متى تتحول المعارضة السورية من افتراضية الى واقعية؟
يتوقع السوريون أن تنتقل سوريا من دولة أمنية إلى دولة مؤسسات، ومن دولة التبعية إلى دولة المواطنة، ومن دولة الانغلاق الاقتصادي إلى اقتصاد منفتح وعصري. ويتوقعون أن تغدو سوريا دولة قانون ومؤسسات وحريات أساسية وتداول سلطة و تكافؤ في الفرص، دولة علمانية تحترم كل مقوماتها القومية والدينية، ولكنها تفصل الدين عن الدولة والسياسة وتضمن المساواة التامة بين جميع مواطنيها وتمكن المرأة وتحمي جميع الأفراد من العوز والمرض. كما يتوقعون أن تُحترم حقوق الإنسان في بلدهم الذي يطمحون إلى العيش فيه بدون خوف أو توجس أو ترقب للأسوأ.
بيد أن ما سيحصل عليه السوريون بالفعل أقل بكثير. وغالب الظن أن نتائج المؤتمر لن ترقى إلى تطلعات السوريين وآمالهم. ويستطيع المراقب المحايد أن يقرر ذلك من طريقة الانتخابات التمهيدية لاختيار أعضاء المؤتمر ومن خيبة الأمل التي أصيب بها البعثيون قبل غيرهم. كما يستطيع المراقب أن يقرر ذلك من آلية الإعداد النظري والسياسي للمؤتمر. وعلى سبيل المثال، فإن معظم الأعضاء المنتخبين لم يتسنّ لهم حتى الآن الإطلاع على التقارير التي سوف تقدم إليهم من القيادة القطرية لدراستها وتعديلها وإقرارها. وغالب الظن أنهم لن يفعلوا إلا عند حضورهم إلى قاعة المؤتمر، وعندها سيتعين عليهم قراءة مئات الأوراق وفهمها ومناقشتها وتعديلها وإقرارها في أقل من أربعة أيام.
وبالتالي فإن ما سيحصل عليه السوريون لن يتعدى، بالفعل، إجراءات تجميلية لواقع الحال، وترقيعاً للثغر من غير أن يكون مشروعاً إصلاحياً متكاملاً. فقد بات في حكم المؤكد الآن أن الايام القليلة المقبلة سوف تتمخض، في أحسن الأحوال، عن تعديل جزئي لحالة الطوارئ، وقانون مجتزأ للأحزاب، وتغيير محدد في وجوه قيادة البعث، ومنح الجنسية لقرابة ثلث الأكراد الذين يطالبون بها وتقليص في الضرائب الجمركية للواردات، ورفع بسيط للرواتب والأجور في القطاع العام. ومن هنا فإن من يراهن على تغيير حقيقي في سوريا في الأشهر القليلة المقبلة سوف يمنى بخيبة كبيرة.
إن الغاية من القوانين أن تكون عادلة. وهذا ما لن يتوافق مع قانون للأحزاب بشروط تعجيزية تجهز على روحه، كأن يشترط أن تضم هيئة الحزب التأسيسية آلاف الأعضاء، مقارنة مع عدد يراوح بين خمسة عشر ومئة في الدول الديموقراطية(في اليمن خمسة وسبعين عضوا مؤسسا). وهو أيضا لن يتوافق مع ما يروج له الآن من ضبط أو تقييد أو تعديل لقانون الطوارئ بحيث يتحول القانون من سلاح مشهر في وجه الشعب إلى كونه سلاحا مخبأ في ادراج المكاتب، تستطيع الحكومة إشهاره في أي وقت تشاء.
ويبقى السؤال إذا ما كان ذلك سيلقى قبولا لدى السوريين. أستطيع الادعاء أن ذلك كان ممكنا قبل بضع سنوات، أو حتى بضعة أشهر. ولو أن السلطة السورية قامت إذذاك بهذه التنازلات، لكانت حققت نصرا كبيرا ولأحرزت تأييدا كاسحا من جانب قطاعات واسعة من السوريين، لأن ذلك كان سيبدو وكأنه خطوات جدية على طريق إصلاح حقيقي مقصود لذاته، وسيعتبر تطبيقا للخطاب السياسي الجديد الذي بدأ مع العهد الجديد.
أما الآن فإن الوضع، ببساطة، تغير. لقد لعب الحدث اللبناني دورا أعمق بكثير مما كان متوقعا على الساحة السورية. وما كان مستحيلا قبل أشهر صار ممكنا الآن وواردا ومعقولا. ومع أن معظم السوريين يرفضون تدخلا خارجيا من أجل التغيير في سوريا، إلا أن الدور الإيجابي الذي يلعبه العالم من أجل التغيير الديموقراطي في المنطقة ساعد، جنبا إلى جنب مع انتفاضة الشبيبة اللبنانيين، على فتح العيون والآذان والعقول.
المؤسف أن المعارضة العلمانية السورية لم تستفد من الدرس اللبناني، الذي فاجأها، كما فاجأ السلطة، متلبسة بالعطالة. فعشية اغتيال الحريري كانت هذه القوى في معظمها إما نائمة أو أنها تتأمل ذاتها بغبطة. وحين فوجئت بالجريمة، كانت في حال من الشلل جعلها تتبنى بشكل آلي نظريات الحكومة وتحليلاتها. وهو تبنٍ أدى إلى التماهي مع السلطة، بدل التمايز عنها وإدراك أن لكل منهما مصالح متباينة ومتناقضة، كحال أي معارضة في أي بلد في العالم. وما زال برنامج المعارضة يُختصر في توسل بعض التعديلات الممكنة من السلطة السورية. أما في ما خلا ذلك، فهي لا تختلف في برنامجها الاقتصادي و السياسي والأيديولوجي عن برنامج السلطة.
ولئن فشل العلمانيون في التقاط اللحظة، فإن الإخوان المسلمين كانوا أكثر ذكاء وبراغماتية. وهم استطاعوا التقاط اللحظة السياسية، وتمكنوا من أن يكونوا التيار الوحيد الذي أعطى رؤية مستقبلية لشكل التغيير الذي يريدونه لسوريا. المعارضة العلمانية أثبتت من جديد أنها لا تزال قاصرة، ولا بد لها من فلك تدور حوله، فراحت تتغنى بـ"التغيير الديموقراطي" الذي أحدثه الإخوان في خطابهم السياسي، مبهورة بالعبارات الكبيرة حول "تداول السلطة" و"صناديق الانتخاب،" متناسية إصرار التيار الإسلامي على منطلقاته الرئيسة نفسها وهي أن الحاكمية لله والمال لله وسوريا باعتبارها دولة إسلامية، ومتجاهلة إصراره على القيام بنقد ذاتي حقيقي لدورهم في حمام الدم الذي سفح في سوريا في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات.
وفي ظل الظروف المعطاة، فإن سوريا لن تشهد، على الأرجح، تغييرا فعليا على أي من الصعد السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، في الداخل على الأقل. وفي غالب الظن، فإن الحكومة ستحاول أن تصل إلى تسوية مع العالم، تقضي بأن تقدم تنازلات في الخارج (لبنان والعراق والأراضي الفلسطينية المحتلة) على أمل إطلاق يدها مجددا في الداخل. ومع وجود جوقة الهاتفين من "الأحزاب الوطنية والتقدمية" التي نراها الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى حول مصالحها ومكاسبها، من جانب، ووجود معارضة ضعيفة بدون جذور اجتماعية ولا قاعدة شعبية ولا برامج محددة، من جانب آخر، فإن من المرجح أن تستطيع السلطة الحصول على ما تنشد.
ومع ذلك يبقى احتمال أن يرفض العالم هذه المساومة، وأن يمضي حتى النهاية في برنامجه الديموقراطي، فيبقي بالتالي على ضغوطاته على السلطة، من أجل تغيير جوهري يشمل الحريات الأساسية وحقوق الإنسان ودورا سوريا أنشط في مجال مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال. بيد أن ذلك سيظل بدون أي تأثير إيجابي ما لم تتضافر القوى السياسية المعارضة التي لا بد لها من أن تعي ضرورة نهوضها من حالة السبات إلى حال اليقظة، ومن حال الوجود بالقوة إلى حال الوجود بالفعل، ومن حال المعارضة الافتراضية على صفحات الشبكة العنكبوتية إلى حال المعارضة الواقعية بين الناس ومعهم ومن أجلهم، ولن يتم ذلك إلا على قاعدة برنامجية مختلفة ومضادة لبرامج الحكومة، لكي يكون ثمة مبرر لوجودها.
وهذا، إن تحقق، سيفرض على الحزب الحاكم، أن يصل إلى نتيجة لا بد من أن يصل إليها آجلا أم عاجلا، وهي أن الانفراد بالسلطة أمر لم يعد بعد الآن مقبولا ولا جائزا، ولكنه أيضا ليس في مصلحته كحزب. وبالتالي فإن التخلي عن الأوهام والأطر الإيديولوجية القديمة سيغدو أمرا لا مندوحة عنه، إذا ما أراد أن يتحول من حزب افتراضي، هو مجرد واجهة لتسلط مجموعة من المفسدين والمتسلقين والمتسلطين، إلى حزب حقيقي تختاره الجماهير لأنها تختار برنامجه وليس لأنها مجبرة على ذلك، خوفا أو طمعا، أو لأن ذلك هو الممر الإجباري للحصول على عمل يسد الرمق.
وهو، إن تحقق أيضا، سوف يفرض على الحزب الحاكم والسلطة من ورائه الاقتناع بأن لا بديل من عملية التشارك في اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالوطن، سواء أكانت تلك القرارات سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية. وإذا كان من الصعب الآن تخيل أن تتم هذه المشاركة من خلال الحكومة، فإن البديل أن يتم ذلك من خلال حوار دائم وتنسيق وتقاسم للسلطة مع مؤسسات المجتمع المدني التي لا بد من الاعتراف بها كحقيقة واقعة لا يمكن تجاوزها بعد الآن. وسيكون ذلك المقدمة الضرورية للتغيير الحقيقي المنشود في سوريا. غير أن ذلك أبعد من إمكانات مؤتمر حزب البعث المقبل والخطوط المرسومة له وأبعد من إمكانيات المعارضة السورية على الفعل. ومن هنا فإن علينا أن ننتظر ربما فترة أخرى قبل أن يتحقق ذلك.
كاتب سوري
وائل السواح
النهار