الدولة الوطنية من سايكس بيكو إلى المحكمة الدولية

٢٠٠٧-٠٧-٠١

الدولة الوطنية من سايكس بيكو إلى المحكمة الدولية

غسان المفلح

خاص – صفحات سورية -

ـ1ـ

يجب أن يحكمنا الأمل كما كان يشدد الراحل سعد الله ونوس. والآن نتسائل نحن عن أي أمل نتحدث وأي غايات يحملها هذا الأمل في ثناياه التي لم نرها في سورية بعد. فهل آمال السوريين واحدة ؟

السوريون منقسمون في آمالهم وهذا طبيعي. ولكن المواطن السوري لم يعد له آمالا قياسا بآمال نخبه سلطة ومعارضة. الفرد السوري يعبر عن الواقع أكثر من قولنا المواطن السوري. الأفراد مبعثرون يجمعهم كما يتراءى للكثيرين: الاستبداد والخوف. أين هي الروابط بين أفراد المجتمع السوري التي عبرها يمكن أن يحققوا جزءا بسيطا من آمالهم أو يكتشفوا ذاوتهم بأنها حرة ويتحقق شيئا من الإحساس بها عبر هذه الروابط سواءا كانت أحزابا أم جمعيات مدنية أم تنظيمات أحياء وقرى. لا أعرف يخطر ببالي كثير هذه الأيام الراحل الشهيد ياسر عرفات ربما بمناسبة قيام حماس بإضاعة دموية لما حاول الشهيد الرئيس عرفات بناءه. أذكر في سبعينيات القرن العشرين كانت علاقة عرفات شبه جيدة بدكتاتورنا الراحل. وكان المزاج الشعبي أيضا في حالة شبه تقديسية للشهيد عرفات. بعد أن دب الخلاف بين الأسد وعرفات في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات والخلاف الرئيسي كان على استقلالية القرار الفلسطيني عن النظام السوري.تحول المزاج الشعبي في سورية إلى مزاج تخويني لعرفات. وكذا هي الحال الآن مع رموز الاستقلال اللبناني. وهذه حالة طبيعية لدى المزاج الشعبي الذي تصيغ السلطة تفاعلاته بشكل كبير حتى لو كان هذا المزاج الشعبي يخفي خلف قشرته هذه: أفرادا كل منهم على حدا لا يوافق على هذا المزاج الشعبي بل أنك لو استفيتهم ربما لحصلت على نتائج مخالفة كليا للظاهر. القمع يولد الباطنية حتى في أخص المشاعر الإنسانية فمابالنا بالشعور السياسي ؟ هذه الهذيانات في الحقيقة تلامس شيئا من الواقع السوري المعقد نسبيا. كل هذه الآمال والمشاعر والغايات النبيلة وغير النبيلة أحيانا ـ لكنها قانونية ـ تجمعها وتتوجه إليها بنفس الوقت التنظيم الأرقى الذي أنتجته البشرية حتى الآن وهو الدولة. أما إصباغ مفهوم الوطنية على الدولة فهو جزء من آمال وسياق في قراءات خاصة للدولة ودورها. الدولة هي الرابط المخفي والظاهر للمواطنين الأحرار. ليست بقعة جغرافية فقط، كما أنها ليست خاصة بصفات معينة تطلقها سلطة سياسية عليها أو تطلقها نخب متنوعة. كأن تقول دولة ديمقراطية أو دولة وطنية أو دولة اشتراكية أو دولة..الخ القائمة تطول بقدر تواجد التنوع النخبوي والمصالح في مجتمع هذه الدولة. فهل الدولة الفرنسية هي عند لوبان نفسها عند ساركوزي أو عند رويال ؟ إن الفرنسيين بدأوا ببناء الدولة السورية الحالية كجهاز جامع لمكون ـ من مكونات سايكس بيكو ـ في ثلاثينيات القرن العشرين ـ والسؤال هل ما بنوه الفرنسيين كاستعمار تقليدي: هو دولة وطنية. فهم بنوا الجيش وصار هنالك جيش سوري كان أسمه جيش الشرق. بنوا قضاءا واحد بنوا وزارات مدنية..هل هذه الدولة التي بناها الاستعمار التقليدي هي دولة وطنية أم غير وطنية أم هي دولة خائنة وطنيا ؟ لماذا أبطال معركة الاستقلال في كل دول العالم يحافظون على الدولة التي بناها لهم الاستعمار نفسه ؟ هل لأنها دولة وطنية أم لأنها تنظم شؤون الأفراد والمجتمع بوطنييه ولا وطنييه ومابينهما! لهذا نعتقد أن هنالك احتيالا أيديولوجيا في مفهوم الدولة الوطنية. الدولة لا أخلاق لها ولا مشاعر ولا أيديولوجيا إنها جهاز يعتمد الجدوى في مؤداها الأخير. يجب أن يكون أو هو في جوهره مكون لكي يكون له نفس المسافة بين التيار الناصري والتيار القومي السوري. نفس المسافة بين ما يطرحه الدكتور برهان غليون وبين ما يطرحه الدكتور طيب تيزيني. نفس المسافة بين من وقع على إعلان بيروت دمشق ومن اعتبر الموقعين خونة. نفس المسافة بين الموقعين على إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي وبين من سمى هذا الإعلان بإعلان طائفي.. هذا غيض من فيض إذا أضفنا له أن الدولة هي رابط يربط ساركوزي برويال بلوبان..! فهي تحمي الجميع وتساويهم أمام القانون فهل عندما تحمي لوبان ستكون دولة فاشية ؟! هذه الدولة التي بنيت في سورية على يد الفرنسيين لازالنا نحن السوريين منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى صدور قرار مجلس الأمن رقم 1701 والقاضي بتشكيل محكمة دولية لقتلة أبناء لبنان ورموز استقلاله. لازالنا نحن السوريين نختلف على أن هذه الدولة الوطنية موجودة أم أنها ليست موجودة ؟ السلطة الديكتاتورية لا تبني دولة وليس من مصلحتها قوة الدولة بل تحاول أن تتلاعب بهذا الجهاز انطلاقا من سطوتها بالقوة والعسكر والإكراه على جهاز الدولة ومجتمعه ووظائفه. لهذا عندما تنهار هذه السلطات انهيارا لا تجد أن هنالك دولة / العراق نموذجا ولا تجد من يدافع عنها. حتى ان المواطن العراقي. يستغرب أن تحدثه عن واجب حفاظه على الدولة. إن قولنا الدائم أن الدولة الوطنية التي تركب على عنقها السلطة ( الوطنية ) في خطر جراء الاستعمار الغربي! ولكن لو بحثنا في العمق لوجدنا: أن الذي في خطر هو السلطة وليس الدولة. ولن أعود إلى الوضع العراقي. والسؤال الآن لاتباع مفهوم الدولة الوطنية: ماهي أحلام السوريين وآمالهم وطموحاتهم ؟ هذا من جهة ومن جهة أخرى ما الذي يجمعهم الآن ؟ وكل هذا ما موقع الدولة فيه ؟ وماهي المسافة التي تفصل الآن في سورية بين الدولة وبين السلطة ؟ هل شعبنا الكردي يعتبر أن الدولة السورية هي دولته مثلا ؟ هل يشترك بمشترك ما مع ما يشعر به المواطن العربي في سورية ؟ وماهو ؟ هل أبناء الطوائف والأقليات لهم نفس المشاعر والآمال كما هي الحال لدى أبناء الأكثرية الدينية أو البعثية ؟ في هذا القسم حاولنا أن نقارب مفهوم الدولة من زوايا قليلة وليست ذات شأن بالنسبة لكثيري من مثقفي الأمة العربية أو الإسلامية أو السلطوية. ونختم به قولا:

إذا كانت الدولة الوطنية: هي جغرافيا وسلطة ديكتاتورية فأنا شخصيا لا أريدها...

آخر مرتبات الندالة

آخر مرتبات الندالة

آرا سوفاليان

غصة في القلب قاتلة ومخجلة إلى أبعد الدرجات عايشتها مساء يوم ليس ببعيد، هي أشبه بنار مستعرة لا تزال تضرمها ذئاب مسعورة تربت على القذارة والدناءة فأعملت أنيابها في ما بقي لنا من قيم ومن طهر ومن قداسة. متطاولة على ما بقي من عاداتنا وتقاليدنا متشحة بتقاليد الغرب في ذروة انحطاطه الفكري وبذاءة بذيئيه...

مقتدية بتجلياته القذرة لإسقاطها ككتلة سخام نجس في معجن طحيننا الأبيض أو ما بقي منه وهو الوعاء الذي يحوي زاد الخير الذي تربينا عليه والذي دونه ... عرضنا وحياتنا وأخلاقنا و كل ما بقي لنا مما هو لنا.

في الرتل القاتل الرتيب والممل والمقرف والذي يمتد من ساحة العباسيين مروراً بباب دمشق الشرقي والى مخيم جرمانا حيث اخوتنا الفلسطينيين وهم على ما هم عليه والى معمل الزيت والتقاطع القاتل حيث تهدر الكمائن المحملة بآلاف الأطنان وتزمجر محركاتها المتعبة مهددة حياة الناس المتكدسين في الميكرويات الصدئة والسيارات المتوقفة التي تبحث عن الخلاص في خضم الفوضى العارمة عندما يقرر السائقون فرضية ذهنية مسبقة لها علاقة بمرض يشبه عمى الألوان مع بعض الاختلاف وهو الرؤية الموحدة لكافة مصابيح أعمدة الإشارة على أنها خضراء على الدوام.

هذه الفرضية قد تؤدي إلى سحق سيارة صغيرة نظامية وصاحبها يحترم حقوق الغير وغير مصاب بعمى الألوان ويرى الضوء الأحمر أحمر والأصفر أصفر والأخضر أخضر فينطلق ليجد في مواجهته قاطرة ومقطورة قرر صاحبها رؤية الضوء الأحمر على أنه أخضر وأنه يحتمل أكثر مما يحتمل ... لتكون المكابح هي طوق النجاة بالنسبة للسيارة الصغيرة فيعبر المجرم عل مرأى ومسمع جماعة من رجال الشرطة بدراجاتهم البيضاء الجميلة وبأجهزتهم اللاسلكية وأضواؤهم الدوارة الحمراء الجميلة دون أن يحركوا ساكن.

الله لطف... وهذا ما يقوله أهل الشام الطيبين ... فلولا أن الله لطف ... لكان الشيء الذي لا يمكن تخيله... كان سيتم تخيله وسيصير أمراً واقعاً لا محالة.

ولأني لا أعرف أقصى حد لعدد ضربات القلب التي تشير إلى أكبر درجات الهلع فلقد قدرت أنني تجاوزت وقلبي كل الحدود القصوى وكتب لي عمر جديد أنا ومن معي في السيارة.

أما الذين يفترض فيهم حمايتي وحماية من هم على شاكلتي فلم يحركوا ساكن وكأن الأمر لا يعنيهم مع يقيني بأنه يعنيهم كثيراً لأنني ومعي من هم على شاكلتي يقع علينا العبئ الأوحد لكوننا المعنيين دون كل خلائق الله بتأمين رواتبهم ورواتب معلميهم وجعالاتهم ودراجاتهم ووقودها وزيوتهم ومحروقاتهم ومحروقات رؤسائهم وندفع نحن ثمن محروقاتنا بمعدلات حارقة.

ودخلنا مدخل جرمانا وهناك من يحرفنا عن مسارنا وبالقوة ... ميكرويات خرجت من جرمانا ودخلت في الاتجاه المعاكس ممنوع المرور تشبه دخول المخرز في العين وعليك تأمينها وإفساح المجال لها تحت طائلة التصادم وجهاً لوجه ... فتراها مندفعة بقوة ... على الرغم من ابتلائها بالمعاصي هي وقباطنتها، أما رباطة الجأش والاندفاع الشجاع وإتمام المخالفة إلى نهاياتها مروراً بالموتورات البيضاء المركونة فله ما يبرره... ولا نريد التحدث به... لأن هذا العمل البطولي ليس مخالفة... أما المرور في مرحلة التبديل من الأصفر إلي الأحمر وفيما يتعلق بأجزاء الثانية والويل كل الويل لك إن كنت في السيارة الأخيرة والذي قبلك تأنّى فإنك ستصل إلى حيث يقف وستكون أجزاء الثانية هذه هي سبب خراب وتخلف كل الأمة العربية وعليك سماع محاضرة في الوطنية.

وقابلني إذا كنت تستطيع الفكاك وسيف الـ 1500 مسلط على رأسك يتلوه سيف آخر هو تضاعف المخالفة لتصبح 3000 وهذه نتيجة حتمية لكل المخالفات وتفرض مفاوضات جديدة تتكيف مع الرسوم الجديدة ونتائجها الحتمية.

منذ أول مرة جلست فيها خلف المقود... تمنيت أن أحظى برجل... يفوت على المسيئين ابتزازنا بأجزاء الثانية السابقة الذكر... ويفوت على القاطرة والمقطورة وقبطان أعالي البحار الذي يقودها ... يفوت عليه التلذذ بالتسبب بمجزرة... ويفوت على سائق الميكروباص التلذذ بحصاد المعلوم الذي يدفعه لتصبح كل مخالفاته وحتى تلك المتعلقة بممنوع المرور... غير مرئية لأنها مشمولة وهو معها بطاقية الإخفاء.

في حين يتم نزع صباحنا ومسائنا من أجل أجزاء الثواني... والمعاناة تزداد بوجود ألف شاخصة ومليون عمود ومليار شرطي يقفون لك بالمرصاد على كل زاوية ومنعطف.

وفي الركب السلحفاتي القاتل مررنا من تحت قوس النصر في جرمانا وقد تم لنا النصر بعد تعطيل الجانب الآخر من الشارع ليتحول الشارع إلى نصف شارع مما يساهم في زيادة العرقلة وزيادة إفراز الأدرينالين مما يحفز على العصبية والخطأ ليصبح الخطأ في المحصلة مصدر رزق.

وبعد قوس النصر دخل من الجهة المخالفة راكب دراجة نارية وخلفه راكب آخر بمعنى دراجة نارية مركوبة من راكبين... ودخل الراكبين بمركوبهما في الممر اليساري الضيق فأفسحت لهما لأخلص من شرهما وكذلك فعلت السيارة التي بعدي والتي بعدها... ووصلوا إلى السيارة الثالثة ولم يتجاوزوها على الرغم من أنها أفسحت لهما مرة تلو الأخرى... وقد عرف السبب فلقد كانت تقودها فتاة.

ولا بد أن الشبيحة أزعجوا الفتاة فلقد كانت ملامحهم وابتساماتهم وتهكماتهم ترتد على الضوء المنعكس للسيارات... وكانت الفتاة تفتح لهم الطريق بدون جدوى فأغلقت النافذة... ولا بد أن هذا العمل قد وضع رجولتهم على المحك فأذاقوا الفتاة كلاماً أزعجها فكسرت قليلاً إلى اليسار في اتجاههم دون أن تقصد إيذائهم.

فحدث الويل والثبور وعظائم الأمور فلقد توقف سائق الدراجة النارية وانزل قدمه اليسار ووضعها على الأرض حتى لا يختل توازنه ويقع... وكان هذا التوقف لبضعة ثواني استغلتها الفتاة للهروب بضعة أمتار إلى الأمام لعلها تخلص من شيء لم تعد تتمكن من احتماله ... فعلقت بعدها في ساحة الرئيس... وتبعها راكب الدراجة والطرح الذي خلفه وأدركوها عالقة... فنزل الطرح وتوجه إلى السيارة وضرب مرآة السائق فحطمها ورماها على الأرض ثم رفع حافره وضرب باب السائق فأحدث فيه حفرة عميقة وتبعه سائق الدراجة بعد أن أوقف دراجته في وسط الشارع ففتح الباب على الفتاة وصفعها فخرجت تصرخ وتستنجد وجاءت دراجة نارية ثانية ونزل منها اثنين للمساندة وتم ركل السيارة والشتائم تزين الفعل القذر لضباع فقدت كل الكرامة وكل الشهامة وكل المروءة وكل الرجولة في مواجهة فتاة وقفت لتبكي فشعرت أنها أبكت ببكائها كل بنات الشام وشبابها.

وظلت مسافة الثلاثة سيارات تفصل بيننا واحتشد المارة فضعفت الرؤية بالنسبة لي لكني لمحت نصلات سكاكين تلمع في الهواء وأحدهم أخرج مسدس فتحول الناس إلى متفرجين على شكل أرانب وعادت الفتاة إلى سيارتها وانطلقت فابتعد الناس وسار الركب ليتبعها ولم أعرف من أين ولا كيف... تجمع الأنذال من آخر مرتبات النذالة وعلى دراجاتهم النارية ولحقوا الفتاة في رتل واحد... ربما ليتمموا آخر طقوس الوضاعة التي رضعوها من أثداء أمهاتهم ... والسؤال الآن هو ما الحاجة إلى أمثال هؤلاء... ترى لو أن داع دعاهم فهل سيلبوا ... هل سيتركوا دراجاتهم وزجاجات كحولهم والسم الهاري الذي يتعاطونه ليلبوا نداء الوطن ... وهل سيجمعوا بعضهم بالسرعة القياسية التي جمعوا بعضهم فيها لمطاردة فتاة تجرأت على تحدي ذكورتهم كما تعلموها... وما المانع في تحطيم دراجاتهم النارية على رؤسهم... ألم نشهد من قبل اختفاء كل الدراجات النارية واضطرار أصحابها إلى دفنها تحت سابع أرض.

وصلنا إلى البيت بشق النفس وكانت ابنتي الصغيرة تبكي ورأيت دموعها في المرآة... قلت لها لماذا البكاء يا حبيبتي ... قالت: ترى ماذا يحدث للفتاة في هذه اللحظة... قلت لها لا شيء... قالت لماذا تقاعست عن نجدتها يا أبي ... قلت لها لكي لا أحرمك من استعمال كلمة يا أبي بعد الآن ... قالت: وهي ماذا يحدث لها الآن ... قلت لها ... بعد أن تخلى الجميع عنها فإن لها رب لن يتخلى عنها.

دمشق

01/06/2007

موقع ثرى

إقصاء، إستئصال، إجتثاث...أو لغة تنظيم الحروب الأهلية

إقصاء، إستئصال، إجتثاث...أو لغة تنظيم الحروب الأهلية

نهلة الشهال

وسط الخراب الهائل الذي تعيشه مجتمعات المنطقة، تبرز في أماكن متعددة مقاربة سياسية، يغلب عليها الصدور عن مواقع السلطات القائمة، تنهج مسلكا إستئثارياً بالسلطة وإقصائياً للأطراف الأخرى المكونة لحلبة الصراع.

قد يكون في هذا المسلك ما هو مألوف في منطقة يغلب عليها وجود أنظمة استبداد بوليسية تضيّق حلقة الممسكين بزمام الأمور إلى أقصى حدود ممكنة، بحيث غالبا ما تصبح شخصية، تتمركز حول فرد يدعمه لفيف من عائلته والخلّص من المقربين إليه، ممن هم قابلون للاستبدال عند أول شك أو حينما يزداد لأي سبب نفوذ أحدهم.

لكن الجديد ثلاثة ملامح متداخلة في ما بينها إلى حد يفرض اعتبارها كحالة أو كظاهرة متعددة الاضلع. أولها انتشار عدوى الإقصاء بحيث تطال اليوم مواقع كلبنان وفلسطين، كان يفترض حتى وقت قريب أن آليات حركتها، ولأسباب خاصة بكل منها، مناقضة تعريفاً وتكويناً للإقصاء، وقائمة على اعتماد أطر توافقية تستند إلى تعدد المكونات، سواء كانت اجتماعية أو سياسية، وتلك الأخيرتان مختلطتان غالباً وغير قابلتين للفصل والتمييز.

ثانيها تجاوز الإقصاء نحو الاستئصال. تكرار لغة تشبه ما تردّد على ألسنة الجنرالات الجزائريين في مطلع التسعينات، حين تدخّل الجيش لإيقاف العملية الانتخابية والانقلاب على نتائج التصويت الذي منح الإسلاميين أغلبية كانت ستتيح لهم تشكيل الحكومة. من المعلوم أن نتيجة ذلك التدخل كانت انفجار صراع دموي استمر مستعراً عدة سنوات، وهو بنظر العديد من المطلعين لم ينته بعد. حصدت ما يسميه البعض الحرب الأهلية الجزائرية مئات آلاف الضحايا، ولكنها خصوصاً كشفت الأزمة العامة التي كان يعاني منها النظام السياسي القائم ومعه المجتمع العاجز عن توليد وسائل مجابهة سياسية فاعلة وناجحة لذلك النظام، بعدما كانت قواه السياسية والنقابية والثقافية قد لحقها ذلك المزيج من القمع الإستنزافي والصدأ الذي يولده انتشار الفساد والبلادة على السواء. واليوم وبعد عقد على الانتهاء الرسمي لتلك الحقبة، ما زالت الجزائر مريضة بما جرى، وهو مرض يمتلك معالم عدة آخرها ما رافق الانتخابات العامة التي جرت الشهر الماضي من نسبة اقتراع تداني المقاطعة، وسط انكشاف فساد كل مؤسسات النظام وإفلاسها، مما يتيح كلاماً متزايدا عن الطلاق القائم بين المجتمع وتلك المؤسسات، وعن مجتمع متروك لذاته.

اللغة الاستئصالية طغت على خطاب قيادة السلطة الفلسطينية، التي رفضت بتشبث كل مقترحات اللجوء إلى الحوار كوسيلة لتفكيك ما جرى في غزة، ولمنع انتقاله إلى الضفة الغربية، واعتبرت أنها تمتلك الآن فرصة سانحة للتخلص من حماس دفعة واحدة والى الأبد! وقد نطق القادة الأمنيون للسلطة - التي اختلطت الحدود تماماً بينها وبين أجهزة حركة فتح - بالكلام الفج غير القابل للالتباس حول وجود حل وحيد استئصالي للمشكلة القائمة، بل عمدوا إلى شن حرب استباقية على كوادر حماس في الضفة لـ»منع تكرار ما جرى في غزة». ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وعدم وقوفه عند هذا الحد من خاصيات هذه الحالة، بل طال الكلام وما هو متداول من إجراءات، مؤسسات سياسية ومدنية أخرى، بعضها لا صلة له بحماس (ولا نقصد أن قمع ما هو على صلة بحماس مشروع)، بل يتم البحث في قرار حول حلّ كل الجمعيات وإعادة ترخيص المناسب منها، وبحث آخر عن استقدام قوات إضافية لحركة فتح من الأردن، ميزتها أنها عالية التدريب والتجهيز، وقد تداولت الوكالات خبر طلب أبو مازن من إسرائيل السماح لكتيبة بدر بالدخول إلى الضفة دعماً لسلطته!

أما في لبنان، فقد تراكمت في فترة قصيرة جداً جملة حوادث أمنية خطيرة: مواجهات نهر البارد، اغتيال النائب وليد عيدو، انكشاف وجود عدد كبير لخلايا يقول كل شيء إنها تابعة للقاعدة أو هي على شاكلتها، الاعتداء الدموي على قوات اليونيفيل... وقد أتاحت هذه الكثافة انفلات لسان أهل الحكومة بكلام صريح حول أهليتها الحصرية، هي ووسائلها، لإدارة الأزمة المفتوحة القائمة، وانه ما على المعارضة إلا الالتحاق بها أو «شرب البحر».

أما ثالث أضلع طغيان الظاهرة الاستئصالية فهو انخراط الولايات المتحدة بشكل مباشر وعلني في تفاصيل إدارة الموقف على هذا المنوال، وتشجيعها لقواه ودعمها الشديد لها. بات هناك تاريخ أميركي لوقائع إحباط كل المحاولات الساعية إلى إيجاد حلول توافقية لحالة الانقسام اللبناني وللأزمة المفتوحة في البلاد، منذ نسف المبادرة السعودية وحتى قطع الطريق على المبادرة الفرنسية الأخيرة، مروراً بالمصير الذي عرفته محاولات رئيس الجامعة العربية المتعددة، وانتهاء في الأسبوع الماضي إلى المسارعة لتنظيم اجتماع فرنسي أميركي في باريس برئيس الوزراء السيد فؤاد السنيورة، تبدو وظيفته الوحيدة الإعلان عن دعمه وشد أزره. تماماً كما يصعب إيجاد ميزات لـ»قمة» شرم الشيخ الفلسطينية الأخيرة في غير اتجاه الإحاطة الأميركية والإسرائيلية بنهج الاستئثار المعطوف على الاستئصال الذي انزلق إليه الرئيس محمود عباس.

وفي أثناء ذلك كله، تبقى تلك المشاكل كلها قائمة بل متفاقمة، تزيدها تلك المعالجة تفجراً وعنفاً. وتفقد السلطات القائمة ميزتها كهيئة «فوق الجميع»، لانخراطها طرفاً في انقسام هو من العمومية بحيث لا يمكن حصره في جهة سياسية بعينها. فالموضوع ليس حركة حماس هنا أو حزب الله هناك، بل أجزاء أساسية مكونة للمجتمعات التي تنتمي اليها. والأهم أكثر من أن هذا النهج الاقصائي والاستئصالي عاجز عن أن يوفر حلاً، والأهم من أنه يفاقم الأمور أنه يساهم بقوة في دفع مجمل البنى السياسية والاجتماعية إلى تسريع خطى تفسخها. فتدمير مرتكزات الاعتداد بشرعية عامة تصدر عنها تلك السلطات أمر في غاية الخطورة ولا يعوضه كل الدعم الدولي مهما بلغ من القوة. والاضطراب اللاحق بالمرتكزات المرجعية لهذا السلوك الاستئصالي، خطير هو الآخر. فأين نحن من روحية الميثاق الوطني المؤسس للبنان، وأين نحن من التراث المؤسس للنضال الوطني الفلسطيني في طوره الحديث، والذي تمكن من استيعاب وتجاوز حالة الشتات الفلسطينية وقوة التدخل للبلدان المضيفة وامّحاء الكيانية الفلسطينية عن الخريطة. وماذا يتبقى من مصدات في وجه انفلات الصراع العنيف والأهوج تحت مبررات شتى؟ وهو لا يبقي بناء قائماً ولا يحفظ لأحد الخروج منتصراً... ثم منتصراً على من ولأجل ماذا؟

الحياة

01/07/07

طه حسين لم يعد ضرورياً في ثقافة مصر... صادروا أيامه الأزهرية باعتباره متفرنساً

طه حسين لم يعد ضرورياً في ثقافة مصر... صادروا أيامه الأزهرية باعتباره متفرنساً

القاهرة ـ حمدي رزق

لعميد الأدب العربي الراحل طه حسين شعار ومنهج عمل رفعه واشتهر به قبل 60 عاماً وزيادة، يتجسد في مقولته الشهيرة "التعليم كالماء والهواء". هو شعار أطلقه "العميد" وهو وزير للمعارف (التربية والتعليم الآن) في الأربعينات. لم تكن ثمة اشتراكية صبغت الدولة المصرية بعد، بل كانت مصر ملكية، وكان التعليم لأبناء القادرين فقط.. ولم يكن طه حسين عضواً في "الحزب الاشتراكي" الذي أسسه المثقف الوطني أحمد حسين وقتها، ولا كان يعرف عنه سوى هواه الليبرالي الذي نقله من حزب "الأحرار" اليميني إلى حزب الأغلبية ذي الاتجاه "الوسطي"، حزب "الوفد"، لكن العميد أطلق شعاره هذا متأثراً بقيم الثورة الفرنسية: "الحرية والإخاء والمساواة". ففي صميم تكوين عميد الأدب العربي، تدخل الثقافة الفرنسية كعنصر فعال، ويأتي كذلك جهد الاستشراق وأهله، ليضفي طابعاً خاصاً على دراسات وأبحاث ومؤلفات طه حسين، فمن هنا جنح الرجل مبكراً وقبل قيام ثورة تموز ـ يوليو 1952 إلى "مجانية التعليم" ـ التي أقرتها الثورة بعد ذلك ـ ومن هنا كذلك جاءت الثغرة التي طعن عليه خصومه منها!.

عاش طه حسين يكابد هؤلاء الخصوم الذين اتهموه تارة بـ"التفرنس" تارة لفرنسا وثقافتها وبالاستشراق تارة، وبالإلحاد تارة ثالثة.. وخاصمه المتشددون دينياً، مثلما خاصمه العلمانيون ـ ممن كانوا يغارون من نجاحه الصاعق ـ وظل إنتاج طه حسين كله محل جدل لم يُثَر حول إنتاج أي كاتب أو مثقف سواه..!.

يخمد هذا الجدل أحياناً، ويثور أحياناً.. وعندما يثور يكتسح، يتهم، يصادر... ذلك ما كان أخيراً من أمر كتاب "الأيام" الشهير الذي يعد واحداً من كلاسيكيات أدب السيرة الذاتية في العالم العربي، والذي دوّن فيه العميد صفحات من طفولته وصباه وشبابه وصولاً إلى المرحلة التي وقف فيها على باب الشهرة الواسعة. ويتألف الكتاب من ثلاثة أجزاء.. وقد أصبح الكتاب الآن ثالث أعماله التي تتعرض في 80 عاماً للمصادرة والعنت.

جرى تدريس "الأيام" ثلاثين عاماً متصلة في المدارس المصرية بمراحلها الثانوية، ضمن كتب مادة اللغة العربية، وتعلمت منه أجيال متعاقبة فنون كتابة السيرة الذاتية، كما درست لطه حسين أعمال أخرى بعضها روائي مثل "أحلام شهرزاد" وبعضها بحثي ديني وتراثي ككتاب "الشيخان"، لكن "الأيام" صمد أكثر من أيّ كتاب آخر كمقرّر ثابت بالمدارس.

وبعد كل هذه السنين، طلب عدد من الموجهين والخبراء بمديرية التعليم بالقاهرة من مستشار مادة اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم، أن يتم إلغاء تدريس "الأيام" من المدارس بوصفه يضم انتقادات لمشايخ الأزهر!.

كل ما في الأمر أن طه حسين عرض في "الأيام" لمرحلة دراسته بالأزهر، قبل أن يلتحق ببعثة إلى "السوربون" في فرنسا، وما كان عليه التعليم الأزهري حينذاك من جمود وابتعاد عن والواقع وميل إلى النقل لا العقل، والحفظ لا النقد. والمثير للدهشة، أن الإمام محمد عبده حين صار شيخاً للأزهر، أحدث ثورة في التعليم الأزهري معترفاً بكل هذه السلبيات، وأن الأزهر في عصر شيخه الراحل العالم محمود شلتوت أحدث تغييراً جوهرياً في تعليمه فصار يستوعب كل علوم العصر كما تغيرت أساليب التدريس فيه تماماً (واكب شلتوت العهد الناصري...).

لكن الموجهين والخبراء في مديرية القاهرة التعليمية، سواء من ذوي الأصول التعليمية الأزهرية أو من غيرها!، رأوا أن العميد أساء إلى الأزهر عن قصد مبيّت، وأن ثلاثية "الأيام" يجب منع تدريسها فوراً، فيما اقترح آخرون تعديلها، وحذف الجزء الخاص بالأزهر منها، إلى أن وصلت الوزارة إلى قرار رهيب بمنع تدريس الأعمال الروائية في المدارس الثانوية، والاكتفاء بتدريس كتب النقد الأدبي، وحلّ كتاب "أمير الشعراء" أحمد شوقي للراحل العالم شوقي ضيف محلّ كتاب "الأيام" لطه حسين!.

ولا شك في أن ثمة رائحة أصولية متشددة واضحة وراء هذه "المصادرة" لكتاب "الأيام" الذي سيتم منع أجيال كاملة من الاستمتاع به والإفادة منه، تلك الرائحة التي لا تنفصل في شكلها وجوهرها عن حملة ضارية ـ وصلت إلى التكفير أحياناً ـ بحق طه حسين كانت قائمة وهو حي، وزادت ضراوتها بعد وفاته (1973)، ليصبح العميد غير متاح كالماء والهواء في كل حين، فيصبح متاحاً فقط حين يرضى المتشددون عن كتاباته. ومتى يرضون؟. إنهم لا يرضون عنها وعنه إلا قليلاً فهو عندهم "مطلوب حياً أو ميتاً"، والتعبير هنا للناقد الراحل علي شلش، قاله واصفاً خصوم طه حسين من الأصوليين والعلمانيين على السواء...!.

الشعر الجاهلي

في العام 1926، كانت المصادرة الأولى لطه حسين. في ذلك العام أصدر كتابه "في الشعر الجاهلي" ولم يكن الكتاب مجرد ورق مطبوع بالأحبار، بل يبدو أنه كان ناراً أشعلت الرأي العام كله، وجعلت مؤلفه ضحية لخناجر التكفير، وهي خناجر لم تكن مسلولة في ذلك الزمن.

والحق أن "في الشعر الجاهلي" لم يكن سوى كتاب أدبي نقدي، يقع في صلب تخصص طه حسين. أليس متخصصاً في الأدب العربي القديم وحائزاً عنه درجة الدكتوراه؟. جمع طه حسين في هذا الكتاب خلاصة آرائه في الشعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام، وهي آراء كونها بعد دراسة 30 عاماً ـ آنذاك ـ فضلاً عن اتجاهات استحسنها من بعض أساتذة من المستشرقين الأوروبيين دارسي الأدب العربي، وآراء أخرى استخلصها من كبار كتاب التراث القديم.

توصل العميد إلى نتائج خطرة حقاً.. فرمى الشعر الجاهلي بأنه "منحول" أي ليس أصيلاً، وإنما وضع بعد الإسلام، مستشهداً على ذلك الفرض بلغة هذا الشعر التي تختلف تماماً عن لغة أهل الجاهلية، ولم يطمئن طه حسين سوى لقليل من قصائد الجاهلية. لم يكن "العميد" ينفي هنا شيئاً أو يؤكده، وإنما كان يمارس أكبر حرية في النقد الأدبي العربي إلى الآن.. وافترض بنيّة حسنة أن المناخ الليبرالي الذي ساد البلاد بعد ثورة 1919 يسمح بمثل هذه التجربة، ولكن قامت قيامة مصر ولم تقعد!.

البرلمان ـ ومعظمه ينتمى لحزب "الوفد" الذي كان طه حسين عضواً فيه آنذاك ـ طلب بمنع الكتاب ومصادرته ومنع طه حسين من التدريس في الجامعة، بل طالب نواب "وفديون" بإغلاق الجامعة المصرية الوليدة، لمجرد أن طه حسين عميد كلية الآداب بها، وكذا لتوفير نفقاتها المتزايدة!.

وطالب "الأزهر" بمنع الكتاب واستتابة طه حسين... وانتهى الأمر بتحويل طه حسين إلى النيابة العمومية، وتحول كتاب "الشعر الجاهلي" إلى اتهام قضائي دامغ ضد مؤلفه، وتم التحقيق معه عدة مرات، وأوشك "العميد" أن يودع السجن بتهمة إثارة البلبلة وازدراء الأديان، لكن استنارة رئيس النيابة الذي باشر القضية دفعت عنه هذا المصير الأسود. كان محمد أفندي المصري رئيس النيابة هو السند الوحيد لطه حسين فيما تخلى عنه حزب "الوفد" أمل الليبرالية المصرية، وأطلق فيه مثقفو ذاك العصر ألسنتهم وأقلامهم بتهم تراوح بين تخطئته علمياً، وتصل إلى رميه بالزندقة!.

نجت رقبة طه حسين من كتاب "في الشعر الجاهلي" وكان الكتاب قرباناً لخروج مؤلفه من الدائرة الجهنمية. لكن الكتاب نفسه صودر، واضطر طه حسين ـ والهجوم عاتٍ على هذا النحو ـ إلى الاعتذار في صفحاته وسمح له بتنقيحه، وإعادة إصداره.. فأعاد إصداره في العام (1931) تحت عنوان "في الأدب الجاهلي"، وهو الكتاب المتداول إلى الآن في القاهرة، بطبعة "دار المعارف".

مستقبل الثقافة

قبل قيام ثورة تموز /يوليو 1952 بنحو العام، أصدر طه حسين كتاباً جريئاً بعنوان "مستقبل الثقافة في مصر" ناقش فيه قضايا تحديث التعليم المصري ومجانيته، ومسألة إنشاء وزارة للثقافة (لم تكن قد أنشئت بعد) وعدداً كبيراً من ملفات مصر المستقبلية، ووضع طه حسين توصيات متعددة في هذا الكتاب لكي تصبح مصر دولة متقدمة كما يراها..

ولعل أخطر ما في هذا الكتاب هو انتصار طه حسين لعلمانية القوانين المصرية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية وفصل الدين عن الدولة!.

وبصدور هذا الكتاب، غضب القصر الملكي من كاتبه، إذ كيف يتحدث صراحة عن مجانية التعليم ـ بكل مراحله ـ وعن تحديد سلطة الملك وتعظيم سلطة البرلمان والحكومة، وغضب الأزهر لحديثه عن علمانية مصر، وغضب بعض المثقفين المحافظين من توجه طه حسين في الكتاب نحو تحرر الثقافة المصرية وفتح كل الملفات المسكوت عنها!.

كان طه حسين ـ كما صرح بعد ذلك بسنوات ـ يراهن على مناخ جديد فجرته المقاومة الفدائية المصرية للاحتلال البريطاني في محافظات القناة، "السويس، الإسماعيلية، بورسعيد". ففي العام 1951 اشتعلت حرب عصابات منظمة ضد الاحتلال ليخرج من مصر بعد 70 عاماً، وفقد القصر قبضته على الصحافة، فانفجرت في وجهه ملفات الفساد تكشفها أقلام الصحافيين، ودبت الروح في "الوفد" الذي كانت الشيخوخة السياسية قد تسربت إلى أوصاله، وبدت البلاد على أعتاب فورة حريات شاملة.. لكن رهان طه حسين خاب هذه المرة أيضاً، وصودر "مستقبل الثقافة في مصر" إلى أن أعيدت طباعته بعد ذلك بسبع سنوات، وصار بمثابة ورقة عمل لوزارتي الثقافة والتعليم في المرحلة الناصرية.. وللمفكر والناقد محمود أمين العالم مقولة شهيرة في هذا السياق، قال فيها: طه حسين في كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" أكثر تقدماً منا الآن، نحن لم ننفذ بعد نصف ما أوصانا به، ولا نجرؤ على تنفيذه..!.

وحده طه حسين تعرّض للمصادرة من بين كبار رواد الثقافة المصرية في عصرها الليبرالي، وهكذا يظل السؤال معلقاً: لماذا هو بالذات...؟!

ترصد جماعي

أجمع المتشددون والعلمانيون على معاداة فكر طه حسين، أجمع وفديون وكذا موالون للقصر والاحتلال على خصومته...! والسبب ترصد هؤلاء جميعاً له.

فأما الأزهريون، فإنهم توارثوا عداءه منذ قرر عدم استكمال تعليمه بالأزهر، وتحول إلى التعلم في الجامعة الأهلية، ثم في فرنسا... وفي فرنسا استوعب الثقافة الفرنسية، ونظريات المستشرقين، ومزج الثقافة العربية بالفرنسية في تسامح شديد، وبعد أن عاد لم يكتف بأن كتب من هذه المنطلقات الجديدة ـ وهي كافية جداً ليكتسب عداءهم ـ بل ظل يكيل لنظام التعليم في الأزهر ـ آنذاك ـ الانتقادات الجوهرية اللاذعة، كما كان منطقياً أن يخاصمه كل أصحاب الأفكار الدينية المتشددة... وهو الذي ينادي بالعلمانية.

وأما العلمانيون، فكان من بينهم خصوم كثر، حسبك منهم المازني والعقاد، وخصومته مع العقاد التي دامت نحو 50 عاماً، كانت في الواقع خصومة بين نوعين من المثقفين المصريين آنذاك... نوع تعلم بشكل ذاتي وارتكن بالكلية إلى جهده الفردي في تثقيف نفسه، وراهن على الثقافة العربية وحدها، مع استعارة بعض ما يراه مناسباً من الأفكار والاتجاهات في الثقافة الغربية... وهو فريق يمثله بوضوح العقاد والمازني، وفريق ثان اصطدم بالثقافة الجامدة مثل طه حسين، وآثر أن يعمل عقله ويتفاعل مع الآخر تفاعلاً صريحاً، وأن يلعن كل عوامل الجمود غير مبال للنتائج، وكان الفريق الأول أعلى صوتاً.

المستقبل

الاحد 1 تموز 2007

لقاء مع الباحث الاجتماعي اللبناني الدكتور عاطف عطية

لقاء مع الباحث الاجتماعي اللبناني الدكتور عاطف عطية *

للعلماني أن يستمد أفكاراً من الدين كإنتاج إنساني, و الشيوعية الملحدة أضرت بالعلمانية

ملف "العلمانية في المشرق العربي"

التقاه خالد الاختيار

خاص – صفحات سورية –

· الدكتور عطية ما هي العين التي تحب أن يُنظر بها إلى العلمانية, و كيف ترى شروط تحققها في مجتمعنا اليوم؟

العلمانية بشكل عام مسألة معيارية, و المعيارية في العلمانية تعني أنها المثال, و التطبيق يتحدد صوابه من عدمه بمدى القرب أو البعد عن هذا المثال, و العلمانية في الحقيقة نمط حياة يعتبر أن الإنسان قادر على أن يحل مشاكله بنفسه على كل الصعد, و ليس بحاجة إلى أي قوة غيبية كانت أم غير غيبية كي توجهه في حياته على هذه الأرض, و فصل الدين عن الدولة مبدأ من مبادئ العلمانية, و ليس كل العلمانية, و لكن هذا لا يعني أنه لا يمكننا الاستفادة من الدين و من تجارب التاريخ الأخرى في هذا المجال.

من جهة أخرى عندما نجبر مجتمعا ما على اتباع العلمانية, تصبح عندها هذه العلمانية في جملة الأديان و المذاهب و الاثنيات و التقسيمات الأخرى الموجودة بكثافة في مجتمعاتنا, و بدل من أن تخفف من العبء الملقى على عاتق المجتمع تصبح هي بدورها عبئا إضافيا عليه.

و عندما يسعى العلمانيون إلى إلغاء الآخرين من أجل أن يسيطروا هم؛ تقع العلمانية في مطب الشمولية, مثلها في ذلك مثل أي أيديولوجيا في العالم, كالأيديولوجيا الشيوعية أو الفاشية أو اليمينية الدينية بشكل عام, لذا علينا أن نعي دائما أن العلمانية بطبيعتها منفتحة, و تسمح لكل الناس بأن يمارسوا حياتهم بالطريقة التي يرونها مناسبة ضمن إطار القانون.

و انطلاقا من أن لكل مجتمع من المجتمعات خصوصيته و ظروفه الخاصة التي تنبع من وضعه السياسي و الاجتماعي و الثقافي, فإن هذه الظروف تحتم على الفاعلين المجتمع أن يفتشوا عن الأولويات التي عليهم أن يشتغلوا عليها للوصول إلى ما يمكن أن يحقق طموحاتهم على مختلف المستويات, لهذا السبب عندما تتوتر العلاقات المجتمعية السياسية, و يكون هناك نوع من الانقسام على المستوى الاثني أو المذهبي, تصبح الأولوية لطرح مسالة العلمانية أولوية متأخرة و تتقدم عليها اعتبارات أخرى.

و برأيي أن العلمانية لا يمكن لها أن تحظى بالاهتمام اللازم إن كان على مستوى المجتمع أو على مستوى مؤسساته إلا عندما يكون هذا المجتمع مستقرا و يتمتع بنوع من الهدوء, نظرا لحاجة هذه القضية إلى معالجة هادئة كونها مسألة (مصنوعة), و نظرة بشرية إلى الإنسان و الله و المجتمع, و الآخر باعتباره مساويا لنا على كل المستويات, مثلها في ذلك مثل الديموقراطية, و هما أي العلمانية و الديموقراطية صنوان و من أساسيات الدولة و المجتمع الحديثين.

و إذا كانت دولة ما ترفض العلمانية, فهي إنما تفعل ذلك بغرض المحافظة على الشكل(!) الذي يحفظ وجودها, و على مؤسسات المجتمع في المقابل أن تضغط على هذه الدولة أو ذاك النظام لتطبيق المبادئ العلمانية و الديموقراطية.

أنا شخصيا لا أفهم كيف يمكن أن يصنف أحد الناس باعتبار مذاهبهم و طوائفهم, و ينسى أنهم ينتمون بداية إلى الإنسانية و يتمتعون بالمواطنة نفسها التي يتمتع بها.

لهذا لا يمكن مناقشة الموضوع العلماني و لا يمكن لأي كلام فيه أن يكون فاعلا ما لم يكن المجتمع مهيئا لهذا عمليا على مختلف المستويات, و علينا ألا نغفل هنا أيضا أهمية العامل الاقتصادي, فأي ثمرة ترجى من الحديث في هذا الموضوع إلى شخص مشغول بالحصول على رغيف الخبز, ففي هذه الحالة بالذات تكون العلمانية مجرد ترف فكري.

و في كل الأحوال يقع على عاتق الأحزاب و التنظيمات و المؤسسات الأخرى بشكل عام مسؤولية فهم مجتمعها بشكل صحيح و بالتالي وضع مسألة العلمانية ضمن أولويات تحركها السياسي و الاجتماعي.

· تقول في طرحك (أننا لسنا بحاجة إلى قوى غيبية), ألا ترى في هذا شيئا من الاستفزاز للمتدينين؟

تنظر العلمانية نظرة إنسانية راقية إلى الله باعتباره شأنا حضاريا, و شأنا يستحق أن يتوجه إليه الإنسان في خلوته و روحانيته, وهي نظرة تجل الله عن الدخول في المسائل السياسية التي نعتبر أنها مسائل ملوثة بالدوغما و البراغماتية و المصالح الشخصية و الفردية.

و كلنا يعلم اليوم ممارسات ما بعد الرأسمالية, و تلك الإمبراطورية التي تقودها الولايات المتحدة مجردة عن الروح الإنسانية, والروحانية بشكل عام, متوسلة الحروب من أجل أن تحافظ على استمراريتها الذاتية, لهذا السبب و غيره فإن تخلي الغرب عن روحانيته فيه تخل عن إنسانيته.

و نحن كعلمانيين في العالم العربي و العالم الإسلامي نعتز بإيماننا الروحي أيا كان ذلك الدين

الذي ننتمي إليه, و عندما نطالب بأن تنفصل السياسة عن الدين؛ فهذا ليس حطا من شأن الدين, بل على العكس, هو يدخل في باب تشريف الدين عن المسائل السياسية, إذ طالما استفادت السياسة من الدين, بيد أن الدين لم يستفد يوما من السياسة, و لنا في التاريخ شواهد على هذا منذ اجتماع (السقيفة) و حتى وقتنا الراهن.

غير أني لاحظت في هذا المؤتمر مسألة غاية في الأهمية, و هي أن العلمانيين لا يرون أنفسهم إلا في مقابل الدينيين, و أن الدينيين لا يرون أنفسهم إلا في مقابل العلمانيين!

لا يلتفت العلمانيون إلى ذواتهم و هواجسهم بشكل كاف من أجل أن يطوروها و يعملوا عليها, و بدلا عن ذلك تراهم ينطلقون في النظر إلى أنفسهم من موقع من ينظر إليهم من الدينيين, و الدينيون بدورهم يقومون بالشيء ذاته, دون أن يحاولوا فهم مشاكلهم الخاصة و تحليلها, و ينظرون إلى واقعهم بمنظار الآخرين الذي يمثل العلمانية سواء من داخل المجتمع الإسلامي و العربي أو من الخارج الأوروبي و الغربي بشكل عام, و لهذا السبب بالذات أنا لا أقول أننا لسنا بحاجة إلى الدين, الدين مسألة سامية, و بلادنا هي مهبط الديانات السماوية في العالم, و هذه المسألة هي مصدر غنى لنا.

لا بأس أبدا على الإنسان العلماني أن يستمد أفكاره من الدين, لكن بشرط استعمالها كإنتاج إنساني, فيسهل عليه في المستقبل أن يطورها و يغير فيها بما يتوافق و تطورات العصر, أما التعامل معها على أنها إنتاج إلهي فذلك سيجعلها عصية على التطور, باعتبارها لامتغيرا و ثابتا دينيا.

و أنا عندما أمارس سلطتي كدولة أو كمجتمع؛ فإنني أقوم بذلك من منطلق أنها سلطة إنسانية خاضعة للنقاش, والتعديل, والمعارضة, والتداول, و هي شروط أساسية في أي سلطة سليمة.

و هنا يحلو لي أن أضرب مثلا بدولة أوروبية هي فرنسا, و التي تعتبر من بين (أقسى) الدول علمانية إن صح التعبير, هذا إن لم تكن أقساها على الإطلاق, ومع هذا فأن ألحظ في فرنسا ذاتها أن كثيرا من قوانينها مستمدة من الدين, إنما تخضع في النهاية لغايات الإنسان, و تخضع لتطوير الإنسان, و يتم التعامل معها باعتبارها مصادر أخلاقية, و مصادر تشريع قيمية, لا أحكاما إلهية, نظرا إلى أن كل ما يتعامل معه الإنسان يصبح في المحصلة إنتاجا إنسانيا, و بالتالي قابلا للنقاش, و الأخذ منه و الرد عليه.

· ما الذي يجعل من العلمانية ضرورة مجتمعية راهنة, وفق ما يطرحه العلمانيون؟

لكل مجتمع سلطة تحكمه, وهي بطريقة ما قيـّمة على شؤونه, غير أن السلطة القائمة على مبدأ أيديولوجي عام عادة ما يفكر أصحابها أول ما يفكرون بالكيفية التي تضمن لهم استمرار سلطتهم.

وهنا يأتي دور القانون أو الدستور, ليحفظ مسألة تداول السلطة, وهنا يأتي كذلك دور الديموقراطية التي لا تسمح للسلطة أن تتأبد بيد أناس بعينهم, و انطلاقا من هذين العنصرين يحكم من هم في السلطة لفترة زمنية محددة, و بعد عدد من السنوات -يطول أو يقصر- ينتقل نظام الحكم و مؤسساته إلى أيد جديدة, وعليه فإن على المجتمع أن يدافع عن حقه في النظر إلى المستقبل بعين تغييرية دائما.

ذلك أن السلطة عندما تنطلق من فكرة أن وجودها على رأس الحكم هو قدر أبدي؛ فإن كل ما ستفعله سيكون مسخرا لتأمين هذه الاستمرارية, و على حساب اعتبارات أخرى مهمة.

فلزام على كل مجتمع إذا أن ينظر في المشاكل التي يعاني منها, وعندما تكون هذه المشاكل متأتية عن تعدد الطوائف والمذاهب و تنوع الفئات و الاثنيات فيه, فعلى المجتمع إذا السعي بطبيعة الحال للتفتيش عن نظام يتجاوز هذه المشاكل انطلاقا من وعيه بما يمكن أن تقود إليه من نتائج و عواقب.

و أنا لا أخفي اعتقادي بأن الحل لمشاكل أي مجتمع يمتلك تعدديات من هذا النوع؛ هو بأن يحتوي دستور هذا المجتمع و قانونه على مبادئ و آليات تتجاوز كل هذه الانتماءات الفرعية, بحيث تقوم السلطة بتنظيم مشاركة الجميع فيها على اختلاف هذه الانتماءات, شرط ألا يكون التشارك مبنيا على نوع توزيع الحصص و الغنائم على هذه الفئات, أو أن ينظر إليها باعتبارها و حدات اجتماعية, أو وحدة اهتمام بتعبير علم الاجتماع , بمعنى ألا يتم بأي شكل تكريس مبدأ تذويب الفرد في المجموعة التي ينتمي إليها.

و للأسف فإنّ جلّ ما قد نعرفه عن معظم المجموعات الموجودة بين ظهراني مجتمعاتنا؛ لا يعدو تعريف المجموعة الطائفية, و ليس كما ينبغي من مجموعات النقابات أو الأحزاب أو الجمعيات الأهلية أو أي نوع من المؤسسات التي يستطيع المواطن أن ينتمي إليها بالاختيار لا الوراثة.

وبهذا الاعتبار-أعني عندما يكون المجتمع منقسما إلى فئاته الاثنية و الطائفية وتكون حصص السلطة فيه موزعة على هذا الأساس- تمسي محاصصات النفوذ متغيرة تبعا لتغير مواقع الطوائف نفسها, و هو السائد في هكذا نوع من الأنظمة, وهو عمليا ما يحصل عندنا في لبنان.

فعندما تقوى طائفة لسبب ما على بقية الطوائف, لا تعود راضية بما هو موجود بين يديها من سلطة, فتسعى مباشرة لزيادة مكتسباتها, و بالتالي فان على أحد ما -طائفة أخرى من بقية الطوائف حتما- أن يتخلى عن جزء من حصته, و هذا ما لا يمكن أن يتم بسهولة, عندها نشهد بروز التوترات و التراشق بالغبن والظلم و سوء توزيع الوظائف, إلى آخر ما هنالك مما نرى و نسمع بين حين و آخر, و أمثال هذه الاحتجاجات تبدأ هكذا, و لا تنتهي إلا بالكوارث, وهذا كما نعلم ثابت في تاريخ لبنان منذ ما يربو على الـ(200) سنة, عاش فيها لبنان حالات حروب داخلية و أهلية أكثر مما عاش حالات استقرار, و هذا سبب كاف برأيي ليحرص الجميع على ألا يتعمم هذا النموذج على بقية البلدان العربية, إذ علينا ان نستفيد من التجربة اللبنانية من أجل نقل السلطة ككل, و ليس مجرد توزيعها بـ(العدل) على الطوائف, و هذه مسألة يتعين التعامل بها بحذر بالغ, وما يقلقني أكثر هو أنني سمعتها من بعض المتداخلين بين الحضور في هذا المؤتمر, بمعنى أنه عندما نرضي طائفة معينة بحصص أكثر في النظام عندها يمكننا أن نوفر استقرارا اكبر, ونحصل على تعاون اكبر مع هذه السلطة.

و هذا كما لا يخفى كلام على جانب كبير من الخطورة لأننا عندها سنكون قد وقعنا في المطب الذي وقع فيه النظام اللبناني من قبل منذ سنة 1920, وأنا أقترح في هذا المجال و بكل تواضع؛ أن يكون التعدد السياسي في سوريا هو البديل عن أي تعدد آخر, وهو وفق ما أراه تعدد لا يستقيم تحت مظلة النظام أو تحت مظلة الحزب الحاكم في سوريا, يجب أن يكون هناك استقلالية في العمل السياسي, و تنشيط الحركة السياسية في سوريا هو وحده الكفيل بأن يعدّل من موازين القوى و يجعل النظام في سوريا أكثر ديموقراطية و عدالة, فالتعدد الحزبي و السياسي في هذا البلد هو خشبة النجاة في المستقبل.

و أنا شخصيا سعدت في هذا المؤتمر على امتداد يومين و أنا أسمع المثقفين السوريين و هم يتحدثون و يتناقشون, و أعجبت بكون طروحاتهم مبنية على أساس الانتماء إلى الإنسان و الوطن, و الانتماء إلى الفكر الموضوعي لا الطائفي, و سررت جدا بالنـَفس العلماني الموجود في دمشق خاصة و سوريا عامة, بعد أن استمعت لآراء أشخاص أتوا من محافظات عديدة, و بمعرفتي بوجود أحزاب سورية تضع العلمانية في مقدمة أدبياتها, و ينتمي إلى عضويتها و يترأسها شخصيات من الطوائف الاسلامية.

هذا يعني أن العلمانية نجحت في الوصول إلى المسلمين, لأن العادة درجت على اعتبار الإسلام كما هو سائد في الأدبيات الاسلامية (دين و دنيا), و هناك من يصر أكثر على اعتباره (دينا و دولة), و وجود مسلمين كثيرين يؤمنون بالعلمانية كأحد عوامل الخلاص للمجتمع السوري يعد بادرة خير يستشف منها مستقبل مشرق للبلد.

· ما هي في رأيك آفاق (الاجتهادات) العلمانية في هذا الجزء من العالم اليوم إن جاز لنا التعبير, على التناظر مع الإصلاحي الديني المستجد و الذي هو عمليا تحت المجهر في الغالب الأعم؟

فيما يخصني شخصيا, أنا تكلمت في ورقتي التي ألقيتها في المؤتمر عن الاختلاف في المسألة العلمانية, وقمت في الوقت ذاته بالتطرق إلى الاختلاف في المسألة الاسلامية, و شهدنا جميعا تلك الجلسة الدسمة التي حضرها جمهور واسع, وقدمها الدكتور عزيز العظمة, و ما أعقبها من نقاشات دارت حول هذه الورقة, و وجدنا أن ما قاله العظمة يتناول الناحية المظلمة من التاريخ الإسلامي, في حين عرض الدكتور محمد حبش الجانب المضيء من هذا التاريخ, و المحاضرتان في النهاية تكملان بعضهما بعضا.

غير أنى لا أملك أن أدفع عن نفسي التساؤل عن السبب الذي يجعلنا دائما ننتظر وجود مرجعيات إسلامية منفتحة و متنورة بيننا من أجل أن نعيش في وئام داخل هذا المجتمع على مستوى العلاقات بين الطوائف أو بين مذاهب الطائفة الواحدة, و عما إذا كانت تتوافر لنا ضمانة من أي نوع كي يبقى هذا المستنير مستنيرا, و ألا يتحول بعد وفاته مثلا إلى مرجعية أخرى أشد قسوة و ظلامية على يد بعض من مريديه.

هذه إشكالية في المشترك بين الدين و السياسة, و هي زاوية خطيرة جدا, لأننا و بالطريقة نفسها التي نجد في السرد التاريخي أن أبا حنيفة كان من المنفتحين؛ نجد في الوقت ذاته أن ابن تيمية كان من المتشددين, و نحن نتكلم هنا عن الإسلام نفسه, لا بل عن المذهب السني ذاته, إذا يوجد دائما من هو متنور و من هو ظلامي, ضمن الفئة الواحدة حتى, و بالتالي فالإسلام مسألة معيارية, فيما التعاطي معه مسألة إنسانية, انفتاحا و انغلاقا, و لكل انعكاسه على المجتمع إن خيرا فخير و إن شرا فشر.

و الأمر ذاته ينسحب على مستوى الإسلام الشيعي, إذ ليس هناك إسلام شيعي واحد, فمن الشيعة من يؤمن بأن ولاية الفقيه توصل المجتمع إلى بر الأمان, و في حين يعتبر بعض آخر أن الإسلام الشيعي في الحقيقة مبني على فكرة ولاية الأمة على نفسها, كون المرجعية الشيعية (غائبة أو مغيبة), و أن على المسلمين أن يتدبروا معاشهم بالطريقة التي يرونها أنسب لذلك بانتظار عودة الغائب, و هاتان من جديد نظرتان مختلفتان في المذهب الواحد, و قس على هذا ما لدى الدروز من فقه و أسلوب تعاط مع المسائل الدنيوية.

إذا هناك إسلام متعدد , و من الطرف الآخر هناك علمانية متعددة, و ما نراه نحن على مستوى العلمانية المطبقة في العالم خير برهان على ذلك.

فالعلمانية الفرنسية التي سبق لي و أشرت إليها جاءت نتيجة مخاض طويل في علاقتها مع المجتمع الفرنسي, حيث ينظر الفرد هناك إلى أن كل شيء يجب أن يكون في خدمته, و ما استتبع هذه النظرة من انتقال الدولة من دولة الشرطي و القاضي؛ إلى دولة الرفاهية.

و العلمانية المطبقة في تلك البلاد لها موقف من الدين, فالراهبة مثلا لا يحق لها التعلم في جامعة فرنسية رسمية ما دامت ترتدي زي النسك و الرهبنة.

على أن هذه العلمانية تتعرض اليوم لنوع من المناقشة, و هناك احتجاجات في فرنسا ضد العلمانية الفرنسية بالصورة التي هي عليها الآن, و هو أمر يمكن ان يدفع بالسلطة الفرنسية إلى أن تعيد النظر في علمانيتها على نحو يجعلها أكثر (هدوء) من تلك التي لا تزال تطبقها حتى هذه اللحظة.

أما على مستوى تركيا , فيوجد لدينا هناك دولة مسلمة في حين أن نظامها السياسي ليس إسلاميا, بل على العكس, يملك الأتراك بدروهم نظاما علمانيا متشددا ضد الدين.

كذلك الأمر في الاتحاد السوفييتي السابق الذي طبق عمليا دينا جديدا هو (الشيوعية الملحدة), و التي أقفلت الكنائس و الجوامع و دفعت الناس إلى الصلاة سرا, و يمكن القول أن علمانية السوفييت تلك أضرت بالعلمانية بالمعيار الذي نقصده أكثر مما أضر بها أي دين من الأديان.

و إذا عدنا إلى العالم العربي نجد أن تونس مثلا دولة مسلمة كذلك , بيد أن نظامها علماني , إنما هي علمانية مطبقة سلطويا, و لما تدخل بعد إلى ثنايا المجتمع و نسيجه, لهذا السبب بالذات يعيش جزء كبير من المجتمع التونسي في واد, في حين تعيش سلطته العلمانية في واد آخر.

و نلحظ أن رد فعل المجتمع التونسي و خصوصا في طبقاته الفقيرة و الشعبية؛ كان اتباع طريق الاحتيال على النظام السياسي, فالتونسي يتزوج مرتين, غير أنه لا يسجل سوى واحدة من الزوجتين من دون أن يسجل الثانية, كون النظام العلماني يمنع على المسلم أن يتزوج أكثر من مرة واحدة, و قد ترتب على ذلك -كما يمكن لأي منا أن يحزر- مشاكل اجتماعية كبيرة , حيث أصبح للتونسي أولاد شرعيون و أولاد غير شرعيين, و نتج عن هذا الأمر عواقب جدية تحص مسألة تعليم هؤلاء الأطفال و تسجيلهم في المدارس و القيد المدني (النفوس), و قضية توريثهم, و ما إلى هنالك من مشاكل لا تنتهي.

في مصر -كبلد عربي آخر- لا يعتبر النظام فيها نظاما إسلاميا, و على الرغم من أن هذا النظام يأخذ من القانون الوضعي الكثير؛ غير أن الشريعة الاسلامية مصدر مهم لتشريعاته, و مع هذا كله لم تعدم مصر أناسا مصريين يوجدون بين ظهراني المجتمع, و يرفضون الجمهورية المصرية اليوم, و يعيشون منعزلين حالة (التكفير و الهجرة), لا يتزوجون إلا من بعضهم, و ينجبون دون أن يسجلوا أبناءهم في دوائر الدولة الرسمية, و ينظرون إلى باقي فئات مجتمعهم نظرة تأثيمية مكفّرة.

إذا في واقع الأمر نحن محكومون بأن علينا أن نقتنع في دواخلنا أولا بما نريد, و يجب أن نكون على يقين بأن هذا الاقتناع لا يأتي بالسليقة و لا بالوراثة.

الاقتناع يجب أن يكون مبنيا على دراسة, و على أساس معاينة المعاصر اليومي في هذا العالم من حولنا,

و عندما يترسخ الشعور لديك بأن جارك قد يكون أقرب إليك من أخيك البيولوجي البعيد على مستوى الحياة اليومية؛ عندها فقط تشعر بأهمية مصلحتك في الحياة بسلام و احترام مع ذلك الجار, بصرف النظر عن انتمائه الديني أو الطائفي أو الاثني, مدعما تلك القناعة بالتجربة, و مستفيدا من مساعدة الدولة في ترسيخ هذا المفهوم على مستوى التنشئة الاجتماعية و الوطنية و مناهج التربية, بل وحتى في إطار العائلة مع كل هذه الأدبيات الدينية التي تتحدث عن أهمية الجار و منزلته.

و مبدأ المصلحة الإنسانية هذا مسألة علمانية بامتياز, لهذا السبب يحاول الدينيون و الطائفيون دائما أن يخلقوا لأنفسهم مجتمعات مشتركة داخل فئاتهم, ويسعون لأن تكون المصالح التي تجمع بين المنتمين إلى طائفة واحدة و مذهب واحد دورة حيايتة مستمرة, بغرض أن يبقوا على هؤلاء الناس ضمن إطار السيطرة, و الرهان ضد هؤلاء مبني على كون المجتمع المدني المعاصر مجتمعا مفتوحا دائما على احتمالات أوسع فأوسع, مما يجعل من هؤلاء الناس الذين يراد عزلهم طائفيا على احتكاك ببعضهم الآخر من خارج مذاهبهم, متعايشين بشكل يومي, مدفوعين إلى تبادل الخبرات و المصالح بشكل يرسخ مسألة العلمانية تطبيقيا, إذ أن قضية الممارسة اليومية تهيئ الإنسان لأن يفهم العلمانية لاحقا على المستوى النظري و الفكري و دائما بما يناسبه هو.

فالعلمانية في العموم فكر نخبوي, غير أنه لا ينبغي لها أن تبقى في إطار النخبة, و على النخبويين أن ينزلوا من أبراجهم و يشتركوا مع الناس في الهم اليومي من خلال جمعيات أو مؤسسات شعبية تهتم بالشأن العام في المدن و القرى و المناطق المختلفة.

العلمانية تفرض على كل أن يتحمل نتيجة أفعاله و تصرفاته, لأن مؤسسة الدولة ستحاسبه في النهاية وفق القانون, و هنا و على هذه الأرض, إذ من غير المقبول أن ينتظر المرء لاسترجاع حقه مآلا أخرويا بعيدا, و ذلك الأمر بالذات شأن آخر منوط بالإنسان و ما يعبد, و هو شأن فردي محض, أما هنا فالدولة هي صاحبة القول الفصل, و الدليل على ذلك أنه في كل الأديان لا يمكن لأي إنسان أن يتوسط أو يشفع لشخص آخر للتخفيف مما جنت يداه, إذ (لا تزر وازرة وزر أخرى) في الإسلام, و في المسيحية يحاسب المسيحي باعتباره فردا واحدا لا من ضمن جماعة أو عائلة, فالعلاقة الدينية في هذا المعنى هي علاقة فردية, و أما الشأن الدنيوي فعلاقة (اجتماعية) لكل حق و على كل واجب.

و أنا في واقع الحال فوجئت بمدى الإقبال على الندوات في المؤتمر, وأعطاني هذا مزيدا من الأمل بشأن مستقبل العلمانية في بلاد الشام و لبنان, و إن كانت في لبنان تعيش حالة من الانحسار نتيجة الاصطفاف الطائفي و المذهبي و التوتر السياسي الموجود, لكني وجدت أن العلمانية في سوريا بخير, و أرجو لها ظروفا مؤاتية اكثر, سواء على مستوى النظام السياسي أو الأحزاب الموجودة.

فالتوجه الحثيث و الواعي للعلمانية في سوريا يمكن أن يوصلها إلى أماكن أكثر تطورا, و قد لفتني العنصر النسائي أثناء المشاركات و بخاصة المحجبات منهن, كذلك الإسلاميون الذين كانوا حاضرين, و قد فاجئني موقفهم عندما طرح أحدهم -وهو صاحب موقع في السلطة السياسية في سوريا- أنه مع فصل الدين عن الدولة, فهذه مسألة هامة جدا ومتقدمة بالنسبة لي, و هذا دليل أنه ثمة قواسم يمكن أن تجمع بين الإسلاميين المتنورين في سوريا و بين العلمانيين, وهي نقطة مشتركة يمكن أن توصل إلى نقاط مشتركة أخرى.

لقد طرحت ضمن مداخلتي أنه قد يكون هناك حاليا نوع من التحالف بين السلطة الدينية و السياسية, و إن كان ذلك مؤقتا, و ضمن إطار الحدود التي تحفظ لكل منهما مجاله, بحيث يحصل نوع من تبادل الخدمات و المنافع, و هو أمر يمكن أن يستمر طالما ظل واضحا و محددا, إلى أن يصل الوقت المناسب الذي يصار فيه إلى الفصل بينهما, فتحتفظ السلطة الدينية بقيادتها على المستوى الأخلاقي و القيمي, و تواصل الدولة قيادتها للمناحي السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية في البلد.

أنا أعتقد أن سوريا مهيأة لأن تلعب هذا الدور في المستقبل القريب, و أن يكون هناك نوع من الوضوح في الحدود بين السلطتين الدينية و السياسية, تمهد لاستقلال السياسي عن الديني.

و هذه الأجواء المنفتحة تشجع على استمرار الحوار في هذا الإطار, وصولا في المستقبل إلى أن يعيش السوريون بكل انتماءاتهم معا علمانية منظورة و مأمولة.

التقاه خالد الاختيار

godo.checkpoint@gmail.com

______________________________________

* عاطف عطية: أستاذ جامعي وباحث لبناني, يحمل دكتوراه دولة في علم الاجتماع

عضو الجمعية العربية لعلم الاجتماع

مدير معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، الفرع الثالث

له مؤلفات عديدة في سوسيولوجيا المعرفة والسياسة والدين، منها: (المجتمع، الدين والتقاليد), (الصحافة بين الدين والسياسة), (الدولة المؤجلة، دراسة في معوقات نشوء الدولة والمجتمع المدني في لبنان), (في الاجتماع اللبناني، جدلية الوحدة والتعدد) و غيرها.

إنتصار آخر لـ»الإسلام» على يد ميليشيات «حماس» هذه المرة

إنتصار آخر لـ»الإسلام» على يد ميليشيات «حماس» هذه المرة

دلال البزري

حفلات «الانتصار» ما زالت عامرة في ديارنا. الآن دور غزة. تحدث خالد مشعل من دمشق عن «إنتصار الاسلام» فيها... بالسحل والسحق والذبح وبرمي البني آدميين من مرتفعات الابنية وبالاعتداء على المسيحيين المتبقين وعلى كنيستهم. تحقّقت هواجس «الانتصارات» السابقة من ان الانتخابات التشريعية والبلدية في بلاد العرب ليست سوى طريق اللاديموقراطيين المتسلّطين... الى السلطة بصفتهم «المعارضة» الأقوى الآن. وهذا مثل المانيا الصناعية القوية ذات التقاليد المؤسساتية، التي أوصلت الى السلطة وبالانتخابات هتلر والنازية. فما بالك بعالم عربي منفلت أمنيا، فاشل ومنهار و...، وقد هبطت عليه «الاجندة» الاميركية بالغزو والعدوان وبديموقراطية أشبه بوجباتها السريعة: جاهزة، معلّبة، مضِرّة، سطحية، محدودة بفعل الاقتراع وحده دون غيره من أنشطة الدمقْرطة ومجالاتها. انها «أجندة» الفوضى والتخبّط والحسابات الخاطئة... وهكذا وجدت الميليشيات الاصولية المسحلة ضالتها: انتخابات؟ فلتكن انتخابات طالما ان «الجماهير» صارت، بفعل الجهد وطبيعة الحقبة... معنا. نلعبها دستورية ونستولي على ما تبقى من سلطة. نجسّد سلطتنا الشعبية. فـ»الجماهير» ايضا وجدت ضالتها في هذا النوع من الاسلام؛ مشحونة بطاقة الموت الانتحاري المحتّم؛ تسبقه لذة الوعد بجنّات تجري من تحتها الانهار...

مسؤولية المجتمع جسيمة؛ الظلم والقهر وانعدام السُبُل؟ هذه جميعا لم تعد مبررا كافيا لارتكاب الحماقات والوقوع في الأفخاخ القاتلة... ثم بعد وقوع الواقعة، الصراخ العالي بالمؤامرة. المجتمع مشبع بالكراهية كيفما ولّى. الاصولية المسلحة، تسليحا واقعيا ام محتملا، ليست هي وحدها التي افرغت عقله وروحه وجعلت احد زعمائه يعلن ان «الاسلام انتصر» في واقعة الذبح العلني (وقد صورها «تلفزيون القدس»، التابع لـ»حماس»، إمعانا في الغلبة). بل «الدولة» ايضا، او بالاحرى السلطة التي تناصبها العداء، مسؤولة عن تنامي هذه الاصولية. سلطةٌ استعاضت عن شرعيتها المفقودة منذ عقود بتمثيلية «اسلامية» ايضا تديرها بتخبط الذين لا يريدونها دينية ولا يريدونها مدنية، بحيث اصبح المجتمع نفسه يتفوّق على نفسه بفوضاه الاصولية. ما عليك سوى تمرير نظر سريع اليه: التسليم التام لخطباء الكراهية ولفتاوى الركاكة الدينية وحتى للمفارقات السياسية الفاقعة. خذ عزة مثلا: بأي منطق يوصل الشعب الفلسطيني نفسه والذي أيدت غالبيته حلا للصراع يقوم على دولتين متسالمتين متجاورتين، الى البرلمان اوائل 2006 غالبية من «حماس» التي ترفض وجود اسرائيل، بل تدعو الى تحرير فلسطين «من البحر الى النهر»؟ سوف يقال طبعا ان الاعتداءات الاسرائيلية الدائمة وتخاذل «فتح» وفسادها وتسلّطها مسؤولة... وهذه عوامل بالتأكيد كانت حاسمة. لكن ما الذي ساهم بذيوعها ونموها؟ أليس المئة قتيل اسرائيلي بعمليات انتحارية تزيد البطش بطشاً؟ عمليات نهلل ونكبر على أساس انها «مقاومة»؟

«حماس» التي تتذرع باسرائيل والسلطة هي نفسها من رسم ملامحهما. «معارضة» لن تفضي الا الى ما افضت اليه... ثم بعد ذلك تلعب «حماس» لعبة التعجب (؟) من مقاطعة اوروبا واميركا، ومن قطع المعونات... كأنها لا تعلم بأن الشر الاسرائيلي سوف يتعاظم، ليصبح مطلقاً في حال شُهر في وجه اسرائيل شعار محوها عن الخريطة! هل كانت «حماس» مثلا تتصور بميثاقها الداعي الى هذا المحو ان اسرائيل سوف ترد عليها بالورود؟

ماذا تريد «حماس» حقا؟ خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي يقول من دمشق ان «الاسلام انتصر» في واقعة غزة الانقلابية الدموية. اما زعيمها الآخر، المقيم في غزة، اسماعيل هنية، فيؤكد ان «ما حصل في غزة اخطاء فردية متفرقة لأن احدا لم يكن قادرا على السيطرة على المشاعر... ونحن نرفض الاعتداء على القانون والمؤسسات». لاحظ عبارة «الاخطاء الفردية المتفرقة»، وكان اسمها ايام عزّ ياسر عرفات في بيروت المتحاربة بين ميليشياتها المختلفة، «العناصر غير المنضبطة». العدّة اياها: توزيع الادوار، تمرير من تحت الطاولة، ابداء الاستعداد للتعامل مع المؤسسات الديموقراطية والتلاعب بها وبالصفات الدستورية... بل الاستعداد للتعامل مع العدو «فقط لتسيير الأمور الحياتية التي تخدم المواطن الغزاوي» من كهرباء وماء. ثم استمرار القتال. الى ان تبلغ الوحشية ذروة اخرى... فمفاوضات فممانعة فقتال... تسهيلا لحياة تروستات السلاح الدولية. كل هذا جربته المنطقة مع تسميات مختلفة، وكان مآله ما هو أمام اعيننا الآن من اضمحلال للدولة والقانون والأمن والمؤسسات. وهذه ليست تهمة، بل قالها محمود الزهار، القيادي في «حماس» لمجلة «دير شبيغل» الالمانية. فهو يؤكد في مقابلة معه ان «حماس» تريد «طبعا تأسيس دولة اسلامية»، ولكن «بدعم كامل من الشعب». اي بعد التغلب عليه عقلا وروحاً. وهو يعترف بأن «حماس» لن تستطيع تأسيس دولة اسلامية حاليا لأننا ما دمنا، نحن الفلسطينيين، لا نملك دولة، فسنحاول بناء مجتمع اسلامي». اي لا دولة، بل سلطة أمر واقع على الارض، مؤسساتها «منها وفيها»، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتحول المسيحيين الثلاثة آلاف المتبقّين الى مكسر عصا او رهينة... وتتعرض بالطبع للإعتداءات والمقاطعة، فيموت مليونها والنصف مليونا قهرا واحباطا وجوعا... وتصاب عقولهم بالمزيد من الجفاف. لكن الاهم من كل ذلك ان «إنتصار الاسلام» في غزة الشقية أوقعها في شِرك «الساحة»؛ وقد سبقها اليه لبنان في «إنتصار تاريخي واستراتيجي» لـ»حزب الله» الصيف الماضي. جبهة جديدة إشتعلت وجه اميركا واسرائيل، تقودها ايران وتعينها سورية... وكل واحدة من هذه الساحات صارت قادرة على ردّ شيء من الهجوم الاميركي على ايران... كما يتبارى المسؤولون الايرانيون بالتلويح به في وجه اميركا واسرائيل.

كل الذين غطّوا «إنتصار الاسلام» في غزة مؤخراً لاحظوا صلابة واندفاع مقاتلي «حماس» مقابل رخاوة مسلحي «فتح» وتلاشي ارادتهم. واستنتج بعضهم ان هذه الهوة كانت القاضية على «فتح»، وسبباً من اسباب «إنتصار حماس». لِمَ؟ لأن خصومها يفتقرون الى المعاني: سلطة اصبحت قديمة، تعييناتها ابدية، تمريناتها مكرّرة... والآن ما من شيء يقنع أنفارها بجدوى حمايتها «حتى الموت» سوى راتب شهري لا يسدّ رمقاً...

الانقلاب الميليشيوي الاصولي في غزة اشعل الخلاف بين نواب الحزب الحاكم المصري ومعارضته الاخوانية المؤيدة لـ»حماس». صورة ميليشيات الازهر في العام الماضي اعادها نواب الحكومة الى الاذهان. وسجال حاد وصراخ لنواب «الاخوان المسلمين» الذين وجدوا في تأييد الحكومة لـ»فتح» ثغرة اخرى في حجج النظام المتهالكة.

والسؤال الذي بات لا يحيد اليوم: انت مع «حماس» او مع «فتح»؟ اي انت مع الحكومة او المعارضة؟ هل هذا «خيار» بالاصل، ذاك الذي يخيّرنا بين استمرار الامور على ما هي عليه من تدهور وبين تسليم السلطة الى الذين يزيدونها تدهوراً؟ هل نحن مضطرون فعلا الى الاختيار بين السيء والأسوأ؟

الحياة

01/07/07