في أصل خراب الشرق الأوسط وعذاب قاطنيه

2006-11-30

في أصل خراب الشرق الأوسط وعذاب قاطنيه

برهان غليون

ما ميز ولا يزال يميز الشرق الأوسط في نظام العلاقات الدولية مجموعة من السمات الخاصة حكمت عليه بالتحول إلى بؤرة توتر مستمرة وحرمته من عوامل أساسية للتقدم على طريق التنمية الإنسانية الاقتصادية والاجتماعية، وأدانت شعوبه بالبقاء في أسر النظم المافيوزية ولا تزال تدفع ببلدانه نحو العزلة والهامشية والانحلال.

الأولى التدويل الناجم عن ارتفاع حجم الرهانات الدولية التي تنطوي عليها، سواء ما تعلق بموقعها الجيوستراتيجي كعقدة مواصلات بين القارات والتكتلات الكبرى الدولية، أو كأكبر مصدر للطاقة النفطية وأعظم خزان لها، أو بوصفها البقعة التي وقع عليها الاختيار لتكون مسرحا لحل دراما المسألة اليهودية، التي ارتبطت في أوروبا والمجتمعات الغربية عموما بالعداء للسامية على مدى قرون عديدة متتالية، ووجدت أقصى تعبيراتها في كارثة المحرقة والمذابح الجماعية لليهود الغربيين الذين قضوا بالملايين في القرن العشرين على يد قوى النازية والفاشية الأوروبية.

ولم تنفرج هذه الأزمة إلا بإعلان فلسطين دولة إسرائيلية وصبّ الأوروبيين دعمهم المطلق لهذه الدولة، ومساعدتها على تحقيق سياساتها بصرف النظر عن نتائج ذلك على سكان البلاد الأصليين ومصيرهم.

أعطت هذه العوامل وعوامل أخرى غيرها أقل أهمية، لمنطقة الشرق الأوسط، والمشرق العربي الذي يشكل قلبها بشكل خاص، أهمية إستراتيجية استثنائية ومستمرة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.

فالمسألة الشرقية التي شغلت دبلوماسية القرن التاسع عشر الأوروبية تعود اليوم من جديد على شكل مسألة إسلامية وعربية. وهي المسألة التي تكاد تحتل الجزء الأكبر من اهتمام الدبلوماسية الدولية وتشكل مصدر التوتر الأول في نظام العلاقات الدولية للحقبة الراهنة.

والسمة الثانية هي تباين المصالح والمواقف الدولية تجاه هذه الرهانات، ونزاعها الطويل والمستمر فيما بينها على تأمين مواقعها أو تطبيق ما تعتبره حلولا تنسجم مع مصالح كل منها تجاه المشاكل التي يطرحها الأمن والاستقرار والسلام في الشرق الأوسط.

وهو ما جعل من المنطقة مسرحا للصراع والتنافس بين الدول الكبرى، وحولها إلى حد كبير إلى مناطق نفوذ تتقاسمها هذه الدول حسب قوتها ومبادرتها.

وقد عمل ذلك كله على تدويل عملي للمنطقة، وعلى وضعها بشكل ضمني تحت الوصاية الغربية التي لم تكف في سبيل الدفاع عنها عن وضع الخطط والإستراتيجيات الدفاعية التي تضمن إغلاقها في وجه المنافسين والخصوم.

وكما عمل هذا السياق الدولي على تقليص سيادة الدول الشرق أوسطية، وفرض عليها نوعا من نظام التبعية البنيوي الذي يستحيل التحرر منه، جعل من الحرب ضد القوى المحلية التي تنزع إلى السيادة والاستقلال سياسة رسمية دائمة للكتلة الغربية التي تمثل الطرف الدولي الرئيسي المسيطرة على المنطقة منذ قرنين على الأقل.

وما كان لهذا الوضع إلا أن يضعف صدقية الدول المحلية، ويسيء إلى شرعية النخب الوطنية، ويُضيّق من هامش مبادرتها على صعيد السياسة الدولية، وتجاه الرأي العام المحلي نفسه الذي أصبح ينظر إليها على أنها أدوات في يد السيطرة الأجنبية.

وهكذا، لم يعد من الممكن الفصل بين الصراع الدولي على المنطقة والصراع السياسي داخل المنطقة، وكل بلد فيها، على السلطة والاختيارات الأيديولوجية وما تمثله من نظم وأنماط حكم وإدارة.

فأكثر مما هو الحال في أي منطقة أخرى، تتحكم العوامل الخارجية هنا في رسم حدود مسرح السياسة الداخلية وعواملها وفرصها وآفاقها التاريخية.

والقانون السائد بشكل عام هو أنه لا توجد ضمانة للوصول إلى السلطة، أو للنجاح في الحكم، لأي قوة داخلية لا تكون مدعومة بشكل فعال وناجع من قبل الكتلة الغربية أو بعض دولها المؤثرة.

لا يعني ذلك بالطبع أنه من غير الممكن لقوى غير ممالئة للغرب أن تصل إلى السلطة، ولكنه يعنى أن وصولها إلى السلطة لا يجلب الاستقرار وإنما يفتح عليها في الوقت نفسه معارك داخلية وخارجية لا تستطيع مواجهتها إلا بتطوير إستراتيجيات كبرى ذات طابع دولي أيضا.

كما حصل مع التجربة الناصرية التي احتمت بحركة عدم الانحياز وكانت وراء تكوينها، كما حاولت الدفاع عن نفسها واستقلال قرارها بتطوير إستراتيجية هجومية في المنطقة العربية تحت اسم القومية العربية التي سعت من خلالها إلى تعبئة الرأي العام العربي ضد مواقع النفوذ والسيطرة الغربية، وجعلت من تصفية الاستعمار وذيوله نواة سياستها الوطنية والاجتماعية.

ومع ذلك لم تنجح في وضع حد لنظام الوصاية الغربية واستنزفت قواها في الحروب والمواجهات الإقليمية، قبل أن تُقوّض أسسها الهزيمة الكبرى أمام إسرائيل في يونيو/ حزيران 1967.

وكما عمل وجود موضوعات رهان كبرى ذات أبعاد عالمية على تدعيم التدخلات الأجنبية في المنطقة وجذبها، أدى الخلاف بين المصالح والتوجهات الخاصة بالدول الكبرى المتدخلة وصاحبة النفوذ إلى تعريض المنطقة بشكل مديد إلى منطق الحرب الباردة الدائمة.

تلك التي قسّمت المنطقة لعقود طويلة بين الغرب والاتحاد السوفياتي، خلال الحرب الباردة الكلاسيكية المعروفة، وتلك التي عبرت عن التنافس الأوروبي الأميركي بعد زوال الحرب الباردة، ثم تلك التي تتجلى اليوم في الصراع على السيطرة على الشرق الأوسط بين الكتلة الغربية والآسيوية، التي لا تزال تعمل من وراء إيران وتعزيز المحور الإيراني السوري اللبناني.

هكذا لم تخرج المنطقة عن منطق الحرب الباردة بالرغم من انتهاء هذه الحرب ولا يزال أمامها فرص كبيرة للغرق المديد فيها. وهو ما يُعلّق مصير المنطقة ودولها وشعوبها وسياساتها على النزاعات الدولية، ويحدّ من قدرة الشعوب على تقرير مصيرها، كما يقدم للقوى الحاكمة فرص اللعب على النزاعات الدولية للهرب من التزاماتها تجاه شعوبها، وتوفير وسائل حماية وجودها والوقوف في وجه أي معارضة تقف في طريق استمرارها. وكما أنه لا ديمقراطية ممكنة من دون إرادة شعبية حرة، لا توجد إرادة شعبية حرة من دون سيادة وطنية.

والسمة الثالثة انتشار القوميات المحبطة ونزاعاتها الدورية والمستمرة. هكذا تتميز منطقة الشرق الأوسط، أكثر من أي منطقة أخرى في العالم، بسبب التركيب الاستعماري لخريطة توزيع الدول فيها، وحرمان البعض منها وإعطاء أكثر من دولة لشعب آخر، وهو إحدى نتائج وضعها الدولي المذكور نفسه، بأنها منطقة القوميات أو الحركات القومية المحبطة، والوطنيات غير القادرة على تحقيق ذاتها وإنجاز أهدافها واكتمال هويتها.

وبالتالي فهي منطقة القوميات والوطنيات الناقمة أيضا بسبب ما تعانيه من إخفاق وحصار وانعدام آفاق. ومن هذه القوميات وأهمها القومية العربية، لكن أيضا الكردية والفارسية وغيرهما من القوميات الصغرى المهمشة أو المغدورة أو المقموعة.

وتشكل هذه القوميات المحبطة براكين مشتعلة، على استعداد دائم للتنازع فيما بينها، والنزاع مع الكتلة الغربية المسؤولة عن إحباطها، ومع النظام الدولي الذي يعكس إخفاقها ويكرّسه.

في هذا السياق يظل الدفاع عن الهوية والنزاع من أجل تأكيدها محور أجندة الحركات السياسية الشعبية، في الوقت الذي يؤدي فيه فشل المشاريع القومية وإخفاقها إلى تنامي روح العصبية الطائفية والقبلية والمذهبية داخل صفوف الكتلة الشعبية، فاتحا بذلك مسرحا إضافيا للنزاعات الإثنية داخل المجتمعات المنتمية للقومية ذاتها.

وبقدر ما تفترض الديمقراطية الاستقرار والتحول نحو أجندة تنمية سياسية واجتماعية، تصبّ عنايتها أساسا على الفرد المواطن وتعزز موقعه ومكانته في المجتمع والدولة، يدفع منطق النزاع السائد بمختلف أنماطه إلى التضحية بالفرد وبفرص التنمية وتحسين شروط الحياة والمعيشة العامة للسكان، لصالح تأكيد الهوية والاستقلال والسيادة المهددة أو المقيدة أو المفرغة من مضمونها.

وهو ما يعني أن فرص نمو قوى ديمقراطية قوية تظل ضئيلة جدا في مثل هذا الوضع. وهو ما تشير إليه الوقائع بالفعل في كل بلدان المنطقة.

ويقدم النزاع العربي الإسرائيلي والحروب المستمرة التي فجّرها، وهو النزاع الذي لا يزال مستمرا منذ قرن من دون انقطاع، النموذج الساطع عن تأثير مناخ الصراع القومي والأقوامي على مصير القوى الديمقراطية، وعلى الديمقراطية بشكل عام في المنطقة الشرق أوسطية.

وأكثر فأكثر يجُرّ النزاع العربي الإسرائيلي إلى تعبئة المشاعر والعصبيات الدينية والقومية، ويدفع إلى تحويل المقاومة الخارجية والتركيز على العدوان الأجنبي إلى الأجندة الوحيدة السائدة في السياسة العربية، ويُهمّش جميع القوى التي تعمل على توجيه الرأي العام نحو مطالب تتعلق بتحسين شروط ممارسة السلطة وشروط الحياة والعيش داخل المجتمعات.

وليس هذا من الأمور المستغربة أو الغريبة. فعندما تتعرض المجتمعات إلى عدوان خارجي دائم، يتقدم الدفاع عن المصير العام على أي دفاع آخر عن مصالح الأفراد والجماعات.

وتستطيع النظم الاستبدادية التي تتحكم بوسائل الدعاية والإعلام أن تُعمّق من هذا الاتجاه، وأن تستفيد منه لحرف الأنظار عن ممارساتها الشائنة.

وهو ما يفسر إلى حد كبير نجاحها في عزل القوى الديمقراطية بالفعل في السنوات الماضية باسم الدفاع عن المصالح القومية ومقاومة الاستعمار والصهيونية، وحماية تراث الإسلام وصون كرامته أمام الاعتداءات والاستفزازات الغربية.

والسمة الرابعة مركزية الدولة وضمور المجتمع المدني في تنظيم الشؤون العمومية. وترجع قوة الدولة والمكانة المركزية التي تحتلها في المجتمعات الشرق أوسطية، وقدرتها على ضبط المجتمعات واحتواء حركتها واستيعابها، إلى عاملين رئيسيين.

قوة التحالفات التي تجمع النخب الحاكمة عموما مع المنظومة الدولية الغربية، والمصالح التي تربط بينهما في جميع المجالات الإستراتيجية والمالية معا.

أما السبب الثاني فهو حيازتها على عوائد ريعية استثنائية بكل معنى الكلمة واستخدامها لهذه العوائد، مستفيدة من تفاهمها مع الغرب، لبناء نظم مستقلة كليا عن المجتمعات، وقادرة على البقاء من دونها، وفي مواجهتها معا.

وهذه الاستقلالية التي نجحت هذه النظم في بنائها هي التي قوّت من رصيدها في نظر الدول الغربية، وزادتها مراهنة عليها كوكيلة لمصالحها وشريكة محلية لها في حفظ الأمن والنظام الإقليميين.

فبفضلها ضمنت هذه الدول نظما محلية تستطيع أن تستوعب حركة شعوب ومجتمعات يُنظر إليها على أنها مصدر للنزاعات القومية والدينية المتطرفة، وبالتالي لحركات مناوئة للغرب ومعادية لمصالحه.

وجاءت ولادة حركات الإرهاب الإسلامية في العقدين الأخيرين، واختيار بعضها الساحة الدولية، والغربية خاصة، مسرحا لعملياتها الانتقامية، لتعزز من خوف التحالف الصناعي الغربي وتزيد تعلقه بنظم برهنت على قدرتها على إخضاع الكتلة الشعبية بصرف النظر عن المعايير التي تستخدمها في إخماد حركات النقد والمعارضة والاحتجاج الداخلية، وغياب أي شكل من الحياة السياسية وأحيانا القانونية فيها.

وكانت النتيجة الطبيعية والمباشرة لهذا التفاهم بين النخب الحاكمة المحلية والتحالف الغربي في الشرق الأوسط التحييد السياسي الكامل للشعوب، وشلّ إرادتها بالفعل، وتفتيت قواها السياسية والمدنية، وإقامة نظم متكلسة ومنغلقة على نفسها، ليس لها أي تواصل مع شعوبها، ولا تعرف طريقة أخرى لكسب تأييد هذه الشعوب ولا التعامل معها سوى استخدام وسائل القمع والقهر السافر والمقصود لذاته من أجل إعطاء العبرة والمثال.

ولذلك ارتبطت صورة هذه النظم كما لم يحصل في أي نظم أخرى بتعدد قوى الأمن وتنوع أجهزته، واتساع دائرة ممارساته اللاقانونية، وشمول صلاحياته كل الشؤون العمومية.

فصار الأمن هو البديل الحقيقي للسياسة. وأصبح العمل السياسي المعارض عملا فدائيا بالمعنى الحقيقي للكلمة يُعرّض فيه صاحبه نفسه لكل المخاطر، من الصرف من الوظيفة إلى الاعتقال التعسفي إلى التعذيب إلى السجن المديد إلى القتل.

وطالما شعرت النخب الحاكمة أنها تحظى برضا الغرب وتأييده، وأنها تتمتع بالموارد المادية والمالية الضرورية لتسيير أجهزتها، لم يعد هناك ما يدفعها للنظر في قضايا الشعوب، ولا التساؤل عن مصيرها، ومن باب أولى التوقف عند حقوقها ومصالحها.

وهكذا حوّلت هذه النخب الدولة إلى مزرعة، وجعلت من قوى الجيش والأمن مليشيات خاصة تستخدمها لفرض الإذعان على مجتمع من الأقنان، واستعملت الإرهاب لردع قوى المقاومة الضيئلة التي لا تزال تتجرّأ على الوقوف في وجه الاستبداد وتوجيه النقد إلى سياساته.

من المستحيل في ظل هذا النظام الذي يلغي السياسة من الأصل، ولا يعترف بحقوق ولا واجبات، ويكرس "ألوهية" الحاكم وعصمته، كما يُكرّس توارث مناصب المسؤولية في كل المؤسسات، أن تقوم مجتمعات مدنية، أي أيضا سياسية، بالمعنى الحقيقي للكلمة.

وكل ما نعرفه من المنظمات والهياكل المدنية يتوزع بين مجموعتين، فئة المنظمات السياسية والحقوقية القائمة على جهود نخب المثقفين النشيطين المناضلين والمغامرين بمصالحهم وأحيانا أرواحهم أيضا، والمستندة في وجودها وتمويلها إلى المجتمع المدني العالمي، وفئة الجمعيات الخيرية التي تعمل تحت السقف المنخفض جدا للأمن والسياسة الرسميين، ولا تستطيع أن تستمر وتعيش إلا بقدر ما تخضع لقاعدة الالتزام بمصالح جزئية، وتجنب الحديث أو العمل في كل ما له علاقة، من قريب أو بعيد، بالشأن العام وبالقضايا المتعلقة ببناء المجتمعات المدنية.

الدول تحولت إلى أجهزة ضبط وحصار وقمع، أي إلى أدوات للسيطرة المادية المباشرة والفورية، ولم تعد تتمتع بأي قيمة أو بُعد أو محتوى سياسي أو أخلاقي أو اجتماعي.

ـــــــــــــــ

كاتب سوري

الجزيرة نت

جائزة هولندية ثانية للشاعر السوري فرج بيرقدار

جائزة هولندية ثانية للشاعر السوري فرج بيرقدار

خاص – صفحات سورية –

في الثامن عشر من شهر تشرين الثاني- نوفمبر 2006، أعلنت مؤسسة OXFAM NOVIB الهولندية عن جائزة القلم لحرية التعبير "PEN freedom of expression"، وهي جائزة تمنح سنوياً لخمسة كتَّاب من العالم، يمثل أدبهم حالة من التحدي والمساءلة لتلك القوى التي تحاول قمع الصوت الحر في بلدانهم.

وقد فاز بجائزة هذا العام كل من الكتَّاب:

فرج بيرقدار- سوريا

-Andrej Dynko بيلاروسيا

Roya Toloui إيران- كردستان

Simon Mol الكاميرون- بولندا

Hrant Dink تركيا

ومن الجدير بالذكر أن هذه الجائزة هي الرابعة التي يفوز بها الشاعر فرج بيرقدار، إذ سبق وفاز بجائزة الكلمة الحرة- هولندا 2004، إضافة إلى جائزة هلمان هامت- أميركا 1998، وجائزة نادي القلم العالمي- أميركا 1999.

إعادة تقييم الأولويات

إعادة تقييم الأولويات

مازن كم الماز

خاص – صفحات سورية –

لا جدال في أن النظام يمعن في خياراته الأمنية و أن قمعه قد تمكن من إضعاف الحراك السياسي القادر على التغيير بحيث أنه جعل من احتمال التغيير من الداخل بإمكانيات الشعب السوري ضربا من المستحيل و لا جدال في أن التدخل الأمريكي في منطقتنا واقع و أن ضغطه باتجاه التغيير في المنطقة و في سوريا قادم أو ينتظر التحقق على نحو ما رغم إخفاقاته الأخيرة في المنطقة أو في داخله الخاص و لا شك أن النظام يعيش الآن أزمة مصدرها الأول علاقته المتوترة مع الخارج و ضغوط هذا الخارج عليه بهدف تغيير سياساته..إن هذا يراد له أن يبرر التغيير الذي طرأ على خطاب أقسام من المعارضة السورية باتجاه مواز لما جرى في الساحة العراقية و اللبنانية باتجاه إعادة صياغة أولوياتها لتفسح المجال للتعاون مع هذا التغيير القادم و كما في العراق فإن عجز المجتمع عن فرض التغيير الديمقراطي يستخدم كمبرر لهذا التغيير..إن الرغبة في التغيير هائلة لدرجة أن أقسام من المعارضة يقبل بهذا التغيير في خطابه و بقلب بعض المفاهيم و بتبرير سلوكيات "قوى التغيير الخارجية" و سلوك القوى الإقليمية المرتبطة بها و بمعاداة القوى الإقليمية التي تعتبر في صف النظام و هذه الرغبة في التغيير هائلة لدرجة أن هذا التغيير في الخطاب يستطيع أن يدعي شرعية ما في ظل قمع النظام و أزمة قوى التغيير و تقدم المشروع الأمريكي..من الواضح أن هذا التغيير في الخطاب هو مدخل لشرعنة التعامل مع أي تغيير مفروض و العمل على استثماره لصالح تلك القوى من المعارضة..هنا سنقرأ الكثير عن ضرورة قراءة الواقع من جديد و تجاوز المفاهيم أو القراءة الشمولية للواقع..هنا لا بد من ملاحظة أزمة هذا الخطاب أيضا فهو يضطر للتضحية بهجومه الأخلاقي على سياسات النظام لصالح ارتباطه بالخارج و يضطر أن يستدعي خطابا غريزيا طائفيا تارة أو خطابا تخوينيا مضادا كما أن التغيير القادم ( مع صورته الماثلة أمامنا في العراق ) يخلق من المخاوف أكثر من الآمال بنهاية الاستبداد..إن هذا يرتبط بصعود القوى الطائفية و تفاقم لغة إلغاء الآخر و ما تحمله من مخاطر الانفجار و الصراعات ذات الطابع المدمر..إن تفتت مجتمعاتنا طائفيا و تمترس الطوائف خلف قياداتها التقليدية و مصادرة حالة الحراك السياسي و الفكري الحر و قيام حالات سلطوية على أساس المحاصصات الطائفية تهدد بإضعاف مجتمعاتنا أكثر و تكريس حالة الصراع العنفي بين فئاته لصالح هيمنة الخارج و العجز عن إدارة حالة جدل سياسي فكري ديمقراطي و بالتالي إعادة إنتاج حالة الاستبداد بصورة أخرى و بأسماء مختلفة لكن بذات المضمون..هذا المأزق الذي تعيشه المعارضة و المجتمع و هي تواجه مهمة التغيير الوطني الديمقراطي لا يمكن حله بالاتكاء على الحالة الراهنة من الفعل السياسي التنظيمي للمعارضة التي تعيد إنتاج ذات حالة السلطة على نطاقات أصغر أو في حالة الجدل السياسي و الفكري السائدة في صفوفها التي تفتقد حرارة الجدل الذي يقدس الحقيقة أو يستهون تحطيم تابوهات الماضي لغاية إطلاق جدل سياسي فكري يلتزم بالحقيقة بالوطن و بالديمقراطية..إن تعديل البنية السياسية و المنظومة الفكرية للمعارضة لتصبح ديمقراطية باتجاه داخلها و تجاه سائر أطراف المشهد السياسي و الفكري في بلدنا سوريا مهمة لكل من يريد على أقل تقدير أن يعيد تشكيل المعارضة إلى حالة قادرة على تجاوز مخاطر انفجار الوضع وفق المثال العراقي أو الانزلاق في اتجاه التفريط بالوطني لحساب إرادة مشروع التغيير الأمريكي أو في اتجاه إلغاء الآخر و ليس مجادلته بالتي هي أحسن..إن التغيير ضروري فالنظام أصبح عالة على المجتمع و المجتمع يعاني من أزمات مستعصية و الخارج و هو يستشعر بقوته و ضعف مجتمعاتنا و أنظمتنا يدفع قدما بتغيير يريده على مقاس مصالحه و لكن مضمون هذا التغيير هو الآن محور الصراع القادم و السعي باتجاه ولادته كتغيير وطني ديمقراطي هو وحده الكفيل بتقديم حلول تتجاوز مشروع الخارج و مشروع تأبيد النظام و مخاطر صعود الطائفية و تدمير المجتمع

لا للمحكمة الدولية

لا للمحكمة الدولية

محمود عكل

خاص – صفحات سورية –

في تصريحات متلاحقة، أكد المسؤولون السوريون أن المحكمة الدولية التي صادق مجلس الأمن على إنشائها لمحاكمة قتلة الحريري لا تعنيهم ولن يتعاونوا معها لأنها أنشئت دون التشاور معهم وبالتالي فهم يفترضون أن لا علاقة لهم بهذه المحاكمة.

قد تبدو هذه التصريحات غريبة للمراقبين البعيدين عن العقلية التي تحكم سورية منذ وصول بشار الأسد إلى كرسي الرئاسة بتعديل دستوري صادق عليه نائب الرئيس (المتهم الآن بالخيانة العظمى) عبد الحليم خدام.

لكن من يتابع طريقة التعامل الدبلوماسي السوري (مع التحفظ الشديد على استخدام كلمة الدبلوماسية لوصف ما يقوم به النظام) يرى أن هذه التصريحات تأتي داعمة لأسلوب التجاهل والتغابي الذي يرى رأس النظام أنه الأفضل بالنسبة له في ظل عدم وجود حلول بديلة يلجأ إليها.

فمنذ بداية المشكلة، أي عند اغتيال الحريري، كان التعامل السوري مع الموضوع غبياً، إذ أن فاروق الشرع –وزير الخارجية آنذاك- لم يجد ما يقوله تعليقاً على الحادث سوى: " وقع انفجار كبير في لبنان وأودى بحياة عدد من الأشقاء اللبنانيين" ولم يذكر الحريري بكلمة واحدة.

ثم جاء التعامل مع لجنة التحقيق الدولية بالأسلوب الغبي ذاته عبر دس شهود مزورين (مثل هسام هسام) أو اختلاق الأكاذيب حول شهود آخرين (زهير الصديق) وتلفيق القصص المضحكة عن رئيس لجنة التحقيق للطعن في مصداقيته، وكل هذا لم يؤد إلى نتيجة تذكر كما يتضح من الوضع الذي وصل إليه النظام.

سورية غير معنية

الآن يصرح مندوب سورية لدى الأمم المتحدة، بشار جعفري، أن سورية لن تتعاون مع المحكمة الدولية لأنه "في حال تبني النظام الأساسي للمحكمة فمن المرجح أن يظهر انتهاك غير مقبول لسيادة بلدان أعضاء محددة وحقوق رعاياها" وأضاف أن تبني النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بهذا الأسلوب "سيؤدي إلى قناعة سوريا بعدم صلتها بتلك المحكمة".

الطريف في هذا التصريح أنه يأتي متساوقاًَ مع الأسلوب الذي طبع تعامل النظام السوري مع المتغيرات الدولية طوال السنوات الست الماضية، فهو يستخدم خطاباً صبيانياً لا منطقي ويؤسس عليه حججه الواهية ثم يطالب العالم بالموافقة على مطالبه.

ولا يمكن أن يصدق عاقل أن الجعفري كان مقتنعاً بما يقوله عندما ذكره ضمن الرسالة التي وجهها للأمم المتحدة، إذ أنه كديبلوماسي يفترض أن يدرك أن المحكمة الدولية شأن لبناني خالص، وجميع الأنظمة المتعلقة بها تتم مناقشتها بين لبنان والأمم المتحدة مباشرة، ولا دور لسورية في النقاش إلا أن تكون مرحلة الوصاية على "الشقيقة الصغرى" لا زالت قائمة.

أما إن كان الاعتراض على المحكمة لكونها ستحاكم متهمين سوريين، فهذا أمر يدعو للسخرية أكثر، إذ لم يحصل في التاريخ كله أن ترك للمتهم اختيار المحكمة التي تحاكمه، بل إن النظام السوري نفسه هو الذي يحاكم النشطاء المدنيين الديمقراطيين أمام المحاكم العسكرية الاستثنائية ضارباً عرض الحائط بالدستور ومواثيق حقوق الإنسان.

ويبقى أن نتذكر معاً كيف صرح عبقري الديبلوماسية السورية فاروق الشرع العام قبل الماضي أن القرار 1559 قرار تافه ولا يعني سورية بشيء، ثم اضطر للانسحاب المخزي من لبنان لاعقاً كلامه وبقايا كرامة رئيسه قبل أن يمضي عام على القرار.

المقداد والثقة بالقضاء السوري

لا تقف عبقرية النظام على عدم الاعتراف بالمحكمة، بل إن مخططي الديبلوماسية السورية بعقلياتهم الفذة يستبقون الأحداث، ويؤكدون أنه حتى لو قامت المحكمة الدولية وطلبت أحد المواطنين السوريين للمحاكمة فلن يتم تسليمه، كما صرح بذلك نائب وزير الخارجية، فيصل المقداد، الذي قال: " أولاً، إن سورية بريئة مئة في المئة من الجريمة ولا حاجة لتأكيد ذلك. ثانياً، إذا كان هناك مواطن سوري قد يكون له ضلع في هذه الجريمة، فهو مجرم سيعاقب كما يعاقب المجرمون، أمام القضاء السوري العادل». وزاد: "إن الأمم المتحدة لجأت إلى تشكيل محاكم دولية في أماكن أخرى من العالم مثل سيراليون ويوغوسلافيا السابقة لأن «القضاء فيها كان منهاراً. لكن قضاءنا مستقل ونزيه، ولذلك لن نقبل أن يوضع أي مواطن سوري أمام قضاء دولي لأننا واثقون من قضائنا»

طبعاً الكلمات السابقة تثير الاعتزاز والفخر في نفوس المواطنين السوريين في الأحوال الطبيعية، أما حينما تكون (حارتنا ضيقة ونعرف بعضنا) كما يقول المثل السوري، فافتراءات المذكور أعلاه تصبح مادة للسخرية والتندر في العالم كله.

القضاء السوري الذي يفتخر المذكور بنزاهته هو نفسه القضاء الذي يتلقى تعليماته من الأمن السياسي لتمديد اعتقال الناشطين المطالبين بالحدود الدنيا من الحرية دون تهم واضحة، وهو نفس القضاء الذي يتم اعتقال أعلى رأس فيه (مجلس الدولة) بتهم تتعلق بالفساد ويجري تعذيبه للاعتراف بها، بزعم تلقيه رشاوي في قضايا وقع عليها ستة قضاة قبله واعتمدها هو بصفته رئيس المحكمة الإدارية العليا، كما نشرت "نشرة أخبار الشرق الإلكترونية" الصادر في لندن في عددها بتاريخ 26-11-2006م.

وللتأكد أكثر من مصداقية ونزاهة القضاء السوري، نذكر حادثة هي الوحيدة من نوعها في العالم كله عندما صدر مرسوم جمهوري يخول رئيس الوزراء تسريح من يشاء من القضاة من الخدمة دون إبداء الأسباب ودون أن يكون من حق القضاة المسرحين الاعتراض أمام أي جهة كانت، ولمدة 24 ساعة !!!

حتى الآن أعجز عن فهم مثل هذه المراسيم التي تحقق العدالة بالخفية والسرقة، فإما أن يكون هؤلاء القضاة فاسدون، وفي هذه الحالة من الواجب محاكمتهم وجعلهم عبرة لغيرهم لا الاكتفاء بتسريحهم، أو أنهم من البقية النظيفة التي تقاوم الفساد، وفي هذه الحالة يكون المرسوم خطوة أخرى من خطوات ترسيخ الفساد وتأصيله ضمن الإستراتيجية التي اعتمدها حزب البعث منذ وصوله للسلطة عام 1963.

علماً بأنني أرجح الرأي الثاني لعدة أسباب أهونها أن المناط به تسريحهم هو أحد الغارقين في مستنقع الفساد، وأهمها أن القضاة المسرحين لم يقبلوا بما حدث لهم بل حاولوا عدة مرات مقابلة الرئيس وتقديم شكوى وطالبوا بالتحقيق ولا يمكن لقضاة فاسدين أن يفعلوا هذا الأمر علناً.

وأخيراً، كهدية الختام لنائب وزير الخارجية الواثق من عدالة ونزاهة قضاء نظامه المهترئ، أهديه هذا الخبر عن محاكمة الناشطين كمال غرز الدين وأيهم بدور الذين قاما بالمشاركة في اعتصام احتجاجاً على استمرار العمل بقانون الطوارئ، وخلال المحاكمة بتهمة شتم وكيل الدولة وحزب البعث قدم الدفاع خمسة شهود أكدوا أن الناشطين اكتفيا برفع الشعارات ضد قانون الطوارئ وأنهما لم يسبا أو يشتما أحداً، وهنا تفتقت عبقرية القاضي النزيه عن حل يضمن له إرضاء أسياده في الأمن السياسي فقد قرر " إحالة أوراق الدعوى للنيابة العامة لتحريكها بحق شهود الدفاع الخمسة بناء على نص المادة 335 من قانون العقوبات السوري الذي ينص على أن تجمع سبعة أشخاص يعتبر إثارة شغب. وبما أن الشهود خمسة ويرتفع عددهم إلى سبعة مع بدور وغرز الدين فتطبق عليهم عندها نص المادة المذكورة آنفاً" !!

وتحياتنا للقضاء النزيه.

29 - 11-2006

كاتب سوري

الإقامة على كف عفريت

الإقامة على كف عفريت

لؤي حسين

لا أعتقد أن إشكالية إطلاق سراح الكاتب ميشال كيلو، وإصدار قرار بإعادة توقيف ثلاثة ممن أطلق سراحهم منذ فترة قصيرة، واحتمال إعادة توقيف السياسي المعارض فاتح جاموس بعد الإفراج عنه، تطور بالقضية الأمنية أو القضائية المرتبطة بمعاقبة الموقعين على إعلان دمشق بيروت-بيروت دمشق أو البعض منهم، ولا حتى تطور في طريقة التعامل مع المعارضين السوريين. بل أغلب الظن أن قضية التوقيف وإعادة التوقيف بعد الإفراج تأتي في سياق آخر على صعيد ساحة السلطة السورية. إذ أن بعض المؤشرات، غير الكثيرة، تشير إلى وجود جناحين أو شقين غير متوافقين في السلطة. علاوة على خبريات الشارع السياسي الذي يتناقل أخباراً تفيد في ترجيح هذا الاحتمال.

فالجمود الذي يهيمن على كافة الأصعدة والمستويات في البلد، بحيث لا نجد فيها أي متغير مهم، يمكن أن يكون مؤشراً على وجود شقين في السلطة يحول صراعهما السلطوي من دون إمكان إنجاز أي حراك خارجاً عن حركة العطالة القائمة أصلاً منذ وفاة الرئيس حافظ الأسد. ولا يمكن لمثل هذا الجمود أن يكون طبيعياً أو دليل استقرار وعافية، إذ أن الجميع في سوريا، من السلطة وخارجها، يقرون بحاجة الواقع السوري الملحاحة إلى تغيير أو تطوير.

لا يحسم الجمود صحة وقوع الشقاق، فانعدام الحراك والحركة لا يشكل دوماً دليلاً على خلاف أو شقاق سلطوي. كذلك، فإن وجود تيارات متباينة في سلطة أو نظام لا يؤدي بالضرورة إلى انعدام الحركة، بل قد يكون أحياناً مولّداً ودافعاً للتطور والتغيير، خاصة ان كان الخلاف ذا طابع تنافسي. لكن مثل هذا النوع من التباين أو الخلاف التنافسي لا يوجد في الساحة السياسية السورية، والعربية عموما. إذ لا يتبدى أي خلاف إلا على صورة شقاق أو تناحر، مما يجعله خطراً كبيراً على كل البلد. كذلك، فإن الثقافة السياسية السورية، وبالأخص السلطوية، لا تحتمل قبول وجود خلاف ظاهر. لهذا لا يمكن تبيّن الخلاف إلا من آثاره الجانبية ومن خبريات يتداولها الناس من دون إمكانية لتأكيدها. فظهور الخلاف أو التصريح عنه، بالنسبة لهذه الثقافة، ينسف مقولة الصف الواحد والبنيان المرصوص والوحدة الوطنية... الخ، التي لا غنى للمنطوق السياسي السلطوي عنها، كونه يعتبر نفسه ممثلا لجميع الأمة وناطقاً بمجمل لسانها ومعبراً عن مجموع مصالحها. إن هذا المنطوق والفهم الذي لا يمكنه قبول اختلاف فرد واحد معه من دون أن يعتبره خائنا (ولو مع وقف التنفيذ أو الفاعلية)، أو بالحد الأدنى خارجاً عن إرادة الجماعة وضاراً بمصلحتها، لا يمكنه القبول بوجود آخر إلى جواره (حتى لو كان من لحمه ودمه)، وبالتالي لن يكون التنافس بينهما بديلاً عن صراع مدمر يقوم في الظل والخفاء. ومثل هذا الصراع الخفي لا بد له أن يحول دون أن يكون للشعب (الجمهور في حالتنا السورية) أي دور في حسم هذا الصراع أو، بالحد الأدنى، ترجيح جناح على آخر. مما قد يؤدي إلى فوز فريق من دون أن يكون ممتلكاً لأسباب الفوز الحقيقية أو الطبيعية.

لا يعيب السلطة السياسية السورية أن يكون فيها تيارات متعددة تختلف فيما بينها على التوجهات السياسية أو الاقتصادية أو الإستراتيجية، حتى لو بان الخلاف على أعلى المستويات القيادية، أو حتى لو تمظهر على شكل صراع على النفوذ. لكن الخطر أن يصير الصراع على العكس من ذلك، أي أن يقوم في بداياته على شقاق أسسه شخصية ومزاجية وليس على اختلاف في وجهات النظر على القضايا والخيارات العامة أو الوطنية. مما يجعل من هذا الشقاق في صيرورة تحوله إلى صراع أن يأخذ القضايا العامة كوقيد له لا أكثر. وهذا لا يعني أن يتبنى أي طرف أيا من هذه القضايا، حتى لو من باب المزاودة على طرف آخر، كونه لا يحتاج لمؤازرة أصحاب هذه القضايا، أي العموم، في مواجهته خصومه. فالخشية أن يسير الأمر على العكس من ذلك تماما، أي ألا تتوانى جميع هذه الأطراف من الإضرار بهذه القضايا إن وجد أحدهم فيها نفعا له أو إضعافا للطرف الآخر. فصراع كهذا إن حدث وتطور فإنه سيأخذ صورة كيدية، وكثيرة هي القضايا المصيرية السورية التي تحتمل المواقف الكيدية، مثل الموقف من التحولات الاقتصادية أو الموقف من التيارات الإسلامية أو العلمانية، أو حتى في طريقة التعاطي مع المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. والكيدية في قضايا كهذه كفيلة بتعطيل العمل على جميع المسائل الأخرى الأقل شأنا في ميدان الصراع كقضايا التعليم والطبابة والخدمات... الخ.

صراع كهذا إن وقع من شأنه أن يضعف السلطة. والسلطة في سوريا هي نفسها الدولة واقعا ومفهوما، وأي ضعف أو سقوط للسلطة، قبل توفر البديل المدني أو السياسي، سيكون له نفس الأثر على مؤسسات الدولة، وبالتالي على البنية المجتمعية السورية. وحتى لو كانت مصالح السلطة تقع على النقيض من مصالح الشعب فلن يكون، في هذه الحالة والآونة، أي ضعف في السلطة نصراً أو فوزاً للمجتمع أو للشعب. بل سيكون لذلك آثار وخيمة على المصلحة العامة وعلى الوطن. خاصة مع غياب معارضة سياسية حقيقية يمكنها أن تلعب دوراً في التخفيف من تداعيات صراع كهذا. فالمعارضة السورية ما زالت تفضل التطهر من الفعل السياسي، مراهنة على أن يكون هذا التطهر هو ورقتها الرابحة في لحظة تاريخية قادمة يكون الشعب هو الحكم فيها، وسيختار لقيادته، حسب تصور المعارضة، الطرف السياسي المظلوم والأكثر طهارة من الفعل السياسي. مما يجعلها تعتبر أن قوتها في ضعفها الذي تتغنى به ليلا ونهارا. وتقف متفرجة على الأحداث خشية أن تدنس إن قاربتها. بل أعتقد أن بعضها يجد أن أي ضرر يقع على السلطة هو في خير الوطن، ولو كان ذلك على حساب استقرار البلاد وأمنها، بل وحتى على مستوى سلامة الكيان المجتمعي والسياسي السوري.

وعلى الرغم من أن العموم السوري يأخذ موقف الجمهور وموقعه إلا أنه لا يتمكن من رؤية مشهد سياسي حقيقي واحد. لهذا نجده يختلق قادة غير مرئيين وأحياناً غير مُعيّنين، مفترضاً أنهم يتصفون بالقوة والجبروت ويتمتعون بالقدرة على التحكم بحركة الأحداث، فيخافهم ويهابهم ويبدي استعداده للامتثال لإرادتهم، التي يعتبر أنه لا توجد قوة يمكن أن تردعها، مما يجعله مؤهلا للانقياد إلى اصطفافات بعيدة عن الحقل السياسي أو الوطني.

السفير

ألا تتحقق الوحدة الوطنية بغير تخلي الحكومة عن أكثريتها؟

ألا تتحقق الوحدة الوطنية بغير تخلي الحكومة عن أكثريتها؟

د. ســلطــان أبازيـــد ‏

بعد اغتيال النائب ووزير الصناعة اللبناني بيير أمين الجميل، وبعد تصعيد المعارضة اللبنانية( حزب الله وميشيل عون)، حدتها السياسية وتهديدها بالنزول للشارع، واستقالة وزراء نصر الله من الحكومة من أجل فرض حكومة وحدة وطنية أو انتخابات مبكرة، يتبادر للذهن هتا عدة ملاحظات أهمها:

ــ في كل دول العالم، وحينما تحقق أكثرية ما انتصارها في الانتخابات الشرعية، كما هو الحال في أكثرية حكومة الحريري السابقة وحكومة السنيورة الراهنة، تلتزم المعارضة بواجباتها في نقد هذه الحكومة وكشف مواطن الضعف فيها، وتتقدم باقتراحات ومشاريع قوانين ثم يجري التصويت عليها في البرلمان وعلى كل ما تعتقده يخدم لبنان وحريته واستقلاله، لا أن تكال التهم من كل حدب وصوب لحكومة الأكثرية، ووصفها بأنها وهمية، أو تخوينها كما هو جاري على قدم وساق من قبل السيد حسن نصر الله، فمرة يدعوها" بحكومة فيلتمان"، وأخرى بأنها " ليست مؤتمنة على القرار الوطني "، متماشياً بذلك تماماً مع إعلام النظام السوري التافه، واتهامات رسمييه الرخيصة وخاصة على لسان بشار الأسد، بأن هذه الحكومة هي " منتج إسرائيلي "، ويعجب الكثيرون من مثل هذه التصريحات والتهديدات الموجهة ضد استقرار لبنان وحريته، ووضع حد نهائي للهيمنة السورية .

ــ لقد صرحت حكومة السنيورة في أكثر من مناسبة، بأنها لن تجري في المستقبل مفاوضات مع إسرائيل وستكون آخر دولة عربية توقع على اتفاق سلام معها. فهل يحق لهذه الدولة، أن تحمي حدودها بجيشها، وتحدد بنفسها ساعة وساحة المعركة مع العدو الصهيوني؟ ، أم أن هدوء الجبهة السورية مع إسرائيل منذ 43 عاماً، يحسب في عداد المقاومة الصامتة؟.

إن حكومة السنيورة لا تهدف لتوقيع اتفاق شبيه باتفاقات الأردن، أو اتفاق سلام كمصر، البلدان المعتبران

خارج الانتاج الإسرائيلي "، وان كان المسؤولون في مصر والأردن يحسبون ضمن ( أنصاف الرجال العرب ) وكل ما يهدف اليه لبنان أن يتساوى مع الشقيقة سورية في الموقف تجاه الاعتداءات الإسرائيلية على حدودهما!!، والأدهى من كل هذا أن قرار الحرب والسلم في لبنان، لا زال حتى الآن بيد السيد حسن نصر الله وحزبه، هذا الحزب ، الذي أبدى مناضليه بطولات لا يمكن أن ننساها في الحرب الهمجية الإسرائيلية على لبنان، لكن ذلك لا يخفي ارتباطاته بالقرارات الإيرانية ــ السورية!!، رغم سعيه لاجراء التوازن بين المصلحة اللبنانية التي هي الأساس، وتلك القرارات الخارجية، التي همها المركزي البرنامج النووي الإيراني، والتخلص من المحكمة الدولية مهما كان الثمن، ولو كان خراب لبنان نهائياً!!.

ــ وهل يمكن اعتباره في موقع الصدفة المجردة، التصعيد السياسي لدرجة سحب وزراء " حزب الله " من الحكومة، ثم التهديدات المتتالية بالنزول إلى الشارع، من أجل فرض " حكومة وحدة وطنية"، ثم اغتيال وزير الصناعة اللبناني، عشية إقرار مجلس الأمن الدولي صيغة المحكمة الدولية، للكشف عن قتلة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وسلسلة الاغتيالات التي تلتها ، حتى شملت التحقيق في اغتيال بيير أمين الجميل آخر شهداء استقلال لبنان!

إن الهدف من " حكومة وحدة وطنية"، ليس إلا الالتفاف على الموافقة الجماعية السابقة على تشكيل " ًالمحكمة الدولية"، ثم دفنها إرضاء وتهدئة لأعصاب بشار الأسد وكافة المشبوهين بجرائم الاغتيالات، وتسجيل هذه الجرائم ضد مجهول، كما اعتاد النظام الشمولي السوري أن يفعل، ويبدو الرعب الذي يكتنف النظام حول تشكيل المحكمة الدولية، في التراجع الواضح عن التعاون مع الأمم المتحدة في التحقيقات الجارية حول مسلسل الاغتيالات في لبنان، من خلال تصريحات نائب وزير الخارجية السوري ( فيصل المقداد )، الذي صرح ما معناه " بأن سورية لا يهمها شيء من تشكيل المحكمة الدولية، لأنه لم يتم التشاور معها، وبأن سورية لن تقدم مواطنيها لعدالة أجنبية، لأن لديها عدالة!.

بالطبع لا يحتاج مثل هذا الكلام عن العدالة في سورية إلى تعليق، لكنه يوضح مدى الرهبة والرعب من مجرد توجيه أصابع الاتهام للنظام السوري.

لم تستطع هذه العدالة وتحقيقاتها عن كشف الأسباب، التي أعقبت الكثير من الاغتيالات، أو الانتحارات المصطنعة..للزعبي ، أو لكنعان وأخيه؟!.

"الرأي - خاص"

2006-11-30

الديمقراطية ضحية الاحتلال والحرب

الديمقراطية ضحية الاحتلال والحرب

ناهد بدوية

خطر رفع شعار الديمقراطية من قبل المحتل

عندما انهمرت المساعدات الغذائية من السماء، أي من الطائرات الأمريكية في بداية الحرب الأمريكية على أفغانستان لم يجرؤ أحد من أبناء الشعب الأفغاني على الاقتراب منها لاعتقاده بأنها أغذية مسمومة. هذا لم يكن غريبا بل هي ردة فعل منطقية جدا تنطلق من القياس والخبرة وتنطلق من القاعدة وليس من الاستثناء. فالقاعدة كانت حينذاك أن هذه الطائرات الأمريكية تمطر البلاد بالقنابل والموت والاستنتاج الآلي المنسجم مع هذه الحالة هي أن أكياس الغذاء هذه هي شكل آخر من الموت الهاطل عليهم من السماء. ولهم كل الحق بهذه الريبة.

واليوم من الطبيعي أن يستحضر أبناء المنطقة العربية خبرتهم بهذا الغازي لبلادهم (أي الولايات المتحدة الأمريكية) كي تتعامل مع هذه السلعة الأمريكية الهاطلة مع القنابل العنقودية والمحملة على الدبابات المصفحة والمسماة هذه المرة الديمقراطية. رد الفعل الطبيعي والفطري هو مماهاة هذا المفهوم مع الموت والقنابل الذكية ومماهاته مع عملية إبادة عشرات الملايين من شعب طيب ومسالم أسموه هم الهنود الحمر، لتقيم الولايات المتحدة على رفاته ديمقراطيتها الشهيرة. ومماهاة هذا المفهوم مع الديكتاتوريات التي دعمتها ورعتها الولايات المتحدة لمواجهة إرادات الشعوب في كل أنحاء العالم الثالث بما فيها المنطقة العربية. ومماهاة هذا المفهوم مع السلاح الأميركي الذي يقصف به الشعب الفلسطيني بيد اسرائيل كل يوم. وبذلك يكون رد الفعل الفطري بالقياس والخبرة هو رفض هذا المفهوم وحامله. والعودة تكون كما في كل ردود فعل العضويات التي تتعرض لهجوم خارجي شديد، للانكفاء على الذات والعيش على المخزون الذاتي القديم لاستمرار الحياة. وعند الشعوب تتم العودة عادة الى المخزون التاريخي للتأكيد على هوية مهددة والبحث عن شكل من الحكم قديم ولكنه يؤكد على أصالة رفض الهجوم الخارجي، والإيمان بأنه يلائمها ويعبر عن خصوصيتها. والأخطر من ذلك هو أن أي مبشر بالديمقراطية من أبناء جلدتهم يبدو وكأنه ينادي من نافذة طائرة الأباتشي التي تحوم للقيام بالاغتيالات المتعددة الأغراض. وبالتالي ويمكن أن يُستهدف بالاغتيالات المضادة مثله مثل أي طرف يرطن بلغة أجنبية دون أي تمييز بين صديق أو عدو. ومن هنا تنشأ ضرورة أن يكون الصوت الغربي المعارض للحرب والاحتلال عاليا في بلادنا حتى لا يوضع كل ماهو غربي في سلة واحدة. وكذلك يقع على عاتقنا تعريف شعوب منطقتنا بشكل دائم بالشبكات العالمية المعارضة للحرب والاحتلال.

الفصل التعسفي بين النضال التحرري والديمقراطي

عانت منطقتنا والحركة السياسية العربية من سيادة الشعار سئ الذكر "لاصوت يعلو فوق صوت المعركة" وأولوية المسألة الوطنية وتلخيص كل النضالات في شعار طرد المحتل. إن الجهة التي استثمرت هذا الشعار بشكل أساسي هي أغلبية الأنظمة العربية التي كانت تقتل تحت هذا الشعار كل مقومات المقاومة ودفاعات الشعوب وتشل قدرتها في التعبير عن نفسها كذات فاعلة قادرة على أن تراكم أفعالها ضد المحتل. لم يقتصر تبني هذا الاتجاه على الأنظمة بل أن أغلبية القوى السياسية والوطنية في الوطن العربي كانت قد تبنته بشكل أو بآخر بحيث أدى إلى عدم تبني برامج تعنى بكيفية بناء المجتمعات والدول، وهذا ما يفسر حالة انعدام الوزن التي وقعت فيها القوى الوطنية التي طردت المحتلين في كل البلدان التي ناضلت ضد الاستعمار في منتصف القرن العشرين. وقد كانت التجربة مركزة جدا في الجزائر حينما اكتشف قادة ثورة المليون شهيد أنهم يجيدون قتال المحتلين وطردهم ولكنهم لا يعرفون كيف يبنى الوطن!. لكن هزيمة حزيران 1967 أمام اسرائيل أطلقت لأول مرة السؤال الكبير والجوهري حول العلاقة الوثيقة بين البنيان الداخلي للمجتمعات العربية وقدرة حكوماتها على مواجهة العدوان الخارجي وقد أطلق حينها المفكر ياسين الحافظ تقييمه لأسباب الهزيمة بإعلانه "إن المجتمع العربي بالذات هو المهزوم"* هذا المجتمع الذي "يغيب منه التسامح وتدان التعددية ويعتبر كل فريق نفسه مالك الحقيقة ويصبح السجن المكان الوحيد للخصم، ويوضع القانون على الرف أو يصبح غلافا لشهوة حاكم أو مصلحته"*.لقد حاول ياسين الحافظ وغيره آنذاك التأكيد على أهمية بناء مجتمعات حديثة ديمقراطية كممر ضروري لتجاوز الهزيمة. لكن وكما كان هذا الجيل قد دخل إلى ميدان السياسة من بوابة النضال ضد الاستعمار ظهر جيل السبعينات من القوى السياسية والمفكرين لتكون القضية الفلسطينية هي بوابته لخوض غمار العمل السياسي والفكري وتتصدر أولوية مهماته النضالية مع نقد عنيف للديمقراطية باسم الاشتراكية من قبل الحركات السياسية وقمع مشدد من قبل أنظمة الحكم "التقدمية" لكل نضال ديمقراطي باسم الدفاع عن "اشتراكية قيد التحقيق" ومقارعة العدو الصهيوني. إلى أن جاءت الانهيارات في البلدان الاشتراكية في أواخر الثمانينات لتشكل حافزا لنقد جذري لمجمل برامج القوى السياسية وليعود مطلب الديمقراطية ليتصدر هذه البرامج. ولكن تكمن الخطورة اليوم في العودة لذات النغمة القديمة، إذ أضحى النضال ضد الاستعمار الأمريكي هو البوابة الجديدة لدخول جيل كامل الى الميدان السياسي، وبالتالي تكون الديمقراطية ضحية مرة أخرى في هذا الصراع ولكن الأيدلوجية هذه المرة الاسلاموية وليس الاشتراكية!

وفي السنوات الأخيرة نشأ تيار جديد لدى بعض النخب السياسية عندنا لا يقل خطورة عن الأول حيث التغاضي عن الاحتلال وطرح أولوية بناء الديمقراطية والانسياق وراء ترويجات المحتل وادعاءاته "الديمقراطية" المطروحة للاستهلاك الإعلامي فقط. فحتى الإدارة الأمريكية لا تخفي أهدافها ومخططاتها الحقيقية في السيطرة على المنطقة وضمان مصالحها الاستراتيجية فيها. هذا الأمر الذي يؤدي إلى نشوء ردود فعل من قبل الانسان المتوسط عندنا ضد هذه النخب الديمقراطية تؤدي إلى رفضها ورفض ماتحمله من أفكار.

الاحتلال الأمريكي قطع الصيرورة الديمقراطية في المنطقة

ربما قد يفاجأ البعض من طرح فكرة أنه كانت هناك ثمة صيرورة ديموقراطية في المنطقة العربية في ظل كل مظاهر الركود والسلبية التي تغلف هذه المنطقة من العالم. ولكن إذا أردنا دراسة وضع الأنظمة العربية والحركات السياسية والأفكار التي طرحت في عقد التسعينات فسنجد أنه عقد يتميز كثيرا عما سبقه من العقود المتشابهة إلى حد ما. أول متغير هام بدأ منذ بداية العقد وهو فقدان الأنظمة الشمولية لمشروعيتها الثورية التاريخية التي كانت تطبل بها ليل نهار وذلك بجفاف المنابع الأيدلوجية التي طالما نظرت ودافعت عن هذا الشكل من الحكم وصار ظهرها مكشوفا أيديولوجيا. ولا يغير من الأمر شيئا بعض الدفاعات الأيديولوجية اليائسة من قبل البعض من هذه الأنظمة بعد الانهيارات الدراماتيكية في المنظومة الاشتراكية كأن يجد النظام الليبي أن هذه الانهيارات أثبتت صحة كتابه الأخضر أو أنها أثبتت صحة النظام الجبهوي "التعددي" في سورية كما صُرح أكثر من مرة في سورية. ولكن وفي نفس الوقت كان يُعلن عن عفو تلو العفو عن المعتقلين السياسيين لتخفيف أعدادها الضخمة التي لم تعد تتلاءم مع روح العصر ويتم تخفيف قبضة الأجهزة الأمنية شيئا فشيئا على الشعب. وفي هذا العقد بالذات تم تبني الديمقراطية لأول مرة من قبل بعض الأنظمة العربية وظهر أول تداول للسلطة في الوطن العربي في المغرب وكذلك حصلت تغيرات ديمقراطية في الأردن والبحرين واليمن وغيرها رغم كل ما يمكن أن يقال عن محدودية هذه التغيرات. أما أغلبية القوى السياسية المعارضة والتي تبرر أيدلوجيتها الأنظمة الشمولية في الوطن العربي فقد بدأت إما بالانحلال أو بتفكيك خطابها الشمولي والانفتاح وتبني الخطاب الديمقراطي والدفاع عن الديمقراطية كممر إجباري للتنمية الاقتصادية الاجتماعية المنشودة والتركيز على ضرورة الشفافية وحرية الرأي والصحافة للقضاء على كل أنواع الفساد الذي ينخر جسم البلاد. لكن البلد الذي ظل منيعا على رياح التغيير هذه هو النظام العراقي وذلك لسببين أولها العسكرة الشديدة للمجتمع، ولكن الأهم من ذلك هو الحصار الذي كان مفروضا عليه. هذا الحصار الذي أضاف لهذا النظام وسيلة تحكم اضافية بشؤون المواطنين العراقيين وهي برنامج النفط مقابل الغذاء حيث أصبح كل مواطن عراقي مربوطا بالنظام بشبكة أخرى غير شبكة الأنظمة الأمنية وهي شبكة توزيع الغذاء التي لا تقل طغيانا عن الأولى بالإضافة إلى العزل الكامل للشعب العراقي عن العالم بسبب المقاطعة والحصار. هذا الحصار الذي أبقى هذا النظام يبدو واقفا لا يتغير.إلا أن فقدان المشروعية الآنف الذكر جعل النخر يسري في جسده حتى وصل إلى أقرب المقربين للرأس بحيث انهار كما تنهار الشجرة التي فرغ النخر جوفها، ولم يبق منها إلا اللحاء الخارجي الذي تستطيع كسره جرافة عادية وليس آلة عسكرية رهيبة كآلة الولايات المتحدة. والمفارقة هي أنه عندما كانت شجرة قوية فعلا وتحتاج لكسرها قوة رهيبة كانت الولايات المتحدة تدعم هذا النظام وتساومه في حين كان هو يسحق كل القوى السياسية التي كانت ناشطة في العراق آنذاك. فهل كان هذا هو المطلوب تماما؟ أي أن يفرغ هذا النظام البلاد من أي قوة سياسية يمكن أن تكون جذرية في ديمقراطيتها ورفضها للتحكم الخارجي والاحتلال؟.هل كان المطلوب كل هذا التفتت القائم الآن بحيث لا يعود العراق للوجود مرة أخرى؟.

كما أنه لا يمكننا أن ننسى في سياق هذه الصيرورة التغيرات الهامة في بنية المجتمعات العربية، والتي تتجلى في ازدياد نسبة المتعلمين وتراجع نسبة الأمية وانتشار الأقنية الفضائية الخاصة منها والعامة التي أتاحت للمواطنين في المنطقة العربية سماع نغمات أخرى غير اللحن الممل الذي كانت تمليه أنظمتهم عليهم. وكذلك انتشار الانترنت، هذه الوسيلة الأكثر ديمقراطية في عصرنا الحالي، ورغم أن أعداد مستخدميها في الوطن العربي مازالت مخزية مقارنة مع الدول الأخرى إلا أن التواصل الذي يتم حاليا عبرها يبدو واعداً ويؤسس لفضاء أوسع. بالإضافة إلى أن عقد التسعينات كان قد شهد انتشارا كبيراً في العمل المدني وحقوق الإنسان والمرأة والطفل ...الخ.

في سورية مثلا في عام الألفين عاشت سورية، قبل 11 ايلول، مرحلة مختلفة عما سبقها، بعد سلسلة من التغيرات الداخلية التي حصلت ومن أهمها وفاة رئيس الجمهورية الأسد الأب وتولي الابن الرئاسة، وأوجدت واقعاً جديداً لم يعد معه النظام السائد قادراً على أن يستمرّ في الحكم عبر الآليات ذاتها وخاصة في ظل ثورة الإعلام والاتصالات، كان لا بدّ من ظهور بعض مناخات الانفتاح والانفراج في البلد. تميّزت تلك الفترة بالإقبال على العمل بالشأن العام من الموقع المعارض للاستبداد، وتشكّلت عشرات المنتديات للحوار الديمقراطي والتواصل بين الناس بعد طول إحباط وانكماش، كما شهدت سورية بدء ولادة هيئات المجتمع المدني المستقلة، التي ترافقت مع حراك مدني ديمقراطي علني عُرف باسم ربيع دمشق. وقد كانت المراهنة على أن النظام السوري لن يتجرأ على العودة الى القمع السابق. ولكن الذي حصل هو أن النظام لم يحتمل هذا الحراك الديمقراطي وبدأ بالقمع والاعتقالات وكنا نحضر نفسنا لشن حملة داخلية وعربية وعالمية ضد هذه الاعتقالات. لكن ولسوء حظ الديمقراطية في سورية وقع في نفس الوقت 11 ايلول ولم تعد أي وسيلة اعلام معنية بديمقراطيينا الذين أضحوا في السجن. ومن ثم تتالت الأحداث والحروب والمشاريع المطروحة للمنطقة بحيث لم يعد هناك مكانا لنا نحن المقاومون الحقيقيون للاستبداد ولكل مشاريع الهيمنة الامبريالية. أما الجيل الشاب في سورية، الذي كان قد بدأ يرتاد المنتديات الحوارية ويطرح الأسئلة الديمقراطية وكيفية بناء المجتمعات الحديثة، فقد تحول تحت وطأة الحروب والانتهاكات الصارخة التي حصلت ضد شعوب المنطقة، إلى الاهتمام بموضوع مقاومة الاحتلال، وهذا تحول مشروع جدا الا انه كان على حساب الصيرورة الديمقراطية في البلاد.

كل هذا وماسبق ذكره يؤكد أنه كانت هناك ثمة صيرورة رغم بطئها وثمة تيارات ديمقراطية عريضة ناشئة جاءت المشاريع الامبريالية المرسومة للمنطقة ومحاولات فرض السيطرة بالقوة المطلقة لتشوش نضالها وتعطل تطورها.

الديمقراطية مطلبنا الأصيل

كل هذا يبين مدى المخاطر الجدية للاحتلال والحرب على الديمقراطية ومفهومها سواء بشكل الاحتلال المباشر كما في العراق وفلسطين. أو غير المباشر عبر الإملاءات والتحكم الاقتصادي والأمني لتحقيق المصالح الامبريالية التي يمكن أن تؤدي إلى ما يشبه الاحتلال على كل دول المنطقة. هذه المخاطر الجدية على مفهوم الديمقراطية وصيرورتها الطبيعية التي تفترض بحكم طبيعتها أن القوى القادرة على انتزاعها هي من تستطيع بنائها وممارستها كما تفترض عودة التلازم الوثيق بين النضالين التحرري والديمقراطي كمهمة مركزية لكل حركة سياسية وفكرية.كما أن هناك ضرورة للنضال والتوعية والتأكيد على أصالة حاجة مجتمعاتنا للحرية والديمقراطية والتطور الاقتصادي في مواجهة ردود الفعل المحافظة والفطرية الرافضة للاحتلال ولكل ما يمت إليه بصلة وميلها نتيجة ذلك إلى شطب الديمقراطية.

الديمقراطية ضحية في بلد المحتل أيضاً

منذ أوائل القرن الماضي، القرن العشرين،طرحت القضية التالية: هل يمكن للأمة المستعمرة أن تكون ديمقراطية في بلادها؟؟ قد طرح هذه القضية بحدة المفكرين الفرنسيين وربطوا بين ضرورة الانسحاب من المستعمرات وبين القدرة على بناء الديمقراطية في فرنسا.

هذه القضية نراها بوضوح في دولة اسرائيل، فالازدواجية التي عاشتها اسرائيل حتى الآن تكمن في المعادلة الصعبة والقائمة على أن قيم الديمقراطية والحريات والتعددية وحقوق الإنسان محصورة داخل جدران دولة إسرائيل، أما خارجها فإن قيم القسر والقتل والإرهاب وخرق كل القيم التي توصلت لها البشرية هي التي تسود. وهنا اشتغل قانون عدم إمكانية بناء الديمقراطية والحرية داخل الأسوار وممارسة الاستبداد خارجها. فمنذ زمن ليس بالقصير بدأت تحولات نوعية في طبيعة المجتمع الإسرائيلي. وبدأت الأصوات تعلو من داخل هذا المجتمع نفسه لتؤكد بأنه لم يعد الجزيرة الغربية في المنطقة العربية التي ستساهم في "نقل القيم الغربية إليها" كما كان يقال، بل على العكس انتقلت سمات العالم الثالث إليه. ولم يعد الكثير من الإسرائيليين حتى الذين ولدوا في إسرائيل يؤمنون بنجاح المشروع الصهيوني ولم يعودوا يؤمنون بأن عقلية الاغتيال والقتل والأيدي الملوثة بالدم تستطيع الاستمرار بإدارة مجتمع ديمقراطي وإنساني.

ان الولايات المتحدة لم تعد هي نفسها. فالديمقراطية والحقوق والحريات الشخصية تتراجع تحت ضغط الهاجس الأمني واللجوء المفرط للقوة يتعاظم، والرفاه يتقهقر والخطاب السياسي يتخلف بحيث أضحينا لا نفرق كثيرا في أحيان كثيرة بين خطاب تنظيم القاعدة وخطاب اليمين الديني المتطرف بزعامة بوش الابن.

وعلى كل تستطيع القوى الاجتماعية المعارضة لحكوماتها التي شاركت في الحرب أو الاحتلال أن يحدثونا أكثر عن هذه الإساءة للديمقراطية في بلادهم.

روما- مداخلة في الرابط المتوسطي medlink)) 24-26 تشرين الثاني 2006

الحوار المتمدن

2006 - 11 - 30

المأتم الفضائي العربي

المأتم الفضائي العربي

سمر يزبك

صورة سوداء ،

ليست الدموع التي تواجه الكاميرا بثبات وتترك قطرات بخار على حوافها جزءاً من عملية مكياج محضّرة مسبقاً. ولا ثوب الحداد الأسود الذي ترتديه النساء داخل اللقطات هو اكسسوار مبرمج في موقع تصوير، ولا الخطوط والتجاعيد المحيطة بعيون الزوجات والأمهات، جزء من نص السيناريو، والميت لن يقوم من تابوته بعد لحظات عندما تغادر الكاميرا الموقع. فالكاميرا لا تنتمي الى نمط العدسة المبثوثة خفية تحت الجسور، او فوق الأبنية الحكومية، وليست كاميرا ترصد برنامجاً خاصاً بتلفزيون الواقع، او كاميرا خفية. انها كاميرا واضحة، ينظر اليها اصحاب العزاء مثل معزية قريبة، يبثونها اوجاعهم، وتنظر اليهم مثل عين تكتشفهم للمرة الاخرى.

لقد حولت الكاميرا اللبنانية المشهد الفضائي العربي الى مأتم مفتوح على سلسلة درامية غير مسبوقة الصنع، بثتها فضائيات محلية وانتشرت في فضائيات عربية لتشمل مشهداً اكثر شمولية في القتامة، لتتحول الكاميرا الملونة للفضاء اللبناني، صاحب السبق الإعلامي الاكثر حرفية، الى فضاء اسود ملون بالدم. ليس الدم المصنوع عادة في الافلام من الصباغ الأحمر، انه دم طازج يخرج من الجسد الى عين المشاهد من دون مواربة.

ومنذ بدء الاغتيالات في لبنان منذ ما يزيد على السنة والنصف، مروراً بحرب تموز، وحتى الاغتيال الاخير للوزير الجميل، لم تكف هذه الكاميرا عن استدعاء الفضول المؤسف لاعادة بث وجوه الضحايا، وحزن عائلاتهم، وتفاصيلهم الحميمة، وكأن هذه الكاميرا تتابع مسلسلاً، ينتظر المشاهدون المزيد من احداثه الدرامية. وكل قناة تلفزيونية تختلف في طريقة عرضها لهذه الاحداث، كل منها بطريقة تراجيدية مختلفة تخدم هدفها السياسي، رغم ان الموت واحد. فكاميرا قناة «العربية» تختلف عن كاميرا قناة «الجزيرة» التي أحاطت بالحادثة من وجهة نظر مهنية اكثر منها عاطفية وسياسية، كما حدث في قنوات تلفزيونية مثل «المستقبل» و «ال بي سي» وعلى رغم اختلاف زاوية هذه الكاميرا، وطريقة التقاط الحدث والتعبير عنه، وتحويله الى مشهد مقتطع من فيلم أكشن، إلا ان الكاميرات لم تفلح في الابتعاد عن اهم صورة للموت – مرادف النسيان – وهو تحويله الى تقرير يومي مرافق للكاميرا في نشرة اخبارية سياسية. تقرير يختفي بحلول موت جديد، لأن الضحايا يظهرون بعد غياب الكاميرا، كشخصيات هائمة عالقة في دمائها، تخرج من الكاميرا بين وقت وآخر، تذكر المشاهدين، ان ما تابعوه ولزمن طويل، ليس سلسلة من الافلام الوثائقية او الدرامية، بل كان جزءاً من يومياتهم المنتهكة، واللعب بمصيرهم وحياتهم، عبر بقعة لا تتجاوز حجم العدسة. كانت كافية لزرع كاميرا دائمة الترقب في ذاكرة المشاهد اللبناني، لكنها تجعلنا نحن المشاهدين خارج مكان الموت، نشعر اننا الموتى ننتظر في عين العدسة

الحياة

29-11-06

هل نهرول وراء التمويل الأجنبي ؟ أم نجلس ونتفرج؟

هل نهرول وراء التمويل الأجنبي ؟ أم نجلس ونتفرج؟

مايا جاموس

خاص – صفحات سورية –

طالما تمنيت أن أكتب عن موضوع المنظمات – المؤسسات الأجنبية وتمويلها لمشاريع في الشرق الأوسط ، تحديداً في سوريا. لكن كان ولايزال من الصعب معرفة معلومات دقيقة للدراسة. بمعنى من هي تلك المؤسسات وما برامجها (أجنداتها) هل لها علاقة بالأجندات السياسية لحكومات بلدانها؟ ماذا عن علاقتها بحكومات البلدان التي تنشط فيها، من هم الأفراد أو المؤسسات التي تعمل بالتنسيق والتعاون معهم، ما هي المشاريع التي تهتم بتمويلها وما هي شروطها إن وجدت؟ والأهم من ذلك كله بالنسبة لي على الأقل معرفة مواقفها من قضايانا الوطنية سواء من منظور القناعات السياسية الفكرية أو القناعات المبنية على أسس إنسانية وأخلاقية وقيمية عامة.

شجعني على الكتابة تلك الحوارات التي دارت بين المسرحيين العرب خلال ندوات مهرجان دمشق المسرحي الدورة 13 . إذ كان التمويل الأجنبي للفرق والأعمال المسرحية إشكالية لم يتفق عليها. فسمعت آراء تقع بين قمتي التناقض بين قبول التمويل الأجنبي وعدم قبوله وما بينهما من درجات.

فمن عدم القبول إطلاقاً لأن ذلك يعني تحولنا إلى شحاذين ويعني إذلالاً أياً كان المصدر ولابد أن يخضع العمل الفني الممول ل" الاستعارة" على مستوى الموضوع والتقنية إن لم نقل مسايرة الجهة الداعمة وأخذ أولوياتها بعين الاعتبار لضمان استمرار الدعم على الأقل. وهذا يعني تدخل وفرض شروط بشكل أو بآخر تغير من بنية العمل الفني وهدفه.

يأتي بعد هذا الرأي آراء تقبل بالتمويل الأجنبي وفقاً لمعاييرها الخاصة تأتي في مقدمتها عدم اشتراط الجهة الممولة على التدخل بجوهر العمل . وآراء ترى أن لا مشكلة بشروط الممول إن كان ثمة تقاطعات في الرأي والهدف.

وصولاً إلى الموقف الثالث الذي يقول إن لم يكن من جهة حكومية أو وطنية تقدم الدعم ، فلن يوقف مشروعي شيء، لا شروط الممول ولا الاتهام بالتسول أو العمالة.

أعتقد أن المواقف السابقة من تمويل الأعمال المسرحية تنطبق على كافة الأصعدة السياسية والثقافية والاجتماعية .... مع فارق أن حساسية السلطات السياسية تجاه الفنون أضعف من السياسة والتمثيلات المدنية كالمنظمات الأهلية مثلاً . إلى جانب أن إمكانية المحاصرة القانونية هنا أكبر فما أسهل سوق التهم المروعة كالعمالة والخيانة والتعامل مع الأجنبي، ومقاضاة من يقبل التمويل على أساس تلك التهم، على اعتبار أنه ما من قوانين تنظم مسألة الدعم الأجنبي أوالعلاقة مع المنظمات الأجنبية، وهذا دون شك يجعل الأمر أشد تعقيداً وأكثر خضوعاً للحسابات.

أورد مثالين عن مؤسسات تعمل في سوريا الأولى منظمة يختصر اسمها ب ICMC وهي منظمة مسيحية مجال عملها هو الأماكن المنكوبة سواء بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية، فقد عملت في تسونامي ودارفور والآن تنشط في عدد من البلدان العربية من بينها سوريا لصالح اللاجئين العراقيين، تحديداً في مجال تلبية حاجاتهم الأساسية للحياة ( غذاء، دواء، معالجة، مسكن، تعليم ، وإيجاد فرص عمل لهم..).

أما المنظمة الثانية فهي أيضاً مسيحية اسمها باكس كريستي ، عملت في البلدان العربية الأكثر اشتعالاً فلسطين والعراق.

وأذكر هنا بعضاً من نشاطاتها: فقد وقعت على توصيات مؤتمر مينز ( ألمانيا)، التي أكدت على دعمها لحصول أبناء الشعب الفلسطيني على حقوقهم في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس، كذلك دعمها حقهم بتقرير مصيرهم وعودة لاجئيهم والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 ، وهذه المعلومات مصدرها مركز المعلومات الوطني الفلسطيني.

كذلك تدعم المنظمة مشاريع ثقافية عن القضية الفلسطينية، مثل تمويل فيلم يظهر الصعوبات والمشاكل التي تواجهها النساء الفلسطينيات خاصة اللواتي يعشن قرب جدار الفصل العنصري والحواجز العسكرية والترابية ، كان الهدف هو عرض الفيلم أمام الجماهير الأجنبية في الخارج.

أيضاً مولت باكس كريستي نشر كتاب يتحدث عن التمييز العنصري الذي تقوم به إسرائيل ضد المسيحيين والمسلمين العرب في فلسطين.

أما تجاه العراق فقد نظمت تظاهرات وشاركت بتظاهرات في أمريكا وبريطانيا احتجاجاً على الحرب ضد العراق من منطلق أن الحرب غير أخلاقية وغير قانونية وأن أي عمل عسكري سيوقع الكثير من الضحايا الأبرياء.

ربما حتى هذه اللحظة بل بعد العرض السابق ، تبدو رهاباتنا تجاه الخارج ومنظماته طبيعية ومبررة في مثل شروطنا . لكن ألا يبدو التمييز بين المنظمات ملحاً في هذه الظروف بالذات حيث عجلة التغيير لن تنتظر أحداً. أليس من فرق بين منظمات حكومية تستهدف التغيير في مجتمعاتنا وفق مصالح حكوماتها دون الأخذ بعين الاعتبار مصالحنا أو مراعاتها. ومنظمات أخرى لا حكومية تتعامل معنا على أساس البعد الإنساني الأخلاقي الحقوقي وتدافع عن قضايانا العربية أكثر من حكوماتنا ذاتها؟ حيث أخذت هذه المنظمات تتوحد وتنسق جهودها على مستوى العالم ( كمناهضي العولمة والخضر)، فجميعنا يعرف أن حوالي 60 % من الشعب الأوروبي يرى أن إسرائيل تشكل أخطر دولة في العالم . من أين تكون هذا الرأي ، لا شك ان منظماته اللاحكومية قد ساهمت في ذلك وكيف لا وهي وليدة هذا الشعب.

أعتقد أن قمة الإيجابية أن تدافع تلك المنظمات عن قيم وقضايا عادلة مثل قضايانا: فلسطين والعراق ولبنان... دون أجندات وطنية خاصة بها ودون التقاطع مع أجندات الكيان الصهيوني.

وبفرض أنه ليس لديها اهتمام سياسي ، بل إنساني وأخلاقي صرف( قضايا اضطهاد المرأة، الفقر ، المجاعات،...)، فما الذي يمنع أن نتعاطى معها على الأرضيات نفسها؟

كيف يمكن أن نتعامل معها حين يتعلق الموضوع بشؤون داخلية عامة ، وما هي المعايير التي تحدد علاقتنا بها ؟ كل هذا مطروح للحوار..

نداء من أجل إطلاق سراح الشباب المعتقل في السجون السورية

نداء من أجل إطلاق سراح الشباب المعتقل في السجون السورية

فلورنس غزلان

خاص – صفحات سورية -

أن تكون مواطناً سورياً وتعيش هول المرحلة وتحس بالهم اليومي لمعاناتك ومجتمعك، غدا الأمر سبة ولعنة سلطوية تقع على رأسك وتكون نتيجتها وبالاً عليك وعلى أسرتك ومعارفك وأصدقاءك، وخاصة لو كنت تملك قليلاً من الجرأة وشيئاً من الحس الوطني، وتؤمن بقدرك على مواصلة الكفاح من أجل وطن يتسع للجميع على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الفكرية والمذهبية، أو الإثنية، فهذا يعني تجاوزك لحدود رُسمت لك منذ ولادتك وقدمت كتعليمات وقوانين تعتبر مقدسة ومن واجبات المواطن الأب والأم إرضاعك نهجها وتلقينك أصولها ليتسنى لك الحياة بسلام الحيوان في أقفاص الحدائق المعدة للمواطنة الصالحة !!، وإلا فمصيرك المحتوم هو جهنم أقبية الأمن وملاحقات كلابهم في كل زاوية ومحفل ، في الجامعة كما في المكتب، في الحي كما النادي، في البيت مع أهلك وفي المقهى مع أصدقائك، وتحاط بك شبكة عنكبوتية من التجسس والمراقبة، ويخصص لك وحدك وحدة من وحدات ( الساهرين على أمن البلاد) خوفا من أمثالك من المارقين والمرتكبين المعاصي بحق ...سلطة البلاد ، التي تحكمك بالحديد والنار وسلاسل العبودية..

الأمر يظل عرضة للمناورة هنا وهناك وإمكانية النفاذ بهذا القدر أو ذاك لمن كان كهلا ومخضرما مثلنا، وعاش حياته يقارع الاستبداد وأنظمته الشمولية، لكنه ليس على هذه الصورة عندما يتعلق بشبابنا..طلابنا ممن رباهم نظام الحزب القائد للدولة والمجتمع على الصياح والترديد والتهليل والتطبيل للقيادة الحكيمة ولحزبها ابن الشعب الكادح!! كديكة المزابل ، منذ ساعات السنوات الأولى لمراحل الدراسة حتى آخر عام من تحصيلك الجامعي

فهذا يعني فشل تربيتهم العقائدية وأسلوبها " الكوري الشمالي ــ السوري " فشلا لم يكن في الحسبان، وأن هناك من يشذ على القاعدة، ويستطيع ذووه أن ينقذوه من براثن التحصين البعثي والحصار السلطوي، وهنا تصبح مأساته أكبر ، وتمسك به أيدي الطاغوت لتحيل مصيره إلى جحيم ومستقبله إلى كحل وعتمة، وتلفق له كل تهم الإدانة والجحود والنكران للمكتسبات الثورية التصحيحية، التي لم ترها ولم تلمسها عيونهم الشابة الباحثة عن الحقيقة، والتي تنبش بعمق وتَبَصُر وترى مقدار الألم والحسرة في نفوس أهلهم وأصحابهم، وتكتشف الفساد في كل دائرة تمر أوراقهم بها، ومع كل درس يتلقونه ويكتشفون زيف المظهر والمضمون التعليمي وخراب حركة العلم ومساره على أيدي صناع الثورة ومتنوريها!!

فيحس بعضهم، ممن لا زال يملك الحس العام ويؤثر المنفعة العامة على الفردية والأنانية ويتجاوز الوصولية والطفيلية ، التي رباهم النظام التعليمي البعثي ليضمن ولاءهم، لكنهم تمردوا على الولاء ، واختاروا الوطن...وفكروا وتباحثوا فيما بينهم ، كيف يمكن لهم أن يحاربوا الفساد، وكيف يمكنهم أن يرفضوا الطاعة العمياء، وكيف يمكن لهم أن يكونوا أحرارا كما هي حال أمثالهم في بقية شعوب وممالك الأرض قاطبة، خاصة بعد أن دخل النت ودائرته الواسعة أبواب بيوتهم وأماكن وطرق تعلمهم، وفتحت أعينهم على عالم مختلف وأكوان لا تعرف شعارات البعث، تقول ولا تفعل وتمارس عكس كل الشعارات المطروحة والمفرغة من كل محتوى..هذا بالضبط ما جرى لبعض شبابنا النقي ....

هذا بالضبط ما حصل لكل من :ــــ

عمر العبدالله ــــ علام فخور ــــ أيهم صقر ـــ ماهر إسبر ـــ حسام ملحم ـــ علي نذير علي ـــ دياب سرية ـــ طارق ماجد غوراني..

وقد تم اعتقالهم منذ بداية العام الحالي، فقد تم اعتقال كلا من " نذير العلي وحسام ملحم منذ منتصف كانون الثاني لعام 2006".

وطارق الغوراني منذ أواسط شباط لعام 2006 ، وأيهم صقر وعلام فخوري وماهر إسبر وعمر العبدالله ودياب سرية منذ 18-3-2006 ، علماً أنهم قبل الاعتقال تعرضوا لحرب نفسية متواصلة واستدعاءات أمنية متكررة دامت أكثر من 25 يوما!!.

هؤلاء الثمانية، ألقت بهم أيدي الطاغوت في غياهب السجن وحرمتهم من مقاعد الدرس والتحصيل العلمي، ومنعت عنهم زيارة الأهل والاتصال بذويهم، وكل ذنبهم ، الذي اقترفوه، أنهم سمحوا لأنفسهم باستخدام العقل، أنهم فكروا بالوطن وطريقة مغايرة لما تريده السلطة، أنهم تداولوا النقاش والبحث بكيفية الإصلاح، وطرق النهوض بالبلاد، لكنهم لم يتآمروا ولم يقيموا تنظيما، أو يتصلوا بغريب ...تريد سلطات الأمن محاسبتهم على ...النــــوايـــــــــــا!

فالمواطن السوري، يجب أن يوطن النفس على أن يسمح للمخبرين والعسس بدخول جلده، والنفاذ إلى عقله وتفكيره، ومحاسبته على ما ينوي فعله ..والشك بكل نواياه، واعتبارها نوايا سوداء تريد الهلاك للوطن!!!

كل ما اقترفته أيديهم الغضة وقلوبهم النقية المفعمة بالطيبة والمليئة بالأمل في غد أكثر إشراقا، وأوسع صدرا للنقد والحوار والنقاش وغسل العفن والأدران ، والقضاء على الفساد وخراب البلاد ، فهل أجرموا حين تداولوا شؤون البلد؟، هل كفروا حين تساءلوا لماذا نعيش كل هذا العسف؟، هل ضلوا طريقهم ، حين سولت لهم نفوسهم الشابة، بأن الغد لا يمكن أن يكون ظلاما بظلام، ولا يمكن أن يكون ظلما واضطهادا مستمرا، ولا يمكن أن يكون إلا بالمساواة بين كل الفئات وشرائح المجتمع على اختلافها؟!...هل تعني لقاءاتهم الصغيرة وتدوالهم بين بعضهم تآمرا على الوطن؟ ..هل شكلوا حزبا؟ هل نظموا مظاهرة؟ هل نظموا تجمعا أو عقدوا مؤتمرا يسيء للوطن وحتى للسلطة؟

هل شكلوا جمعية مناهضة للدولة ومعادية لخططها الخمسية والعشرية، هل خالفوا قانون الأحزاب والتنظيمات والجمعيات الحر والنزيه ؟ هل دخلوا بأحلاف وتنظيمات معادية للوطن؟ هل التقوا بأعداء الوطن؟

كل جرمهم يقف عند حدود المداولة فيما بينهم والنقاش ومحاولة الفهم لما يعيشونه وما يجري حولهم كمواطنين ليسوا بعثيين!!

لكنهم كطلبة في الجامعات ــ وحسب عرف السلطة والنظام ــ محرم عليهم كل التحريم ومتهمون حتى نقي العظام، أن يخرجوا عن طاعة الحزب القائد، وأن يبحثوا أو يفتحوا على موقع يكتب لغير صالح نظام البلاد القائم..محرم عليهم أن يتابعوا أخبار الكون، وأن يهتموا بمجريات الحدث..محرم عليهم أن يفكروا ويتمنوا ويأملوا...إنهم مسجلون ومطوبون في خانات وأضابير الأمن ..مواطنون موالون ..مواطنون يُصلون ويحمدون رب السلطة وحُماة النظام وعليهم أن يبجلوا ويرددوا ويصفقوا ، وإلا فكل التهم جاهزة ومعدة لإدانتهم وللزج بهم في غياهب السجون، ليكونوا عبرة لكل طالب علم تسول له نفسه أن يفكر، أو ينوي التفكير بغير مخطط السلطة وبغير تعليمات رجال الأمن..

هاهم يحاكمون اليوم وتوجه لهم تهما باطلة زائفة في محاكم استثنائية ومن خلال قوانين جائرة ، باتت معروفة ومحفوظة عن ظهر قلب من أصغر مواطن سوري ، لأنها عبارة عن ( كليشيهات )..يختم بها القاضي ويبصم عليها دون أي رادع من ضمير ، ودون أن يعمل العقل والمنطق، ويرى في هذا الشاب الماثل أمامه ابنا له يُحرَم من تحصيله العلمي، ومن إتمام دراسته وهو متيقن من أنه لم يحمل سكينا لتقطيع البصل، ولم يشهر سلاحا بوجه جار أو زميل، ولم ينتهك عرضا، ولم يسرق مالا لأحد، ولم ينهب المال العام...كل مافعله..فكر وسأل وتساءل مع زملاء مثله، إلى ماذا ستؤول حاله ومستقبله وكيف يمكن لهم أن يعيشوا في وطن يتمتعوا فيه بحقوقهم ومساواتهم، بكل تآخ ومحبة وأمام قانون عادل يتساوى فيه المواطن السوري مع أخيه دون تمييز لعرق أو جنس أو انتماء سياسي...

فهل كــــفـــروا؟

كليشيهات...وأختام...مكتوبة وجاهزة للتلفيق وإلصاق التهم، متوفرة وتزود بها مكاتب التحقيق العسكري والأمني المدني، ولدى كل قاض يتخذ منها إدانة وحججا ، يعلم مسبقا ، أنها باطلة، ومع هذا ينفذها..ويعود لمنزله وبين أولاد بنفس عمر هؤلاء الشباب ويتناول طعامه معهم...لكنه ينام قرير العين ، وملء جفونه !!!دون أن يأتي على ذكر ما فعله نهارا، وما أجرم فيه بحق أبناء وطنه ..فهل نناشد من بقي فيه ضمير منهم؟!!!

ثم يعود في اليوم التالي لينطق بأحكام التهم ، التي لقنت إليه ووضعت بين يديه...لينال منهم ويكون له وسام السلطة في الزج بهم وقتل حقهم في الحياة، وحرمانهم من الحرية ومتابعة الدرس وبناء المستقبل...ولا يتوانى عن ترديد وإشهار التهم أمام أوليائهم المنتظرين فرجا وأملا على يد القضاء ( العادل)!!

يتهم هؤلاء الشباب الصغار ب:ـــ

1 ــ تعريض سورية لأعمال عدائية وفق المادة 278 من قانون العقوبات السوري.

2 ــ نشر أخبار كاذبة من شأنها النيل من هيبة الدولة وفق المادة 287 من قانون العقوبات السوري.

لكني من موقعي كمواطنة ترفض الانصياع للذل والظلم وترفع صوت الحق بوجه الباطل، لا أوجه اللوم للقضاء وحده، ولا للنظام وحده، ولكن لتقصير المعارضة أيضا، والتي لم تقم بجهد واضح وصريح من أجل هؤلاء الشباب الضحية، والذين سعوا حسب إمكانياتهم وقدراتهم لشق طريق الحق، ففي الوقت الذي يجب فيه على المعارضة أن تفتح صدرها وتحتويهم وتنفتح عليهم وتتبناهم وتتبنى قضاياهم ، نجدها بعيدة ومستسلمة لأقدارها واهنة وضعيفة ...خالية من الشباب وبعيدة عن معاناتهم...أما آن الأوان لننتفض وننفض عنا هذا الكابوس المقيت، كابوس الذل والخوف والصمت ، وحماية الرأس على طريقة أغنية وديع الصافي ( حايد عن ظهري بسيطة)!!

أرفع صوتي وأصرخ بالنيام والمرعوبين من أبناء الوطن نساء ورجالا..شيبا وشبابا، أن يطالبوا بإطلاق سراح هؤلاء الشباب وعودتهم إلى مقاعد العلم والدرس، وإلى إطلاق سراح كل سجناء الرأي ووقف محاكمتهم وإخلاء سبيلهم فورا ليعودوا مواطنين فاعلين أوفياء لوطنهم، وبنفس الوقت أطالب العالم وذوي الضمير وكل منظمات المجتمع المدني عربية وعالمية ، وكافة المنظمات الحقوقية والتي تعني بحقوق الإنسان، أن تقف إلى جانب حق هؤلاء الشباب في إطلاق سراحهم وعودتهم إلى ذويهم ودراستهم، وحق كل سجناء الرأي في سورية أيضا، أن ينعموا بحياة حرة وبحرية تضمنها الشرائع والقوانين الدولية وكما يضمنها الدستور السوري، الموضوع على الرف، ويحكم المواطن اليوم بتهم ملفقة وبعيدة كل البعد عن قوانين الحق والعدل...أرجو من كل ذي ضمير أن يكتب لسلطة النظام السوري مستنكرا ومنددا بالحملة النكراء على هؤلاء الشباب ، وأن يرفع صوته التضامني لإطلاق سراحهم ..

باريس 29-11 - 2006