قلق سوري من اختراق إسرائيلي أميركي للخطة الدفاعية

٢٠٠٦-٠٦-٣٠

قلق سوري من اختراق إسرائيلي أميركي للخطة الدفاعية


قصة الإنذار الإسرائيلي التي انتشرت كبقعة الزيت؟

جورج علم

فيما تؤكد مصادر دبلوماسيّة غربية وجود إنذار إسرائيلي جدي، يشمل لبنان وسوريا وحماس، تنفي جهات لبنانيّة ذلك، لا بل تذهب الى حدّ القول بان الوضع على طول الخط الازرق، لم يخرج عن إطار المألوف، وإن التحركات المتقابلة، على ضفتي الخط، تزيد من أجواء الاحتقان، لكنها لا تزال تحت السيطرة.
تعود خلفية الانذار الى ما أبلغته إسرائيل جديّا الى الولايات المتحدة، وبعض دول الاتحاد الاوروبي، بأن تهديداتها جادة، وبأن التصعيد من جانبها، يبقى خيارا مفتوحا، والمطلوب تعطيل أي مسعى يهدف الى دعوة مجلس الامن الى الانعقاد للبحث في الشكاوى الفلسطينيّة، والتشديد على وصف اعتداءاتها بردّة الفعل، أو ردود الفعل؟!.
لم تكن بيروت بعيدة عن أجواء الاتصالات، التي شهدتها الساعات ال72 الماضية بين كل من واشنطن، وباريس، والقاهرة، ودمشق، وتل أبيب، وإن كانت المعلومات، محليّا، شحيحة نسبيّا، إلا أن المتوافر يشير الى أن الانذار الذي تلقته دمشق مختلف عن الذي تناهى الى بعض الدوائر في بيروت. كان المطلوب، وربما لا يزال، ألاّ يحرّك حزب الله ساكنا على الحدود، او في مزارع شبعا، او أن لا يترك المجال أمام أي تنظيم، سواء أكان فلسطينيّا، أو لبنانيّا، بإطلاق الكاتيوشا، أو القيام بأي تصرف، غير مألوف من شأنه أن يؤدي الى مضاعفات، لأن ذلك، (كما يشير الإنذار)، قد يفلت الوضع من عقاله، ويؤدي الى مواجهات، يصعب تقدير أحجامها، وامتداداتها.
أما في ما يتعلق بطبيعة الانذار الموجه الى دمشق، فينحصر بمطالب واضحة ومحددة تتعلق فقط، بالجندي الاسرائيلي الاسير، والنشاط الواسع، الذي تمارسه قيادات فلسطينيّة راديكاليّة، تنتمي الى حماس، او الجهاد الاسلامي، او غيرهما من الفصائل التي تتخذ من دمشق مقرّا لكوادرها الفاعلة.
وعلى ذمّة بعض المصادر التي هي في دائرة الاطلاع على بعض ما يجري، فإن باريس، وواشنطن أحيطتا علما بتعهدات رسميّة لبنانيّة منقولة عن مصادر مسؤولة، وموضع ثقة، بأن الوضع على الخط الازرق في غاية الانضباط من الجانب اللبناني، لا بل طلب من القنوات الدبلوماسيّة المعتمدة، التي تولت نقل هذه الرسائل التطمينيّة، ان توفد من جانبها، من يود الاطلاع ميدانيّا، ليتأكد من صحة المعلومات، وصدقيتها، خصوصا ان التحركات من الجانب اللبناني، هي من ضمن المألوف، قياسا على ما تفرضه سياسة التحسب والاحتراز من خطوات استباقيّة لمواجهة أي اعتداء محتمل، او أي طارئ ميداني على الارض.
وأدت هذه الرسائل، على حد قول المصادر، الى اتصالات مباشرة ما بين واشنطن وتل أبيب، تؤكد على حكومة إيهود اولمرت، الالتزام بأكبر درجة من ضبط النفس، ومن ضرورة ان يبقى الهدوء مسيطرا على طول الخط الازرق، وبالتالي عدم افتعال أي ذريعة قد تودي بالاستقرار الهش، وترتب انعكاسات سلبية على الداخل اللبناني، كتعطيل الحوار الوطني، ونسف موسم السياحة والاصطياف، الذي يعوّل عليه اللبنانيون؟!
في موازاة هذه الحركة الدبلوماسيّة الالتفافية على اي تصعيد محتمل في الجنوب، كانت هناك انشغالات واضحة بزيارة الرئيس نبيه بري الى دمشق، بحثا عن الخلفيات، والنتائج، وانطلاقا من سؤال افتراضي، هل أصبح المحاور المحور، وهمزة الوصل بين أقطاب الحوار، ودمشق؟ وهل زيارته على ارتباط، في مكان ما، بالوضع الاقليمي السائد؟ وإذا كانت مرتبطة فقط بالحوار، وبالشأن اللبناني السوري، فماذا استجد من معطى، على ما سبق وأدلى به الرئيس بشار الاسد الى الحياة؟ علما بأنه كان في منتهى الوضوح، حول لمن، وأمام من، تفتح أبواب دمشق؟ ومن هم المستبعدون من قبلها، احتجاجا على مواقفهم منها؟!
الواضح ان الرئيس برّي، وحده الذي يعرف، ووحده القادر على تقييم زيارته، الى حين تظهر فيه النتائج على أرض الواقع، ليصار في ضوئها الى الحكم لها، او عليها؟! وحتى ذلك الحين، كانت المعلومات المتداولة قبيل الزيارة، وبعدها، تفيد بأن سوريا تعير بكثير من الجديّة والاهتمام تنامي الضغط الاسرائيلي، إن في ما يتعلق بشبكة التجسس التي تم اكتشافها، أو في ما يتعلق بالخطة الدفاعيّة. ويهمّ سوريا في هذا المجال ان تعرف مواقف الاطراف، ومدى النظرة الى المقاومة، ومستقبلها، وسلاحها، ومستقبله، واين تتلاقى هذه الخطة مع أحد بنود القرار؟
ويقول أحد السفراء الملمين بمجريات الامور، إن ما تخشاه سوريا في هذا المجال، ان ينتهي الحوار حول الخطة الى ما انتهى اليه بين أعضاء الهيئة الوطنيّة لقانون الانتخابات، من منطلق أن هذه الهيئة قد أمضت الكافي من الوقت، لتقدم في نهاية المطاف قانونا فيه كل شيء، باستثناء توزيع الدوائر، وهذا هو البند المهم، وهو الذي استدعى الاستعانة بهيئة من رجال القانون والدستور كي يُحسم هذا الامر، كما الكثير غيره، ولكن... جاءت النتيجة مغايرة للأماني، والتوقعات، لأن ما كان مطلوبا حسمه بقي معلقا على أمل أن يعود مجلس الوزراء ليعدل ما يتوافق على تعديله، ويتبنى ما يريد تبنيه، قبل ان يصل الى مصفاة مجلس النواب الذي قد يخرج منه قانون، مغاير كليّا لمشروع القانون الذي وصل اليه.
وتقول المصادر، ان الامر يسري على ما يجري حول طاولة الحوار راهنا، حيث تعقد جلسات من التشاطر، والتذاكي في تدبيج الردود على الخطة الدفاعيّة التي سبق ان طرحها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، إلا ان المطلوب في نهاية المطاف، هو واحد: هل سيبقى سلاح الحزب؟ وهل ستبقى المقاومة؟!
إن ما تريده الولايات المتحدة من الحوار هو هذا: ما يهمها من الخطة الدفاعية، أن تزول المقاومة، ويسلم حزب الله سلاحه، وينفذ البند الخاص بهذا الموضوع من القرار .1559 والتفاصيل الباقية، قد تبقى خارج دائرة المساءلة؟!
وما تخشاه سوريا، راهنا، هو أن إسرائيل قد كشفت عن قرعتها مؤخرا من خلال الشبكة الارهابيّة، ثم من خلال الانذارات، والتصعيد، لتؤكد من خلال ذلك، أنها عادت الى الساحة، وأن ما تريده الولايات المتحدة من حزب الله، إنما تريده هي، وأزود، وبالتالي لا استراتيجيّة دفاعية، ولا خطة، ما لم تكن مستندة الى القرار ,1559 ومستنفدة كامل شروطه في ما يتعلق بحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وتسليم سلاحها؟!.
فماذا يقول أهل الحوار؟، وأي دور يترتب على الرئيس برّي الاضطلاع به، بعدما أصبح عرّاب الحوار بين دمشق... والطاولة المستديرة في ساحة النجمة؟!

أزمة الفلسطينيين بين الكماشة الاسرائيلية ولعبة المصالح السورية - الايرانية

أزمة الفلسطينيين بين الكماشة الاسرائيلية ولعبة المصالح السورية - الايرانية


نيويورك - راغدة درغام

يكشف قرار رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت اعادة اجتياح قطاع غزة بسبب اختطاف جندي اسرائيلي مدى افتقاد أولمرت الثقة بالنفس ويثبت فشل سياسة فك الارتباط أحادياً التي يريدها في الضفة الغربية بعدما فرضها سلفه ارييل شارون في غزة. هذا القرار الخائب يأتي خطوة أخرى في سلسلة مواقف مخيبة للأمل اتخذها اولمرت منذ تسلمه السلطة وأبرزها تفادي هذا الرجل للحل التفاوضي وهروبه من الشراكة مع القيادة الفلسطينية المخولة بالتفاوض دستورياً والمتمثلة بالرئيس محمود عباس. أولمرت يجد في حركة «حماس» شريك الأمر الواقع الذي يوفر له مبرر التهرب من الحل التفاوضي، ويؤمن له ذريعة الانتقام العسكري، ويحشد وراءه الدعم الدولي حتى وهو يفتك بالفلسطينيين ويدمر البنية التحتية للكهرباء والمياه ويضيق الخناق الاقتصادي لدرجة التجويع. فالفلسطينيون يدفعون ضريبة باهظة لشراكة الأمر الواقع بين اسرائيل وبين حكومة «حماس» وحلفائها من منظمات ودول وعلى رأسها ايران وسورية. وتطورات هذا الاسبوع بالذات أبرزت الدور السوري المباشر في المسألة الفلسطينية وأدت باسرائيل الى توجيه انذار سيكون لكيفية ونوعية التجاوب السوري معه دلالات اقليمية، وفيما يرجح ان تعالج أزمة الجندي الاسرائيلي، فإن الاتفاق بين عباس وحركة «حماس» والفصائل الفلسطينية على ما يعرف بـ «وثيقة الأسرى» يشكل منعطفاً مهماً في العلاقة الفلسطينية - الفلسطينية، لكنه يبقى رهن تلاعب القوى الخارجية به وعلى حساب الفلسطينيين. والخوف ان يستمر انزلاق المسألة الفلسطينية من مرتبة «القضية» الى حادثة اختطاف جندي وشق نفق أو الى مزاج فصائل فلسطينية تخدم دولاً لها مصالح ثمنها البؤس الفلسطيني، فيما تسترخي اسرائيل في ممارسة الظلم والاستبداد والاحتلال القبيح اخلاقياً واجرائياً.

الشعوب العربية، كما القيادات، تبيع الفلسطينيين العواطف والشعارات وتزايد عليهم وطنياً ومقاومة وحتى «انتحارياً» وحرباً. هذه الشعوب لا تسعى الى الالتحاق بصفوف المقاومة العسكرية للاحتلال الاسرائيلي بل انها تترفع عن الخروج في تظاهرات، ورغم ذلك فهي تصرخ وتبالغ وتتوعد في الغرف المكيفة من دون ان تدقق في افرازات التصعيد من دون استراتيجية أو دعم ملموس وفعلي. حقيقة الأمر ان هذه الشعوب تؤذي الفلسطينيين بأضعاف ما تعتقد أنها تساعدهم. انها ترفع العتب وتداوي شعورها بالذنب، كذلك على حساب البؤس والألم الفلسطينيين.

الأميركيون من جهتهم دمروا البوصلة الاخلاقية لديهم ذات العلاقة بالفلسطينيين. انهم لا يدفنون الذنب في التملص من المسألة كما يفعل الأوروبيون وانما ينطلقون من سذاجة مذهلة تأخذ التاريخ من زاوية آخر حدث يتطابق مع ما أنجزه «غسل الدماغ» عبر العقود ليجعل من اسرائيل «الضحية» للعرب والفلسطينيين.

أفعال الفصائل الفلسطينية لم تساعد ابداً في تغيير الرأي الأميركي الذي أوشك على تقبل القضية الفلسطينية لكونها عادلة. فهذه الفصائل اثبتت انها نابغة في توقيت عمليات انتحارية وارهابية تماماً عندما كان الرأي العام الاميركي جاهزاً لتحول نوعي نحو الفلسطينيين في المعادلة الاسرائيلية - الفلسطينية.

إدارة جورج بوش كادت ان تحقق نقلة تاريخية في السياسة الاميركية نحو النزاع العربي - الاسرائيلي وبالذات نحو فلسطين. كان ذلك في بداية عهدها، لكن مزيج اللوبي الاسرائيلي وتوقيت العمليات الانتحارية ضد المدنيين كبّل يدي بوش سيما وان أقطاب ادارته سقطوا في فلك اللوبي. فلقد تحدث بوش في البدء عن إنهاء الاحتلال الاسرائيلي الذي وقع عام 1967 في إطار حديثه عن رؤية الدولتين. لكن اللوبي اليهودي جند جيشه داخل الادارة الاميركية وفي الاعلام بكل حذاقة ودقة كي يتسلق الرئيس الاميركي السلم نزولاً. وما ساعد هذا اللوبي أكثر من اي شيء آخر، هو المساهمة «الانتحارية»، وهكذا كان، تراجعت ادارة بوش من حافة النقلة النوعية وفعلت تماماً ما فعلته كل ادارة أميركية قبلها، وهو التملص من الاقدام على معالجة القضية الفلسطينية.

اليوم، تبدو ادارة بوش غارقة في العراق لدرجة الهوس الذي يعمي عن ضرورة تناول الأمور الأخرى الضرورية، ولا تريد ان تدخل في دهاليز البحث عن حل للنزاع الفلسطيني - الاسرائيلي. منطقياً، يفترض ان يفهم أقطاب هذه الادارة ان حل هذا النزاع يساهم جذرياً في معالجة شتى الهموم الاميركية، وبينها العراق وايران ولبنان وما تسميه الحرب على الارهاب. لكن عقلية الغمامات تحول الاميركيين الى حصان غير قادر سوى على رؤية ما أمامه فوراً وليس ما الى شماله ويمينه. ثم هناك الاعتبارات الانتخابية شبه الدائمة حيث لنفوذ اليهود الاميركيين مكانة مميزة تؤخذ عنصراً اساسياً في الحسابات. وهذا ما يستغله كل رئيس حكومة اسرائيلية عندما يشاء.

ايهود اولمرت مقتنع بأن مهمته هي تطبيق اسلوب فك الارتباط مع الضفة الغربية في حل أحادي يفرضه كي لا تؤدي المفاوضات مع الطرف الفلسطيني الى مساومات على «الحدود» التي يريدها أو الى التنازل عن مستوطنات. لا يريد أن يستخدم الشريك المفاوض أي «فيتو» على الخريطة التي في ذهنه. لذلك لا يريد اولمرت شريكاً في المفاوضات شأنه شأن ارييل شارون قبله. لذلك، انه يتهرب باستمرار من الشراكة مع محمود عباس، المخول القيام بالتفاوض السياسي على الوضع النهائي للأراضي، بموجب اتفاقيات أوسلو التي أدت الى قيام السلطة الفلسطينية. وهو يتملص من فكرة التفاوض على الوضع النهائي للضفة الغربية وغزة التي احتلتها اسرائيل عام 1967 لأنه يرفض المساومة على أساس حدود 1967.

ما لم ينجح فيه ايهود اولمرت مع جورج دبليو بوش هو اقناعه بمباركة فرض فك الارتباط احادياً على الضفة الغربية كبديل عن «خريطة الطريق» الى رؤية قيام دولة فلسطين بجانب دولة اسرائيل عبر المفاوضات بهدف انهاء الاحتلال واستبداله بالتعايش والتطبيع.

ما نجحت فيه اسرائيل ومعها اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة هو محو تعبير «الاحتلال» من القاموس السياسي للادارة الاميركية ومن الاعلام. وهي الآن تريد محو «خريطة الطريق» واستبدالها بتعابير فك الارتباط وما يشابهها. اولمرت في حاجة الى فترة زمنية لاستكمال الخريطة التي يريد فرضها على الأرض من خلال الجدار الفاصل وغيره. ولذلك سيبقى في تملص من التفاوض وسيتخذ الاجراءات التي تؤدي الى انهيار السلطة الفلسطينية، وسيمضي في ضرب الخناق الاقتصادي والاجتماعي والمعنوي على الفلسطينيين، وسيستفيد من الانقسامات بين الفصائل الفلسطينية متمنياً لها أن تؤدي الى حرب أهلية.

فالمسيرة منذ أن ألقى اولمرت خطاب الفوز في الانتخابات الى «الحوار» الذي أجراه معه ايلي ويزل الاسبوع الماضي في مؤتمر البتراء للحاصلين على جائزة نوبل للسلام مسيرة مخيبة للأمل في رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد. كلامه في البتراء «هز بدن» المشاركين الأكثر اعتدالاً وأهان ليس فقط الرئيس الفلسطيني الذي كان التقاه قبل دقائق وانما أهان كامل الحضور العربي. ومنذ ان نجح العاهل الأردني الملك عبدالله في جمع عباس واولمرت في مؤتمر البتراء للاتفاق على لقاء يعد له، دخل الاعداد دهاليز المماطلة بقرار اسرائيلي وبمساهمة جدية من «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى والأطراف التي تدعمها والتي لها أجندة غير «القضية» الفلسطينية وعلى رأسها سورية وايران.

ايران اليوم ترهن القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ورقة في طموحاتها الاقليمية والنووية. انها تستخدم المعاناة الفلسطينية لتحقيق مصالح ايرانية، وهي تهدد وتؤكد بكل وقاحة، مع قادة عرب وليس فقط بصورة مبطنة مع الأميركيين، بأنها تمتلك «حماس» وشتى الفصائل الفلسطينية والقرار الفلسطيني أيضاً. حكومة الرئيس محمود احمدي نجاد تتباهى بنفوذها مع المنظمات الفلسطينية الى جانب نفوذها وتمويلها لـ «حزب الله» في لبنان، وهي تتاجر بكل ما من شأنه أن يعزز لعبتها النووية وسعيها وراء الزعامة الاقليمية. انها تعمل على اخراج القضية الفلسطينية من بعدها العربي لتصبح ركناً لايران في أحلام هيمنتها على العرب في منطقة الشرق الأوسط وتربعها مع تركيا واسرائيل في مواقع «العظمة» الاقليمية.

لذلك، من مصلحة ايران ان يتعطل التوافق الفلسطيني - الفلسطيني وأن تفشل حلول التفاوض والتعايش للنزاع الفلسطيني - الاسرائيلي. فاستمرار هذا النزاع يخدم المصالح الايرانية وهو لا يكلف طهران أرواحاً ايرانية وانما مجرد أرواح فلسطينية. حكومة أحمدي نجاد ليست أبداً في وارد دخول حرب مع اسرائيل لتحرير فلسطين. فهذا غير مطروح أبداً على الطاولة. حتى ولو ضربت اسرائيل مواقع مفاعلات نووية في ايران ولو دخلت المنطقة برمتها في حرب اقليمية، انها ليست من أجل فلسطين ولا هي ضد اسرائيل. انها من أجل ايران وطموحاتها النووية والاقليمية.

أحداث هذا الأسبوع حجبت عن إيران المسؤولية المباشرة وركزت الأنظار بدلاً من ذلك على المساهمة السورية في التطورات الفلسطينية. فطهران أحياناً فوق المحاسبة حتى وإن كانت العملاقة في الشراكة مع سورية، إنما ما حدث هذا الأسبوع يبقى في غاية الأهمية لما ينطوي عليه من رسائل دولية وإسرائيلية الى دمشق.

فالأمين العامم للأمم المتحدة كوفي أنان اعتبر الرئيس السوري بشار الأسد صاحب «نفوذ» في الوضع الفلسطيني - الإسرائيلي المتأزم نتيجة اختطاف الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليت، إذ أجرى اتصالاً هاتفياً معه بصفته صاحب «دور» في جهود «ضمان اطلاق سراح الأسير»، وكذلك «بسبب وجود فصائل حماس في سورية - فصيل خالد مشعل»، حسبما قال أنان.

الاتصال الهاتفي الذي بادر إليه أنان مع الأسد جديد من نوعه، إذ أنه خُصص لبحث العلاقة السورية بالمسألة الفلسطينية. هذا الاتصال كشف أن الامين العام يعتقد أن الذين يتخذون القرارات في الشأن الفلسطيني ليسوا فقط قادة الفصائل الفلسطينية في دمشق، وإنما هؤلاء يقعون تحت نفوذ الرئيس السوري.

الرسالة الإسرائيلية الى القيادة السورية والتي تمثلت في تحليق الطيران فوق بيت الرئيس السوري رسالة تحذير وانذار بأن ايهود أولمرت لن يقف متفرجاً على الدور السوري الراعي للفصائل الفلسطينية مباشرة ونيابة عن ايران. وهذا الانذار يضع القيادة السورية أمام استحقاقات وقرارات مهمة، إذ أنها لا تريد أن تخوض حرباً مع إسرائيل ولا هي في صدد تفعيل الجبهة السورية لتكون جبهة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي.

وهذا يترك الفلسطينيين تحت الاحتلال بين فكي الكماشة الإسرائيلية والمصالح السورية - الإيرانية، فلا الحرب خيار أمامهم، ولا التحرير العسكري ولا المقاومة عبر كامل الحدود العربية مع إسرائيل.

لذلك يواجه الفلسطينيون مأساة استخدامهم وابتزاز معاناتهم سلعة في الحسابات الاقليمية التي تقودها الحكومة الإيرانية وحلفاؤها في المنطقة، وكأن القهر والظلم اللذين يعانونهما على أيادي إسرائيل القائمة بالاحتلال ليس كافياً. هذا البعد الاقليمي لا يبرئ الفصائل الفلسطينية من المحاسبة، بل انه يفاقم مسؤوليتها في وضع القضية الفلسطينية تحت خدمة الطموحات الاقليمية لغير الفلسطينيين.

مقاومة الاحتلال الإسرائيلي حق فلسطيني طالما ترفض إسرائيل انهاء الاحتلال والتفاوض على حل سلمي. واقع الأمر أن آفاق المقاومة العسكرية مغلقة، وأن العمليات التي تسميها فصائل فلسطينية مقاومة ليست سوى أدوات تستخدمها إسرائيل في سياسة الانتقام ومن أجل تعزيز خططها. التهجير الجماعي للفلسطينيين من داخل إسرائيل خطة وُضعت على الرفوف لكنها قابلة للاحياء اذا تقدمت الفصائل الفلسطينية بالذرائع والمبررات لإسرائيل. وهذا ما يجب على هذه الفصائل التفكير به عندما تُقدِم على مغامرات تكتيكية. فلا مكان للصبيانية الآن، إذ أن العواقب وخيمة على الشعب الفلسطيني الذي كفاه احتلال واستغلال فيما العالم يتفرج على مآسيه ويبارك «الانتقام» الإسرائيلي بعقاب جماعي بصفته «حق دفاع عن النفس».

الاتفاق بين «حماس» التي تقود الحكومة الفلسطينية وبين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على «وثيقة الاسرى» اتفاق جيد من الضروري أن يُؤخذ بجدية، وأن يتبعه تشكيل حكومة جديدة. فلا يكفي أن تندفع الفصائل الفلسطينية الى الاتفاق عندما تحشد إسرائيل مدرعاتها. إنها مطالبة باستراتيجية وطنية تُخرج القضية الفلسطينية من بازار الابتزاز الاقليمي والمزايدة بالعواطف والهتافات، وتتحصن ضد حرب أهلية فلسطينية، وتدرس بجدية سيناريوات افرازات المغامرات كي لا تقدم الخدمات والذرائع للخطط الإسرائيلية.

الحياة.

فلسطين تتوحّد في مواجهة إسرائيل في غزة .. والعرب وسطاء>!

فلسطين تتوحّد في مواجهة إسرائيل في غزة .. والعرب وسطاء!

طلال سلمان

لم تنجح الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة، برغم وحشيتها واستهدافها أسباب الحياة في هذا القطاع المحاصر والمعزول عن الدنيا، بمئات الآلاف من النساء والرجال والأطفال فيه، في كسر إرادة شعب فلسطين وإجباره على الاستسلام، أو في دفع قواه السياسية إلى الاشتباك بين من يقول بالصمود ومن يحاول استنقاذ السلطة بأية شروط ومهما كانت مذلة.
لقد استعاد الفلسطينيون روحهم النضالية وهم يواجهون الحملة العسكرية الإسرائيلية التي بدأت قبل <عملية تبديد الوهم> بأسابيع، وإن كانت قد اتخذت من الجندي الأسير ذريعة قابلة للتسويق، علماً أن المقاتلين الفلسطينيين قد اقتادوه من قلب دبابته في موقعه المحصّن في <كرم سالم>، ولم يكن في نزهة خلوية بعدما أضجره الصيف الفرنسي.
تماسكت <السلطة> برئيسها الذي كان مشبعاً بأوهام التفاوض إلى حد معانقة رئيس الحكومة الإسرائيلية، تحت رعاية ملكية في <البتراء>، بينما دماء الأطفال لما تجف فوق رمال الشاطئ في غزة وبيت لهيا وبيت حانون، وحكومتها التي كانت تعاني من اشتراط إسقاط هويتها كمدخل للاعتراف بها، والفصائل التي كانت تباعد بينها الاجتهادات تحت ضغوط الحصار وضيق الرزق وافتقاد النصير.
ومع كل ضربة جديدة، كمثل اعتقال نواب حماس في الضفة الغربية ومعهم ثمانية من <رفاقهم> الوزراء، كانت تتأكد وحدة الموقف الفلسطيني، برغم افتقاده الحد الأدنى من الدعم العربي المفترض بداهة، وبرغم غياب <الرعاة> من حماة <خريطة الطريق>، أوروبيين على وجه الخصوص، ومن ثم أميركيين، فضلاً عن تلطي الأمم المتحدة بشخص أمينها العام وراء بيان ركيك كاد يساوي فيه بين الجلاد والضحية... هذا إذا ما تجاهلنا الموقف المهين لبعض المسؤولين العرب ممثلين بوزير خارجية قطر الذي تنصل فيه من <تأييد الفلسطينيين> حتى لا يؤخذ بجريرة <عروبته>!
لقد تبدت إسرائيل، بكل جبروتها، وكأنها <دولة الخوف>، خصوصاً وقد استذكر بعض قادتها وأهل الرأي فيها تجربتها المرّة في لبنان، وبعدما أثبتت الأيام الثلاثة الماضية، بكل ما حفلت به من ضروب القسوة والتدمير وتقطيع أوصال هذا الشريط الضيق والمكتظ بأكثر من مليون ومئتي ألف إنسان، أن الحصار لم يضعف روح المقاومة عند الفلسطينيين ولم يؤجج الخلافات في ما بين الفصائل المختلفة، بل هو وحّد <المتشددين> و<المفرّطين> و<المساومين> و<المقاومين> لوعيهم أن صمودهم وحده قد يفتح باب الخروج من ليل الحصار إلى أفق التوافق الوطني، وإعادة بناء سلطة كالتي تستحقها دماء شهدائهم.
إنها أيام عصيبة حقاً، ولكنها بقدر ما تبدو باهظة التكاليف فإنها تطرح السؤال البديهي: وماذا تملك إسرائيل أكثر من طاقة التدمير والقتل التي خبرها الفلسطينيون منذ زمن بعيد، هم الذين شيّعوا خلال الشهر الأخير وحده حوالى مئة شهيد، بينهم أكثر من عشرة أطفال وجنين لم تسمح له النار الإسرائيلية بأن يرى النور.
بضربة واحدة، أسقطت إسرائيل جميع الاتفاقات والتفاهمات التي لم تنفذها أصلاً، والتي ألغاها رئيس الحكومة الإسرائيلية عندما حدّد سياسته بالانسحاب من طرف واحد من الضفة الغربية بعد تقطيعها إلى معازل مفصول بعضها عن البعض الآخر، وبعد <مصادرة> منطقة الغور كلياً، وبعد <أسرلة> القدس الشرقية جميعاً، وبعد إعلانه ما سبق إلى العمل به أسلافه <أن لا شريك فلسطينياً>.
على أن الفضيحة تتمثل، كالعادة، في مواقف الدول العربية، قريبها الملاصق وبعيدها الذي كان يكتفي <بدعم الصمود> بقروش معدودة، ثم يشيح بنظره بعيداً عما يجري لشعب فلسطين في أرضه.
ولقد فضحت إسرائيل هذه المواقف، حين توجهت بإنذاراتها إلى سوريا (ولبنان ضمناً)، وأرسلت طيرانها الحربي ليخرق جدار الصوت فوق قصر الرئيس السوري في اللاذقية، كأنما تحمّله المسؤولية وتنذره بالعقاب!
أما بقية الدول العربية فبالكاد توافقت على عقد لقاء بلا قيمة لمندوبيها في الجامعة العربية، على أن توفد وزراءها لاجتماع <طارئ> اليوم في القاهرة، بينما بلع الرؤساء والملوك ألسنتهم فلم تصدر عن أحدهم كلمة ولم يتبرّع أي منهم بوساطة مع الإدارة الأميركية، فضلاً عن التحرك لدعوة مجلس الأمن مثلاً إلى الانعقاد، خوفاً من أن يغضب تل أبيب أو واشنطن.
إن هذه الدول التي رفضت الاعتراف بالحكومة العربية الوحيدة المنتخبة ديموقراطياً، والتي لم تستقبل رئيسها، الذي تمنعه إسرائيل من مغادرة غزة، لم تتحرّك ولو لكسر الحصار بقوافل من المواد الغذائية.. ولم يجرؤ من له علاقات مع إسرائيل على سحب سفيره، أو تقديم احتجاج، ولو لفظيا.
أما الأشجع من بين المسؤولين العرب فهو الذي تبرع ببذل مساعيه الحميدة من أجل إطلاق الأسير الإسرائيلي، بينما في السجون والمعتقلات الإسرائيلية أكثر من تسعة آلاف أسير فلسطيني، هذا إذا ما نسينا للحظة أن الشعب الفلسطيني جميعاً في سجن كبير، داخل ما تبقى من أرضه الممزقة إرباً بالجدار والمستعمرات والقلاع العسكرية الإسرائيلية.
لقد هدفت إسرائيل إلى إلغاء الشريك الفلسطيني نهائياً، بداية باستغلال الخلافات الداخلية، لا سيما بين أهل السلطة وأهل الحكومة.. وهي قد أخذت بالاعتبار اقتراب الطرفين من التوافق على <وثيقة الأسرى> كقاعدة للحكم، وهي تباشر حملة تدمير غزة.
ولكن شعب فلسطين، المجوَّع والمحاصَر براً وبحراً وجواً، ومن أهله وإخوانه إضافة إلى عدوه عدوهم، صامد في مواجهة الحملة العسكرية، بشرط ألا يضرب من بيت أبيه..
على أن حكّام العرب معنيون بتعليمات وزيرة الخارجية الأميركية <أن يتصرفوا بمسؤولية الحفاظ على السلام>، أكثر مما هم معنيون بمصير فلسطين وشعبها... وهو مصير سيطاولهم جميعاً، بعيدهم والقريب.

السفير

” ستة عشر يوما من الجمر “

٢٠٠٦-٠٦-٢٩

” ستة عشر يوما من الجمر “

فرج بيرقدار

خاص – صفحات سورية -

مضت الأيام خائفة.. متلجلجة.. ونازفة.
أن ترفع رأسك، معناه أن ترفع نعشك، وتستعد للسير في أول الجنازة.
كنا نميز العساكر من أشكال أحذيتهم.
- ذو الحذاء الصغير الأسود اللامع ليس سيئاً.
- بل إنه يبدو أحياناً، وكأنه متعاطف معنا.
- أما ذو الجزمة السميكة الوسخة، فإنه بلا شك، يتدرَّب الكاراتيه، ويطبق تمارينه علينا بطريقة غبية.
- غبية وربما أكثر إيذاء مما يريد.

حقاً أصابع المرء ليست واحدة، فقد كان هناك عساكر في منتهى الطيبة، وبعضهم كان يتعاطف معنا إلى درجة لمعان الدمع في العيون.
لا أستطيع أن أنسى ذلك السجان، الذي كان، كلما أخذوني إلى التحقيق، يترك لي في المنفردة بعضاً من الحلوى أو الفاكهة.
إحدى المرَّات كان هو الذي يرافقني إلى المنفردة بعد انتهائي من إحدى جولات التحقيق، وما إن فتح الباب، حتى وقعت عيناي على قطعة كبيرة من “الهريسة”.
يصعب أن تصدقوا ما تعنيه قطعة هريسة بالنسبة لسجين جديد، استنزف التحقيق من دمه وأعصابه وعرقه، ما لا يستطيع احتماله أي كائن آخر غير الإنسان. التفتُّ إلى السجان مبتسماً، في الحقيقة كانت أعماقي تخفق بفرح طفولي غامر، وشكرته كما هي العادة.
سألني عن مبرِّر ذلك، فأشرت بإصبعي إلى الهريسة.
تغير لونه، وارتبك قليلاً، ليضيف:
أنا لم أستطع، أن أترك لك شيئاً هذا اليوم.
أغلق الباب، وما إن ابتعدت خطواته، حتى وصلني صوت أحد الرفاق:
- هل أعجبتك الهريسة يا منفردة /13/؟
- هذا أنتم إذن؟ يا لتسرعي وضعف مبادهتي أيها الرفاق، لقد شكرت السجان عليها!

أجل.. تمضي الأيام طائشة ومترنِّحة، بل غامضة ومتحفِّزة وموحشة وعمياء.
صحراء تشهق رملاً، ولا تزفر سراباً.
أرجوحة بين نصلين لامعين يتناوشانها ذهاباً وإياباً باسم الحياة والموت.
يا إلهكم! هل يستقيم لكم، أن تروا الحياة والموت على هيئة واحدة؟!
- رئيس المهجع /18/.. إرم من الشرَّاقة أفضل بطانية عندك.
- من شان شو حضرة الرقيب؟!
- من شان خرا بتمَّك يا شرموط.. من شان الخبز.
كان صوت العسكري، وربما أحد عناصر البلدية، يلعلع في الباحة:
- رئيس المهجع /19/.. أفضل بطانية عندك../20-21-22-23-24/ أفضل بطانية عندك.
شهقات غريبة متقطِّعة! انتبهنا إلى مصدر الصوت، فرأينا أحد الرفاق، وهو يجاهد في خنق ضحكة غير مفهومة، ولكنه ما لبث أن استسلم، تاركاً العنان لصوته وجسده وحركاته. تكلَّحت ملامح رئيس المهجع، وهو يسأل عن سبب الضحك، فأجابه الرفيق، وهو لا يزال تحت تأثير الحالة:
- لاشيء.. فقط أضحكتني نبرة العسكري، وهو يلفظ كلمة: شرموط.
اكفهر وجه رئيس المهجع، واحتقنت عيناه بدمع حجري مقهور:
- ولكنك لم تضحك يا رفيق، عندما قالوا لك البارحة: يا منيوك!
رَدَّ ثالث:
- في الحقيقة كلمة “شرموط” أخف وطأة من كلمة “منيوك”.
قال آخر:
- بالعكس.. فكلمة “شرموط” هي أقذع شتيمة ممكنة.
تدخَّل خامس، ليقول بجديَّة تامة:
- أنا لا أعرف حقاً أي اللفظتين أسوأ، ولكن لا داعي لهذه المهاترة، مادام بيننا اختصاصي لغة عربية، مشيراً إلّي.
أنقذني أحدهم، وهو يعيد الدماء إلى مجاريها:
- ولك يا شباب شو صار لكم.. كلّه ألعن من بعضه.. الله يرحم خلافات أهل الكوفة والبصرة. يا سادة نحن الآن في تدمر، خلّونا نحل مشكلة البطَّانيات أولاً، وبعدها لكل حادث حديث.

في كل يوم كنا نرمي أفضل بطانية لدينا، فيعود إلينا الخبز مع بطانية جرباء مهترئة، وحين ضغطنا على رئيس المهجع، ليطرح المشكلة مع حضرة الرقيب، رضخ رئيس المهجع، ولكن رد الحضرة جاء عاصفاً.
وبعد ما صحونا، اكتشفنا أن أربعة أو خمسة منَّا، لا يسمعون جيداً، وأن غشاء الطبل.. صفعة واحدة تكفي لثقبه أو تمزيقه.

بعد شهور نقلونا إلى المهجع /24/.
قال لنا أحد الرقباء:
- هذا أفضل مهجع في السجن.. هواء وشمس ودلال.
كنَّا نسمي هذا الرقيب “الجرو”.
في الحقيقة ما من رقيب إلاَّ ركّبنا له اسماً حركياً، استوحيناه من شكله أو سلوكه أو صوته..إلخ.
الرقيب الأشقر النحيف الطويل أطلقنا عليه اسم “آسفين”، لأنه حين سألَنا عن سبب ارتفاع الصوت، قال له أحدنا:
- لم نكن نعتقد أن الصوت كان عالياً أكثر مما..
قاطعه على الفور:
- لا تناقشني.. قلت لك كان عالياً.
- حسناً حضرة الرقيب.. آسفين إذا كنت ترى الأمور كذلك.
ضيَّق الرقيب جفنيه بحركة ازدرائية:
- قلت لي آسفين آااا ؟! والله تاليتك بتاكل خرا، وبتحكي نَحَوِي!
بعد هذه الحادثة وجدنا أنفسنا، حين نأتي على ذكر هذا الرقيب، نسميه “آسفين”.
العريف ” شميدت”، استنبطنا له اسمه من شكله الألماني، وأعطينا الرقيب “الصرصور” اسمه من خلال تركيبة صدره، وربما من خلال صوته، والرقيب “جمال” من أناقته وتهذيبه بشكل عام.
أما ” الجرو” فلأنه كان في إحدى موجات التعذيب الدوري المنظَّم، يعوي أكثر ممَّا يعضّ، في حين كان الآخرون، يعضّون أكثر ممَّا يعوون، وقد اختلفنا لاحقاً حول التسمية.
بعضنا اعتبرها مديحاً له، وبعضنا اعتبرها ذمَّاً، لا يليق بسلوكه الذي ينم أحياناً عن ذكاء وتعاطف.

في إحدى فترات التنفس كان “الجرو” يغنِّي واحدة من أغاني سميح شقير الشهيرة:
"رجع الخيّ يا عين لا تدمعيلو.. فوق كتاف رفقاتو ومحبّينو
رجع الخي يا يمَّا زغرديلو.. ها الشهيد دمَّاتو دين علينا".
- يا شباب أسمعتم؟! ألم أقل لكم إن وراء تصرُّفات الجرو ما وراءها؟
كلُّكم سمعتم الأغنية التي غنَّاها.. ألا تعتقدون أن هذه الأغنية رسالة واضحة الدلالة؟
- نعم.. إنها تدل بوضوح على أننا سنرجع محمولين، ولكن ليس بالضرورة على أكتاف الأحباب والأصدقاء!

ذات يوم ساءت صحَّة أحد الرفاق، وحين فحصه طبيب السجن، قال إنه سيشرح للإدارة ضرورة نقله إلى مشفى تدمر.. وبالفعل نقلته الإدارة خلال ساعات.
- يا رفاق.. لو كانت حياتنا مهدورة، لما نقلوا رفيقنا إلى المشفى، وما دامت حياتنا ليست مهدورة، فلماذا لا نفكر بمواجهة محدودة بغية تحسين شروط حياتنا؟
عقدنا اجتماعاً مطولاً وفي منتهى الدرامية، استطعنا في نهايته الوصول إلى إقرار مشروع إضراب عن الطعام، احتجاجاً على سوء المعاملة وغياب الكتب والجرائد ونقص الطعام والأدوية، وغير ذلك من تفاصيل حياتنا اليومية.
تحركت الإدارة بدينامية عالية عبر بعض الرقباء… ترهيب وترغيب وجس نبض..الخ.
لاحقاً جاء المساعد، ليخبرنا أن الإدارة، لا تسمح بهذا السلوك أبداً.. ثم ما الداعي لهذا الجنون، طالما أن الإدارة، ستلبي طلباتنا قريباً بشكل طبيعي.. أم أننا ننوي استفزاز مدير السجن؟
- لا بأس يا رفاق، سنكتفي بالإضراب ليوم واحد، فإن حققت الإدارة مطاليبنا كان خيراً، وإلا..فسنعود إلى الإضراب من جديد.

سنة وخمسة شهور والإدارة تماطل، ونحن نحاول..
في الواقع حسَّنوا معاملتنا جزئياً.. صارت الإهانات الجسدية والمعنوية أقل، وأعطونا النشرة السياسية، التي تصدرها إدارة التوجيه المعنوي للجيش.
- يا رفاق.. انتظرنا الإدارة أكثر مما ينبغي، وها قد مضى على اعتقالنا سنتان ونصف تقريباً بدون زيارات وبدون جرائد وكتب وبدون تنفس حر وبدون..

في 12 تشرين الأول 1989 بدأنا إضرابنا الثاني، وحددنا مطاليبنا بصورة أوضح وأوسع: الزيارات، المعاملة، الجرائد والكتب والأقلام ، باحة خاصة للتنفس طيلة النهار، الأدوية، الطعام..
كنا نقدر أن الإضراب سيستمر طويلاً، وأن الإدارة ستلجأ إلى كسره بالقوة، ولهذا لم نعلن عنه إلا بعد مرور ثلاثة أيام، وذلك لوضع الإدارة أمام الأمر الواقع، وبالتالي إلغاء جدوى تفكيرها باستخدام العنف.
في البداية أعلنا أننا مضربون عن التنفس، وعند أول تصعيد من قبل الرقباء، أخبرناهم أننا مضربون عن الطعام أيضاً، وأنه قد مضى على إضرابنا ثلاثة أيام.
قامت قيامة السجن.. ربما هي المرة الأولى التي تشهد فيها إدارة سجن تدمر إضراباً من هذا النوع.
أخرجوا من بيننا أربعة رفاق لا على التعيين، ثم أغلقوا المهجع، لتبدأ جهنم في الخارج.
كان الرفاق الأربعة يترنحون تحت الضربات الطائشة لقبضات العساكر وأحذيتهم، والحارس الواقف على السطح يصرخ مهدداً بعد أن لقّم بندقيته، وصوَّب باتجاههم.
- لن تخيفنا بصراخك.. هاهي صدورنا عارية.. إفتح النار إن كنت شجاعاً.
كنا نرقبهم من ثقوب الباب، ودماؤنا تغلي.
صرخة مخطوفة أطلقها أحد الرفاق في الخارج، وهو يضع يده على خاصرته، ثم ما لبث أن هوى كشجرة، قصفتها ضربة برق.

لا ندري كيف استطاعت قبضاتنا، أن تخلع الشرَّاقة، وقد اندلع المهجع بما يشبه الهستيريا.
صراخ مجروح وهتافات وحركات يائسة وطرق مجنون على الباب:
- يسقط القمع
- يسقط الإرهاب
- تسقط الديكتاتورية
- عاشت الحرية.
أسوار السجن وباحاته ومهاجعه صماء خرساء، وإن كانت تسمع وتردد أصداء صراخنا، وهي ترتطم على جدرانها، متناثرةً شظايا في كل اتجاه.
- اهدؤوا لنتفاهم، قال الرقيب المسؤول.
- لن نهدأ قبل أن تُدخِلوا الرفاق الأربعة.
- اهدؤوا أولاً، فندخلهم.
- أدخلوهم أولاً، فنهدأ.
كنت أقف على الشرّاقة، محاولاً قدر الإمكان ضبط انفعالاتي أثناء هذا الحوار، وتهدئة بعض الرفاق الذين فقدوا السيطرة على أعصابهم تماماً.
يبدو أن أحد العساكر ضاق ذرعاً بتلك المحاورة، فاندفع باتجاه الشرَّاقة مزبداً معربداً، وعندما وصل أمامي، أطلق صلية من الشتائم، ثم أتبعها ببصقة، جعلتني أصحو، وأفقد صوابي!
كان وجهه أمامي تماماً، فرددت له البصقة بأقصى ما أستطيع.
صمتَ المشهد كاملاً..
وقف العساكر مذهولين للحظات، قبل أن يرفع الرقيب المسؤول يده علامة النهاية.
فتحوا الباب.. دخل الرفاق الأربعة، وانسحب العساكر، تاركين في الباحة صمتاً متربصاً، ينذر بكارثة.
أدان الرفاق سلوكي، واتخذوا الاستعدادات المطلوبة في حال تمَّ تفريقنا إلى الزنازين، بعد أن قرَّروا إنكار الواقعة أمام المساعد ومدير السجن، ومنعي من إعلان مسؤوليتي الشخصية عن البصقة.
- لا يارفيق.. البصقة هنا ليست مسؤولية شخصية، بل إنها لم تحدث أصلاً، فإن أعلنت مسؤوليتك عنها، فأنت خارجنا.
- مسؤوليتك الشخصية قد تعني تصفيتك يا رفيق..أما المسؤولية الجماعية فتبقى أقل وطأة.

بعد ساعات حضر المساعد، وأثار حادثة البصقة مع شيء من التهديد، ولكنه سرعان ما تجاوزها إلى مناقشة الإضراب وضرورة إنهائه بالحسنى، غاضاً الطرف عن البصقة وهيصة الشعارات والدق على الباب.
- إن أكلتم شأنكم، وإن صُمتم شأنكم.. ستموتون جوعاً مثل الكلاب.
لقدكان مفاجئاً وغريباً، أن الإدارة لم تلجأ إلى الانتقام من سلوكنا، أو إلى العنف بغية كسر الإضراب.

أحد عشر يوماً والإدارة توحي لنا أنها غير مكترثة، وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد.. ولكنها في آخر اليوم الحادي عشر، أبلغتنا عبر المساعد، أن نختار ممثِّلاً عنَّا لمقابلة مدير السجن.
لم تطل المقابلة أكثر من ربع ساعة.
قال المدير إنَّه موافق على جميع طلباتنا، التي هي من صلاحيَّاته، موضِّحاً أن الزيارات والأقلام ليست من عنده، ثم حاول إنهاء المقابلة بنبرة أبويَّة:
- فكُّوا إضرابكم يا أبنائي.. ستتحسَّن المعاملة، وستصلكم الجريدة والكتب وغير ذلك ممَّا هو من صلاحيَّاتي، وسنضعكم في مهجع له باحة خاصَّة للتنفس طيلة النهار.
- حسناً.. عندما تصبح هذه المسائل أمراً قائماً، سنوقف إضرابنا.
أقسم العقيد أنه سيحقق كل ذلك خلال ستة أيام، فما الداعي لمواصلة الإضراب بلا مبرِّر؟!

بالفعل نقلونا إلى الباحة الجديدة بعد ستة أيام، وبدأت الجريدة تصلنا، وسمحوا لنا باستعارة الكتب من المكتبة، ووافقوا لنا على شراء قاموس عربي وقاموس إنكليزي وبابوركاز.. الخ.
انتصار أنقى من الدمع، وأغلى من الدم.. فلنغسل جراحنا وعذاباتنا على مهل.. على مهل.. ولابأس أن نبكي قليلاً، ونحن نرقب نجمة الكرامة، تشق عباءة ليل طويل من الذل، وترتفع.

لم يكد يمضي شهران أو ثلاثة، حتى بدأت المعاملة تسوء بالتدريج. عاد الضرب والشتائم ولو بصورة متباعدة ومدروسة، وصارت انقطاعات الجريدة تطول، وتراجعت سوية الاهتمام الطبي والغذائي.

خلال عام واحد شهدنا ثلاثة تسمّمات جماعية بسبب فساد الطعام. أما الباحات الأخرى التي تضم الأخوان المسلمين وبعث العراق وبعض التهم المتفرقة، فقد كانت حالها أقسى وأكثر بؤساً وخطورة وتراجيدية..حال لم ينذر بها من قبلُ نبيّ ولا كتاب.

كنا بين فترة وأخرى، نعلِم المساعد أن الإدارة، تخرق ما تم الاتفاق عليه، ونلمح إلى أننا قد نضطر إلى استخدام سلاح، لا نود استخدامه، وفيما لو حدث واضطررنا إلى استخدامه، فإننا نحمّل الإدارة مسؤولية دفعنا إليه.
تفهم الإدارة إشارتنا إلى سلاح الإضراب، فتتراجع قليلاً، ثم تعود ثانيةً إلى جولة جديدة من الترويض والمماطلة والالتفاف.

يوم 16 شباط /1991/ أعلنا إضراباً ثالثاً مختلفاً هذه المرة.
بعض الرفاق يريد الإضراب لتكريس وتحسين ما حققناه سابقاً، وبعضهم يريده من أجل الزيارات حصراً، فقد مضى على اعتقالنا أربع سنوات وزياراتنا لا تزال ممنوعة، وبعضهم يريد الإضراب لتحريك وضعنا بالمعنى السياسي، ليس أمام إدارة السجن وحسب، وإنما أمام شعبة المخابرات العسكرية أيضاً، وآخرون يرون في تحريك وضعنا على هذا النحو خرقاً لقرارات الحزب وتوجيهاته، وهناك من هو ضد الإضراب، لأن دوافعه وأهدافه متباينة، والاستعداد الذاتي لنا كجماعة وكأفراد أضعف من أي فترة سابقة، بينما الإضراب المقترح أطول من سابقه بكثير، فالزمن الضمني المقترح يمتد إلى شهر، وثالثاً لأن الانعكاسات الصحية لمثل هذا الإضراب الطويل غير مأخوذة في الحسبان، لا سيما أن بيننا رفيقاً مريضاً مهددة حياته حتى بدون إضراب، وإذا تثلم سلاح الإضراب، فإن وضعنا سيغدو أسوأ بكثير مما نتوقع، ثم أخيراً مسألة التوقيت.. فحرب الخليج الثانية في أوجها، وكل أجهزة السلطة مشغولة بها.
جلسات متتالية…مداخلات…اقتراحات… اتهامات…
في النهاية فاز قرار الإضراب، وأبلغنا الإدارة في اليوم نفسه.
كنا شبه موقنين، أن الإدارة لن تتصرف بمحض إرادتها، فنحن عندها،كما قال مدير السجن والمساعد في مناسبات عديدة، وديعة لا أكثر، وأن المسؤول عنا هو الفرع الذي اعتقلنا.
كل ما فعلته الإدارة، أنها أصرت على إدخال الطعام إلى المهجع كإجراء قانوني وبغض النظر أكلنا، أم لم نأكل.
بعد بضعة أيام صاروا يكتفون بإدخال الطعام إلى الباحة.
كان بعضنا يتساءل عما إذا كان الطعام في هذه الفترة طبيعياً ومن مطبخ السجن، أم أنهم يحضرون لنا وجبات خاصة من “ميريديان” تدمر، لإضعاف مقاومتنا؟!
- عادي تماماً يا رفاق.. ألا تلاحظون أنهم بين فترة وأخرى، يحسّنون الطعام؟!
- تقول عادي؟! ومتى كانت الفراريج، تأتي محمّرة ومقمّرة ومكتّفة على هذا النحو، الذي يحرق حتى قلب غاندي؟!

وجهات النظر لا تنتهي، في المسائل الكبيرة والصغيرة على حد سواء، بدءاً من انهيار المنظومة الاشتراكية وسقوط جدار برلين ورياح الديمقراطية القادمة من الغرب، مروراً باحتمالات استمرار الحزب أو تصفيته، وانتهاءاً فيما إذا كان الزيتون هو العيطون، والعجّور هو البطيخ الأصفر، أم أن كلاً منها فصيلة مستقلة.

في اليوم السادس أو السابع تردّت صحة الرفيق المريض بصورة ملحوظة.
عقدنا اجتماعاً، وناقشنا الأمر بمنتهى القلق والمرارة والمسؤولية، ومع ذلك فقد كانت نتيجة التصويت استمرار الإضراب.

الزمن يمضي رخواً وبليداً وزنخاً وركيكاً ورجراجاً.
الوقت والمكان والأحلام والوسائد.. كلها من حجر سائل.
بالطبع توقفت الجريدة، وسُحبت الكتب، فاضطررنا إلى استنفار إمكانيات أخرى: سرد الأفلام والروايات والقصص والسير الشعبية والذكريات، وإعادة نقاش جدوى الإضراب ودوافع تجاهل الإدارة..إلخ .
بقينا على هذه الحال حتى اليوم الثالث عشر..إذ حضر المساعد، وسألنا إن كنا لا نزال على موقفنا؟
- ما دامت مطاليبنا لم تتحقق، فنحن على موقفنا.
غاب المساعد قرابة الساعة، وعاد مع مدير السجن وشخص آخر، لم يسبق لنا أن رأيناه..
قال مدير السجن:
- معي سيادة العقيد من الشعبة، يريد أن يتحدث إليكم.
بدأ العقيد حديثه بطريقة تهديدية رخيصة، موضحاً أنه قادم بتكليف من أعلى السلطات في هذا البلد، وأن قدومه ليس من أجل التفاوض، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض، ولكن من أجل أن يفهِمنا بأنه لا جدوى من هذا الإضراب الخسيس، الذي يحاول استغلال انشغال الدولة بموضوع الحرب الدائرة.
فإما أن نفك الإضراب، وإما إلى جهنم، التي سنراها فور مغادرته، إن بقينا على عنادنا.
عقيد فظ وأخرق وضعيف الخبرة والمبادهة، على ما بدا من خلال مناوراته الساذجة وأفكاره غير المترابطة.
كأنه حفظ بصعوبة بعض الجمل، التي يتوجّب عليه إيصالها إلينا.
كان يحرك يديه وكتفيه ورقبته الغليظة، بالقدر الذي لا يساعده فيه لسانه على رصف الكلمات بصورة واضحة.
بقي معظمنا مستلقياً في مكانه، كما لو انه غير معني بما يقول ضابط الشعبة، وغير مكترث بمقامه أو بمقام مدير السجن، ولا بما ستؤول إليه النتيجة.
أدرك الضابط أخيراً عناد الموقف، فغير من نبرته قليلاً، وقدَّم وعوداً عرقوبية، بأنه سيساعدنا في تقريره، إذا أنهينا الإضراب، وإلا فإنه سيقف ضدنا بكل ما يستطيع أمام المعلِّم. وحين بدا أنه يئس من إحراز أي تقدم في مهمته، ترك لنا تهديداً بالمقبرة، ومضى.
في المساء عاد المساعد، ليسأل مَنْ منا لا يزال قادراً على المشي، فانبرى خمسة أو ستة رفاق..
- طيب.. تفضلوا معي.
كانت نبرته التهكمية والشامتة، تقول إنهم ذاهبون إلى المنفردات حتماً..
وهكذا أمضينا الليل، ونحن نتبادل الرأي حول الخطوات اللاحقة.
صرخة يائسة مدمَّاة أطلقها الرفيق المريض:
آااااااخ… داخل عليكم يا رفاق… إني أموت.
بعضنا وضع رأسه بين يديه، وآخرون اتسعت عيونهم ذهولاً، وهي تنزف دموع العجز والخيبة والانكسار.
أحدنا بادر باقتراح إيقاف الإضراب أياً تكن النتائج، فصحة الرفيق المريض والأوضاع الصحية للرفاق الآخرين في المنفردات، لا تستطيع المقاومة.
نقاشات ومداخلات ومهاترات.. وعند التصويت سقط الاقتراح بإيقاف الإضراب، وكان الرفيق المريض أول من صوّت ضد الاقتراح!
- إذن فلنتابع.. قال رئيس الجلسة، وانفضّ الاجتماع.
لم تمض دقائق، حتى عاد صراخ الرفيق المريض، يعلو من جديد!
- يا رفيق ألم تصوِّت ضد وقف الإضراب؟!
- نعم.. لا أستطيع أن أصوت على وقفه، ولا أستطيع تحمّل آلامي.. أرجوكم يا رفاق.. داخل عليكم أنقذوني.
- أنقذْنا أنت.. قلنا لك من البداية، أن لا تشارك في الإضراب، فوضعك الصحي سيء، وسيضعِف مقوّمات صمودنا.. ومع ذلك الجميع الآن يتفهمون موقفك، فيما لو أنهيت إضرابك منفرداً.
- لا أستطيع.. داخل عليكم.. سأموت.. أنا فداكم يا رفاق..

في اليوم السادس عشر أعادوا لنا أحد رفاق المنفردات.
راحت الأسئلة تنهمر على الرفيق رشاً ودراكاً .
- تمهلوا.. تمهلوا.. أعادني المساعد.
- لماذا أعادك منفرداً؟!
- لا أدري بالضبط.
- ماذا قال لك قبل أن يعيدك؟
- سألني عما سيكون عليه موقفي، إذا أعادني.
- وبماذا أجبته؟
- قلت له إنني فرد، وإن أي موقف جديد هو من شأن المجموعة.
- وماذا أيضاً؟
- لم أعده بشيء، ولكنه هددني بأنه سيعيدني إلى المنفردات، إذا لم يتوقف الإضراب.
- هل تعتقد أنه أعادك، لتشرح لنا ظروف المنفردات؟
- هو لم يطلب ذلك صراحةً، ولكنكم تعرفون أن الظروف هناك أقسى من أن تحتمل، ومع ذلك أنا ملتزم بكل ما ترونه، وجاهز للعودة إلى المنفردة.
- يا رفاق نحن الآن في الخط الأخير.. ودوافع المساعد من إعادة الرفيق لا تغير شيئاً في الأمر.. ينبغي الاعتراف بفشل الإضراب والهزيمة.
- لم يفشل الإضراب ولم ننهزم، وما زال بإمكاننا المناورة والمساومة.
- لا مناورة ولا مساومة.. وضع الرفاق الآن أهم من كل الأهداف والنتائج، التي تراهنون عليها.
- وما هي الصورة التي سننهي الإضراب على أساسها أمام الإدارة؟
- ليس مهماً.. وتستطيع أن تقول الاستسلام.
- بل مهم جداً.. صحيح أنني مقتنع الآن بضرورة إنهاء الإضراب، ولكن لا يجوز أن ننهيه، قبل أن يعيدوا الرفاق من المنفردات.
- أنا أفكر، أن أهم شيء يا رفاق، هو البحث عن تخريجة لإنهاء الإضراب، تحفظ لنا حداً أدنى من ماء الوجه، وإلا فإن حياتنا ستصبح..
- إذا قررتم إنهاء الإضراب، ويبدو لي أن هذا الميل بات واضحاً، فيجب ألا تفرِّطوا في ما راكمناه خلال ستة عشر يوماً، فهذه الأيام يبقى لها شيء من الوزن، حتى لو فشل الإضراب، وبالتالي يجب عدم الاستسلام دفعة واحدة وكيفما اتفق.. يمكنكم مثلاً أن تطلبوا من الإدارة ورقة وقلماً، أو تكتبوا بالحبر الذي صنعناه إن شئتم، وترفعوا إلى مدير السجن بياناً، توضحون فيه أننا إذا كنا سننهي الإضراب، فلكي نبيّن أن لا علاقة لتوقيته بموضوع العراق والكويت والحرب الدائرة.
إن لنا حقوقاً، كنا ولا نزال نعتبرها بديهية بالنسبة إلينا كمعتقلين سياسيين، وسنواصل العمل على تحقيقها بكل السبل الممكنة، وينبغي، في خاتمة البيان، التأكيد على أنه إذا كان قرارنا الأولي، هو وقف الإضراب، فإن بدء التنفيذ، لن يكون قبل عودة جميع الرفاق الذين هم في المنفردات الآن.
انتهت المداخلات، وهكذا..

أجل. لابد من الاعتراف أن الهزيمة، كانت مؤلمة ومريرة وربما فادحة، ولكنها في الحساب الأخير، استطاعت أن تسجل ستة عشر يوماً من الجمر، في مواجهة هذا الرماد الطاغي، الذي يغطي روزناما كاملة من القهر واللعنة والخذلان.

السياسة والإيديولوجية وحقوق الإنسان

السياسة والإيديولوجية وحقوق الإنسان

أكرم البني

خاص – صفحات سورية –

لنعترف بداية أن مفهوم حقوق الإنسان لم يحظ في بلادنا بأي اهتمام طيلة عقود، بل ولم يحتل إلا مؤخراً الحيز الذي يليق به كقيمة من قيم الذات البشرية وكعامل ناجع في تنمية المجتمع وتطوير قدراته، الأمر الذي يمكن إرجاعه الى سببين:

أولهما، إن السائد والطاغي في حياتنا السياسية والثقافية كان الإيديولوجية، وأكثرها حضوراً إيديولوجية وصائية تعطي الأفضلية المطلقة للمسألة الوطنية أو للقضية الاجتماعية وتعتبر الديمقراطية بما في ذلك حقوق الإنسان مسألة نافلة أو أشبه بحاجة كمالية مستوردة لا يحتاجها مجتمعنا. ما أدى، إذا وضعنا جانباً لغة القمع السلطوية والحسابات السياسية الضيقة، الى إشكالية معرفية جوهرها شيوع ثقافة مشوهة خلقت تعارضاً مستحكماً بين مبدأ الحرية وحقوق الإنسان وبين الأهداف الوطنية والمصالح الاجتماعية للناس، وبات الأمر كما لو أننا في أتون معركة شاقة لتحرير مفهوم الحرية وقيم حقوق الإنسان من كافة الاختلاطات والتشوهات التي تمنعه من التقدم.

مما لا شك فيه أن الدستور السوري يحفل ببعض المبادئ التي تكفل الحقوق والحريات وتضمن حقوق الإنسان، إلا أن العادة درجت أن يحال تنظيم هذه الحقوق المختلفة إلى قوانين مكملة يتم إصدارها تباعاً ويتصدرها قانون الطوارئ والأحكام العرفية التي تخول الجهات التنفيذية صلاحيات واسعة تخل بضمانات حقوق الإنسان وتجيز الاعتقال التعسفي أو القبض على المشتبه بهم أو من يعتقد بخطرهم على الأمن العام بقرارات أمنية دون أي مرجعية قانونية أو قضائية وتبيح أيضاً مراقبة وتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأية ضوابط كما تبيح سلطة التجريم على أفعال دون العودة إلى الأطر القانونية العادية.

تستخدم هذه الصلاحيات الواسعة للأجهزة الأمنية والقوانين الاستثنائية تحت ذريعة الوحدة الوطنية وحماية الاستقرار ما يؤدي أساساً الى تصفية الخصوم السياسيين وحرمان القوى المعارضة من حقها الطبيعي في التنظيم والنشاط أو الدعاية لبرامجها السياسية. فضلاً عن خلق تعقيدات كبيرة على ممارسة الحقوق الانتخابية التي تغدو أشبه بتنظيم عملية استيلاء الدولة والحزب الواحد على مختلف المؤسسات والجمعيات والمجالس المحلية، مستعينة في ذلك بضبط عملية الترشيح والانتخاب وفق قواعد ومعايير سياسية صارمة لا يمر منها إلا طويل الباع والعمر! ويمكن أن نضيق ما تعانيه حريات الرأي والتعبير من قيود قانونية وتنظيمية حتى أصبح العديد من قوانين تنظيم هذه الحريات بمثابة قوانين لتقييدها.

صحيح أن النخبة السياسية الحاكمة نجحت في اكتساب مشروعيتها عندما قدمت نفسها بصفتها نخباً وطنية ذات رسالة قومية لكن الصحيح أيضاً أن الشروط تغيرت وبانت النتائج محبطة ومخجلة لخطابات "وطنية وقومية" خلفّت هزائم فلسطين والعراق وواقعا عربيا يثير الشفقة، ولم تعد تجدي نفعاً محاولة إثارة المشاعر الوطنية والتعبئة بخطابات وشعارات قومية مفعمة حماسة ضد الضغوط الأميركية والتهديدات الإسرائيلية، للتهرب من استحقاق التغيير ومن موجبات احترام حقوق الإنسان.

ثانياً، إذا تجاوزنا دور الاستبداد لابد من الاعتراف بأن بعض العقل المعارض يحمل بعض أمراض السلطة ذاتها أو لنقل لا يزال متردداً أو مقصراً إلى الآن في إحداث قطيعة معرفية مع أفكار الماضي وتصوراته، وبداية لجهة الدفاع عن جديد العلاقة بين المهمتين الوطنية والاجتماعية وبين الحريات وحقوق الإنسان، وإعطاء هذه الأخيرة الأولوية التي تستحقها. وأيضاً لجهة موقفه من الكائن البشري والميل لاستخدامه كوسيلة لنصرة برنامجه، واستسهال التضحية بالإنسان وحقوقه على مذبح رؤية سياسية أو ما يعتبره هدفاً نبيلاً، الأمر الذي يستدعي بداية، العمل على نشر ثقافة جديدة تقول بالتشديد دون تهاون على أن الأنبل في دنيانا هو الكائن الإنساني، الكائن الماثل من جسد وعقل وروح، وليست الأفكار السياسية بحد ذاتها مهما تبلغ من رقي، خاصة وأن التجربة التاريخية أثبتت غير مرة أن أصحاب المبادئ السياسية العليا أنفسهم كانوا الأكثر استعداداً للتحول إلى طغاة باسم القيم والمرامي العليا نفسها، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، وعلى مذبحها يستسهل تقديم القرابين البشرية بدون حساب!!.

والتأسيس لقاعدة فكرية وأخلاقية جديدة لمفهوم حقوق الإنسان يحتاج أول ما يحتاج إلى نقد الذات والعقليات الإيديولوجية الوطنية كضرورة لا مفرّ منها لتنظيف البيت من الوعي الاقصائي العتيق، ما يقود منطقياً وعملياً إلى رفض أي تحديد أو تحجيم لمفهوم حقوق الإنسان تحت حجة الخصوصية أو بدعوى أولوية المسألة الوطنية، أو غيرها من الحجج والذرائع، هذه الحقوق تبدأ من حيث الجوهر بالاعتراف بالإنسان بصفته روحاً بشرية جديرة بالحياة والاحترام التام، بغض النظر عن اللون والجنس والعرق والمعتقد، انتهاء بالاعتراف به بصفته ذاتاً حرة وندّاً ذا حاجات متساوية نابعة من حاجاته الطبيعية إلى الحرية والكرامة والاجتهاد.

وهذه الحقوق لا تتعارض تالياً مع أية مهمة أو هدف وطني بل على العكس هي السند الحقيقي والداعم للانتماء الوطني، فإشاعة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان هي قوة للوطن لا قوة عليه، فقوة الوطن تتكامل مع حرية المواطن وحقوقه، ولا يستقيم الذود عن البلاد وصيانة الاستقلال ومواجهة تحديات البناء والتنمية عبر روح قهرية تحجب حق الآخر وحريته أو تسحق شعوره الإنساني بالانتماء الطبيعي المتساوي.

أخيراً، يمكن القول إن ثمة حضورا لقيم عالمية مشتركة وحقوقا شبه موحدة للإنسان بصورة عامة، أخذت أبعاداً جديدة بعد التحولات الكبرى التي عرفتها البشرية في العقدين المنصرمين، فقد أدى انتهاء الحرب الباردة وشيوع الأفكار الديمقراطية وقيم الحريات إلى تنامي حس عام راغب في محاكمة أساليب الصراع السياسي ومعايرتها إنسانياً، الأمر الذي ساعد على تبلور رأي عام يضع حياة الإنسان وحريته في مركز القلب من كل اهتمام. ما شجع على بروز تيارات سياسية وجمعيات مدنية وحقوقية تنادي بواجب تطبيق المعايير المشتركة حول حقوق الإنسان وردع كل من ينتهكها، وقد دفع بعضها موقفه إلى الأمام بالقول إن وطنه حيث يجد حقوقه وحريته وكرامته ربطاً مع الدعوة لانبثاق دور أممي مركزي يملك الحق في التعامل مع أي طرف يهدد المشروع الإنساني العام وقيمه.

نعم نحتاج اليوم إلى عملية سياسية وثقافية كبيرة، تطلق آفاقاً جديدة لصالح إعلاء شأن الحياة والحرية والحقوق الإنسانية في مواجهة طغيان الإيديولوجية وغطرسة المصالح الضيقة وحماقة القوة، تتجه أساساً نحو البشر، لتقوية إيمانهم بحقوقهم ولبعث الثقة بأنفسهم وبجدوى دورهم في الشأن العام، الأمر الذي يستدعي تعاون الجميع لإضاءة مقومات هذه العملية وإنضاجها على صعيد خطابها ومبادراتها وآلياتها، على أمل أن تكون مقدمة لمشروع نهضوي يساعد على انتشال مجتمعاتنا من الحال البائسة التي وصلت إليها.

كاتب سوري

معضلة "الخارج" في المعارضة الوطنية

معضلة "الخارج" في المعارضة الوطنية

رأفت نديم شهبا

خاص – صفحات سورية –

بالتزامن مع التحضير للغزو الأميركي للعراق نهاية عام 2002 بدأ النقاش يدور في أوساط المعارضة السورية حول الهدف الأميركي من الغزو، وعلى الرغم من أنهم كانوا معنيين - ككل العرب في ذلك الوقت- بآثار الغزو على العالم العربي واستقرار المنطقة، إلا أن الآثار التي تطال بلادهم أكثر من غيرها جعلت اتجاهاً يبرز بشكل واضح في المعارضة يرى رغبة الأميركية "حقيقية" بالتغيير في المنطقة، ظلَّ هذا الرأي موضع تجاذب النفي والإثبات، إلى أن وقعت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني (14 شباط 2005)، وبدأت تداعياتها بالتحقيق الدولي والخروج المذل للجيش السوري في لبنان حتى بدا أن المسألة أصبحت واضحة: ثمة رغبة أميركية بالتغيير، إنها "الحقيقة" التي تمَّ التأكد منها مع تقارير ميلس، لم تنظر المعارضة(في الداخل على وجه الخصوص) إلى المسألة القانونية، لقد ضللها هم التغيير؛ فوقعت في فخ الرؤية السياسوية للتحقيق، شأن النظام نفسه، كلاهما اشترك في الرؤية ذاتها للتغيير القادم عبر"التحقيق"!.

بعد ذلك؛ كل النقاشات كانت تدور حول تفسير ماهية دوافع التغيير الأميركي، والمصالح الثاوية خلفها، وجاءت فكرة"الهلال الشيعي" (التي كشفها الأردن لأول مرة) لتفسح الفرصة أمام فهم جديد للمسألة، وتعزز بقوة فرضية التغيير على أساس المصالح القومية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط عبر الأقنوم الثلاثي(النفط، الإرهاب، أسلحة الدمار الشامل) المؤسس للاستراتيجية الأميركية ما بعد 11 أيلول، وتطبيقات هذه الاستراتيجية في الشرق الأوسط تجعل إيران هدفاً رئيساً للسياسة الأميركية للفترة المقبلة، وتحوِّل النظام في سورية إلى ورقة تابعة لكسر النفوذ الإيراني المتعاظم، الذي يهدد المصالح الأميركية من الخليج النفطي إلى حدود البحر المتوسط وشمال إسرائيل.. وعلى الرغم من تحفظ المعارضة على أهداف التغيير الأميركي إلا أن المعارضة كانت مؤمنة بأن التغيير لن يكون ممكناً إلا من"الخارج".. والخارج - فعلياً- كاد ينحصر بالولايات المتحدة التي تقود الضغوط على النظام منذ التحضير لاحتلال العراق.

على الرغم من أن المعارضة(عموماً) كانت ترفض بشكل قاطع تكرار دور المعارضة العراقية، وترفض بشكل حاسم أيضاً أي شكل من أشكال التدخل العسكري في التغيير إلا أنها كانت مختلفة فيما بينها حول درجة الاعتماد على الضغوط الخارجية، وكيفية الاستفادة من هذه الضغوط دون"علاقة" مع الخارج. ورغم أن الكثيرين في معارضة الداخل - وبحكم انتمائهم اليسروي- كانوا يرون في الرغبة الأميركية في التغيير إمبرياليةً جديدة، ويسردون تفسيرا اقتصاديا بائسا متعلقا بوسائل الإنتاج وعلاقتها بالعولمة والخصخصة وغير ذلك، لكنهم كانوا عموماً يتوقون إلى حصول هذا التغيير، وبعضهم كان - لدى إحساسه ببلوغ النظام ذروة الخوف لدى صدور أحد تقارير المحقق الألماني ديتلف ميلس- لا يتورع عن إبداء رغبته في الانخراط في علاقات أميركية رغم رواسبه الماركسية! على أساس أن العلاقات بين البلاد تقوم على أساس المصالح، لكن هذا النزوع (على قلته) كان يغطي الرغبات الفردية باستغلال الظروف باسم المصالح الوطنية، ونموذج المعارض "كمال اللبواني" مثالياً لتقريب هذه الصورة.

من تقرير إلى تقرير، انتظرت المعارضة ساعة الفرج، خمسة تقارير مرت بفارغ الصبر حتى الآن منذ بدء التحقيق الدولي، لم تنته القصَّة: ستة أشهر، مددت ثلاثة أشهر، مددت ستة أشهر بعدها، ثم ها هي تمدد سنة كاملة مرة واحدة، كان كل تقرير يبهج المعارضة، لكن تقارير "سيرج براميرتز" التي أبهجت النظام لم تغضب المعارضة في البدء، فقد كان التقرير الأول إجرائياً، وراهنت المعارضة على التقرير الثاني التي توقعت أن يكون حاسماً، لكن ما أن اقترب موعد التقرير حتى سربت الصحافة أن التقرير سيكون إجرائياً، يقول الكثير ولا يقول شيئاً أبداً! لم يكن هذا فحسب، بل إن القرار 1686 الأخير الذي يمدد عاماً للتحقيق أثار إحباط المعارضة، فما الذي يضمن أن التحقيق ينتهي بعد عام؟

هل أسقط بين يدي المعارضة؟

نعم حصل ذلك؛ لأن المعارضة كانت تراهن بشكل علني تارة وبشكل مضمر أخرى على هذا "الخارج" للتغيير، لكن في المقابل لا يعني ذلك أن النظام صار أقوى (نتيجة تقارير براميرتز) أو أضعف (بسبب تقارير ميلس) فمن يعرف سورية يدرك جيداً أن النظام لم تتغير قوته أبداً، صحيح أنه أصيب بارتباك وخوف، لكن ذلك لا يعني أنه ضعيف في الداخل.. إن المعارضة أصبحت أقوى من قبل، وفي كل يوم تحقق مكاسب جديدة في الداخل، لكنها في ظروف لا تحسد عليها أبداً، في بلد عندما تعارض فيه فإنك تقامر بدمك إنه من الوهم أن يظن المرء أن تنامي قوة المعارضة وضرب النظام لها تنم عن قوتها وخوف النظام منها (كما يذهب "إيال زيسر")، ذلك أن النظام لا يستند في ضربه للمعارضة واعتقاله لها إلى خوفه منها، بقدر ما يريد أن يثبت صورته لدى الشعب المسكين بأنه قوي، وأن صخب المعارضة مجرد فسحة تركها النظام كرم أخلاق، وليس ضعفاً بسبب الضغوط الدولية، باختصار إنه رغبة في تثبيت الصورة، صورة النظام التسلطي القاهر القائم منذ أمد ولم يتغير.

يقع "إيال زيسر" (في مجلة ميريا) وكثيرون غيره ضحية تقارير سريعة وسطحية قادمة من دمشق، والدعاية الإعلامية أيضاً عن تنامي معارضة داخلية إسلامية، فالخلايا الأصولية الإرهابية ليس لها وجود تنظيمي، وما ثبت منهم بأنه أصولي كان بسيطاً وساذجاً إلى درجة تبدو العمليات كما لو أنها أقيمت فداء للنظام نفسه! ليس هناك أي نمو للأصولية، ولا جود لتنظيمات متطرفة ولا هم يحزنون، وليس لدى المعارضة في الداخل شك بهذه الحقيقة أبداً.

ما يهم الآن أن النظام أو "الداخل" (المقابل للـ"الخارج") قوي، والمعارضة السياسية في دمشق تتنامى فعلاً على الرغم من أنها ما تزال ضعيفة جداً حتى الآن، وقد "أثبت" الأميركيون أنه لم يكونوا جادين فعلاً بشأن التغيير في سورية، كما يشير تقرير "ديفيد شنكر" David Schenker ـ مثلاً ـ من "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" (12 يونيو 2006) تحت عنوان : "دكتاتورية سورية تبقى محاربة حتى يوم آخر" (Syria’s Dictatorship Survives to Fight Another Day)، حيث يؤكد بأن التكاسل الأميركي وتباطؤ الضغط باتجاه دمشق أعطى انطباعاً لدى دمشق بأن واشنطن غير جادة بالتغيير، وأن هذا التباطؤ يمنح سورية الفرصة للهروب من استحقاقات عملها في تفشيل المخطط الأميركي في العراق، ويحقق استراتيجيتها في الخروج من المأزق بالاعتماد على الوقت، ورحيل بوش، وبالأمس القريب يعيد الأميركيون تأكيدهم بأنهم لا يريدون تغيير النظام، بل تغيير سلوكه(جون بولتون، صحيفة الحياة، 16 يونيو 2006).

إن المعارضة تفتقد إلى استراتيجية فعلاً، ومن المفترض أن تجرَّها هذه الإحباطات إلى التفكير بأخذ المبادرة لصوغ استراتيجيتها دون الاعتماد على الضغوط الخارجية التي اعتمدت عليها بشكل أو بآخر، فقد أثبت الخارج أنه من غير الممكن الاعتماد عليه؛ فما حكَّ جِلدَك مثلُ ظفرِك. وإذا كانت العلاقة بالخارج مثار جدل الآن في أوساط المعارضة، فإن سير الأحداث أخيراً يجب أن تسرع حسم هذا الجدل لأنه يعني الكثير بالنسبة لمعارضة ما تزال لا تجد ما تستند عليه غير إيمانها ببلادها.

كاتب سوري