أي مستقبل سياسي للأسلاميين في سورية ؟

٢٠٠٦-٠٢-٠٤

أي مستقبل سياسي للأسلاميين في سورية ؟

فراس سعد


لا يمكن تصور مستقبل الأسلاميين السوريين – الأخوان المسلمون تحديداً- بمعزل عن تصور مستقبل سائر القوى السياسية السورية , فالسلطة تغلق ابواب العمل السياسي على كافة الحركات و الاحزاب المعارضة شيوعية و ليبرالية و قومية كما تمنع كافة اشكال العمل الاجتماعي و الثقافي الحر دون تدخلها المباشر و الفج , فالوضع السياسي و السلطوي في سورية مزيج من نظام علماني شكلي يعيش تحت عباءة الديكتاتورية و حكم ..الحزب الواحد مع هامش بسيطة في جبهة وطنية تقدمية تابعة للحزب الواحد الحاكم و فئة صغيرة تحكم عبر الأجهزة و تغييب الصحافة و الأعلام تمكنت من تجفيف سورية من الحراك السياسي و هي ماتزال تعمل لتحسين الوضع الأقتصادي و لو شكلياً مع تنامي انتشار الفقر ليشمل نصف السكان تقريباً .
لا يمكن تصور مستقبل الأسلاميين السوريين في الحكم وفقاً للتجربة التركية التي استوعبت الأسلاميين في العباءة العلمانية الليبرالية العريقة في تركيا و عمرها أكثر من قرن تقريباً , لغياب أبسط أشكال حرية المشاركة السياسية , كما لا يمكن للأسلاميين السوريين الوصول إلى الحكم و تحويل سورية لدولة أسلامية وفق النموذج الأيراني أو السعودي لأن سورية ذات تعدد طائفي واضح و ليست مثل أيران صافية مذهبياً , أو السعودية التي تغيب طائفة كبيرة من مكوناتها عن الحياة الأقتصادية و السياسية , كما أنها ليست مثل شرق فلسطين ( الضفة الغربية ) واقعة تحت الأحتلال , و ليست التركيبة السورية تسمح بنظام يتلاءم مع الأسلاميين كما في الأردن لأن مرجعية الفئة الحاكمة تتناقض مع مرجعية الأسلاميين و حتماً سورية ليست مثل لبنان الذي يحكمه التوازن الطائفي الوطني و هو عريق في الليبرالية و الديمقراطية و في تكوين و تشكيل فريد من نوعه تسوده الحريات المدنية و السياسية و الأعلامية , وكان مركزاً للأشعاع الفكري نحو محيطه و العالم العربي كله , و نموذج و رسالة تعايش للعالم.
فإذا لم يكن للاسلاميين السوريين مستقبلاً في الحكم فهل يكون لهم مستقبل في المشاركة في الحكم , و هنا نأتي إلى الممكنات و نتساءل هل يمكن أن يتم تركيب نظام سوري مع الأسلاميين كما هو الحال في العراق و لسورية مع العراق أوجه شبه اجتماعية و سياسية فكلاهما متعددة طائفياً , و كلاهما حكمه نظام حزبي و أمني مغلق و كلاهما حكمته فئة صغيرة ... مع ذلك الوضع السوري مختلف عن الوضع العراقي الناشىء لأن قوة دولية و عالمية قرّرت و وجّهت سير الأحداث فيه , بينما سورية تبدو بعيدة عن تدخل دولي عسكري أو سياسي , ومن الصعب تصوّر سورية تتحول إلى نظام أسلاموي كما العراق , لم يبق سوى النموذج المصري و هو في اعتتقادنا أقرب النماذج الممكنة لدخول الأسلاميين في النظام السياسي السوري الحالي عبر البوابة البرلمانية و تشكيلهم كتلة في البرلمان السوري , فطبيعة النظام المصري تتقارب نفسياً مع طبيعة الحكم السوري , و هناك ما يشبه تؤمة نفسية و سياسية بين حكام البلدين تاريخياً , فما يحصل في مصر يؤثر تلقائياً في الحكم السوري و العكس , إذاً هل نتوقع حصول انتخابات برلمانية في سورية تسمح بوصول الأسلاميين إلى البرلمان بكامل قواهم أو بما يقرب من قوة وجودهم في الشارع السوري .
يبدو هذا هو السيناريو الأكثر امكانية للتحقق في سورية على الأقل لأسباب تتعلق بالتوازنات الأقليمية المرسومة من القوى الكبرى , فلا يمكن للأمريكان السماح بدولة أسلامية في سورية لأنها ستكون على حدود أسرائيل و لو قال قائل أن حزب الله موجود على حدود اسرائيل الشمالية و أن حماس دخلت و الجهاد سيدخل مستقبلاً النظام السياسي الفلسطيني على حدود اسرائيل الشرقية و في غزة , و اسرائيل نفسها تتغاضى إلى حدّ ما عن الحركة الأسلامية العربية داخلها ( أراضي 48 ) , , نجيبه أن هذه منظمات اسلامية و هي لن تستطيع الوصول إلى تحقيق دولة أو دويلات أسلامية , هذا من ناحية و من ناحية أخرى إن القوى الكبرى لن تسمح بقيام دولة أسلامية في سورية إلا إذا قامت دولة أسلامية في العراق , في هذه الحال تدفع القوى الكبرى الحكمين الأسلاميين إلى صراع سني سوري - شيعي عراقي كما كان الحال بين بعث العراق و بعث سورية فيستمر الخط الأحمر الدولي الذي يمنع أي تقارب حقيقي بين النظامين و البلدين .
أما العراق فيبدو أنه ذاهب إلى دولة التوازن الطائفي وفق النموذج اللبناني , دولة ذات طابع ديني ربما , لقوة الأسلاميين في البرلمان .
لا نعتقد أن دولة أسلامية في سورية ممكنة التحقيق لعدم وجود موافقة اقليمية عليها ( اسرائيل ) و بالتأكيد هكذا دولة لا تناسب القوى الكبرى , و لأن طبيعة التكوين السوري الأجتماعي و النفسي الأيديولوجي لا يمكن أن يدفع باتجاه دولة اسلامية مهما كانت المظاهر و الظواهر الأجتماعية السورية المتدينة قوية .
لا شك أن الممكن الوحيد للأسلاميين السوريين لمقاربة السلطة هو المشاركة في انتخابات برلمانية يصلوا عبرها إلى البرلمان , و هناك يمكنهم أن يعملوا جدياً في ملف أساسي هو مكافحة الفساد و كبح التسيّب الأخلاقي و البطالة و سائر الملفات ذات الطابع الأجتماعي , أكثر من ذلك ليس باستطاعة الأسلاميين السوريين الحصول عليه و السلطة لن يكون بمقدورها أن تقدم أكثر من ذلك , بل إن انتخابات برلمانية حرة أمر مشكوك في حصولها في سورية في ظل الأوضاع الحالية و بسبب التكوين الحالي للسلطة و آلايات تفكيرها المتخلفة و الأنانية اللهم إلا اعترفت الدولة السورية بالأسلاميين و منحتهم الفرصة القانونية لتكوين أحزاب سياسية و هو مستحيل إلا بضغط او موافقة دولية اقليمية .... فالأسلاميون السوريون تحديداً الأخوان المسلمون غير معترف بهم حتى الآن بالرغم من الوساطات التي أجراها النظام للتفاوض معهم و هم مازالوا ملاحقين و معرضين للأعدام و الأعتقال و قياداتهم خارج البلاد و ليس لهم تنظيم مسلّح أو سياسي داخل البلاد و التعامل مع الأخوان لدى السلطة مازال خطاً أحمراً- اعتقال علي العبدالله في منتدى الأتاسي على خلفية قراءته رسالة من البيانوني – و لا ننسى القانون رقم 49 لعام 1980 الذي يعاقب كل منتم لجماعة الأخوان المسلمين بالأعدام حتى لو كانوا أطفالاً – بحسب نزار نيوف –
و الأسلاميون السوريون – الأخوان – ليسوا مثل اسلاميي العراق الذين مارسوا العمل المسلح – الأحزاب الشيعية- ضد صدام منذ عقدين بدعم ايراني و القسم الثاني منهم انتقل من البعث الى الزرقاوي بدعم دول عربية, كما ان اخوان سورية ليسوا حتما مثل اخوان مصر التي تعترف بهم الدولة و النظام و سمحت لهم بدخول البرلمان بضغط امريكي كما انهم ليسوا مثل اخوان الاردن العاملين تحت عباءة النظام و ليسوا مثل اخوان الضفة الغربية و القطاع الذين يمارسون نضالاً تحررياً لاستعادة الأرض .
إن طبيعة المجتمع السوري المتأثرة بأوضاع نصف القرن الأخير من الحكم الشمولي و الأستبدادي و بحكم المافيات و العصبيات الصغرى ما قبل الوطنية يميل إلى أحادية الأختيار , فهو إما يقبل الأسلاميين بشكل كامل أو يرفضهم بشكل تام و بهذا فما على الأ خوان المسلمين سوى إعادة أقلمة أنفسهم مع هذا الوضع النفسي الأجتماعي المستجد بحيث يتجاوزوا مفاعيل القانون رقم 49 لعام 1980 فيغيروا مثلاً أسم حزبهم كما فعلب الأخوان المسلمون في تركيا بقيادة أربكان , و يتم تغيير بنيتها و وسائلها كما فعل الأخوان المسلمون السوريون فعلاً عبر عملية تغيير داخلية واسعة النطاق بقيادة البيانوني و عبر مشروع مبادئهم " سورية المستقبل " الذي اعلنوا فيه تحولهم الى الديمقراطية و قبولهم بالدولة المدنية و احترامهم للآخر و نبذهم للعنف و قبول حرية الاعتقاد و ممارسة الاعتقادات الدينية و عدم سعيهم للدولة الاسلامية على الاقل بصيغتها السياسية الفجّة كما يطرحها مثلاً حزب التحريرالاسلامي في سورية , مع ذلك لم تحرك السلطة ساكناً باتجاه الاعلان عن قبولها بالأخوان المسلمين او على الاقل باعلانها عن الترحيب بالتحولات الديمقراطية التي اعلنوا عنها . ربما لو كان الاخوان مازال تنظيماً مسلحاً يملك قوة عسكرية لربما اعلن النظام عن قبوله التفاوض العلني معهم و لقبل دخولهم المعترك السياسي السوري مقابل تسليم اسلحتهم مثلاً و رفضهم للعمل المسلح ؟
إن استمرار النظام برفضه لليد التي يمدها الأخوان المسلمون سيدفعهم للعودة عن تحولاتهم و لربما عادوا إلى العمل المسلح و العمل السري , و للنظام سوابق يذكرها الجميع , فلقد كان منع الأحزاب الأسلامية من العمل العلني السبب لدفع الشبيبة السورية لمزيد من التدين و الاتجاه شيئاً فشيئاً من الأعتدال إلى المحافظة إلى التطرف -80 بالمئة من المتدينين السوريين محافظين مقابل 20 بالمئة معتدلين بحسب النائب الاسلامي محمد حبش و 30 بالمئة من السوريين يواظبون على صلاة الجمعة اليوم مقابل 10 بالمئة من الأيرانيين في عهد خاتمي –
هذا يعني شيئاً واحداً : إن الأستمرار برفض الاخوان المسلمين و الحركات الاسلامية المعتدلة و الحفاظ على القانون 49 سيقوي نزعة العنف و التسلّح عند عموم الاسلاميين و المتدبنين السوريين و كذلك لدى الاجنحة المتشددة في تلك الاحزاب و الحركات , و هذا آخر ما تريده الولايات المتحدة لأسباب يدركها الجميع .
إن سكون المجتمع السوري و صمته يطمئن حكام سورية و من حولهم منظريهم و متملقيهم الأحياء – الأموات لكنه يرعب القوى الكبرى التي تريد بكافة الوسائل الممكنة أخراج هذا المجتمع عن صمته و سكونه بطريقة مدروسة متحكّم بها كيلا ينفجر في وقت و طريقة لا يمكن لأحد أن يتحكم بها , و أمريكا التي دخلت العراق ليس للتحكم ببتروله فحسب و لكن للتحكم بأخراج ممكنات الشارع و المجتمع العراقي المكبوتة لأربعة عقود و لو أن هذا الأخراج تحول إلى أنفجار اسلامي عنفي و سلمي سياسي فهي ستفعل ذلك بسورية أياً كانت النتائج مباشرة أو بالواسطة لكن مستفيدة من التجربة العراقية , و النتائج ليست مهمة بقدر ما أن المهم هو التحكم بأخراجها بهدوء إلى العلن كما في النموذج المصري و الفلسطيني أي بآلية ديمقراطية تضمن مصالح الجميع بحسب حجم قوة كل طرف داخلي سوري و خارجي أقليمي و دولي ربما؟

خاص – صفحات سورية -

ماذا لو عرضت السلطة الحوار على قوى إعلان دمشق؟

ماذا لو عرضت السلطة الحوار على قوى إعلان دمشق؟ (وجهة نظر غير محايدة)

بقلم: د. حازم نهار

أخبار الشرق

نسمع بين الحين والآخر أن النظام السوري سيقوم بإجراء "إصلاحات داخلية " في الوقت القريب، وأنه سيتوجه نحو إطلاق حوار مع المعارضة السورية، أو بالأحرى مع بعض أطرافها، ورغم أن احتمال حدوث ذلك ضعيف، إلا أن التفكير السياسي الصائب يقتضي وضع هذا الاحتمال في الحسبان، والتفكير فيه جديا، كي لا يتحول "الحوار" إلى "صلحة عرب" و"عتب" و"تبويس لحى" على أيدي بعض الشخصيات والأطراف، إن في السلطة أو المعارضة. وفيما يلي أقدم وجهة نظر حول هذا الحوار المزعوم، وهي إن بدت بصيغة نصائح أو كثرت فيها المشروطات والتوجيهات، فهي لأنها بالطبع وجهة نظر غير محايدة.

لا ينقطع "الحوار" بين المكونات السياسية في أي مجتمع في أي لحظة سياسية، هذا إذا اتفقنا على فهم عام لمفهوم الحوار الذي لا يعني فحسب الذهاب إلى مائدة الحوار والتقابل المباشر بين الأطراف أو الفرقاء السياسيين.

حتى في ظل اللحظات التي تكون فيها السلطة أكثر عتياً وقناعة بسياساتها وتنكراً للآخرين ومكتفية بذاتها لا ينقطع "الحوار". ففي هذه اللحظات يأخذ الحوار صيغة "إملاء الشروط" أو " تحديد الخطوط الحمر" التي ينبغي على الآخرين عدم تجاوزها، تماماً كما يحدث ما بعد الحروب بين الدول.

"الحوار" ليس كلمة إيجابية أو سلبية إلا بما نضمنها من آليات وصيغ وأشكال، ووحدهم "الطيبون" هم الذين يعتقدون أن "الحوار" هو الضد أو النقيض لمبدأ "الحرب". ألم يقل كلاوزوفيتس إن "الحرب هي استمرار للسياسة، ولكن بأشكال أخرى"؟ فالحرب هي إحدى وسائل السياسة التي تستخدم من أجل جعل السياسة تسير في طريق أو مسار دون غيره.

لا يعني مجرد لجوء السلطة للحوار أن ثمة تغييراً جوهرياً قد حدث، إذ يمكن أحياناً (على صعيد القوى أو الدول) الوصول من الحوار لنتائج أكثر فعالية من الحرب، وقد شهدنا في بعض المحطات خلال السنوات الخمس الماضية ممارسات قانونية كانت أكثر ضراوة ووقعاً على أصحاب الرأي من استخدام العنف العاري.

لكل حوار بيئة يجري فيها، وبوادر توحي بنتائجه سلباً أو إيجاباً، وعلامات أو مؤشرات للثقة أو انعدامها، فضلاً عن طبيعة الآليات التي يجري وفقها وجدول الأعمال أو الموضوعات المطروحة فيه وارتباطها بجدول زمني، بمعنى آخر: عندما نقول "إن حواراً جرى أو سيجري " فهذا يفترض بداهة أن هذا الحوار يجري في زمان ومكان محددين، ووفق آليات وجداول زمنية متفق عليها.

من واجب قوى إعلان دمشق أن ترحب من حيث المبدأ بذهاب النظام السوري نحو نهج الحوار، رغم علمها أن ذلك ما كان ليحدث لولا البيئة السياسية التي تغيرت حول النظام، لكن بالمقابل عليها ألا تفرح وتفقد صوابها من هذا الاعتراف بها. هذا الفرح قد يحدث بسبب عدم تقديرها لذاتها أو قناعتها بضعفها إزاء السلطة، إذ رغم الضعف، بل والبؤس الذي تعيشه المعارضة في آلياتها ووسائلها وكوادرها إلا أنها يجب أن تستثمر للحد الأقصى صفتها الأساسية، أي صفة " المعارضة "، التي تعني القطب الموازي للسلطة، فما عاد هناك سلطة يمكن أن تكون كاملة الشرعية دون وجود معارضة حقيقية لها، فوجود المعارضة في بلد ما هو الشرط اللازم (لكن غير الكافي) للحكم على شرعية سلطة ما.

يعني ذلك التعامل بتوازن مع طرح النظام لمبدأ الحوار، لا أن يطير عقلنا فرحا، ولا أن ندير ظهرنا لهذه الدعوة تحت شعار "إننا فقدنا الأمل والثقة بمصداقية النظام الراهن"، فهؤلاء الداعين للرفض، والذين يخافون على طهارتهم ونقائهم من لمسة حبل، ليس بإمكانهم الانتقال إلى ممارسة جدية للسياسة تتجاوز "عقلية الشتائم". لا يعني قبول مبدأ الحوار والجلوس على مائدة واحدة أننا سلمنا بما يعرضه أو يريده الطرف الآخر. كثيراً ما علمتنا التجارب أن هذا الشكل من الرفض الحدي يفضي عادة إلى أحد طريقين، إما ضرب الرأس بالجدران أو الانتقال للطرف النقيض أو الضفة الأخرى بلمحة بصر.

التدقيق في مصدر دعوة الحوار أو الطريقة التي تعرض فيها هام وأساسي، فخلال الفترة السابقة جرت اتصالات بشخصيات من المعارضة تحت اسم " الحوار" وبطريقة غير علنية أو من مصادر أمنية. هنا يغدو المقبول من قوى الإعلان هو تلك الدعوة العلنية أمام الرأي العام من قبل مصادر سياسية عليا في النظام.

الذهاب إلى طاولة الحوار يفترض أن تذهب الأطراف ولديها شكل ما من الثقة بجدوى الحوار، وفي هذه الحالة، طالما أن المعارضة السورية بمختلف تياراتها وانتماءاتها قد أرسلت رسائل عديدة تؤكد قناعتها بمبدأ الحوار، وحددت معالم حركتها، ولم تدخر وسيلة لإثبات نواياها الإيجابية، هنا يصبح المطلوب من النظام بدوره إرسال عدد من الرسائل الإيجابية لتأكيد صدقيته في اختيار مبدأ الحوار: إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، عودة الوضع بالنسبة للحراك الديمقراطي والثقافي إلى ما فبل اغتيال الحريري، ووقف العمل بقانون الطوارئ والأحكام العرفية، والاعتراف العلني بوجود معارضة سورية وبحقها في العمل الحر، والقيام ببعض الإجراءات الجدية في مكافحة الفساد على مستوى المراكز العليا في الدولة والجيش والأجهزة الأمنية.

دون هذه المؤشرات لن تخلق بيئة صحية للحوار، وستزداد القناعة بأن دعوة الحوار لا تخدم إلا خروج النظام المأزوم والمحاصر من أزمته والإيحاء للداخل السوري بأنه يسير في طريق الإصلاح. بعد هذه الخطوات المطلوبة من السلطة يصبح للحوار المطروح معنى وجدوى، وعندها تأتي الخطوة اللاحقة في تحديد أطراف الحوار، وهنا يأتي دور المعارضة في تأكيد ذاتها ككتلة واحدة متماسكة، أو على الأقل ككتل بينها تفاهم واضح حول الأولويات والأهداف.

تخطئ أي قوة سياسية في المعارضة في الذهاب لوحدها، أياً كان وزنها أو تأثيرها في الحراك السياسي، فإن حدث ذلك فإنه يدلل على واحد من ثلاثة احتمالات، فإما أن هذه القوة السياسية تتوافر بين ظهرانيها على عناصر أو قيادات انتهازية ترغب في تحقيق مكاسب حزبية أو شخصية ضيقة، لا تقدم ولا تؤخر في الوضع السياسي في البلد، ولا تخدم قضية التغيير الديمقراطي. الاحتمال الثاني هو عدم توافر هذه الجهة السياسية على العناصر القيادية التي تتمتع بالحنكة السياسية والقدرة على قراءة التجارب والاستفادة منها وعدم تكرار الأخطاء. هنا يصدق المثل الذي يقول: "الذي يجرب المجرب عقله مخرب"، فتجربة "الجبهة الوطنية التقدمية" ماثلة لمن يريد أن يتعلم، إلا إذا كان هدف أو طموح هذه القوة السياسية التحول إلى طرف غير فاعل وكاريكاتير سياسي كسائر أحزاب الجبهة العتيدة.

الاحتمال الثالث هو عدم ثقة هذه القوة السياسية بذاتها، لتجد في طلب السلطة منها الحوار معها شيئاً يرمم النقص الذي تستشعره بنفسها، فإذا ما جاءت "دعوة الحوار" ترى هذه القوة السياسية وقد امتلأت عنفواناً وارتفع شعورها بذاتها، وهذا يخفي شعوراً جمعياً باطناً لدى هذه القوة السياسية بأن السلطة، وليس الواقع والبشر، هي مصدر الشرعية.

من صالح قضية التغيير الديمقراطي، ومن صالح جميع القوى السياسية المعارضة في إعلان دمشق وخارجه، ألا تذهب أي قوة سياسية للحوار وحدها، أو في الحد الأدنى دون التوافق مع باقي القوى على الأساسيات والأولويات، كما أنه يجب الحرص على عدم تخويل أي شخصية أو قوة سياسية محددة بالحوار باسم قوى الإعلان أو المعارضة السورية، دون الحوار بين هذه القوى والتوافق فيما بينها، وتحويل هذا التوافق إلى مشروع واضح المعالم.

أما أطراف الحوار الممثلة للسلطة فينبغي أن تكون شخصيات سياسية مفوضة وفي مستويات عليا، لا أن يعهد بمهمة "الحوار مع المعارضة" لأمين فرقة أو شعبة حزبية في حزب البعث، للتقليل من قيمة المعارضة والاحتفاظ بالقدرة على التنصل من أي نتائج تنبثق عن الحوار.

ثمة نقطتان ينبغي أن تكونا على جدول أعمال اللقاء الأول المفترض، هما الاتفاق على آليات الحوار وجدوله الزمني، وتحديد موضوعاته. بالنسبة للآليات، لكي يكون الحوار مجدياً ينبغي تثبيت عدد من النقاط، فأولاً لا بد من السماح للإعلام بتغطية مجمل خطوات ومراحل الحوار. وثانياً، لا بد للحوار من أن يكون متكافئاً، بمعنى أن يكون حواراً بين أنداد، بين سلطة ومعارضة توازيها، لا أن يكون بين سلطة ورعايا، فلا يجوز الركون هنا إلى مسألة القدرات والعدد والنفوذ لترخي بظلالها على مناخ الحوار، فالمعارضة في أحد تحديداتها هي "سلطة بديلة"، وما كان يمكن أن تصل إلى هذا القدر من الضعف لولا أن السلطة استحوذت على الدولة والمجتمع، وحرمتها من حقها في الانتشار والاستقطاب والتعبير عن نفسها، وهذا يقتضي عملياً التكافؤ في عدد الشخصيات الممثلة لأطراف الحوار والتكافؤ في الزمن المخصص للمتحاورين، والتكافؤ في تحديد موضوعات الحوار .. إلخ. وثالثاً، لا بد للحوار من جدول زمني محدد، (3 - 6 أشهر مثلا)، فهذا الحوار بين السلطة والمعارضة هو حوار سياسي وليس ندوة ثقافية يذهب أطرافها كل إلى بيته بعد انتهاء الحوار وكأن شيئاً لم يكن، ورابعاً لا بد من الاتفاق على آلية متوازنة لاتخاذ القرارات بشأن القضايا الخلافية.

كل حوار بدون موضوعات هو حوار فاشل ولا يتعدى أن يكون مضيعة للوقت، وكل حوار لا يحدد الأولويات بشكل منسجم مع الواقع والحقائق ومصالح البشر وحاجاتهم لا يعدو أن يكون تغطية للازمات الحقيقية التي تعيشها سوريا، ففي هذه الحالة تتحول المعارضة لتصبح إحدى أدوات النظام في تثبيت الاستمرارية مع بعض التجميلات والإيماءات بحدوث تغيير في النهج والممارسة. موضوعات الحوار يجب أن تتناول جذر الأزمة الداخلية، أي ما يتعلق بالحالة السياسية ونمط وآليات الحكم، وبعدها يأتي الحوار حول القضايا الأخرى، سواء ما يتعلق منها بالاقتصاد أو بالعلاقة مع الخارج.

هذا يعني أن أحد موضوعات الحوار الرئيسية هو الدستور السوري وضرورة إجراء تغيير دستوري واسع، تضع أطراف الحوار نقاطه الرئيسية، ليعهد بعد ذلك إلى لجان مختصة وعملية موازية يجري تشكيلها من السلطة والمعارضة لتقديم مشروع واضح للدستور السوري، مع تحديد توقيت مناسب لعرضه على الرأي العام السوري وإجراء الاستفتاء عليه. في التفاصيل يمكن القول أن المادة الثامنة من الدستور السوري الحالي والنظام الانتخابي في سوريا وآليات تداول السلطة والفصل بين السلطات وتوصيف الحالة الحزبية ومهام رئيس الجمهورية ووظائف الجهاز التنفيذي ومسألة الأقليات القومية في سوريا، هي نقاط رئيسية للحوار الذي يتناول التغيير الدستوري. بعدها يأتي قانون الأحزاب منسجما مع الدستور الجديد، إذ لا معنى للقانون المزمع إصداره قريبا دون إجراء تغيير دستوري واسع يطال النقاط السابقة الذكر.

المرحلة الثانية من الحوار تأتي حول الوضع الاقتصادي في سوريا، وهنا يكون الحوار حول قضايا رئيسية في تحديد النهج الاقتصادي الجديد، وتترك المواضيع التفصيلية للاقتصاديين والاختصاصيين. من هذه القضايا دور الدولة في الاقتصاد، القطاع العام والخاص، الاقتصاد السوري في ظل اقتصاد العولمة .. الخ.

المرحلة الثالثة من الحوار تكون حول تحديد ثوابت السياسة الخارجية السورية بشكل عام، بالإضافة لتحديد ثوابتها وآلياتها في المدى المنظور، والعلاقات العربية والإقليمية لسوريا، وآليات التعاطي مع أية تهديدات محتملة للبلد.

غني عن القول أن أي حوار بين طرفين لا يسير بهذا الطريق المرتب والمبرمج، فهو يتعرض لتعديلات وتغييرات عديدة من قبل أطراف الحوار تبعا للحظة السياسية التي يجري فيها الحوار ولتوازنات القوى وإرادات المتحاورين. كذلك يمكن أن ينتهي الحوار في بداياته أو في أي لحظة من مساره، وقد يصل إلى طريق مسدود، لكن امتلاك الرأس والقراءة الدقيقة للواقع والمتغيرات في جميع اللحظات من طرف المعارضة السورية، ووضع مسألة "التغيير الديمقراطي" كأساس لأي سلوك أو خيار سياسي، هو ما يجعلها تستثمر أي "حوار" أو "تغيير" في نهج النظام لصالح البلد والبشر.

من الهام أن تفتح المعارضة السورية، خاصة قوى إعلان دمشق، حوارا حول إمكانية حدوث احتمال بتوجه النظام السوري نحو الحوار معها، الأمر الذي يقتضي أن تعد نفسها جيدا، كي لا تذهب إلى الحوار خالية الوفاض، وكي لا تتحول إلى مجرد أداة تساعد النظام في الخروج من أزمته وعزلته.

__________

* كاتب سوري، رئيس مجلس إدارة منتدى جمال الأتاسي للحوار الوطني - دمش

ما خلا فلسطين... ديمقراطيات بلاد بوش علي قدم وساق

ما خلا فلسطين... ديمقراطيات بلاد بوش علي قدم وساق!

صبحي حديدي

القدس العربي


البروفيسور فؤاد عجمي، الأمريكي اللبناني الأصل وأستاذ الدراسات الشرق ـ أوسطية في جامعة جونز هوبكنز، متفائل علي نحو مطلق بما يفعله الرئيس الأمريكي في العالم العربي منذ غزو العراق، حتي أنه لا يتردد في إطلاق تسمية بلاد بوش
Bush Country علي تلك الأصقاع الممتدّة من المحيط إلي الخليج، بل ويتبني كناية أخري صاغها صديقه الكويتي: جورج بوش أطلق تسونامي في هذه المنطقة ! وفي محاضرة بعنوان خريف الأوتوقراطيين ، ألقاها في معهد هوفر ثمّ نشرتها فصلية Foreign Affairs، قال عجمي: أن توغل في قلب العالم العربي، كما فعلتُ مؤخراً طيلة أربعة اسابيع في قطر والكويت والاردن والعراق، يعني أن تسافر في بلاد بوش. لقد التقيت بأناس من كلّ البلدان العربية تقريباً، وأصغيت إلي نقاش كبير حول إمكانية الحرية والتحرر ، قبل أن يجزم علي النحو الدراماتيكي المألوف بأنّ الربيع الذي يعيشه العالم العربي شبيه بـ ربيع الشعوب الذي عاشته أوروبا بعد ثورة 1848، التي اندلعت في فرنسا ثمّ انتقلت إلي مختلف أصقاع اوروبا انتقال النار في الهشيم!
هذا التفاؤل المطلق الذي خيّم علي مزاج البروفيسور أواسط العام الماضي كان، علي الأرجح، نابعاً من تقديراته لحال الربيع العربي بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، وعلي أعتاب تقرير ميليس الأول، وقبيل الانتخابات التشريعية في مصر والعراق، وتصويت البرلمان الكويتي علي منح النساء حقّ الترشيح والانتخاب. وكان، بالطبع، تفاؤل ما قبل النكسات التي توالت علي أكثر من صعيد، حين لاح أنّ البروفيسور ينفخ في قربة مثقوبة وهو يناشد إدارة بوش أن تراهن بالمطلق علي ربيع العرب. وكان، كذلك، قبل أن يتضح لكلّ ذي بصيرة أنّ البيت الأبيض لم يتخلّ تماماً، ولعلّه لم يتخلّ إلا قليلاً فقط، عن السياسات القديمة في التعاطي مع الحكام وليس مع الشعوب، وفي ترجيح كفة الإستقرار الذي تضمنه الأنظمة علي كفة الفوضي البناءة التي قد تخلقها الشعوب في صراعها من أجل الحرّية وإسقاط الإستبداد.
.. وكان هذا قبل الفوز الكاسح الذي أنجزنه حماس في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية!
لا البروفيسور يبدو سعيداً بهذه الإنتخابات الحرّة النزيهة الفريدة التي لا سابقة لها في تاريخ العرب المعاصر، ولا جورج بوش صاحب الديمقراطية التسونامية علي يقين من أنّ هذا هو طراز الإعصار الذي يريد إطلاقه في أرجاء العالم العربي. رُفعت الأقلام، وجفّت الصحف! وأقصي ما أنعم به بوش علي الشعب الفلسطيني، بعد إقرار سيّد البيت الأبيض بأنّ التصويت كان سليماً ديمقراطياً بشهادة زميله الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، هو تجريد النتيجة من أيّ محتوي سياسي: لقد صوّتوا ضدّ فساد السلطة، وليس لصالح حماس ! وأمّا البروفيسور فهو في حيص بيص، أعانه الله، لأنّ تسعة أعشار الأرصاد السياسية التي أذاعها جاءت الأيام بنقيضها: في العراق، وفي لبنان، وفي مصر، وفي فلسطين...
نتذكر، في السياقات ذاتها، أنّ اهتداءه إلي إمكانية الديمقراطية العربية مسألة طارئة تماماً علي تفكيره، هو الذي كان يبشّر بالعكس علي طول الخطّ! إنه صاحب القول الشهير: الديمقراطية ستظلّ دائماً قضية خاسرة في العالم العربي، وعلي العرب نسيان موضوع الديمقراطية لأنهم ليسوا جديرين بها، وهي ليست مرغوبة هناك علي أية حال . وصاحب القول الآخر الذي لا يقلّ شهرة: أنا لم أكن أبداً إلي جانب إجراء انتخابات ديمقراطية في أي قطر عربي أو إسلامي، لأنّ المعركة تكون دائماً بين الدولة في جانب، والأصوليين في جانب آخر . ومع ذلك، في وسع المرء أن يمنح البروفيسور فضيلة الشكّ، عملاً بالحكمة الشائعة: جلّ مَن لا يخطئ، في انتظار تبرير ما يجعله اليوم واثقاً من ديمقراطيات بوش في مصر والعراق والكويت والسعودية ولبنان ومعظم بلاد بوش هذه، وحائر في ديمقراطية واحدة وحيدة تستعصي علي أرصاده السياسية، أي الانتخابات الفلسطينية.
كتاب عجمي الشهير قصر أحلام العرب ، 1998، يستعير عبارة العنوان من ت. إ. لورانس (أو لورانس العرب في التسمية الأكثر شيوعاً ومغزي)، ومن كتابه الأشهر أعمدة الحكمة السبعة . وفي الأصل (أي قبل نحو ثمانية عقود!) كتب لورانس يصف طموحه الهادف إلي صناعة أمّة جديدة ، وإلي منح عشرين مليوناً من الساميين الركائز التي يشيدون عليها قصر أحلام مستلهم، يحتوي أفكارهم الوطنية . وساعة تأليف الكتاب، عندما كان القرن يجرّ أذياله الأخيرة، اعتبر عجمي أن العرب لم يكونوا بحاجة إلي رجل مثل ت. إ. لورانس لكي يحثهم علي تشييد قصر خاص بأحلامهم: في المتاريس كما في الأكاديميات، وفي مدن العالم العربي الرئيسية ـ بيروت، بغداد، دمشق، القاهرة ـ بني العرب قصر الأحلام الخاص بهم، وأرادوا أن يكون صرحاً فكرياً للقومية العلمانية والحداثة .
ولكن أني لهم ذلك والرياح جرت وتجري بما لا تشتهي سفن العرب!
هذه أمّة تبدأ طورها القومي في مطلع القرن التاسع عشر تارة، وفي عشرينات وثلاثينات القرن العشرين طوراً. عالمها القديم الكلياني ينقطع عام 1967 (ولكننا لا ندري من أين بدأ: من الفرس البارثيين والساسانيين، أم من المكدونيين والرومان والبيزنطيين والفرس مرة أخري، أم من المغول والصليبيين والأتراك السلاجقة والأتراك العثمانيين والتركمان، أم من الاستعمار الفرنسي والبريطاني والإسباني والإيطالي...). وهذه أمّة استهلكت جميع أساطيرها لتعيش الآن علي الفوضي. والمجتمع، سواء في معناه التجريدي أو في مستوياته التاريخية العيانية، يغيب تماماً عن هذه الأمّة التي يضعها البروفيسور علي مشرحته العجيبة. ليس ثمة بشر وشعب وطبقات وصراعات وعالم ودول إمبريالية وتاريخ كولونيالي. حتي الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982 يضنّ عليه عجمي بوصف الغزو ، ولا يستخدم في تسميته سوي مفردة واحدة: الحملة !
وفي الفصل المعنون القدّيسون والدنيوي ، والذي يخصصه عجمي لمصر والمصريين، يبرهن عجمي أنّ البروفيسور ذا الاصل العربي هو وحده القادر علي التحلّي بشجاعة القول إن أنور السادات وقاتله خالد الاسطنبولي كما يسمّيه، وليس الإسلامبولي كما هي الكنية الحقيقية، هما وجهان لعملة مصرية واحدة: الأول توأم للثاني. كيف؟ هنا فلسفة عجمي في تركيب هذه التوأمة: إن تاريخ مصر، وهويتها تحديداً، علي قدر من السيولة يكفي لاستيعاب الحاكم المراوغ الذي ابتلع كبرياءه بقصد التعامل مع اسرائيل والولايات المتحدة، وكذلك لاستيعاب القاتل الذي روّعه الثمن الثقافي المدفوع لقاء الصفقة. وبمعني ما، السادات والإسطنبولي توأمان .
ولأن البروفيسور تمرّس طويلاً في تقنيات اللعب الأكاديمي، فإنه يتكئ علي الكثير من المداميك السوسيولوجية ليقول إن خالد الإسطنبولي (الإسلامبولي) هو بكل المعاني ابن ثورة الضباط الأحرار التي قادها جمال عبد الناصر عام 1952، ووالده اختار له هذا الاسم تيمناً باسم الابن البكر للرئيس. حين وقعت هزيمة 1967 كان الفتي في العاشرة من العمر، و كانت ثورة عبد الناصر قد تكشفت عن الكثير من الصخب والعنف والوهم، وحياة الاسطنبولي لم تكن سوي مرآة لدوّامة البلد .
ورغم أن فؤاد عجمي يقتبس حقيقة أن خالد الإسلامبولي لم يكن أصولياً بالولادة، أي أن خياراته العقائدية لم تولد معه كما تولد العلامة الفارقة، فإنه يغمغم كثيراً دون أن يشدد علي حقيقة أخري طبيعية واجتماعية ـ سياسية، مفادها أن صعود الحركات الأصولية لم يأت من فراغ لينتهي إلي فراغ، وأنه سيرورة تجرّ وراءها خلفية تاريخية معقدة، مثلما تندفع إلي الأمام بتأثير محرك أكبر راهن هو عجز البرامج السياسية للأنظمة العربية، ومحرّك أصغر موروث هو التعطيل الكولونيالي والعطالة الذاتية علي المستوي الثقافي والحضاري حيثما نهض برنامج اسلامي. كذلك يتجاهل البروفيسور أن الولادة العقائدية لأمثال الإسلامبولي لم تكن قيصرية، بل طبيعية ومنطقية وتاريخية.
والحال أنّ ما يُسمّي بـ صعود الأصولية الإسلامية عبر صناديق الإقتراع، كما في مثال الجزائر وفلسطين ومصر، لا يبدو شبيهاً في المنطوق الغربي بصعود القوي الإسلامية في انتخابات العراق مثلاً، أو حصراً ربما، وهي المفارقة الصارخة التي تكذّب ما تصنّفه رطانة المصطلح السياسي في باب يقين التكهن ، حيث كانت قيادة حماس نفسها في عداد مَن باغتتهم نتيجة الإنتخابات المفاجئة. وهي، كذلك، مفارقة تذكّر بأن الماضي القريب يظل أشبه بالحاضر الراهن ما دامت نتائجه لا تكذّب الماضي، وما دام صندوق الإقتراع يتيح للمقترع أن يعاقب أهل الماضي دون أن يكون واثقاً تماماً من فضائل اهل المستقبل. وهكذا، دونما غوص في تفاصيل التاريخ القريب لوأد التجربة الإقتراعية الأولي في الجزائر، ثمّ ما أعقبها من إراقة دماء وتخريب هياكل اجتماعية وسياسية واقتصادية، واستبدال الخطاب الأصولي لأمثال عباسي مدني بالسلاح الأبيض لإرهاب أعمي لا يجيد فنون الخطاب قدر إجادته ذبح الأبرياء، يظلّ من الثابت أن انتخابات الإسلاميين هذه الأيام لا تجبّ عواقب انتخابات تلك الأيام.
الأرجح أنّ خطّ التفكير الرسمي الأمريكي ما يزال يعتمد المقولة العتيقة التي تري أنّ الأصولية المعتدلة خرافة غير موجودة. هذه هي نظرية إدوارد شيرلي، الذي ذهب إلي حدّ لوم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون لأنه كان يأمل في فتح حوار مع المسلمين الراغبين في الإلتزام بقواعد الشعوب المتمدنة ، والذي تساءل في المقابل: ماذا استفاد مهدي بازركان، رئيس الوزراء الأسبق في إيران، من الحوار مع مستشار الأمن القومي زبغنيو بريجنسكي سنة 1979، في الجزائر بالذات، للمفارقة؟ لقد ساهم اللقاء في تسريع سقوطه، هو ونفر المعتدلين علي اختلاف مشاربهم، وكانوا سيسقطون عاجلاً أم آجلاً في كل حال، والثورة الإيرانية لم تنقلب إلي ثورة يعاقبة لأنّ الولايات المتحدة فشلت في إقامة صلات وثيقة مع المعتدلين.
معضلة هذا الخطّ هو البحث عن تلك الصيغة السحرية الوسيطة بين معادلة السيطرة علي صندوق الإقتراع خارج أيّ تكهن عقلاني، ومعادلة السيطرة علي الشارع الشعبي الذي لا يتحرّك دائماً وفق القوانين الحسابية المألوفة، ومعادلة إخضاع الديمقراطية التسونامية لمقتضيات المصالح والسياسات العليا للدول راعية الأعاصير. الارجح أنّ هذا ما يحدث اليوم في تقييم فوز حماس : كيف ولماذا تمكنت الحركة من اجتياح أيقونة الديمقراطية، أي صندوق الإقتراع، علي هذا النحو غير المنتظَر أبداً؟ وكيف ولماذا فشلت فتح ـ التاريخية العلمانية العرفاتية... ـ حتي في الحفاظ علي حجمها السياسي كما كانت تؤكده الحسابات؟ وهل يكفي أن تكون بعض قيادات فتح فاسدة لكي ينزل بها الشارع الفلسطيني كلّ هذا العقاب الشديد؟ أم أنّ المحاسبة علي الفساد هي، أوّلاً، عقاب علي فساد السياسات قبل فساد الذمم؟ وكيف ولماذا يتوجب أن تتحوّل حماس ، أو تنقلب بالأحري، من غول ، أصولي ، إرهابي ، متشدد ...، إلي فريق يعاقبة قادر علي الإنخراط في لعبة سياسية من أيّ نوع، مع الغرب أوّلاً... ومع إسرائيل أوّلاً وآخراً!
ليس عجيباً أن تنتهي الإجابات علي معظم الأسئلة السالفة إلي نقيض ما بشّرت به الإدارة الأمريكية من أعاصير ديمقراطية، أي إلي نقض المبدأ الديمقراطي ذاته، وبالتالي العودة بأرصاد أمثال فؤاد عجمي إلي الدرجة صفر: حيث التكهن يقول إنّ كلّ شيء وارد!

بيـان: اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق

بيـان: اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق

بعد أن وضعت السلطة البلاد في دائرة الخطر نتيجة أحداث العام المنصرم ، وبسبب السياسات الخاطئة والمغامرة التي أوقعتها في عزلة عربية ودولية كبيرتين ، ها هي اليوم تدفعها أكثر فأكثر في سياسات مدمرة ، تفرضها على الشعب بالقوة العارية وحسب مصلحتها الخاصة بعيداً عن المصالح الوطنية العليا للشعب والوطن . وتستمر في التهرب من الاستحقاقات الوطنية الديمقراطية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً في معالجة أزمات البلاد المتراكمة ، التي أورثتها أربعة عقود من الاستبداد والفساد والاستئثار بالسلطة والثروة والمعرفة ، وحرمان الشعب من المشاركة في تقرير شؤونه .

تمعن السلطة في اعتراض الديمقراطية بالوطنية عبر خطاب قومجي شعبوي ، يزيد القلق على مصير سورية ، وسياسة ترجح اليوم أكثر من أي يوم مضى مصالح الممسكين بها على مصالح المجتمع . وتهدد أكثر من أي يوم مضى أمن وسلامة البلاد ، وتعرض وحدتها الداخلية وعلاقاتها العربية لامتحانات عسيرة . وتأتي تصدعات السلطة المتتالية ، التي كان آخرها انشقاق نائب الرئيس عبد الحليم خدام ، لتضيف بعداً جديداً لأزمات السلطة ، وهي أزمتها مع نفسها . وكما يتهم النظام منتقديه ومعارضيه في وطنيتهم لمجرد اختلافهم معه ، يفعل الشيء نفسه مع أعمدته وقادته وبناته ، الذين يخرجون عليه تحت شعار فتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد . وليس لدى السلطة وأجهزتها ومؤسساتها الشكلية إلا تخوين كل من يطالب بالتغيير الديمقراطي وإنهاء الاستبداد . كذلك تفعل مع اللبنانيين الذين يطالبون بالحرية والاستقلال والسيادة ، ويعملون على حماية تجربتهم الديمقراطية وإعادة بناء دولتهم وفق إرادة الشعب اللبناني ومصالحه . فتواصل وضع العصي في عجلات العلاقات السورية اللبنانية ، لمنعها من العودة على مجراها الطبيعي . وتواصل التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية عبر تحريك بعض أتباعها واستطالاتها الأمنية والسياسية لشق لبنان إلى معسكرين ، مشجعة على الاستقطاب الحاد وتوتير الأجواء ، وتعطيل عملية الوفاق الوطني وإعادة البناء برفع الشعار الخطير والمقلق إما نحن وإما الفوضى .

وعلى الصعيد الخارجي ، وفي مواجهة تداعيات الاغتيالات السياسية وعمليات التفجير في لبنان وما استدعته من مناخات وإجراءات دولية ، تواصل انتهاج سياسة حافة الهاوية مع لجنة التحقيق الدولية وقرارات مجلس الأمن . مما يضع سورية في مواجهة المجتمع والشرعية الدوليين . ويعرضها لاحتمالات عقوبات وحصار ، يزيدان في إضعاف الوطن ومعاناة الشعب . وتستمر في رهانها على صفقات مع الخارج وتقديم التنازلات له ، علها تساعد على تجنب الاستهداف وإطالة عمرها . في نفس الوقت ، تستمر بإغلاق الباب في وجه أي عملية إصلاح حقيقي ، يفسح في المجال أمام التغيير الديمقراطي ، المطلب الأساس للشعب والمنقذ الحقيقي للبلاد من المخاطر التي تحيق بها .

يعلن النظام بوضوح كامل أن لا شيء للداخل السوري في حساباته وعلى أجندته ، إلا استمرار أعمال القمع وحرمان الشعب من حرياته وتقييد الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي المستقل . هذا ما عبرت عنه وقائع المؤتمر الثاني والعشرين لاتحاد المحامين العرب ، وتوجهات النظام من خلاله في تعزيز النزعة الاستبدادية ، وامتناعه عن إطلاق سراح الدكتور عارف دليلة - الذي يعيش وضعاً صحياً خطيراً يهدد حياته - مع زملائه سجناء ربيع دمشق . رغم أنه قطع على نفسه وعداً أمام المؤتمر ، وأخل بوعده . ولعل منع نقابة الأطباء من إكمال اجتماعها السنوي يوم 26 / 1 / 2006 وإجراء انتخابات جديدة ، لأنه خشي سقوط قائمة حزبه ، يعد دليلاً جديداً على محاصرة أي إصلاح أو تغيير مهما كان جزئياً . ويأتي في هذا السياق تعامله مع وفد المواطنين الأكراد الذي استدعاه من الجزيرة لعرض مطالبهم وتحقيقها ، وعاد صفر اليدين كما أتى . في محاولة من النظام لتجاهل القوى السياسية الكردية .

أما موجة الغلاء الأخيرة والمستمرة ، فتشكل ضربة قاصمة لخطاب النظام المعلن في تقديمه للأحوال المعيشية للشعب على أي قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية . فارتفعت أسعار البنزين 20% والإسمنت 50% ، وتشير الوقائع ، كما تعلن أوساط النظام عن موجات غلاء متعاقبة ، تطال معظم المواد الاستهلاكية والتموينية الحيوية وعلى رأسها المازوت ، ستأكل أجور ورواتب العاملين ومداخيل صغار الكسبة . إضافة إلى هبوط قيمة العملة الوطنية وتفاقم أزمة البطالة وزيادة الضرائب ، مما يضع النظام في موقع المعتدي على لقمة الشعب . بينما يستمر في القمع والتضييق على المواطنين وحقوقهم وحرياتهم ، خلافاً للدستور والقانون وشرعة حقوق الإنسان .

يتم ذلك تحت شعارات المزاودة والتلاعب بالمسألة الوطنية لضرب الخيارات الديمقراطية بحجة الضغوط و" المؤامرات " الخارجية . بينما تقدم انتخابات فلسطين الأخيرة دليلاً قاطعاً على أن الديمقراطية خير سلاح في مواجهة الخارج ومخططاته ، حتى عندما يكون احتلالاً . فما جرى من انتخابات حرة ونزيهة ، وتداول سلمي للسلطة بين الحكم والمعارضة ، والسلوك الحضاري المسؤول الذي تحلى به الشعب الفلسطيني ، كل ذلك كان موضع احترام وتقدير العالم . وشكل فضيحة لنظم القمع والاستبداد التي ترتعد من كلمة الديمقراطية .

وفي هذه المرحلة الدقيقة والظروف الصعبة ، يستمر النظام في انتهاج السياسات المغامرة والتدميرية ، حين يضع سورية في موقع الحلقة الأضعف في علاقة محاور إقليمية ، قد يغري ضعفه فيها بتشديد الحصار على البلاد ، وتعريضها لضربات مختلفة . فلا مصلحة لسورية في التحالف السوري – الإيراني الجديد ، الذي يصب في مصلحة إيران وحدها إقليمياً ودولياً . ويعمل على عزل سورية عن عالمها العربي ، ويضعها ورقة في مواجهة القوى الدولية .

إن تصحيح العلاقات السورية مع أشقائها العرب وخاصة مع لبنان ، ومسح الغبار المتراكم من عصر الاستبداد الطويل عن صورة سورية في العالم ، رهن بقدرة السوريين على دخول عصر التغيير الوطني الديمقراطي ، الذي يشكل حاجة وطنية ، لوقف التدهور المتسارع في الأوضاع الداخلية على كل المستويات . وتلك مسؤولية القوى المنتظمة في " إعلان دمشق " ، وجميع المعارضين السوريين أينما كانت مواقعهم ، وعلى قدرتهم جميعاً على الانتقال إلى موضع الفعل ، ليأخذ المواطن دوره في الحياة العامة ، ويناضل لمنع النظام من تضييع الوطن .

2 / 2 / 2006

اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق

خاص – صفحات سورية -

عتبات زنزانة

عتبات زنزانة

حبيب عيسى

أخبار الشرق

- أنا أمسك القلم بيدي للمرة الأولى .. على عتبة الزنزانة مغادراً إلى وطنٍ لم يعد أهله يطيقون حياة الزنازين، والخوف، والقهر.

- على عتبة الزنزانة مغادراً، استحضرت ذاكرتي كل ما كنت أقوله على عتبتها لأحشر فيها تلك الليالي الطويلة .. فماذا سأقول الآن؟

- إن قلت إنني سأردد ما كنت أقوله على عتبتها داخلاً فهذا يعني هدراً لسنوات من عمري قضيتها في تلك المساحة الضيقة التي أرادوها قيداً على الحرية وأردتها صومعة للتأمل والتفكير وإعادة النظر في سنوات طواها الزمن من عمري حافلة بكل ما يخطر على البال من مآس وأهوال .. وهزائم كثيرة، وانتصارات قليلة ..

- لا .. لم تكن سنوات الزنزانة هدراً .. لقد علمتني أن الإنسان عامة، والعربي خاصة عندما يدفع إلى الولوج في بطن الزنزانة يشبه إلى حدٍ بعيد قطعة الحديد التي ترمى في كور النار لتشتعل، وتتورد، وبقدر ما تزداد النيران تأججاً بقدر ما تخترق دواخلها فتتفحم الخلايا الضعيفة وتصبح رماداً وتتفولذ الفلزات وتتخلص من الشوائب .. لكن هذا لا يغير أبداً .. أبداً .. من طبيعة تلك الفلذات، بل يدفعها إلى مزيدٍ من التوهج .. لهذا فقد تكون الزنازين من أهم الامتحانات في الحياة البشرية .. ولهذا .. فإنني أدعو جميع العرب من المحيط إلى الخليج إلى التخلص نهائياً من الخوف منها، إنني لا أدعو أحد إلى دخولها لكنني أدعو بصدق إلى عدم الخوف منها .. إذا لم يكن منها بد .. فلندخلها بشجاعة .. والأهم أن نغادرها ونحن أكثر شجاعة .. وأشد مضاء، وصلابة .. لقد اعتمدت بعض الشعوب يوم اقتحام السجون السياسية فيها عيداً وطنياً لها .. أنا أقول الآن أن الطريق إلى الحرية في وطن العرب يمر عبر اقتحام السجون .. وعندما تضيق السجون بالنزلاء ستتحطم القضبان لمرةٍ واحدة وأخيرة وتتفتح أزهار الحرية في أرجاء الوطن ..

- بصدقٍ أقول، إنني غادرت الزنزانة، أو دُفعت إلى مغادرتها وفي قلبي غصة وحرقة .. لقد تركت ورائي إخوةً أحبة أعزاء كنت قد قررت عند دفعي إلى الزنزانة أنني سأكون آخر معتقل سياسي في سورية ثم سأنشر هذا الحلم بين المحيط والخليج .. لكن السلطات في الوطن العربي عاجزة عن تحقيق أي حلمٍ مهما كان .. على ما يبدو حتى هذا الحلم حرموني من تحقيقه ..

- هل ما زال الاعتقال السياسي أسلوباً مقبولاً في هذه المرحلة التاريخية؟

أما آن لهذا التوحش أن ينتهي ..؟ هل يعقل أن نحيا بحريةٍ وكرامة ووراء القضبان أخوة وأعزاء لم يعتقلوا لأي سبب شخصي ولكن اعتقلوا من أجل حرية الوطن ..؟

إن أقسى اللحظات مرارة تمر بالسجين هي تلك التي يشعر بها أن الشعب الذي يضحي من أجله لا يوليه الاهتمام اللازم لا يحتضن أحلامه، لا يحاصر سجانه .. ويلٌ لشعب لا يكرم مناضليه وينصر فرسانه الذين يدفعون حريتهم ثمناً لحريته ..

- على أعتاب الزنزانة داخلاً كنت أدعو إلى الحوار .. وعلى أعتاب الزنزانة مغادراً ما زلت أدعو إلى الحوار .. والحوار لا يبنى إلا على التصادق .. والصدق عند العرب أصيل يرتبط بتطورهم الحضاري، والتكاذب عند العرب ذميم، ويرتبط بانحطاطهم وهزائمهم وكوارثهم.

- لقد بنى العرب أول دولة في التاريخ عمادها الأساسي الصدق بينما كانت الإمبراطوريات في العصور السالفة تقوم على الجيوش والقوة الباطشة ..

أشاد العرب في (صور) دولة عمادها الأساسي هو الصدق .. كانت تفاخر على همجية القتل والبطش بأن تفتخر .. أنه لا يوجد في دولة صور كذوب واحد .. هكذا من اليمن إلى بر الشام إلى بلاد النهرين إلى النيل العظيم وفاس وقرطاج .. وعندما كان ينهار عماد التصادق كان كل شيء ينهار ..

وعندما أراد سبحانه وتعالى أن يوحي للبشر، ولا راد لإرادته، اختار رجالاً من العرب لحمل رسالة الوحي والهداية للإنسانية في تتابع تاريخي بالغ الدلالة .. كلما اشتدت المحن .. أن عودوا إلى التصادق .. وإلى الصراط المستقيم .. وصولاً إلى الصادق الأمين .. واستمراراً حتى هذه اللحظة الحاسمة من تاريخنا حيث الوجود مهدد في الصميم .. وحيث لا مخرج للخروج من المأزق إلا باستلهام روح الإبداع والصدق، والشجاعة، والمرؤة ..

- إنني أدعو إلى التسامح، وإنني لا أحمل أية أحقاد من أي نوع، حتى للسجان لكنني في الوقت ذاته أشد تصميماً على أن من حق شعبنا أن ينعم بالحرية والجهر بالرأي والتشارك في صنع القرار، وأن من حق الشعب وحده أن يقرر من يمثله ومن لا يمثله، لم أعد أطيق الصمت، والمخاتلة، والمداراة ولم أعد أطيق أي شكل من أشكال العمل السري، أو القول السري أو الأفكار السرية، أريد أن أجهر برأيي، أن أصرخ بكل ما أراه .. أريد أن نبحث في دواخلنا عن رموزٍ للحرية .. عن رموزٍ للتقدم .. الوطن الآن مهدد ولا يحميه إلا شعبٌ حر .. كل فردٍ فيه يشعر أنه رمز لهذا الوطن .. وعندما نتحول إلى شعب من الرموز .. ستتبرعم أزهار الحرية وستثمر .. هل قلت ما أريد قوله ..؟

لا .. لم أبدأ بعد .. في جعبتي الكثير مما حملته من زنزانتي (الصومعة) التي كانت تنشر حولها رائحة البخور والنعناع والزعتر .. فقط أردت أن أقول .. أنني أشعر باعتزاز وفخر لا حدود له .. ولجت عتبة الزنزانة بشجاعة يشوبها تخوف على أسرةٍ وأولادٍ ما زالوا في مرحلة التبرعم وتخوفٍ على أصدقاءٍ وأخوةٍ وأعزاء ونهجٍ في الحوار والتصادق لم يتصلب عوده بعد .. لكنني وجدت نفسي على عتبة الزنزانة مغادراً وأنا بشجاعةٍ لا يشوبها التخوف .. الأسرة بخير .. الوطن بخير0 تركت عشرات الأصدقاء .. عندما عدت وجدتهم مئات .. آلاف .. لم أهزم.

- إذن لم يهزمني السجان .. لكنني لم أتمكن من إقناعه بعد أن يغلق سجونه .. هو يريد هزيمتي .. أنا لا أريد هزيمته .. أنا أريد إقناعه أن الطريق الوحيدة هي الحوار .. الحوار .. وأن السجون لم تعد مجدية .. لم تعد مجدية .. هل يمكن أن يتعلم قبل فوات الأوان.

- هكذا خطت يدي الكلمة الأولى على أعتاب الزنزانة .. وهكذا كان يجب أن تكون لمرصد جمعية حقوق الإنسان .. تحية للقائمين عليها، ولمرصدها الذي أرجو أن يتحول لمنارة للحرية يرى من خلاله شعبنا كل الحقائق كما هي.

__________

* محام سوري، أحد معتقلي ربيع دمشق الخمسة الذين أُفرج عنهم في 18 كانون الثاني/ يناير 2006 - دمشق

الإعلام العربي ..من أين؟


الإعلام العربي ..من أين؟

غسان المفلح


الحوار المتمدن

أسمحوا لنا أن نتحدث على السجية :
أشكر دعوتكم لي للكتابة حول هذا الملف [ الإعلام العربي .. إلى أين ؟ ] والذي هو ملف له خصوصيته في وطننا العربي , والتي تتمثل بشكل رئيسي : إن تعرضك للإعلام العربي يعني بالضرورة تعرضك للنظام السياسي العربي , وهذه قضية شائكة ومعقدة وحساسة , ولن أحاول الابتعاد عنها , سأوري عليكم قبل البدء قصة بسيطة حدثت معي من قصص كثيرة :
في موقع لقناة فضائية تتغنى ليل نهار بحرية الإعلام والصحافة وتقدم يوميا نموذجا في هذا التغني , أخطأ المحرر ونشر لي مقالا منشورا في إحدى الصحف العربية يتحدث عن الأمركة وبدايتها في المنطقة , ويتطرق المقال بشكل عابر وعادي وبعبارة واحدة مقتتضبة ودبلوماسية جدا لعلاقة سلطة من السلط العربية بهذا الموضوع , فماكان إلا أن سحب المقال برمته من الموقع ومن قاعدة بياناته حتى , وتعرض المحرر للمساءلة فورا بعد نشر المقال بأقل من ساعة . وعلى هذا الأساس يصبح من المهم السؤال أيضا بخلاف الملف [ الإعلام العربي .إلى أين ؟ ] يصبح الإعلام العربي ..من أين ؟
مثال آخر :
أعلنت صحيفة الحياة اللندنية أنها ستنشر غدا مقابلة مطولة مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام ووضعت مقتطفات قليلة منها , ومر الغد وبعد الغد ..وشهرا من الزمن ولم تنشر نص المقابلة والغريب أنها لم تكلف نفسها الاعتذار للقراء عن عدم النشر فما بالك بتوضيح أسباب عدم النشر .
عن السقف ياسيدي للحرية في بلداننا محدود بتلون السلطة العربية , التي حبانا الله بها بالوراثة والتوريث والنخب المصطفاة لحكمنا كشعوب , فالسلطة عندنا هي من تلون الأرض والسماء معا , وتكاد تخلق من كل شيء حي !! ـ معذرة لهذا الاستخدام ـ منذ زمن بعيد والحديث عن الإعلام الملتزم كان يثير إشكاليات متعددة لأن الإعلام الملتزم هذا كان على مدار العقود الماضية هو إعلام السلطة العربية , وسأعطي مثالا الإعلام الملتزم في سوريا مثلا : ملتزم بقضايا الأمة العربية وثوابتها التي تدور خارج فلك السلطة في سوريا , يمكن لهذا الإعلام أن يتحدث عن العرب الآخرين في عدم التزامهم بقضايا الأمة ولكن لا يتحدث عن مدى التزام السلطة السورية بقضايا الأمة . ولهذا تجده فعلا ملتزما بقضايا السلطة وليس بقضايا الأمة . من هذه الأرضية إنطلق الإعلام العربي برمته مع بعض الاستثناءات القليلة والتي تطورت الآن نسبيا قياسا بالمرحلة السابقة .. ومعرفتنا الآن من أين أتى هذا الإعلام تجعلنا نراقب بدقة مسيرته وإلى أين يمكن له أن يمضي .. وكيف نريده أن يصبح ؟
العرب ليسوا خارج التاريخ بل هم في صلبه وعلى هذا الأساس يكون إعلامهم أيضا جزء من الإعلام العالمي وبكل أمراضه الكثيرة والتي تجعله يبدو وكأنه خارج التاريخ , والتاريخ لدينا هو تاريخ سلطاتنا وليس تاريخ شعوبا حرة , وتعبر عن نفسها بحرية , فمن أين يأتي الإعلام إذن إنه يأتي من لدن اللاحرية : والتناقض القائم في الإعلام العربي بين الضمير المهني والضمير الأخلاقي . لأنه تناقض السلطة العربية نفسها . ومعروفة قصة القاضي الذي انتحر لأنه شعر أن هنالك تناقض لاحل له بين ضميره المهني وضميره الأخلاقي . وهذا التناقض لايمكن حله إلا في ظل الحرية لوسائل الإعلام . وكي نتحدث بصراحة أكثر في الأمبراطورية الإعلامية المتلفزة خصوصا نجد أن التناقض واضحا بين الضمير المهني والضمير الأخلاقي بالحد الأدنى :
كثير من العاملين والعاملات لا يؤمنون إطلاقا بتوجهات الإعلام هذا / وخصوصا العروبية منها !! والأمثلة اللبنانية وغيرها كثيرة !! لهذا تجد نزعة استهلاكية خطيرة تصر على تقديم المشهد في حلة استهلاكية تقليدية , لست ضد تقليد الإعلام الغربي وأعتبر التقليد لنموذج متقدم أمرا مهما في طريق الأبداع ولكن التقليد هنا يصب في خانة الخواء الذي يضع المشهد مكان الحدث الفعلي والمشهد بكل مكياجه وميكأبه .. ورونقه اللوني في شيئية من ابتذال العقل العربي المكبوت جنسيا وحرية . فينتفي في هذه الحالة التناقض بين الضمير المهني والضمير الأخلاقي لأن الطرفين نفاهما مشهدا تقليديا صاخبا وباهتا جدا , فلا تناقض بدون طرفيه . مثال برامج الموضة والأزياء لمن ؟ لإمرأة خليجية أو عربية بالأساس لا تستطيع الخروج إلى الشارع وحدها حتى وقت قريب ولم تحصل على الحد الأدنى من حقوقها بعد !!!؟ وتذهب معدة برنامج إلى أحدث دور الأزياء في العالم ـ التكلفة على حساب من ؟ وهل هذه البرامج لها ربحيتها كما هي الحال في الفضائيات الغربية ؟ الصورة : نتحول إلى مجتمع الصورة على طريقة المهزلة كما يقال التاريخ يكرر نفسه مرتين !! ونحن نكرر تاريخ الآخرين ولكن على طريقة المهزلة !
تضخم الأمبراطورية الإعلامية العربية :
إن أحد أسباب هذا التضخم هو تضخم السلطة العربية نفسها واتجاهها نحو الإعلام [ الحر !! ] والمدروس من زاويتين : الربحية والصوت الذي تريده وفق المتغيرات الحديثة والثورة المعلوماتية
والاتصالات , سلطة تحدث نفسها !! ومع ذلك استفادت الحرية في العالم العربي من هذا الهامش الذي تحرك في الماء الراكد , لأن الربحية تشق لنفسها الطريق من أجل هذا الربح ولنا في النموذج الغربي من الإعلام مثالا . ومع ذلك أموال النفط تغطي هذه الخسائر الإعلامية فتصبح الربحية خاضعة أيضا لكليانية السلطة العربية .
يقول توماس فريدمان في مقالته الأخيرة ـ هل النفط والشمولية توأمان سياميان في الشرق الأوسط ؟ ـ :
[ فالمشكلة أن النفط والشمولية توأمان سياميان ملتصقان، يستحيل الفصل بينهما في العالم العربي• ] النفط هو من يغطي الخسارة للإعلام العربي .
هل كان ممكن للنظم الثورية في العراق سابقا وسوريا حاليا أن تمول الاستبداد والإعلام الملتزم الخاسر ماديا بدون المورد النفطي ؟
وهذا الأمر بات واضحا ولا داعي للحديث عنه كثيرا في تمدد هذه الأمبراطورية الإعلامية ..
ولكنها تتيح شيئا من الحرية من خلال التداخلات السياسية بين النظم العربية والمثال الفاقع هنا : قناة العربية وقناة الجزيرة والخلاف السعودي القطري المتجدد .
فالجزيرة يعتبرها الكثيرين منبرا للفكر المتطرف الإسلامي !! بينما العربية هي منبرا للفكر المعادي للعروبة كما يعتبرها بعضهم أيضا . في تبادلية هي تبادلية النمطية الواحدة للسلط العربية .
بينما فضائيات الأمير الوليد بن طلال هي فضائيات رابحة لأنها تعتمد الربحية أولا وبعيدة عن المجال السياسي المباشر .
وفي هذا الجانب أيضا من المهم المقارنة بين الفضائيات اللبنانية والفضائيات الخليجية : أعتقد أنها نفس الطبعة إلى حد كبير لماذا ..؟
من هذا الفضاء أتى الإعلام العربي عموما , من النفط والالتزام في جدلية السلطة العربية يقول فريدمان أيضا :
[وعلينا أن نثير سؤالاً مهماً هنا: لماذا لا يوجد إلا القليل جداً من الأحزاب العلمانية التقدمية المعارضة في هذه الدول؟ والإجابة أن القادة العرب لا يسمحون لمثل هذه الأحزاب مطلقاً بأن تنمو وتزدهر• والخيار الذي تتيحه هذه الأنظمة لشعوبها ينحصر إما في اختيارها لأحزاب السلطة، أو للأنظمة والأحزاب الدينية المتطرفة• وفي كلتا الحالتين، تضمن هذه القيادات أبدية وسرمدية النظام الشمولي، باعتباره ناموساً من نواميس الحياة، لا سبيل للاستغناء عنه• ] وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا عن المنطق الذي يحكم توماس فريدمان , ولكن كيف إذن سيكون الإعلام ؟
نستفيد كما قلت من خلافات النظم العربية كي نندس في هذا الهامش المتاح . والآن باتت الأنترنت العدوة رقم واحد لهذه النظم ولا تترك طريقة وتكنولوجيا حديثة من أجل حجب الكثير من المواقع هذه التقنية التي لم تعد تحتاج إلى أموال النفط أو أموال السلطات العربية لتمويلها كالقنوات الفضائية والصحف الكبيرة لأنها أصلا لاتحتاج لكثيرا من الأموال .
الأعلام العربي .. إلى أين ؟
الإلتصاق السياسي الإعلامي :
يتراوح مستقبله الآن بين ما يحدث في العراق من ثورة معلوماتية وإعلامية منفلتة من عقالها تماما , نتيجة لغياب الحرية عقود طويلة وتوق الناس لسماع ما يجري ومتابعة الأوضاع من أكثر من وجهة نظر , وانخراط المواطن العراقي في صياغة مستقبله الذي لازال مجهولا , وبين الإعلام السوري الذي لازال يرواح مكانه نسبيا ـ جرى تكريس الإعلام السوري على مدى عقود من أجل الدعاية للسلطة والحزب الحاكم ، ليتخذ بجميع أشكاله طابع التحشيد الذي يفتقد لأي شكل من أشكال النهوض بوعي الفرد والارتقاء بوجدانه الإنساني وحسه الوطني ، وتقديم المعرفة والتنوع الخلاق والمتعة في آن واحد ، الأمر الذي ساهم في تعميق حالة اللامبالاة وبناء حالة تخارج وقطيعة ما بين المجتمع والدولة .
احتكار وسائل الإعلام ، و تأميم الأفكار والآراء ، وممارسة سياسة التعتيم الإعلامي و حجب الحقائق السياسية والأحداث الواقعية ، جعل المجتمع هزيلاَ ، و ترك أثرا واسعا في أرواح الناس وضمائرهم ، وفي طرق تعبيرهم التي استندت إلى الاصطناع والمجاراة ، و افتقاد العفوية في تقديم البرامج وصياغة الإعلام وإجراء الندوات والمقابلات التلفزيونية ، فكل شيء معد سلفاَ ، السؤال والجواب ، وكل شيء تحت الرصد والسيطرة ، و يكفي متابعة برامج الأطفال ( برنامج طلائع البعث ) وبرامج الشبيبة و الطلبة ، لنعرف إلى أي مدى جرى نزع الحالة العفوية في التعبير . ـ دراسة للصديق د. حازم نهار عن التنشئة الشبابية في سوريا . يكثف فيها الهم الإعلامي في سوريا ومستثبله الذي بات منذ زمن بعيد مرتبط مباشرة بمستقبل السلطة في سوريا .
بين هذين الحدين يتراوح الإعلام العربي برمته , ولم نصل بعد للحديث عن إعلام مستقل عن السلطة السياسية في المنطقة العربية . إعلام هدفه الربح بشكل واضح مما يجعل الخبر الصحفي والسبق الصحفي مهما والحرفية الصحفية لها الأولوية في العمل الإعلامي مضافا إليه شرط الحرية لكافة وجهات النظر كي تعبر عن نفسها في الإعلام . كيف يمكننا فصل الإعلام العربي عن السلطة العربية ؟ على هذا السؤال يتوقف مستقبل الإعلام العربي . بالطبع لم نأخذ كثيرا الفارق النسبي على أهميته في مؤشر الحريات بين بلد عربي وآخر , كما أننا لا ننفي إمكانية نشؤء منابر حرة في هذا الزمن القحط . منابر حرة سرعان ما يصيبها الأفلاس المادي .
الإعلام العربي / المشهد بلا مجتمع المشهد :
من المعروف الآن أن المجتمع الغربي بات مجتمعا مشهديا صاغه المشهد وصاغته الصورة والمعلومة في شيئية وصلت حتى حدود التفاصيل وتفاصيل التفاصيل , في مجتمع المشهد كل شيء مباح للإعلام , وكل مواطن يحاكي هذا المشهد في كل لحظة في البيت في الشارع في المدرسة عبر الشاشات الفضية والنت والصور الإعلانية التي تملأ الشوراع وتعيد أنتاج المشهد على شكل صورة ورقية على الجدران والحافلات ..الخ في صنمية الربحية واللهاث الاستهلاكي / ولم لا طالما القدرة الشرائية موجودة لدى هذا المواطن الغربي .
هذه الصورة المتشيئة نقلناها كما هي بلا تعديلات ولا رتوش مع الأخذ بعين الاعتبار [ تابو السلطة السياسية وخطوطها الحمراء ] وغياب القدرة الشرائية للمواطن العربي عموما جعلته في حالة مما يعرف بحالة [ فاغر الفاه ] مندهشا لطرواة الجسد ونزوع الصورة نحو الكمال اللوني , وليس بلا معنى ولكنه معنى اللهاث خلف الجنون لعدم القدرة على الاستهلاك ولعودة لبرامج الموضة : في الحالة الغربية هذه البرامج ليست غريبة / لأن لها قدرة شرائية ما عند المتفرج يغطيها ويربحها في مجتمع الفرجة هذا بينما عندنا , من أين للمرأة العربية خصوصا هذه القدرة الشرائية ؟؟؟
لمجتمع الفرجة أو المشهد كما وصفه [ جي دوبريه ] في كتابه المهم حول مجتمع الفرجة , نسيجا طبيعيا لشيئية عمرها قرون , المواطن يتفرج على ذاته هنالك بينما المواطن عندنا يتفرج على المواطن الغربي كيف يعيش وكيف يستهلك وماذا يستهلك ..الخ لدينا المشهد هنا بلا مجتمعه , وهذا وجه من وجوه مأساة الإعلام العربي التي تغطيها أموال السلطة / نفطا أو سرقة .
مجتمع المشهد هناك في حريته له رأي عام / ومجتمع المشهد عندنا له رأي السلطة / رأي واحد .
وفي مجتمع المشهد لا يحتاج المواطن لإعلام ملتزم فهو قد ولد ملتزما بقضايا مجتمعه ويعرفها كلها إن أراد وله رأي فيها أما مواطننا فيولد كي يبقى طوال حياته يبحث عن الالتزام .
يجب القطع مع السلطة السياسية ومشروعها الأبدي عندنا من قبل الإعلام وهذا نفسه يحتاج إلى سلطة بديلة كي تساهم في قيام هذه القطيعة , سلطة تعي أنها طرفا اجتماعيا وليست كل المجتمع يتبدل بتبدل الناخب والناخب تعبير اجتماعي يتطلب الالتزام بقضاياه , عندها يمكن لإعلامنا أن يصبح ملتزما بمواطنه وحرية مواطنه وقضاياه الصغيرة والكبيرة . وبعدها ليحقق ربحا هذا حقه الذي يكفله له الدستور المدني .
رأي للحوار ..

حماس بين استحقاقات الداخل و ورطة الخارج

حماس بين استحقاقات الداخل و ورطة الخارج


إحسان طالب

عبر مسيرة نصف قرن من التاريخ الحديث اعتاد العرب عموما ً على إلقاء اللوم تجاه إسرائيل حيال ما تعانيه الشعوب العربية من مظاهر التخلف و الفقر و فشل المشاريع السياسية الطموحة و الأهداف الاستراتيجية المتمثلة نظريا ً الآن في السلام و سابقا ً في الوحدة العربية.

صرح أبو العلاء رئيس الحكومة الفلسطينية المستقيل أن إسرائيل سبب فشل فتح في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت على أرض السلطة الفلسطينية في الضفة و القطاع. من البديهي أن تكون إسرائيل على علاقة حيوية في كل ما يجري في الأراضي الفلسطينية فهي المتحكمة بالمداخل و المخارج و الماء و الكهرباء و عصب الاقتصاد المال، لكن فوز حماس في الانتخابات جاء ظاهريا ً خلافا ً لإرادة إسرائيل التي تخوض مع المقاومة الإسلامية الفلسطينية حربا ً منذ خمس سنوات أجهضت في كثير من مراحلها مسيرة السلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن نحو الدولة و السلام.

لعل أحد المؤشرات النفسية الهامة لفوز حماس هو عدم جهوزية كل من الطرفين الفلسطيني و الإسرائيلي للسلام. و إذا كانت النخب السياسية الإسرائيلية طيلة العقود السابقة متخوفة من السلام بلجوئها للحرب دائما ً فإن فترة حكم الليكود الأخيرة أبدت تخوفا ً من نوع ٍ آخر تجلى بالمسألة الديموغرافية، فخشية إسرائيل الآن في المقام الأول من ذوبان لمجتمع اليهودي في دولة إسرائيل ضمن أكثرية فلسطينية مسلمة ستكون عبر اللعبة السياسية الديمقراطية خلال عقود من الزمن حاكمة لإسرائيل في حال بقي الوضع على ما هو عليه منذ انطلاق القرن الجديد.

و عليه فقد تحرك اليمين الإسرائيلي نحو الوسط لإيجاد حل لتلك المعضلة السكانية التي تهدد تميز و تفرد دولة إسرائيل بالقومية الدينية اليهودية و شرع في تنفيذ خطط الانسحاب الأحادي الجانب و هو جاد تمام ً في المضي قدما ً نحو فك الارتباط مع الفلسطينيين، و نحو تطبيق خارطة الطريق تمهيدا ً لإقامة دولة فلسطينية حسب المواصفات الإٌسرائيلية.

و في الجانب الآخر بدا الفلسطينيون إلى ما قبل فوز حماس بالأغلبية في الانتخابات التشريعية غير مستعدين للسلام لأسباب عديدة ربما كان أولها عدم قدرة الغالبية الفلسطينية بعد أكثر من خمسين سنة على إقامة دولة إسرائيل استيعاب الواقع الظالم الذي تسبب في إجلاء مئات الآلاف – أصبحوا الآن ملايين – من أصحاب الأرض الأصليين خارج أرضهم و استيلاء المهاجرين القادمين من وراء البحار على التراب الذي يعني الدم و اللحم خاصة في حالة فقده. و ثانيها العائق الديني و الصراع المستمر بين الإسلام و اليهودية منذ عهد النبي إلى وقتنا الحاضر و بما يمليه التراث الديني من حتمية نصر المسلمين على اليهود مهما طال الزمن. و بغض النظر عن موضوعية هذا الطرح من عدمه فإنه مسيطر بقوة على مدارك و آليات تفكير المسلمين عموما ً عربا ً و عجما ً.

و السؤال الطريف هنا الذي يلح في الطرح، هل ستتمكن حماس بعد فوزها و استلامها لمقادير الحكم من تعديل المزاج الفكري للعرب و المسلمين بما يتلاءم مع السير نحو الوسط حيث تتلاقى مع اليمين الإسرائيلي السائر في نفس الاتجاه، بمعنى هل تكون نشوة النصر لدي اليمين العربي سببا ً في إضفاء مزيد من الموضوعية و الواقعية على التفكير الديني بحيث تكون جائزة الفوز جسرا ً للمضي قدما ً في مسيرة بناء الدولة المدنية و تحجيم المشروع الإسلامي المتأمل بإزالة إسرائيل و إعادة الخلافة من جديد.

لقد أظهرت حماس بعد فوزها وعيا ً براجماتيا ً تجلى في العديد من تصريحات مسؤوليها و قادتها، فمحمود الزهار لا يرى في أمريكا عدوة بل يرى في بوش راعيا ً أولا ً للسلام و خالد مشعل سيتعامل بواقعية شديدة مع اتفاقيات أوسلو و إسماعيل هنية يناشد اللجنة الرباعية عدم قطع المساعدات و يعد بإنفاقها بالعدل و المساواة. فحماس من الداخل قيادة و قواعد تبدو مؤهلة للعب أدوار تاريخية إيجابية في مستقبل الشعب الفلسطيني و الخطر الأكبر الذي يقف عقبة نحو المضي سلما ً في الصراع العربي الإسرائيلي هو الأطراف الخارجية التي اعتادت طيلة العقود السابقة التطفل على القضية الفلسطينية من أجل الحفاظ على سيطرتها و سطوتها و خلودها فوق عروش الحكم.

صدام غزا الكويت و احتلها من أجل تحرير القدس و القوات السورية بقيت في لبنان ثلاثين عاما ً لحماية حدودها من غدر إسرائيل و خطرها أملا ً في تحقيق المشروع القومي الوحدوي التحرري. و إيران تخرج الملايين في مناسبة أو غير مناسبة لنصرة القدس من طهران و حتى الأهواز. صرح لاريجاني بأن إيران ستلجأ إلى موقعها الاستراتيجي لمواجهة المجتمع الدولي في حال تبني مجلس الأمن المقترح الأوروبي الأمريكي بإحالة ملفها النووي إليه.

فاروق الشرع اقترح على الجامعة العربية استبدال الدعم الأوروبي الأمريكي للسلطة الفلسطينية بدعم عربي. و بذلك يبقى قميص عثمان رطبا ً نديا ً بالدماء و سببا ً لإثارة الفتن و استمرار الحروب. و من جهته ما زال السيد حسن نصر الله مستمرا ً في دغدغة عواطف و فطرة العامة بقدرته على إزالة إسرائيل و قهر العدو الضعيف في نظره بقوة الإيمان و منظومة السلاح التي تتوفر لديه و التي لا تشكل قيمة حقيقية في الميزان الاستراتيجي العسكري و في حسابات الربح و الخسارة و عدد الضحايا من المدنيين كما أثبتت الإحصاءات عن الصراع الذي دام عقدين بين حزب الله و إسرائيل.

و أمام هذه الحالة فإن حماس حيال استحقا قين الأول داخلي و هو الهم و الاهتمام الذي ينصب نحو الشعب الفلسطيني و نزوعه نحو الحياة الحرة الكريمة المستقرة البعيدة عن الفساد الذي أغرق سلفه، و استحقاق خارجي يريد تهميش هذا الداخل على حساب صرا عات دولية و إقليمية تجلت في معركة إيران مع المجتمع الدولي جراء ملفها النووي و صراع النظام السوري مع الأمم المتحدة في قضية اغتيال الشهيد الحريري و تطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، و لا يخرج من تلك الدائرة السجال السياسي اللبناني الذي يقف حزب الله طرفا ً أساسيا ً و فاعلا ً فيه يؤمل منه ما يرجى من حماس.

هل ستتمكن حماس من سحب السفينة الفلسطينية إلى بر النجاة بكل ما تحمله من أعباء تتجلى في استحقاقات محاربة الفساد و الفقر و البطالة و رفع مستويات التنمية و التعليم و الصحة و النهوض بالمجتمع و إعادة بناء البنية التحتية و المؤسساتية حتى يتمكن الفلسطينيون من خوض معركة السلام التي أثبتت الأيام صعوبة تكاليفها و عظيم استحقاقاتها.

أم ستتجه حماس نحو الخارج و تقع في الفخ التاريخي بتحميل الشعب الفلسطيني أعباء صرا عات و خلافات و معارك محسومة كانت نتائجها المدمرة دائما ً سببا ً لمزيد من الهزائم و الكوارث على الشعوب و الدول العربية و الإسلامية.

إن إيران و سورية و بعض الحلفاء الآخرين يريدون استغلال فوز الصديق من أجل كسب النقاط و امتلاك أوراق إضافية في صراعا تهم مع العالم من حولهم، و ذلك عمل لا يتسم بالنبل فليس من العدل التضحية بالشعب الفلسطيني و إنجازاته الديمقراطية و نجاحاته السياسية من أجل إخراج إيران و السلطة السورية من مآزقهم التي تزداد عمقا ً يوما ً بعد يوم.

العالم بأسره ينظر بدهشة و إعجاب لإنجازات الشعب الفلسطيني الحضارية و الراقية المتمثلة في إنجاز العملية الديمقراطية وفق المعايير الدولية بنسبة مشاركة تجاوزت السبعين في المئة و مسيرة انتخابية خلت من الصدام و العنف و تمت و أنجزت بسلاسة و انسيابية تليق بما نشاهده في أعرق الديمقراطيات في العالم، ففتح لم تتأخر لحظة واحدة عن المباركة لحماس و تهنئتها بالفوز و ستتخذ جانب المعارضة البناءة للعمل معها لتحقيق الاستقرار و السلام.

إن فوز حماس بدون شك انتصار للديمقراطية و نجاح محسوب بدون ريب للفكر العلماني الذي تحلت به منظمة التحرير الفلسطينية و سلطة الرئيس محمود عباس الذي يحسب له هذا التطور، ففي ظل حكمه المدعوم دوليا ً تمت تلك الانتخابات و في ظل سلطته تمت تلك الاستحقاقات و تكاد تكون سابقة بل هي سابقة أن تهزم السلطة الحاكمة بالانتخابات في أية دولة عربية عبر تاريخ العرب قديما ً و حديثا ً.

ما يراه البعض صدمة فكرية أو زلزالا ً سياسيا ً يوحي من خلال قراءة متأنية للأحداث بتغيير جوهري في طرائق التفكير و العمل السياسي العربي سيساهم قريبا ً في التقدم نحو مفاهيم و قيم الليبرالية القائمة على التسامح و التعددية و المساواة أمام القانون و الحرية و الثقة بالعقل الإنساني و قدرته على الوصول إلى المعرفة.

خاص – صفحات سورية -

عالم جديد من أمريكا اللاتينية إلي فلسطين

عالم جديد من أمريكا اللاتينية إلي فلسطين

د‏.‏ أنور عبدالملك

الاهرام المصرية


قلت المرة تلو المرة منذ مطلع هذا العام الجديد‏,‏ إنه يمثل اللحظة التاريخية لتفكيك النظام العالمي حول القطب الامريكي الاوحد المهيمن في قلب دائرة المركزة الغربية منذ القرن السادس عشر‏,‏ لحظة بداية صياغة عالمنا الجديد متعدد الاقطاب والمراكز والثقافات‏.‏ قلت‏,‏ وأكرر هنا‏,‏ ومن حولنا تحرك الأمم والشعوب‏,‏ أن أسطورة نهاية التاريخ تتفتت يوما بعد يوم‏,‏ رغم إصرار طواقم التبعية الهالعين‏.‏

صحوة الـ‏800‏ مليون في امريكا اللاتينية وفي مقدمتها هذا العام بوليفيا‏,‏ حيث اعلي نسبة من السكان المنحدرين من الأمم الاصلية الهندية‏,‏ ثم شيلي أقرب دول أمريكا اللاتينية الي النمط الاوروبي‏.‏ ثم ها هي جماهير شعب فلسطين العربي المعذب الأصيل تقدم للعالم أجمع درسا ساطعا في أصول الديمقراطية‏,‏ وقد أشاد مئات المراقبين الغربيين بنزاهة وصفاء الانتخابات التي دفعت بهيئة حماس الي المقدمة‏,‏ معلنة تمسكها بمباديء ثورة التجديد‏,‏ وعزمها علي الشراكة السياسية مع جميع الفصائل السياسية الفلسطينية‏.‏ وهو ما أدركت حكمته الدكتورة رايس نفسها في تصريحها الي نيويورك تايمس‏:‏ إن الولايات المتحدة أخفقت في فهم عمق البغض السائد بين الفلسطينيين نحو قياداتهم التي مضي عليها عهد طويل في القيادة

إذن‏:‏ لماذا الانكفاء؟
سلام الي سيدة شيلي المشرقة‏!‏
صباح يوم الاحد‏15‏ يناير تم انتخاب الدكتورة ميشيل باشيليه بأغلبية‏54%‏ من الأصوات رئيسة لدولة شيلي‏,‏ أهم دول أمريكا اللاتينية علي سواحل المحيط الهادي‏,‏ وشريك الصين الأول في القارة كلها‏.‏ أبواق العلاقات العامة تحدثوا عن انتصار جديد للمرأة في عالم السياسة‏,‏ وكأن الموضوع من باب الاجتماعيات‏,‏ ولكن نيويورك تايمس أعلنت بعد ساعات أن ضحية ماضي شيلي تصبح مستقبل وطنها‏.‏ الماضي‏,‏ المستقبل‏.‏

الماضي في كلمات‏.‏ ولدت ميشيل منذ‏45‏ سنة لوالد أصبح جنرالا مسئولا لقطاع المواد الغذائية‏,‏ ثم قائد سلاح الطيران أيام حكومة سلفادور الليندي الاشتراكية عام‏1970,‏ وأم تخصصت في علم الحفريات‏.‏ وعندما حدث انقلاب الجنرال بينو شيه ضد رئيس شيلي المنتخب يوم‏10‏ سبتمبر‏1973,‏ تم اعتقال الجنرال باشيليه‏,‏ ثم تعذيبه بقسوة‏,‏ حتي لقي حتفه تحت وطأة التعذيب في مارس‏1974,‏

ثم أمر بينو شيه باعتقال زوجة الجنرال باشيليه وكذا الشابة ميشيل‏,‏ وأمر بتعذيبهما في فيلا جريمالدي السجن الرهيب‏,‏ حتي تم ترحيلهما الي المنفي عام‏1975,‏ اولا الي استراليا‏,‏ ثم الولايات المتحدة‏,‏ حتي الاستقرار في المانيا الشرقية‏.‏ وفي المنفي تخرجت ميشيل في كلية طب جامعة هومبلدت الشهيرة في برلين حيث تزوجت وأنجبت حتي عادت الي شيلي عام‏1979‏ بعد نهاية المنفي‏,‏ وعملت طبيبة اطفال حتي نهاية عهد ديكتاتورية بينوشيه عام‏1990,‏ وكذا اتجهت الدكتورة ميشيل الي مجال الدراسات الاستراتيجية في كلية دفاع شيلي‏,‏ وبعد نجاحها بامتياز تمت دعوتها الي كلية الدفاع البينية الامريكية في واشنطن‏.‏

بدء طريق الصعود‏:‏ وزيرة للصحة عام‏2000‏ بعد تولي ريكاردو لاجوس رئاسة شيلي‏,‏ ثم وزيرة للدفاع عام‏2002,‏ ومن هذا المنصب الي مرشحة الحزب الاشتراكي في انتخابات الرئاسة حتي فوزها الساحق ضد البليونير بنييرا زعيم فئة كبار رجال الاعمال اليمينيين في شيلي في انتخابات ديمقراطية ناصعة لم تشهد أية أحداث عنف دعنا من سقوط ضحايا‏.‏

كلمات منيرة‏,‏ من القلب‏,‏ للرئيسة الجديدة مساء يوم الاحد‏15‏ يناير‏:‏ لقد اقتحم العنف حياتي ودمرها‏,‏ نعم‏.‏ كنت ضحية الحقد‏,‏ ولقد وهبت حياتي لكسر شوكة هذا الحقد‏!‏ نعم‏,‏ أتعهد لكم أنني سوف أكون رئيسة لجميع الشيليين‏!‏

ثم يتصل المسلسل ويتسع الي امريكا اللاتينية كلها من باتاجونيا علي حدود القطب الجنوبي حتي حدود تكساس وكاليفورنيا ـ ثلث مساحة المكسيك ـ التي نهبتها الولايات المتحدة في حربها ضد المكسيك منذ‏1836.‏

بنات وأبناء بوليفار
‏1‏ـ انتصرت ثورة التحرير الجديدة في فنزويلا بقيادة العقيد هوجو شافيز عام‏1998‏ الذي أعلن الثورة البوليفارية بعد انتخابه مرتين بأغلبية كاسحة‏.‏ فنزويلا‏,‏ بوصفها خامس الدول الكبري المنتجة للبترول‏,‏ تمد دول امريكا الجنوبية المستقلة‏,‏ علي تنوع انظمتها‏,‏ بالبترول بثمن خفيض‏,‏ وتستورد منها الكوادر المتقدمة في مجالات الطب والصيدلة والتكنولوجيا المتقدمة بغية تكوين بوتقة انصهار وحدةأمريكا الجنوبية تدريجيا بشكل ميداني فعال‏.‏

وقد اتهم شافيز الولايات المتحدة رسميا بمحاولة اغتياله عدة مرات‏,‏ وأعلن أنه بالفعل قائد ثورة بوليفار الثانية ضد الامبريالية الامريكية في عموم أمريكا اللاتينية‏,‏ ثم انضمت فنزويلا الي منظمة ميركوسور الي ان ثم كانت عملية الاختراق الأهم‏,‏ ألا وهي‏:‏ الاتفاق علي فتح طريق البترول والغاز من فنزويلا الي بوليفار والارجنتين جنوبا محورا للاستقلال الاقتصادي للقارة في الاعماق‏.‏

‏2‏ـ ثم تأتي الضربة الجديدة من أكبر دولتين في أمريكا اللاتينية‏,‏ أي البرازيل والأرجنتين‏,‏ حيث ان البرازيل قررت يوم‏13‏ ديسمبر الماضي تسديد جميع الديون المستحقة لصندوق النقد الدولي وقيمتها‏15,5‏ بليون دولار خلال السنتين القادمتين‏.‏ وبعد يومين أعلن رئيس الارجنتين كيرشنير أن حكومته سوف تسدد جميع مستحقاتها لصندوق النقد الدولي البالغة‏9,8‏ بليون دولار الي الصندوق قبل نهاية ديسمبر‏2005,‏ هكذا يتم توفير مبلغ‏900‏ مليون دولار فوائد للبرازيل‏,‏ وكذا‏842‏ مليون دولار للأرجنتين‏.‏

‏3‏ـ‏4‏ـ وفي بيرو يتجه الضابط المتقاعد أولانتا هومالا صديق شافيز الحميم الي المقام الثاني في قياس الرأي قبل انتخابات الرئاسة في شهر ابريل القادم‏,‏ وكذا يتقدم الفريدو بالاثيوس قائمة المرشحين لانتخابات الرئاسة في اكوادور في اكتوبر القادم‏.‏
‏5‏ـ هذا وقد انتقلت اورجواي الي انتخاب الرئيس الاشتراكي تباري فاسكيز إلي رئاسة هذا البلد الصغير الثري في اكتوبر‏2004,‏ لأول مرة منذ اكثر من قرن تولت فيها أحزاب اليمين استنزاف ثروات البلاد‏.‏

‏6‏ـ‏7‏ ـ أما في أمريكا الوسطي فإن قيادة الثورة الساندينية حول دانيال أورتيجا تستعد للفوز برئاسة الجمهورية التي أفلتت منهم عام‏1990,‏ وكذا الامر في جمهورية دومينيكان في انتخابات اغسطس‏2008.‏

‏8‏ ـ وفي المكسيك يتقدم عمدة العاصمة مكسيكو لوبيز اوبرادور الزعيم اليساري المرموق قائمة المرشحين لانتخابات الرئاسة في يوليو القادم‏.‏

ثمانون في المائة إذن من شعوب امريكا اللاتينية انتقلواإلي التوجه الوطني التقدمي الاشتراكي‏(‏ اليسار حسب المصطلح الغربي‏)‏ أي التمسك بكامل الاستقلالية والسيادة الوطنية‏,‏ وحقوق الشعب العامل‏,‏ ثم التعامل مع العالم الخارجي بدءا من المصلحة الوطنية‏.‏

قال صاحبي‏:‏ لماذا إذن غاب معظم رؤساء وزعماء العرب عن مؤتمرنا المشترك مع امريكا الجنوبية علي ارضها الطالعة منذ شهور؟‏...‏ عجبي‏!...‏

الحسابات الأمريكية والأرصدة السورية


الحسابات الأمريكية والأرصدة السورية ...

سورية الرقم الصعب دائماً في معادلة الشرق الأوسط



إن التعاطي السياسي للإدارة الأمريكية مع سورية بالرغم من صعوبته في المرحلة السابقة يبين أن إستراتيجيتها التي كانت تنحصر في الملف اللبناني وتداعياته كورقة ضغط على سورية لن يعود ذو أهمية في معادلة الشرق الأوسط بعد تعثر خطواتها في العراق وعدم قدرة حلفائها على جر لبنان خارج الإطار العربي، وفشل تطبيق نظرية الفوضى الخلاقة، وزيارة الرئيس الإيراني لسورية ودعمه اللامحدود لمواقفها، ودخول الملف النووي الإيراني طرفاً أساسياً في البعد الاستراتيجي لهذه المعادلة، وفوز حماس الكاسح في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الذي قلب وبعثر كل أوراق الساحة الفلسطينية ومسألة السلام مع العدو الإسرائيلي. مما يحتم على الإدارة الأمريكية وحلفائها أن تعيد صياغة سياساتها وفق المعطيات الجديدة. وأن تتعاطى مع سورية كلاعب أساسي في المنطقة لا يمكن تخطيه، وليس وفق المفاهيم التي تروجها إدارتها أو بعض الإعلاميين والتي تصور أن سورية باتت ضعيفة وفقدت كل أوراقها الإقليمية والدولية وما عليها سوى الانصياع للإرادة الأمريكية وحليفتها الصهيونية.

ففي مقالة تحت عنوان "المحنة السورية والمخرج الآمن" كتب أكرم البني في الجزيرة قسم المعرفة بتاريخ 05/01/2006 " نذكر من يحلو لهم استحضار تجربة العراق مثالاً، بأن مجلس الأمن هو ذاته الذي شكل لجان تحقيق للكشف عن أسلحة الدمار الشامل في العراق ولم تستطع أميركا تطويع إرادة هذه اللجان وتحوير تقاريرها كي تبرر حربها، وتالياً هو المجلس ذاته الذي اتخذ قراراً ضد الحرب الأخيرة على العراق وأجبر لندن وواشنطن على الذهاب إليها دون إذن عالمي أو شرعية دولية. إذن، ليس لدى مجلس الأمن أية أغراض مبيتة ضد سورية إن هي امتثلت للشرعية الدولية دون مناورة أو التفاف، بل على العكس يعتبر التعاطي الإيجابي مع قراراته الطريق الوحيدة التي تساعدها على تقوية حضورها وتحسين سمعتها في أوساط الرأي العام العالمي وتشجع الأطراف الصديقة والحيادية في مجلس الأمن على مزيد من دعمها والتصدي لأي محاولة تقصد دفع نتائج التحقيقات أبعد من حدود هذه الجريمة ومقتضياتها"

أما سركيس نعوم في مقالة منشورة له في النهار في عددها (22556) تحت عنوان "قصة لبنان طويلة !" كتب: يبدو أن سورية قررت الذهاب إلى الآخر في المواجهة مع المجتمع الدولي بزعامة الولايات المتحدة. ويعود ذلك إلى أسباب عدة منها إخفاقها في التخلص من ضغوط تحقيق اللجنة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، واقتناعها بأن الأخيرة ستحملها مسؤولية ما لا يزال حجمها ومستواها غير واضحين عن هذا الاغتيال. ومن شأن ذلك زيادة الإنهاك الذي تشعر به وكذلك الضعف الذي أصابها على أكثر من صعيد منذ سنوات. ثم يتساءل إذا كان خيار المواجهة هذا حكيم؟ ويقول: "قد يكون هذا الخيار غير حكيم ومتسرع من ناحية المبدأ، يجيب متابعون للأوضاع في سورية والمنطقة من جهات دبلوماسية متنوعة، ذلك انه يدفع في اتجاه مواجهة مكلفة لا تستطيع سورية أن تربح فيها. لكنه وبعد الزيارة الأخيرة للرئيس الإيراني الجديد محمود أحمدي نجاد لدمشق أعطى دفعا وقوة لسورية ولنظامها رغم أن تكلفته (أي الخيار) ستبقى مرتفعة".

ولكنهما نسيا أن السيناريو العراقي حاضراً في ذهنية الإدارة الأمريكية وكل القرارات التي أنهكت العراق وأدت إلى حصاره وإضعافه ومهدت لإسقاط نظامه بعد أزمة الكويت صدرت عن مجلس الأمن تحت ضغط أمريكي بريطاني بالرغم من امتثال النظام العراقي لكل قرارات هذا المجلس وديباجياتها التي أسست لشريعة الغاب في العلاقات الدولية والتي تخالف أبسط قوانين وأعراف الأمم المتحدة.

وما العقوبات الذكية حسب التعبير الأمريكي والتي كانت تصدر عن هذا المجلس الدولي إلا تكريساً لهذه الشريعة ولنظام العقوبات، لا إلى التخلي عنهما، وهذا ما أكده كولن باول للفايننشال تايمز البريطانية في 14/02/2002 حيث قال: إن العقوبات والضغط الذي تولده هما جزء من إستراتيجية تنتهجها الإدارة الأمريكية لتغيير النظام، وهذا ما نسمعه الآن في كل تصريحات المسؤولين الأمريكيين حيال الوضع السوري.

ففي اليوم التالي لنشر نص القرار 1409 في الصحف العربية والعالمية الذي يعدل نظام العقوبات المفروض على العراق منذ القرار 661 الصادر في شهر آب 1990، نشرت صحيفة الانترناشونال هيرالد تريبيون في 16/05/2002، تقريراً عن ما يدور في أذهان الساسة الأمريكيين والبريطانيين من مخططات إزاء العراق بعد إسقاط نظامه: وتتضمن هذه المخططات ضمن سياق مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي يهدف لتفتيت الوطن العربي كما أشارت أكثر من وثيقة، مشروع تفكيك العراق إلى كيان فيدرالي من ثلاثة أجزاء، مع جهاز تنفيذي وتشريعي وأمني لكل منها، على أن يبقى التمثيل الخارجي والدفاع بيد الحكومة المركزية. هذا المشروع يعني فعلياً فتح الطريق لتقسيم العراق إلى ثلاث دول واحدة منها كردية في الشمال وأخرى سنية في الوسط وثالثة شيعية في الجنوب، بعد يومين فقط من التأكيد على سيادة العراق ووحدة أراضيه في ديباجة القرار 1409! - - باختصار إذن، يهدف القرار 1409 من جهة الولايات المتحدة وبريطانيا إلى التموضع سياسياً بموضعٍ يسمح لهما بتوجيه ضربة عسكرية للعراق، خاصةً وأنهما أعلنتا أكثر من مرة أن العقوبات لن ترفع إلى أن يسقط النظام في العراق كما هو معروف، وهذا ما حدث فعلاً.

إذن، يخطئ الكثير من المحللين السياسيين في أن الأمر سينتهي فقط بقضية التعاون السوري في قضية التحقيق الدولي الجاري بقضية اغتيال الحريري وامتثالها للشرعية الدولية المتمثلة بالقرارين 1636 و1644. وباستعراض بسيط لمسار العلاقات الأمريكية السورية وبشكل خاص بعد حوادث 11 أيلول 2001 نرى بأن مشاكل سورية مع الولايات المتحدة لم تبدأ منذ قضية التمديد للرئيس اللبناني أو اغتيال الحريري بل بدأت بوقت أبعد بكثير من زمن الاستعدادات الأمريكية لغزو العراق واحتلاله الذي قبول برفض سوري واضح لما يشكل ذلك من زعزعة لاستقرار المنطقة وأمنها. وهذا ما دفع بالإدارة الأمريكية إلى مطالبة الخارجية الأمريكية بإعداد تقرير بمشاركة وزارة الدفاع وجهاز الأمن القومى ووكالة المخابرات المركزية (CIA) برصد أسباب فشلها الأمني والعسكري في القضاء على المقاومة التي تكبدها خسائر مادية فادحة. وقد خلص هذا التقرير إلى أن سورية تلعب دورا خطيرا على صعيد دعم المقاومة ضد المحتل الأمريكي وهذا ما أسماه التقرير بدعم الإرهاب على أرض العراق. والذي انتهى في أروقة الكونغرس بتطبيق عقوبات على سورية عبر "قانون محاسبة سورية" في نهاية عام 2002 والذي أخذ حيز التنفيذ في أيار 2003. حيث اتهمت الإدارة الأمريكية سورية بدعمها ما أسمته الإرهاب، وتطوير أسلحة دمار شامل، وعرقلة إحلال الاستقرار في العراق عبر السماح بعبور المقاتلين الأجانب من الحدود السورية. وتتمثل العقوبات في منع تصدير أي معدات مدرجة في اللائحة الأمريكية للعتاد الحربي والخاضعة لقيود تجارية إلى سورية، مثل (معدات مزدوجة الاستخدام كالمنتجات الكيميائية والتكنولوجيا النووية والليزر الخ).. ومنع تصدير أي منتجات من الولايات المتحدة إلى سورية باستثناء المواد الغذائية والأدوية.. ومنع أي طائرة تملكها أو تشرف عليها السلطات السورية من الإقلاع من الولايات المتحدة أو الهبوط على الأراضي الأمريكية.. وستجمد وزارة الخزانة حسابات البنك التجاري السوري بسبب عمليات تبييض أموال مفترضة. وستجمد أيضاً أرصدة تعود إلى بعض الأشخاص والمؤسسات الحكومية السورية التي تقيم علاقات مع منظمات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية، كحركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحزب الله اللبناني، أو مجموعات مشتركة في الوجود العسكري السوري في لبنان. وإذا دققنا النظر في هذا القرار نرى بأنه مقدمة لما يحصل الآن من صدور قرارات وعقوبات أمريكية ضد سورية أو شخصيات سورية (لم تكن محددة حينئذ) وكل ذلك قبل التمديد للرئيس اللبناني واغتيال الحريري. علماً أن قانون محاسبة سورية كان موجوداً منذ الثمانينات حيث أقر بوش (الأب) قانوناً يفرض عقوبات اقتصادية على سورية بهدف الضغط عليها لقبول الشروط والإملاءات الإسرائيلية حول اتفاقيات السلام. ولكنه لم يأخذ حيز التنفيذ بسبب وقوف سورية لجانب الكويت في عام 1991. وبأن هناك خطط لغزو سورية منذ 2001 كما ورد في كتاب الجنرال الأمريكي المتقاعد ويسلي كلارك.

ولم يبدأ التصعيد الأمريكي والضغط ضد سورية إلا عندما أيقنت الإدارة الأمريكية بأنها غاصت في المستنقع العراقي ووصلت إلى طريق مسدود وتحتاج لمنقذ وهنا تريد من سورية التدخل سياسياً وعسكرياً لإنقاذ الموقف من خلال التدخل لدى وجهاء العشائر العراقية أو إرسال قوات لوقف هجمات المقاومة والقضاء عليها. ولو تم ذلك وقبلت سورية بالعرض الأمريكي الخاص بالعراق، ومن ثم الخاص بنزع سلاح المقاومة في لبنان وفلسطين، لفتحت أبواب البيت الأبيض أمام الرئيس الأسد على مصراعيه وفي كل الاتجاهات. وهنا نتساءل لو حدث ذلك فهل كانت الإدارة الأمريكية ستعارض التمديد للرئيس لحود أو تساهم بصدور القرار 1559 الذي يعتبر محور كل التداعيات على الساحتين السورية واللبنانية منذ صدوره، البعض يجيب بالنفي وآخرين يتجهون إلى أن ما حدث في لبنان هو معزول عن ما يحدث في العراق وبأن لدى الإدارة الأمريكية مخطط وأجندة خاصتين بها وتسعى لتحقيقهما في إطار مشروعها الشرق أوسطي الجديد. وفي كلا الحالتين يصح التفسير والتأويل والشطح السياسي التحليلي لغموض وتخبط الإدارة الأمريكية وتناقضها في قراراتها وحساباتها التي لم تتطابق مع الأرصدة السورية:

فإسقاط النظام عسكرياً بات شبه مستحيل بعد تجربتها المريرة والفاشلة في العراق من جهة، ومن جهة أخرى لعدم قدرتها على اختراق وإضعاف الجهاز العسكري السوري القوي والمنضبط كما حدث في العراق. ومن هنا كان تصورها بأن خروج الجيش السوري من لبنان والحملة على الأجهزة الأمنية الخاصة به قد تؤدي إلى إضعاف الجيش وهيبته مما يؤدي إلى زعزعة استقرار النظام وإسقاطه. وهذا ما يفسر حملتها الإعلامية على الجهاز الأمني الخاص بالجيش والعقوبات المالية على كبار قادته وضباطه وتحمليهم مسؤولية اغتيال الحريري.

فشلها في إضعاف وإسقاط النظام من الداخل نظراً:

- لتمتع الرئيس السوري الشاب بشعبية واسعة من جهة، ومن جهة أخرى التفاف مختلف شرائح الشعب وأطيافه السياسية الوطنية حول قيادته ودعمها لمواقفها وسياساتها في الإصلاح والانفتاح وترميم البيت الداخلي وفق المصالح الوطنية والقومية بما يتماشى مع روح العصر والانفتاح الاقتصادي، ورفضها لأي تدخل أجنبي في شؤونها أو تقرير مصيرها بالرغم من الحملة الإعلامية المكثفة المغرضة والمضللة والتي تستهدف شخصية الرئيس وطريقة تعاطيه للأحداث وطبيعة الحكم وشكله، ومحاولة إدراج حزب البعث على لائحة المنظمات الإرهابية والتعامل معه على هذا الأساس، في محاولة لابتزاز القيادة السورية وتخويفها وإثارة النقمة والاستياء لدى الشعب.

- عدم جدوى العقوبات الاقتصادية والمالية لأنها من جهة، لم تمنع سورية من المضي في إصلاحاتها الاقتصادية والإدارية والسياسية، ومن جهة أخرى لأن سورية معتادة على مثل هذا النوع من الضغوطات ولديها الخبرة الكافية في التعامل معها بشكل يضمن لها الاستقرار والنمو في الوقت نفسه.

- فشل الحملة الإعلامية الشرسة ضد سورية ومواقفها بكل اتجاهاتها. والتي انعكست سلباً في موقف الشارع العربي عموماً والسوري خصوصاً من الإدارة الأمريكية وسياساتها المتحيزة والمتخبطة تجاه قضاياه وهمومه.

- فشل نموذج التسويق الأمريكي للديمقراطية في الشرق الأوسط، لأن قوى المعارضة الداخلية بضعف تأثيرها وتمثيلها في الشارع السوري ترفض الطروحات الأمريكية بهذا الخصوص وتطالب بإصلاحات سياسية داخلية. أما ما يسمى بالمعارضة الخارجية التي انطوت تحت شعار الاستقواء بالحل الأمريكي فليس لها بالداخل أي تأثير وهي مرفوضة شعبياً على جميع المستويات مهما حاولت تصنيف نفسها أو رفع سقف شعاراتها.

- فشل محاولة عزل سورية إقليمياً وعربياً ودولياً.

وهذا ما يؤكد كلام الرئيس الأسد، بقوله: سورية لاعب مهم في قضايا الشرق الأوسط ، وبخاصة إن أراضي لها مازالت محتلة من قبل إسرائيل ، وكل تسوية ستظل ناقصة إذا لم يجر إشراك سورية فيها.. وهي رقم صعب في معادلة الشرق الأوسط.

سورية – دمشق، في 01/02/2006.

د. سهيل حداد

خاص – صفحات سورية -