لبنان حيال مثقفي سورية وعمّالها

2005-02-27
لبنان حيال مثقفي سورية وعمّالها
المثقفون السوريون تضامنوا مع زملائهم اللبنانيين ومع الشعب اللبناني في محنته. وهم طالبوا بما تطالب به أكثرية اللبنانيين من انسحاب للقوات السورية ومن عودة الاستقلال والسيادة الى لبنان. تضامنهم، للمرة الأولى، لم تحف به الرطانة المعهودة عن المعركة القومية والتصدي للعدو. كان تضامناً صافياً يبديه مثقفو شعب حيال شعب آخر ومثقفيه.
هؤلاء المتضامنون بعضهم قضى سنوات طويلة في سجون بلادهم، وبعضهم شارك في «ربيع دمشق» الذي تلا رحيل حافظ الأسد وشكّل الزلزلة الأولى تضرب أركان النظام البعثي. وهم يعرفون أكثر من اللبنانيين ما معنى مطالبة نظام ديكتلاتوري بـ«الانسحاب»: فهم يريدون انسحابه من أجسامهم ومن بيوتهم ومن حيّزاتهم الخاصة والحميمة قبل أن ينسحب من الأرض.
وبهذه المعاني جميعاً، هم شركاء اللبنانيين في التعرض للقهر والعدوان. وبصفتهم هذه، كان طبيعياً أن يلتفتوا الى العمال السوريين في لبنان، وأن ينبّهوا شركاءهم اللبنانيين الى عدم تحويل أولئك البائسين مكسراً لعصاهم. صحيح أن كثيرين من العمال المهاجرين عبروا الحدود كما لو لم تكن هناك حدود، وامتنع تدفقهم عن الضبط الذي تمارسه كل دولة سيدة على الهجرة اليها. وهذا كله مما يستدعي التصحيح لاحقاً لأن سيادة الدولة تتطلّب هذا، كما تتطلبه حماية فرص العمل في المستويات الأدنى للعمالة حيث المنافسة اللبنانية-السورية. لكن الصحيح أيضاً أن هؤلاء العمّال هم العدد «الفائض» عن المجتمع البعثي وعن اقتصاده الرثّ، وقد استفرغهم نظام لا يعبأ بهم وإن كان يعبأ كثيراً بتحويلاتهم المالية. وليس عديم الدلالة أن تمتع الضابط السوري في لبنان بالسلطة والسلطان ترافق مع نوم العامل السوري تحت الجسور وفي العراء، فكان هذا الأخير المطرود الأول من فردوس الجاه والنفوذ.
إنهم، بكلمة، شركاء اللبنانيين في تلقي الأذى نفسه، وهو أذى مصدره واحد.
وهم شركاء اللبنانيين لسبب آخر، هو تطلّب الازدهار اللبناني ليدهم العاملة. وهذا ما كانته الحال، ولو بنسب أقل، قبل تمكّن الهيمنة السورية ونظامها. ولما كان اللبنانيون يعتبرون الاقتصاد الحر جزءاً من طريقة الحياة التي اختاروها، غدا من غير الجائز كبح حركة السوق بقوة العصبية الوطنية، أو بنزعة شبه عنصرية كارهة للسوريين. فكيف وأن اللبنان الذي يراد بناؤه منفتح على الخارج، كل الخارج، متنوّع ومتعدد، وكيف وأن اللبنانيين كثيراً ما تباهوا ويتباهون بهجرتهم الى أبعد زوايا الأرض طلباً للعمل والرزق؟ وبعد كل حساب فإن الثروة التي يخلقها عمل العمال السوريين نقيض النهب الذي تمارسه المافيات الصغرى أو يمارسه إغراق السوق اللبنانية بالسلع الزراعية المدعومة، والرخيصة تالياً.
فإذا ما بدا «طبيعياً» أن تعبّر الوطنيات التي مُنعت من التشكّل عن غضب وعن احتقان، إلا أن وطنيات الغضب والاحتقان لم تعد قابلة للحياة اليوم. وليس عديم المعنى أن اليقظة الوطنية التي بدأت مع انهيار الاتحاد السوفياتي قرنت وطنيتها بالتسامح والانفتاح والديموقراطية. وكانت أوكرانيا، التي ينوي بعض اللبنانيين تقليدها، قد قدّمت آخر الأمثلة: فما أن انتصرت على نفوذ النظام الروسي حتى بادرت الى طمأنة الجيران الروس.
وقد يُفهم في حالات التوتر أن ترتفع وتيرة النعرة والعصبية. لكن يبقى مطلوباً من القيادات السياسية (والثقافية) للمعارضة اللبنانية أن تتدخل، وأن تنبّه الجموع الى بديهة الفارق الشاسع بين سورية وشعبها وبين نظامها، بعيداً عن الفولكلوريات السقيمة للقومية والعروبة والأخوة. فالموقف اللبناني من المثقف السوري، ومن العامل السوري خصوصاً، شهادة على الشكل الجديد الذي ستستقر عليه الوطنية اللبنانية. فإما أن تولد وطنية رحبة تكون نموذجاً يستحق الجهد الذي يُبذل الآن، والذي قد يُطلب غداً، في سبيله، وإما أن تأتي وطنية عصبية متعصبة، كارهة للآخر والغريب. وعند ذاك يغدو التساؤل مشروعاً حول الجدوى من وراء بذل الجهود.
حازم صاغيّة الحياة 2005/02/26

حوار مع رئيس الجمعية السورية لحقوق الانسان الأستاذ هيثم المالح

حوار مع رئيس الجمعية السورية لحقوق الانسان الأستاذ هيثم المالح

رسالة من عامل سوري في لبنان إلى الرئيس بشار الأسد

رسالة من عامل سوري في لبنان إلى الرئيس بشار الأسد

في الآتي نص رسالة الى الرئيس السوري بشار الاسد من <<عامل سوري في لبنان>> كتبها بالنيابة مناضل عربي مسكون بهموم فلسطين وسوريا وباقي العرب.
بيروت أواسط شهر شباط 2005،
سيادة الرئيس بشار الأسد حفظه الله، دمشق،
تحية طيبة، تحية الأهل والوطن،
لن أطيل سيادة الرئيس في الديباجات، فلست من أهل الاختصاص. والرسالة نفسها أكتبها بمساعدة صديق عربي يحب سوريا ولبنان، ولا هو سوري ولا لبناني. ويكفي أني جعلته بوقا لي في الكتابة. ليس لدي الجرأة أن أطلب منه التحول إلى بوق في التملق، وكتابة الديباجات. لا أريد أن أصغر من نفسي ومنك أمامه. ولا شك لدي أنك مللتها. هكذا بدوت لي في خطاباتك مباشرا منطقيا واضحا في كلامك لا تحتمل المظاهر كثيرا، هذا عدا كونك الرئيس الوحيد في المنطقة الذي يتقن العربية بشكل جيد. وصديقي المثقف يقدر لك ذلك. كتبت أشكو يا سيادة الرئيس. أعرف أنني لو كتبت إليك الرسالة مباشرة لما وصلتك، وحتى لو عرفت طريقها إليك فلن يتوفر لديك الوقت لقراءتها. وهذا طبيعي. تخيل لو كنت ستقرأ رسالة من كل عامل سوري في لبنان. إذا أنت قرأت وإذا هم اهتدوا الى هذه الطريقة في مخاطبتك، فلن تكفيك مدة رئاستك الأولى كلها. وقد بدد حيرتي الصديق الذي ساعدني في نص وصياغة أفكاري عندما تكلم مع رئيس تحرير صحيفة يعتبره صديقا، وذلك ليس بمفهوم صداقات ما بعد اغتيال الحريري. فوافق الأخير مشكورا على نشر الرسالة مذيلة بنسخة لرئيس الجمهورية اللبناني ونسخ لكل من يقرأ صحيفته. وأرفق نسخة لكمال جنبلاط أيضا فربما يقرأ بموجب عقيدته من جسد آخر في بلد آخر، فهو ليس بيننا في هذه الأيام بالتأكيد.
كتبت أشكو. لقد اعتدي علي اليوم يا سيادة الرئيس وشتمت وشتم بلدي وشتم العرب أجمعين (لا حاجة للمبالغة فقد استثنى الشاتمون أهل الخليج لأنه حتى الطائفية تباع وتشترى في هذا البلد، ولا طائفية ضد الخليج وساكنيه). وهي ليست أول مرة. فقد اعتدي علينا سابقا في مخيم موقت للعمال السوريين يشبه ال<<سكوتر كامبس>> التي كانت تقام للعمال المهاجرين السود خارج المدن في جنوب أفريقيا، وسنحت لنا فرصة مشاهدتها في التلفزيون قبل إحراقها. في حينه اعتدي علينا قرب صيدا. ولكن في هذه المرة جاء الاعتداء عنيفا جدا، وقد اعتبر في بعض الأوساط <<فشة خلق>>. قد يزلزل القتل الأرض وقد يعتبر فشة خلق، وهذا يعتمد على هوية القاتل وهوية المقتول. قتل وجرح في الأيام الأخيرة عمال سوريون لا احد يعرف عددهم. لا أحد يحصيهم في الأيام العادية وعندما يموتون في إصابات عمل لا تعوض، فكم بالحري عندما ينشغل الناس بدماء أنقى؟ وبلدنا يعاني من عقدة الكبرياء، فهو لا يتطرق الى مصائبه مكابرة، ويخجل من ذكر عدد عماله في سوريا، ومن ذكر انعدام حقوقهم. فهذا مهين لكبريائنا وكرامتنا الرجولية التقليدية التي تظهر كأنها قومية. يعيب سوريا وربما يعيب الجيرة وعلاقات الأخوة أن تذكر حكومتنا أن مواطنيها يعاملون كالعبيد عديمي الحقوق في لبنان. أي خدّامة سريلانكية لها حقوق في هذا البلد لا تتوفر لأهم عامل سوري. وعلى فكرة حتى الخدامات درجات هنا مثل المواطنين. الفليبينية مثلا افضل من السيريلانكية. أنا اتحدث عن بشر يا سيادة الرئيس وليس عن أنواع سيارات. وأنا لا أتحدث عن السوريين المتلبننين، فهم على أنواع لا يتسع المجال لشرحها. منهم الغني الذي تعتبر لبننته مثل لبننة الفلسطيني الغني، مشروعة وخفيفة دم مثل الزواج المختلط عند الأغنياء، ومنهم الفقير الذي تعتبر لبننته توطينا ومؤامرة وتلويثا ربما لنقاء العرق مثلما يدعي العنصريون ضد العمال الاتراك في المانيا. وحقوقهم هناك في ألمانيا أهم من حقوق العمال اللبنانيين والسوريين معا. مؤامرة صمت تلفنا. واعذرني فهنالك ما لا يُسكت عنه. وأنا هنا خائف كالشبح ينظر إليه في النهار شزرا ويخشى الاعتداء عليه ليلا ونهارا. وما لا يسكت عنه هو السؤال: من الذي يحتل الآخر في هذا البلد؟ هل سوريا تحتل لبنان أم العكس؟ تعودنا ان العمال من البلد الواقع تحت الاحتلال يتدفقون إلى البلد المستعمر (بكسر الميم) وهناك تساء معاملتهم ويصبحون موضوع احتجاج، ولكن فتات مائدة اقتصاد الدولة المستعمِرة أفضل مما يأكل على مائدة اقتصاد بلدهم. وكما هي حال عمال المستعمرات السابقة في اوروبا، يُدعى أنهم السبب وراء البطالة والجرائم وغيرها ويلاحقون من قبل العنصريين وحليقي الرؤوس. ولكن هنا يتعرض عمال الدولة التي يفترض انها محتلة للعنصرية والقمع والضرب الاستغلال كأيد عاملة رخيصة من قبل فئات من الشعب الذي يفترض أنه واقع تحت الاحتلال. إنه لغز محير فعلا. ويقال لنا من لا يعجبه فليذهب، و<<معاشك هنا حتى بدون حقوق وتعويضات وتأمينات ضعف معاش مُحَاضِر جامعة في دمشق>>. تماما كما يقال لعامل مغربي غير قانوني في فرنسا او فلسطيني في إسرائيل. فمَن يحتل مَن يا سيادة الرئيس؟
ثقافتي: بكالوريوس سابق لا يسمن ولا يغني عن جوع، وحاليا بعد أن نسيته لا تتجاوز ثقافتي المشاهدة، مشاهدة التلفزيون وتأمل الناس والاستماع إليهم. ورغم ذلك أعرف أن الدول المُستعمِرة تكون عادة أكثر ديموقراطية في بلدها مما في البلد الواقع تحت الاحتلال، ويكون البلد الواقع تحت الاحتلال أقل ديموقراطية. ولكن لبنان حاليا أكثر ديموقراطية من سوريا. يهاجمونك هنا شخصيا، ويهاجمون الرئيس اللبناني وغيره من المسؤولين، ويهاجمون وزراءك بالاسم ويتهمونك اتهامات باطلة. وفي سوريا لا نستطيع ان نهاجم أحدا بالاسم حتى عندما نكون على حق. لبنان تحت الاحتلال السوري المزعوم أكثر ديموقراطية من كل الدول العربية التي تتدخل الآن مستغلة دماء الحريري لتقديم خدمات أخرى للأمريكان عدا خدماتها في إقناع الفلسطينيين بالتخلي عن حقوقهم. <<مو مْلَحْقين خدمات يا سيادة الرئيس>>، ويريدون الآن تعويض إسرائيل عن مستوطناتها!! ربما لأن الفلسطينيين احتلوا إسرائيل!! فكيف لا يعتبرون لبنان محتلا من قبل سوريا؟ ولبنان وهو تحت حكم ما يسمى <<الأجهزة>> أكثر ديموقراطية منهم جميعا، ومن كل واحد على حدة. مثقفوهم وصحافيوهم يتدفقون إلى لبنان للتحدث بحرية وعقد المؤتمرات. وهم أنفسهم يتدفقون إلى بيروت طوال العام ولكن لأسباب أخرى غير ثقافية. عندما ادعيت ذلك هنا قال لي سائق المقاول، صاحب العمل، إن لبنان كان دائما ديموقراطيا.
كان السائق رجل ميليشيات. وكان يقود سيارة قائد وحدة في المليشيا وأصبح الآن سائقه كرجل ثري ومقاول كبير. فأجبت بأنه لم يكن ديموقراطيا، والدليل أن عناصر تعدديته تحاربت بشكل يكاد يكون فاشيا في الحرب الأهلية (أصررت هنا على أن يضاف بين قوسين أن هذه ليست لغتي). تبين في حينه أنها تعددية تعيش على توازن هش وأنها ليست ديموقراطية. على كل حال لا ادري، لست خبيرا في هذه المواضيع. والمصطلحات يتحمل مسؤوليتها الصديق الذي حضر لزيارة صديقه وسكن قرب المشروع الذي أعمل فيه وعرض علي صياغة أفكاري التي أثارت إعجابه.
كيف نحل هذه التناقضات بالعقل والمنطق من دون أن نفقد عقولنا أو ضمائرنا؟ بسيطة، يبدو أنه ليس احتلالا. بل بالعكس. ولدي نموذج شرحته لصديقي لفهم ما يجري بعد أن حيرته بأسئلتي فأثار إعجابه. لا تناقض بين وضع العامل السوري والجندي السوري. كلاهما استخدم هنا من أجل تنفيذ مهمة من دون أي حقوق، وكلاهما عديم الحقوق في لبنان. على كل منهما أن ينهي وظيفته ويرحل من دون شكر او امتنان. ولسبب ما، يبدو من يشكر كأنه يشتم على وزن: <<شكرا لكم ممنونينكم نحنا، مع السلامة>>. الجندي الذي حمى إعادة بناء بيروت وجعل توحيدها ممكنا، والعامل الذي بنى بيروت عند متعهدين مثل الحريري، هما شيء واحد. سوريا قبضت ثمن المهمة الأولى سياسيا في رأيهم، وقبضت ثمن المهمة التالية تحويلات عمال من دون حقوق. تبقى أن نعمل بالسخرة مثل الجنود في المصانع لنرضيهم. وحتى المقاومة اللبنانية فقد أدت وظيفة لدى نفس أكابر القوم الذي حيّوها على ذلك وما عليها الا أن تمضي مشكورة، وكأنها أدت وظيفة خارجية لا علاقة لها بالمجتمع الذي يتصورونه ملكا لهم كما كان قبل قرن ونصف القرن.
عندما تغير الوضع السياسي الإقليمي أصبح الثمن السياسي المدفوع لسوريا وللمقاومة مكلفا لنفس الناس الذين كانوا من رموز الحكومات في ظل الوصاية السورية والأجهزة السورية واللبنانية وغيرها. رأيت مؤخرا على شاشة التلفزيون يا سيادة الرئيس شخصا أنيقا بطريقة <<النوفوريش>> يحرّض على سوريا. لم يسمع به أحد إلا لأنه قريب رئيس لبناني انتخب ومددت فترة رئاسته من دون قرار من مجلس الأمن وعمل تحت الوصاية السورية وعين وزيرا في ظلها، وغضب لأنه لم يرشح من جديد. <<لشو كنتو ضابينه هذا يا سيادة الرئيس؟>>. كل التناقضات، كل الانتهازية، كل التزييف، كل <<التفنيص>> الذي كان الى جانب سوريا أصبح الآن ضدها. ولكنه بقي تفنيصا، ونحن نعرفه عن قرب، فلا تخف. عند الشدة أعادوا القوات والتيار العوني ووجدوا أنفسهم يتظاهرون خلف صور جعجع وعون وبشير الجميل، ولم يبق سوى حبيقة الذي ضممتموه انتم على طريقة المخابرات الى <<حلفاء>> سوريا في لبنان، فكيف لا تخسرون حلفاء سوريا الحقيقيين. كدت أبحث عن صورة شارون في إحدى مسيرات الاستقلال.
لم ينفع المعارضة كل التفنيص الذي انتقل اليها، ولم ينفع سوريا أيضا، وعند التجييش عاد زعماء الميليشيات، ولكنهم يطالبون الآن ب<<الديمؤراطية>>. يبايعون الأبناء بعد آبائهم مبايعة، ويطالبون بالديموقراطية والتحالف مع الغرب. أما نحن فلا ندّعي الديموقراطية على الأقل. ابحثْ عن الانتهازي يا سيادة الرئيس تدركْ أين تهب الريح. وهي ريح عاتية، رياح طائفية من الشرق ومن الغرب في ظل رعاية أميركية. ف<<من العراق انطلقت شرارة الديموقراطية>>، سيكون عليك. فسوريا ليست بلدا محتلا، بل هي بلد محتلة أراضيه. وهي بلد معتدى عليه بالتأكيد، ولم يعتد على أحد. ولكنك لن تنجح بالعدة القديمة لا هنا في لبنان ولا عندنا، وهي نفس العدة، وغالبا ما يكونون أصدقاء شخصيين. هل تعرف كم عدد الصداقات بين أشخاص المعارضة الحالية ورموز النظام عندنا؟ والمشترك أنهم جميعا ديموقراطيون، ولكنهم اكتشفوا ذلك مؤخرا. أي احتلال؟ عندما لم نكن نسمع عن شيء في سوريا كنا نسمع عن حركات التحرر في العالم وعن التضامن وعن المنظومة الاشتراكية غير المغفور لها، وعن شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وكنا نعرف أسماء الأحزاب اللبنانية: الشيوعي والقومي الاجتماعي والناصريين في بيروت وصيدا والبعث وغيرها. أي احتلال هذا لم يبقَ من بعده حزب قوي واحد بروح الأحزاب التي يؤمن بها للتحالف معه، لم يبق بعد تواجد طوال عقدين إلا أحزاب طوائف وزعامات طائفية حتى عند طوائف لم تكن طائفية في الماضي. تركنا المجتمع على حاله، وتعاملنا مع القوى الاجتماعية كما هي إلى درجة اعتبار الأحزاب كائنا مصطنعا قياسا بالقيادات التقليدية على الأرض. إلى هذه الدرجة كرسنا الوضع القائم، إلى درجة إضعاف قوى التغيير القائمة في الوضع القائم ذاته. إلى هذه الدرجة تعايشنا مع المجتمع كما هو وكرسنا كل ما هو تقليدي فيه. لا يوجد احتلال كهذا. حتى 17 أيار بقي على حاله كما بدا من حاملي الصور الأشاوس في وجهنا ووجه التاريخ. وحاولت أنت أن تتعامل مع دولة ورئيس ومؤسسات، وزرت البلد رسميا كما يزار بلد مستقل. فعادوك لأنهم لا يريدون أن تتعامل مع لبنان كبلد له رئيس بل مع لبنان العشرين رئيسا وألف وزير وخمسين ألف نائب. يريدونك أن تتعامل كمحتل يتعامل مع قيادات تقليدية متعددة، ويتبع سياسة <<فرّق تسد>>. هذا هو البلد الوحيد الذي تستفيد قياداته من سياسة <<فرق تسد>> أكثر مما يستفيد المستعمِر المزعوم. وكل ذلك بحجة احترام أصالة البنى الاجتماعية وتمييز الحقيقي من غير الحقيقي في تمثيل الناس كطوائف. فغير الطائفي هو قيادي غير حقيقي في هذا البلد وعليك ألا تتعامل معه.
لا شك في أن سوريا أخطأت يا سيادة الرئيس عندما تعاملت مع مجتمع عريق كالمجتمع اللبناني من زاوية نظر ضباط وعملاء مخابرات. غاب المجتمع وغابت الجامعة وغاب الاقتصاد السوري عن العلاقة المباشرة التي لا تمر بضباط. أما نحن العمال فأنت ترى أي علاقة هذه. وأنت في فترتك لا تحصد نتائج أخطاء مرحلتك فقط، بل نتائج تراكم أخطاء سابقة. إرث ثقيل لا شك في ذلك. على كل حال، لا بد من التحرر من احتلال لبنان لسوريا كما أفهمه أنا وكما يفهمه أمثالي، بما في ذلك استحواذه على صانع القرار. وهذا لا يتم بقتال تراجعي يتم فيه تقديم التنازل بعد الآخر بحيث إن تحقيق مطلب الأمس لا يرضي رافعي مطالب اليوم، بل بوضع خطة بديلة وأسس تعامل بديل، تتضمن في ما تتضمن ليس فقط مطالب من لبنان لسوريا، ومنها مطالب عادلة، بل مطالب سوريا من لبنان أيضا. لا تقاتل قتالا تراجعيا فالتنازل قد لا يكفيهم حتى دمشق، ولن تذرف أميركا دمعة واحدة على سوريا، ولا اعتقد أن من يتعامل معنا هكذا اليوم يؤمن فعلا بعلاقة أخوية مع سوريا بعد <<الانسحاب الكامل>>. فالمطلب هو ليس الانسحاب بل تغيير الموقف من المقاومة في لبنان وفلسطين. المطلب هو تعميم شرارة الديموقراطية العراقية الى المنطقة. ولدينا مطالب يا سيادة الرئيس. مطالب سياسية وأمنية، فالجندي لا يأتي مثل العامل لينفذ مهمة. وإذا كان حليفا فعلا فهو لا يمضي بعد أن ترفع في وجهه صور عميل إسرائيلي. إنه هنا بسبب التحالف. وللتحالف أصول. يجب ان تحترمها سوريا ويحترمها لبنان. وعلى المخابرات الا تتدخل في القرار السياسي حتى لو تطلب التحالف بقاء الجيش، وهذا يقرره اللبنانيون. ولكن لدينا نحن أيضا مطالب حقوقية، حقوقنا كعمال في لبنان. العنصرية مرفوضة ولا يجوز أن يتم التكتم على الاعتداء علينا. نطالب بمعاقبة الجناة. ولا نطالب بتحقيق دولي بل فقط بتحقيق لبناني بشأن المسؤولين عن قتل زملائنا وعن انتشار العنصرية، وبشأن كيفية التعامل معنا. في لبنان الذي يعاني إرثا عنصريا يجب ان تكون العنصرية والتحريض العنصري جرائم يعاقب عليها القانون.
الإرث ثقيل وسوف يكون عليك أن تبحث عن حلفاء سوريا في لبنان، وهم كثر، أكثر مما تتصور مجتمعات بيروت التي تريدنا وتريد جنودنا وتريد المقاومة اللبنانية كمجرد أنواع من الخدم. ولا تبحث يا سيادة الرئيس عن عملاء ولا حتى عملاء مخابرات فهؤلاء يغيرون موقفهم حالما تهب رياح غير مؤاتية ويسهل تعريضهم لضغط معنوي من قبل الشارع المعادي بتهمة العمالة للمخابرات، فمنهم من هو عميل فعلا، وهذا النوع يخضع بسرعة للضغط المعنوي. استرجع حلفاءك اللبنانيين فهم كثر. ولا تقاتل قتالا تراجعيا وظهرك الى دمشق، وكفى.
أصيب منا عدد في هذه الايام بالضرب والحرق: <<لينش، بوغروم>>، كما يقول الأجانب. ولكن نشرات الفضائيات العربية لم تتطرق الى ما تعرضنا له. ولو وقع لعمال سوريين في الجولان أو لعمال فلسطينيين في إسرائيل ما أصابنا هنا لتم نقل الوقائع بالبث المباشر. وماذا يساوي دم العامل؟ الكثير من زملائي قرروا العودة الى الوطن الى أن تهدأ الحال، او تهدأ الخواطر. هل تذكر كيف عادوا يوم وفاة والدك رحمه الله؟ لم يفهم اللبنانيون في حينه لماذا جهزوا امتعتهم الفقيرة وتدفقوا نحو الحدود. هل ليشاركوا في مراسم الحداد أم خوفا من المجهول؟ والمجهول يا سيادة الرئيس يصبح أكثر وطأة وتخويفا عندما يكون الخائف ذاته مجهولا غريبا. أما هذه المرة فأنا أجزم أنهم خافوا.
أنا فضلت البقاء. فضلت البقاء كأنني مازوخي (هذه الكلمة ليست مني)، ولكنها ثلاثمئة دولار في الشهر، ولن أفرط بها. فأنا أحد قلة تقبض أجرتها شهريا. والمشغل الذي أعلن الحداد علنا هو الآخر لن يكون لديه الوقت ولا الأعصاب ليدفع لي إذا سافرت فجأة. الحداد والحزن يشغلانه، وأنا في الواقع أتفهمه، فالاغتيال كما أُعلن من الجميع استهدف كل لبنان، وكل لبناني. وإذا طالبته بأجرتي، معاشي، فسوف يعتبرها استهانة بمصيبته، فهو غير آمن خاصة انه اغتيال للأمل وللمستقبل، ولذلك فهو محبط جدا. وأنا أصلا متهم من قبل الرعاع الديموقراطي الذي حماني هو منه.
أذكر أن نفس المشغل الحزين جدا والقلق جدا والغاضب جدا كان قد وبّخني بشدة عندما امتدحت الفقيد حين كان حيا. واعتبره تحيزا مني لأني سني. وأنا ربما كنت سنيا عندما اتيت الى هذا البلد ولكني أصبحت هنا سوريا وعربيا قبل كل شيء. وهو لم يقبل إصراري على أنني عربي ومواطن سوري فالجميع برأيه طائفيون وهذا ينطبق على كل إنسان. وقد جرب تجربة لاطائفية في الميليشيا التي ترأسها، وهو مقتنع الآن بأن التوازنات الطائفية هي المخرج، ولذلك فهو متحمس للطائف. ولا مكان لمن لا يرغب في أن يمثل طائفة برأيه. وهو يكره الحريري لأنه صعد بسرعة في السياسة اللبنانية بنقوده من دون أن ينتمي إلى عالم الميليشيات قبل أن يصل الى حيث وصل.
على كل حال، عندما قلت <<والله ان الحريري بنى بلده>> قال لي: <<وهل بنى من جيبه؟ جاء الى البلد ومعه مليارا دولار والآن معه 15 مليار دولار. واستلم البلد ب6 مليارات دولار ديونا وترك الحكومة والبلد مدين بأربعين مليارا (هذا على ذمة القائل). ثم أين يوجد رئيس حكومة تبني شركاته البلد>>. وعندما أجبت: <<برلسكوني>>، شتمني وشتم برلسكوني ثم ابتسم وقال <<إيه وشو يعني برلسكوني اسمه شتيمة في أوروبا وفي عليه مئة محكمة وتهم بالفساد>>. وعندما قلت انه يبدو لي متابعا للشؤون الدولية بشكل يتجاوز ما نعرفه عند المسؤولين اللبنانيين الآخرين قال لي ان هذا أيضا مرده نقوده وقدرته على شراء مختصين وزعامات حتى في الخارج. أما اليوم فإنه يقول نفس الكلام ولكن بنبرة إيجابية: <<إنه أكبر من لبنان بعلاقاته الدولية>>. على فكرة، اكتشفت انه لا أسرار في لبنان فكل مواطن يعرف كل شيء بالأرقام بغض النظر عن دقتها. ولكنه يستخدم المعلومات كما هو مريح له.
على كل حال، يا سيادة الرئيس لم أجرؤ على قول كلمة ايجابية واحدة عنه في الماضي القريب، ولا حتى بغرض الإنصاف. فأنا لم أكن كثير الإعجاب به، ولكن العداء الشديد له جعلني أتضامن معه كردة فعل. ولماذا أعجب بأي شيء في هذا البلد المثير للإعجاب والذي لا يبدي تجاهي، أقصد أنا العامل السوري، سوى العنصرية، وأنا آسف على استخدام هذا المصطلح. ولكن العنصرية تظهر هنا بأشكال شتى حتى عند الحديث عن حق العودة للفلسطيني، من دون أن تكون العودة هي المقصودة بل الرحيل عن هذا البلد. لدينا فلسطينيون يا سيادة الرئيس في حماه. مخيم كامل. ونحن نؤيد حق العودة هناك أيضا في حماه ونعارض التوطين. ولكننا لا نعامل إخواننا الفلسطينيين هكذا. في ما عدا التوطين والتصويت لمجلس الشعب، حقوقهم كحقوقنا. ثم هنالك عنصرية طائفية لا تصدق ضد بعضهم البعض. وعلى فكرة كل القسوة التي تفجرت تجاهنا أو تجاه الفلسطينيين تتقزم أمام العنصرية التي تفجرت بين الجيران في مناطق محددة. العنصرية لا تتجزأ كما يبدو.
عندما ادعيت أن المغدور الحريري يتقن العمل مع وسائل الإعلام، ويكثر من الظهور فيها قياسا مع أي مسؤول عربي، قالوا لي انه اشترى صحافة البلد، وان الصحافيين مقسومون الى من نجح الحريري في شرائهم ومن لم ينجح، وإنهم يتبادلون الأدوار. وإن هذه مصيبة بحق الإعلام ودوره وحرية الإعلام في لبنان. وأنا طبعا لم أناقش لأن أهل مكة أدرى بشعابها. وأهل مكة في هذه الحالة على دراية.
لكني احترت مؤخرا عندما رأيت نفس أهل مكة في الأسبوعين الأخيرين في نفس الشعاب، يمتدحون دور الحريري في <<التقرب>> من الصحافيين وفي <<فهم أهميتهم>> و<<تقديره دورهم واهتمامه بهم ورعايته لهم>>. بل قد رأيت بأم عيني على التلفزيون صحافيين يتحاورون في هذه الموضوعات المتعلقة بتقديره للصحافة مع صحافي سابق اتهمه أكثر من لبناني أمامي بأنه هو الذي ينوب عنه في شراء الصحافيين. وأنا قدرت الموقف وصمتّ طبعا. ولكني أكتب لك من على صفحات نفس الصحافة الحرة، فهذا وجهها الآخر الذي يمكِّن عاملا مثلي من التوجه الى رئيسه برسالة صريحة.
حقيقة ان تكون رجلا عربيا في عالم أميركا، تشكل بذاتها عبئا شديد الوطأة ولا شك، ان لفت التضامن نحوه هو أمر صعب المنال، من فلسطين وحتى العراق. يجب ان تكون أقلية عند العرب ليسهل التضامن معك. أما ان تكون عربيا، وعاملا سوريا، وعاملا سوريا في لبنان، فطبقات الاضطهاد المتراكمة فوق بعضها تفوق الاحتمال وتكتم صوت الألم. كل الآراء المسبقة تعمل ضدي. رجل وعربي ومسلم، وإضافة لذلك كله، يدعي أنه مضطهَد في بلد يعتبر محتلا، وبلد أقليات في الشرق، فكيف يسمع أحد صراخنا؟ لا بأس. عزائي حاليا أنه موقع مستقل عن المصالح إلى درجة أنه يمكنني من رؤية ما لا يراه آخرون.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
عامل سوري في لبنان
نسخة: رئيس جمهورية لبنان السيد إميل لحود حفظه الله،
السيد كمال جنبلاط، المقاومة اللبنانية والشعب اللبناني الشقيق بوجه عام.جريدة السفير2005/02/26

العمال السوريون يغادرون لبنان خوفا من ردود فعل تستهدفهم

العمال السوريون يغادرون لبنان خوفا من ردود فعل تستهدفهم

بيروت ـ ا ف ب: مع انتشار مشاعر العداء لسورية في لبنان منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري غادر عشرات آلاف العمال السوريين لبنان خشية تعرضهم لردود فعل غاضبة، ما قد يهدد القطاع الزراعي وقطاع البناء بخسائر تقدر بملايين الدولارات.
وبدأ العمال السوريون، ركيزة اليد العاملة الرخيصة في لبنان، بالرحيل علي دفعات بعد اغتيال الحريري في 14 شباط (فبراير) في عملية تفجير كبيرة في وسط بيروت تحمل المعارضة السلطة اللبنانية وسورية التي تدير اللعبة السياسية في لبنان مسؤوليتها.
وفي عدة حوادث متفرقة شهدتها مناطق مختلفة هاجم لبنانيون عمالا سوريين وسرقوا اموالهم واحرقوا منازلهم وطالبوهم بالعودة الي بلادهم.
لكن اكثر ما اثار خوف العمال السوريين هو اشاعات غير مثبتة سرت عن عمليات قتل رهيبة وعن تحذيرات اطلقها رجال الامن علي جانبي الحدود تضمنت نصائح بعدم التوجه الي لبنان.
يشار الي ان اللبنانيين غالبا ما يعتبرون العمال السوريين مرتبطين بأجهزة الاستخبارات. ويقدر عدد هؤلاء العمال بنحو 300 الف عامل يعملون في البناء والحراسة وتنظيف الطرقات.
وكانت اكثر المناطق تأثرا بهذا النوع من الحوادث بيروت ومناطق اخري غالبية سكانها من طوائف احزاب المعارضة خصوصا الطوائف السنية والمسيحية والدرزية.
وقد دفعت خطورة الوضع بالزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ابرز قادة المعارضة، الي مناشدة اللبنانيين عدم تحميل العمال السوريين مسؤولية اعمال عناصر الاستخبارات.
وقال جنبلاط نحن علي خلاف مع الاستخبارات السورية وطريقة حكمها في لبنان لكننا نقول للمواطن اللبناني لا تبادل العداء للمواطن السوري والعامل السوري في لبنان فهو غير مسؤول .
واضاف في تصريح صحافي المخابرات شيء والعامل السوري شيء آخر. لا نبادل العامل السوري الحقد نحن نريد الخلاص من الحكم الارهابي الاستخباراتي اللبناني ـ السوري المشترك .
وطلب حسن وهو عامل سوري من فرانس برس عدم الكشف عن كامل هويته او المنطقة التي يقيم فيها. وهو يؤكد انه لم يغادر الغرفة التي يقيم فيها وسط حقل زراعي الا لشراء الطعام من متجر قريب.
ويضيف السوريون رحلوا لانهم سمعوا اشاعات عن قيام اللبنانيين بضرب او قتل السوريين ثأرا لاغتيال الحريري ، لافتا الي ان هذه الحوادث وقعت خصوصا في المناطق السنية والدرزية . ويقول نحن مجرد عمال نسعي لكسب رزقنا. اؤكد ان معظم السوريين الذين تكلمت معهم يصدقون ما يصدقه غالبية اللبنانيين: ان السوريين علي الارجح هم الذين قاموا بذلك (الاغتيال) . ويقول سوري آخر يعمل في القطاع الزراعي لم يبق في هذه المنطقة الا حفنة من اصل نحو 100 سوري يعملون عادة في الحقول في هذا الوقت من العام .
ويضيف يلح علي اصدقائي لاجد طريقة تسمح لنا بالرحيل معا .ويقول اخبرونا بان مجهولين قرعوا باب منزل في بيروت تقيم فيه مجموعة عمال وحذروهم بوجوب الرحيل، وقد غادروا علي الفور .
ويؤكد سالم نصار وهو مقاول يعمل قرب صيدا مسقط رأس الحريري واكبر مدن جنوب لبنان رحل كل العمال السوريين من المنطقة. عندما نتصل بهم هاتفيا يقولون بأنهم يخافون العودة .
ويضيف توقفت اعمالي نهائيا .
من ناحيته يشير الكسي كلش احد مدراء شركة اشادا للمقاولات الي ان معظم السوريين العاملين في ورشه غادروا وان من كان منهم في عطلة لم يعد .
ويضيف ورشنا تعمل حاليا بنسبة 20% لان العمال السوريين رحلوا منذ اغتيال الحريري مشددا علي ضرورة التوصل الي حل للخروج من هذا الوضع لكنه يضيف معتبرا ان القضية سياسية .
ويقدر كلش خسارة القطاع بـ ملايين الدولارات . ويقول علينا التزامات والمقاولون مجبرون علي تسليم ما تعهدوا بتنفيذه في مواعيد معينة تحت طائلة العقوبات .
ويوضح ان 75% من العمال المختصين وغير المختصين في لبنان هم من السوريين ، ويقول بالتالي هناك مشكلة حقيقية .
ويلفت الكسي كلش الي ان استبدال العامل السوري بأجنبي آخر او بعامل لبناني هو شبه مستحيل.
ويقول العامل السوري يتقاضي عشرة دولارات في اليوم فيما يطلب سائر العمال الاجانب ضعف هذا المبلغ اضافة الي تذاكر سفر للقدوم من بلادهم والعودة اليها .
ويضيف اما اللبنانيون فيرفضون الاعمال الحقيرة وعلي كل يطلبون اجورا مرتفعة .
وتؤكد عدة شركات لسيارات الاجرة بان حركة التنقل بين البلدين انخفضت بشكل ملحوظ.
اما رجال الاعمال السوريون والمواطنون الراغبون بتمضية الليل في بيروت فيعمدون الي ركن سياراتهم التي تحمل لوحات سورية في بلدة شتورة في سهل البقاع (شرق) ويستأجرون سيارات تحمل لوحات لبنانية للتوجه بها الي العاصمة.
"القدس العربي"

حرية لبنان من حرية سورية: محمد علي الأتاسي

حرية لبنان من حرية سورية: محمد علي الأتاسي

من صميم الألم وعمق المصاب نهض اللبنانيون، يوم الأربعاء 1622005 ليحولوا جنازة الرئيس رفيق الحريري إلى مناسبة وطنية جامعة فتوحدوا فيها إسلاماً ومسيحيين، حول استقلال لبنان وحريته.
جنازة شعبية ووطنية مهيبة بكل معنى الكلمة، عبر فيها الناس عن توقهم إلى الحرية ورغبتهم في انتهاء نظام الوصاية السورية على لبنان.
سورية الرسمية كانت الحاضر- الغائب الأكبر في هذه المناسبة، وذلك من خلال حضور الصيحات المنددة التي انطلقت من حناجر المشاركين بالتشييع، ومن خلال غياب أي مشاركة رسمية سورية في الجنازة.
أثناء البث المباشر لمجريات جنازة الرئيس رفيق الحريري، لم تستطع ميكروفونات الكاميرات التلفزيونية الحاضرة في موقع الحدث ولا أصوات المذيعين الحاضرين في الأستوديوهات أن تخفي الصيحات التي علت في حناجر المشيعين والتي يمكن إيجازها في شعارات من مثل "هي يلا سورية تطلع برا" أو "لا إله إلا الله سورية عدو الله" أو "بدنا نقول الحقيقة سورية ما بنريدا"، هذا كي لا نذكر الشعارات التي تجرأ الناس وتناولوا فيها مباشرة النظام السوري. ومن المفيد التذكير هنا أن هذه الصيحات خرجت من صفوف الحشود الآتية من قريطم والطريق الجديدة والبسطة، أكثر من تلك الآتية من الأشرفية والصيفي.
لكن هل معنى ذلك أن اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، المفجوعين برفيق الحريري، اجتمعوا على رفض وكراهية سورية البلد والشعب؟
فلنجازف ولنقل منذ البداية، أن هؤلاء جميعاً اجتمعوا على ضرورة انسحاب القوات السورية من لبنان وتمكين الشعب اللبناني من حكم نفسه بنفسه بعيداً عن الوصاية والهيمنة. وليس في هذا أي نوع من أنواع الكراهية أو الرفض لسورية البلد والشعب.
لكن، وفي ظل الغضب والقهر وانفلات المشاعر، اندفع البعض إلى إطلاق الصيحات التي تخلط بين الوجود العسكري السوري والشعب السوري، وذلك في إطار رفضهم لنظام الوصاية السوري على لبنان. وإذا كان هناك بعض المتفائلين ممن يشير إلى أن اسم سورية استخدم في الجنازة كاسم تورية للنيل من نظام الوصاية السوري في لبنان، فإن هذا لا يمنع مع ذلك من ملاحظة المستوى الذي وصلنا إليه والنتائج الكارثية التي خلفها هذا النظام على العلاقة بين الشعبين والبلدين.
إنه من المؤلم والمحزن أن يصل حال العلاقات السورية اللبنانية إلى هذا الدرك، وأن يتم مصادرة اسم سورية بهذا الشكل، وأن يتقاطر بعد ذلك المسؤولون والإعلاميون الرسميون السوريون على شاشات التلفزة العربية والعالمية بعد اغتيال الحريري للدفاع باسم العروبة والقومية عن أسلوب الوصاية المتآكل هذا، رافعين عن نظامهم أي مسؤولية في التدهور الذي آلت إليه الأمور في لبنان، ومعلنين أنفسهم ناطقين مكرسين ليس فقط باسم الشعب السوري ولكن أيضا باسم الشعب اللبناني وآماله وأمانيه!
مسؤولية إسرائيل!
إضافة إلى كل هذا التضليل، طغى عند البعض منطق بائس وكئيب يجهر بمسؤولية إسرائيل عن جريمة اغتيال الحريري، ويبرئ كل من عداها. طبعاً نحن لا نقول هذا، لأننا نريد نفي هذه التهمة عن إسرائيل، ولكن لأن من يجهر بهذا الرأي، يسكت في الغالب عن النصف الآخر، الأكيد والصارخ، من الحقيقة وهو أن هناك قوى سياسية وأمنية صعّدت في الآونة الأخيرة ضد الرئيس الحريري إلى درجة التهديد والتخوين والقتل الرمزي. وبغض النظر عن إمكانية الجواب عن سؤال من هو المسؤول المباشر عن جريمة الاغتيال البشعة؟ لأنه لا يوجد حتى كتابة هذه السطور أي معطيات دقيقة، فإن الأكيد أن هذه القوى السياسية والأمنية مهدت الطريق وهيأت الأجواء لأن تمتد الأيادي الخبيثة إلى رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. من هنا فإن أي محاولة لحصر تهمة اغتيال رفيق الحريري بإسرائيل، والتزام الصمت في الآن نفسه عن التصرفات المسيئة والمهددة التي مورست بحق الحريري من قبل جهات سلطوية، لن يفعل شيئاً آخر سوى زيادة الطين بلة وقلب السحر على الساحر وتثبيت التهمة على مدعي الوطنية والقومية.
لسنا هنا لنتهم أحداً باغتيال الرئيس الحريري، وأملنا أن يتم إجراء تحقيق عادل ومستقل يمكن العدالة من وضع يدها على الجناة الفعليين، وأن لا يكون مصير التحقيق في جريمة اغتيال الحريري، كمصير غيره من الجرائم التي شهدها لبنان. لكن، وبمعزل عن أي شيء آخر، تبقى هناك مسؤولية كبيرة على الذين حضروا الأجواء، من حيث يدروا ولا يدروا، لهذه الجريمة النكراء. فهم من مدد للرئيس لحود، وهم الذين دفعوا بالعلاقات السورية اللبنانية إلى هذا الدرك، وهم الذين رفضوا تطبيق اتفاق الطائف بكافة بنوده، وهم الذين أطلقوا يد الأجهزة الأمنية، وهم الذين كانوا ولا يزالون يرفضون سحب القوات السورية من لبنان.

المعركة واحدة
لنقلها بصراحة وصدق: لم يعد هناك اليوم أي مصلحة وطنية، لا سورية ولا لبنانية، في بقاء القوات السورية في لبنان واستمرار هذا النظام من الوصاية. إن كل حريص على مستقبل العلاقات بين البلدين والشعبين، يدرك تماماً اليوم أن الطريق الأقصر لمواجهة التهديدات الإسرائيلية ولإخراج العلاقات السورية اللبنانية من النفق المظلم الذي أدخلت فيه، يبدأ من انسحاب القوات السورية من لبنان وعودة الحياة البرلمانية الحقيقية إلى الجمهورية اللبنانية وبداية الإصلاحات الديموقراطية في سوريا. فهذه الإصلاحات يمكن وحدها أن تحمي انسحاب الجيش السوري من لبنان وتمكن الشعب السوري من مواجهة التحديات التي تتربص ببلده وبمستقبله، وتسمح بإعادة العلاقات اللبنانية-السورية إلى شكلها الصحيح واللائق، وتقطع الطريق على كل الذين يريدون الاصطياد بالماء العكر.
مع ذلك فإن هناك مسؤولية تاريخية على أطراف المعارضة اللبنانية في لجم أي نزعات شوفينية أو عنصرية ضد الشعب السوري، وضرورة إبقاء الأذهان متيقظة إلى أن هذا الشعب ليس مسؤولاً عن ممارسات نظامه في لبنان. وعلى الجميع أن يعي أن معركة استقلال لبنان وسيادته لا يمكن لها أن تسير إلا في ذات اتجاه معركة دمقرطة سورية وانفتاحها. فكل تعارض بين المسارين معناه خسارة المعركتين معاً.
النهار

جمال مبارك بعد بشار الأسد: ما جديد الجمهورية الوراثية؟

2005-02-25
جمال مبارك بعد بشار الأسد: ما جديد الجمهورية الوراثية؟

صبحي حديدي

القدس العربي

2005/02/24
بارقة أمل، في هذا الليل العربي البهيم، كانت تلك المظاهرة التي شهدها ميدان الجامعة في القاهرة يوم 21 شباط (فبراير) الجاري، حيث رُفعت شعارات صريحة جسورة تعارض احتمال ولاية خامسة للرئيس المصري حسني مبارك، كما تناهض مبدأ التوريث لنجله وخليفته الأرجح جمال مبارك. وبمعزل عن مغزاها الخاصّ البليغ في السياق الداخلي المصري، واندراجها في سلسلة مظاهر احتجاج لا تقلّ شجاعة وقعت في مناسبات سابقة كان آخرها معرض القاهرة للكتاب حيث يحلو للرئيس المصري أن يذكّر العباد بأنّ إدارته ثقافية ومثقفة أيضاً، ترتدي تظاهرة ميدان الجامعة مغزي بالغ الخصوصية في سياقاتها العربية، ولعلّها لا تنفصل عن ــ لأنها ببساطة لا يمكن إلا أن ترتدّ إلي ــ سابقة التوريث السورية... الأشهر حتي تاريخه!
ولكي لا تغيب الأخبار الطيبة (إذا كانت كذلك حقاً!) في مسائل توريث الجمهوريات العربية لأبناء الرؤساء الجمهوريين، نُقل عن وكالة الأنباء التونسية أنّ الرئيس التونسي زين العابدين بن علي (69 عاماً) رُزق بمولود ذكر من قرينته ليلي بن علي، بعد ابنتين من زوجته الحالية وثلاث بنات من زوجته السابقة. في قراءة أخري للحدث، افتراضية تماماً بالطبع، قد يكون الشعب التونسي أمام خبر إنساني عائلي مفرح يخصّ أسرة الرئيس من جهة، ومن جهة ثانية أمام الخبر ذاته ولكن ليس البتة علي نحو مفرح إذا توجّب ذات يوم أن ينضمّ المولود محمد زين العابدين إلي السادة بشار الأسد، جمال مبارك، أحمد علي عبد الله صالح، وسيف الإسلام القذّافي، وربما إميل إميل لحود!
وقد يظنّ قاريء أنني، بوصفي مواطناً سورياً كان بلده أوّل مَن اكتوي بنيران التوريث الجمهوري في ربوع الجمهوريات العربية طرّاً، أبالغ قليلاً ــ أو حتي كثيراً... أكثر ممّا ينبغي! ــ حين أذهب بعيداً هكذا في التطيّر شرّاً من التوريث والمورّثين والوَرَثة. ولكني أراهن أنني سوف أجد إلي جانبي مئة قاريء يخالفون القاريء السابق رأيه، لأنّ السيناريو يبدأ هكذا من الافتراض شبه المستحيل، إلي لعبة النفي (ذات يوم قال بشار الأسد، مثل شقيقه الراحل باسل الأسد، إنه لا مجال للتوريث في... سورية الأسد !)، إلي تأكيد الإمتثال لـ إرادة الشعب إذا شاء الشعب تحميل الفتي مسؤوليات أبيه، وصولاً في نهاية المطاف إلي تثبيت الحقّ الشخصي لكلّ وأيّ مواطن في تولّي كلّ وأيّ موقع عامّ...!
وفي أواخر آذار (مارس) 2001، أي بعد أقلّ من سنة علي توريث بشار الأسد، كانت الصحافية الأمريكية لالي ويموث، من أسبوعية نيوزويك ، قد أجرت حواراً مطوّلاً مع حسني مبارك أثناء زيارته للولايات المتحدة. وكان طبيعياً أن تطرح عليه السؤال الذي يدور في أذهان المصريين، آنذاك كما اليوم أيضاً: الجميع يتحدثون عن إبنك جمال كخليفة محتمل لك . وكان جواب مبارك قاطعاً وحادّاً غير دبلوماسي في آن معاً: نحن لسنا سورية. إبني لن يكون الرئيس القادم. الرجاء أن تنسوا هذا الموضوع ...
وبالطبع أثارت هذه الإجابة دهشة المراقبين لأسباب عديدة، أوّلها أنّ جميع الدلائل كانت وتظلّ تشير إلي أنّ جمال مبارك يصعد السلّم السياسي بقوّة، ويتمّ إعداده لمنصب سياسي رفيع لا يمكن أن يكون أقلّ من رئاسة الجمهورية. وإذا كان مبارك الأبّ قد سارع إلي القول إنّ مصر ليست سورية، فلأنّ مظاهر صعود مبارك الإبن تذكّر كثيراً بما جري في سورية من عمليات إعداد سياسي وأمني لبشار الأسد خلال السنوات القليلة التي سبقت وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد. ويتذكّر المراقبون أنّ الرئيس السوري الراحل لم يصرّح في أيّ يوم بأنّ إبنه سوف يكون خليفة له، بل حاول مراراً إعطاء الإنطباع بالعكس، الأمر الذي يعني أنّ نفي مبارك احتمال خلافة جمال مبارك لا يمكن أخذه علي محمل التصديق إلا عند المغفّلين، رغم نبرة النفي القاطعة التي انطوت عليه.
لهذا، ولأنّ الصحافية الأمريكية ليست في عداد المغفلين أولئك، فقد تابعت إلحاحها وسألت: ولكنّ الناس يتساءلون عمّن سيكون خليفتك المحتمل ؟ أجاب مبارك: سوف نحاول العثور علي نائب للرئيس. الأمر صعب. وأنا أستعرض بعض الأسماء . وهذه الإجابة أثارت دهشة المراقبين بدورها، لأنّه لو كان مبارك يبحث حقاً عن نائب رئيس قوي ومتمرّس ويحظي بشعبية في الشارع المصري، فإنّ أفضل المرشحين كان آنذاك وزير الخارجية المصري عمرو موسي. لكنّ مبارك اختار موسي لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، الأمر الذي كان يعني إخراجه بصفة شبه نهائية من الساحة السياسية المصرية، ويجعل مسألة اختيار نائب قويّ صعبة حقاً كما قال مبارك، إذا لم تكن مستحيلة!
وآنذاك كانت تتوفّر شريحة خاصة من ثقاة التحليل السياسي علي غرار الرجم بالغيب، رأت أنّ جميع الأسماء التي تتداولها الشائعات لمنصب نائب الرئيس لا ترقي إلي مستوي عمرو موسي، ولا تبدو وكأنها تلبّي صورة المرشّح الذي يحمل خصائص رئاسية، سواء علي الصعيد المصري الداخلي أو علي الصعيد الخارجي العربي والدولي. هنالك من تحدّث عن شخصية عسكرية، عملاً بتقليد مصري عريق بدأ منذ جمال عبد الناصر وتواصل مع أنور السادات وحسني مبارك. وضمن هذا الخيار أتي ذكر المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع السابق، والمشير عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع الأسبق والعسكري المتقاعد الذي لم يبتعد تماماً عن الساحة السياسية، بالإضافة إلي عدد من كبار ضباط الأمن الداخلي.
فريق آخر من المراقبين تحدّث عن ضرورة إسناد المنصب إلي شخصية مدنية، وذلك عملاً بروح العصر والإتجاه الدولي العامّ إلي إبقاء العسكريين في الثكنات، بهدف طمأنة المستثمرين إلي أنّ مستقبل مصر مدنيّ وليس عسكرياً، وإلي أنّ السلام مع الدولة العبرية نهائي ومستقرّ ولا حاجة إلي رئيس عسكري. المشكلة، هنا أيضاً، كانت أنّ الأسماء المدنية المطروحة ليست نادرة فحسب، بل تكاد تكون معدومة تماماً، وأفضلها رئيس مجلس الشعب آنذاك فتحي سرور، الذي لم يكن يحظي بأيّة شعبية في مصر، ولا يعرفه أحد خارج مصر.
الإحتمال الثالث كان توفيقياً وهو تعيين نائبين للرئيس، واحد عسكري والآخر مدني. والمشكلة في هذا الخيار كانت أنّ أحد النائبين سوف يكون أقوي من الثاني بالضرورة، الأمر الذي سيجعل وجود النائب الضعيف مجرّد إجراء تجميلي وشكلي، إذا وضعنا جانباً احتمالات اندلاع صراع خفيّ بين العسكر والمدنيين. وإلي هذا وذاك، أيّ وفاق سينجزه هذا التوفيق: ضحك (مكشوف تماماً) علي لحي المصريين في الداخل، أم مخادعة (مفضوحة) للولايات المتحدة والغرب والمستثمرين في الخارج؟
في غمرة هذه المماحكات الإحتمالية، التي باتت رياضة فاسدة مفسدة أشبه باللغو والنفخ في قربة مثقوبة، يواصل الوريث المحتمل صعوده ضمن منهجية شاملة تمزج السياسي بالإقتصادي، والثقافي بالإستثماري، والدستوري بالعسكري، والداخلي بالخارجي... وإذا كان من فارق بارز أوّل بين سيرورات توريث بشار الأسد وتوريث جمال مبارك، فهو أنّ سيرورات الأخير تجري في عصر الإنترنيت وسقوط الرقابة وانهيار الحواجز بين البيان السياسي والشارع العريض.
ولست أرغب البتة في أن أغمط حقوق الشارع المصري الذي يتظاهر اليوم ضدّ التوريث (الأمر الذي لم تفعله النخبة السورية، ولا الشارع السوري في الواقع، إلا جزئياً وبعد فوات الأوان)، ولكني أودّ التأكيد علي أهمية الدور الحيوي الذي تلعبه عشرات المواقع الإلكترونية المصرية المناهضة للولاية الخامسة وللتوريث. في المثال السوري ــ وأقصد سنوات تدريب وتصعيد وتأهيل بشار الأسد، منذ سنة 1994 تاريخ وفاة شقيقه والخليفة المرشّح آنذاك باسل الأسد، وحتي عام 2000 تاريخ وفاة أبيه حافظ الأسد ــ لم يكن انفجار المعلوماتية علي هذا القدر من اليسر والاتساع والفاعلية. ولهذا لم يتوفّر آنذاك أيّ موقع إلكتروني يجاهر بمناهضة التوريث (للإنصاف التاريخي فقط، كانت هذه الصحيفة، القدس العربي ، بين المنابر القليلة النادرة التي فتحت صفحاتها لآراء الديمقراطيين السوريين المناهضين للتوريث). هذه ورقة ضغط أساسية يجب علي القوي الوطنية والديمقراطية المصرية المعارضة أن تستثمرها حتي المدي الأقصي المتاح، ليس بغرض التحريض المفتوح ضدّ الولاية الخامسة والتوريث فحسب، بل أيضاً وأساساً بغية بلورة وعي سياسي ومدني وحقوقي ينبغي أن يفضي إلي برنامج عمل وطني ائتلافي أو جبهوي متقدّم. ولا ريب كذلك أنّ هوامش التعبير الأخري، مثل صحافة الأحزاب والمطبوعات المستقلة والملتقيات والندوات والمهرجانات، علي محدوديتها وخضوعها لهذا أو ذاك من أنماط الرقابة الرسمية أو الذاتية، تظلّ أدوات عمل أساسية بدورها، لم يكن المجتمع السوري يملك مثلها، وهذه بصفة عامة هي الحال اليوم أيضاً.
في غضون هذا المخاض تواصل مصر العيش في إطار سلسلة متواصلة من الأزمات الإقتصادية والإجتماعية، تختلط دائماً بمستوي مرعب وغير عادي من الفساد في قطاع الدولة وفي القطاع الخاص، إلي جانب الأزمات السياسية الداخلية والعربية التي تحرّك الشارع العفوي، الأمر الذي يجعل البلاد تعيش بالفعل في شروط تأزّم عميق يوحي بكلّ الاحتمالات. ونتذكّر، علي سبيل المثال فقط، أنّه في المظاهرات الشعبية العارمة التي اجتاحت معظم مناطق مصر قبيل وأثناء الغزو الأمريكي للعراق، كانت الشعارات المعادية للولايات المتحدة تختلط علي نحو ذكيّ تماماً بالشعارات المعادية للنظام، كما توفّرت أيضاً بعض الشعارات التي تهاجم الرئيس مبارك وعائلته بصفة شخصية. وفي الجانب الذي يخصّ الفساد، كشف التقرير السنوي لهيئة النيابة الإدارية المصرية أنّ العام 2002 وحده شهد 36.269 قضية فساد مالي وإداري داخل الهيئات والمصالح والوزارات الحكومية، أي بمعدّل 211 قضية فساد في اليوم، و35 قضية في الساعة، وقضية واحدة كلّ دقيقتين! ونعرف أنّ دائرة القضايا هذه تشمل موظفي الدولة من مرتبة وزير فأدني، كما تشمل النوّاب والقضاة أيضاً.
هنالك أيضاً استمرار العمل بقانون الطواريء المفروض منذ عام 1967، الأمر الذي أعطي ويعطي السلطة غطاء قانونياً لانتهاك عدد كبير من الحرّيات الأساسية، مثل التعبير والتجمّع وتكوين الجمعيات والإنتساب إليها. وهو الغطاء الذي يمكّن السلطة من اعتقال وإحالة مئات المتهمين أمام محاكم أمنية وعسكرية، بما يعنيه ذلك من فقدان الأصول القانونية واستخدام التعذيب في التحقيق وإصدار أحكام سياسية وليس قانونية. ومؤخراً أشارات منظمة Human Rights Watch الأمريكية إلي أنه السلطات المصرية ما تزال تعتقل 2400 من مواطني شمال سيناء علي خلفية تفجيرات طابا التي وقعت في كانون الأوّل (ديسمبر) الماضي.
ويبقي، بالطبع، أنّ تبعية مصر الإقتصادية تقود تلقائياً إلي تبعيتها السياسية التامة للولايات المتحدة، كما تقود إلي فقدانها آخر ما تبقي لها من أدوار علي الصعيد العربي والإقليمي. وما أداء مبارك في فترة ما قبل وما بعد غزو العراق، ثمّ في قمّة شرم الشيخ والموقف من السلطة الوطنية الفلسطينية إجمالاً، والموقف اليوم من الضغط الأمريكي ـ الفرنسي علي النظام الحاكم في دمشق، إلا آخر البراهين علي هذه التبعية شبه المطلقة.
لعلها، أيضاً، بعض آخر العلامات قبل أن يمتثل الشارع المصري للنداء الفرعوني الجبّار الذي يقتبسه زميلنا الكاتب والروائي المصري عزت القمحاوي: إنهض، إنك لستَ بميّت!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

200 شخصية سورية تدعو الأسد إلى الانسحاب من لبنان

2005-02-24
200 شخصية سورية تدعو الأسد إلى الانسحاب من لبنان

دعت اكثر من مائتي شخصية سورية الرئيس بشار الاسد في رسالة مفتوحة نشرت أمس، إلى سحب الجيش السوري من لبنان وإقامة “علاقة صحية وندية مع لبنان”. وقالت الرسالة إن “الضغوط الخارجية تشتد وتأخذ صورا وأشكالا متنوعة والشعب السوري لا يعرف ماذا ينتظره بينما لا ينفع الإصرار على الطرق السياسية القديمة في إدارة الأزمات”.

وبين موقعي الرسالة المحاميان انور البني وخليل معتوق والكتاب برهان غليون وميشال كيلو وفايز سارة والممثل فارس الحلو والممثلة والمخرجة واحة الراهب والصحافيان حكم البابا وشعبان عبود والمعتقلان السياسيان السابقان اكرم البني وكمال لبواني.

وفي ما يأتي بعض الذين وقعوا على الرسالة وهم: ابراهيم احمد أحمد خليل أُبي حسن احمد الاحمد احمد نصري أديب الناصر اديب طالب اسامة عاشور العسكري اسعد درويش اسماعيل اسماعيل اسماعيل حمي اسماعيل عمر علي اصلان عبد الكريم اكرم البني آلان شيخو انور البني اياد عيسى بختيار بكر برهان غليون بشار زرقان بشير السعدي ثابت مراد جريس التلي جمال شحمة جميلة فاضل جورج كتن حازم نهار حبيب ابراهيم حزامي زهور عدي حسان عباس حسن صالح حسيبة عبد الرحمن حسين عودات حكم البابا حميد مرعي خالد خليفة خليل معتوق دانيال سعود دلفين حاجي نايف رزان زيتونة رشيد شعبان رضوان زيادة روفائيل خماسمية رياض حمور زكريا كردي سالم مراد سامر الهويدي سعاد جروس سلافة عويشق سلمان حمادة سلمى كركوتلي سليمان الشمر سليمان يوسف يوسف سليم خير بك سميح شقير سمير نشار سهير أتاسي شادي حجازي شعبان عبود شيخ داوود خليل صادق فرعون صبا طبال طارق حوكان طالب ابراهيم عادل درويش عاصم العظم عامر الاخضر عاصم جميل عباس عباس عبد الجواد صالح عبد الحفيظ حافظ عبد الرحيم غمازة عبد الغني البكري عبد الكريم ريحاوي عبد الله خليل عبيدة البكري عز الدين شعار عزام فوق العادة عزت عمر عزيز داوود علي الاحمد علي العبد الله علي الوراد عماد الدين حريري عمر البحرة عمر كوكش غازي القدور غازي مصطفى فاتح جاموس فارس الحلو فاضل الكواكبي فايز سارة فداء حوراني فراس حسن فيصل بدر قاسم بلال كامل عدلة كريم عكاري كمال لبواني لؤي حسين لقمان أوسو ليلى أورفلي مازن عدي مؤنس البخاري مجدولين الرفاعي محمد الحاج صالح محمد اياد بطل محمد جاسم محمد شحرور محمد شعبان محمد علاء الدين عبد المولى محمد محفوض محمد محفوظ محمد منصور محمد بريمو مروان محمد مزن مرشد مسعود عكو مشعل تمو معاذ حمور مغير الزركي ملك الحسيني منقذ حوراني منير الخطيب مهند ابو الحسن مهند الحسني مهيار خشروم مي سكاف ميشيل برو ميشيل كيلو ناصر الغزالي ناهد بدوية نبيل المالح نجاتي طيارة نضال درويش نضال نجار نهاد سيريس نوري بريمو نيروز مالك هافال يوسف واحة الراهب وليد اليونس وليد قارصلي وليد مبيض ياسر خوجة ياسر مخلوف.

حـــــائـــــط الاعـــــــــدام

حـــــائـــــط الاعـــــــــدام


الرسالة لم تصل، لذا كان لا بد من الانتقال الى الحسم. في هذا الاطار يجب ان نقرأ اغتيال رفيق الحريري. هذا ليس اغتيالا، انه تنفيذ حكم بالاعدام. فالسياسة اللبنانية كانت خلال اعوام الحرب الطويلة حائط اعدام كبيراً. القتل هو اعلى درجات السياسة: هذا هو المنطق الذي حكم آلية الهيمنة على لبنان، التي وصلت الى ذروتها مع اغتيال الرئيس رينه معوض.

خلال اعوام الهيمنة المستقرة نسبيا، استبدل الاعدام بالمنفى او السجن، وباستثمار الخوف والتخويف وشعور اللبنانيين بالاحباط والفشل والعار من منعطفات الحرب الدموية الطويلة التي اوصلت بلادهم الى الحضيض.

لكن ها هو سلاح الاعدام يعود الى سابق عهده، مع المنعطف الكارثي الذي دخله لبنان عبر سياسة تمديد الازمة، وعدم قدرة نظام الوصاية على قراءة المتغيرات السياسية المحلية والدولية بدقة.

محاولة اغتيال مروان حمادة رسالة لم تصل، لذا تمّ الانتقال الى مرحلة جديدة تمثلت في الاغتيال المروّع الذي شهدته بيروت ظهر الاثنين 14 شباط الجاري حين حصل الانفجار الرهيب الذي اعادنا عشرين عاما الى الوراء وفتح الجرحَين اللبناني والسوري على المجهول.

لقد ذهب كلّ طرح عقلاني للوصول الى مخرج مقبول للازمة السياسية في مهب الموت، وعلينا ان ننتظر مسلسلا مجنونا على المستويين الداخلي والخارجي:

على المستوى الداخلي سوف يسود الرعب والخوف، وقد تذهب الانتخابات الى الجحيم، اذ لم يعد مقبولا ان تُجرى الانتخابات في ظلّ هذه الحكومة التي وُلدت معوقة وتعيش في ظل اشباح الاجهزة. وليس من المستبعد ان يتمّ استغلال الوقت الضائع من اجل تنفيذ المزيد من الاغتيالات واعادة لبنان الى شفير الهاوية.

اما على المستوى الدولي، فان الامور مرشحة لـ عرقنة بطيئة وطويلة ومدمرة، وان شبح العقوبات الدولية وآثارها الكارثية سوف يحيل بلاد الشام بأسرها قاعا صفصفا، ولن نجد انفسنا الا في العزلة والموت البطيء، والانهيارات الداخلية.

لا ادري لماذا اندفع نظام الوصاية السوري الى الفخ الاميركي، منذ لحظة التمديد البائسة. بدلا من البحث عن مخارج عقلانية تقي لبنان وسوريا هذه اللحظة التاريخية الصعبة، سيطرت لاعقلانية انتحارية، وساد نمط من التشاطر اعتقد انه يستطيع ضرب اطراف المعارضة بعضهم بالبعض عشية الانتخابات. ثم، وبعد فشل هذا التكتيك، جاء الموت ليسدل ستار النهاية على اللعبة السياسية، ويقترح اشكالية مواجهة تذكّرنا بالبؤس السياسي العراقي الذي اوصل بلاد الرافدين الى السقوط في اسر الاحتلال.

ولكن هل نستسلم لقدر سياسي اعمى يضعنا بين سندان الانظمة الديكتاتورية ومطرقة الاندفاع الاميركي الوحشي لتحطيم العالم العربي؟

لم يعد هذا السؤال نظريا اليوم، فالخطر صار على الابواب. اننا نواجه آلة سياسية صمّاء لا تلوي على شيء، ولا تمانع في ان يكون سقوطها، اذا لم يكن من السقوط بد، اسقاطا للبلاد في الهاوية. أليس هذا هو النموذج الهستيري الذي قدّمه الحكم البعثي في العراق؟

السؤال ليس مَن قتل رفيق الحريري؟

مثلما لم نعرف قتلة كمال جنبلاط لأننا نعرفهم، فلن نعرف قتلة الحريري ايضا. القتل الذي يوقّعه القاتل بدم ضحيته سوف يبقى مجهول الفاعل المعلوم، الى ان يأتي يوم ينزاح فيه الكابوس عن بلادنا المنكوبة بالديكتاتورية، وعندها ستكشف العدالة، ليس على الطريقة العضومية، أن الذي قرر تحويل البلاد اسيرة ومكبلة، لم يجد سوى الجريمة وسيلة الى ذلك.

السؤال هو كيف لا يسقط لبنان ومعه سوريا في الهاوية؟

اخشى ان يكون قد فات الاوان، ويكون اعدام/اغتيال الحريري بداية عرقنة ، سوف تكون جلجلة طويلة ودامية. ولكن رغم ذلك فإن من واجب العقل ان يكافح الحماقة حتى الرمق الاخير.

المخرج العقلاني الممكن يتألف من نقطتين:

-1 استقالة الحكومة فورا، اليوم قبل الغد، وتشكيل حكومة انتقالية تتولى التفاوض على جدولة الانسحاب العسكري السوري من لبنان، فيكون الانسحاب مقدمة ضرورية للانتخابات النيابية.

-2 تشكيل لجنة تحقيق دولية لتحديد المسؤولين عن الجريمة ومعاقبتهم، لأن الثقة فقدت نهائيا بالنظام اللبناني واجهزته.

هذان المطلبان اللذان رفعتهما المعارضة هما الامل الوحيد في الخروج من النفق الدموي الذي يرتسم امامنا، وإلا فإن المجهول - المعلوم هو في انتظار لبنان وسوريا معا.

كي لا يسقط الوطن في المجهول، كي نكون قد تعلمنا شيئا من الحرب المدمرة التي لا نزال ندفع اثمانها الباهظة، فإن مسؤولية القوى الحية في المجتمع اللبناني كبيرة اليوم. يجب ان يكون هذا الحدث التراجيدي لحظة وعي. انه ليس وقت الخلافات، انه وقت للوحدة، لوحدة وطنية ترفع شعارا واحدا هو الاستقلال، وتنظم صفوف الاكثرية الشعبية كي تنتقل الى الفعل، اي الى تحويل هذا الشعار عنوانا لنضال يومي وسلمي ومدني. نحن في حاجة الى روح ميثاقية جديدة كي ننقذ الوطن من حكامه، الذين يعبثون به.

المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة. انها مهمة المعارضة في مختلف اطيافها وتياراتها، ولن يغفر التاريخ للمتقاعسين والخائفين.

انه وقت العمل ورفع المطلب الاستقلالي فوق كل مطلب آخر. فما معنى انتخابات نيابية يُقتل فيها المرشحون قبل ان تبدأ؟ وما معنى السياسة في زمن الاعدام والاغتيال؟ وما معنى الامن، الذي يربّحوننا جميلته صبحاً مساء، حين يصير ستارا للاغتيال والتفخيخ ونشر الرعب؟

انها لحظة صعبة، ولا يستطيع مواجهة المصاعب الا شعب يعرف انه يستطيع الوصول الى حريته واستقلاله اذا توحّد حول المطلب الوطني الاستقلالي ولم ينجر الى الغرائز العنصرية والطائفية.

انقاذ لبنان ينقذ سوريا ايضا وينقذ الفكرة العربية.

اما اذا لم نحسن العمل اليوم من اجل الديموقراطية والاستقلال، فلن يكون في انتظارنا سوى الحضيض.

الياس خوري

ملحق " النهار " العدد 676 -الإثنين21 شباط 2005

دفاع متحفظ عن المعارضة السورية

دفاع متحفظ عن المعارضة السورية.......

أكرم البني..... الحياة

من الطبيعي أن تتعرض المعارضة السورية لنقد صريح وجريء وإن بدا حاداً ومغالياً وأن يكشف عما تعانيه من مثالب وأمراض بعضها قديم قدم نشأتها وبعضها حديث حداثة علنيتها، لكن الغريب وغير المبرر أن توضع ومهما تكن الدوافع والاعتبارات في وجه مقارن مع النظام وتفضيله عليها. والمؤسف انه درجت أخيراً على لسان عدد من المثقفين السوريين فكرة غير محمودة عُبر عنها بصيغ مختلفة «أن المعارضة السورية أسوأ من النظام. والأنكى أن يتم ركوب هذه الموجة ويتكرر طرح هذا الرأي على عماهما في كثير من الحوارات استقواء بمواقف هؤلاء المثقفين، وبعضهم يحظى بمكانة واحترام مميزين في الأوساط الشعبية والثقافية.

ربما يصعب إيجاد سبب موضوعي مباشر لهذه الحملة على المعارضة السورية وإجازة هذه النوع من المقارنة بينها وبين السلطة، لكن من السهل تبين الدوافع الذاتية أو الشخصية التي تأتي غالباً كرد فعل من أحد المثقفين على ضرر تعرض له، أو لأنه لم يجد في المعارضة الراهنة ما يتطابق مع الصورة التي رسمها في ذهنه. وعندما تحضر الدوافع الذاتية تغلب نزعة المبالغة في طرائق السجال والنقد وتدفع عادة الأمور الى نهايتها القصوى، فتضخم الظواهر الصغيرة ويسارع الى تعميمها ويغدو الطريق المفضل لدفع “الضرر” هو إيقاع ضرر مقابل والإساءة عموماً الى تاريخ المعارضة السورية ومكانتها في المجتمع وحتى اعتبارها العدو الرقم واحد الذي يجب أن توجه كل أنواع النيران إليه.

مثل هذا الرأي، وبغض النظر عن النيات، شاء أصحابه أم أبوا، يضع أكثر من علامة استفهام عن دوافع هؤلاء المثقفين في وضع الجاني مكان الضحية وتجاهل ارتكابات السلطة وما اقترفته في حق المجتمع السوري طيلة عقود.

أليس من الظلم وضع السلطة والمعارضة في سلة واحدة أو معايرتهما بمقياس واحد، وهما ماهيتان مختلفتان لجهة الموقع والوظيفة والتاريخ الملموس، حتى وان عرفتا صفات مشتركة في بعض طرائق التفكير والسلوك والممارسة؟! وهل يجوز اعتبار ما قامت به السلطة قمعاً وسجناً وتنكيلاً، ضد من خالفها الرأي، أقل فتكاً مما سلكه طرف معارض أساء إلى الآخر بأسلوب الاتهامات الرخيص؟! وأين العدل والإنصاف حين يساوى أو يفضل بين القمع العاري الذي يدمر كل ما يعترض طريقه وتقف وراءه مصالح يحاول أصحابها الدفاع عنها، وبين أسلوب خاطىء وأحياناً مؤذٍ يسم سلوك بعض المعارضين في إدارة خلافاتهم مع خصومهم، لكنه يترك الباب مفتوحاً للرد والطعن والدفاع وينأى في كثير من الأحيان عن حسابات المصالح والامتيازات بل غالباً ما يندرج في إهاب تفاوت الاجتهادات واختلاف الرؤى والمواقف السياسية.

الحقيقة ليس ثمة التباس يحتمل في تحديد الطرف المسؤول عن مصير مجتمع يحكمه نظام شمولي، وإنما تقتضي الأمانة الإشارة بالبنان الى السلطة كجهة وحيدة معنية أساساً بما صارت إليه أوضاعنا لا الى المعارضة. بل هذه الأخيرة هي أيضاً ضحية من ضحايا النظام.

إشهار هذه الحقيقة لا يعني أبداً أن المعارضة بخير وعافية أو لا تعاني من أمراض مزمنة وخطيرة، كما لا يعفيها من بعض المسؤولية ربما لأنها لم تتحرر بعد من تصوراتها الإيديولوجية العتيقة ولا تزال تتبنى لغة شبيهة بلغة السلطة وشعاراتها، أو ربما لأنها لم تحاول كما ينبغي للحد من توغل القمع السلطوي ومحاربة الشعور العام باليأس، أو تنجح في إنشاء أنموذج ديموقراطي مضاد يثير الأمل في النفوس.

فالمعارضة السورية لا تزال في غالبيتها عقائدية القلب واللسان لم ترتق الى مصاف معارضة نمطية يتبلور في أحشائها نمط الحياة الديموقراطية في مواجهة العقل الإيديولوجي السائد، وليس بأمر عجيب أن تجد عدداً من المعارضين يستلهمون المنظومة المفهومية السلطوية ذاتها ويتبنون أساليبها في إدارة الصراع ناهيك عن أن سنوات الاستبداد الطويلة والنمو المشوه في سراديب النشاط السري ترك بدوره آثاراً عميقة عليها فغدت عاجزة عن المبادرة تحكمها الحسابات الذاتية والمصالح الحزبية الضيقة. وفي المقابل لعب المناخ نفسه وغياب الديموقراطية والحريات دوراً آخر في انحسار الفكر النقدي وتراجع دور المثقف الحر، ونجحت السلطة في إلحاق هزيمة بدور المعرفة في الحياة العامة وخنق الثقافة وتطويعها لتصبح مجرد صدى أو أداة تبرير وتسويغ للواقع القائم، وأكمل هذه المهمة ضعف مقاومة المثقفين أو تقصيرهم في نصرة الديموقراطية أو اختزالها في وعي بعضهم إلى حدود ما يعطيه السلطان وتأويل ما هو قائم من هوامش ضيقة على أنها الديموقراطية المطلوبة.

فغالبية المثقفين، وللأسف، أحجمت لفترات طويلة ولأسباب متنوعة عن ممارسة نقد حازم ضد الاستبداد وانعدام الحريات وانتهاكات حقوق الانسان، ولم تظهر قدراً كافياً من التضحية والشجاعة للاعتزاز بالحياة الديموقراطية وبحرية التفكير والإبداع والتمسك بمعاييرها أمام ما تعرضت له من ضغوط سياسية واقتصادية، ومن حسن الحظ أن معظمهم يعترف بهذا الجزء من المسؤولية ويقف موقفاً نقدياً من تردده أو إحجامه عن تخصيص جهد متميز من نشاطه لنشر ثقافة الديموقراطية وتثبيتها في مواجهة مظاهر التسلط.

أصبح التغيير الديموقراطي في سورية مسلّمة يتفق على مشروعيتها وراهنيتها الكثيرون لكن شرط تقدمها يحتاج إلى مستوى متميز من الوعي والمسؤولية في الحقلين السياسي والثقافي، أولاً إلى معارضة قادرة على انتزاع ثقة المجتمع عبر المسارعة الى التحرر من كوابح الماضي وإنشاء وعي جديد يأخذ الديموقراطية كغاية في ذاتها لا مجرد وسيلة لتحقيق هدف أو نصر سياسي عابر. وثانياً الى دور خاص للنخبة المثقفة في تعميم الموضوعية والعقلانية النقدية وتنمية روح المنافسة الصحية التي تحترم الآخر وتنأى بطرائق السجال عن التجهيل والمبالغة والإقصاء، فربما من الصعب أن تنتصر مناخات الحرية والتعددية واحترام الرأي الآخر إذا لم تنتصر ثقافة الديموقراطية.

كاتب سوري.

الاسد ونصائح مبارك

الاسد ونصائح مبارك
عبد الباري عطوان
القدس العربي
عاود الرئيس حسني مبارك يوم امس هوايته في توجيه النصائح الي الزعماء العرب الذين يقفون علي اعتاب المواجهة مع الولايات المتحدة الامريكية، عندما حذر الرئيس السوري بشار الاسد من الوقوف امام ضغوط المجتمع الدولي، واوفد اليه اللواء عمر سليمان، رئيس المخابرات طالبا منه الانسحاب من لبنان.نصائح الرئيس مبارك هذه يمكن الاستماع اليها، والعمل بها، لو كانت مرفوقة بوعد مصري بالوقوف الي جانب الموجهة اليهم، سياسيا وعسكريا اذا ما واجهوا غزوا امريكيا، ولكن ان تظل في اطار النصائح فقط، ومن اجل القول في مرحلة لاحقة باننا نصحناهم .. او اننا حذرناهم، ولم يستمعوا وعليهم تحمل النتائج فانها نصائح غير مقبولة في هذه الحالة، ولا تستحق الاستماع اليها.ما هو مطلوب من الرئيس مبارك، باعتباره رئيس اكبر دولة عربية هو اكثر من النصائح، اي الالتزام بالدفاع عن الاشقاء العرب، والوقوف في وجه الهيمنة الامريكية الزاحفة علي المنطقة. والا فان نصائح الرئيس مبارك هذه يمكن فهمها علي انها محاولة للتغطية علي الانتفاضة الشعبية المصرية التي بدأت تطل برأسها ضد حكمه وتجسدت في المظاهرات الاخيرة الرافضة للتمديد والتوريث، والمطالبة بتنحيه بعد انتهاء ولايته الرابعة في الخريف المقبل.ان هذه النصائح هي نذير شؤم ، فلم يوجه الرئيس مبارك نصائحه الي نظام وبقي في الحكم، او بقي رئيسه علي قيد الحياة. فقد وجه نصائح مماثلة الي الرئيس العراقي صدام حسين بالانصياع للارادة الدولية وتطبيق قراراتها، واعتقد الرئيس العراقي في حينها ان مصر ستلقي بثقلها خلفه وستحمي نظامه، واشتري ما قيمته اربعة مليارات دولار من منتوجاتها لمساعدة اقتصادها، ليكتشف بعد ذلك ان الحكومة المصرية قدمت لامريكا صورا ووثائق تؤكد امتلاك العراق معامل كيماوية وبيولوجية متنقلة تنتج اسلحة دمار شامل. وهي الصور التي استخدمها كولن باول وزير الخارجية الامريكية في حينها امام مجلس الامن الدولي كدليل دامغ لادانة العراق وتبرير غزوه واحتلاله. وهي الصور التي اعتذر عنها لاحقا لمجلس الامن لانها كانت مزورة.وربما يفيد التذكير بان نصائح مماثلة جري توجيهها للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وادت الي وقوعه تحت الحصار الاسرائيلي ثلاث سنوات سجينا في مكتبه لم يستطع مغادرته، وكانت آخر التحذيرات برفع الحماية المصرية عنه اذا لم ينفذ حرفيا ما يريده شارون، وفعلا انتهي الرجل مسموما، وجري ترتيب جنازة فخمة له في القاهرة.ولعل الزعيم الليبي معمر القذافي هو الناجي الوحيد من مصيدة هذه النصائح، التي اطالت عمر الحصار المفروض عليه ولم تقصره. فعندما قرر في اللحظة الاخيرة عدم الاستماع اليها، واستقبال مبعوثي الرئيس مبارك في حجيجهم المتواصل الي خيمته في سرت، واللجوء الي الوساطات الافريقية وخاصة الزعيم الافريقي نيلسون مانديلا، انكسر الحصار، وبدأت ليبيا تتعافي تدريجيا من اثار العزلة والحصار.ولا نعرف لماذا يستمع الرئيس بشار الاسد الي نصائح الرئيس مبارك، التي حملها اليه اللواء سليمان، اذا كان مضمونها هو القبول بالشروط الامريكية كاملة، والانسحاب فورا من لبنان. فباستطاعته ان يذهب مباشرة الي البيت الابيض وقصر الاليزيه، ويبلغ ساكنيهما بانه مستعد للتنفيذ دون تلكوء، ويعرض عليهما جدولا زمنيا لسحب قواته من الاراضي اللبنانية. مثل هذا القرار لا يحتاج الي حل عربي ، ولا الي وساطات الرئيس مبارك ونصائحه. فالانظمة العربية لا تملك اراداتها، ولا قرارها المستقل، وتتلقي التعليمات مباشرة من واشنطن.الرئيس مبارك، في اعتقادنا، هو اكثر زعيم عربي يستحق النصيحة بضرورة الاستماع الي شعبه ومطالبه في الاصلاح الديمقراطي، والتراجع عن قراراته في تمديد فترة رئاسته وتوريث ابنه السلطة، وتحويل مصر الي عزبة للاسرة الحاكمة وبعض الملتفين حولها. فقد طفح كيل الشعب المصري من استشراء الفساد والمحسوبية والارتماء الكامل تحت اقدام امريكا واسرائيل.طالبنا ونطالب سورية بالانسحاب الكامل من لبنان، ليس استجابة لمطالب امريكا والمعارضة اللبنانية، وانما استجابة لمطالب الشعب السوري نفسه، فبقاء سورية وقواتها في لبنان بات خطرا عليها، والمهمة التي جاءت من اجلها اي حفظ الامن والاستقرار في لبنان جري انجازها.وربما نفاجئ الكثيرين اذا قلنا بان انسحاب سورية مهانة مهزومة من لبنان بالطريقة التي نري ارهاصاتها حاليا، سينعكس سلبا علي لبنان المستقبل وامنه واستقراره، لان هذه الاهانة ستخلق جرحا من الصعب ان يندمل. ونخشي ان يأتي اليوم الذي تندم فيه الغالبية الساحقة من اللبنانيين، وبعد ذلك الامريكان والاسرائيليون علي اليوم الذي ضغطوا من اجل خروج القوات السورية بالقوة والتهديد والوعيد، مثلما ندم الكثير من العراقيين علي الاستنجاد بالقوات الامريكية، ومثلما ندمت امريكا اساسا علي تورطها في العراق.سورية مستهدفة، ولا نستغرب ان يكون قرار تغيير النظام فيها قد صدر، وعملية تنفيذه التدريجي ستبدأ بالانسحاب من لبنان. وطالما اننا في موسم النصائح، فان نصيحتنا للرئيس السوري بشار الاسد تتلخص في ضرورة العودة الي شعبه، من حيث مصارحته، ومخاطبته مباشرة، وعرض كل الحقائق عليه دون رتوش. ننصحه ان يعترف بوقوع اخطاء، وحدوث تجاوزات، وارتكاب مظالم في حقه علي مدي الثلاثين عاما الماضية، وان يعده صادقا بان المرحلة المقبلة ستكون مختلفة لا مكان فيها للفساد والفاسدين، عنوانها الاصلاحات الديمقراطية والاقتصادية واحترام حقوق الانسان واطلاق التعددية السياسية.سورية ما زالت قوية، وتملك اوراقا كثيرة، واذا قررت المقاومة فانها تستطيع ان تجعل من يستهدفونها يدفعون ثمنا غاليا. وحتي اذا لم تقاوم فان انهيار نظامها علي ايدي امريكا واسرائيل سيغير المعادلات القائمة في المنطقة، ويكفي ان نتصور التقاء المقاومتين السورية والعراقية ضد امريكا واسرائيل، وانضمامهما الي حزب الله في لبنان وحماس والجهاد في فلسطين. انهيار سورية وتحويلها الي دولة فاشلة وملاذ آمن للتطرف مثل العراق سيكون اكبر كارثة تحل بالعالم الغربي.حزب الله اجبر اسرائيل علي الانسحاب مهزومة من لبنان، وفقراء غزة وجنين اجبروا شارون علي الهروب بمستوطناته ومستوطنيه دون شروط، لسبب بسيط وهو عدم وجود نظام يقمعهم ويتاجر بهم. انهيار النظام في سورية، لو حدث، ربما يكون اسرع وسيلة لتحرير الجولان، وربما كل الاراضي العربية المحتلة الاخري.

هل يخرج الاعلام السوري من الكهف؟

هل يخرج الاعلام السوري من الكهف؟
أنور القاسم
هل رأيتم رجلا يخرج من أدغال افريقيا ويحمل بيده موبايل، لا يعرف كيف يشغله؟ هكذا هو حال الاعلام السوري الفضائي والارضي الان.فما ابعد المسافة بين الثالث والعشرين من تموز (يوليو) عام 1960 يوم انطلق اول بث تلفزيوني سوري من علي سفوح جبل قاسيون بمحطة صغيرة استطاعتها 10 كيلو واط وبين 2005 حيث جبال من التقنية والتقدم، ومثلها سلاسل من العاملين تجاوزوا ستة الاف موظف لم يستطيعوا موازنة تأثير وفعالية تلك العشرة كيلو واطات.اسوق هذه المقدمة وانا اري سهام الاعلام الغربي وتلفزاته، جنبا الي جنب مع الاعلام العربي يشحذ سكاكينه، ويطعن الخاصرة السورية في لبنان، دون ان تقوم لهذا الاعلام قائمة، فهو كالعادة في موات الي ان يخرج اهل الكهف مجدداً.فقد هالني وغيري ان معظم الاعلام العربي والخليجي في جله لبس البيريه الامريكية في النهش بسورية ومواقفها وثوابتها، بل وعروبتها، ولم نجد قلما او برنامجا تلفزيونيا الا لماما يذكر بسورية، التي كانت علي الدوام صمام امان العرب وحصنهم وحضنهم الدافيء، ببساطة لان بلد العشرين مليونا يعجز عن ايجاد اكثر من خمسة متحدثين باسمه، ولان اعلامنا ضعيف حتي الرخونة في التواصل مع المشاهدين علي الساحة العربية والشارع العربي، الذي يجل في عمومه سورية وثوابتها، لكنه تعود ان يسمع اخبارها عبر الاعلام الاسرائيلي او الامريكي او الاوروبي؟ ولكي تعرف ماذا يحدث في حي كفر سوسة مثلا يجب ان تشاهد اخبار سي ان ان ومقرها اخر ما عمر الله كي تعاقر ما يحدث في دمشق.هذا رغم علمنا الاكيد ان التلفزيون السوري والاعلام السوري عامة لم ولا تنقصه الكفاءات، التي تعد اهم صادراتنا للدول الناطقة بالضاد والباء وال÷اء، فقد كان منجما للخبرات، ساهم بتأسيس كل التلفزات والصحف والمجلات العربية في الستينات والسبعينات، ولا زال منهلا يمد نسغ كافة المحطات بالصحافيين والمذيعين والفنانين والفنيين، والدراما.ہہہلكن لماذا يبدو الاعلام السوري بقنواته التلفزية الثلاث وصحفه الثلاث متخلفا وبأزمة مستمرة سرمدية، بحيث هجره المشاهدون السوريون اولا، وتحول 90 بالمئة من السوريين لمشاهدة المحطات العربية الاخري، بل اذهب لحد الجزم ان ليس هناك مواطن سوري ـ اللهم الا معدو النشرات ـ ينتظر نشرة الاخبار في التلفزيون السوري، وقد باتت مشاهدته عبئاً وآخر الخيارات. كيف لا ونحن نحاول ارغام المواطن علي ازدراد نشرة اخبارية غالبا ما تكون بائتة ومسقعة ومحمضة ايضا، ولا تعكس حوارا بناء صادقا عما يحدث في بلده سورية.واللافت للانتباه ان غالبية المغتربين السوريين لا يضعون قناتهم الفضائية رقم واحد علي باقة المشاهدين، كما يضع معظم العرب قنواتهم الوطنية، ربما لانهم يدركون مسبقا ان شاشتهم ثانوية، ولا تمثلهم فيهرعون الي نشرات الاخبار المفصلة في المحطات العربية المختصة، التي تنقل الاخبار الطازجة من جوار مبني التلفزيون السوري.وقد استبشرنا خيرا بميلاد الفضائية السورية، علي امل مواكبة التطورات التي تعج بها الحياة الاعلامية المعاصرة واحداث قفزة في التعاطي مع الاحداث والتوجهات الجادة الجديدة، غير انها ورغم المحاولات المستمرة، فشلت في الخروج من الاطار العام، الذي يسيطر علي الاعلام السوري واساليب عمل التلفزيون، التي ما زالت ضعيفة وتفيض بالرتابة والجمود، وعجزت عن استقطاب المشاهد في الوطن العربي والمغترب، فساهمت بما يمكن وصفه بالقطيعة الحضارية.الاعلام السوري لعب وما زال يلعب دور الدمية الصينية المكونة من ثلاثة قرود، وشعاره: لا اري، لا اسمع، لا اتكلم. وبات عاجزا عن ان يمثل دولة وبلدا قاد اكبر سياسة حديثة مشرفة للعرب قاطبة ما ينوف علي القرن.لكن هل يعود السبب الي هاته المؤسسات الاعلامية وشأنها شأن كل شركات القطاع العام الخاسرة عديمة المردودية، أم الي مجموعة عوامل تكبل انفاسها وحركاتها ونأماتها، وأولها قانون مطبوعات، اين منه قانون المطبوعات العثماني، يطبق علي انفاس الاعلام والاعلاميين، ويجلدهم بأصوات، احيلت للعرض منذ عقود في خزائن ومتاحف التاريخ!وثانيها الوضع الوظيفي المزدحم الملتبك، الذي يتدخل فيه النفوذ بالمؤهلات الغائبة بلغة الواسطة والمحسوبية والعلاقات الشخصية السلطوية، التي ترفع من تشاء وتنزل وتذل من تشاء، بغير اجتهاد او حساب.كما يفتقر البث التلفزيوني للغة الديناميكية الرشيقة المهنية والوجوه الجميلة. فغالبية المسيطرين علي مفاصل العرض والبرامج لدينا موظفون تنقصهم الثقافة التلفزيونية الحديثة، ومعظمهم لا يتقن اللغة العربية والكياسة. وهم محبطون فيأتي انتاجهم ركيكا وانشائيا فقيرا بالمعلومات وخاليا من الابداع والتشويق.لهذه الاسباب وعشرات غيرها لا مجال لذكرها هنا غدا اعلامنا كمن يستخدم الكمبيوتر كآلة حاسبة فقط، رغم افاقه المذهلة.ہہہالمطلوب من اعلامنا الان الوصول للناس والحفاظ علي الثوابت الوطنية، فمن يتوجه اليهم الاعلام السوري ويخاطبهم ليسوا بعيدين عن هذه الروح والثوابت، وهم اصلها، فالسوريون اثبتوا للعالم اجمع حتي الان انهم اكثر العرب التحاما بقوميتهم وقضايا العروبة اينما وجدت.واملنا معقود علي المشوار الطويل الذي بدأه وزير الاعلام الجديد مهدي الدخل الله، الذي ينتهج سياسة اعلامية واعدة في اعادة بناء المؤسسات الاعلامية كي تصبح شعبية واحترافية وعصرية.واذا صدقت التسريبات عن اعادة هيكلة وتنظيم مؤسسات الاعلام الرسمي من خلال دمج صحيفتي الثورة و تشرين الحكوميتين في صحيفة يومية واحدة، وتحويل صحيفة البعث اليومية الناطقة بلسان حزب البعث، والتي كان يرأس تحريرها وزير الاعلام الحالي، الي مجلة فكرية اسبوعية، وفصل المحطة الفضائية السورية عن الهيئة العامة للاذاعة والتلفزيون واجراء تبديلات في المناصب القيادية والادارية داخل الاجهزة الاعلامية، فاننا سنكون حقا علي اعتاب فتح اعلامي.غير ان هذا الفتح يتطلب المكاشفة والعلانية ومجهودات فوق العادة، بحيث يستقطب الاعلاميين والمهنيين السوريين والكتاب والفنانين والشعراء، وكل اطياف القلم.ومثلما نجحت سورية نجاحا مدهشا في مجال الدراما، حينما رفعت سقف حريتها واشركت المتلقي والمشاهدين في التقييم يستطيع الاعلام السوري ان يتوثب عن طريق تخفيف الرقابة عليه وتوسيع دائرة مشاركته وانتقاده ومراقبته لاداء الحكومة. وفتح الابواب امام الاعلام الاهلي اضافة الي السماح بدخول اوسع للصحافيين والصحف العربية والاجنبية وتخفيف التشنج والرقابة علي العقل والنفس والروح فجسد سوري ضخم تفتقد شرايينه لضخ اعلام حرّ هو بدن عليل مسلول.
كاتب من اسرة القدس العربي anwar@alquds.co.uk

مصير سورية بعد فاجعة الحريري: أحمد مولود الطيار

2005-02-20
مصير سورية بعد فاجعة الحريري: أحمد مولود الطيار

جهابذة النظام لا زالوا أسيري عقلية الحرب الباردة

لا أنوي ولا أود الدخول في موضوع اغتيال و استشهاد رئيس الوزراء اللبناني الأسبق المرحوم رفيق الحريري , فكثر هم اللذين أدلو بدلوهم في كيفية و أسباب اغتياله . أقلام كثيرة سلطت على قدر كبير من الأهمية مناطق معتمة , تم إنارتها جيدا . ما أود إثارته و التركيز عليه مصير سورية بعد تلك الفاجعة المؤلمة , و عندما أقول سورية , لا أقصد نظام الحكم فيها . ما أنا قلق حياله هو مصير الوطن و ما ستؤول إليه أوضاعه في المستقبل غير البعيد .
ليس المهم في هذا المقال كما أسلفت اغتال الحريري , بل ما سيترتب ما بعد و النتائج الوخيمة و الكارثية التي يبدو أن سورية مقبلة عليها و ستدفع ثمنها .
سواء كان النظام السوري بريء من دم الحريري أو هو من اقترفت يداه و تلطخت بدماء رمز لبناني كبير فالأمر سيان . برئ أم مجرم , الاثنان سواء بسواء , و على رأي المثل الشعبي " لابسته لابسته " . ما العمل ؟
الولايات المتحدة الأمريكية تسير على هدى خطى مدروسة منذ الساعات الأولى لمقتل الحريري : حملة إعلامية ضخمة و حشد الرأي العام المحلي و الدولي و إفهامه أن النظام السوري هو المسؤول الأول عن مقتل الزعيم اللبناني , من ثم سحب السفيرة من دمشق و التلويح بعقوبات جديدة ... و السلسلة بالتأكيد لن تنتهي .
إن من يراجع شريط و سيناريو غزو العراق من نقطة البداية إلى وسطه ثم الذروة التي تمثلت باحتلاله, يدرك جيدا أن السيناريو يعاد تكراره باختلافات بسيطة ضد سورية . فهل أدرك النظام السوري دقة و حرج المرحلة و خطورة ما تحمله القادمات من الأيام ؟؟
هل يعي النظام السوري أن مصير البلد كله أصبح على كف عفريت , إذا لم يبادر فورا و يعيد النظر في جميع سياساته السابقة سواء ما تعلق منها بلبنان أم بالداخل السوري ؟
لن نستغرب إن بقي النظام السوري يراوح مكانه في سياساته التي أكل عليها الدهر و شرب , فبنيته عصية على الانفتاح و فهم دقائق و متغيرات و مستجدات العصر. فجهابذته لا زالوا اسيري عقلية الحرب الباردة و مفرداتها المتحجرة و صفقاتها التي أضحت من مخلفات الماضي . و لكي لا يتقول علينا أحد و بأننا شامتون و حاقدون , نعود به إلى أيام معدودات فقط و الزيارة التي قام بها الرئيس بشار الأسد إلى روسيا. فالمتابع للإعلام السوري بكل كهوفه المظلمة, كذلك من يتابع و يقرأ كتابه و منظريه و ما دبجوه و كتبوه حول تلك الزيارة, و حنينهم إلى الاتحاد السوفيتي و كأن روسيا اليوم هي القطب "المعادل" للولايات المتحدة الأمريكية و فات ذلك الإعلام و أولئك المنظرين أن سنوات كثيرة تفصل و متغيرات عظيمة حدثت و بلدين اثنين هما تحت الاحتلال و أن أمريكا الحرب الباردة هي غير أمريكا القطب الأوحد , التي لا تفضل وجود لاعبين إقليميين و لا دوليين و إن سياسة المحافظين الجدد ل " الشرق الأوسط الكبير " هي انتزاع كافة الأوراق من يد الخصوم و المقابل هو : ديموقراطية و حقوق إنسان على الطريقة الأمريكية .
يقول:أحدهم و هو المحسوب على السلطة و مثقفها البارز بعد زيارة الأسد إلى موسكو عن خيالات و احتمالات و تصديقه للضجة الإسرائيلية المفتعلة حول الصواريخ الروسية التي تنوي بيعها إلى سوريا و يجهل كاتبنا العتيد أن إسرائيل أقامت الدنيا و لم تقعدها إبان صفقة الأواكس المباعة إلى المملكة العربية السعودية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية, تبين فيما بعد أن تلك الطائرات حتى بدون علم المملكة العربية السعودية كانت الموجه الأول للطائرات الإسرائيلية التي قصفت المفاعل النووي العراقي. يقول :
"... سر إخراج تل أبيب لخلافها مع موسكو إلى العلن و لدخول واشنطن بلهجة التحذير على الخط لمنع توقيع ما قيل عن صفقة الصواريخ السورية."
".. تعزيز علاقاتها مع روسيا منقذا لها من الاحتواء الأوربي – الأمريكي الضاغط ."
"..... تعويض كييف بدمشق .." !!!! (إشارات التعجب من عندي) .
الولايات المتحدة الأمريكية تتصيد أخطاء النظام السوري , كذلك تضع خططا مدروسة بدقة و تدفعه عمدا لكي يخطئ لتأمين و تمهيد الأرضية و المناخ الملائم للانقضاض عليه عندما تأزف الساعة . و ما الإعلان عن إنشاء تحالف جديد قديم مع النظام الإيراني إلا خطأ أخر يضاف إلى سلسلة أخطاء النظام السوري , يعقّد المشكلة و لا يحلها . ليستفيد النظام السوري من الأخطاء و الأفخاخ التي دفع إليها ووقع فيها النظام العراقي الساقط المتحصلة جراء سياساته الغبية التي ذهب ضحيتها العراق و شعب العراق .
دعونا لا نناشد النظام السوري أن يسحب قواته الأمنية و العسكرية من لبنان و يجنبنا المأزق . دعونا لا نناشده باطلاق الحريات و إطلاق معتقلي الرأي و إلغاء قانون الطوارئ و إعادته لنا إنسانيتنا التي دمرتها أجهزته القمعية .
دعونا لا نناشده , لأننا على مدى الخمس سنوات الماضية مللنا توسلنا إليه و استجدائه أن يلتقي بنا و يحاورنا , فنحن من وجهة نظره لم نبلغ سن الرشد و لسنا أهلا للحوار, و هو ما فتأ يضع العراقيل و الشروط أمامنا وأمام غد أفضل لسوريا و الحوار الوحيد الممكن أمامنا - سوريين و لبنانيين- , هو حوار أجهزته الأمنية بعد كل مقال أو اعتصام أو بيان أو حملة تواقيع لم تعد تغني أو تسمن من جوع . لكن ما يجب أن يعيه النظام السوري , أن التضحية بالوطن جراء سياسات غير مسؤولة لحفنة من المافيات تداخلت مصالحها القذرة إن كان في سوريا أو لبنان , يجب أن يكون خطا أحمر لن يسمح به الشعب السوري .
إن المعارضة السورية يجب أن تعي دقة هذه المرحلة و يجب أن تعمل كفريق واحد للخروج من المأزق . فهل نعيد النظر بسياساتنا التي بدورها أيضا قد تجمدت و نعلي من سقفنا الواطئ قليلا , فهل نحن فاعلون ؟؟
كاتب سوري / الرقة

لن تسجل ضد مجهول: سعيد أبو غنام

لن تسجل ضد مجهول: سعيد أبو غنام

منذ لحظة ارتكاب جريمة قتل رفيق الحريري اتجهت أصابع الاتهام نحو النظام السوري، إلا أن ذهول البعض لوضوح دمغة الحدث وحمله بصمات الفاعل دفعهم إلى التساؤل فيما إذا كان حقاً من يصنع القرار في دمشق على هذه الدرجة من الغفل فيعطي الإشارة لتصفية شخصية من وزن الحريري دون أن يدرك أو يفكر بارتداد مثل هذه الجريمة على النظام السوري في هذه الفترة بالذات حيث الأعين الدولية تتركز عليه! لا شك أن أحد نقاط ضعف مثل هذا التساؤل هي بالتحديد استناده إلى المنطق لفهم آلية عمل من يصدر القرارات في النظام السوري، فالواقع يبين أن طرق ونهج ووسائل أصحاب القرار في دمشق على درجة من الذاتية تضيق إلى حد يصعب معه التفكير بقياسها بمعايير ما يقتضيه المنطق، وهي أيضاً على درجة من الغطرسة والعنجهية تجعلها أبعد ما تكون عن أي تفكير عقلاني. بالتأكيد هناك فرق بين صاحب الذهنية الدموية المتسلطة وبين من يحاكم الأمور وفقاً للمنطق والاحتمال؛ هناك فرق بين من هو أسير عقلية الأمن والمخابرات التي تنتهج القتل والقمع وإخماد الصوت حتى ولو كان ذلك بالتصفية الجسدية وبين من يجلس ويفكر بهدوء. ولمن يتساءل "ما هي مصلحة النظام السوري في اغتيال الحريري؟" و"هل حقاً فعلها النظام؟" نقول إن الأجدر هنا هو طرح السؤال من الجهة المعاكسة تماماً: لماذا لا يفعلها النظام السوري؟
لا شك أن الجدل الذي دار بشأن مطمطة الدستور اللبناني والتمديد للعماد إميل لحود بالرئاسة (وفقاً لرغبة النظام السوري) كانت النقطة التي فجرت الأزمة الكامنة وأوصلت الخلاف إلى نقطة اللاعودة. ولنتذكر كيف أن الحريري وقف ضد التمديد قائلاً بأنه سيكسر يده قبل أن يوقع عليه، صحيح أن الحريري اضطر لاحقاً إلى التراجع عن موقفه ووقع القرار بسبب التهديد المبطن أو السافر ـ وفقاً لما تناقلته الأنباء حينها، إلا أن انسحابه من المتابعة في العمل الحكومي ضمن تلك الشروط كان التعبير الواضح عن موقفه مما حصل. وبات جلياً أن الحريري بدأ يتحرك من أجل وضع حد للتدخل السوري في الشؤون اللبنانية، وبالتأكيد يدرك حكام دمشق العلاقات العريضة ذات البعد الدولي للحريري، كما لم يكن خافياً على حكام نظام دمشق العلاقة الشخصية بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك والحريري ولا بد أن يكون أرباب النظام قد حاولوا الربط بين الدور الفرنسي في صنع القرار 1559 والإصرار على تنفيذه وبين العلاقة المذكورة. بموقفه الراغب باستقلالية القرار اللبناني اقترب الحريري كثيراً من المعارضة المطالبة بوضع حد للتدخل السوري بالشؤون اللبنانية وبالانسحاب الأمني والعسكري من لبنان، وبالرغم من أن الحريري كان يتسم بالحذر ويلعب حاملاً أوراقه قريبةً من صدره فقد نُقل أن الحريري، إضافة، قال أثناء تواجد وليد المعلم(المكلف الجديد بالملف اللبناني) في بيروت ما معناه أن سوريا" أمنا وأبونا وأخونا ولكن الأولاد كبروا ويستطيعون تدبير شؤونهم بنفسهم...". بعبارة مقتضبة، إن الخلاص من الحريري بالنسبة لقادة النظام السوري هي إزاحة رقم كبير يتمتع بنفوذ عربي ودولي وأصبح يطالب باستقلال القرار اللبناني.
من ناحية ثانية، و حيث وجد النظام السوري نفسه أن لا مفر له من الانسحاب، فإنه باغتياله الحريري يهدف إلى إشعال النار الخامدة من جديد في لبنان، الأمر الذي يرمي بدوره ليس فقط بتوجيه ضربة انتقامية إلى اللبنانيين المطالبين بالخروج السوري من لبنان بل ولدفعهم للشعور بالحاجة إلى الوجود السوري، وكذلك لمحاولة التأكيد لأمريكا (وفرنسا) أن الخروج السوري من لبنان سيؤدي إلى الاقتتال، كما كتب اللواء بهجت سليمان مرة في إحدى الصحف اللبنانية.
في حين أن حجم وطبيعة الجريمة تشيران إلى أن من خطط لها ونفذها يمتلك قدرات مادية واستخباراتية أكبر مما يمكن أن يكون بحوزة أشخاص أو منظمات محدودة العدد والعدة، لهذا يصبح الشريط الذي بثته الجزيرة وظهر به المدعو "أحمد أبو عدس" عديم أو قليل الأهمية ولا يستحق هذا الأمر أكثر من معرفة إذا ما كان أبو عدس أجرى التسجيل بسبب خلل عقلي لديه أم أن هناك جهات معينة شجعت على التسجيل لحرف الأنظار ولتمييع معالم الجريمة بمرور الأيام وتسجيلها ضد مجهول!
يصيب اللبنانيون والرئيس الفرنسي والرئيس الأمريكي عندما يصرون على أن تكون هناك لجنة تقصي دولية توضح هوية المنفذين والمخططين للجريمة. وأما اعتبار الحكومة اللبنانية أن التحقيق الدولي يخل بالسيادة اللبنانية –متناسية أن الجميع يعرف أنه لا توجد سيادة حكومية لبنانية بفعل التدخل السوري المهيمن على كل أمر كبير كان أو صغير ـ فلا قيمة له لأن اللبنانيون أولاً وعبر مشاركتهم الشعبية الساحقة في تشييع جنازة الحريري كأنما استفتوا على علاقتهم بالحكومة المعزولة، وثانياً لأن اللبنانيون (وبينهم عائلة الحريري) لا يثقون بأن الحكومة اللبنانية ستجري تحقيقاً نزيهاً وهي دمية بيد النظام السوري وبالتالي لا يعقل أن يكون المشتبه به في الجرم هو نفسه من يقوم بالتحقيق في الجريمة المتهم بها. ومن باب آخر، لو كانت الحكومة تحرص على تبيان الحقيقة كاملة لطلبت هي الاستعانة بالمحققين الدوليين المتمرسين وما يمتلكونه من وسائل وخبرات غير متوفرة في لبنان، وأن تعتبر ذلك مساعدة بدلاً من اعتباره إخلال بالسيادة. ثم إن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة لماذا الخوف من المحققين الدوليين إن كان لا يوجد لدى الحكومة اللبنانية ما ينبغي الحرص على إخفائه!؟
نعود لمسألة الاشتباه بالنظام السوري، اللبنانيون والعالم معهم أصبحوا يدركون أن كل من يعترض على التدخل السوري أو الوجود السوري وله وزن ما يُقتل وتبقى الجريمة غامضة وتسجل ضد مجهول! وقد أصبح ذلك نمطاً تجسده سلسلة طويلة من الاغتيالات والتصفيات لرموز كبيرة أو لمواطنين عاديين على مدى العقود الثلاثة الماضية. قتلوا الحريري لأنهم اعتادوا أن يقتلوا دون أن يسائلهم أحد في الماضي عن جرائمهم لأنه يبدو أن المحقق كان دائماً هو القاتل.
السوري العادي، والذي يعرف ما يعرفه عن النظام الذي يحكمنا، يميل إلى الجزم بأن نظام المارق يفعل ما يريد ويقتل من يريد وينكر وقوع الحدث، ويصدق السوري أن من قتل الحريري فعلها لأنه اعتاد أن يقتل من يشاء أمام صمت العالم على جرائمه، ولأنه اعتاد أن ينكر جريمته وينتهي الأمر، فقد قتل بالدم البارد الآلاف من السوريين دون أن يسائله أحد عما فعله ويفعله... نكروا الجرائم ووصلت الوقاحة بهم حد محاولة الاقتصاص ممن يقول أنهم ارتكبوا جرائم.
ماذا يعني أن يختفي الناس في سوريا نفسها دون أن تتجرأ عوائلهم بالسؤال عنهم خوفاً من أن يختفي بقية أفراد العائلة في ظروف غامضة ولا يعرف عنهم أحداً أي خبر؟ ماذا يعني أن يقتل بحادث سيارة موظف سوري (ولا نستطيع ذكر الاسم هنا حفاظاً على الأحياء من عائلة المقتول) فقط بعد أيام من محافظته على أمانته الوظيفية ولم يمتثل لأوامر أحد المحسوبين على عائلة الأسد؟ ماذا يعني أن تصعد سيارة لصدم الدكتور دليلة وهو على رصيف الشارع فقط بعد أيام من انتقاده لرفعت الأسد في بداية السبعينات؟ ماذا يعني أن تطارد شاحنة أحد محامي حقوق الإنسان في سوريا وهو في سيارته للتسبب بحادث يودي بحياته؟ من يأخذ الناس من بيوتها ليلاً ويعصب عيني فلان ويجلده ويعذبه ثم يرميه ليلاً في الشارع أو في أطراف المدن بجسد مدمٍ متورم داكن الألوان؟ من اعتدى على الكاتب نبيل سليمان ليلاً وحاول قتله؟ لو عددنا الجرائم في سوريا ولبنان التي لم يُعرف مرتكبيها وبقيت ضد مجهول بالرغم من يقين الجميع أن بصمات النظام السوري موجودة لما انتهينا من العد، وهناك ما لا يحصى من الحوادث التي نستطيع سردها بالأسماء والأرقام التي نمتنع عن ذكرها هنا لأننا لن نكون مرتاحي الضمير لو أصاب الناس مكروهاً بسبب كلامنا أو كتابتنا...
نقول هذا ونتساءل أخيراً: هل من ينفذ تلك الجرائم هم مخلوقات من عوالم أخرى جاءت لتقوم بالضبط بما يريده النظام السوري؟ أم هل هناك مخلوقات من الأرض نفسها تقوم بتلك الجرائم مصادفة تماماً كما يشتهي النظام السوري؟ أم هل أن العناية الإلهية تحيط بالنظام السوري وتضرب بسيفه وهو لا يعلم؟ ونحن نفكر بجريمة اغتيال الحريري نكرر هذه الأسئلة ونطرحها على من يؤمن بالله ويعرف النظام السوري ونطرحها كذلك على من لا يؤمن بالله ويعرف النظام السوري.
النظام السوري لا يعرف إلا الدم، ولا شك أن سفك المزيد من الدماء هذه المرة ستقرب من بداية نهايته، فمن يعيش على الدم سيموت وهو يختار إراقة المزيد من الدم (كما كتب الأكاديمي والكاتب الهندي ميشرا).
"الرأي / خاص"

رسالة إلى المثقفين والإعلاميين وقادة الرأي اللبنانيين

رسالة إلى المثقفين والإعلاميين وقادة الرأي اللبنانيين

أيها الإخوة والأصدقاء
نتقدم منكم بخالص العزاء بالشهيد الرئيس رفيق الحريري الذي قضى ورفاقه الشهداء ضحية مذبحة بشعة خطط لها ونفذها من لا يريدون لبنان معافى وموحدا ومستقلا.
إننا نساند مطلبكم في سحب الجيش السوري من لبنان وفي تصحيح العلاقات السورية اللبنانية وإقامتها على أسس من المساواة والاستقلال والخيار الحر لكل من الشعبين ومصلحة البلدين، ولطالما أعلنا عن هذا الموقف بكل الوسائل المتاحة.
لكننا كمثقفين سوريين، كانوا يجدون دوماً في لبنان نافذة للتعبير عن آرائهم لم تتح لهم في الوطن، نصارحكم بأنه يؤلمنا ويسوؤنا أن نرى ونسمع من يهين سوريا وشعبها ومواطنيها دون ذنب أتوه، ومن يعتدي على عمال سوريين بؤساء ساقتهم لقمة الخبز إلى العمل في بلدكم القريب والعزيز.
إن مقتضيات العدالة ذاتها، التي تسوغ مطلبكم برفع الهيمنة عن لبنان، تسوغ وتفرض أن يعامل عمال فقراء أسهموا في بناء لبنان معاملة لائقة تصون حياتهم وكرامتهم وثمار عملهم . إنهم ضحايا الهيمنة وليسوا بحال شركاء في مغانمها، وذلك حال مواطنينا في مختلف أنحاء سوريا.
وإذا كان خروج القوات السورية من لبنان مدخلا لإصلاح العلاقة بين بلدينا، فإن تهديد وإذلال مواطنين سوريين ضعفاء يسيء لمستقبل هذه العلاقة ويسممها. ففي النهاية أساس العلاقة السورية اللبنانية هو العلاقة بين مدنيين سوريين ولبنانيين جمعتهم احتياجات وتعاملات متبادلة، يستفيد منها الطرفان وليس أحدهما.
إننا إذ ندين باقوى عبارة الاغتيال الإجرامي للرئيس رفيق الحريري، ونقف إلى جانب الشعب اللبناني في محنته، نأمل من المثقفين والإعلاميين وقادة الرأي وأخوتنا جميعاً في لبنان أن يحرصوا على تنقية العلاقة السورية اللبنانية لا من الهيمنة وحدها، ولكن أيضا من إهانة سوريا وشعبها وتصويرها عدوا للبنان واللبنانيين. فالوحدة الوطنية الديمقراطية التي تجلّت في لبنان رداً على الجريمة، لايمكنها أن تسمح بنزعة عنصرية ضد أي كان.
الموقعون حتى تاريخه : دمشق 19/2/2005
أكرم البني
أمل موسى باشا
أنور البني
برهان غليون
جاد الكريم الجباعي
حذام زهور عدي
حسان شمس
خليل معتوق
عبد الرزاق عيد
روفائيل خماسمية
زينب نطفجي
ديا جوان
سحر مورللي
سلوى السحلي
سميرة خليل
سميح صفدي
فادي قوشقجي
فايز سارة
فرج بيرقدار
فريد حداد
فداء الحوراني
لبابة كيلاني
لؤي حسين
لينا تقلا
محي الدين اللاذقاني
معاذ حمور
معقل عدي
مية الرحبي
ميشيل كيلو
محمد الحاج صالح
محمد نجاتي طيارة
نورا المحمد
ياسين الحاج صالح

في وقت تبسط دمشق يدها لواشنطن..: الطاهر إبراهيم

في وقت تبسط دمشق يدها لواشنطن..: الطاهر إبراهيم
ما يزال النظام يشد قبضته على الشعب السوري
!.
العريضة التي رفعها ،إلى الرئيس السوري بشار الأسد، معتقلون سابقون، وأذاعتها قناة الجزيرة القطرية، كما نشرتها صحف منها "القدس العربي" في عدد يوم 10 شباط الجاري، أعادت إلى الأذهان تساؤلا، ما يزال الجواب عليه يصنف في خانة الحاضر الغائب الأبرز في أجندة حزب البعث منذ استلم الحكم في سورية بعد انقلاب 8 آذار عام 1963.
واستطرادا فإنه لا يمكن أن يقال أن في سورية حرية وديموقراطية في وقت ما يزال الاعتقال والسجن هما لغة الحوار المفضلة عند نظام حزب البعث مع المواطن السوري، لا يستثنى من هذه اللغة حتى الطبقة المثقفة التي تعتبر ضمير الأمة وقلبها النابض عند اشتداد الأزمات.
وإذا كان اعتقال إنسان ما، يشكل ضربة قاصمة توجه إلى مستقبل المعتقل وأسرته، فإن الإفراج عنه لم يكن هو الفردوس الموعود كما كان يظن وهو في السجن. فما تكاد تنقضي الأيام الأولى بعد إطلاق سراحه، حتى تنطفئ الفرحة من وجهه، ويركبه الهم من جديد، بعد أن يجد كل شيء في حياته قد تحطم:
زوجته التي تركها في ريعان صباها، عاد إليها وقد غابت البسمة عن محياها، وتغضنت قسمات وجهها،بعد أن اضطرها اعتقال زوجها أن تحمل دور الأب والأم أثناء وجوده في غيابة السجن.
أولاده الذين كبروا وتشكلت نفسياتهم في غيبة من إشرافه ورقابته عليهم، أصبح ينكر تصرفاتهم التي وجدها على غير ما كان يرغب، بل ما عاد يعرف أحدا منهم.
عمله الذي كان مورد رزقه،انقطع بعد أن سرح من الوظيفة إن كان موظفا، أو تخرّب عمله إن كان رب عمل، أو توقفت دراسته إن كان طالبا.
وبالجملة فإن حياته وحياة أسرته انقلبت رأسا على عقب، إلا ما كان يجد من حنانٍ في نظرات زوجته رغم الهمّ الذي كان يغلفها.
صحيح أن نفسه قد أنعشتها الأريحية التي قوبل بها من معارفه وجيرانه. وهي أريحية حدّث عنها ولا حرج في المجتمع السوري .فقد بقيت الأطباق والصواني،من كل صنف ولون، تتوارد إلى بيته من بيوت جيرانه،حيث تقدم للمهنئين في الغداءوالعشاء حتى انقطع أو كاد سيل الزوار. لكن الذي صدمه وبعنف أنه وجد أبواب الرزق تكاد تكون موصدة في وجهه.فقد صدر أمر تسريحه من وظيفته بعد شهر من اعتقاله. كما منع من السفر خارج سورية، بعد أن أصبح في أمس الحاجة إليه ليداوي مجموعة الأمراض التي رافقته من معتقله.
وفي هذا الجو المكفهر الذي خرج إليه مَن أُطلِق سراحه، لم تحاول السلطة أن تقدم له يد العون،
بل لم تحاول القيادة السورية أن تقدم له ولو "عكازةً" يتوكأ عليها في ليل الحياة المظلم الطويل بعد خروجه من السجن. بل الأسوأ من ذلك أنها حاولت أكثر من مرة أن تقف في وجه من أراد منهم أن يتكسب بنفسه حتى لا يكون عالة على غيره.
بعض المعتقلين المفرج عنهم ،بعد أن ضاقت به السبل، وجد في الكتابة متنفسا له يخفف بها عن نفسه.في البداية كان يكتب لمجرد الكتابة، ونزولا عند نصيحة إخوانه أرسل بعض ما يكتب إلى بعض الصحف، والقليل من تلك الصحف قبلت أن تنشر له، خصوصا التي لا تطمح في توزيع أعدادها في سورية، أو التي تصدر على الإنترنت. وكأن الرقابة الأمنية ساءها هذا الأمر واعتبرت هذه الكتابة خروجا عن سلطانها، فأرسلت تستدعي بعضا ممن أطلق سراحه وكتب ونشرت له الصحف، وكان منهم المفكر الكاتب "ياسين الحاج صالح"، الذي استدعاه أحد فروع الأمن ولنتركه ينقل لنا ذلك:
( كان استدعاء 29/1/2005 هو العاشر إلى فرع أمن في دمشق منذ أيلول 2001. لكنها المرة الأولى التي يعرض علي "التعاون لخير هذا الوطن" منذ خروجي من السجن آخر عام 1996. لقد ذكرني العرض ب"المساومات" الأمنية التي كنا نتعرض لها في السجن علىيد لجان مختصة :"تتعاون معنا مقابل الإفراج عنك". كان الخيار المطروح علينا أن نكون سجناء أو أذلاء، إما أن تخسر حريتك أو كرامتك، ولا مجال لأن تكون حرا وكريما في الوقت ذاته في بلدك، "الوطن". وكانت "المقدمة النظرية" الدائمة لتلك المساومات هي أن المرحلة حرجة والأخطار محدقة في البلاد..، وأن "التعاون" والوشاية ببعضنا بمواطنينا هو دورنا، نحن السجناء، في المعركة الوطنية...) ( كلنا شركاء 31/1/2005 ).
هذا الأسلوب الأمني الرخيص لم يتبع فقط مع "الحاج صالح" فقط، بل هو سياسة نمطية تستخدم مع جميع المفرج عنهم. وقد قرأنا لآخرين كان منهم الكاتب "لؤي حسين" الذي وصف لنا مرة القلق النفسي الذي كان ينتابه كلما "زار" فرعا للأمن بين فينة وأخرى. إنها –فروع الأمن- تعرض عليهم أن يكون عملاء ومخبرين ضد مواطنيهم أي يتعاونون معها، وكأنها لم تيأس من أن هذا المعتقل المسرح لو كان بإمكانه أن يفعل ذلك لكان اختصر مدة سجنه التي طالت حتى أكثر من عقد أو عقدين.
في الدول الأخرى التي تحترم الإنسان،ولو بحدود الاحترام الدنيا، يتم تأهيل السجناء المجرمين حتى يتم إعادتهم إلى المجتمع كأعضاء نافعين بعد خروجهم من السجن.وللأسف فإن هذه الثقافة غير موجودة لدى أجهزة الأمن في سورية، التي لا تفهم إلا ثقافة "الكرباج" والصعق بالكهرباء. وحياة المواطن رخيصة لديها، لدرجة أن تهدر ،بجرة قلم من رئيس الفرع الأمني، سنواتٍ من عمره قد تصل إلى ربع قرن، هذا إذا قيض له أن يخرج حيا.
ونحن عندما نشير إلى ما تقوم به فروع الأمن تلك، فإنما نعني أن النظام السوري يصر على اللغة الأمنية مع المواطن ويرفض لغة الحوار أسلوباً للتعايش على أرض الوطن الواحد. بينما هو يسعى جاهدا للحوار مع أمريكا التي لا تقبل إلا لغة الإملاءات.
فقد جاء في مقابلة للسفير السوري في واشنطن مع "سي أن أن" قوله: (مستعدون لفعل كل ما هو ضروري لخفض التوتر مع واشنطن ،وحينما تطلب الولايات المتحدة مساعدة سوريا في قضايا يحتاجون فيها لمساعدتنا فإننا على الفور نتعاون مع الولايات المتحدة.).
فلماذا إذن لا يسعى النظام إلى خفض التوتر مع المواطن، بإلغاء أسلوب الاستدعاءات الأمنية، ولا يعمل على مساعدة المواطن السوري في القضايا التي يحتاجها، وهو إنما يطلب أقل مما تطلبه أمريكا بكثير؟
!.
الطاهر إبراهيم كاتب سوري عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام
الرأي

دمشق إزاء اغتيال الحريري: اشتدّي أزمة تنفرجي!

2005-02-18
دمشق إزاء اغتيال الحريري: اشتدّي أزمة تنفرجي!
صبحي حديدي
ذات يوم نُسب إلي الرئيس السوري بشار الأسد قوله، علي سبيل تأكيد استمرارية نهج الحركة التصحيحية الذي سنّه أبوه وسهر علي تطبيقة قرابة ثلاثة عقود، إنّ حافظ الأسد يحكم سورية من قبره . وكان ذلك القول ــ فضلاً عن رائحة التمنّي الضمني التي تفوح منه ــ ينطوي علي الكثير من الصحّة عملياً، خصوصاً في المسائل الأمنية وإدامة الإستبداد والحفاظ علي بنية النظام وتوازناته الداخلية الأساسية ومعادلات محاصصة القوّة وحُسن توزيعها علي الأطراف.لكنّ القول ذاته لم يكن، كما برهنت السنوات الأربع منذ أن خلف بشار أباه صيف 2000، ينطوي علي مقدار مماثل من الصحّة في ما يخصّ السياسة الخارجية لسورية، بل الأحري القول إنّ الافتراق والفارق أخذا يسجّلان العكس تماماً: اهتراء الدبلوماسية السورية، وتعرّضها لنكسات متتالية، وانحطاط موقعها الإقليمي تدريجياً، وخسران معظم أوراق القوّة التي كانت ترسانة الأسد الأب في استراتيجية كبري ضمنت منجاة عهده طويلاً، ونقصد تحويل السياسة الخارجية إلي اقتصاد سياسي مادّي ومنعة عسكرية افتراضية!والحال أنه ليس مبالغة أن نستمدّ روحيّة الحكم من القبر، وإنْ معكوسة بعض الشيء، فنقبل الافتراض الذي يري الأسد الأب يهتزّ اليوم في قبره إذْ يصغي إلي وزير إعلام نظامه مهدي دخل الله يقول التالي، وفي مناسبة رهيبة مثل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، تشكّل ضربة قاصمة للوجود السوري في لبنان، قد تكون الأشدّ والأقسي منذ ثلاثة عقود: أريد ان أوضح أن هناك من يستعد لاتهام سورية ربما بالمسؤولية عن مأساة تسونامي ! والسيد الوزير لم يكتفِ بهذه الخفّة اللفظية السوداء التي ما كان الأسد الأب سيتسامح إزاءها فحسب، بل استبقها بما لا يفيد إلا في تصنيع المزيد من الظنون حول المسؤولية السورية في اغتيال الحريري: هذه الفوضي الأمنية في لبنان سببها انسحاب الجيش السوري من أكثر من منطقة في لبنان وكذلك الانسحاب الأمني السوري ! وأيضاً: استقرار لبنان الأمني مهدد فعلاً حالياً ، و من يريد انسحاب الجيش السوري بشكل كامل من لبنان عليه أن يعزز استقرار لبنان ككل ...!في شرح أبسط، ولكن أكثر تراجيدية، لهذه التصريحات الميلودرامية نفهم الرسالة التالية: هل تريدون من دمشق الإلتزام بقرار مجلس الأمن الدولي 1559؟ هل تريدون تطبيق القرار بحيث ينتهي إلي انسحاب القوات السورية من لبنان؟ علي الرحب والسعة، سنفعل... ولكن بعد أن نعيد لبنان إلي حال أسوأ ممّا كانت عليه حين دخلناه سنة 1976! وبعد أن نشعل فتيل الفتنة الذي يردّ البلد إلي أسوأ سنوات الحرب الأهلية بين الأحزاب والطوائف والمذاهب والميليشيات! تريدون لبنان؟ نعيده، شئنا أم أبينا، ولكن في هيئة أشلاء ممزّقة!وكيف، في الواقع، يمكن أن نفهم عكس هذه الشروحات من تصريحات دخل الله؟ وكيف لا يفهم أيّ متلهّف علي تأثيم النظام الحاكم في دمشق أنّ لسان الوزير لم ينطق بدخيلة خافية من باب زلاّت اللسان وحدها، بل بغية توجيه رسالة أولي مبكرة حول أغراض وعواقب ومآلات اغتيال الحريري؟ وإذا وضع المرء حكاية تسونامي جانباً (ولكن كيف يفعل، حقاً، دون أن يعضّ علي النواجذ!)، فإن الوزير يقول فعلياً:ـ سوف يشهد لبنان المزيد من الفوضي الأمنية، والتي سببها انسحاب الجيش السوري من أكثر من منطقة في لبنان ، بالإضافة إلي الإنسحاب الأمني السوري ؟ وما الذي تعنيه هذه العبارة الأخيرة بالذات؟ ومتي، وكيف، انسحبت سورية أمنياً من لبنان؟ـ وسوف يشهد البلد المزيد من زعزعة الأمن والاستقرار لأنّ استقرار لبنان الأمني مهدد فعلاً حالياً ؟ مهدّد من جانب مَن؟ وكيف، والهيمنة السورية العسكرية والأمنية والسياسية ما تزال علي أشدّها؟ـ وأنّ علي المطالبين بانسحاب القوّات السورية، من أهل المعارضة في البريستول والمختارة وبكركي وقرنة شهوان وقصر قريطم، إلي واشنطن وباريس وبروكسيل، أن يضمنوا أمن لبنان، ولهذا قالها دخل الله دون مواربة: مَن يريد انسحاب الجيش السوري بشكل كامل من لبنان عليه أن يعزز استقرار لبنان ككل ؟ولعلّ الرئيس الفرنسي كان بين أوائل الذين استلموا مثل هذه الرسالة، وأعادوا إنتاجها دون إبطاء ليس من سدّة الإليزيه فحسب، بل أيضاً علي مدرّج مطار بيروت: الاغتيال يذكّر بأساليب إجرامية تعود إلي زمن مضي ... والحقّ أنّ الناظر إلي مشاهد الدمار والحريق والأشلاء والجثث في موقع اغتيال الحريري لا يمكن له إلا أن يستعيد ذلك الزمن الذي يقول شيراك إنه مضي، وتقول الوقائع الراهنة إنه مضي وما انقضي! ولا يمكن لهذه المشاهد إلا أن تعيد الذاكرة اللبنانية إلي حقبة ظنّ اللبنانيون أنها انطوت خلال 15 سنة في أوج اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية، وخلال الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، ثمّ حرب تصفية عون وإخضاع بيروت الشرقية.هذا، بالطبع، إذا وضعنا جانباً المغزي الكبير لوقائع التشابه الصارخة بين هذه المشاهد وما يتكرر يومياً في شوارع بغداد ومدن عراقية أخري. كذلك تذكّر هذه العملية، المنفّذة بإتقان مذهل وسويّة عالية للغاية من الاحتراف، أنّ ما اعتُبر في باب الاستقرار و السلم الأهلي طيلة العقدين الماضيين قد يتضح أنه وهم كبير يخفي النار تحت الرماد. وهذا يرسّخ أيضاً رسالة دمشق الضمنية التي نطق بها وزير الإعلام السوري: دمشق هي ضامنة أمن لبنان، ولا استقرار في لبنان بمعزل عن الوجود السوري.ولكن هل كان توجيه مثل هذه الرسائل يقتضي كلّ هذه الدرجة الفظيعة من العنف العاري؟ أليس اغتيال شخصية مثل الحريري مقامرة بكلّ ما سعي حافظ الأسد إلي بنائه من توازنات بين الطوائف والقوي والمجموعات اللبنانية؟ ألا تسفر هذه المقامرة عن تحويل السنّة، الذين بات الحريري أبرز رموز وجودهم علي رقعة الشطرنج السياسية، إلي طائفة مناهضة للهيمنة السورية بعد أن كانت مؤيدة أو صامتة علي الأقل؟ وهل بلغت السلطة في دمشق، سواء بعلم الرئيس السوري بشار الأسد أو بتدبير انفرادي من بعض النافذين القلّة في الأجهزة العليا، هذه الدرجة من النزعة المغامرة لكي تخوض هذا المستوي من الحرب القذرة المفتوحة علي كلّ الاحتمالات؟وضدّ مَن؟ الرجل الذي كان إلي عهد قريب حليف دمشق الصدوق في لبنان وفي المنطقة؟ وكان بمعني ما أقرب إلي وزير خارجية سورية الأهم غير المسمي؟ ولعب دور الوسيط الفعّال في بناء وتفعيل العلاقات السورية ـ الفرنسية في عهد حافظ الأسد كما في عهد نجله وخليفته بشار الأسد؟ أليست ذروة المفارقة أنّ الحريري، الذي فتح بوّابات الإليزيه أمام بشار الاسد حتي وهو مجرّد نجل للرئيس السوري الراحل، هو اليوم ضحية اغتيال يطالب الإليزيه بتشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في ملابساته، الأمر الذي يعني تلميحاً قوياً إلي إصبع سوري وراء الاغتيال؟الذين تدفعهم هذه الأسئلة إلي استغراب، وبالتالي استبعاد، أن تكون الأجهزة السورية هي التي تقف خلف اغتيال الحريري ينبغي أن يعودوا إلي الوراء بضعة أسابيع فقط، حين أصرّت دمشق علي الخطوة العجيبة المتمثلة في تعديل الدستور اللبناني بما يكفل التمديد للرئيس الحالي إميل لحود، وكأنه لم يعد في لبنان من حلفاء لسورية سوي هذا الرجل. تلك الخطوة المدهشة نجحت في التمديد لرئاسة لحود، هذا صحيح، ولكنها في الآن ذاته أنجزت نجاحات أخري دراماتيكية ومن نوع مختلف: لقد وحّدت صفوف المعارضة اللبنانية أكثر من ذي قبل، ونقلت الحريري من حليف لدمشق إلي حليف ضمني وقويّ للمعارضة، وقرّبت الموقفين الفرنسي والأمريكي في مجلس الأمن ممّا أثمر القرار 1559 الذي يعدّ أوّل قرار أممي يدوّل الوجود السوري في لبنان ويطالب صراحة بخروج القوّات السورية، وذلك منذ دخولها إلي لبنان قبل قرابة ثلاثة عقود.كذلك علي الذين قد يستغربون احتمال مقامرة دمشق باغتيال الحريري أن يضعوا في الاعتبار حجم التهديد الذي بات القتيل يمثله للنظام السوري بعد انضمامه، حتي بصفة غير مباشرة، إلي صفّ المعارضة اللبنانية بعد تعديل الدستور والتمديد لرئاسة لحود. ويتردد أنّ الحريري أدرك، اعتباراً من تلك اللحظة، أنه لا يمكن إلا أن يكون في صفوف المعارضة، فانخرط فيها علي نحو غير مباشر واختار أن يلعب دوراً محورياً مزدوجاً: توظيف صداقته الشخصية مع جاك شيراك، واستثمار علاقاته الدولية والعربية الواسعة خصوصاً مع السعودية، لتعزيز موقع المعارضة وتغطية مواقفها دولياً؛ ثمّ استثمار كامل رصيده المالي والشعبي في الانتخابات النيابية القادمة بما يكفل واحداً من نتيجتين: إمّا فوز المعارضة بمقاعد الأغلبية وبتوزّع ديني ومذهبي تعدّدي ناجح وضاغط علي الحكم، أو إجبار دمشق وجبهة حلفائها في الحكم اللبناني علي تزوير الانتخابات والتورّط أكثر في الصدام مع فرنسا والولايات المتحدة ومعظم المجتمع الدولي. في عبارة أخري تحوّل الحريري إلي الشخصية الأهمّ في المعارضة اللبنانية، حتي دون الإنضمام إليها مباشرة وعلانية، وباتت أوراق القوّة العديدة التي يملكها بمثابة عوامل ضغط شديد علي دمشق وحلفائها. وإذا كانت من يد سورية وراء الاغتيال، فالأرجح أنّ الدماغ الذي خطّط لليد وحرّكها زانَ كفّتَي الربح والخسارة علي النحو التالي: إذا كان الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان سوف يتقلّص أو يضعف أو حتي ينتهي بانسحاب تامّ ذات يوم، فإنّ الوجود السياسي ينبغي أن لا ينحطّ إلي درجة تضع سورية علي هامش المسألة اللبنانية، فتخسر دمشق آخر ما تملك من أوراق قوّة. المطلوب، إذاً، إزاحة هذا الرجل الأقوي عن المشهد، ومن الخير أن تتمّ الإزاحة بطريقة توجّه الرسالة القوية التي تقول ببساطة رهيبة: نحن استقرار لبنان، ولا استقرار في لبنان دون هيمنتنا!حتي ساعة كتابة هذه السطور، كانت مفاعيل اغتيال الحريري الأولي قد قلبت جمهور السنّة علي دمشق وحلفائها، بحيث اتضح أنّ هذا الجمهور كان يغلي معارضةً في الأساس، وأنّ القتيل كان أبرز لاجميه ومهدّئيه. كذلك جعل الاغتيال الرئيس الفرنسي جاك شيراك يشارك في التشييع دون إلقاء التحية علي الدولة، الأمر الذي يرسل أيضاً رسالة قوية شديدة الوضوح حول إصرار باريس علي الإنخراط المباشر في قضية الحريري وكشف ملابسات جريمة الاغتيال من جهة، والمضيّ أبعد في الدعم السياسي للمعارضة اللبنانية من جهة أخري. وأخيراً، استدعت وزارة الخارجية الأمريكية سفيرة واشنطن في دمشق، مارغريت سكوبي، في أوضح إجراء حتي الآن حول أسلوبية البيت الأبيض القادمة في التعامل مع الملفّ السوري.ويبقي السؤال الكبير، من جديد: إذا صحّ ان دمشق وراء اغتيال الحريري، فهل بلغ اليأس بدمشق هذه الدرجة؟ البعض يقول إن النظام يجد ظهره إلي الحائط تماماً، وهو في خطّ الدفاع الأخير وليس لديه ما يخسره أكثر، أو لم يعد لديه ما يكسبه إلا عن طريق المقامرة القصوي. ساعة اغتيال الحريري كان مطلوباً من دمشق أن تضبط الحدود مع العراق، وتجمّد نشاطات قيادات حماس والمنظمات الفلسطينية المقيمة في سورية، وتهدئ حزب الله اللبناني علي الجبهة مع إسرائيل وتضبط صلاته بإيران وشيعة العراق أيضاً، وتمارس ما تمتلك من نفوذ عند حماس والفصائل الفلسطينية الأخري لقبول ما يقترحه الرئيس الفلسطيني محمود عباس من هدنة مع الإسرائيليين...كلّ هذا كثير... كثير! والنظام كان يبذل ما في وسعه، فيلبّي هنا وينحني هناك ويخدم ذات اليمين وذات الشمال، ولم يكن يلقي من واشنطن جزاء وفاقاً أو مثوبة أو حتي ترضية بسيطة! فهل قرّر النظام، سواء بائتلاف سلطته أو بانفراد أجهزته، اللجوء إلي الحكمة القديمة حول الأزمة التي لا تنفرج إلا إذا اشتدّت، وقال: عليّ وعلي أعدائي؟
القدس العربي
2005/02/18