذا بيدي أن أفعل إذا اجتمعت فيَّ الأشياء الكافرة كلها ؟! ) .أنا أيضاً ، مش كافر ، ولكنني أرى الكفر بعيني على هيئة محطات تلفزيونية فضائية ناطقة بالعربية تلاحق المشاهد العربي بالسخافات والتفاهات والأكاذيب الساذجة .. وتلاحق المراهق العربي ، ليلاً ونهاراً ، بصور دائمة لشبان مائعين ، وفتيات يرتدين من الثياب ما قل ودل ، وقد زُربوا في مكان واحد وسلطت عليهم عشرات الكاميرات لترينا إياهم ، في بث مباشر ( كما في البث المباشر عن القصف اللاإنساني الذي رافق سقوط كابول وبغداد ! ) ، وهم يأكلون ويشربون وينامون ويستيقظون ويتعانقون ويهرجون ويذهبون إلى المراحيض .. وترينا ، في بثوث مباشرة أخرى ، المحطات ( الجادة ! ) وهي تستضيف العلماء والشيوخ ليحللوا هذه الظاهرة ويدينوها .وقد أعجبني ، أكثر مَن أعجبني ، رجل دين من أذكياء العقلاء استضافته إحدى المحطات ، وتحدث عما يمكن تسميته بـ ( غباء التدين ) أو ( تدين الأغبياء ) .. وضرب مثلاً برجل عربي مسلم التقاه هو شخصياً في إحدى الولايات الأميركية ، وعرض عليه المسألة التالية طالباً منه إبداء رأيه فيها ، فقال :- شيخي ، في رمضان ، وتحديداً في وقت السحور ، قبلت عشيقتي ، فاتضح لي أنها قد تناولت الكثير من الخمر ، وقد تسرب الخمر إلى فمي عبر القبلة ، فهل هذا مما يبطل الصيام ؟!!!!إن رجل الدين الذي أشرت إليه يتمتع بقدر كبير من الدعابة الذكية التي كان الأنبياء وصحابتهم يمتدحونها ، بدليل ما قاله علي كرم الله وجهه ( مَن كانت به دعابة برىء من الكبر ) . فعلق على سؤال العربي المقيم في أمريكا بقوله :- حال هذا الإنسان يشبه حال الرقاصة التي تتوقف في كواليس المسرح قبل أن تبدأ وصلة الرقص الخاصة بها ، وترفع يديها إلى السماء وتدعو الله خاشعة : ( يا رب وفقني في أن أهز خصري بما يرضي الحاضـرين .. آمين !! ) . أو هو كحال الرقاصة التي حجت إلى بيت الله الحرام ، ثم عادت إلى رأس عملها ، وذات مرة ، وبينما هي في أوج تجليات رقصها وتلويها وسلطنتها ، إذ طلع الغرام والهيام في رأس أحد الحشاشين الحاضرين فهتف قائلاً :- الله الله ! متعينا يا حاجّة !أخيراً : أنا وأمثالي مجانين ، وقد نكون مقصرين في العبادات ، .. ولكننا مش كافرين ، ونحب وطننا وشعبنا وندافع عنهما إلى آخر رمق ، .. وأما الذين يسرقون ثروات البلاد ويمارسون الكفر في كل دقيقة فهم يملؤون الجوامع والكنائس ، وإذا تعرض وطننا للخطر ، فسرعان ما ينطبق عليهم قول الشاعر :
وفي الهيجاء ما جَرَّبْتُ نفسي
ولكن في الهزيمة كالغزالِ !!
كـلـنــــا شركاء في الوطـــن

لماذا سحب أدونيس توقيعه من عريضة فرج بيرقدار؟: يوسف عبدلكي

٢٠٠٥-٠١-٢٨
لماذا سحب أدونيس توقيعه من عريضة فرج بيرقدار؟: يوسف عبدلكي

لا أريد لهذه الأسطر أن تبدو رداً على مقالة أدونيس («الحياة» 2005/1/13)، أولاً لأنني لم أشأ يوماً أن أدخل في حلقة الأخذ والرد الشائعة بين المثقفين العرب كتابة وشفاهة، ولسوء الحظ شفاهة أكثر بكثير منها كتابة، بسبب ما تتطلبه هذه الأخيرة من درجة ما من المسؤولية يتنصل منها بالطبع كل كلام مرسل. والسبب الثاني هو تقديري للرجل.
فأدونيس يكاد لا يضارعه شاعر عربي معاصر في تأثيره في حركة الشعر في بلادنا، هذا التأثير مرده الى ناحيتين: كتابته الشعرية، وتنظيره للأدب. ومن علامات هذا التأثير كثرة مريديه... وكثرة مخاصميه. والحقيقة ان كثرة مخاصميه نفسها تحسب له، إذ انها من علامات حضوره الكبير في خريطة الشعر العربي في العقود الأخيرة.
الوجه الآخر لأدونيس هو وجهه التنويري، فمن كتبه الكثيرة الى مقالاته الأكثر يلمس المتابع المكانة الرفيعة التي يوليها هذا الرجل لمسألة الحرية. حرية المجتمع، حرية السياسة، حرية الثقافة، حرية الفكر، حرية القول... الخ. ولا تضارع هذه المكانة لديه إلا المكانة التي تحتلها مسألة تحديث مجتمعاتنا في عقله ووجدانه. ويمكن الرجوع الى عشرات النصوص التي كتبها على مدى أربعين عاماً حول هذه المحاور، فمن نقده للفكر الغيبي، الى نقده للديكتاتوريات العربية، الى نقده لنظام الملالي في إيران، الى نقده للنظام الطالباني، الى موقفه الرائع من مسألة الحجاب في فرنسا أخيراً، كل ذلك يضعه من دون لبس في صف التنويريين العرب المعاصرين أمثال: حامد أبو زيد ومحمد وعابد الجابري وصادق العظم وجورج طرابيشي ومحمد أركون وهشام شرابي وعلي عبدالرازق وعبدالله العروي... الخ. والذين يخوضون معارك فكرية قاسية نيابة عن أنفسهم، وعن المثقفين المترددين، بل أكاد أقول نيابة عن القسم الأعظم من أبناء مجتمعاتنا الغارقة في أحوال التخلف والاستلاب.
من هنا، من تصوري لهذه المكانة الرفيعة، فوجئت بأن يرد أدونيس على رسالة على الانترنت وجهت من جهة مجهولة أو تكاد الى الاكاديمية الملكية السويدية التي تمنح جوائز نوبل. فلا شك في أن الأكاديمية الملكية تصلها آلاف الرسائل لمئات الأسباب، ولا أخال ان هذه الرسائل تدخل في حساباتها السنوية، وإلا لفقدت الأكاديمية السويدية الكثير من رصانتها وصدقيتها.
معروف ان في سورية هيئتين لحقوق الإنسان، تنشطان في شكل شبه علني، وان كان غير مرخص حتى الآن، وتصدران البيانات من دمشق، وناشطوهما وكوادرهما معروفة، أما الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان فليست معروفة، وهي في الأغلب مكونة من أشخاص عدة، وربما شخص واحد! كما ان الأخطاء الفادحة واللغة المتوترة الواردة في نص الرسالة تظهر بوضوح مدى خفة المسألة برمتها، والتي لم تكن لتستحق من أدونيس إلا الإهمال.
المسألة التي تعنيني شخصياً هي مسألة الشاعر فرج بيرقدار. وشبهة إلصاق صفة «شاعر» به أثناء اعتقاله، بينما لا يعدو كونه معتقلاً سياسياً فحسب.
والحكاية يمكن سردها على هذا النحو: سُجن الشاعر فرج بيرقدار مدة تزيد على أربعة عشر عاماً، وتعرض لأهوال لا عد لها وبخاصة في سجن تدمر، مثله مثل آلاف المعتقلين السياسيين في حقبة الثمانينات من القرن المنصرم، والذين لم يتح لعدد غير معروف منهم الخروج من ذلك السجن أبداً.
بسبب المعلومات التي تسربت الى خارج السجن عام 1998 عن تدهور صحته عملنا الكثير، نحن الأصدقاء المثقفين والسياسيين ووقعنا عريضة تطالب بإطلاق سراحه. اتصلت بأدونيس - من ضمن من اتصلت بهم - فقال لي: أنا لا أعرف هذا الشاعر. فقلت له انه شاعر معروف في سورية ينشر منذ السبعينات وطبع ديوانين وقصيدة طويلة في بيروت، ومن المرجح انك لم تسمع باسمه لأن دواوينه تم توزيعها في شكل سيئ، وعلى أي حال فنحن لسنا بصدد تقويم شاعريته بل الدفاع عن حريته. وقّع أدونيس العريضة بحماسة، ولكن في اليوم التالي اتصل بي وأثار معي مسألتين، واحدة سياسية وأخرى أمنية حول العريضة. تحاورنا في المسألتين، وفي النهاية قال لي: أريد سحب توقيعي لأحتفظ به لمناسبة كبيرة مقبلة. قلت: لك ما تريد.
وقد أبدى أدونيس صدقاً جلياً في حديثه حيث وقّع بعد فترة بيان الـ100، وهو بيان أقوى بكل المقاييس من بيان المطالبة بإطلاق سراح الشاعر فرج بيرقدار، حيث يتناول أحدهما موضوع شاعر واحد، بينما يصادم الثاني الوضع السياسي العام في سورية، ويرسم خطاً ديموقراطياً حاسماً لخروج سورية من مأزقها التاريخي المعاصر.
وجدت بعد فترة ان من واجبي أن أوصل الى أدونيس ديوان فرج بيرقدار الذي كتبه في السجن، والذي تسربت مخطوطته الى بيروت حيث طبع بعنوان: «حمامة مطلقة الجناحين»، وقد قام بترجمته الى الفرنسية ترجمة باهرة الشاعر عبداللطيف اللعبي وصدر عن دار ALDANTE عام 1998 بعنوان مقترح من المترجم: NI VIVANT, NI MORT (ليس حياً، ليس ميتاً) وقد أرسلته باليد مع أحد الأصدقاء رغبة مني بتعريف أدونيس بشعر بيرقدار.
بعد خروج الشاعر بيرقدار من السجن عام 2000، أصدر ديواناً خامساً بعنوان «تقاسيم آسيوية» عن دار «حوران» في دمشق وذلك عام 2001، ولم أحاول إيصاله الى أدونيس، لاعتقادي بأن الشاعر وقد أصبح حراً، له وحده أن يتصرف بإهداء دواوينه لمن يشاء. وليس في الأمر تزوير من أي نوع.
(باريس 2005/1/20)
"الحياة"

Help

٢٠٠٥-٠١-٢٦

وطن بين الواقع والحلم أو الأمل: كنان جسومه

وطن بين الواقع والحلم أو الأمل: كنان جسومه
كان حلماً، أملاً، و لا زال، على مدى أكثر من نصف قرن، أن يكون الوطن:
- وطن حدوده واضحة، غير مهم أن يكون كبيراً مثل كندا، أو صغيراً مثل لكسمبورغ.-
وطن أهدافه محددة، غير مهم إذا كانت ضئيلة أو عظيمة، المهم أن تكون قابلة للتنفيذ ببرامج زمنية وبتمويل معروف المصادر والكميات.- وطن يوفر ويحمي الفرص المتكافئة لكل مواطنيه في الحياة الإنسانية الكريمة والعمل، وغير مهم ماذا يحمل المكلف بتوفير وحماية تلك الفرص من اسم (مجموعة الأفراد المتواجدون على رأس سلطات الدولة)، سواء كان محمد أو علي أو جورج أو شيركو أو إيواس أو وارتكس أو إيهودا.
- وطن يسير وفق ضوابط مشرعنة، ملزمة للجميع دون استثناء، لعلاقة الفرد مع الفرد أو مع المجموع، ولعلاقتهم مع الدولة، وكذلك علاقة سلطات الدولة مع الأفراد أو الجماعات، وأن يكون المسموح مسموح به للجميع، والممنوع ممنوع على الجميع.
- وطن لا يهم ما يكون عليه شكل الحكم من تنوعات معروفة، المهم أن يكون المثال المتبّع واضح الصورة والآفاق، ولا يبتعد عن مثال الدولة الحديثة.
- وطن لا يهم أن يكون المسؤول فيه من قمم المعرفة والخبرة في مجاله، المهم أن لا يتردد في الأخذ برأي من هم كذلك.
- وطن متاح للجميع فيه معرفة آلية تعيين المسؤولين من جميع المراتب، ومن هم الذين لهم القول الفصل في ذلك؟ وما هي البرامج أو المشاريع المطلوب منهم تنفيذها، قبل التعيين؟ والمهم أن يتم اختيارهم على أساسها، ومن ثم محاسبتهم على مدى التزامهم بحسن تنفيذها.
- وطن من المهم أن يكون لكل من ينتمي إليه، وغير "مجير" لشخص أو فئة أو مجموعة من الناس لينهبوا موارده، ويكون الولاء والانتماء إليه، وليس الولاء لأشخاص يزعمون ملكيته وينتمون لمصالح جيوبهم.
- وطن متاح للجميع فيه معرفة كل مصادر ومقادير المال العام الخارجية والداخلية، وكيفية توزيع وإنفاق هذا الدخل؟ وما هو مردوده على ما أنفق عليه؟ وغير مهم إذا كان هذا الدخل كثيرا أو قليلا.- وطن لا يوجد فيه من يعيش تحت خط الفقر، ولا يسمح بظهور أحد من أغنياء الهبش.
- وطن من المهم أن يكون من ينتمي إليه مواطناً، لا فردا من القطيع، أو الجنود، أو اليتامى.
- وطن يمكن أن يتعايش فيه المؤمن بعقيدة ما - وضعية أو سماوية – مع غير المؤمن بهما، ولا يسمح لأي فرد أو جماعة فيه احتكار الحقيقة أو الصواب، أو التكلم باسم المجموع، ولا وجود فيه لسلاح الاتهام بالكفر؛ أما الاتهام بالخيانة أو المؤامرة فيكون بناءاً على نص دستوري يوصفهما بشكل لا يقبل التأويل أو الالتباس أو التعميم.
- وطن يستفيد من تجاربه السابقة ولا يخفيها أو يجمّلها أو يخجل منها.هل هذا الحلم أو الأمل مجرد وهم غير قابل للتحقيق، أم يبدأ بخطوة على الطريق؟!.
هل السؤال كيف ولماذا ندور بحلقة مفرغة حيناً، نرجع إلى الوراء ونبتعد عن آمالنا وأحلامنا أحياناً أخرى؟؛ هل سبب ذلك مفرزة الأمن المقيمة في عقولنا!!!، أم عقود الخوف وما نجم عنه من رهاب معطل لدينامية المجتمع!!!. أم...أم الآمال والأحلام التي من هذا النوع والأسئلة المنبثقة عنهما مقدسات أو خطوط حمر!؟؛ إذا كانت غير ذلك، فليدلِ كل من له اهتمام بها بدلوه.
دمشق في 25/1/2005

"الرأي خاص"

أدونيس.. حجاب على جبلة أم حجاب على القلب؟: منهل السراج

٢٠٠٥-٠١-٢٤
أدونيس.. حجاب على جبلة أم حجاب على القلب؟: منهل السراج

يقول أدونيس في زاويته ( مدارات ) المنشورة في جريدة الحياة 13/1/2005، إنه كان مبعداً عن سورية عشرين سنة كاملة( 1956- 1976 ). ماأعرفه أن سورية في تلك الفترة كانت أجمل مما بعد ذلك، أي بعد أن سُمِح له بالعودة.
ويقول أدونيس بعد هجائه لصحراء البيوت البلاستيكية التي غزت أحشاء الأرض والطبيعة على طول الشاطئ الممتد بين طرطوس وبانياس، كأن في ذلك "ما ينذر بأن البشر أنفسهم يكادون أن يتفتتوا إلى قطع من البلاستيك الاجتماعي متناثر في الفراغ".
أما أنا فبودي أن أقول:
بعد ذلك التاريخ الذي كان فيه أدونيس مبعداً، ذات شباط قارس لم يكن بإمكاننا إلا أن نشهق حين رؤية معدة ملتصقة على جدار، وقلب مرمي تحت بقايا جسر مهدم، وذراع فتاة ما متشبثة بذراع أبيها ولانعرف أين صارت أشلاء جسدها وأشلاء جسد أبيها.. كانت النواعير تدور بهستيريا، ونهر العاصي يجري أزرق أحمر مجنوناً، والناس تتراكض مذعورة..
أين كنت أيها الشاعر حين رمتْ أمٌّ طفلها في النهر تحت القناطر بدل بقجته التي أعاقت حركتها وأخرتها عن جموع الراكضين باتجاه مصير غامض؟!
أين كنتَ حين جُمِع الآلاف ولا أحد يعرف أين صاروا. والآن ربما قبل أبناؤهم بموتهم، ولكن أين ثبوتياتهم كي يجد الأبناء ما ينتمون إليه غير أصل غائم مجهول وحاضر فقير ويائس..؟!
أفهم أحياناً أننا نبكي سقوط الشجرة أمام النافذة أكثر من موت جارتنا العجوز.. وأنت تتحدث عن قصابين وكورنيش جبلة، وتنقهر لقسمه الجنوبي المحجَّب. الحجاب، كما تقول، يجعلك تتخيل الجمال المختبئ خلفه، وأنت تريده مرئياً ملموساً!!
أسأل نفسي أحياناً ما الفرق بين الواقعي وبين مانتخيل؟
لا أدري.. ولكن بودي لو تسمع هذه القصة القصيرة جداً.
بعد أحداث حماة 1982، توقف أحد الرحالة الأجانب أمام الضفة المهدمة من نهر العاصي، وراح يبكي بحرقة.. ضحك شخص كان قبل ذلك يبكي بيته الذي هُدم هناك، وأبناءه الذين فقدوا، وزوجته التي قُطعت ذراعها لأنها تأخرت بنزع أساورها لأحد مقتحمي بيتها. ضحك على احمرار وجه الأجنبي وسأله: لم تبكي؟ فأجاب: كانت ضفة جميلة جداً... سأله الرجل: ما دخلك أنت وماذا يعنيك؟ فصرخ الأجنبي: ماذا يعنيك أنت؟
علي أحمد سعيد.. ألم تعنِكَ كل تلك السوريالية الرهيبة، كل ذلك وهذا الخراب؟! أم انك ترى ما رآه كثير من السياسيين الذين قالوا ومازالوا يقولون: كان لابد من هذا..
قل إن حنجرتك في ذلك الشباط غصت وأصابعك ارتعشت.. قل إنك لم تقبل ولكن لم يعرض عليك أحد قائمة لتثبت رفضك. قُلْ وقلْ .. سيقبل الكثيرون ما تقول، ماداموا قبلوا بواقع رهيب صارت وجبتهم اليومية فيه مقبِّلات واقع ..
قلت إنك تكره قسم الكورنيش الجنوبي المحجَّب، وإن ما رأيته على الشاطئ الممتد بين طرطوس وبانياس لا يضرب البصر وحده وإنما يضرب كذلك البصيرة، وأرى أنك أهلتَ مثلهم الحُجُب حتى على قلبك؟!
صرنا نكتفي بخط من قلمك الأزرق الناشف، ليعبر عن رأيك بأن عارف دليلة مظلوم ومريض، لكنك تقول لم يخبروك!!
ألم تتساءل ماذا حل بالرجل في زنزانته، ألم تتخيله كي تهجم اللغة كما تهجم عادة عند الشعراء؟
أإلى هذا الحد أنت منعزل وغير مكترث بمتابعة آلام الناس حتى لو كانوا بوزن وأهمية وجرأة عارف دليلة؟! كيف استطعت أن تبقى سنوات صامتاً على اعتقاله وضربه ومرضه؟!
عارف دليلة مثل الأنبياء في زنزانته، صابر وينتظر، وفي الخارج كتاب بأسماء لامعة ينتظرون من آخرين أن يدقوا عليهم الأبواب أو الهواتف ليتسولوا توقيعهم من أجله ومن أجل المئات غيره..
ثم من هم أصدقاء الشاعر فرج بيرقدار الذين، حين قلتَ لهم إنك لا تعرف شاعراً بهذا الاسم لتوقع على عريضة تطالب بإطلاق سراحه، أجابوك "استخدمنا هذه الصفة لكي نحقق أكبر قدر ممكن من مساندة الكتاب والشعراء في الغرب"؟! إذا لم يردوا على مغالطتك فسوف أصدِّق أنك كنت أميناً في نقل ما حدث، وسأعرف أنهم هم أيضاً لم يقرؤوا قصائده منذ السبعينيات، أي قبل إمكانية الخلط بين شعره ونضاله. ولكن هل صحيح أن كل شاعر لا يعرفه أدونيس هو بالضرورة ليس شاعراً!!
حسناً.. لقد انتهى سجن الشاعر الآن ولكن كلماته التي سمعت أو قرئت مترجمة، أبكت الكثيرين من أمثال ذلك الرحالة الذي أجهش وبكى آسفاً على ظلم الجمال وقتله..
ليتك أطلت في الحديث عن ميلاد أمك المئة وألححت عليها أكثر كي تحدثنا عن أسرارها، ليتك سألتها إن كنت قد حزت رضاها ثم أخبرتنا، لكنك اختزلت الحديث عنها ورحت تحكي عن بيوت بلاستيكية ونظافة ومالاأعرف ما يعنيك .... يعني إذا أصغوا إليك ونزعوا البيوت البلاستيكية وكنسوا الأراضي فهل سترضى؟ ومتى يعنيك ما في قلوب أهل هذه البلاد من الخوف واليأس والانتظار..؟
18 / 1 /2005
"الرأي / خاص"

أمنيات صغيرة على عتبات الـ 2005: أُبيّ حسن

أمنيات صغيرة على عتبات الـ 2005: أُبيّ حسن

منذ أن هددني مسؤول أمني كبير في دمشق بتاريخ 3/8 /2004بقطع أصابع يديّ إن عدت وكتبت ( ما لا يرضيه طبعاً) لم أتطرق إلى الشأن السوري كثيراً , فالشهادة لله , وبمعزل عن أني خفت , بفضله علمت يومذاك ما لم أكن أعرفه عن نفسي , فأنا من وجهة نظره وبالحرف ( حاقد , موتور , ليس لدي ذرة من الوطنية ) وأخيراً أعلمني بأني (كلب) وهذا أيضاً ما كنت أجهله عن نفسي مع معذرتي من القارئ الكريم؟ وفي الختام أعاد تذكيري بقطع أصابعي وهو يكزّ على أسنانه مشيراً بيديه "الكريمتين" و "الحنونتين" إلى كيفية عملية القص (بتر الأصابع) .
لن أذكر الآن تفاصيل الحوار الذي جرى بيني وبين ذلك "المسؤول" , كما أني لن أدخل في سجال بيزنطي مع أهل بيزنطة, لكن , وبصدق , على أثر ذلك اللقاء الأمني الذي كثيراً ما ذكّرني بصدام حسين( أخشى أن نصل إلى يوم نترحم فيه على المذكور),ً راح يطفو على سطح الذاكرة مشاهد بعض من رأيت من العراقيين المجدوعين من أنوفهم أو آذانهم في دمشق , كما مرّ في ذاكرتي ,بحكم توفر عنصر الإرهاب في الموقف , منظر يدين صارتا (بفضل جلاوزة صدام ) عديمتي الفائدة لصديق عراقي تعرفت إليه في إحدى صحف المعارضة العراقية ( سابقاً) في دمشق . هذه الصور مجتمعة دفعتني منذ ذلك اليوم إلى أن أسقط من قائمة اهتمامي ما يسمّى بالإصلاح في سوريا, بما في ذلك العمل على إسقاط قانون الطوارئ بالوسائل السلمية والمطالبة مع المطالبين بإصدار قانون عصري للأحزاب ( يكون خيره فيه ) والصراخ ملء الفم في وجه من يحتكرون معظم الاستثمارات والخيرات في بلادي من قبل بعض أبناء و"حواريي" الحرس القديم والجديد (إن شئتم) وهلم جرا, ولم أعد أحلم بتداول السلطة في وطني وما يتطلبه ذلك التداول من العمل على توفير جو معقول من الديموقراطية واتساع في هامش النقد والحرية... وأشياء أخرى كثيرة ملحة ومشروعة, وليس ذلك "الإهمال والتقصير" من قبلي بسبب من "انعدام وطنيتي " حسب تعبير المسؤول الأمني ,أو ولكي أكون أكثر دقة, المسؤول الأُمي, بل, ببساطة, لأني مازلت بحاجة إلى يدين معافتين ألمس بهما وجه أمي وشفتين أقبل بهما يد والدي وثغر حبيبتي , كما أني ما زلت بحاجة إلى كف تزينه أصابع طبيعية تليق بمصافحة صديق احترمه ! أما ما تبقى من أسباب الحياة والتعلق بها فليس مهماً إذ ثمة من يحيا بالنيابة عنا ويتمتع بخيرات الوطن أيضاً بالنيابة عنا !
لا أدري إن كان ما ذكرته آنفاً مقنعاً كي أصبح ميالاً للابتعاد عن كل ما يطعن في " وطنيتي" , وبرغم اعتكافي ـ معظم الأوقات ـ في غرفتي الكائنة في دمشق وابتعادي عن الحياة العامة, ما يزال "الشباب" في الأجهزة الأمنية يسألون عني في القرية الأسئلة المكرورة ذاتها ( من هم عماتي وخالاتي وأعمامي وما تبقى من أغصان شجرة العائلة صعوداً ونزولاً , وربما بسبب من حرصهم الزائد لا يفوتهم أن يسألوا عن طبيعة عمل كل فرد يطرحون اسمه) علماً أنهم يعرفون عني كل ما يريدونه من خلال بعض الزيارات إليهم والتي بـ " فضلها" تكوّنت علاقات شبه ودية مع بعضهم وأعترف بأني أرفع القبعة احتراماً لبعض من عرفت من ضباط الأمن وهم قلة بطبيعة الحال !
هل أدرك ,الآن , العاتبون من الأصدقاء لماذا لم أكتب منذ فترة لا بأس بها؟ وهل تراهم يرون هذا السبب كافياً كي أشعر كم باتت سوريا ثقيلة وإن المطلوب مني ومن غيري أن لا نعمل على مواجهة الحطام والوباء الذي أورثنا إياه العبثيون ؟ لكن مع ذلك ثمة أمنيات صغيرة أحلم بتحقيقها هذا العام , وما جرأتي على تمنيها إلا اعتقادي أن وضاعتها و السعي لنيلها لا يشكك في وطنيتي ولا يتعقب عليها " قص أصابعي" حسب ظني , وإليكم بعضها : أحلم أن أعود إلى غرفتي بعد مسير ساعة في يوم ماطر في شوارع دمشق من غير أن أضطر إلى تغيير ملابسي ( على الأقل بنطالي) التي غالباً ما يفضح اتساخها جانباً من فساد البنية التحتية التي نتباها بها ( تصوروا حتى الآن لا نعرف كيف نعبد الشوارع بطريقة تمنع تجمع المياه كلما جادت السماء !؟ ).
بودي أن أسمع خبراً ( طبعاً ليس من الإعلام السوري) بأن السلطات الأمنية نشطت فاعتقلت جاسوساً أو مخرباً أو عميلاً إسرائيليا في سوريا بدلاً من سماعي اعتقالها أحد المواطنين السوريين بسبب من إبدائه لرأي سياسي لا يروق للأصدقاء البعثيين أدام الله ظلهم .
بالتأكيد لم أعد مخبولاً فأحلم بإصلاح الإعلام السوري , الذي أمراضه من أمراض السلطة التي يمثلها, حتى ولو كان الإصلاح فيه لا يتعدى النجاح في تقديم نشرة أخبار تجعل الشخص منا لا يشعر بالندم لأنه أهدر وقته وشاهدها قدر ما أتمنى أن تصل الصحف اللبنانية إلى المحافظات السورية ( باستثناء دمشق ) في اليوم ذاته ولو لمرة واحدة في السنة بدلاً من أن تصل ثاني أو ثالث يوم كالعادة .
أتمنى أن تولي وزارة التعليم العالي اهتمامها بالكتاب الجامعي فقط ( لا الجامعة كلها فهذا مطلب صعب!!) فيستلم الطلاب كتبهم في بدايات العام الدراسي لا قبل الامتحان بشهر أو أقل من شهر؛ بالمناسبة تفرض الأمانة أن أذكر هنا أن أساتذة التعليم الجامعي المفتوح بمن فيهم رئيس المركز يستبسلون في عطائهم علماً أنهم لم يتقاضوا أجراً منذ بداية العام الدراسي حتى اللحظة بما فيها أجرة تأليفهم الكتب, والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لا تهتم الحكومة لدينا بالكتاب الجامعي (أكرر لا الجامعة كلها) وتحسين وضعه كاهتمامها المحموم بالجوامع؟
وباعتبار أن إمكانية التغيير في القيادات "التاريخية" لاتحادات مثل اتحاد الكتاب أو اتحاد الصحفيين حلماً صعب المنال أكتفي بأن أعلن عن رغبتي بإنصاف الصحفيين المشاركين في سوريا وأن يخفف اتحاد الكتاب من طباعة الكتب الرديئة.
أرغب أن أشهد هذا العام الانتهاء من بناء الجسر"الأسطوري" المقام على نهر حصين البحر والذي يختصر المسافات بين مناطق عدة بنسبة 20/100بالمناسبة أصبح لهم في بنائه أكثر من خمس سنوات علماً أن طوله لا يتجاوز 15 متر، و حتى الآن لا نعلم إن كان سيدخل في منافسة مع مجمع في ساحة المرجة الذي أصبح له قرابة الثلاثين عاما و الذي بدوره لا أحد يعرف إن كان سيكتمل بناؤه أم لا ؟ فضلاً عن أننا لا نعرف ما هو بالضبط هذا المنجز العظيم !!
أحلم أن تخف نسبة الفساد والهدر في مؤسسة مياه طرطوس وقد كنت شاهداً في ما مضى على جزء من فساد بنيتها التحتية ( مجدداً التي نحسد أنفسنا عليها) , بالمناسبة فضائح هذه المؤسسة لا تزال مستمرة (يمكننا القول أن فسادها الإداري ,على الأقل, يختزل حكاية فساد السلطة) .
بودي أن تنصف شركة الإنشاء والتعمير"الحكومية" عمالها ولو لمرة واحدة في العام فتعطيهم معاشاتهم مطلع كل شهر بدلاً من أن تعطيهم إياها كل ثلاثة أو أربعة أشهر مرة واحدة , وللتذكير فقط أن هذه الشركة من أكثر الشركات الإنتاجية ربحاً وقد انعكس ذلك الربح جنة ونعيماً على بعض القائمين عليها ابتداء بالقصور وليس انتهاء بالأملاك والأموال , طبعاً بعد أن عززوا مواقعهم من خلال علاقات (...) مع بعض صناع القرار في وطني ( هؤلاء الأشخاص وأمثالهم هم من ساهم في خسارة القطاع العام وهم من يتباكى عليه اليوم و هم كذلك من يغني في المناسبات البعثية " أنا سوري يانيالي " وفعلاً معهم الحق في أن يغنوا هذه الأغنية فلماذا ضيقة العين يا حكم البابا؟).
في ما أنا أكتب هذه المادة اتصل بي المواطن" صفوان محمد حسن" وهو شاب سوري معاق إعاقة تمنعه من العمل المضني أفادني أن أمر توظيفه كمستخدم أتى من قبل ما يسمونه في سوريا مكتب التشغيل التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل, ومع أن توظيفه وتأمين حياته واجب على الدولة بموجب المادة 46 من القانون التي تنص:( تكفل الدولة كل مواطن وأسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليتم ... ) , ناهيك عن الجانب الإنساني , برغم ذلك لم تقبل أية جهة رسمية في محافظة طرطوس أن توظفه حتى كمستخدم يصنع القهوة والشاي ( هذا ما يقدر عليه) تحت ذرائع غالباً ما تسعفهم قرائحهم في إيجادها مع العلم أن ثمة قانوناً آخر في سوريا يلزم مؤسسات الدولة بترك شواغر لديها بنسبة تتراوح بين 2/100 و 4/100 لتوظيف العجزة والمعاقين , لكن هذه الشواغر عادة ما تذهب(...) !
أخيراً إليكم هذه الحكاية وهي ذات دلالة :
سبق أن تولى شؤون محافظة طرطوس ضابط بعثي " استبسل " إبان الحرب في لبنان أواسط سبعينيات القرن الماضي إذ كان يهرب حتى الحشيشة ( يتداول الناس فضائحه حتى الآن ) فأثرى ثراءً فاحشاً فأرادوا أن يعاقبوه فعينوه محافظاً على طرطوس , ولأن العسكري الذي أصبح سياسياً لم يجد طوال وجوده على رأس عمله ( بقي محافظاً في طرطوس حوالي العشرين عاماً) ما يخدم به المحافظة وأبناءها , هداه " وعيه" الفطري إلى التعبير عن ذاته فشبّه المجاهد صالح العلي برجل "العصابات" معتبراً ثورته التي قام بها ضد فرنسا 1918" عصابة تشليح وقطاع طرق" هذا وهو مسؤول , سنتذاك دبت الحمية في نفوس بعض الغيورين على جهاد صالح العلي وتراثه الوطني النقي ومنهم ضابط سابق في الجيش السوري , فخفف عقله وهجا المحافظ لذمه وقدحه أول المجاهدين في سوريا , فكان أن دخل الضابط السجن لهجائه "المحافظ" الذي رُقي وأصبح في ما بعد مسؤولاً عن إحدى المحافظات السورية الكبيرة والهامة لكن بما أن رائحة فساده طبقت الآفاق وكان الحديث سنتذاك يدور حول "محاربة" الفساد استغنوا عن خدماته شاكرين له"حسن" صنيعه. وكي أختم أمنياتي لهذا العام أضيف أمنية أخيرة ألا وهي : أتمنى أن أسمع أن ثمة مسؤولاً شعر بواجب الاعتذار من شيخ الجهاد في سوريا لا لشيء فقط كي لا نعتب على الشيخ صالح العلي وبالتالي الزعيم الوطني إبراهيم هنانو والأمير سلطان باشا الأطرش و الدنادشة في تلكلخ وغيرهم ممن حارب فرنسا وأراق دمه في سبيل سوريا واستقلالها.
بالمناسبة سأنام الليلة , وكل ليلة , قرير العين هانيها و لن أخشى في محبتي لوطني لا صدام حسين ولا الزرقاوي و لابن لادن ولا أبناء عمومتهم وخالاتهم وعماتهم في سوريا , فسوريا ليست هؤلاء فحسب , بل ثمة أناس طيبون وصالحون ويعملون بشرف وصمت و يعيشون في الظل وفي قلبي كذلك ويستحقون كل خير .
ملاحظة : رغم أن الوطنية لا تحتكر لسنا نحن من يحتاج إلى شهادة حسن سلوك في سلامة وطنيته بل أولئك الذين أوصلونا إلى هذه الدرجة من العدم والخواء من يحتاجون إلى أن يثبتوا لنا وطنيتهم ودمتم .
انتهى
"الرأي / خاص"

زراعة الياسمين في سورية: مشمولة أيضا برعاية قانون الطوارئ والأحكام العرفية

٢٠٠٥-٠١-٢٢
زراعة الياسمين في سورية: مشمولة أيضا برعاية قانون الطوارئ والأحكام العرفية

فريد حداد
نشرت صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 20-1-2005 في موقعها على شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) خبراً من دمشق لمراسلها السيد ابراهيم حميدي تحت عنوان ( حملة أهلية لاسترجاع الياسمين الى دمشق .. من " وحش الأسمنت") يقول فيها :
1
(كي يقوم رئيس «مجموعة ماس الاقتصادية» فراس طلاس بـ«التحرك للتعبير عن حبنا الحقيقي للشام» عبر.
بعد موافقة محافظ دمشق محمد بشار مفتي وشعبة الامن السياسي اعلن رئيس «مجموعة ماس الاقتصادية» فراس طلاس في مؤتمر صحافي عن تخصيص عشرين ألف دولار اميركي لمشروعه الياسميني حاضّاً الحاضرين من شخصيات شامية وممثلين لجمعيات مدنية - اهلية، كي يكونوا «جنوداً للشام» يزرعون الياسمين الذي تقول الاسطورة ان لونه وشكله يمثلان رفضه ان ينحني... مثل الشام» الرافضة للضغوط، )
ناهيك عما جاء في الخبر عن مساعي روؤس المافيات الأقتصادية المنبثقة عن الأستبداد والفساد السياسي , لتلميع صورهم المقيتة في نظر الشعب السوري , وتقززه من سماع اسمائها . الا ان المضحك المبكي في الخبر المذكور هو الإشارة الى حصول أهل حملة زراعة الياسمين على موافقة شعبة الأمن السياسي , وكأن ضرورة وشرعية وجود تلك الموافقة أصبحت من المسلمات في حياة شعبنا .
فاذا سلّمنا بضرورة الحصول على موافقة محافظ المدينة للحيلولة دون قيام المواطنين بـ:" زراعة الياسمين في منتصف الشوارع واعاقة حركة المرور" , فما هو مبرر الحصول على موافقة الأمن السياسي ؟ .
1 – هل هناك انواع من الياسمين تسيء الى "الوحدة الوطنية وتناهض أهداف الثورة" مما يقتضي تحليلها في مختبرات الأمن السياسي قبل غرسها في الأرض؟.
2 – هل هناك انواع من الياسمين تحمل في أغصانها أجهزة تنصت للعدو الصهيوني كتلك الأجهزة التي تُكتشف على خطوط الهواتف العسكرية بين الفينة والأخرى. لذا توجب التدقيق بها من قِبل الأمن السياسي قبل غرسها في تربة الوطن؟.
3 – هل تعلمت أجهزتنا الأمنية من تجارب أوروبا الشرقية درساً مفاده, أن الورود والزهور أصبحت رموزاً للمعارضة, وأداة من ادواتها في اسقاط الاستبداد , لذا وجبت الحيطة والحذر لئلا تكون النهاية على يد الياسمين الدمشقي؟.
4 – هل زراعة الياسمين هو أحد المجالات الضيقة التي مازالت الأحكام العرفية وقانون الطوارئ مطّبقة فيه, كما اتحفنا واعلمنا جهابذة التنظير السلطوي, عندما انكروا استمرار سريان مفعول قانون الطوارئ الا بحدود ضيقة والتي تمس امن الوطن. لذا استوجب تدخل الأمن السياسي في حملة زراعة الياسمين؟.
ولكن لنأخذ نصف الكأس المليء كي لا نُتهم بالتعصب والاستفزازية, ونعتبر ان الأجهزة الأمنية في سورية قد تحولت من زرع الرعب والفساد في طول البلاد وعرضها , الى زراعة الياسمين , فلماذا اذاً لم يُفرج عن عارف دليلة وحبيب عيسى وعبد العزيز الخير وغيرهم المئات من الأكراد والاسلاميين والطلاب والنشطاء, طالما ان محكمة امن الدولة العليا بدمشق لم تدنهم بمناهضة مشاريع زراعة الياسمين.
والسؤال الأخير والمحير هو : طالما أن المافيات المتعددة الاختصاصات في سورية, قد سمحت لنفسها ان تتدخل في ظل قانون الطوارئ في حملة زراعة الياسمين في التربة الدمشقية, فلماذا تستكثر على نفسها, تدخل مجلس الأمن في ظل قانون الطوارئ العالمي الذي ترعاه أمريكا , لخلعها من التربة اللبنانية؟.
2
كما ورد في مقدمة الخبر ما يلي: (لم يكن غياب الياسمين عن شوارع دمشق وما تبقى من غوطتها الخضراء، وركنه مرسوم في لوحات الفسيفساء المعلقة في المعالم الاثرية، السبب الوحيد وراء اطلاق حملة لغرس نحو مئة زرعة ياسمين في العاصمة السورية، بل ان حملة تولاها سفير اليابان السابق لتنظيف نهر بردى، المعلم الثاني لدمشق، كان «المستفز» لحملة اخرى هدفها زرع عشرة آلاف شتلة.)
يقول لنا هذا الخبر بأن أحد الاسباب التي استفزت المافيات الأقتصادية للقيام بحملة زراعة الياسمين , هو بقايا خجل من الحملة التي قام بها السفير الياباني السابق لتنظيف نهر بردى العابر لدمشق "عرين قائد العرب!"
حدثني صديق كندي سبق له ان زار دمشق مرات عديدة فقال : ( ان التخريب الذي تمارسه حكومتكم في دمشق لا تستهدف منه الدمشقيين فقط , بل تستهدف البيئة الدمشقية ايضاً , فنسبة تلوث الهواء الذي يبلغ اضعاف النسبة المسموح بها صحياً , وتحويل نهر بردى الى مجرى للمياه الآسنة , وانعدام المساحات الخضراء داخل المدينة , والتدمير المستمر لغوطة دمشق , كل هذا لم ينجم عن فوضى او سوء ادارة, بل انه نهج مدروس ومبرمج لتدمير عاصمة الأمويين كبشر وبيئة).
تمنيت ان يكون كلامه خطأً من ناحية مقاصد "حكومة الثورة". ولكن هل يكون السفير الياباني السابق قد توصل لنفس الأستنتاجات وبادر بشخصه لحماية البيئة الدمشقية من حكامها "الثوريين" محرري الجولان ؟ .
"الرأي / خاص"

صالة الجسر في حلب تغلق بأوامر رئيس الوزراء دون ذكر الاسباب

٢٠٠٥-٠١-١٩
صالة الجسر في حلب تغلق بأوامر رئيس الوزراء دون ذكر الاسباب
تصريح صحفي :
تم إغلاق صالة الجسر بأمر عرفي (دون ذكر الأسباب أو التهمة) من رئيس الوزراء بتوصية من وزير الثقافة الحالي وموجه إلى محافظ حلب الذي نفذ الأمر بتاريخ 12 تشرين الأول 2004 بعد انفضاض الملتقى الدولي الثامن للتصوير الضوئي الذي نظمته أسوة بتنظيمها لكل الملتقيات السابقة على مدار السنين.
من المؤسف أن يتم الإغلاق بحضور وتواجد مجموعة كبيرة (أكثر من ثلاثين) من الفنانين العالميين حيث تم إخراجهم من الصالة وتشميعها بالشمع الأحمر مما ترك أثراً وسمعة سيئين في نفوس هؤلاء وللأسف فقد وجدوا في عملية الإغلاق موضوعا استثنائيا للتصوير فقاموا بتخليده بكاميراتهم مما يشيع ذلك سمعة سيئة إلى المعنيين في سورية.
طبعاً بسبب الإغلاق تم حجز مجموعة كبيرة من اللوحات الفوتوغرافية لفنانين دوليين شاركوا في الملتقى الدولي الثامن للتصوير الضوئي الذي قامت الصالة بتنظيمه في مدينة حلب من 25 أيلول وحتى الخامس من تشرين الأول.
ويقوم بعض الديبلوماسين الأوروبيين بزيارة الصالة المغلقة دوريا لمعرفة فيما إذا كان الإغلاق مستمرا.
وكانت الصالة قد اعتادت تنظيم هذا الملتقى سنوياً منذ عام 1997 لغاية 2004 حيث يشترك فيه العديد من دول العالم ومن جميع القارات ويعتبر من أهم الملتقيات الدولية ويحرص كثير من المصورين الضوئيين العالميين الاشتراك في نشاطاته.. ويزوره الآلاف كل سنة من داخل سورية ومن خارجها.
بالإضافة إلى الملتقى الدولي للتصوير الضوئي فقد نظمت الصالة ستة ملتقيات دولية سنوية "فنانات من العالم " 1999 – 2004 حيث يشترك في نشاطه كل سنة 48 دولة عربية وأجنبية.
تنظم الصالة في أيام الملتقيين الكثير من الأنشطة الفنية من مسرحية وموسيقية وندوات ولقاءات يقوم الفنانون خلالها بتبادل وجهات النظر حول تجاربهم في مختلف الحقول الفنية.

اليوم في 18-1-2005 تم فك التشميع عن الصالة ليصار إلى سحب بعض اللوحات لفنانين فرنسيين ومن ثم إعادة تشميعها في إصرار غريب من قبل السلطات على مصادرة أي نشاط مدني أو ثقافي في مدينة حلب، مما ولد شعور لدى المثقفين في هذه المدينة بأن السلطة تتعامل بحساسية مفرطة مع أي نشاط عام ولو كان فني أو ثقافي، واعتبر الكثيرون أن السلطات تقيس الأمور بأكثر من مكيال.
وللأسف ليس هناك من سبب يراد من إغلاق هذه الصالة إلا توجيه ضربة أليمة إلى الثقافة السورية والمساعي الخيرة لنشرها في العالم ولتعريف الفنانين السوريين بالفنون العالمية.
و إغلاق الصالة في مرحلة تدعي فيها السلطات السورية أنها منفتحة على العالم يعد سابقة خطيرة باعتبار أن قانون الطوارئ والأحكام العرفية قد امتدت اذرعه لتصل إلى قمع الحالة الثقافية والفنية .
إننا في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية ندعوا جميع المثقفين والفنانين والغيورين على سمعة سورية الدولية التضامن من أجل فك أسر هذه الصالة لتعود إلى عملها الذي اعتادت عليه مدينة حلب
د. عمار قربي
رئيس مكتب الأعلام في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية
في 19-1-2005
"الرأي / خاص"

بيان بتأسيس لجنة التنسيق الوطني للدفاع عن الحريات الأساسية وحقوق الإنسان

بيان بتأسيس لجنة التنسيق الوطني للدفاع عن الحريات الأساسية وحقوق الإنسان

منذ أربعين عاماً ونيف ونحن نعيش في ظل حالة الطوارئ والمحاكم الاستثنائية التي شلت فاعلية المجتمع وحرمته من المشاركة في الحياة العامة، ومن ممارسة دوره الرقابي على أداء السلطة مما أدى إلى احتكار وهيمنة هذه (السلطة) على جميع مستويات التنظيم الاجتماعي، والى إلغاء القيود والضوابط الدستورية والقانونية بصورة كاملة، كما أحكمت سيطرتها على المجتمع ومؤسساته.
لقد أدى تغييب المجتمع المدني بكافة مؤسساته الاجتماعية والسياسية إلى تحرر السلطة من كل ما يحد من ميولها، والى خرق القوانين واللوائح التنظيمية بالشكل الذي يناسبها، مما أسفر عن التأميم الفعلي للسياسة، ومصادرتها وإخراج الشعب من دائرة الفعل السياسي ورهنه إلى منطق السلطة الحاكمة ومصلحتها، كما استخدمت السلطة إعلان حالة الطوارئ سلاحاً فعالاً للتخلص من خصومها وإخضاع القضاء لهيمنتها، ونؤكد في هذا السياق أن سيادة القانون لا تتحقق بمجرد فرض النظام واستتباب الأمن، ما لم تضمن هذه السيادة تقييد الحكام و إلزامهم باحترام القانون، وإخضاع السلطة لرقابة قضائية، شريطة أن يكون القضاء نزيها مستقلاً عن السلطتين التشريعية والتنفيذية على حد سواء، وهذا لن يتحقق إلا في ظل دولة الحق والقانون، دولة الكل الاجتماعي، دولة المواطنين الأحرار المتساويين في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن الدين والجنس والاثنية. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن حالة الطوارئ وغياب الحريات والأحزاب أطلقت يد السلطة التنفيذية وهيمنتها على سائر مؤسسات الدولة وإصدارها التشريعات على مقاسها.
إن الأمر برمته، وبشكل خاص ضرورة مواجهة التهديدات الخارجية، وسحب الذرائع من يد هذا الخارج وهذه المسائل لن تتحقق إلا بمتابعة تطوير عملية الانتقال الديمقراطي، ومن أجل ذلك تداعى ممثلو قوى وفعاليات سياسية ومدنية وثقافية تتبنى خيار الإصلاح الوطني الديمقراطي إلى لقاء تشاوري تم الاتفاق فيه على أن تتكثف الجهود في عام 2005 للعمل على إنجاز المشتركات التالية التي تشكل مدخلاً أساسياً وجوهرياً لأي إصلاح:
إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي بمن فيهم المعتقلون على خلفية أحداث 12 آذار والحسكة لأسباب سياسية، وطي ملف الاعتقال السياسي وما يتفرع عن ذلك و عودة آمنة للمنفيين إلى الوطن.
إعادة الحقوق المدنية للمجردين منها بموجب أحكام المحاكم الاستثنائية والعسكرية وما نتج عنها، وتسوية مشكلات المفقودين، والتعويض على المتضررين.
إلغاء كافة أشكال التعذيب الجسدي والنفسي أعمالاً لأحكام الدستور والقوانين المحلية والمعاهدات الدولية.
تفعيل المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتي وقعت عليها سورية والتزمت بتنفيذها .
إعادة الجنسية للمواطنين السوريين الأكراد الذين جردوا منها في إحصاء عام 1962 أو المكتومين منهم وجميع المحرومين الآخرين.
العمل على إيجاد حل ديمقراطي للمسالة الكردية ومسائل الأقليات القومية الأخرى في سورية.
إصدار قانون عصري جديد للأحزاب والجمعيات.
إصدار قانون جديد يضمن حق الاتصال وحرية الصحافة والإعلام والمطبوعات.
وكل عام وشعبنا في سورية بألف خير.

دمشق في السابع من ذو الحجة 1425هـ
الموافق 17/1/2005م
الموقعون:
التجمع الوطني الديمقراطي في سورية.
لجان أحياء المجتمع المدني.
منتدى الأتاسي للحوار الديمقراطي.
جمعية حقوق الانسان في سورية.
لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع سوريا.
حزب العمل الشيوعي في سوريا.
التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا.
الجبهة الديمقراطية الكردية في سوريا.
حزب يكيتي الكردي في سوريا.
11-حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا.
12-لجنة الدفاع عن حقوق المجردين من الجنسية.