رفعت الأسد يحاول الهروب من قبضة العدالة الدولية

٢٠٠٥-٠٥-٣٠

رفعت الأسد يحاول الهروب من قبضة العدالة الدولية

بهية ماردين

إيلاف

اعتبر حزب الاصلاح السوري المعارض ، ومقره الولايات المتحدة الاميركية ، ان اعلان رفعت الاسد نائب الرئيس السوري السابق عن قراره بالعودة الى دمشق ما هو إلا محاولة للهروب من قبضة العدالة الدولية ، وان عودة رفعت كما وصفها رئيس حزب الاصلاح "هي عودة لرمز الرعب والارهاب في سورية ". وقال علي الحاج حسين الناطق الرسمي باسم حزب الإصلاح السوري في بيان ، تلقت ايلاف نسخة منه ، انه من خلال "محاولة يائسة ..للحفاظ على عرش السلطة.."، "بدأ التسويق لعودة الذئب بثياب حمل ، لكنّ الشعب السوري لم ينسَ بعد من هو رفعت الاسد، وهو يقف له بالمرصاد ليثأر لأرواح الآلاف من أبنائه الذين ذهيوا ضحية بطشه وغدره".

واكد البيان ان إعلان رفعت الاسد عن قراره بالعودة إلى سورية اليوم، ما هو إلا محاولة للهروب من قبضة العدالة الدولية بعد أن عرف ما يقوم به حزب الإصلاح لجلبه إلى العدالة. واكد حزب الإصلاح للشعب في سورية، أن رفعت الأسد لا يحظى بأي دعم أميركي ولا أوروبي ولا عربي ولا سوري، لا بل على العكس من ذلك تماماً، إن عودته سوف تكون وبالاً على سورية في الداخل ومن الخارج. واعتبر البيان ان مااسماه بالحركات البهلوانية التي يقوم بها رفعت الاسد ليست إلا محاولة يائسة للإنقاذ ، منوها الى إن نفي رفعت ضلوعه في مجازر حماة وتدمر هو إهانة لذاكرة الشعب السوري الذي لا زال الكثيرون من أبنائه مصممين على لبس ثياب الحداد إلى أن يتم الاقتصاص، وراى البيان ان الشعب السوري أذكى من أن يصدق بأن الهارب من العدالة يمكن أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى داعية للحرية والديموقراطية. وفي تعليق على ما اعلنه رفعت الاسد حول عودته ومواقفه الاخيرة ، قال فريد الغادري رئيس حزب الإصلاح: "إن اعلان قدوم رمز الرعب والإرهاب في سورية يحتم علينا جميعاً الوحدة والتعاضد وتأجيل كافة الخلافات لندفع الضرر عن سورية والسوريين"، وأضاف "ان إعلان رفعت هذا، سيوحد صفوف المعارضة في الوطن وخارجه ..."

واعتبر البيان إن ما يثير القلق في الوضع هو نجاح النظام في خلق معارضة مزيفة لا يستخدمها فقط للطعن في المعارضين الشرفاء داخل البلد وخارجه، إنما للتغلغل بين صفوفهم ، واعلن البيان ان حزب الإصلاح السوري يراقب عن كثب ما يحدث لسورية والسوريين ويتابع المؤامرة التي يحيكها النظام لقطع كل أمل لشعبنا في الوصول إلى طموحاته ، مشيرا الى ان هذه المؤامرة التي تتبلور اليوم فيما يدعونه بـ "المؤتمر الوطني" ليست إلا خدعة ،واكد البيان ان حزب الاصلاح يعمل لإطلاق سراح جميع المعتقلين ولحماية الشعب السوري و لكشف خطوط المؤامرة ومنع المتآمرين من الوصول إلى غايتهم في استمرار نظام النهب والظلم ، مناشدا الشعب السوري للوقوف صفاً واحداً في وجه المؤامرات على طريق الحرية والديموقراطية.

بيانات إدانة!

بيانات إدانة!

رأي أخبار الشرق

تتكاثر البيانات والتصريحات التي تدين حملة الاعتقالات التي تنفذها السلطات السورية بحق الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وهذا قد يزعج السلطات التي تتصدى للمهام الجسام التي تتمثل في الضغوط الخارجية والهجمة "الإمبريالية" الجديدة التي تتحالف مع الصهيونية العالمية لإسقاط النظام التقدمي في سورية لأنه يشكل العقبة الأخيرة أمام المشروع الصهيوني!

المهم أن هذه "الإدانات" تشغل السلطات عن مهامها الأساسية، وبالتالي كان لزاماً على أصحاب البيانات أن يبحثوا عن طرق أخرى تحقق الأهداف التي يسعون إليها، دون أن يتعبوا أصحاب السلطة بمتابعة ما يشنر هنا وهناك، بل عليهم أن يروا ما يجري على الأرض. وهذا لا يبدو ممكناً في ظل تكرار ردة الفعل ذاتها إزاء "السياسات" الرسمية تجاه أصحاب الرأي المخالف في البلاد.

المؤكد أن الإدانة والاستنكار على طريقة الأنظمة العربية لم تعد مجدية، ويقيناً إن هناك من يفرح ويضحك "في عبه" (كما يقول العامة) عندما يقرأ أو يسمع كلمات الإدانة "الشديدة"، لأنه بات يعتقد أن هذا أقصى ما يمكن فعله، بغض النظر عن اشتداد وتيرة القمع أو ثباتها. بالطبع هناك ما يبرر موقفاً كهذا من جانب مطلقي الإدانات، لكن ليس من المنطقي أن يتم النظر إلى هذا على أنه الشيء الوحيد الممكن فعله، مع الأخذ بعين الاعتبار الواقع على الأرض، حيث يُجرم المرء على الكلمة وليس على الفعل فقط، فهذه معيقات دون شك.

ودون أن يصل الأمر إلى حد التحريض، يمكن القول إن "الخروج عن النص" بات ضرورياً في هذه المرحلة، مع التركيز على عدم الابتعاد عن الهدف أو التقاعس عنه .. توقف القمع أولاً ثم التوجه نحو الديمقراطية ثانياً والقضاء على الفساد والفاسدين، تلك هي الأهداف الأساسية التي يعتقد بها الكثيرون الآن.

ودون شك، فإن تجاوز الخطوط الحمر في ظل النظام القائم في سورية له نتائج معروفة، والأمثلة التي تكررت كثيراً باتت معروفة، لكن من الضروري ألا يبدو المحتجون كمن يريد أن يسجل موقفاً دون أن يتجاوز ذلك الخطوط التقليدية، أو على الأقل يبتعد عن العموميات، أو الحرص الذي ينقلت إلى انكفاء ويفسر على أنه ضعف تذهب معه جهود التغيير أدراج الرياح أو تدفع السلطة للاعتقاد بأنها غير مضطرة "للتنازل" أمام "خصم" غير قادر على انتزاع الحقوق.

إن تخفيف حدة الإدانة هو الحل، لأن الإدانات باتت مثاراً للسخرية والاستهزاء، بل هي تريح السلطة و"تتبروز" بها أمام الزائرين الأجانب، للتدليل على وجود هامش لحرية التعبير والنقد! وفي المقابل، فإن الشرح الدقيق والمفصل لأعمال القمع والتنكيل والكبت والاستبداد هو أكبر خدمة يمكن أن تقدم للمجتمع السوري، فما زال الكثيرون من العرب يصدقون ما يروج الحاكمون في دمشق، من الوقوف في وجه المشروع الصهيوني و"ممانعة" المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ومواجهة الضغوط الأمريكية التي تستهدف وجود الأمة وثوابتها!! وكأن هذا (إن صح) يبرر الظلم والقمع واستمرار الحكم الديكتاتوري!!

جـــــــمــهــــوريـــة الـخــــوف الـســـــوريــــة الآن أيـضـــاً

جـــــــمــهــــوريـــة الـخــــوف الـســـــوريــــة الآن أيـضـــاً

نشرت صحيفة "الثورة" السورية لائحة تضم 67 حالة لم يعد مطلوباً فيها الحصول على موافقة أمنية مسبقة. هنا قراءة في آلية عمل الأجهزة الأمنية داخل جمهورية الخوف السورية في ضوء تفاصيل هذه اللائحة.

خلال سنوات القمع الأسود التي سادت سوريا في فترة الثمانينات من القرن المنصرم، راجت بين المواطنين "نكتة" هي غاية في التعبير عن حال الخوف التي سيطرت، ولا تزال، على الناس نتيجة استباحة المجتمع وتجريده من كل البنى والمؤسسات التي تمكنه من مقاومة تعسف الدولة وتسلط أجهزتها الأمنية. تروي هذه النكتة قصة أب صعد في رفقة ولده الصغير إلى إحدى حافلات النقل العام، وعندما شاهد الابن صورة القائد معلقةً فوق رؤوس الركاب بادر ببراءة الأطفال إلى سؤال والده بصوت عال وهو يشير إلى الصورة وسط الزحام: "بابا مو هاد هوي الشخص الذي تنتقدانه، أنت وماما، كل مساء؟"، فما كان من الأب إلى أن حمل طفله عالياً متوجهاً إلى بقية الركاب بالسؤال: "لمين هادا الطفل يا شباب؟".

هذه النكتة رغم هزليتها، أو بسبب منها، تكشف عن هول المأساة التي كان يعيشها المواطن السوري (ولا يزال)، وتدل على مدى استبطان الناس لهذه الحال من الخوف المعمم التي زرعت في قلوبهم وعقولهم، بحيث بات المواطن مجرداً من كل إمكان، ذاتي أو جماعي، للدفاع عن كينونته كإنسان له شخصية مستقلة ورأي حر في مواجهة هذه الآلة الجهنمية للقمع والتسلط التي اسمها المخابرات. بل إن هذا الإنسان حرم في أحيان كثيرة كل إمكان للدفاع عن وجوده الفيزيولوجي والجسدي أمام جبروت هذه الآلة التي أريد لها أن تكون كلية القدرة في مواجهة مجتمع ممنوع عليه أن يدرك ذاته وينظّم نفسه خارج الأطر السلطوية والأمنية.

حال الخوف المعمم التي عاشها المجتمع السوري ولا يزال، لا تعني أن المواطن الفرد بات محكوماً بالعيش في حال من الرعب الدائم والمستمر الذي ترتجف له الشفاه وترتعد بسببه المفاصل، لكنها تعني أن كل إنسان بات يعيش وهو يحمل في داخله الشعور الخفي بأنه لم يعد في مأمن على نفسه وأولاده وأرزاقه في مواجهة شمولية القمع، بل واعتباطيته في أحيان كثيرة.

تأكيد استمرار حال الخوف المعمم التي يعيشها المجتمع السوري في حاضره الراهن، لا يعني بتاتاً التعامي عن التغيرات التي طرأت في السنوات الأخيرة لجهة تقنين آليات العنف والقمع المتربصة بالمجتمع. عدا أن هذه التغيرات الانفراجية تعود في منبعها إلى انتفاء الأسباب التي أدت في الماضي الى إطلاق العنف السلطوي من عقاله. فبعد تجربة الثمانيات والتسعينات من القرن المنصرم، وصلنا إلى حال انتفت فيها الحاجة الى أن تطاول القبضة الأمنية الناس جميعاً حتى يدركوا أنها حاضرة وجاهزة لأن تنال منهم أفراداً وجماعات إن هم خرجوا على طاعتها. وصلنا اليوم إلى حال صار كافياً فيها التلويح بالقبضة الأمنية ليدرك الجميع أنها لا تزال موجودة. وما عمليات الاعتقال والإحالة على محاكم أمن الدولة التي تجري من حين الى آخر، إلا نوع من أنواع التلويح بالقبضة الأمنية لتذكير الجميع بأن هذه القبضة حاضرة وقادرة على الضرب خارج كل نوع من أنواع الرقابة القانونية أو القضائية المستقلة والنزيهة.

اليوم، إذ ترتفع من جديد الأصوات الاحتجاجية للمنشقين والمعارضين، وإذ تلوح بعض عوامل التراخي والتآكل في جدران القلعة الأمنية، وإذ تتصدر المطالب الديموقراطية لائحة الأجندات الداخلية والخارجية، فإن حال الخوف المعمم لا تزال قائمة وقادرة على إبقاء السياسة بعيداً عن دائرة الاهتمام المباشر للمواطن السوري. فآثار تجربة الثمانيات وجروحها لا يمكن تجاوزها بسهولة، والمجتمع غير قادر وغير راغب بالمخاطرة من جديد بأبنائه إذا لم يكن هناك بوادر ضوء في نهاية النفق.

شبكة العنكبوت

في الرسالة الشهيرة التي وجهها الرئيس لاحقاً والمسرحي المنشق آنذاك (العام 1975) فاتسلاف هافل إلى الأمين العام للحزب الشيوعي التشيكوسولوفاكي غوستاف هوساك (صدرت الترجمة العربية في بيروت عن "دار الجديد" في العام 1990) وصف المثقف التشيكي عمل شرطة الدولة في بلاده، المكافئ للمخابرات في بلادنا، بالعبارات الآتية:

"لقد نسجت هذه العنكبوت المرعبة حول المجتمع نسيجة خفية. وهي أشبه بأنبوب اختبار عظيم تتضافر فيه وتتداخل كل الأسلاك التي يتمشى فيها الخوف. إنها الحجة، التي لا تُردّ، على بطلان كل مسعى يبذله الموطنون لمقاومة السلطة. وعلى هذا: فإن الناس وإن كانوا في معظمهم لا يرون نسيجة العنكبوت هذه بأم العين ولا يلمسونها لمس اليد فلست ترى منهم من لا يعلم يقيناً بأنها قائمة فيحتسب في كل حين ومكان حساب حضورها الصامت ويسلك على نحو يجنبه أعينها وآذانها المتوارية".

هذه العنكبوت المرعبة وشبكتها الخفية في الحال السورية، تكشفت بعض استطالاتها في الآونة الأخيرة بعدما نشرت صحيفة "الثورة" السورية الرسمية بتاريخ 10\5\2005 على صدر صفحتها الأولى خبراً تزف فيه إلى المواطنين قراراً بإلغاء الموافقة الأمنية المسبقة في شأن 67 حالة أوردت فيها قائمة تفصيلية. وإذا كانت الصحيفة الرسمية لم تورد الجهة التي صدر عنها هذا القرار فإن مواقع الأخبار السورية على الأنترنت أشارت إلى أن القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم هي التي تقف وراءه. وبدلا من أن يعم الترحيب بهذه الخطوة، غلب على معظم المقالات والتعليقات التي ظهرت في المواقع السورية على شبكة الأنترنت حال من الذهول والتشكيك. أما الذهول فمرده الى المدى الذي وصلت إليه الأجهزة الأمنية بتدخلها في تفاصيل الحياة الإنسانية للمواطن العادي، وأما التشكيك فمرده الى الطريقة التي نشر فيها الخبر وتجربة الماضي المريرة التي تدل على أن لا شيء يمنع هذه الأجهزة من أن تعاود التدخل في شؤون المواطنين، في غياب أي إطار تشريعي وقانوني يضبط عملها، وفي ظل استحالة تقديم أي من أعضاء هذه الأجهزة الأمنية إلى القضاء العادي في حال ارتكاب تجاوزات وجرائم في حق المواطنين العاديين.

سنحاول في السطور اللاحقة سرد بعض من تفاصيل الحالات الواردة في قائمة الـ 67، لتبيان المدى الذي وصلته استطالات هذه العنكبوت المرعبة، ومقدار التطويع الذي مورس في حق المجتمع السوري. ويجب أن لا يغيب عن ذهن القارئ الكريم أن ما سيرد ذكره هو فقط الحالات التي لم تعد تحتاج إلى موافقة أمنية، في حين أن الحالات التي لا تزال تحتاج إلى الموافقة أمنية، لم يعلن عنها وظلت طي الكتمان. ومن يدري فربما يكون "المخفي أعظم" !

في العودة إلى قائمة الحالات التي لم تعد تستدعي الحصول على موافقات أمنية، نجد أنها تكاد تغطي كل تفاصيل الأنشطة الثقافية والاقتصادية وحتى العائلية التي يمكن أن يمارسها أي مواطن خلال حياته العادية، من التثبيت الوظيفي أو التعاقد لدى جميع جهات القطاع العام إلى تثبيت أعضاء مجالس ادارة الجمعيات مروراً بالموافقة على تأسيس الجمعيات ووصولاً إلى تعيين المخاتير. وفي مجال التعليم الجامعي هناك الموافقة على قبول الطلاب في الجامعات والمعاهد مروراً بإيفادهم إلى الخارج لمتابعة تحصيلهم العلمي وصولا إلى الموافقة على قبول الطلاب الفلسطينيين غير المسجلين في عداد اللاجئين في سوريا في الجامعات السورية والسماح لهم عند تخرجهم بسحب وثائق التخرج. أي أنه كان من الممكن في السابق أن يتخرج الطالب الفلسطيني من الجامعة السورية ولا ينال وثيقة تخرجه لأن الموافقة الأمنية لم تأت!

أما الرعايا العرب والأجانب فهم كانوا في حاجة لموافقة أمنية ليس فقط للمرور عبر الأراضي السورية في اتجاه بلد آخر أو لمنحهم اجازات سوق عامة أو لفتح المطاعم والمحال والمعامل ولكن أيضا لمزاولة مهن الطب والصيدلة والتدريس (عدم الإشارة إلى المهن الأخرى ربما يعني أنها لا تزال في حاجة لموافقة أمنية). واشترك الرعايا العرب والأجانب مع المواطنين السوريين في ضرورة أن يحصلوا على موافقة الأمن لنقل أثاث منازلهم إلى خارج القطر! كذلك فإن جثمان المتوفى حاله كحال الأثاث المنزلي وإن كان في الاتجاه المعاكس، فهو في حاجة لموافقة أمنية إذا أراد ذووه نقله عبر سوريا الى بلد آخر أو إدخاله إلى سوريا لدفنه فيها!

القائمة تشمل كذلك الموافقة على إقامة المعارض الفنية والندوات والأعراس الجماعية والأسواق التجارية، كما أنها في ملف الحج والعمرة تنطوي على الترخيص للمكاتب السياحية التي تعنى بشؤون الحج مروراً بتشكيل أمناء الأفواج للحجاج في المحافظات وصولاً إلى تجميع جزارين وعمال وسائقين للحج والعمرة. وفي مجال منح التراخيص للمحال التجارية تطول القائمة لتصل إلى حدود العبثية، فمن تراخيص المكاتب العقارية ومكاتب الشحن وتعقيب المعاملات والسياحة وتأجير السيارات وأستوديوهات التصوير إلى تراخيص محال النوفوتيه والعصرونية والبقالة والمشروبات الروحية والغاز والحلاقة وألعاب الفيديو ومحال بيع الهواتف الخليوية والفيديو والسي دي وصولاً إلى أفران الخبز وأفران الصفيحة والمعجنات. كما تشمل القائمة تراخيص الفنادق والمقاهي والمطاعم والمسابح ومحطات الوقود وصالات الأفراح والبلياردو والبينغ بونغ والسيرك. كما أن مهن جليسة أطفال أو المصور الجوال أو تعيين مراقب خط السير موجودة هي الأخرى في القائمة العتيدة!!

السجن الكبير

إن المطالعة المتأنية لتفاصيل هذه القائمة، وإن كانت تنقلنا لبرهة إلى العالم الروائي لجورج أوريل وروايته الشهيرة، "1984"، فإنها في المقلب الآخر تشير إلى الكيفية التي استطاعت فيها الهيكلية البيروقراطية - الأمنية مدى سنوات طويلة أن تمسك بخناق المجتمع السوري وتتغلغل في بناه وتزرع الخوف بين أبنائه. لقد تم تحويل سوريا إلى سجن كبير يعشش فيه الخوف والرعب والمصير المجهول.

وفي وجه هذه القدرة اللامحدودة على الضبط الاجتماعي والسياسي، تولد اقتناع لدى غالبية المواطنين بانعدام الأمان وبالعجز عن الوقوف في وجه تعسف الدولة وتسلط أجهزتها الأمنية. وولدت حال من الإستكانة لدى عامة الناس ترضى بكفاف العيش وتجاهد لتأمينه. حال تبتعد عن السياسة ومشكلاتها، تهجر الشأن العام وشجونه، وتلتفت إلى الشأن الخاص وهمومه.

وإذا كانت قلة قليلة من المثقفين والمنشقين والمعتقلين السياسيين السابقين لم تنفك ترفع الصوت عالياً شحذاً للهمم ومطالبة بالتغيير الديموقراطي وبعودة دولة العدل والقانون، فإن صوتها، وإن بقي إلى اليوم من دون صدى لدى عموم الناس، فإن هذا الصوت هو ضمير سوريا المغيَّب ولسان حالها الذي لا يخنق مهما جار عليه الدهر وتجبّر.

محمد علي الأتاسي

ملحق النهار الثقافي

أقـــبـــضـــوا عــلـى الـمـــثـــقـــفــــيـــن

أقـــبـــضـــوا عــلـى الـمـــثـــقـــفــــيـــن

أمامنا حدثان أساسيان، واحد لبناني وآخر سوري. الأول يتمثل في الانتخابات النيابية ودور المثقفين فيها، والثاني يتمثل في قمع منتدى جمال الأتاسي واعتقال بعض المثقفين السوريين.

الحدثان مختلفان لكنهما يلتقيان حول نقطة واحدة: مسؤولية المثقف ودوره في صناعة الكينونة غير القطيعية للذات والمجتمع، وفي اختراع الدروب وشقّها لتكون دروباً نحو الحرية والديموقراطية والعلمانية.

أمام السلطات، ليس للمثقف سوى أن يضطلع بمسؤوليته الجوهرية وأن يمارس دوره غير القابل للمساومة. وهذا يعني في ظل السلطات الغاشمة، إما أن يتمكن المثقف من تغيير المعادلات المستتبة وإما أن يجبر السلطات على القبض عليه.

السلطات الغاشمة لن تقبل بالتغيير طوعاً. هذا يناقض طبيعة السلطات وآليات عملها وخصوصاً في الأنظمة الديكتاتورية.

المثقف إذاً، مدعوّ الى حمل السلطات الغاشمة على الانصياع لآليات التغيير، بالانتخاب أو بوسائل الضغط الديموقراطي المنظم. هنا في لبنان، وهناك في سوريا على مقربة. وكلانا، على قول الشاعر، كلانا في الهمّ شرق .

الفنان، يقول سارتر، شخص مشتبه فيه. كائناً من يكن يستطيع أن يستجوبه، أن يوقفه، وأن يجره الى المحاكم. أقواله، أعماله، كلها وجميعها يمكن أن تُستخدَم ضده.

بدل الفنان تحديداً أقول المثقف، وأقصد أهل الرأي وخصوصاً منهم أصحاب المواقف الطليعية والخلاقة، الجريئة الصريحة والحرة.

الاستشهاد بقول لجان بول سارتر، هو على خلاف معناه الظاهري التحذيري ، دعوة شخصية مني الى المثقف، كل مثقف، لبنانياً أكان أم سورياً أم مجهول الهوية، دعوة غير قابلة للتفاوض والمجاملة ومراعاة الظروف الموضوعية ، تطلب منه بتحريض كامل أن يكون شخصاً مشتبهاً فيه في نظر السلطات الغاشمة، كل السلطات الغاشمة، وفي كل مكان. الآن خصوصاً.

شرف المثقف في هذا المعنى، وفي كل معنى، أن يكون موضع شبهة، وأن يكون ملاحَقاً، ومطارَداً، وأقلوياً، وهامشياً، لأن دوره يتمثل في أن يكون عضواً معلوماً وواضحاً و مرئياً ومسموعاً، بل في أن يكون مزعجاً ومزلزلاً، وأن يخالف السائد والمستتب، بحثاً عن التغيير وصوناً له حين ينوجد ويُعرَف.

هذه هي مهمة المثقفف: أن يكون. أن يكون فحسب.

كينونة المثقف هذه تتجسد أكثر ما تتجسد في التعبير عن الرأي الأصعب والأخطر والأقل شعبية ، وخصوصاً في اللحظة التي لا يكون أحدٌ فيها مستعداً للاستماع الى رأي أو قادراً على الاعتراف به. فكيف حين يكون هذا الرأي مختلفاً ومخالفاً وعكس التيار!

الاختلاف والمخالفة ليسا مطلوبين في ذاتهما. إنهما ما يجعل الإنسان، المثقف خصوصاً، شيئاً أكثر من مجرد كونه حادثاً عرضياً في الكون (أندره مالرو). شيئاً ما يمكّنه من أن يكون أكثر من مجرد رقم وعدد وإضافة في هذا القطيع الكوني المتراص.

وهذا أكثر ما نحتاجه الآن نحن اللبنانيين والسوريين والعرب. أقول الآن لأن اللحظة الوطنية التي نعيشها هي لحظة كينونة. وأيضاً هي لحظة اختلاف ومخالفة. وبقدر ما نكون قادرين على إحداث الشروخ النوعية داخل الكينونة القطيعية الجماعية، نكون نتخطى مجرد كوننا حادثاً عرضياً (أو غلطة أو أصطداماً) في الكون .

وهذا يتطلب من المثقف، إذ يختلف ويخالف، أن يخترع كينونته، لا أن يتلقاها أو يرثها. الثقافة لا يمكن أن تورَث. تُكتسَب فحسب. وهي تُكتسَب بعرق الجهاد و الاختراع . أي بأن يخترع المثقف طريقه (هذا القول هو أيضاً لسارتر)، وأن يمشي هذا الطريق. على أن يخترعه ويمشيه برأس مرفوع وبهامة عالية، وأن يكون أنوفاً (لا متعالياً) من أجل ان يستنشق قيم الهواء العالي وجموح الحرية.

هنا في لبنان، نحن الآن أمام امتحان كبير: امتحان ان نكون وأن نصير أشخاصاً مشتبهاً فينا على الصعيد الوطني. وهذا هو مشتهانا وطموحنا. أي أن نخترع طريقنا ضد السلطات الغاشمة، وأن نختاره بأنفسنا، وأن نمشيه بإباء، وتمايز، باختلاف ومخالفة، وعلى طريقة النهر العاصي.

وأن نفعل هذا وغيره بالعزم الذي لا يخشى التهميش والتنكيل.

الانسجام حين يندرج في القطيعية، يكون عملية قتل واستئصال هادئة وطويلة الأمد للمثقف والثقافة. بل وللحياة أيضاًً.

لهذا السبب ربما، أضاف سارتر على معنى اختراع الطريق واختياره، أن يتمكن الإنسان مطلقاً وفي كل الظروف من أن يختار حياته بالذات، وأن ويخترعها، لا أن يكتفي باختراع طريقه واختياره فحسب.

وهما اختراع واختيار يجب أن يتجسدا كل يوم. وهذا هو شرط المصير الإنساني مطلقاً.

هذا الاختراع الدائم، اختراع الإنسان الدائم لنفسه ولحياته ولطريقه، هو ما يجعله يُحدث كوة ضوئية في دهليز المصير البشري المعتم. هذه الكوة وحدها تخلخل الكينونة القطيعية وتفتح أثلاماً وشروخاً داخل المستتب الفردي والكوني.

الحياة إذاً، حياتنا بالذات، هي التي يجب أن تُختار وتُخترَع.

المثقف الخلاّق والحر، المخالف والمختلف، المزعج والمثير لشغب القلق، هو الذي يخترع لنا الحياة ويقترح الدروب ويشقّها. إنه كينونة واختراع، وهذان لا يكونان إلا بإحداث الشروخ داخل الذات الفردية. بل وأيضاً داخل الكينونة القطيعية، السياسية والمجتمعية.

الآن، في لبنان وسوريا، المثقف مدعوّ أكثر من كل وقت مضى الى أن يكون ذاته والى أن يخترعها ويشقّ الدروب إليها وأمامها.

المثقف مدعوّ، على غرار الضحايا، الى أن يتمرد على جلاّديه. إذ ليس أكره من الضحايا الذين يحترمون جلاّديهم (سارتر).

هذا التمرد لا يكون مثمراً إلاّ بطلب الحرية الكاملة، وإن يكن ذلك يتطلب من المثقف أن يغامر بتحدي السجن الصغير الكبير: أن يغامر بالخروج من السجن... وإن بالدخول إليه من أجل تحطيمه.

عقل العويط

ملحق النهار الثقافي

حول الموقف من الأكراد السوريين

حول الموقف من الأكراد السوريين:
تناغم سلبي بين السلطة والمعارضة
وموقف إيجابي جديد من 'الأخوان'

النهار

حمل البيان الاخير لجماعة "الاخوان المسلمين" حول القضية الكردية في سوريا الكثير من النقاط الايجابية. وإن دل على شيء فانما يدل على بدء الحراك السياسي لدى الجماعة بعد حقبة طويلة من الجمود الايديولوجي والسياسي.

ان المواقف السابقة لجماعة الاخوان ابعدتها جدا عن صفوف الشعب واعطتها بعدا شموليا كالاحزاب الشيوعية والاشتراكية القومية، فقد كانت ترفض الحوار والمساومة على مواقفها وسياستها، مما اوصلها الى حالة نستطيع ان نسميها "الغرور" ادت الى شعورها بالتفوق وامتلاكها الحقيقة المطلقة فكانت احد اسباب الصراع المسلح مع السلطة خلال حقبة الثمانينات، فكان التمزيق والتشتت والنفي.

كذلك كانت عودة الاخوان الى الحياة السياسية بعد خطاب قسم الرئيس بشار غير موفقة، بعد تحالفهم مع الاحزاب القومية والاشتراكية واليسارية، وهي احزاب لم تعد تملك الشارع السوري الآن لتخلف فكرها وجموده وبعدها عن مؤشر الزمن، فهي ما زالت متقوقعة في عهد الشعارات الناصرية والايديولوجية السوفياتية، فلم يستطع احد قادة الشيوعيين بعد خروجه من سجنه الطويل ان يتقبل الاكراد كقوة قاهرة وكبيرة في المعارضة السورية الضعيفة المشتتة الفاقدة حراكها الداخلي، فكان ان بدرت منه تصريحات عن الاكراد لا تليق بتاريخه النضالي.

وجاء "ميثاق الشرف الوطني" كمبادرة من الاخوان المسلمين للم شمل المعارضة وجعلها قاعدة للتحالف مع القوى الاخرى، فطلبوا من الاكراد المشاركة وتناسوا اعطائهم حقهم من الميثاق الذي تجاهل الوضع الكردي ومر عليه مرور الكرام فأعرض الاكراد عن التوقيع عليه وتحفظوا عنه.

لقد اراد الاخوان تمرير مشروع بناء سوريا دون مواقف واضحة وصريحة تجاه الوضع الكردي، مما اثار الشك والريبة في نيات الاخوان عبر ميثاقهم الذي كان شبيها بميثاق الجبهة للوصول الى السلطة دون تقديم ضمانات حقيقية حول مسائل الاقليات الاثنية والدينية والديموقراطية وتداول السلطة وغيرها كثير من الامور والقضايا التي كان ينبغي نقاشها ووضع حلول واضحة وصريحة لها.

وجاءت هبّة آذار 2004 التي انطلقت من قامشلو مرورا بالحسكة وعامودة وتربيه سبي وسري كانيه ودمشق وكوباني وحلب وصولا لعفرين لتشمل الوطن السوري من شرقه لغربه ومن شماله لجنوبه لترسي معادلات جديدة على الساحة السورية بعد ان اثبت الاكراد تكاتفهم وثقلهم الجغرافي والتنظيمي وقدرتهم على التحرك الجماعي للدفاع عن وجودهم وكرامتهم.

لقد شعر المعارضون السوريون وحتى النظام السوري بقوة الورقة الكردية في الداخل مما دفع اعلى رأس في السلطة الرئيس بشار الاسد الى الاعتراف بالوجود القومي الكردي الاصيل في سوريا بعد عقود من النفي ومحاولات الصهر القومي على يد مختلف الانظمة، بل وبادر باصدار عفو شامل عن معتقلي هبة آذار وان كان لم يطبق هذا القرار بالكامل ولم ينتج عن اعترافه بالقومية الكردية اي نتائج لالغاء القوانين العنصرية.

اما على صعيد المعارضة فبدا ان هناك تنسيقا جيدا بين الاكراد ومنظمات المجتمع المدني في تنظيم الاعتصامات واصدار بيانات الادانة لاعتقال المعارضين السوريين واختطافهم. اما قوى المعارضة الاخرى (الاخوان، الناصريون، الشيوعيون واليساريون) فيبدو ان العلاقة معهم لم تتعد الحوارات والنقاشات الجانبية التي لم تصل الى حد التنسيق والتوافق فما زال الكثير من قوى المعارضة يتتبع مواقف الحكومة في القضايا الخارجية مثل السلام مع اسرائيل، والموقف من اسقاط النظام العراقي بيد المعارضة العراقية (بمساعدة اميركية ودولية).

وفي الملفات الداخلية نجد التناقض الكامل مع السلطة في مختلف سياساتها (والسبب هو الصراع على السلطة) الا في الملف الكردي حيث كنا نجد تناغما كاملا بين المعارضة والسلطة في رفض الاعتراف بالوجود والخصوصية الكردية في سوريا. لقد اثار هذا الموقف السلبي للمعارضة امتعاض غالبية الشعب الكردي منها، بل خلق حالة من الريبة والشك في نياتها تجاه الاكراد وخصوصا بعد مقارنتها بوضع اكراد العراق مع مختلف الحكومات الانقلابية التي تسلمت السلطة في العراق.

وجاء البيان الاخير لجماعة الاخوان ليعلن عن توجه جديد للتنظيم الذي لطالما كان يرفض خصوصية الشعب الكردي باعتبار ان الاسلام هو بوتقة الصهر الشامل للشعوب الاسلامية.

الاعتراف الاخير للاخوان بالخصوصية الكردية والحقوق الثقافية والمطالبة بانهاء اجراءات التمييز العنصرية واعادة الجنسية للمواطنين الذين سحبت منهم والتعويض عليهم واطلاق سراح المعتقلين السياسيين هو خطوة جيدة نحو الامام ونحو بدء التنسيق السياسي بين القوى الكردية وجماعة الاخوان لتنظيم سلسلة من الاجراءات السلمية لزيادة الضغط على النظام لمنح المزيد من الفضاء السياسي لتحرك قوى المعارضة في الداخل بشكل ديموقراطي.

وتبقى بعض الملاحظات على البيان الاخير للجماعة من حيث عدم تسمية الحزام العربي بشكل واضح. هذا المصطلح الذي اطلقه البعثي الشوفيني محمد طلب هلال وطبقته قيادة البعث بحذافيره (التهجير القسري ونزع الجنسية وبناء المستوطنات وتسليح الميليشيات ومصادرة الاراضي وتوزيعها على المستوطنين).

كما تهرب البيان من الاعتراف بالحقوق السياسية للاكراد (تشكيل الاحزاب والمشاركة في السلطة والاعتراف الدستوري بالوجود الكردي) واكتفى بالتفضل على الاكراد بالحقوق الثقافية فقط! واخيرا هل عدم افتتاح البيان السابق بالبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) وعدم انهائه بجملتهم المعتادة (الله اكبر ولله الحمد) يحمل اي مغاز لعناصر التنظيم بتكتيكية البيان او عدم شرعيته الدينية؟

وما سبب عدم نشر البيان في موقعهم الخاص بعد مرور ايام عليه؟

انها تساؤلات لا تلغي ايجابية البيان الاخواني الاخير عن القضية الكردية في سوريا.

الموضوع الكردي في سوريا

رؤية "الأخوان المسلمين"

للموضوع الكردي في سوريا

لقد عاش الشعب السوري منذ نشأته موحداً، بكل مكوناته العرقية والدينية والمذهبية. ووقف بكل فئاته ضد محاولات التفرقة، وفي مواجهة الاحتلال والاستعمار. وقد سجّل التاريخ للاخوة الاكراد أروع البطولات في الدفاع عن الارض والمقدسات، واصبح البطل العظيم صلاح الدين، ملكاً لتاريخ الامة كلها.

الا أن الاوضاع الشاذة القائمة في سوريا منذ أكثر من اربعة عقود، والسياسات العنصرية الاقصائية التي استأثرت بالوطن أفرزت حزمة من المشكلات الوطنية، وعمل الظلم في دائرتيه العامة والخاصة على تفتيت وحدة المجتمع، وايجاد أزمات بينية بين مكوناته؛ انسانية وحضارية وسياسية وطائفية وعرقية وتنموية...

وقد اصاب الاشقاء الاكراد في السياق الوطني العام، ما أصاب إخوانهم من أبناء الشعب السوري، من إقصاء وقهر وظلم وتهميش... في ظل قانون الطوارئ والاحكام العرفية، وسياسات القهر والتسلّط والاستبداد، كما كان لهم بحكم خصوصية انتمائهم العرقي نصيبهم من الظلم الذي طاول وجودهم وانتماءهم، واشعرهم بالغربة في وطنهم، وبين أهليهم، وألقى في نفوسهم الشك والريبة تجاه شركائهم في العقيدة والوطن والتاريخ...

وبين الفعل الظالم، وردود الفعل هنا وهناك... تتقدم جماعة "الاخوان المسلمين" في سوريا، برؤيتها للقضية الكردية، من منظار وطني يتجاوز "ضيق اللحظة" بما فيه من ألم واحتقان، الى "رحابة المستقبل" وما نتطلّع اليه من عدل وحرية وأمان... وفي هذا السياق تنوّه جماعة الاخوان المسلمين في سوريا، ان من بين أبنائها الكثير من إخوتنا الاكراد، يشغلون مواقعهم في صفوف الجماعة، من قاعدة الهرم التنظيمي الى قمته، في حالة من التآلف يُرتجى لها أن تكون الانموذج للعلاقة الوطنية في الغد المأمول.

إن جماعة الاخوان المسلمين في سوريا، انطلاقاً من مبدأ "المواطنة" الذي يجمع كل ابناء الشعب السوري تحت خيمة واحدة، تساوي بينهم في الحقوق والواجبات، وفي فرص المشاركة في بناء مؤسسات الوطن المختلفة، والدفاع عنه، وتقرير شؤونه... وفق ما ورد في الميثاق الوطني، ومشروعها السياسي لسوريا المستقبل، لتؤكد على ما يأتي:

- المواطنون الاكراد مكوّن أصيل من مكونات الشعب السوري، يعيشون على أرضهم التاريخية، تضرب جذورهم في أعماق الارض والتاريخ والحضارة، نشأوا على ارض هذا الوطن، وانتموا اليها، وأخلصوا لها، ودافعوا عنها، وامتزجوا بانسانها وترابها، وشاركوا في صنع حضارتها وامجادها. فكيف يكون غريباً عن ارض الشام من قاد ملحمة تحريرها من الغزاة الصليبيين، وصنع للامة مفخرة عزّها في حطين، وطهّر الاقصى من رجس المعتدين؟

- كان الاكراد على مر التاريخ عنصراً ايجابياً فاعلاً، يعزّز اللحمة الوطنية، وينبذ الفرقة، ولم يُعرف عنهم في تاريخهم الطويل أنهم كانوا جسراً للغزاة، او معبراً لارادات خارجية، بل كانوا دائماً المؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة...

- إن انتماء الاكراد للامة الاسلامية، يعزّز انتماءهم الوطني، فلقد صهرهم الاسلام الذي تدين به الغالبية العظمى من الشعب الكردي، في الكيان الجمعي للأمة، فاندمجوا فيها، وتحملوا العبء في الاوقات الصعبة، فقادوا وأبدعوا. وستظل هذه الوشيجة الجامعة، الاساس الذي يربط الاكراد بأمتهم وبشعوبها. مؤكدين أن هذا الاندماج والارتباط لا ينبغي أن يكون مدخلاً للبغي، او ذريعة للتجاوز على الحقوق.

- في دولة "المواطنة" القائمة على التعاقدية والتعددية والمؤسسية والتداولية التي تعتبرها جماعتنا هدفها للغد الوطني المأمول، يحتفظ المواطن الكردي كغيره من ابناء الوطن، بسهمه الوطني الوافر في لامشاركة في القرار والسلطة والثروة الوطنية. وإن الحوار البنّاء، والتعايش الاخوي بين كل مكونات المجتمع السوري، هو المدخل السديد الى الوحدة الوطنية، وبناء سوريا المستقبل.

- تدعو جماعتنا الى فتح قنوات الحوار مع الاشقاء المواطنين الاكراد، من خلال كل القوى الممثلة لهم، على الصعيدين الرسمي والشعبي، وتأخذ زمام المبادرة بهذا البيان، لاطلاق آفاق هذا الحوار وتعميقه.

- تدين جماعتنا كل السياسات العنصرية التي مورست ضد الاخوة الاكراد وتمارس، تحت اي مسمّى، وتعتبر ردود الفعل المختلفة التي قامت في وجهها، انما تندرج في اطار الحراك الوطني العام، ضد الظلم والتسلّط والاستبداد، وتطالب برفع الظلم الذي لحق بالمواطنين الاكراد، وتؤكد تضامنها معهم في المطالبة بحقوقهم المشروعة الآتية:

1- التوقف فوراً عن ممارسة سياسات التمييز العنصرية بحق المواطنين الاكراد، وإبطال كل الاجراءات التمييزية الناشئة عنها.

2- إنهاء معاناة مئات الآلاف من المواطنين الاكراد الذين حُرموا من حق الجنسية، او جُردوا منها، وذلك باعادة هذا الحق اليهم، ومعالجة الآثار الناجمة عن حرمانهم منه.

3- الاعتراف بالخصوصية الكردية والحقوق الثقافية للاخوة المواطنين الاكراد، بكل أبعادها الحضارية، والثقافية، والاجتماعية... في اطار وحدة الوطن وتماسكه، وبحق التعبير عن هذه الخصوصية، لابراز ملامحها ومآثرها التي هي مآثر للأمة والوطن أجمع.

4- التعويض على المتضررين من السياسات والاجراءات العنصرية على كل الصعد، وبالطريقة التي تعيد للمواطن الكردي ثقته بذاته وبمكانته في وطنه، وبشركائه في هذا الوطن.

5- اطلاق سراح جميع المعتقلين والموقوفين على خلفية احداث الثاني عشر من آذار 2004 وتداعياتها، او أي خلفيات فكرية او سياسية... والغاء الاحكام الجائرة الصادرة بحقهم.

إن جماعة الاخوان المسلمين في سوريا، ومن متابعتها للمشهد الكردي على الساحة الوطنية بكل أبعاده، تنبّه الى ضرورة التمييز بين النظام السوري وسياساته وممارساته من جهة، والمجتمع السوري من جهة اخرى، وكذلك بين العرب كحامل موضوعي لرسالة الاسلام وشركاء في الوطن من جهة، والنزعة العنصرية التي مورست ولا تزال تمارس باسم العرب والعروبة من جهة أخرى، وتدعو الى صوغ موقف كردي متوازن، يكون وفياً لانتماء الاكراد بكل أبعاده الوطنية والقومية والدينية، معبراً عن ضمير الشعب الكردي، باعتباره مكوناً أصيلاً من مكونات الوطن والأمة.

"جماعة الاخوان المسلمين في سوريا"

لندن في 17 أيار 2005

اعتقال الكاتب السوري حبيب صالح بسبب مقالاته الأخيرة

اعتقال الكاتب السوري حبيب صالح بسبب مقالاته الأخيرة

المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير



علمت المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير أن المخابرات العسكرية السورية أقدمت عصر اليوم على اعتقال الكاتب السوري حبيب صالح بسبب مقالاته التي نشرها مؤخرا على موقعي " الحوار المتمدن " و " شفاف الشرق الأوسط " . ونقلت مصادر خاصة مقربة من أسرة الكاتب لمندوب المنظمة في سورية قولها " إن دورية تابعة لفرع المخابرات العسكرية في مدينة طرطوس الساحلية ، التي يقطنها الكاتب ، اعتقلت عند الساعة الرابعة عصر اليوم بتوقيت سورية ( الثالثة بتوقيت باريس) حبيب صالح من مكتبه " . وعلمت المنظمة من مصدر خاص في دمشق أن " أمر الاعتقال صدر صباح اليوم عن رئيس شعبة المخابرات العسكرية ، ومن المرجح أن يتم نقل الكاتب إلى فرع التحقيق العسكري ( الفرع 248 ) التابع للجهاز الأمني المذكور مساء اليوم أو صباح غد " . وأضاف المصدر " إن السبب يعود إلى المقالات اللاذعة التي نشرها حبيب صالح مؤخرا في مواقع ( الحوار المتمدن) و ( شفاف الشرق الأوسط ) و ( الرأي ) التابع لحزب الشعب الديمقرطي السوري ، والتي كانت في صيغة رسائل مفتوحة موجهة إلى المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث المرتقب انعقاده في السادس من الشهر القادم " . وبذلك ينضم جهاز المخابرات العسكرية إلى حملة الاعتقالات المسعورة التي نفذتها شعبة الأمن السياسي ضد الكتاب والمثقفين والصحفين ونشطاء المجتمع المدني خلال الأسابيع الأخيرة ، والتي طالت كافة أعضاء الهيئة الإدارية لمنتدى الأتاسي . وكان ملاحظا أن المخابرات العسكرية قد قلصت ، ولو بشكل نسبي ، حضورها خلال السنوات الأخيرة في حملات الاعتقال والقمع والمطاردة التي ينفذها النظام السوري ضد الكتاب والصحفيين نشطاء المجتمع المدني السوريين المطالبين بالديمقراطية والحريات العامة ، في الوقت الذي لعبت الشعبة السياسية الدور الأساسي في معظم عمليات الاعتقال منذ الهجوم المعاكس الذي شنته السلطة ضد ما بات يعرف بـ " ربيع دمشق " . ويأتي تجديد انضمام المخابرات العسكرية إلى حملات القمع المسعورة ليؤكد أن عمليات الاعتقال التي تشهدها سورية هي وليدة قرار مركزي صادر عن أعلى قيادة سياسية في البلاد ( رئاسة الجمهورية ) ، وليس وليدا لـ " نزوة " جهاز أمني معين دون غيره من الأجهزة . كما ويأتي في اليوم ( الأحد) الذي كان من المتوقع أن يطلق فيه سراح معتقلي مندتى الأتاسي ، طبقا للأكاذيب سربها النظام السوري وبعض " امتداداته الشبحية " داخل المعارضة السورية في دمشق . وكانت هذه " الامتدادات " قد حاولت خلال الأيام الماضية ، عبر بعض المقالات أو التصريحات ، الإيحاء بأن اللواء محمد منصورة رئيس الشعبة السياسية هو من يقف وراء عمليات القمع الأخيرة . وذلك في محاولة مفضوحة لتبرئة رئيس الجمهورية ، وما يسمى بـ " الجناح الإصلاحي" المزعوم ، من المسؤولية عن الموجة الجديدة من الإرهاب الذي يتعرض له الكتاب والصحفيون ونشطاء المجتمع المدني وغيرهم من المواطنين السوريين !
سيكون من نافل القول ، وربما من البلادة بمكان ، تجديد إدانتنا للقمع الذي عاد وانفلت مؤخرا في سورية . فمن الواضح أن بيانات الشجب والإدانة والاستنكار لم تعد تكفي ، ولم يعد من ورائها أي طائل في ظل نظام يستمرئ القمع ويتلذذ به كأي مريض سادي النزعة . وبات من المحتم والواجب على الحركة الديمقراطية في سورية أن تدق الأبواب الدولية بحثا عن الحماية . هذا ولو أن انفلات القمع خلال الأسابيع الأخيرة لا يمكن بأي حال من الأحوال عزله عن المعطيات التي تؤكد وجود غطاء أميركي وأوربي متواطئ مع النظام السوري بعد انسحاب هذا الأخير من لبنان !
يشار إلى أن الكاتب حبيب صالح كان أحد معتقلي " ربيع دمشق " العشرة ، حيث حكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات من قبل محكمة أمن الدولة شبه العسكرية . كما أنه ، وباعتباره مخلصا جمركيا من حيث مهنته التي يعتاش منها مع أفراد أسرته، أحد ضحايا عمليات التشبيح والقرصنة والبلطجة التي مارستها في وقت من الأوقات شركة الساحل للتخليص الجمركي التي يملكها جميل الأسد وورثته ضد العشرات من المخلصين الجمركيين في مدينتي اللاذقية وطرطوس بغية تشليحهم وكالاتهم الرسمية أو فرض خوات عليهم مقابل عدم التعرض لهم .
للاطلاع على بعض مقالات الكاتب حبيب صالح التي اعتقل بسببها ، يرجى العودة إلى الروابط التالية:

http://www.metransparent.com/texts/habib_saleh_letters_to_baath_3.htm
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=35652
http://www.arraee.com/modules.php?name=News&file=article&sid=3771

بيان حول اعتقال السيد حبيب صالح

بيان حول اعتقال السيد حبيب صالح

لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية و حقوق الإنسان في سوريا



بتمام الساعة الرابعة من بعد ظهر اليوم الأحد 29/5/2005 قامت أجهزة الأمن باعتقال السيد حبيب صالح من مكتبه في طرطوس بطريقة مهينه ، و بحسب المصادر التي رجحت أن يكون الفرع الذي قام باعتقاله هو فرع الأمن العسكري . ويذكر أن حبيب صالح هو أحد معتقلي ربيع دمشق السابقين ، و لا يعرف سبب الاعتقال حتى اللحظة .

إن لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية و حقوق الإنسان في سوريا ، تدين بشدة اعتقال السيد حبيب صالح ، الذي يدلل على إصرار الأجهزة الأمنية في نهج الاعتقال التعسفي المستند إلى حالة الطوارئ و الأحكام العرفية المعلنة في البلاد منذ 1963 ، و تبدي اللجان قلقها الشديد من احتمال توسيع حملة الاعتقالات التي تطال نشطاء حركة حقوق الإنسان و المجتمع المدني و الكتاب و المثقفين في سوريا ، وذلك بعد حملة الاعتقالات التي قامت بها الأجهزة الأمنية في الأسابيع الأخيرة دون أي رادع قانوني أو دستوري أو عهود و اتفاقيات متعلقة بحقوق الإنسان صادقت عليها الحكومة السورية ، مما يعزز مشاعر الإحباط و فقدان الأمل بدعوات الإصلاح التي تطرحها السلطة .

إن ( ل د ح ) تدين بشدة اعتقال السيد حبيب صالح و اعتقال نشطاء حقوق الإنسان ، و مجلس إدارة منتدى الأتاسي ، و تطالب بالإفراج الفوري عنهم ، و عن كافة المعتقلين السياسيين و معتقلي الرأي في السجون السورية ، ووقف حملة الاعتقال التعسفي بإلغاء حالة الطوارئ و الأحكام العرفية الفاقدة للشرعية الدستورية ، و الالتزام بكافة العهود و المواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان التي صادقت عليها سورية .

دمشق 29/5/2005

لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية و حقوق الإنسان في سوريا
مجلس الأمناء

سورية:الطريق الثاني: بشير البكر

سورية:الطريق الثاني: بشير البكر

يأخذ رافضو التغيير الشامل في سوريا من حال التدهور الأمني في العراق حجة وفزاعة لإبقاء الأوضاع على ما هي عليه،ويبذلون قصارى جهدهم لإقناع الشارع العام بأن الإصلاحات الشكلية لتحسين صورة النظام الأمني، وتحقيق بعض الانفراجات السياسية المحدودة تكفي في الوقت الراهن،ويتعللون بان الذهاب ابعد من ذلك نحو إحداث تغييرعميق في بنية النظام سوف يقود إلى الفلتان ويؤدي إلى الفوضى. ولا يخفون قناعتهم بان ما ينعم به السوريون من امن حاليا هو بفضل سياسة القبضة الحديدية .وباتوا يفاخرون من دون حرج ب"الانجاز" الأمني الكبير الذي حققته سوريا،وسط محيط يعاني من اضطرابات ذات أسباب مختلفة كليا . وفي رأي فئة واسعة من هؤلاء فان "الاستثمار" في الميدان الأمني طيلة العقود الماضية بدأ يعطي ثماره الآن،وثبت بالدليل انه لم يكن موجها ضد المجتمع،كما تروج بعض قوى المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية،بل على العكس إن هدفه الاستراتيجي البعيد هو تحصين المجتمع ضد الهزات.إننا إزاء خطاب ديماغوجي يحاول أن يبرر ماضي ومستقبل القمع والديكتاتورية،واختزال الدولة إلى جهاز امن،و المواطنين إلى حفنة من الأوغاد يتربصون ببعض .وبالتالي فان أصحاب هذه النظريات لاتأخذهم لومة لائم في تخيير السوريين بين الأمن والحرية، أو بمعني آخر:إما نحن أو الفوضى والسيارات المفخخة"المقاومة" على الطريقة العراقية .ولاعجب إن هم قدموا في الآونة الأخيرة نصائح للأميركيين للاعتماد على البعثيين في العراق من اجل بسط الأمن،" لأنهم الطرف الوحيد القادر" على ذلك حسب رأي مسؤول جهاز امني سوري مشهود له بالخبرة والبراعة في التعذيب،التي صارت مضرب الأمثال في الشرق والغرب،على حد سواء.

في الحقيقة ليس الشارع السوري وقواه السياسية هو المطلوب منه أن يتعظ ويأخذ العبر من الدرس العراقي،وإنما نظام الحكم قبل كل شيء،لأن ما يحصل في العراق هو نتيجة لحكم حزب البعث وصدام حسين،وليس بسبب سقوطه على يد الولايات المتحدة الأميركية التي ليست،على مايبدو، في وارد تكرار التجربة بحذافيرها في سوريا.انه تعبير مباشر عن الكبت الذي عانى منه العراقيون في ظل الاستبداد.فلو أن الحياة السياسية تطورت في جو سليم وسلمي،ولم يقم البعث بسحل خصومه السياسيين،لكنا الآن أمام واقع سياسي آخر، محكوم بضوابط وتقاليد تمنع الانحدار إلى الأشكال التي نراها كل يوم في الشارع العراقي كتعبير عن تصفية حسابات طائفية وسياسية وعشائرية.وغير هذا وذاك. إن سوريا، في كل الأحوال، ليست معصومة عن التغيير، ولن ينتظر الأمر طلب الأذن من الحكم لكي يأخذ مجراه، فالموجة التي تضرب بقايا الأنظمة الشمولية في العالم لن توفر القلعة الأمنية السورية.وبالتالي فان النقاش يجب أن يدور حول الكيفية التي سيستقبل بها هذا البلد رياح التغيير القادمة في وقت ليس ببعيد.فليس من مصلحة احد لافي الحكم ولا في جانب المحكومين ترك البلاد مكتوفة الأيدي تنتظر المصير المجهول،لان هذا السلوك العبثي لن يجر سوى ردود فعل مستقبلية غير مدروسة.وتقع المسؤولية الكبرى في هذا المجال على الحكم بوصفة يمتلك إلى حد الآن القدر الأكبر من أوراق اللعبة.فإذا لم يعيد توزيع هذه الأوراق على نحو مختلف عما جرت عليه عادة اللعب في السابق، فان الطاولة سوف تنقلب عليه أولا، بسبب الأثقال التي يحملها على ظهره، بعد 42سنة من حكم الحزب الواحد، وسطوة أجهزة المخابرات.بالاضافةالى ملف المواجهات التي شهدتها نهاية عقد السبعينات وبداية الثمانينات،وعلى نحو خاص في مدينتي حماة وحلب.

إن امتلاك الحكم لأوراق اللعبة لايعفي القوى الأخرى من المسؤولية،وكلما تقدم الوقت وبانت هشاشة النظام وعدم قدرته على إدارة الموقف على نحو يجنب سوريا الهزات،تزداد مسؤولية الأطراف التي تضع نفسها في الضفة الأخرى.لقد آن الأوان لمغادرة المواقع السلبية، والقطع مع ثقافة التردد والخوف، وبدء تسمية الأشياء بأسمائها بدلا من اللف والدوران الذي بات يفهم منه العجز عن تقديم رؤية بديلة لسياسة النظام للسير في طريق المجهول.إن المعارضة على ضعفها وتشرذمها،بكافة اتجاهاتها الإسلامية والشيوعية والقومية،هي المسؤولة عن تقديم التصور البديل للخروج من حال الجمود والتردي وتحريك الموقف،وهذا يحتم عليها التوقف عن المراهنة على تطوير النظام، فليس مهمتها هي البحث عن حلول لإخراجه من مأزقه الراهن .وهنا ترتكب المعارضة خطأ كبيرا إذا بادرت وعقدت ما يعرف ب"المؤتمر الوطني" الذي تدعو له كافة أطرافها قبل أيام من انعقاد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الذي تقرر في السادس من حزيران(يونيو) القادم.وقد راجت في الأيام الأخيرة أخبار تتحدث عن نية المعارضة تقديم تصور عبر هذا المؤتمر(الوطني) لحث البعث"ليقف أمام مسؤولياته كاملة...لان الاستحقاقات الداخلية لم تعد عرضة لأي تأجيل"، على حد تعبير الناطق باسم "التجمع الوطني الديمقراطي" المعارض حسن عبد العظيم.وهناك تحفظ آخر يتمثل في أن المؤتمر يحتاج إلى إنضاج بعيد عن الخفة والتسرع، لكي لايأتي بمفعول سلبي على المعارضة،ويوظفه النظام لصالحه.

إن عدم تجاوز المعارضة للنظام نحوخط طريق ثان،يعرضها ليس فقط لتجاوز الشارع لها،وإنما استمرارها في المراوحة على الهامش.

"الرأي / خاص"

اعتصام في باريس احتجاجا على الاعتقالات الاخيرة في سورية

اعتصام في باريس احتجاجا على الاعتقالات الاخيرة في سورية

باريس – خاص

رداً على حملة الاعتقالات الأخيرة التي شملت الهيئة الادارية لمنتدى جمال الأتاسي والمدافعين عن حقوق الانسان في سورية

دعا تجمع ضم "الملتقى المدني الديمقراطي السوري في فرنسا" ، وعدد من الجمعيات الفرنسية والدولية لحقوق الإنسان ، إلى اعتصام في مساء يوم أمس الجمعة 27 / 5 2005 في ساحة حقوق الإنسان في تروكاديرو بباريس شارك فيه عدد كبير من الاخوة السوريين من مختلف قوى المعارضة والطيف السياسي السوري،ومن الاخوة العرب المقيمين في فرنسا بالاضافة إلى عشرات الناشطين من جمعيات ومنظمات المجتمع المدني فيها (منظمة العفو الدولية ، والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان ، والرابطة. الفرنسية لحقوق الإنسان ، وصحفيون بلا حدود ، واللجنة العربية لحقوق الإنسان ).

وارتفعت هتافات المعتصمين تندِّد بهذه الإعتقالات ، وتطالب بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين في سورية. كما تعالت هتافات للمعتصمين تطالب بالحرية لسهير وناهد ، إشارة إلى أن امرأتين اثنتين من المكتب الإداري لمنتدى الأتاسي للحوار الديموقراطي هما من بين المعتقلين الثمانية الذين طاولتهم هذه الموجة الجديدة من الاعتقالات التي يمارسها النمط السوري للاستبداد . وارتفعت أيضا في فناء حقوق الإنسان بباريس عشرات اليافطات التي تطالب بإنهاء القمع في سورية ، والتضامن مع الشعب السوري في نضاله من أجل الديمقراطية . وشوهِدت يافطة كتب عليها : لا لحالة الطوارىء والمحاكم الاستثنائية ، نعم للتغيير الديمقراطي في سورية . كما عَلَت يافطة رابعة تحمل شعار : الحرية لمعتقلي منتدى الأتاسي وكافة معتقلي الرأي في سورية .

وكانت هذه الجمعيات التي تمثل المجتمع المدني ومنظماته الحقوقية و بمبادرة من الملتقى الديمقراطي المدني السوري في فرنسا قد طالبت في بلاغها الداعي إلى الاعتصام "السلطات السورية أن تحترم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وتطلِق فورا سجناء الرأي ،و بوجه خاص أعضاء منتدى الأتاسي للحوار الديمقراطي الذين كانوا اعتقلوا قبل أيام قليلة "..

وصرح الناطق باسم الملتقى المدني الديمقراطي السوري في فرنسا والذي يضم لفيفاً من الناشطين الديمقراطيين و المعارضين السياسيين المقيمين خارج البلاد: "أن الملتقى مصمم على مواصلة نشاطاته دون توقف من أجل توفير ، الظروف الضرورية التي تكفل التغيير والانتقال الديمقراطي السلمي في سورية . وإن أعضاءه قرروا أن يبقى الملتقى في حالة التئام مستمر من أجل إنجاز مهمة فورية هي انتزاع الحرية لمعتقلي منتدى الأتاسي" .

"الرأي / خاص"

سورية أمام تحديات واستحقاقات التغيّرات الجيو – استراتيجية

سورية أمام تحديات واستحقاقات التغيّرات الجيو – استراتيجية

د. عبدالله تركماني

احتلت سورية طوال العقود الثلاثة الماضية، بسبب موقعها الجغرافي ودورها السياسي، موقعا إقليميا متميّزا يفوق قدراتها الاقتصادية والبشرية، وهي في ذلك تعاملت باقتدار مع الكثير من الملفات الإقليمية التي تعاطت معها لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية . ولكنّ مشكلتها أنّ تغيّر المعطيات الدولية والإقليمية حوّل هذه الأوراق من ذخر استراتيجي إلى عبء ثقيل عليها، وربما إلى تهديد لها، الأمر الذي بات من الضروري إدراكه قبل فوات الأوان، ومعرفة كيفية التعامل معه، لا سيما أنّ الزمن الدولي الجديد لم يعد يسمح أو يقبل لدولة بحجم سورية أن يكون لها دور سياسي أو أمني فاعل خارج حدودها، أو خارج إطار منظومة إقليمية فاعلة .

أهم خطايا السياسات السورية

تعاني السياسة الخارجية السورية من قصور محدداتها وجمود آلياتها، مما حوّل هذه السياسة، التي أساسها المرونة في التعاطي مع المتغيّرات، إلى حالة ثابتة تسيطر عليها ثقافة الشعار، وليس الفعل . ولعل ما كشفته الرعاية السورية لعملية التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود من أبرز تجليات هذا القصور في قراءة المشهد الإقليمي والدولي والتعاطي معه دون اعتداد بميزان القوى، أساس كل عملية سياسية، وبالقدرة السورية على تلافي الضغوط الخارجية واحتواء الأخطار .

لقد فوتت القوى المحافظة، التي تدير السياسة الخارجية السورية، فرصا عدة لإجراء قراءة واقعية للمتغيّرات الإقليمية والدولية، حين لم تعمل جديا على إعادة ترتيب العلاقات . وحين أمعنت في الرهان على بدائل خاسرة لتفادي مواجهة ما ترتبه المتغيّرات الإقليمية والدولية على مجمل التوجهات الأساسية لهذه السياسة، وعلى الأخص في شأن العلاقة مع لبنان استنادا إلى اطمئنان زائف بأنّ هذه العلاقة في منأى عن تلك المتغيّرات . وتجلت الرهانات الخاسرة أيضا في الملف الضاغط الآخر وهو العراق، والتي أوصلت السياسة السورية اليوم إلى مأزق حقيقي مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع القوى الحاكمة الجديدة في العراق .

وخلاصة القول، إنّ السياسة السورية لا تزال تمارس أسلوب الممانعة و " مكاسرة الإرادات " حتى آخر لحظة تهربا من تقديم تنازلات تعتقد أنّ في الإمكان تجنبها، وهو أسلوب يقوم على الترقب وانتظار أن يقع الخصم في أخطاء أو ينشغل في أمور أخرى، وصولا إلى لحظة يكون ممكنا فيها إجراء مقايضة أو مساومة ما تلبي مصالح كلا الطرفين . وهذه السياسة قد تحمل بعض الفوائد في ظروف معينة لكنها تحمل، في الوقت نفسه، مخاطر شديدة إذا ما جرى خطأ في الحسابات .

وقد برزت هذه المخاطر حين تم تجاهل التغيير النوعي في السياسة الخارجية الأمريكية، الذي حصل على خلفية جريمة 11 سبتمبر/أيلول وإعلان استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي تقوم على مرتكزين أساسيين، إضافة إلى المرتكزين الثابتين المعروفين ( البترول وأمن ومستقبل إسرائيل )، هما : محاربة الإرهاب ونشر الحرية في العالم، وخاصة في العالمين العربي والإسلامي، إذ انتقلت الولايات المتحدة من سياسة الحفاظ على استقرار الحكومات العربية إلى إصلاحها وإذا اقتضى الأمر تغييرها، بدعوى نشر الحرية والديموقراطية والازدهار في المنطقة .

التغيّرات الدولية واستحقاقاتها

مع وصول إدارة الرئيس بوش في أوائل العام2000 ورحيل الرئيس حافظ الأسد في يونيو/حزيران‏‏ واندلاع الحرب الأمريكية ضد الإرهاب بعد جريمة 11 سبتمبر/أيلول 2001 وأخيرا الاحتلال الأمريكي للعراق في أبريل/نيسان 2003 دخلت سورية، دورا ومكانة، في دائرة الاستهداف الأمريكية . وقد بدأت أولى خطوات استهداف سورية - عمليا - بإصدار الكونغرس الأمريكي قانون محاسبة سورية وسيادة لبنان في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 . ورغم أنّ العراق كان الدافع وراء إصدار هذا القانون علي خلفية الاتهامات الأمريكية لسورية بدعم المقاومة العراقية وإيواء بعض عناصر النظام السابق‏‏ وتهريب النفط العراقي، إلا أنّ لبنان كان هو السبب الرئيسي وراء المصادقة على هذا القرار . وهو ما أكدته السياسة الأمريكية لاحقا من خلال إصدار قرار مجلس الأمن رقم1559 في سبتمبر/أيلول2004 الذي يدعو إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحماية سيادة لبنان وتفكيك الميليشيات فيه .

وإذا كانت ضغوط الإدارة الأمريكية سابقا على الحكم في سورية قد ارتبطت بحاجتها لتحوير دوره الإقليمي في خدمة مخططاتها، بما في ذلك مقايضة صمتها عن سياساته الداخلية وانتهاكاته الصارخة لحقوق الإنسان وهيمنته على لبنان، بتنازلات يقدمها في صيغ تعاون صريح وملموس لضمان مصالحها . فإنها الآن تبدو أكثر تحررا من بعض أعبائها ومن حاجتها للمقايضة والتفاهم، خاصة بعد الانتخابات العراقية وتوجهات القيادة الفلسطينية الجديدة، والنجاح في طي ملف الخلافات الأمريكية - الأوروبية حول العراق ووحدة موقفيهما من تطبيق القرار 1559 ومن تشكيل لجنة تحقيق دولية للكشف عن منفذي اغتيال الحريري، وأيضا ما نجم عن هذه الجريمة من إعادة رسم مشهد جديد من المواقف العربية ومن وحدة الصف اللبناني المعارض وتقدم دوره سياسيا وشعبيا، مما يشير إلى بداية مرحلة جديدة في العلاقات السورية - الأمريكية عنوانها المواجهة .

عطفا على ما تقدم، فإنّ سياسة المقايضة السياسية، التي كانت معتمدة سابقا، لإبقاء سورية خارج معادلات الاستهداف لم تعد مقبولة من الإدارة الأميركية، التي باتت تعتقد أنّ على الحكومة السورية القيام بما هو مطلوب منها من دون مقابل . ولا شك في أنّ هذا الأمر شكل قلقا كبيرا للسياسة السورية، وخلق وضعا جديدا لها لم تستطع التكيّف معه بعد .

التغيّرات الإقليمية واستحقاقاتها

كانت سورية في الخمسينيات والستينيات مسرحا تتصارع عليه وحوله الأدوار من قبل أطراف عربية ودولية، ولكن منذ مطلع السبعينيات نجحت القيادة السورية في بناء دور إقليمي بارز ارتكز على ظروف مواتية . وتمثلت مهارة الرئيس الراحل حافظ الأسد في ملء فراغ القوة الناشئ في المشرق العربي عقب غياب مصر بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل وتورط العراق في الحرب مع إيران .

ولم تؤثر نهاية الحرب الباردة مباشرة على الدور السوري بل على العكس، فحاجة إدارة الرئيس بوش الأب إلى مشاركة سورية في تحالفها ضد العراق في حرب الخليج الثانية، من أجل تأمين شرعية عربية للحرب، جعلها تتغاضى عن توسيع الدور السوري في لبنان . وطوال التسعينيات نجحت سوريا في أن تصبح أحد أضلاع مثلث القيادة في النظام العربي إلى جانب مصر والسعودية، واستمرت في تحالفها مع إيران في الوقت الذي حافظت فيه على شعرة معاوية مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة الرئيس كلينتون الديمقراطية .

ولكن، منذ خريف العام 1998 بدأ النظام السوري يفقد بعض أوراقه الإقليمية، حين خسر ورقة أكراد تركيا من دون الحصول على أي مقابل في ظرف أزمة كادت تنذر بحرب بين البلدين، فيما لم تستطع سورية في عام 2003 أن تلعب دورا في الأزمة العراقية وحربها شبيها بما لعبته في الأزمة الكويتية وحربها بل خرجت خاسرة من اللعبة لتصبح محاصرة من الشرق بجنود القطب الواحد للعالم الذي أصبح حاضرا إقليميا، وهو ما أدى إلى تغيير كامل اللوحة الشرق أوسطية، خاصة مع اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، بعد حضورها المباشر إلى المنطقة، لإعادة النظر بالأدوار الإقليمية لدول المنطقة، الشيء الذي استطاعت إيران حرفه عبر سياساتها العراقية الإرضائية للأمريكيين، فيما وقعت القيادة السورية في المطب عبر التمديد للرئيس اللبناني .

لقد كان للانسحاب السوري من لبنان تأثير سلبي على الدور الإقليمي لسورية أكثر عمقا من الموضوع العراقي، ذلك أنّ تأثير سورية ووجودها في لبنان كانا أكثر ثقلا بفعل ما بين البلدين من علاقات تاريخية، تضاف إلى الوجود السوري العسكري والأمني هناك والمرتبط بعاملين مشتركين ومتناغمين : أولهما، طول مدة الوجود السوري هناك . وثانيهما، تأثيره على كل جوانب الحياة اللبنانية والسورية في السياسة والاقتصاد والمجتمع .

واليوم يبدو الدخول السوري إلى لبنان في العام 1976، الذي كان مدخلا لدور سوري شمل بلاد الشام والرافدين والأناضول والخليج، فإن الخروج من لبنان يعني عدم القدرة على اللعب بالأوراق السورية الباقية، في العراق وفلسطين، وأيضا في لبنان . هذا يعني أنّ سورية قد انكفأت إلى حدود دورها بالخمسينيات، هذا إذا لم يُشر إلى ما يعنيه فقدان الورقة اللبنانية من إضعاف للمفاوض السوري في أية مفاوضات إسرائيلية – سورية قادمة .

وفي العراق، مازالت انعكاسات التغيير تلقي ظلالها على الوضع في سورية، ولعل الأبرز في هذه الظلال ما فرضته الأوضاع العراقية من انحسار لدور سورية الإقليمي، إذ كانت سورية ذات وزن وتأثير في الواقع العراقي من خلال علاقة مزدوجة : العلاقة مع المعارضة العراقية لنظام الرئيس السابق صدام حسين منذ أواسط السبعينات، وعلاقات مع النظام نفسه تطورت في الجانبين السياسي والاقتصادي منذ العام 1998 . إذ خسرت سورية علاقاتها مع النظام عند سقوطه نتيجة الحرب على العراق في العام 2003، ثم خسرت معظم علاقاتها مع المعارضة العراقية التي انتقلت إلى السلطة أو قريبا منها بعد الاحتلال الأمريكي وما تلاه من تطورات في الخريطة السياسية للعراق .

وبالنسبة إلى إيران، يبدو أنّ المعضلة السورية الحالية تعتبر ثانوية أمام لعبة القوة الإقليمية الكبرى في العراق والخليج العربي، وتسوية ملفها النووي مع المجتمع الدولي .

أما تركيا، فيبدو أنّ القيادة السورية تعتقد أنّ الصلات المهمة التي تربط تركيا بالولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي ستساعدها في تفادي مواجهة حاسمة مع الغرب . وفي الواقع تلتقي تركيا وسورية بسبب مخاوفهما المشتركة بشأن السياسة الأمريكية في المنطقة، لكن ليس أكيدا بعد إن كان هذا التودد سيتحول تحالفا أكثر استمرارية، فتركيا لا تزال حليفة رسمية للولايات المتحدة وانطلقت في رحلة تاريخية لدخول الاتحاد الأوروبي . ويبدو أنّ الأمر يتوقف على المنحى الذي ستسلكه المسألة الكردية في المنطقة .

وبالنسبة للتسوية الإسرائيلية – السورية، تتقدم الحكومة السورية خطوة إلى الأمام وتتراجع خطوة إلى الوراء، فهي تقول الشيء وعكسه معا، وتحاول اللجوء إلى ما يسمى " الغموض البناء "، بحيث يكون هناك تفسيران للمواقف والتصريحات، واحد موجه للإدارة الأمريكية ويستجيب لمطالبها المعلنة والآخر موجه للاستهلاك المحلي ويتحفظ على هذه الاستجابة، إضافة إلى أنّ الحكومة الإسرائيلية بقيادة شارون ليست في وارد فتح ملف الجولان بينما تستعد للانسحاب من غزة .

وهكذا، يبدو أنّ القيادة السورية لم تدرك بعد أنّ قصة الشرق الأوسط السياسية في المدى المتوسط ستتلخص، طبقا لتوصيف الفيلسوف الألماني كانت لحالة السلام الدائم، في مفهومين أساسيين : أولهما، هو مفهوم السلام كحزام أمن للوضع الإقليمي بين الدول . وثانيهما، هو التحول المؤسسي القائم على مجموعة قيم عالمية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والشفافية والحكم الصالح . وإذا كان المفهوم الأول سيحكم علاقات الدول بعضها ببعض، وخصوصا حالة العرب وإسرائيل، فإنّ المفهوم الثاني يركز على علاقات الدول بمجتمعاتها حيث تدفع التيارات العالمية الحكومات إلى الانتقال من شخصنة السياسة، أي ربط مصير الأمة بشخص ما، إلى مأسستها، وربط مصير الدول والمجتمعات وعلاقتها بمدى حيوية المؤسسات وتكيّفها للتعاطي مع المؤسسات العالمية المماثلة .

وهكذا، بانسحابها من لبنان تبلغ سورية نقطة مفصلية حاسمة، يرجح أن لا يبقى شيء بعدها كما كان قبلها . فهل تعي القيادة السورية ذلك قبل فوات الأوان، وتتجاوز استجاباتها البطيئة للأحداث، بعد أن حملت في الآونة الأخيرة طابع ردود فعل مترددة وجزئية، أم تنتقل إلى نهج جديد يقوم على المبادرة، يقطع الطريق على الأخطار بإزالة ركائزها الذاتية، عوض انتظار وقوعها في ظرف دولي وموازين قوى تحول دون التعاطي معها بفعالية ؟ .

النتيجة أنّ سورية باتت في وضع يتطلب منها إدخال تغييرات جوهرية في سياستها الخارجية، وبداية في سياستها الداخلية، ولا سيما في سياستها إزاء الولايات المتحدة، بعد أن تغيّرت المعادلات التي كانت تعمل على أساسها، لا من أجل تلافي المخاطر الناجمة عن السياسة الأمريكية فحسب، وإنما من أجل سورية نفسها، أي من أجل أن تواكب متطلبات التطور وحقائق السياسة وموازين القوى في عالم اليوم .

وبديهي أنّ هذا الأمر لا يعني تخلي سورية عن حقوقها الوطنية، ولكنه يعني أنه بدلا من التعويل على الأوراق الإقليمية، يمكن لسورية أن تعزز ورقتها الداخلية، عبر التوجه نحو بناء الدولة السورية الحديثة، دولة الحق والقانون لكل مواطنيها دون تمييز حزبي أو قومي أو طائفي أو جنسي .

سورية مقبلة على تحديات واستحقاقات صعبة

فمع أنها تستطيع لغرض الاستهلاك المحلي والإقليمي أن تغطي هيبتها المجروحة بالتصريح بأنها امتثلت لأحكام اتفاقية الطائف، إلا أنّ خروج جيشها واسخباراتها من لبنان سيسجل - عمليا - على أنه هزيمة للسياسة الإقليمية للنظام السوري، ولتعيش من بعد مرحلة الهيمنة على لبنان حال انكشاف استراتيجي أكبر أمام إسرائيل، يتزامن معها ازدياد التوجه الأمريكي للتخلص من بنية الاستبداد والإرهاب في العالم العربي .

ولما كان الخطاب السياسي خطابا في الممكنات، أي في جدلية الواقع والممكنات، فإنّ مفهوم الأولوية في مرحلة تاريخية معينة يغدو ذا أهمية بالغة . فإذا أضفنا عمق التحوّلات في العلاقات الدولية، والتغيّرات الجيو - سياسية في العراق ولبنان وفلسطين، فإنّ الوضعية لم تعد تحتمل تأجيل إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة، تحت أي شعار، إذا ما أريد لتيار التغيير الديمقراطي أن يأخذ مداه .

لقد ورثت سورية، عهد جديد ونخب ثقافية وسياسية، تركة ثقيلة : دولة متأخرة، ونفوذ جماعات تتسلط على مصالح البلاد والعباد، وحزب ومنظمات شعبية وأحزاب مشاركة مترهلة تبحث قياداتها عن مصالحها الذاتية، وإدارة اقتصادية غير حكيمة في إدارة الموارد الاقتصادية والبشرية بشكل عقلاني لإنتاج عناصر تطوير وتعظيم لها، وسجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان ... الخ .

لقد حوّل نظام حزب البعث سورية إلى دولة فئوية تقودها نخبة من أصحاب الامتيازات الذين يرفضون المساواة بين السوريين، فمجتمع الحزب الواحد أشاع حالة من السلبية والعزوف عن العمل السياسي، وغابت لدى غالبية الأفراد والجماعات المبادرة الذاتية والتفكير المستقل، وباتوا يعتمدون على الدولة في كل شيء، وحصلت حالة من القطيعة بين عموم أفراد المجتمع والنخبة السياسية، في السلطة والمعارضة معا، بعدما بطشت السلطة بكل ما أوتيت من قوة بقوى المعارضة وأنهت أي تعبير عن حياة سياسية طبيعية، من دون أن يعفي هذا أحزاب المعارضة من مسؤولياتها وأخطائها . وأفضت حالة الانفصال والقطيعة إلى إنتاج التكلس والتخشب ومراكمته في مفاصل المجتمع والسياسة، وإيجاد بنية مجتمعية راكدة فارغة من أي حافز للاجتهاد والإبداع، وأعادت إحياء روابطها البدائية، ما قبل الوطنية، من عشائرية وطائفية وغيرها .

لقد اعتادت السلطة، منذ عقود، مصادرة المجتمع وإخضاعه كليا، وأقامت في سبيل ذلك منظماتها الشعبية كامتداد لسلطتها، بحيث لم يعد من الممكن الحديث عن دولة ومجتمع بالمعنى الحديث . ومردُّ كل ذلك هو النظام الشمولي الذي حكم البلاد والعباد، والذي تميّز بالتماهي بين الدولة والسلطة والمجتمع والحزب، واندمجت كلها في شخصية الحاكم، بعيدا عن أية مؤسسات رقابية حقيقية، بل بوجود مراتبية تلعب فيها الأجهزة الأمنية الدور الأهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تقرّب أهل الولاء وتنفّر أهل الكفاءة . وفي مثل هذا النظام كان من الطبيعي أن تغيب دولة الحق والقانون، خاصة عندما أصبحت حالة الطوارئ والأحكام العرفية، التي تكون مؤقتة في العادة، حالة دائمة منذ العام 1963 . وقد أدى كل ذلك إلى تعطيل الحياة السياسية السليمة، وحد من إمكانية الإدارة العقلانية للموارد الاقتصادية والبشرية، كما أدى إلى تهميش قطاعات اجتماعية وثقافية عديدة .

إن حال الحصار وتعاظم حجم الضغوط الأمريكية التي تتعرض لها سورية يتطلبان اتخاذ قرار تاريخي وجريء بنقل مركز الثقل وبؤرة الاهتمام السياسيين صوب الداخل، والسير قدما نحو التغيير الديمقراطي والانفتاح على المجتمع وقواه الحية، بما يعيد صياغة الشرعية السياسية على أسس جديدة . وإذا كانت الظروف والتطورات، الدولية والإقليمية والداخلية، تدفع إلى تغييرات أكيدة في سورية، فمن المهم محاولة رؤية محتوى ومضامين ومستويات هذه التغييرات .

إن التوصيف السابق يقتضي الشروع في مصالحة وطنية طال انتظارها وكثرت المطالبات بها، وإصلاح النظام بجدية وعمق، وإعادة تحديد المشكلات التي يجب أن تعالجها سورية بجهود أبنائها، في الموالاة والمعارضة، والذين لن يتمكنوا من مواجهة الخطر بغير تحول نظامهم من نظام أمني إلى نظام سياسي، يعترف بحقهم في الحرية، وبحق أحزابهم ومنظمات مجتمعهم المدني في الشرعية والعلنية، ويقوم على نمط من الإدارة والتنظيم يستند على مشاركة المواطن في الشأن العام، دون قيود تبطل حريته أو تتعارض معها، ويسمح بمراجعة سياساته الداخلية والخارجية، وبتحويل الدولة من دولة حزب إلى دولة حق وقانون تخص كل واحد من مواطنيها .

ولا شك في أنّ التغيير المنشود لابد أن يكون ديمقراطيا في أدواته ووسائله، سياسيا وسلميا ومتدرجا، يُبنى على التوافق القائم على مبادئ الحوار والاعتراف المتبادل . ويقوم على نبذ العنف في ممارسة العمل السياسي والعمل على منعه وتجنبه بأي شكل ومن أي طرف كان .

إن التغيير في سورية اليوم مهمة إنقاذية لا تقبل التردد ولا التأجيل، وأي محاولة إلى إفراغه من محتواه الحقيقي، أو محاولة تقزيمه إلى إصلاح جزئي، أو تغيير أشخاص بآخرين، أو تلميع صور عتيقة، لن تفعل إلا أن تفاقم في سوء الأوضاع، وتضع البلاد على حافة المجهول .

لقد أنتج النظام في السبعينات داخله في ضوء علاقاته مع الخارج، وعليه اليوم أن يفعل العكس : إنتاج علاقاته الخارجية، التي يجب أن تكون من نمط مغاير للنمط الذي أخذ به خلال نيف وثلاثة عقود، انطلاقا من الداخل وحده .

وفي هذا السياق، لا يخفى عنّا الدور الهام الذي تلعبه مؤسسة الرئاسة في الجمهوريات الرئاسية عامة، وفي الحياة السياسية السورية منذ سنة 1970 خاصة، حيث كان الرئيس محور قوة السلطة، وحيث جرى احتكار العمل السياسي من قبل سلطة الدولة . وعليه، وبالرغم من كل الحيوية التي تتمتع بها النخب الوطنية السورية، بات التغيير صعب ومكـلف ( ينطوي على مخاطر تمزيق الوحدة الوطنية وتسهيل التدخل الخارجي )، من خارج إطار السلطة، ذلك لأنّ المجتمع بات شبه عاجز عن المبادرة إلى إطلاق سيرورة تغيير ديمقراطي حقيقي، فهو مغيّب عن الحضور الفعلي في الدولة، فلا وجود لمنظمات مجتمعية مستقلة فاعلة، ولا وجود لأحزاب معارضة علنية فاعلة، ولا وجود لصحافة حرة مستقلة، ولا انتخابات تعددية نزيهة .

وهكذا، يبدو أنّ قدر الدولة السورية، ذات البنيان المركزي الشمولي، أن تأتي مبادرة إعادة بنائها من المؤسسة الرئاسية . فما هي المعوّقات التي يمكن أن تعترض أي تغيير من داخل السلطة بمبادرة رئاسية ؟ .

يبدو أنّ مصير أي مشروع للتغيير الديمقراطي، من داخل السلطة القائمة، مرتبـــط بـ " أزمة التطبيق "، إذ أنّ كل القوانين والإجراءات والتدابير التحررية تواجه المقاومة والتأجيل والإعاقة عند التنفيذ، أو تنفّذ على نحو بيروقراطي وبطيء وخالٍ من حيوية التغيير، لا بل يترافق تنفيذها أحيانا مع نية إبطال مفعولها . فثمة أمثلة عديدة عن دور الانتهازيين والمنافقين والمتملقين في تخريب تجارب بدأت مفعمة بأمل التغيير، فجرفها هؤلاء نحو عكس رهاناتها .

وعليه، فإنّ توافقا بين السلطة القائمة والتيارات السياسية المعارضة قد يساهم بتطوير آليات حراك سياسي ومجتمعي فاعل، بما يساعد على توسيع رقعة الحريات العامة، وتحريك وعي الجماهير، ودفع شرائح واسعة منها إلى الانغماس في خضم العمل السياسي العام . مما يحيل أفراد المجتمع السوري من مجرد رعايا تابعين، غير مبالين، إلى مواطنين نشطاء فاعلين يمكنهم التأثير في ديناميات اتخاذ القرار السياسي والإسهام في تغيير بنية التمثيل السياسي، فضلا عن مشاركتهم في تحديد الأهداف الكبرى، وصياغة السياسات العامة .

إنّ نجاح مشروع التغيير الديمقراطي يتطلب الحوار المفتوح بين كل التيارات الفكرية والسياسية السورية من خلال مؤتمر وطني عام، بهدف الكشف عن الممكنات في الواقع السوري، وبناء أولوياتها وتوازناتها عبر منهج عقلاني هادئ، يقوم على التدرج وقبول الحوار مع الرأي الآخر ونبذ العنف والتطرف وعقد الماضي .

ومما لاشك فيه أنّ تجسيد مثل هذا الحوار، بأهدافه وموضوعاته، منوط بالسلطة أولا، ويعكس مدى جديتها في التغيير الديمقراطي . إذ من المفترض أن تبادر إلى الدعوة الشاملة إلى الحوار المفتوح والمجدي والعملي مع القوى الأساسية، مما يرفع من شأنها في أعين المجتمع ويفتح في المجال لتجسيد قيم الإصلاح وحاجاته في الواقع .

وهكذا، يخطئ من يظن أنّ المجتمع الدولي الذي فتح للقيادة السورية بوابة الخروج من لبنان ردا على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، قد أقفل باب الحوار نهائيا مع سورية بل هو يحرص على أن لا يغرق في تجربة جديدة شبيهة بالحالة العراقية . والخطر الوحيد في هذه اللحظات هو التشوّش الذي يبدو في القيادة السورية والذي يمكن أن يسفر عن سوء تقدير أو عن خطأ في الحساب يمكن أن يجعل سورية بالفعل الهدف التالي للحرب، وليس فقط الهدف التالي للإصلاح وإعادة التأهيل .

إنّ سورية تواجه فرصة تاريخية تمكّن من إجراء التغيير الديمقراطي المنشود، بالاعتماد على تضافر جهود جميع النخب الفكرية والسياسية دون استثناء، فلا يجوز تفويت هذه الفرصة، بل الحرص على الانتقال الديمقراطي الهادئ والممأسس، الذي يفتح الآفاق أمام إعادة صياغة مستقبلها على أسس جديدة .

ولا شك في أنّ سورية القوية داخليا، بديموقراطيتها واقتصادها واستقرارها السياسي والاجتماعي، وبنخبها الفكرية والسياسية والاقتصادية، والمتصالحة مع حقائق العصر، يمكن أن تقدم نموذجا وأن تكون أكثر نفوذا في مجالها الإقليمي، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات والإملاءات الخارجية .

نحن أمام تحديات حقيقية تستوجب تفعيل الخيارات الممكنة، من خلال إرادة سياسية ناضجة، وإدارة عقلانية لكل إمكانياتنا المتوفرة، بهدف التعامل مع الوقائع القائمة كما هي لا كما تتخيلها رؤى أيديولوجية مبسطة . فليس من الواقعية والعقلانية أن نغمض أعيننا عن مختلف الخيارات والقدرات التي يمتلكها شعبنا، وذلك من خلال إعادة صياغة كل أسس قوتنا، بترتيب أوضاعنا الوطنية، وإعادة ترتيب العلاقات مع دول الإقليم والعالم والموازين الدولية .

ويبقى السؤال : ماذا سيتمخض عن مؤتمر حزب البعث ؟

يرتبط الرد على هذا السؤال بنمط خيارات مؤسسات النظام الفاعلة في الرئاسة والأمن والجيش . وفي كل الأحوال، لن نستغرب، خاصة بعد حملة الاعتقالات التي طالت أعضاء مجلس إدارة منتدى جمال الأتاسي للحوار الوطني والأستاذ محمد رعدون رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان والعديد من المنفيين الذين عادوا إلى سورية مؤخرا، إن بقيت السلطة تراوح مكانها في سياساتها التي أكل عليها الدهر وشرب، فبنيتها الاستبدادية تبدو عصية على الانفتاح وفهم دقائق ومتغيّرات ومستجدات العصر، إذ أنّ مراكز القوى فيها لا زالت أسيرة عقلية الحرب الباردة ومفرداتها المتحجرة وصفقاتها التي أضحت من مخلفات الماضي .

تونس في 27/5/2005 الدكتور عبدالله تركماني

كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – في الأصل محاضرة قُدمت في " منتدى الجاحظ " ( جمعية تونسية غير حكومية شعارها " من أجل تنوير عربي إسلامي " ) في 28 أيار/مايو 2005 .