مؤتمر البعث: معظم السلطة شاغله الاستمرار والامتيازات

٢٠٠٥-٠٦-٠٢

مؤتمر البعث: معظم السلطة شاغله الاستمرار والامتيازات

لا شك في ان مؤتمر حزب البعث المقبل سيكون محطة مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، أو على الاقل ما يغطي العقود الاربعة المنصرمة منذ استلام الحزب مقاليد السلطة في ستينات القرن الماضي. وهذه الاهمية التي يكتسبها المؤتمر لا تنبثق عما قد يصدر عنه من مقررات باتت معروفة تقريبا وحسب، بل عن كونه، وبفعل عوامل داخلية وخارجية متعددة، قد يشكل نقطة افتراق بين تاريخين، حيث تلتقي مختلف الرهانات على اعتبار أن "ساعة الحقيقة" قد حانت في سوريا وبات مطلوبا من الجميع، بما في ذلك النظام، تحديد خياراتهم بأعلى قدر من الوضوح تحت طائلة اسقاطهم من المعادلة التي هي قيد التشكل بفعل تفاعلات داخلية وخارجية متسارعة تموج بها المنطقة بأسرها.

واذا كانت التوقعات والآمال تتوسل أن يطلق المؤتمر حراكا سياسيا وفكريا لاعادة تعريف الدولة السورية الحديثة بما يشتمل على اجراء مراجعة نقدية شاملة للسياسات والخيارات التي سارت عليها البلاد داخليا وخارجيا خلال العقود الماضية، فان انعقاد المؤتمر على قاعدة الافتراض بأن التغيير سينبثق من داخل السلطة وعبر الاشخاص أنفسهم الذين أوصلوا البلاد الى مأزقها الراهن يثير اشكالات عدة لكنه لا يلغي الحاجة لقبول هذا الافتراض بصفته واقعا لا بديل منه خاصة أنه ينهض على حقيقتين: غالبية صامتة تنتظر وتترقب، لكنها تفتقر لأدوات التعبيرعن نفسها، ومعارضة قيد التبلور لا تزال بلا برامج أو قاعدة شعبية منظمة أو صلات دولية.

فالتعويل على الاصلاح الذاتي للسلطة ،ممثلة بالحزب الحاكم، هو خيار "اضطراري" في ظل غياب اي بديل واقعي آخر بسبب سقوط "النموذج العراقي" في الساحة الشعبية العربية، وربما في الحسابات الاستراتيجية الاميركية، في حين لم تكتمل عوامل نجاح " النموذج اللبناني" بالنظر الى ضعف حال المعارضة السورية وهشاشة علاقاتها الخارجية، اضافة الى حساسية السوريين تجاه أي دور فج للعامل الخارجي تحت وطأة ثقافة يقال أنها متجذرة وتنظر بسلبية الى أية قوى تستمد قوتها من خارج الحدود.

واذا امعنا النظر في الاسباب التي قد تدفع السلطة للتماهي مع مطالب التغيير فسنجد أن غالبيتها ذات طابع تكتيكي، من باب "احناء الرأس للعاصفة" ولا تعبر تاليا عن اقتناع فعلي بأن التغيير خيار لا بديل منه ويجب المضي فيه الى آخر استحقاقاته وما يتطلب ذلك من "تضحيات" من جانب أبناء السلطة ومن تعديلات جوهرية في مسارات طالما اعتبرت "استراتيجية" وتمد النظام بالكثير من عناصر شرعيته.

لقد عجّلت احداث لبنان الاخيرة التفكير لدى النظام في اتجاه اعادة صوغ الذات لترميم بعض الضرر الذي لحق بصورته في الذاكرة الوطنية. وعملية الترميم هذه تأخذ في الحسبان هذه المرة العوامل الداخلية في ضوء اصرار الخارج ليس على تحجيم دور سوريا الاقليمي وحسب، بل وتهديد نظامها في عقر داره، مما أعطى بعض الزخم للدعوات التي توجهها قوى المعارضة السورية للنظام من اجل توفير بيئة محلية مواتية تمكنه من الاستقواء الفعلي بالناس والمجتمع في وجه ضغوط الخارج.

والسؤال المطروح الآن هو هل: لدى اركان النظام تصور واضح عن المدى الذي هم مستعدون لبلوغه على طريق " مسايرة" دعوات الاصلاح والتحول الديموقراطي والتي يتفاعلون معها اساسا تحت ضغط حسابات خارجية؟ وهل يصلح مؤتمر الحزب ليكون القابلة القانونية والشرعية للتغييرات المنتظرة؟

لقد دعا العديد من القوى الى عقد "مؤتمر وطني" جامع يبت بشأن هذه التغييرات من بينها "الاخوان المسلمين" الذين امهلوا السلطة ثلاثة اشهر من اجل الاستجابة لدعوتهم. ولعل مثل هذا المؤتمر هو ما كانت تحتاج اليه البلاد التي تعيش أزمة شاملة لا تخص حزب البعث وحده، وهذا ما يفسر الآمال الكبيرة التي تعلق على مؤتمر الحزب بصفته تعويضا ما عن غياب المؤتمر الوطني المنشود، رغم ان هذا المؤتمر غير مخول البت بالعديد من المسائل التي تدخل في صلب التغييرات المرجوة مثل اقرار قانون للاحزاب أو تغيير بعض المواد الدستورية أوحتى الغاء قانون الطوارئ أو القانون الخاص بتجريم الانتماء لجماعة "الاخوان المسلمين"...الخ

الا أن دوره الاهم قد يتمثل في خلق بيئة مواتية لاطلاق حراك سياسي جديد يقود الى التغييرات المنشودة . والاساسي في ذلك هو ان يغير الحزب نفسه ويتخلى عن شعار قيادة الدولة والمجتمع ويطرح نفسه على قدم المساواة مع بقية الاحزاب لجهة علاقته مع السلطة والمجتمع فلا يستأثر بالموارد المالية والمنابر الاعلامية، مما يفرش لاحقا أمام القيادة السياسية كي تصدر قانونا جديدا للتعددية الحزبية بعيدا عن الاطار الحالي الذي لم يعد مقنعا والمتمثل بصيغة "الجبهة الوطنية التقدمية" .

ولعل الحزب يحقق لنفسه انجازا مهما اذا أفرز بطريقة واضحة "فريقا اصلاحيا" قويا الى القيادة القطرية تحت اي مسمى جديد قد تتخذه هذه القيادة، لأنه حينذاك قد يتمكن من مواكبة المرحلة المقبلة وربما لعب دوراً قيادياً فيها خاصة اذا تذكرنا ان البعث في اصوله الاولى، اي قبل تسلمه السلطة عام 1963، لم يكن حزبا شموليا الغائيا بل كان اقرب ما يكون الى الحزب الديموقراطي وشارك بفاعلية في الحياة السياسية والبرلمانية السورية بعد الاستقلال.

غير أن التحدي الذي يبرز هنا هو حول مدى اهلية ممثلي الحزب الذين فازوا في الانتخابات لمناقشة واقرار خطوات كبيرة ومفصلية في حياة البلاد خاصة اذا علمنا أن غالبيتهم الساحقة (أكثر من 90%) هم مفاصل الحزب التقليدية والذين ليس لديهم سوى فكرة محدودة عن حجم المأزق الذي تواجهه البلاد وماهية الحلول الممكنة، ومعظمهم مستعد للتصفيق الحار لأي خطاب أو" توجيه" يأتيهم من القيادة العليا. وهذا الواقع دفع بعض القوى الى مناشدة السلطات السماح لشخصيات أكثر تأهيلا لكنها لم تفز في الانتخابات بالمشاركة في المؤتمر، وهو ما جرى الاستجابة له جزئيا وسمح للعديد منهم بالمشاركة بصفة مراقب بينهم أعضاء اللجان التي تشكلت لتطوير فكر الحزب والذين أخفق معظمهم في الوصول الى المؤتمر عبر الانتخابات!

لا بد من الاقرار بوضوح بأن الحزب وطوال العقود الماضية لم يكن بفكره ولا بروحه القائد الفعلي للدولة والمجتمع ، بل جرى استخدامه كمظلة وتشاركت قيادته مع السلطة في الغنائم والمفاسد، وهو اذ تناط به اليوم مهمة اعادة الابحار بالسفينة المعطوبة، انما يواصل القيام بالمهمة نفسها، أي المظلة لتخريج قرارات متخذة مسبقا على الارجح من المستوى السياسي- الامني، ومن المستبعد أن يجري أي نقاش جدي بشأنها داخل مؤتمر الحزب ليس بسبب عدم اهلية معظم أعضاء المؤتمر لمناقشة قضايا مصيرية وحسب، بل لأنه سيكون من الحمق ان نفترض أن الفريق الذي يحكم فعلا يمكن ان يسلم مصيره ومصير البلاد لكتلة كبيرة من الاشخاص هم اعضاء المؤتمر، والذين على اية حال لا يخطر في بال أي منهم انه ذاهب الى مهمة بهذا الحجم.

والحقيقة الاخرى المكملة للنقطة الاولى هي ان القطاع الاوسع من جسم السلطة بما في ذلك قيادة الحزب، منشغل بالحفاظ على نفسه ونفوذه وامتيازاته، وهو يقيس موقفه من أية اصلاحات بمقدار ما تحمي مصالحه أو لا تهددها، لذلك فان الحديث عن اصلاحات تنطلق من قاعدة السلطة الى قمتها غير واقعي بالنسبة الى الحالة السورية الراهنة، والاكثر واقعية أن ننتظر قرارات تدفع قضية الاصلاح من القمة، وتحديدا من الرئيس بشار الاسد وفريقه المفترض، والتي لا بد أن تتخذ أحيانا شكل الاكراه، ومثل هذه القرارات هي التي ستحدد السقف الذي قد تمضي اليه العملية برمتها، على الاقل في المرحلة الراهنة.

والحديث هنا يقتصر طبعا على التصورات المحتملة لتفاعل قضية الاصلاح داخل جسم السلطة، دون الاخذ في الاعتبار مواقف قوى المعارضة والمجتمع المدني في سوريا والتي يجب الاقرار ايضا بأن مساهمتها لا تزال محدودة وتقتصر تقريبا على تكرار مطالب معروفة مثل الغاء حالة الطوارئ والافراج عن السجناء السياسيين واطلاق الحريات دون أن تتقدم ببرامج سياسية متكاملة تطرح بديلا وطنيا، سياسيا واقتصاديا للوضع الراهن.

وفي كل حال، فان قدرة السلطة على ضبط الحراك الذي من المرجح ان يتفجر على نحو لافت بعد مؤتمر الحزب، ستكون وربما لأول مرة محدودة ومقيدة، بغض النظر عن السقف الذي ستبلغه قرارات المؤتمر. وستكون هناك مبررات قوية لتصعيد هذا الحراك مما قد يقود الى مواجهات مع السلطة اذا اختارت الاخيرة اللجوء الى القمع عوضا عن المشاركة والتحاور مع القوى الجديدة خاصة انه سيترافق مع عوامل ضغط خارجية مثل لجنة التحقيق في اغتيال الحريري والاشتراطات التي يضعها الاوروبيون مقابل توقيع اتفاق الشراكة مع سوريا وتصاعد وتيرة التغييرات الداخلية في المحيط الاقليمي بما في ذلك مصر.

والقوى التي قد تبرز خلال المرحلة المقبلة لا بد في النهاية ان تمثل التيارات التقليدية في الساحة العربية برغم غياب ممثلي بعض هذه القوى خلال الحقبة الماضية في الساحة السورية أو تراجعهم بفعل طغيان تيار واحد واستبداده هو الفكر القومي ممثلا خاصة بحزب البعث. غير ان النكسات التي ألمت بهذا التيار فكراً وممارسة، خاصة ما جرى لحزب البعث في العراق، كان لا بد ان تطفىء بعض بريقه في سوريا مقابل تصاعد الدعوات لسورنة اهتمامات البلاد وايلاء الاولوية للداخل السوري بعد ان اختطفت "القضايا القومية" اهتمامات السوريين خلال العقود الفائتة أو ان قيادتهم اتخذت منها ذريعة للتهرب من استحقاقات الاوضاع الداخلية بحسب ما ترى المعارضة السورية.

والتياران الابرز اللذان غابا أو غُيّبا عن الساحة السورية طوال العقود الماضية وهما "الاسلامي" و"الليبرالي" باتت الان كل الظروف مهيأة لعودتهما القوية في ظل بيئة اقليمية ودولية مواتية تماما لهما ومناهضة الى حد ما للتيار القومي. ولعل الاشكالية التي تواجه جميع الاطراف هي عن ماهية ممثلي التيار الاسلامي حيث لم تنجح جماعة "الاخوان المسلمين" برغم ما طرأ على خطابها من تجديد ومرونة في تبديد مخاوف النظام بل وبعض القوى الاخرى في المجتمع السوري التي تتخوف من أي حضور قوي لما تعتبره قوى اصولية في الساحة السورية التي تبدو محتقنة ضد الكثير من ممارسات النظام الحالي وجاهزة تاليا لقبول أية بدائل مغايرة، بينما لا تزال القوى الاسلامية الاخرى في مرحلة الكمون، أو أنها لم تفصح بعد عن مدى حضورها وطبيعة طروحاتها ويمثلها بشكل خاص الدكتور محمد حبش رئيس مركز الدراسات الاسلامية في دمشق وأتباع مفتي الجمهورية الراحل الشيخ احمد كفتارو وكلاهما يمثل بوجه عام خطا معتدلا في التيار الاسلامي. اما طبقة التجار والبورجوازية الجديدة فلم يبرز بعد بشكل واضح ممثلوها السياسيون.

وكان عضو مجلس الشعب المعتقل حاليا رياض سيف يمثل الارهاص الابرز لهذه القوى عبر الاطار الذي اعلن عن تأسيسه (حركة السلم الاجتماعي) وتشير معطيات عديدة الى ان المرحلة المقبلة قد تشهد تنافسا على تمثيل هذه القوى التي تمثل جسما أصيلا في المجتمع السوري جرى اقصاؤه بعنف بعد استلام حزب البعث السلطة عبر حركة التأميم، وظل طوال العقود الماضية على هامش العملية السياسية، في حين صعدت الى السطح نماذج جديدة من البورجوازية وأصحاب الرساميل ممن تثار شكوك حول مصادر ثروتهم وغالبيتهم من أبناء المسؤولين الذين يستعدون لدخول السياسة من باب المال بعدما احترقت أو تكاد اوراق ذويهم حتى صار ارث الاباء في بعض الاحيان عبئا يسعى هؤلاء الابناء للتبرؤ منه باعتبار أنه قد يعرقل جهودهم لدخول معترك الحياة العامة.

صحافي سوري - جريدة الثورة

عدنان علي

النهار

العثور على الشيخ الخزنوي مقتولاً

العثور على الشيخ الخزنوي مقتولاً

دمشق - "النهار":

بعد اختفائه 21 يوما، اعلنت السلطات السورية امس مقتل نائب رئيس مركز الدراسات الاسلامية في دمشق الشيخ معشوق الخزنوي والعثور على جثته في محافظة دير الزور في وسط شرق البلاد.

وافاد مصدر مسؤول في وزارة الداخلية "ان قوى الامن الجنائي القت القبض على المجرمين الذين قاموا بارتكاب جريمة اختطاف وقتل الشيخ معشوق الخزنوي، بعد متابعة حثيثة من كل الجهات المعنية منذ اختفائه".

وتظاهر عشرات الآلاف من الاكراد السوريين في مدينة القامشلي احتجاجا على الجريمة، وهم في الطريق الى مقبرة "قدور بيك" حيث اجريت مراسم دفنه.

وفي تطور سياسي على خط الجريمة التي وصفتها السلطات السورية بانها جنائية، كشف المراقب العام لجماعة "الاخوان المسلمين" المحظورة علي صدر الدين البيانوني انه التقى الشيخ الخزنوي في بروكسيل في شباط الماضي وان الاخير "اشاد بالمواقف الوطنية للجماعة وببرنامجها السياسي".

ويذكر انه قبل ثلاثة ايام من اعلان مقتله، كان مراد الخزنوي نجل الشيخ معشوق قد نفى رداً على سؤال وجهته اليه "النهار" ان يكون والده على صلة بالجماعة.

واوضح المصدر المسؤول في وزارة الداخلية ان "عدداً من الخاطفين الذين القي القبض عليهم اعترفوا بجريمتهم وانهم جزء من مجموعة مؤلفة من خمسة افراد قاموا باختطاف الخزنوي من دمشق بعد تخديره ونقلوه الى حلب ثم قتلوه ودفنوا جثته في مدينة دير الزور".

وبث التلفزيون السوري في نشرته المسائية اسماء المتورطين في الخطف وارتكاب الجريمة وهم: ياسين مطر الهندي من دير الزور وهو موظف في مؤسسة كهرباء دمشق، محمد مطر عبدالله من دير الزور وهو امام جامع المناجيب في دير الزور، الى ثلاثة لا يزالون متوارين عن الانظار وهم: اسماعيل قدري ملا من الحسكة، اسماعيل حليمة من الحسكة وسعيد هيدلة من دير الزور.

واضاف المصدر المسؤول في وزارة الداخلية انه "بعد القاء القبض عليهم، ارشدوا عناصر الامن الجنائي الى مكان الجثة، حيث تم اخراجها وتسليمها الى ذويه الذين كانوا على اطلاع كامل على حيثيات وخطوات التحقيق الذي ادى الى اكتشاف الجريمة بعد متابعة خيوطها والاحتفاظ بالمعلومات حرصاً على سير التحقيق". واشار الى ان نتيجة التحقيق تؤكد ان هذه الجريمة "جنائية بحتة وان الشيخ الخزنوي لم تعتقله اية جهة امنية كما روج بعض المصادر ووسائل الاعلام المغرضة".

وبعد انتشار خير الجريمة، وفد الى مدينة القامشلي التي تقع على مثلث الحدود السورية التركية العراقية عشرات الالاف من الاكراد السوريين من مختلف القرى والبلدات الكردية. وروى شهود عيان ان علامات الغضب ومظاهر الحزن بدت على الجميع، وان اكثر شوارع المدينة اكتظت بالناس الذين توجهوا الى "جامع معشوق الخزنوي" في حي حنكو للصلاة على الراحل، ثم الى مقبرة "قدور بيك" حيث ووري الشيخ الخزنوي.

وقالت مصادر كردية لـ"النهار"، ان هناك اجواء شعبية مشحونة بسبب ما حصل، وان مسؤولين امنيين وصلوا الى المنطقة للوقوف على التطورات.

"الاخوان"

وفي تصريح، يبدو ان القصد منه اعطاء بعد سياسي للجريمة، قال البيانوني انه التقى "فضيلة الشيخ محمد معشوق الخزنوي رحمه الله في تاريخ 15 شباط 2005، خلال رحلته الاخيرة الى اوروبا، في حضور عدد من الاخوة العرب والكراد، ودار الحديث حول الاوضاع الحالية والرؤية المستقبلية في سوريا، والعلاقات الاخوية العربية الكردية في اطار الوحدة الوطنية. وقد اشاد، رحمه الله، بالمواقف الوطنية للجماعة وببرنامجها السياسي الذي كان قد اطلع عليه من قبل، وطالب باعلان موقف واضح من القضية الكردية ومن المظالم التي يتعرض لها المواطنون الاكراد في سوريا. وقد استجابت الجماعة لطلبه، واعلنت رؤيتها حول القضية الكردية في تاريخ 17/5/2005".

وكانت السلطات السورية اعتقلت في 24 ايار الماضي ثمانية من اعضاء منتدى الاتاسي، على خلفية تلاوة احدهم رسالة نيابة عن البيانوني، وافرجت عنهم بعد نحو اسبوع، بعدما اقروا بأن ذلك خط أحمر واعلنوا التزامهم القانون السوري الذي يمنع ترويج "الاخوان" او الاتصال بهم.

احزاب كردية

وصرح عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الديموقراطي الكردي في سوريا زرادشت محمد لـ"النهار" ان "هناك مسؤولية اخلاقية تتحملها السلطات بسبب الاختطاف الذي دام اكثر من 20 يوماً وبسبب الجريمة، لأن السلطات مسؤولة عن امن المواطنين وسلامتهم".

ولاحظ مشعل التمو من تيار المستقبل الكردي ان "الصورة ضبابية حتى الآن، لان الخزنوي كان رجلاً معتدلاً وليس له اعداء وهو يدعو الى اللاعنف وهو منفتح وليس اصولياً، ويدعو الى فصل الدين عن الدولة. كما كان يدعو الى اعطاء الشعب الكردي حقه على ارضية المواطنة السورية الكاملة".

وطالب امين سر اللجنة المركزية لحزب يكيتي الكردي حسن صالح "بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ونزيهة تضم محامين اكراداً للوقوف على تفاصيل الجريمة ودوافعها".

وللخزنوي مكانة دينية سياسية كبيرة في الوسط الكردي السوري، وله علاقات محلية واقليمية وربما دولية متشعبة، وقد ورث عن والده اموالاً واملاكاً كبيرة. وهناك خلافات عائلية على الارث الكبير والتركة بينه وبين شقيقه، كذلك هناك خلافات في التوجهات الدينية، ذلك ان اخاه غير الشقيق محمد الخزنوي ورث الطريقة النقشبندية، فيما عرف عن معشوق انفتاحه ومناصرته حقوق المرأة ومتابعته المسألة الكردية سياسيا. وفي الوسط الكردي يتوزع الاتباع والمريدون بين الاخوين غير الشقيقين على رغم عدم اكتراث عموم الاكراد للمسألة الدينية.

وحصلت عملية الخطف في 10 ايار، ويومذاك كان الخزنوي في مركز الدراسات الاسلامية بدمشق، وحصل ذلك بعدما تلقى مكالمة هاتفية سببت له ازعاجا، ثم خرج غاضبا وبعدها انقطعت اخباره.

واشتهر الخزنوي بجولاته الداخلية، في المناطق الكردية في سوريا، والخارجية، وآخرها كانت مشاركته في مؤتمر "دور الاديان في الديبلوماسية وصناعة السلام" الذي انعقد في اوسلو في شباط الماضي، وسبقت مشاركته في المؤتمر جولة ولقاءات مع الجالية الكردية والمعارضة السورية في كل من المانيا واسوج وبلجيكا، الى نروج.

أبطال الربيع الجزء الثاني (رياض سيف): منال أيوب

٢٠٠٥-٠٦-٠١

أبطال الربيع الجزء الثاني (رياض سيف): منال أيوب

إليك الأن قصص الزهور التي قُطفت وحرقت بنار ولهيب الظلم والإستبداد التي قضت على زهور الربيع الدمشقي.

سيف صاحب التجربة الصناعية الفريدة في صناعة النسيج في سوريا ووكيل شركة "اديداس" تحول بسرعة شديدة إلى رمز بارز في عالميَ الصناعة والسياسة في المجتمع السوري. وقد أخذت هذه المؤسسة الصورية (مجلس الشعب) منحى جديداً بدخوله إليها، فلم تمضِ مناسبة إلا وقدم فيها مداخلات نقدية حول الأداء الحكومي وخصوصاً في المجال الاقتصادي.

فهذا الصناعي امتنع، في بداية حياته النيابية، عن التطرق إلى القضايا السياسية، وقصر نشاطه على الجانب الاقتصادي. لكن الحال تغير مع الأيام الأخيرة لعهد الرئيس حافظ الأسد وبروز نجم نجله الرئيس الحالي بشار الأسد عبر ما عرف بظاهرة محاربة الفساد. فقد وجد سيف ضالته المنشودة في هذا الشعار فهو كان أول من رفعه ودافع عنه في مجلس الشعب وقدم مداخلات مكتوبة حول الهدر وضياع المال العام والفساد.

وسع النائب المستقل دائرة نشاطه لتشمل المثقفين أيضاً الذين أطلوا برؤوسهم بعد وفاة الرئيس السوري وتولي نجله مقاليد الأمور في البلاد. فكان أول من بادر إلى تأسيس المنتديات الثقافية (منتدى الحوار الوطني) التي مهدت لما عرف فيما بعد بـ"ربيع دمشق". ويمكن القول إنّ هذا الصناعي هو الأب الروحي لهذا الربيع؛ إذ تحول منزله في مدينة دمشق إلى قبلة لكل عشاق الحرية والديمقراطية يجتمعون فيه ليناقشوا تاريخ بلدهم ودور المثقفين في التغيير الاجتماعي والسياسي وتفعيل المجتمع المدني وقضايا حقوق الإنسان.

وإذا كان المثقفون السوريون قد شعروا في البداية بنفور من هذا الصناعي القادم من عالم النسيج إلا انهم وجدوا أنفسهم، بشكل أو بآخر يعملون تحت جناحه. فمن منزله انطلقت المنتديات ومنه انطلقت أيضاً فكرة تأسيس "لجان إحياء المجتمع المدني".

وقد لخص سيف، في مداخلة هامة له في مجلس الشعب تعليقاً على البيان الوزاري للحكومة السورية السابقة، التي قدمت على أنها حكومة إصلاح ومحاربة الفساد، الحياة السياسية في سورية ووضع إصبعه على الجرح بالقول: "إنها من أسعد الحكومات في العالم، إذ لا أحزاب معارضة تؤرقها، ولا إضرابات عمالية تحرجها، ولا سلطة قضائية تحكم ضدها، ولا سلطة تشريعية تراقبها، ولا صحافة فضولية تكشف أخطاءها. وإنّ هذا المناخ الذي يتوفر للحكومة هو مناخ لا بد أن يسبب الاسترخاء والكسل واللامبالاة كما يشكل بالضرورة أرضاً خصبة لنمو الفساد".

مخططات طموحة

لم يكتف سيف بهذه الجرأة في طرح تصوراته بل أعلن عن نيته في تأسيس حزب جديد (حزب السلم الاجتماعي)، فلم تعد المنتديات تفي بالغرض، إذ لا بد من وجود حزب سياسي معارض ذي قاعدة عريضة يعيد الحياة السياسية إلى الدولة والمجتمع. هنا دقت السلطة السورية بكل مؤسساتها طبول الحرب ضد ظاهرة سيف وشحذت كل أسلحتها لوقفها والقضاء عليها.

وفي السادس من شهر أيلول/ سبتمبر 2001 اعتقلت أجهزة الأمن السورية النائب المستقل رياض سيف (55عاماً) بعد أن جُرد من حصانته البرلمانية بقرار من رئيس المجلس عبد القادر قدورة دون الرجوع إلى المجلس الذي كان في إجازة. وباعتقاله دخلت ظاهرة سيف طوراً جديداً، خصوصاً وأنها ترافقت مع هجمة أمنية شرسة على كل نشطاء المجتمع المدني أدت إلى اعتقال ما عرف فيما بعد في أدبيات المثقفين السوريين "بالعشرة الأفاضل" وهم بالإضافة إلى سيف، النائب المستقل محمد مأمون الحمصي والأكاديمي البارز عارف دليلة والمعارض المخضرم رياض الترك (أطلق سرحه فيما بعد) وغيرهم.

وفي الرابع من نيسان/ أبريل 2002 أصدرت محكمة الجنايات الثانية في دمشق حكماً بالسجن مع النفاذ خمسة أعوام على النائب المستقل "بجناية الاعتداء الذي يستهدف تغيير الدستور بطرق غير شرعية"، وذلك في إشارة إلى برنامج الحزب الذي كان سيف قد أعلنه في كتيب بعنوان"مبادئ أولية للحوار" حيث دعا إلى تغيير بعض مبادئ الدستور السوري وخصوصاً المادة الثامنة التي تقول: "إنّ حزب البعث هو حزب قائد للدولة والمجتمع".

سيف الذي حول محاكمته إلى منبر للدفاع عن آرائه السياسية اعتبر حكم المحكمة وساماً على صدره إلا أنه فند هذا الحكم قائلاً بأنه "سجين عقود الخليوي وليس سجين الاعتداء على الدستور". فقد كان النائب المعتقل قد أصدر قبيل اعتقاله بشهر كتيباً من (96) صفحة (من القطع الصغير) بعنوان "صفقة عقود الخليوي" بين فيه أنّ هذا العقد يضيع على الدولة السورية 400 مليار ليرة سورية (حوالي ثمانية مليارات دولار امريكي)، وأنّ الشركتين المتعاقدتين اللتين تعود ملكيتهما لشخص واحد (أحد أقارب الرئيس السوري) تحققان أرباحاً احتكارية وغير عادلة تصل إلى 300 مليار ليرة سورية، وهو ما يعادل "كتلة الرواتب والأجور والتعويضات لجميع العاملين في وزارات العدل والتعليم العالي والتربية والصحة والشؤون الاجتماعية والعمل، الذين يعيلون ما يقارب مليون مواطن سوري، على مدى خمسة عشر عاماً".

وبالانقضاض على "العشرة الأفاضل" ومنهم سيف تلقت حركة المجتمع المدني السورية ضربة قوية وتراجع ربيع دمشق إلى الحد الذي أعلن الكثيرون فيه موته. واليوم، وحين تمنح مدينة "فايمار" الألمانية جائزتها السنوية لحقوق الإنسان، إلى رياض سيف تكون قد أعادت الاعتبار إلى ربيع دمشق عبر الاحتفاء بأبرز رموزه. فهذه الجائزة الرمزية، التي تأسست عام 1995 ومنحت إلى شخصيات عالمية بارزة ناضلت في مجال حقوق الإنسان، تذكر بهذه الشخصية الصناعية البارزة، التي رفعت لواء حقوق الإنسان والديمقراطية في بلد تحكمه قوانين الطوارئ منذ أربعة عقود.

"الرأي / خاص"

الحقيقة .. الحقيقة

الحقيقة .. الحقيقة

أخبار الشرق

كان الموقف السائد في الفترة الماضية بأنه لا يمكن لسلطة أو أجهزة أمنية أن تدعي عدم مسؤوليتها عن تعرض أي مواطن للخطر، سواء كان بالاختطاف أو القتل. وخرج آخرون ليذكّروا بأنه لا اتهام دون دليل.

الآن تغيرت الصورة قليلاً، هناك أخبار عن مقتل شخصية كردية تمثل اتجاهين واسعين في سورية: الإسلامي والكردي، وبالتالي فإن مسؤولية السلطة تصبح مضاعفة في هذه الحالة، وتتضاعف مرات ومرات إذا ثبتت مسؤولية أي من أطرافها أو "الفروع الأمنية" التي تعمل كل منها (على ما يبدو) كسلطة مستقلة.

ليس هناك من مطالب في هذه الحالة سوى "الحقيقة" .. الحقيقة مُرّة كما يظهر الآن، لكن كشفها يجب أن يكون أولوية ليس للأكراد فقط، بل لجميع القوى السياسية والمنظمات الحقوقية والناشطة، في سورية وخارجها؛ لأن هذه الحالة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، في ظل سلطة منفلتة من كل عقال، تتصرف في البلاد والعباد كما يتصرف صاحب المزرعة بالعبيد لديه.

الحقيقة .. الحقيقة، ولا مجال للتورية أو كشف جانب منها، وهذه في النهاية مسؤولية السلطات: من الذي اختطف الرجل؟ وأين اختفى كل هذه الفترة؟ وكيف قضى نحبه؟ والسؤال الأكبر هنا: أين دور السلطات والأجهزة الأمنية (إذا لم تكن المسؤولة) عن حفظ أمن الوطن والمواطن؟ ولا يمكن القبول مطلقاً هنا بإغلاق الملف بالطريقة التي أغلقت بها ملفات الاختطاف والتعذيب والقتل في مراكز التحقيق في الماضي.

بالطبع هناك ميل لتحميل السلطات مسؤولية ما يجري، ليس فقط لأنها قد تكون الفاعلة، بل لأن حالات الاختطاف في الشارع تكررت في الفترة الماضية، وبعض الحالات تأكدت مسؤولية السلطات عنها، فبالتالي ليس هناك ثقة في إعلان براءتها الآن، والقضية ليست اتهاماً بقدر ما هي قياس على حالات سابقة.

في الحالات السابقة لم يجر أي تحقيق، ولم تعلن أي نتائج، بل دأبت السلطة على تكذيب جميع المعلومات الخاصة بالتعذيب والوفاة بسببه، لكن لا يُعتقد الآن أن الأمر سيمر بهذه السهولة، فالشيخ الخزنوي له وزنه بين أتباعه، وذهب البعض إلى حد تشبيهه بالحريري الذي كان اغتياله الشرارة التي أطاحت بالوجود السوري في لبنان.

إن أي "سيناريو" للجريمة التي راح ضحيتها الشيخ الخزنوي لن يريح الشارع السوري عموماً والكردي بشكل خاص، ما لم تطرأ على الأرض تغييرات حقيقية؛ لأن هذه التغييرات هي السبيل الوحيد لكشف الحقيقة. ففي ظل "أجهزة" يعمل كل واحد منها لحسابه الخاص، وفي ظل السياط المسلطة على رقاب المتبرعين بكشف الحقيقة لن يتم التوصل إلى شيء، فالطبيب الذي يفحص الجثة لن يجرؤ على البوح بتقريره إذا لم يتلق الضوء الأخضر من الجهة المسؤولة (التي قد تكون الجانية)! ولا يُتصور وجود محققين مستقلين عن الجهات "المالكة" (وليس الحاكمة فقط) للبلاد، في بلد القضاء فيه ليس موضع ثقة، ولا يمكن تحديد المسؤولية في وقت يعلن فيه رئيس الجمهورية أنه لا يفعل كل شيء في سورية، إذاً من الذي يحكم؟ الأجهزة أم الرئيس؟ أم أن لكل جهاز سلطته ومرجعيته بعيداً عن رأس الدولة؟

إن أكثر ما يُخشى في هذه الحالات أن تكون جريمة بهذا الحجم مدخلاً للتدخلات الخارجية، فقد تنشأ مطالب بإرسال فرق من الخارج للتحقيق، وما يتبع ذلك أو يسبقه من مواقف دولية، وقد يترتب على ذلك حقائق توجب محاكمات قد لا تتوفر شروطها داخل سورية .. هذه قضية معقدة وخطيرة في آن معاً. لكن هل هذا يجب أن يمنع من المطالبة بكشف الحقيقة؟!

* هل سيصبح "الخزنوي" حريري سورية؟

* هل سيصبح "الخزنوي" حريري سورية؟

بقلم: سليمان يوسف يوسف *

تظاهر يوم السبت الماضي، (21/5) ما يقارب ألفي شخص من أكراد الجزيرة السورية سلمياً، مطالبين السلطات السورية بالكشف عن مصير رجل الدين الكردي، الدكتور "معشوق الخزنوي"، الذي اختطف (بعد خروجه من مكتبه) بالعاصمة السورية دمشق بتاريخ 12/5/2005. اتهم المتظاهرون سلطات الأمن السورية باختطاف الخزنوي، وحملوها مسؤولية أي مساس بحياته، في حين نفى مصدر مسؤول في وزارة الداخلية السورية وجوده لديها. ولم تخلو بعض الشعارات التي رفعها المتظاهرين (حتى نحافظ على استقرار وطننا نطالب بالكشف العاجل عن مصير الشيخ الخزنوي) من تهديد بالتصعيد واستمرار الاحتجاجات، ما لم تسارع السلطات السورية إلى الكشف عن مصير الشيخ الخزنوي، كما هدد قادة التنظيمات الكردية التي شاركت في التظاهرة (عددها ثلاثة من أصل أربعة عشر حزب وتنظيماً كردياً سورياً) في كلماتهم التي ألقوها أمام الحشد المتظاهر، هددوا بنقل المسيرات الاحتجاجية إلى المدن السورية الرئيسة مثل حلب ودمشق، ما لم يظهر الشيخ الخزنوي خلال أيام. ويسجل للتنظيمات الكردية بأنها كانت السباقة وصاحبة المبادرة، من بين أحزاب المعارضة السورية، في فتح باب الاعتصامات والتظاهرات أمام المحاكم الاستثنائية السورية التي يحال إليها عادة المعتقلين الأكراد ونشطاء المعارضة، مثل "محكمة أمن الدولة" و"المحكمة العسكرية"، وقد أثبتت "الحركة الكردية" بالرغم من الخلافات العميقة بين تياراتها وتشرذمها، أنها الأكثر تنظيماً وقدرة على تعبئة وتحريك أنصارها. وفي قضية "الخزنوي" - طبعاً إذا بقي مخطوفاً -

من المتوقع أن تحرك، ليس فقط الشرائح الكردية المسيسة فحسب، وإنما الطبقات الشعبية المتدينة من كردية وعربية أيضاً، إذ لعائلة الخزنوي جذور وصلات عميقة في المؤسسة الدينية الإسلامية داخل سورية، ولها امتدادات وولاءات واسعة ومريدين كثر في دول الجوار، خاصة تركيا، تقدر بعشرات الآلاف، وإن كان الشيخ المخطوف (معشوق الخزنوي) في خلاف مع بعض رجالات ومشايخ عائلة الخزنوي بسبب أفكاره العلمانية ومواقفه السياسية، فالدكتور الخزنوي معروف بأفكاره الليبرالية وهو يدعو إلى الدولة العلمانية وفصل الدين عن الدولة، وهو ينبذ العنف الذي تقوم به التيارات الإسلامية المتشددة، فهذا لا يقلل من مكانته في الأوساط الدينية إلى جانب السياسية. فـ "معشوق الخزنوي"، شخصية منفتحة على الآخر، وله حضور فاعل في العديد من المنابر المحلية والإقليمية والعالمية المهتمة بالحوار بين الأديان و"حوار الحضارات" باعتباره نائب رئيس مركز الدراسات الإسلامية في سورية؛ الذي يرأسه عضو مجلس الشعب الدكتور محمد حبش. كما أنه يحظى بمكانة خاصة ومتميزة في الوسط السياسي الكردي والشعبي؛ لأنه من الشخصيات الإسلامية الكردية القليلة المهتمة بالشأن السوري العام وتنتقد السياسة السورية حيال حقوق الأكراد السوريين. وكانت السلطات السورية قد سحبت قبل عام كتاباً له من الأسواق بسبب ذكره لـ "كردستان". لهذه الأسباب وغيرها من المتوقع أن يكون لحادثة خطف واختفاء شخصية دينية بأهمية ومكانة الشيخ الخزنوي؛ آثار كبيرة على الساحة السياسية السورية في ظل حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي المخيمة على المجتمع السوري، واستمرار سياسة الإقصاء والإبعاد والاعتقال التي يمارسها النظام القائم وحزبه الحاكم بحق قوى المعارضة الوطنية، واستمرار الظلم الواقع على القوميات الغير عربية في سورية. ولا يستبعد أن تكون الجهة الخاطفة، أياً تكن، أرادت من تنفيذ هكذا عملية في هذه الظروف العصيبة والصعبة التي تمر بها سورية؛ زعزعة أمن البلاد وقلقلة الأوضاع فيه، ودفعها باتجاه فتنة طائفية وعرقية، انطلاقاً من منطقة "الجزيرة"، الأكثر تأثراً بالحالة العراقية الساخنة، والتي شهدت 2004 أحداث عنف بين الأكراد وقوات حفظ النظام، راح ضحيتها العديد من الأكراد بين قتيل وجريح، وكذلك مقتل اثنين من الآشوريين على أيدي متطرفين عرب.

فسورية التي لم تتخلص بعد من انعكاسات جريمة "اغتيال الحريري"؛ هي اليوم في مواجهة تداعيات اختطاف الشيخ الدكتور "معشوق الخزنوي". أمام هذا الفصل الجديد في المشهد السياسي السوري المتحرك، يأتي السؤال: هل ستأخذ جريمة "خطف الخزنوي" الذي اختطف من وسط العاصمة السورية دمشق؛ المنحى الذي أخذته، جريمة "اغتيال الحريري"، رئيس الوزراء اللبناني السابق، الذي اغتيل في وسط بيروت بتاريخ 14 شباط الماضي؟ وهل ستكون "عملية الخطف" مناسبة لأكراد سورية ومعهم قوى المعارضة السورية لانتزاع من النظام بعض مطاليبهم السياسية، مثلما فعلت المعارضة اللبنانية على أثر مقتل الحريري؟ لا شك في أن "الحالة السورية" ليست مماثلة تماماً لـ "الحالة اللبنانية"، ولا موقع الشيخ الخزنوي - على أهميته ومكانته - على الخريطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية السورية، مشابه لموقع رفيق الحريري على الخريطة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللبنانية، ولم تتفاعل قضية "خطف الخزنوي" على الساحة الإقليمية والدولية بعد، مثلما تفاعلت جريمة "اغتيال الحريري". لكن مع هذا تبقى قضية الخزنوي مرشحة للتفاعل والتصعيد، خاصة إذا ما أصابه أي مكروه، إذ أن الظروف السياسية، الإقليمية والدولية، التي وقعت فيها عملية اغتيال الحريري هي ذاتها السائدة والمخيمة على سورية والمنطقة، إن لم تكن أكثر سلبية بالنسبة لسورية. ثم من المؤكد أن "الحركة الكردية" ستعمل على توظيف قضية الخزنوي واستثمارها سياسياً، مستفيدة من المناخ الإقليمي والدولي السائد والضاغط على سورية، مثلما فعلت المعارضة اللبنانية في قضية مقتل الحريري، وقد تأخذ القوى الدولية، تحديداً أمريكا، الذاهبة باتجاه التصعيد مع سورية، من قضية الخزنوي، إلى جانب قضية اغتيال الحريري، ورقة ضغط إضافية على النظام السوري.

فمثلما لم يفد نفي الحكومة اللبنانية لعلاقتها بمقتل رفيق الحريري وإدانتها للجريمة في تهدئة الشارع اللبناني الغاضب المنتفض، كذلك لا أعتقد بأن نفي "الداخلية السورية" لمسؤوليتها عن خطف "الشيخ الخزنوي" من قلب العاصمة دمشق، ونفي علمها بمكانه وبالجهة التي خطفته، سيخفف من حالة الاحتقان في الشارع السوري، وخاصة في الطرف الكردي، وربما يزيد الحالة تأزماً وتأججاً؛ لأن الدولة في كل الأحوال مسؤولة مسؤولية أخلاقية وسياسية وإدارية عن أمن مواطنيها. وقد جاء موقف السلطات السورية من قضية الخزنوي غريباً بعض الشيء، فقد التزمت الحكومة السورية الصمت لمدة أكثر من أسبوع على اختفائه، وتعاطت مع الحدث وكأنه وقع خارج سورية وليس في قلب العاصمة دمشق وفي وضح النهار. إذ كان من المفترض والواجب أن يتجاوز موقف السوري الرسمي حالة النفي وتبرئة الذمة، إلى مرحلة البحث الجاد عن مصير الخزنوي والكشف عن الجهات التي تقف وراء اختطافه، والتعامل مع المسألة من اللحظات الأولى؛ على أنها "قضية وطنية" تمس أمن الوطن والمواطن معاً، والقيام بكل ما من شانه أن يبعث الثقة والطمأنينة في نفوس المواطنين، ويضع حداً لمنع تكرار حصول حالات مماثلة والتصرف بروح من المسؤولية الوطنية حيال مثل هذه القضايا، فظاهرة خطف رجال دين، هي غريبة على المجتمع السوري الذي تميز عبر التاريخ بالتسامح والوئام بين أديانه وأبنائه، إذ لم يسبق أن شهدت سورية مثل هذه الممارسات المهينة بحق رجال دين، مسلمين كانوا أم مسيحيين، أم يهوداً.

__________

* كاتب سوري

القامشلي "ثكنة عسكرية"

القامشلي "ثكنة عسكرية"
بعد تسليم الشيخ محمد معشوق الخزنوي إلى ذويه مقتولا
ً .. وتأكيد لقائه بالبيانوني في بروكسل

لندن - القامشلي - أخبار الشرق (خاص)

علمت أخبار الشرق أن الشيخ محمد معشوق الخزنوي، الشخصية الكردية المعروفة؛ الذي أعلنت السلطات السورية العثور على جثته في مدينة دير الزور (شرق البلاد) وسلمتها إلى ذويه؛ كان قد التقى في وقت سابق من عام 2005 المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية المحامي علي صدر الدين البيانوني، في أوروبا.

وحسب تفاصيل خاصة حصلت عليها أخبار الشرق؛ فإن لقاء الخزنوي والبيانوني استمر نحو ساعتين، وحضره عدد محدود من الأشخاص، وذلك في وقت متأخر من مساء يوم الثلاثاء 15 شباط/ فبراير 2005 في إحدى ضواحي بروكسل (العاصمة البلجيكية)، من أجل "بحث الهم الوطني العام".

وعبّر الخزنوي في اللقاء عن رغبة الأكراد السوريين في المساواة والعدالة، ولم يُخفِ مشاعره بالأسى على معاناة الأكراد في سورية. وفي الوقت نفسه، امتدح الشيخ الخزنوي "المشروع السياسي لسورية المستقبل" الذي أطلقته جماعة الإخوان المسلمين في سورية في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2004، وأعرب عن اتفاقه مع تحليلها للواقع السياسي السوري، ولكنه دعا الإخوان المسلمين إلى موقف أكثر وضوحاً من القضية الكردية، يمهد الأرضية لتعاون أكبر بين القوى الكردية والإخوان المسلمين في البلاد.

وكانت جماعة الإخوان المسلمين نشرت في 17 أيار/ مايو 2005 رؤيتها لحل "القضية الكردية" في سورية في ورقة، اعتبرت أنه "أصاب الأشقّاءَ الأكرادَ في السياق الوطنيّ العام، ما أصابَ إخوانَهم من أبناء الشعب السوري، من إقصاءٍ وقهرٍ وظلمٍ وتهميش .. في ظلّ قانون الطوارئ والأحكام العرفية، وسياسات القهر والتسلّط والاستبداد"، ثم أشارت إلى أنه "كان لهم – بحكم خصوصية انتمائهم العرقي – نصيبُهم من الظلم الذي طال وجودَهم وانتماءَهم، وأشعَرَهم بالغربة في وطنهم، وبين أهليهم، وألقى في نفوسهم الشكّ والريبة تجاه شركائهم في العقيدة والوطن والتاريخ".

وعبرت الجماعة عن إدانتها إزاء "كلّ السياسات العنصرية التي مورست وتمارس ضدّ الإخوة الأكراد، تحت أيّ مسمّى"، ورأت "ردودَ الفعل المختلفة التي قامت في وجهها، إنما تندرجُ في إطار الحراك الوطنيّ العام، ضدّ الظلم والتسلّط والاستبداد".

وفي حين ذكرت الجماعة أنها تضم في صفوفها مواطنين أكراداً على مختلف مستوياتهم التنظيمية، شددت على أن "المواطنين الأكراد مكوّنٌ أصيلٌ من مكوّنات الشعب السوريّ، يعيشون على أرضهم التاريخية، تضربُ جذورُهم في أعماق الأرض والتاريخ والحضارة، نشأوا على أرض هذا الوطن، وانتمَوْا إليها، (..) وشاركوا في صنع حضارتها وأمجادها"، كما "كان الأكراد على مرّ التاريخ عنصراً إيجابياً فاعلاً، يعزّزُ اللحمةَ الوطنية، وينبذُ الفرقة" حسب مذكرة الجماعة التي دعت إلى فتح حوار مع القوى الممثلة للأكراد.

وأكدت الجماعة دعمها لاحتفاظ "المواطنُ الكرديّ كغيره من أبناء الوطن، بسهمه الوطنيّ الوافر في المشاركة في القرار والسلطة والثروة الوطنية"، معلنة تضامنها مع مطالب الأكراد المتمثلة في التوقف فوراً عن ممارسة سياسات التمييز العنصرية" بحقهم "وإبطال كافة الإجراءات التمييزية الناشئة عنها"، و"إنهاء معاناة مئات الآلاف من المواطنين الأكراد الذين حُرِموا من حقّ الجنسية، أو جُرّدوا منها، وذلك بإعادة هذا الحق إليهم، ومعالجة الآثار الناجمة عن حرمانهم منه"، و"الاعتراف بالخصوصية الكردية والحقوق الثقافية للإخوة المواطنين الأكراد"، و"التعويض على المتضرّرين من السياسات والإجراءات العنصرية على كافة الأصعدة"، و"إطلاق سراح جميع المعتقلين والموقوفين على خلفية أحداث الثاني عشر من آذار / مارس 2004 وتداعياتها، أو أيّ خلفيات فكرية أو سياسية.. وإلغاء الأحكام الجائرة الصادرة بحقهم".

وكان الإخوان المسلمون قد وصفوا الأحداث الدامية التي انطلقت في 12 آذار/ مارس 2004 في القامشلي وانتشرت في مناطق يقطنها الأكراد في سورية؛ بـ "الانتفاضة"، لأول مرة، وذلك في بيان أصدروه في الذكرى الأولى لهذه الأحداث في آذار الماضي.

الإخوان "خط أحمر":

وبالكشف عن هذا اللقاء بين الخزنوي والبيانوني، تكتسب قضية مقتل الشيخ الكردي بُعداً سياسياً جديداً. ويأتي إعلان مقتل الرجل على يد خاطفيه، الذين تقول السلطات السورية إنهم "عصابة"، بينما تشك المعارضة السورية في كونه اختُطف على يد رجال الأمن السوري من شوارع دمشق قبل ثلاثة أسابيع؛ بعد أيام فقط من اعتقال علي العبد الله (ليلة 15 - 16 أيار/ مايو) عضو مجلس إدارة منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي في دمشق، بسبب إلقائه في 7 أيار/ مايو 2005 ورقة بعث بها المحامي علي صدر الدين البيانوني إلى المنتدى كمشاركة في ندوة وطنية حضرها ممثلون عن 14 حزباً ومنظمة وهيئة سورية بينهم بعثيون، دعت المعارضة السورية إلى الانتقال من المطالبة بالإصلاح إلى تحقيقه.

واعتقل الأمن السياسي السوري، المسؤول عن اعتقال العبد الله، في 24 أيار/ مايو باقي أعضاء مجلس إدارة منتدى الأتاسي الثمانية، لإعلانهم مسؤوليتهم الجماعية عن تكليف العبد الله بقراءة الكلمة على مسمع من 500 شخص حضروا الندوة المذكورة. واتهمهم الأمن السوري بالترويج لأفكار جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، ولكنه أفرج عنهم في 30 أيار/ مايو، وقرر إحالة علي العبد الله وحده إلى محكمة أمن الدولة العليا.

الرواية الرسمية لمقتل الخزنوي:

وكانت الأنباء تواترت منذ صباح اليوم الأربعاء عن العثور على جثة الشيخ محمد معشوق الخزنوي في دير الزور. وبينما سارعت مصادر كردية سورية إلى اتهام أجهزة الأمن السورية باعتقال الخزنوي وتعذيبه حتى الوفاة؛ نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" عن "مصدر مسؤول في وزارة الداخلية" أن "قوى الأمن الجنائي ألقت القبض على المجرمين الذين قاموا بارتكاب جريمة اختطاف وقتل الشيخ معشوق الخزنوي بعد متابعة حثيثة من كافة الجهات المعنية منذ اختفائه قبل اكثر من أسبوعين".

وأضافت الوكالة "أوضح المصدر ان القضية سلمت منذ بدايتها إلى قاضي التحقيق الأول بدمشق السيد خالد حمود الذي أشرف على كامل التحقيقات مع هيئة الكشف الطبية التي عينها القضاء. وأكد المصدر ان عددا من الخاطفين الذين ألقى القبض عليهم اعترفوا بجريمتهم وانهم جزء من مجموعة مؤلفة من خمسة أفراد قاموا باختطاف الشيخ الخزنوي من دمشق بعد تخديره ونقلوه الى حلب ثم قتلوه ودفنوا جثته فى مدينة دير الزور".

وذكر مصدر وزارة الداخلية السورية "أنه بعد إلقاء القبض عليهم أرشدوا عناصر الأمن الجنائي إلى مكان الجثة حيث تم إخراجها وتسليمها إلى ذويه الذين كانوا على اطلاع كامل بحيثيات وخطوات التحقيق الذي أدى إلى اكتشاف الجريمة بعد متابعة خيوطها والاحتفاظ بالمعلومات حرصاً على سير التحقيق".

وحسب خبر "سانا" فقد "لفت المصدر إلى أن نتيجة التحقيق تؤكد أن هذه الجريمة جنائية بحتة وأن الشيخ الخزنوي لم يعتقل أبداً من أية جهة أمنية كما روجت بعض المصادر ووسائل الإعلام المغرضة".

خلفية القضية:

وكانت وزارة الداخلية السورية نفت علمها بمكان الخزنوي طوال الأسابيع الثلاثة الماضية، منذ اختطافه في دمشق يوم 10 أيار/ مايو 2005.

وتلقى الشيخ محمد معشوق الخزنوي (48 عاماً) في يوم اختطافه اتصالاً هاتفياً أثناء وجوده في مركز الدراسات الإسلامية بدمشق (يديره الدكتور محمد حبش)، إذ هو نائب مدير المركز وكان ألقى محاضرة فيه (قيل إنه دعا فيها إلى دمج الإخوان المسلمين في الحياة السياسية وقيل إنه تحدث فيها بالكردية أيضاً)؛ خرج على أثره من مكتبه، ثم اختفى، وعُثر على سيارته في شوارع دمشق. ومنذ ذلك الحين حمّلت أسرة الخزنوي ومصادر كردية وحقوقية السلطات السورية المسؤولية عن اختفائه، ولكن وزارة الداخلية قالت إنه ليس لديها، ولا علم لها بمكانه. وتمسكت المصادر الرسمية بجهلها بمكان الخزنوي ومصيره، بينما راجت شائعات عن تعذيبه ومقتله.

وعلى الرغم من تسلم أسرة الخزنوي جثته؛ فقد رفضت دفنه قبل عرضه على الطبيب الشرعي، الأمر الذي ترفضه السلطات، التي ألمحت مصادرها إلى وجود خلاف بين الشيخ محمد معشوق الخزنوي وأخيه في قضية إرث.

يُشار إلى أن أخبار الشرق علمت بالأمس أن فرقة أمنية أحضرت الخزنوي إلى مشفى تشرين العسكري بدمشق في الساعة الحادية عشرة ليلاً من مساء الجمعة (ليلة السبت) 27 أيار/ مايو 2005 إلى المشفى، لإسعافه من حالة إغماء شديد. وعند الكشف عليه تبين أنه تعرض لحالات وحشية من التعذيب، وقد أُعطي مضادات حيوية وبعض العلاجات كما ضمد بعض الجروح. وحسب المعلومات فإن الشيخ مكث في المشفى 15 ساعة قبل مغادرته من جديد بصحبة الفرقة الأمنية. وفُرضت حالة استنفار قصوى في المشفى إلى حين مغادرة الشيخ الذي كان علامات التعب والإجهاد واضحة عليه.

وقد انتشرت قوات الجيش السوري في أنحاء مدينة القامشلي اليوم الأربعاء التي تحولت إلى ما يشبه "ثكنة عسكرية"، لمنع أي مظاهرات محتملة احتجاجاً على مقتل الخزنوي، الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة بين الأوساط الكردية السورية. ومعروف أن احتجاجات كردية في القامشلي يوم الجمعة 12 آذار/ مارس 2004 تحولت إلى مواجهات بين المواطنين وقوى الأمن السورية التي استخدمت الرصاص الحي في الرد على المتظاهرين، ما أدى إلى مقتل بضعة عشر مواطناً. واعتُقل خلال ما أصبح يُعرف بأحداث القامشلي التي امتدت إلى مناطق أخرى في سورية يوجد بها أكراد؛ مئات المواطنين، وأُفرج عن معظمهم في الفترة الماضية.

من هو الشيخ محمد معشوق الخزنوي؟

هو محمد معشوق ابن الشيخ عز الدين الخزنوي، وُلد في قرية تل معروف التابعة لمدينة القامشلي (شمال شرق سورية) في 25/1/1957 ميلادية، كما دون ذلك والده على طرف كتاب من كتب الفقه.

وهو طبعاً سليل عائلة كردية تُعرف بالخزنوية نسبة إلى الجد الشيخ أحمد الخزنوي الذي كان يمارس دعوته انطلاقاً من قريته خزنة التي نُسب إليها فيما بعد، وهذه الأسرة تعتبر من أهم المرجعيات الدينية إن لم تكن أهمها في منطقة كردستان قاطبة، بل امتد نفوذها فيما بعد إلى شتى البلاد التي هاجر إليها الأكراد بما في ذلك أوروبا.

والشيخ أحمد الخزنوي الذي تنتسب هذه الأسرة إليه هو فقيه وداعية إسلامي كبير ومربٍّ مشهود له في المنطقة توفي عام 1950 ميلادية في تل معروف ودفن فيها بناءً على وصيته التي أوصى فيها من جملة ما أوصى بأن لا يُبنى على قبره. عاش حياته زاهداً متعففاً مع أنه كان قد هيأ كل الإمكانيات المادية اللازمة للدعوة مسخراً أهله وأصحابه في ذلك حتى لا يكون الداعية عالة على أحد في دعوته وبالتالي حتى يحافظ على استقلاليته في دعوته. وقضى الشيخ حياته وهو يدعو إلى الدين والأخلاق والفضيلة والإصلاح وإليه يعود الفضل في انتشار العلم والدين والخلق الكريم في ربوع المناطق الكردية، الأمر الذي منحه مكانة عظيمة بين السكان عموماً والأكراد منهم خصوصاً، وذلك في حياته وكذلك بعد مماته، الأمر الذي أتاح للكثيرين من أهله أو أتباعه أن يستثمروا علاقتهم معه أو نسبتهم إليه بشكل غير سليم وأحياناً بشكل يتناقض مع منهجه.

المسيرة العلمية:

درس الدكتور محمد معشوق الخزنوي مبادئ العلوم الشرعية على مجموعة من أهل العلم وفي مقدمتهم والده الشيخ عز الدين الخزنوي ثم بعد ذلك في المعهد الشرعي الذي أسسه جده في قرية تل معروف إلى جانب دراسته النظامية في مدارس الدولة التي نال منه الإعدادية عام 1974 ميلادية، والثانوية العامة - الفرع الأدبي عام 1977 ميلادية، كما انتسب إلى معهد إسعاف طلاب العلوم الشرعية بباب الجابية في دمشق والذي كان يعرف آنئذٍ بمعهد الأمينية فقُبل في السنة الأخيرة لتميُّزه على أقرانه ونال شهادتها عام 1978 ميلادية بتقدير "ممتاز"، ولذلك رشحته إدارة المعهد لاستكمال دراسته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (السعودية) حيث حصل منها على درجة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية عام 1984 ميلادية، وعمل بعدها في مجال الدعوة مدرساً وخطيباً في المساجد والمعاهد الشرعية في أكثر من منطقة في سورية، الأمر الذي أخذ عليه جل وقته وأعاقه عن استكمال دراسته العليا حتى استدرك ذلك في وقت متأخر حيث نال درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية عام 2001 ميلادية عن أطروحته "الأمن المعيشي في الإسلام"، وكذلك نال درجة الدكتوراة أيضاً في الدراسات الإسلامية عن أطروحته "التقليد وأثره في الفتن المذهبية".

منهج الشيخ:

يعرف أتباع الدكتور محمد معشوق الخزنوي شيخهم بما كان يحب أن يعرف نفسه به، من طالب علم وباحث في الدراسات الإسلامية، يهتم أساساً بقضايا تصفية العقيدة مما شابها وإحياء سنة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في العقيدة والعبادة والسلوك وترسيخ مفهوم أن الدين قد أكمله الله وأتمه بالنبي الخاتم، ولذلك فهو توقيفي لا يزاد فيه ولا ينقص بل الزائد فيه أخو الناقص ولذلك فالابتداع في الدين ضلالة.

كما أن الشيخ عمل بجد ونشاط في مجال التجديد ودراساته، وفهم التجديد لا على أنه إنشاء وإحداث وتشريع الجديد للأمة بمقدار ما يفهمه إعادة القديم إلى جدته والحالة التي كان عليها قديماً بعيداً عما ألصقه الناس به اللهم إلا في ما يستجد في حياة الأمة من أمور لم يشرع الشارع لها أحكاماً تفصيلية، فحينئذٍ يحدث للأمة ما تحتاج إليه من أحكام استنباطاً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وكانت أبرز نشاطات الشيخ الخزنوي في حياته ما يلي:

1- مدير مركز إحياء السنة للدراسات الإسلامية الذي أسسه في مدينة القامشلي كمجمع لنشاطاته الدعوية والإصلاحية والعلمية والاجتماعية والصحية والوطنية.

2- مشرف على موقع شبكة مركز إحياء السنة (www.khaznawi.com).

3- خطيب الجمعة في مجمع البر الإسلامي بالقامشلي.

4- عضو مجلس أمناء مركز الدراسات الإسلامية بدمشق.

5- عضو مجلس أمناء مؤسسة القدس ببيروت.

6- عضو اللجنة السورية للعمل الإسلامي المسيحي المشترك.

7- عضو مؤسس لرابطة الكتاب التجديديين.

أبطال رياضة ركوب الأمواج في سوريا

أبطال رياضة ركوب الأمواج في سوريا

أمير أوغلو

الحقائق

رياضة ركوب الأمواج (سيرفنغ) تختلف في سوريا عنها على شواطئ كالفورنيا أو هاواي أوغيرها من االشواطئ التي تشتهر بهذه الرياضة الممتعة. ركوب الأمواج في سوريا رياضة ثقافية وسياسية بحتة يمارسها المتسلطون وأصحاب السوابق السياسية والمسؤولون الكبار في الدولة والبعثيون المنظرون وأبطال القمع والتعذيب في السنوات الثلاثين الماضية خاصة ممن عاصروا الوالد وولده.

هذه الرياضة لا تحتاج في سوريا إلى معدات وأدوات وألبسة خاصة فهي رخيصة جدا, كل ما تحتاجه هو منبر إعلامي على الشبكة أو في جريدة واسعة الإنتشار في العالم العربي أو على إحدى الفضائيات, وقلم رصاص تكتب به مقالات اليوم، وممحاة تمحو بها ما كتبته بالأمس, وذاكرة مثقوبة, تمر منها الجرائم الشخصية في حق الناس والمجتمع والأمة, وتمر منها أيضا كل التنظيرات الحزبية السابقة, وكل القوانين القمعية, وكل الحسابات البنكية السرية وغير السرية، وتبقى فيها النظريات الإجتماعية الحديثة والتهديدات الخارجية, والتعليمات الأمريكية الحديثة حول الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.

السوريون في الحقيقة أبطال العالم في هذه الرياضة ففي مسابقة الرجال أو أشباه الرجال فاز بالبطولة التي أجريت في هذا العام نائب رئيس الجمهورية السيد عبد الحليم خدام، ونائب الرئيس السابق المبعد حاليا عن سوريا السيد رفعت الأسد،. أما في مسابقة السيدات فقد فازت السيدة بثينة شعبان وزيرة المغتربين واللاجئين السياسين باللقب بلا منازع.

السيد خدام حصل على اللقب نتيجة المحاضرة التي ألقاها في يوم 6-12-2004 في جامعة قطر، والتي قال فيها بالحرف الواحد: "النظام السياسي العربي لم يعط الشعوب حقها في صنع مستقبلها مما أوجد حالة تعسف في السلطة ضد أفراد وجماعات" وقال أيضا: "إن النظام السياسي العربي لم يتأسس على أساس ثقافة ديموقراطية وبالتالي لا تدرك معظم الحكومات العربية التي لم تتعامل مع الديموقراطية ما هي أهمية مشاركة الناس". "وأشار فيها أيضا إلى أسباب ونتائج الوضع العربي الراهن لافتاً الى عدد من العوامل الداخلية بينها الفساد ومناهج التعليم وطبيعة النظام السياسي وزيادة حالة التفسخ والخوف الموروث لدى المواطن العربي من الحاكم ومن الآخر, والجمود في الفكر والعقل ونمو حالة انهزامية في العقل العربي وضعف قضية التنمية وانتشار الفقر والبطالة" .

هذه المحاضرة الرائعة والتي نقلنا لكم بعض أفكارها وكتاب عن نفس الموضوع, سمعنا أن السيد خدام كتبه ولكننا لم نطلع عليه- وربما صحا ضميره الميت أو داهمته موجة من الحياء الموجود عادة عند بني آدم فتوقف أو تراجع عن طبعه- هذه المحاضرة والكتاب كانا هما السبب الرئيسي في حصول السيد خدام على لقب بطل ركوب الأمواج في العالم.

من ذاكرة السيد خدام المثقوبة تسرب كونه بعثيا قحا وقائدا من قواد الدولة تقلب في كل المناصب منذ أربعين سنة إلى الآن وهو أحد المسؤولين الرئيسيين عن كل ما عانى منه الشعب السوري في الحقبة السابقة وهو أول من سيقدم لمحاكمة شعبية وطنية لو استطاع الشعب السوري أن يحصل على حريته قريبا، ومن ذاكرته تسربت أخبار فساد أولاده وأخبار الشركات العالمية التي صار يمتلكها معهم تحت مختلف الأسماء، وتسرب من ذاكرته بطشه الشخصي بأصحاب ربيع دمشق وممانعته لتعديل الفقرة 8 من الدستور التي تنص على أن حزب البعث هو الحزب الأوحد الحاكم في سوريا ومنعت تشكيل الأحزاب الآخرى.

السيد رفعت الأسد شقيق المرحوم وعم السيد الرئيس الحالي حصل على المرتبة الثانية بعد مطالبته الملحة بإجراء إنتخابات حرة في سوريا ونشر الديمقراطية وإغلاق سجن تدمر وطمس كل معالم الجرائم التي ارتكبها المعارضون المسجونون فيه بحق الدولة، وإصدار عفو عام عن كل القتلى الذين قضوا نحبهم تحت التعذيب في ذلك السجن الشهير.

السيد رفعت الأسد أعلن أنه سيعود إلى سوريا ليشارك في التغيير الديمقراطي المتوقع ودعا إلى ضمان حرية الرأي والسماح بتشكيل الأحزاب وإلى انتخابات حرة عامة وطالب بمكافحة الفساد وحماية حقوق الإنسان.... إلخ من الكلام الذي لا نسمعه عادة إلا من أقطاب الديمقراطية والحرية في العالم.

من ذاكرة السيد رفعت المثقوبة تسربت قيادته لسرايا الدفاع الشهيرة وجرائمه ضد الشعب السوري وسرقة أموال سوريا كلها بسرقة ذهبها الإحتياطي، وقتل الآلاف في المجازر الجماعية وخطابه الشهير أمام القيادة القطرية حول إفناء المعارضين السوريين حتى لو كانوا ثلثي الشعب في سبيل أن تبقى الثورة.

من ذاكرة السيد رفعت المثقوبة، تسربت قصص القمع الإعلامي والسياسي والإقتصادي التي كان يمارسها يوم كان قائدا لسرايا الدفاع التي كان ذكر اسمها يثير الرعب في قلوب السوريين ويذكرهم بأعتى المافيات إجراما في التاريخ، سرايا الدفاع التي نهبت كل ما وصلت إليه يدها من قوت الشعب السوري المسكين الذي لم يبق له في هذه الدنيا من يذكره بالحرية والعدالة والديمقراطية سوى رفعت الأسد.

السيدة بثينة شعبان, والملقبة في سوريا بشعبولا لأن هناك شبهاً كبيراً في أدائها الإعلامي مع الأداء الإعلامي للسيد شعبان عبد الرحيم المغني المصري المشهور, هذه السيدة المتخصصة بالكتابة على صفحات الشبكة وعلى جرائد العرب المختلفة والتي تعمل في أوقات فراغها وزيرة لثمانية عشرة مليون مغترب سوري! حازت على اللقب عن أدائها المتميز في مقالاتها الديماغوجية والتي تتميز بانفصام الشخصية الحاد الذي تعاني منه، فهي أمام غير السوريين تمثل قمة الديمقراطية والحرية والإنفتاح وتدافع عن حقوق أهل ألسكا وزيمبابوي وتمباكتو وكل الجزر المجهولة في العالم ولكنها عندما يصل الكلام إلى سوريا لا تشم إلا نسائم الديمقراطية التي يستنشقها السوريون في أقبية المخابرات، ولا تسمع إلا كلام القائد الأوحد الذي لم يخلق مثله في البلاد، ولا ترى إلا صورة الرئيس الأب الذي كان يأكل أولاده في الليل عندما يجوع.

من ذاكرة السيدة شعبولا تسربت ذكريات ترجمات مقابلات الرئيس السابق والتي كانت تقوم بها بنفسها, وما فيها من جرائم في حق هذا الشعب وما فيها من اتفاقيات سرية وغير سرية وما فيها من تنازلات سرية وغير سرية وما كان يحصل في البلد على جميع المستويات, وتسربت المقالات التي كانت تبرر فيها ما يحصل من جرائم في حق الإنسانية والشعب والبلاد، وتسربت أخبار الفساد والرشوة وتدمير المجتمع التي كانت تعرض على الرئيس فيشجعها ويمتدحها في سبيل بقائه مسيطرا على الأوضاع .

من ذاكرة السيدة شعبولا تسربت حكايات سجن تدمر وحماة وجسر الشغور وكل جرائم حزب البعث والعائلة الحاكمة بحق الشعب السوري وتسربت أخبار الفساد والسرقة والرشاوى والمحسوبيات، وتسربت قصص الدمار الإقتصادي والإجتماعي الذي ألحقه الحزب الحاكم بهذه الدولة المنكوبة، وتسربت قصص عذابات المغتربين أو المهجرين قسرا والذين تسميهم الوزيرة مجموعة من المجرمين الخارجين عن القانون، هؤلاء المغتربين الذين صاروا فجأة مهمين للدولة وللسيدة الوزيرة عندما نضب معين السرقات في البلد وافتقر أهلها كلهم فتذكرت الوزيرة ورئيسها الملهم أن المغتربين يملكون أموالا كثيرة وبالقطع الأجنبي مما سيؤمن لها وله ولشلة النصب والإحتيال والسرقات موارد جديدة تحت اسم إستثمار المغتربين في بلدهم الذي لم ينسهم أبدا ..... سوريا.

المشكلة الوحيدة التي تعترض أبطال ركوب الأمواج هؤلاء وغيرهم أن ذاكرة الشعب السوري ليست مثقوبة كذاكرتهم وأن هذا الشعب الذي اضطهد وعذب وشرد وصبر يعرف تماما من كان مسؤولا عن كل هذه المعاناة التي مر بها خلال أربعين سنة من حكم البعث ومن حكم عائلة الأسد وسيأتي اليوم الذي ستتغير فيه قواعد اللعبة وسيصبح البطل الحالي خائنا يحاكم أمام الشعب بحسب الدستور السوري الحقيقي لا بحسب قانون الطوارئ.

في مخاطر الخلط بين الديمقراطية الليبرالية: برهان غليون

في مخاطر الخلط بين الديمقراطية الليبرالية: برهان غليون

في الوقت الذي يصوت فيه الناخب الفرنسي والأوروبي عموما ضد الدستور الأوروبي الجديد لما يتسم به من الليبرالية المفرطة التي تهدد المكتسبات الديمقراطية يتزايد الحديث لدى أوساط المثقفين العرب، على هامش نمو الفكرة الديمقراطية في بلدانهم وبموازاتها، عن الليبرالية كما لو كانت متطابقة مع الديمقراطية أو رديفة لها. وبقدر ما يعكس الخلط بين المفهومين رغبة بعض قطاعات المثقفين العرب في تفسير الديمقراطية بما يتجاوز مسألة الرد على تحديات السلطة الاستبدادية، ويصب بالأحرى في معركة التحرر من القيود والضغوطات التي تمارسها المجتمعات التقليدية على الفرد، يثير بالمقابل مخاوف كبيرة لدى قطاعات الرأي العام الواسعة التي تخشى أن يكون مضمون الديمقراطية الإباحة الكاملة لكل ما يمكن أن يشكل خرقا للقيم والتقاليد والعقائد الدينية. فكما تبدو الديمقراطية لدى الفريق الليبرالي المتنامي وسيلة لتأكيد سيادة الفرد المطلقة تجاه المجتمع تظهر عند الفريق المحافظ والاسلامي منه بشكل خاص كتحرر من كل قيد بل من كل التزامات تجاه هذا المجتمع نفسه واستباحة جميع المحرمات. وربما شكل هذا التناقض المتنامي في حجر الفكر السياسي العربي الناشيء، وهو التناقض المسكوت عنه اليوم بسبب الالتقاء الظرفي في المصالح بين جميع تيارات الاحتجاج على النظام التسلطي العربي، مصدر القلق والتردد والتشكيك وبالتالي الانقسام على النفس الذي لا يزال يطبع موقف الرأي العام العربي من مسألة الاختيار الديمقراطي ويؤخر الحسم فيه، بالرغم من تنافس الجميع في تقديم الولاء الظاهري للفكرة الديمقراطية. فكيف يستقيم القول بالديمقراطية مع الرفض الواضح لليبرالية من دون التمييز بين المفهومين وما ينجم عنهما من ممارسات اجتماعية وسياسية؟

تنطلق الفلسفة الليبرالية الأصلية من اعتقادات ثابتة أساسية لا تستقيم من دونها. أولها مبدأ الانسجام الطبيعي الذي يقضي بأن بحث كل فرد حر عن مصالحه الخاصة لا يتناقض مع تحقيق المصلحة العامة للجميع ولكنه يشكل بالعكس ضمانته الحقيقية. ويعني هذا أنه إذا تركنا كل فرد يبحث بحرية عن مصلحته الخاصة فسنصل إلى انسجام حقيقي في المصالح أكثر بكثير مما لو سمحنا للدولة بأن تتدخل لضمان مثل هذا الانسجام أو لاختراعه. وثانيها أن حقل الحرية السياسية يتطابق مع حقل الحرية الاقتصادية. ولا يعني هذا مجرد الافتراض بأن الاقتصاد الحر هو شرط للحرية السياسية أو الديمقرطية فحسب ولكن أكثر من ذلك أن الحريات الاقتصادية المجسدة في اقتصاد السوق الحر تقود مباشرة وتلقائيا إلى نشوء الحريات السياسية وتأكيدها. وثالثها أن الديمقراطية والليبرالية متطابقتان تماما فلا ديمقراطية من دون ليبرالية ولا ليبرالية من دون ديمقراطية وبالتالي فالليبرالية تضمن بشكل تلقائي تكافؤ الفرص وآفاق الارتقاء الاجتماعي والمشاركة السياسية لجميع الأفراد بقدر ما تضمن النمو والتقدم الاقتصادي.

لكن الليبرالية كما يعرضها أنصارها وكما عادت إلى التجلي عبر ما يسمى اليوم بالليبرالية الجديدة التي تحولت إلى مذهب سياسي للقوى الكبرى قد واجهت ولا تزال انتقادات كثيرة. فقبل أن تظهر التجربة التاريخية أن الحرية بالمعنى الذي تدعو إليها الليبرالية لا تقود بالضرورة إلى الانسجام الطبيعي بين جميع المصالح الاجتماعية كما أنها يمكن أن تعمل على ايجاد أوضاع إجتماعية تخل بشروط ممارسة الحرية عند القسم الاكبر من الرأي العام لصالح فئات قليلة هي تلك المسيطرة على موارد الثروة والسلطة والمعرفة. وهي بدل أن تقود إلى تعميم قيم الحرية تمنع من تحقيق ما تطمح إليه المجتمعات من عدالة ومساواة حقيقيتين. وكان جون ستيوارت ميل قد لا حظ مثل هذه التناقضات داخل الليبرالية وسعى عبر فلسفته الخاصة إلى التوفيق بين مباديء الحرية ومباديء العدالة والمساواة. وهكذا قام بالتمييز منذ القرن التاسع عشر بين مجال الخاص أو مجال الحرمة الشخصية الذي يكون فيه الفرد حرا تماما ولا حق للدولة أو السلطة العمومية في تقييد حريته ومجال العام الذي يكون فيه للدولة الحق في أن تتدخل بما يضمن مصالح الكل الاجتماعي واتساق حريات الأفراد وقيم المجتمع. وكان هذا التمييز تأكيد على أن الكل الاجتماعي ليس حصيلة حسابية للفرديات الحرة وإنما كيانا مختلفا عن الفرديات جميعا له منطق اتساقه الخاص الذي لا يتطابق مع منطق الفرد الحر ميكانيكا. وهو ما يعني أن ما نسميه المصلحة العامة لا يمكن أن ينجم تلقائيا من تنافس المصالح الخاصة.

لا يقبل الفكر الديمقراطي المعاصر بالمسلمة القائلة بأن احترام الحريات الفردية يقود حتما إلى تحقيق القيم الإنسانية المطلوبة وينتج تلقائيا العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص لأبناء المجتمع الواحد ولا يؤمن بالتالي بالانسجام الطبيعي بين حقلي الحرية الاقتصادية والسياسية. إن الحرية لا بد أن تترافق مع سياسات اجتماعية واقتصادية تضمن حدا أدنى من استقلال الأفراد الذي يمكنهم من ممارسة حرياتهم والتعبير الصحيح عنها. فالحرية لوحدها ليست مبدأ كافيا لقيام نظام ديمقراطي وإجتماعي صالح وناجع بالرغم من أنها تبقى قيمة أساسية فيها. فإذا لم تكن هناك ديمقراطية من دون حرية فلا حرية أيضا من دون عدالة ومساواة قانونية فعلية. ومن هنا لا يعتبر الفكر الديمقراطي المعاصر عدم تدخل الدولة في العملية الاقتصادية مذهبا مقدسا وشرطا لقيام اقتصاد سوق ناجح ومنتج.

ومن هنا سوف يتبلور عبر التجربة التاريخية الطويلة مفهوم للديمقراطية يقطع مع الليبرالية في مناح عديدة. المنحى الأول هو التمييز بين المظاهر السطحية والشكلية للمارسة الديمقراطية وبين تحقيق القيم العميقة للفلسفة الليبرالية. وكان ماركس أول من كشف عن هذا التناقض العميق بين الحريات الشكلية التي وعدت بها الليبرالية وبين العبودية التي ينتجها ويفرضها تحكم رأس المال حتما على الطبقات الشعبية. وبالرغم من الانحراف الذي قادت إليه هذه النظرية الصحيحة والذي اتخذ شكل معارضة نظام الحرية السياسية أي الديمقراطية "الشكلية" كما كان يقول الماركسيون بنظام المساواة الاجتماعية أو الديمقراطية "الشعبية" التي تقوم على عدالة توزيع الثروة، إلا أن تطور التجربة الليبرالية نفسها قد أسفر عن رؤية تكاد تكون موضع إجماع على أمرين: الأول أن الديمقراطية بما تعنيه من ضمان حرية الأفراد ومشاركتهم السياسية واستقلالهم لا يمكن أن تتحقق من دون حد أدنى من العدالة والانصاف في توزيع الثروة. والثاني أن نظام السوق، بالرغم من قانون المنافسة الذي يضبطه، يقود حتما وبصورة تلقائية إلى تركيز الثروة وبالتالي أيضا السلطة والمعرفة بيد فئات قليلة. ومن هنا طورت جميع البلدان الليبرالية الأوروبية التقليدية مع الزمن سياسات إجتماعية أساسية لتجاوز هذا التناقض وإخضاع المباديء الليبرالية التقليدية إلى ضوابط سياسية واقتصادية واجتماعية تمنع أصحاب الرساميل من السيطرة المتزايدة على مصادر الثروة والسلطة في المجتمع وتقضي بالتالي على الديمقراطية باسم الحرية أو الحفاظ على أوسع قدر من الحريات الفردية الذي تسعى إليه الليبرالية.

وهذا يعني أن الديمقراطية لا تتعلق فقط بالمظاهر والمؤسسات الشكلية ولكنها تهتم بشكل أكبر بالقيم الاجتماعية والسياسية الفعلية. وهو ما يساعدنا على التمييز بين نظام التعددية السياسية بما يشير إليه من اعتراف بالحريات والحقوق الأساسية للأفراد وبين نظام الديمقراطية بما يتضمنه من تأكيد لقيم الحرية والعدالة والمساواة. فمن الممكن أن يكون هناك نظام يحترم بدقة التعددية السياسية وحرية الرأي والتعبير والتنظيم والمشاركة للجميع لكنه لا يحقق مع ذلك القيم الديمقراطية من تكافؤ الفرص والمشاركة العملية وحرية الرأي وغيرها ذلك أن فئة قليلة من أصحاب الرساميل تسيطر على النظام التعددي وتسيره حسب مصالحها وتتلاعب بالإرادة الشعبية. وهذه أكبر المخاطر التي تواجهها الليبرالية في الواقع. ومن هنا لم يعد مقياس ديمقراطية المجتمع هو دقة احترام الدساتير للمباديء الليبرالية وإنما حقيقة مطابقة هذه المباديء مع الوقائع الاجتماعية. إن الديمقراطية تقاس إذن بمدى تحقق قيم الحرية والمساواة والعدالة. فلا حرية مع الفقر أو التفاوت الفاحش في مستويات المعيشة. ومن هنا يعتبر ما قمت به بعض الحكومات في العقود الماضية من تقليص سلطة الملاك شبه الإقطاعيين وإعادة توزيع الأرض على الفلاحين باسم الاصلاح الزراعي إجراءا ديمقراطيا بالرغم من أنه حصل في سياق وبأسلوب غير ديمقراطي. وبالمثل إن دمج الفلاحين في الحياة الوطنية الحديثة عن طريق نخبهم أو مباشرة بتحسين شروط الحياة في الأرياف وربط هذه الأخيرة بشبكات النشاط الاقتصادي والسياسي والفكري المدينية هو جزء من عمليات التحويل الديمقراطي مهما كانت الشروط التي تم فيها.

لم تعد الديمقراطية في هذا المنظور تطبيقا مباشرا وتلقائيا لفلسفة الحرية الفردية وأصبحت هي نفسها مثالا أو نموذجا للانسجام داخل النظام الاجتماعي تقاس به درجة تحقق الحرية الفردية الفعلية أو حقيقة الحرية المدعاة في النظم السياسية. وهذا الفصل بين الديمقراطية كنظام اجتماعي يدمج بين دولة القانون التي يتساوى فيها الأفراد ودولة العدالة الاجتماعية ورفض التهميش والإقصاء والتفاوت الصارخ في المداخيل مهما كان مصدره وكذلك دولة الحريات الفردية واحترام الأشخاص والجماعات، قد فصل الديمقراطية عن الايديولوجية الليبرالية التي شكلت التربة الفلسفية التي ولدت فيها وسمح بالتالي بنشوء نماذج متعددة محتملة لها. فلم يعد هناك ما يمنع الديمقراطية، من حيث هي نظام للحكم وتنظيم علاقات السلطة بين الأفراد داخل المجتمع الواحد بما يساعد على تحقيق قيم الحرية والمساواة والعدالة، أن تستقل بنفسها عن الفلسفة الليبرالية لتأخذ بفلسفات روحية واجتماعية مختلفة عنها لا تجعل من حرية الفرد المقياس الوحيد لتقدم الحياة الجمعية من دون أن تلغيها أو تتعارض معها. وهكذا صار من الممكن الحديث من دون فقدان الاتساق المنطقي عن ديمقراطية مسيحية أو إشتراكية تستمد شرعية القيم الانسانية التي تعمل من أجلها من عقائد أو فلسفات أخرى. وفي تركيا الراهنة يمكن الحديث عن ديمقراطية إسلامية تؤكد على الالتزام بقواعد الديمقراطية وقيم العدالة والمساواة والحرية انطلاقا من ومع التمسك ببعض القيم الروحية والاجتماعية والثقافية الخاصة، بما في ذلك ربما التأكيد على أهمية التضامن داخل الأسرة أو تشجيع المؤسسات الأهلية والخيرية إلخ. وبالمثل ليس هناك ما يمنع سلطة ديمقراطية منتخبة وتمثيلية من أن تضع بعض القيود على قانون المنافسة الاقتصادية إذا وجدت في ذلك ضرورة للحد من الهدر أو من احتمالات تدمير الموارد أو إرهاق طبقة العمال أو البيئة العامة. ولن يكون هناك مانع أيضا من وضع قيود على حرية التجارة والتبادل أو رفع التعرفات الجمركية في العديد من الميادين أو تجاه العديد من المنتجات. باختصار، من الممكن تماما أن تكون هناك ديمقراطية لا تقاس سعادة المجتمع ورفاهه فيها بحجم أو بعدد الحريات الفردية الممارسة وأن تكون فيها الأسبقية لقيم العدالة أو المساواة بين المواطنين أو بين الجنسين أو بين الطبقات أو الأقاليم والجماعات المختلفة، خاصة عندما تكون الفوارق بينها ذات طبيعة خطيرة واستثنائية . مما يعني القبول بما يتطلبه تحقيق ذلك أحيانا من تدخل مباشر لفرض بعض القيود على حريات بعض الفئات التي يعيق نمط انتاجها أو ممارسة حرياتها تحرر الأغلبية من الأفراد وتفتحهم. كما يعني القبول بما نسميه اليوم مبدأ ممارسة التمييز الايجابي لصالح الطبقات الشعبية أو الفئات المجتمعية الضعيفة لرفع درجة مشاركتها أو اندماجها أو مستوى معيشة أبنائها. وفي هذه الحالة يمكن الحديث عن ديمقراطية اجتماعية هدفها تحقيق أكثر ما يمكن من التضامن بين الأفراد ومن المساواة الفعلية بين الجماعات المنتمين إلى الدولة الواحدة بل اليوم إلى العالم الواحد مع الحفاظ على حرية الفرد كجوهر ثابت لأي ممارسة ديمقراطية.

سورية وضرورة التسامح

سورية وضرورة التسامح

محمد كريشان

القدس العربي


إفراج السلطات السورية أمس الأول عن جميع أعضاء مجلس إدارة منتدي جمال الأتاسي للحوار الوطني الذين كانوا اعتقلوا الثلاثاء الماضي في دمشق خطوة إيجابية بلا شك ولكنها تظل منقوصة لأنها أولا استثنت الكاتب علي العبد الله وثانيا لأنها لم تتنزل إلي حد الآن علي الأقل في سياق انفراجي عام في البلاد.
موجة الاعتقالات الأخيرة مرتبطة بندوة عقدها المنتدي في السابع من الشهر الماضي عرضت فيها أطراف سياسية واجتماعية سورية مختلفة ـ بما فيها حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم ـ أطروحاتها وآراءها عن الإصلاح السياسي المطلوب في البلاد ولم تكن تهمة علي العبد الله فيها سوي أنه قرأ، بتكليف من إدارة المنتدي، رسالة حركة الإخوان المسلمين في سورية المحظورة إلي المنتدي فتمت إحالته إلي محكمة أمن الدولة، وبالتالي لم يكن من بين المفرج عنهم رغم أن القضية واحدة وما كان من المنطقي أن يطلق سراح الجميع ويحال إلي المحكمة من لم يفعل سوي تنفيذ ما كلفه به المطلق سراحهم!! وبذلك تزداد معاناة شخص حورب طوال السنوات الماضية في لقمة عيشه وفي حرية تنقله عبر سحب أو عدم تجديد جواز سفره. ثم إن تجنب السلطات أية إجراءات انتقامية تجاه منتدي الأتاسي، وهو بالمناسبة الوحيد المتبقي من منتديات المجتمع المدني التي ظهرت في ما عرف بـ ربيع دمشق الذي أعقب تسلم الرئيس بشار الأسد السلطة عام 2000، يظل علي أهميته منقوصا طالما استمر اعتقال أو سجن آخرين من أبرزهم محمد رعدون رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية الذي أوقف مؤخرا وأكثم نعيسة رئيس لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية والناطق الرسمي باسمها المعتقل من منتصف نيسان (ابريل) الماضي والمحال إلي محكمة أمن الدولة العليا وهو يعاني من مشاكل صحية عديدة فضلا عن البرلمانيين رياض سيف ومأمون حمصي والأكاديمي عارف دليلة وحبيب عيسي أحد نشطاء المجتمع المدني المعروفين.
كثيرا ما تبرر سورية وغيرها حالات الاستنفار المشابهة ضد المطالبين بالحريات والديمقراطية ونشطاء حقوق الإنسان والمعارضين بأن السلطة والبلاد عموما تواجه تحديات خارجية كثيرة وأن الظرف غير ملائم بالمرة لتفتيت الجبهة الداخلية بسجالات ومطالبات هنا وهناك مع أنها لو عكست لأصابت، فتحديدا لأن البلاد تعيش ظرفا كهذا ـ وبالنسبة إلي سورية الوضع هش للغاية بعد الخروج الذي نعرف من لبنان واستمرار الاتهامات والضغوط المتعلقة بالعراق وما يوصف بدعم الإرهابـ لا مفر من تنفيس الحياة السياسية الداخلية والعمل علي نشر أجواء التعبير الحر والتعددي بعيدا عن أجواء التخويف والملاحقة وهي أجواء يستفيد منها الجميع، سلطة ومعارضة، بل والسلطة أكثر من المعارضة لأنها بذلك تصبح قادرة علي الاستفادة من كل الآراء التي تريد المشاركة والمساعدة في إخراج البلاد من أزمتها، مع ما يعنيها ذلك من مسؤولية الجميع، وفي ذات الوقت تعمل السلطة علي فك أي ارتباط أو تقاطع يمكن أن يحصل الآن أو في المستقبل بين التبرم الداخلي والضغط الخارجي وهو تقاطع إن وصل عند نقطة معينة لا أحد يضمن أن يتحول إلي التقاء ستعمل بعض الأوساط الشعبية، حتي من بين غير المسيسين كثيرا أو المنظمين، علي إذكائه نكاية في سلطة متسلطة وشماتة فيها والدرس العراقي يغنينا جميعا عن مزيد من الشرح أو التفصيل.
لقد أقدمت الحكومة السورية مؤخرا علي بعض الخطوات الانفراجية المحسوبة في مجال الاعلام خصوصا لكنها أحيانا ما تلجأ إلي خطوات إلي الوراء غير مبررة ولا مقنعة خاصة وأنها لا تتجاوز جميعها قضايا تتعلق بتعبير سلمي علي الآراء مع أن الدستور السوري ينص في مادته الــ 38 علي ما يلي : لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية فهل ينهي المؤتمر القطري لحزب البعث في السادس من هذا الشهر هذه المفارقة؟

تنفيس' في سوريا

'تنفيس' في سوريا


بلا لف أو دوران، قالت السلطات السورية التي اعتقلت أعضاء مجلس إدارة "منتدى الأتاسي للحوار الوطني" أن للمنتدى دوراً إيجابياً و"يأتي كتنفيس ضروري".

اشارة لطيفة! الواقع ان هذا الكلام الذي نقله بعض المفرج عنهم يعكس احد أمرين: إما جهلاً كاملاً لمعنى "التنفيس" واما سياسة مقصودة لتحقير دعاة الحوار وما يمثلون.

نعرف ان "التنفيس" لعبة معتمدة في انظمة مثل النظام السوري ونعرف ان لهذه اللعبة قواعدها. ومن قواعدها ان النظام يناور بها لتمويه قمعه المجتمع وليستخدمها عندما يشاء دليلا على انفتاحه. ومن قواعدها ايضا أنه كلما اشتدت الضغوط على النظام يوسع هامش "التنفيس" ليحد من الاضرار ويزيد التمويه. وأي لحظة تبدو أقرب الى هذا الوضع من اللحظة السورية الراهنة وفي وقت ينتظر العالم موعد النظام مع الاصلاحات في المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث، كما وعد الرئيس بشار الاسد؟

لذا فان ادراك قواعد هذه اللعبة كان يفترض أن يتسع صدر النظام لنشاطات منتدى"التنفيس" اليتيم في سوريا بل يحتمل حتى تلاوة رسالة فيه من المراقب العام لحزب "الاخوان المسلمين" المحظور صدر الدين البيانوني بدل اعتقال الكاتب علي العبدالله الذي تلا الرسالة وبعد اسبوع اعتقال زملائه الثمانية في مجلس الادارة، واتهامهم جميعا بـ"إشاعة أنباء توهن نفسية الأمة وإثارة النعرات الطائفية".

وادراك قواعد اللعبة كان يفترض ايضا ان تطلق السلطات جميع من اعتقلت في هذه القضية بدل ان تستبقي العبدالله وحده بل تحيله على محكمة أمن الدولة لا لسبب سوى انه نفذ تكليف مجلس ادارة المنتدى اياه بتلاوة الرسالة.

وأكثر. كان يمكن ان تتجنب السلطات اثارة ملف الاعتقال السياسي اصلا عشية المؤتمر. لكنها أعادت فتحه باعتقال عدد من الناشطين بينهم حبيب صالح الذي يبدو أنه تجرأ ومارس "التنفيس" في أحد البرامج التلفزيونية، وبعثت برسالة "عدم حوار" قوية اذ اعلنت الحوار مع "الاخوان" خطا أحمر وحرصت على تبديد كل الانباء عن احتمال الغاء القانون 49 الذي يقضي بإعدام كل من ينتمي الى هذه الجماعة، وعاقبت المنتدى الذي ما فعل غير محاولة دفع الحوار خطوة الى الأمام.

هذا في "التنفيس". فهل يختلف الامر في التغييرات المتوقعة؟ نتفق تماما مع الوزير فاروق الشرع الذي قال في اللوكسمبور امس ان "رفع السقف الى درجة التفكير ان المؤتمر سيخرج بالمعجزات هو موضوع خيالي"، لكننا سمعناه يتحدث عن "توجه جدي في اتجاه التطور والتحديث والاصلاح في البنى السياسية والامنية والاقتصادية والتعليمية" وعن نتائج سيخرج بها المؤتمر "فيها زخم لمسيرة اصلاحية يقودها سيادة الرئيس بشار الاسد بقوة اكثر من السابق وبتنظيم اكثر من السابق".

ربما. ولكن يحق للمراقب ان يقلق على سوريا ويتساءل عن مضمون "التوجه الجدي" وليس بالطبع عن "المسيرة الاصلاحية" الراهنة، اذا كانت المؤشرات تراوح بين كلام عن ان الشرع في تقريره السياسي الى المؤتمرلا يزال يعتقد ان القرار 1559 لم يستهدف سوريا، وتصرفات تعكس عجزاً عن التحكم حتى بأبسط قواعد لعبة "التنفيس".

سحر بعاصيري

النهار