هل صار لحّود الهدف السوري؟

2005-03-31

هل صار لحّود الهدف السوري؟

جبران تويني

النهار

هل يُعقل ان يستخفّ الرئيس بشار الأسد الى هذا الحد بعقول اللبنانيين وبعقول المجتمع الدولي عندما يدّعي في مقابلة مع صحيفة "ال موندو" الاسبانية ان سوريا لم تكن مسؤولة عن الأمن في لبنان؟...

إلا إذا كان الرئيس الأسد بعيداً فعلاً عن كل تصرفات عناصر الجيش السوري واجهزة مخابراته طوال وجودهم في لبنان ولم يقرأ ولم يسمع ولم يستمع!...

­فهل من الضروري ان نذكّره مثلاً بكل جولات القتال كي لا نقول القتل التي شارك فيها الجيش السوري خلال اكثر من ربع قرن؟ هل نذكّره بجولات القصف وباجتياحات القرى أو حصار المدن؟ هل نذكّره بما حصل في صيدا وفي بيروت وفي طرابلس وفي زحلة وفي عكار وفي الجبل؟...

هل نذكّره بالدور "الإيجابي والبنّاء" لكل مراكز مخابراته بدءاً بالبوريفاج مروراً بالشمال والجبل وصولاً الى عنجر؟ هل نذكّره بعدد اللبنانيين الأبرياء الذين اعتقلوا في الليل والنهار وسجنوا في الأقبية وخضعوا لأبشع أنواع التعذيب؟

هل نذكّره بالمعتقلين اللبنانيين في السجون السورية؟

هل نذكّره بأوامر المهمة التي كانت توزع على من يتعامل مع المخابرات، إضافة الى رُخص حمل السلاح ورخص تسهيل المرور، والتجسس وتقارير الدس وأوامر القاء القبض على المواطنين اللبنانيين؟

... وهل نذكّره بعدد المنازل والقصور والأراضي التي صودرت لـ"ضرورات أمنية"؟

هل ننسى الذلّ والاذلال اللذين تعرّض لهما الشعب اللبناني طوال 29 سنة؟

لا، لن ننسى ولكننا لن نحقد أيضاً لان الحقد غير موجود في قاموس المؤمنين، في قاموس اللبنانيين!

واسمحوا لنا هنا أيضاً ان نعلّق بقلب مفتوح على خطوة وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، الذي طلب بكل براءة طبعاً - من كوفي أنان ان يشطب من تقرير لجنة تقصّي الحقائق الدولية الفصل الذي يتناول تهديد الرئيس الاسد للرئيس الشهيد رفيق الحريري...

ألا يرى الوزير السوري ان للوقاحة حدوداً؟!

قد يكون في نظره من السهل ان يكذّب قول شهيدٍ، ولكن هل نسي الوزير الشرع ان الشهيد كان قد نقل تفاصيل هذا "اللقاء التاريخي" ودقائقه الى أكثر من جهة بالإضافة الى أفراد عائلته؟ ربما لأنه اعتبر ان حياته اصبحت فعلاً في خطر وانه من الضروري ألاّ تبقى تفاصيل كل "اللقاءات التاريخية" مرميّة في "جوارير" سرية كي لا يُكتب تاريخ لبنان على ذوق مزوّري التاريخ!

لذا نتمنى على الوزير الشرع ان يسحب طلبه احتراماً لدم الشهيد وكرامته، واحتراماً لكرامة عائلته والعائلة اللبنانية عموماً!

أما بعد، فلا لزوم للتذكير بأننا نصرّ على فتح صفحة جديدة مع سوريا بعيدة عن التشنج والحقد و... تصفية الحسابات الصغيرة والكبيرة!...

ولا لزوم ايضاً لتذكير سوريا بأن خطيئتها المميتة كانت في زرعها الحقد في قلوب اللبنانيين طوال وجودها في لبنان، بينما كان المطلوب لبنانياًً وسورياً زرع الثقة والطمأنينة والمحبة بين الشعبين والبلدين.

واسمحوا لنا ان نقول ان كلامنا ليس تجنياً على احد بل مجرّد وصف لواقع أليم، وما علينا الا ان نتوقف عند ظاهرة "تأمين انسحاب" اللافتات المؤيدة للنظام السوري وتماثيل المسؤولين السوريين قبل انسحاب العسكر والمخابرات لنفهم هذا الواقع الأليم!

صدّقونا، لم نكن نتمنى ان يحصل ما حصل، إذ كنا نود ان يؤدي وجود الجيش السوري لأكثر من ربع قرن في لبنان، الى أن يحمي الشعب اللبناني بمحبته صور المسؤولين السوريين وتماثيلهم عربون شكر لهم... لكن العكس هو الصحيح، لأن النظام السوري بكل بساطة اخطأ في التعامل مع لبنان وشعبه!

من هنا ضرورة الإسراع في فتح صفحة جديدة مع سوريا، لأن العلاقة بين البلدين والشعبين لا يجوز إلا ان تكون علاقة وثيقة، لا بل أفضل العلاقات!

***

وفي موضوع تأليف الحكومة الجديدة، نتمنى على الرئيس المستقيل المكلّف المعتذر مبدئياً ألاّ يكون تأجيل اعتذاره مناورة من مناوراته بغية عرقلة تأليف حكومة جديدة قد تخرجنا من المأزق الذي اوصلتنا اليه الحكومة المستقيلة ورئيسها نفسه!

قال الرئيس كرامي انه يريد استئذان لقاء عين التينة قبل ان يبلّغ رسمياً الرئيس لحود اعتذاره... علماً انه يوم استقال لم يستأذن احداً على غير عادته ، ربما لأنه أدرك ان الشعب وحده يجب ان يكون المرجع الأول والأخير.

فماذا تغيّر اليوم يا ترى؟ هل المطلوب من الرئيس المكلف ومن لقاء عين التينة شلّ عملية تأليف حكومة جديدة، حكومة وافقت المعارضة على تأليفها من اجل اجراء انتخابات حرة في موعدها؟

وبأي دور يضطلع اليوم الرئيس بري يا تُرى؟ وهل يحق له ان يلغي الدور الحيادي والجامع لرئاسة المجلس؟

هل يحق له ان يصبح طرفاً في الصراع السياسي يساهم إلى جانب اللقاء الذي يرأسه في شلّ الحلول وعرقلتها على حساب الاستقرار الوطني؟

وهل المطلوب اليوم من الرئيس كرامي ولقاء عين التينة ان يناورا ويراوغا ويتكتكا بغية الإنتقال من أزمة حكومة الى أزمة حكم؟!

بمعنى آخر، هل غيّرت سوريا سياستها اليوم فصار المطلوب مقايضة رأس رئيس الجمهورية بتحريك الأمور وحلحلتها؟

هل صار هدف سوريا ولقاء عين التينة والرئيس عمر كرامي إسقاط الرئيس اميل لحود من اجل تأجيل الإنتخابات النيابية وتأخير الإنسحاب السوري وانتخاب رئيس جديد للجمهورية بواسطة مجلس نواب ما زال حتى اليوم خاضعاً بأكثريته للوصاية السورية؟

... ام ان سوريا تحاول فتح بازار جديد مع الداخل اللبناني والمجتمع الدولي تكون نقطة انطلاقه العودة عن "خطيئة التمديد" عبر تغيير الرئيس لحود؟!

على كل حال، نحمّل الرئيس كرامي وحكومته المستقيلة ولقاء عين التينة والرئيس بري والنظام السوري الذين يحاولون اليوم القيام ببازارات وصفقات ومناورات تصب كلها في خانة التأجيل والمراوغة والمناورة، نحمّلهم مسؤولية تأزيم الأوضاع الأمنية والسياسية والإجتماعية والإنسانية والإقتصادية والمالية!

ان المطلوب اليوم واحد: اعتذار الرئيس كرامي فوراً عن عدم تشكيل الحكومة، وتكليف رئيس جديد يشكل حكومة توافق وطني تعجّل في

إقرار قانون الإنتخاب من اجل إجراء الإنتخابات في موعدها، وتقيل المسؤولين الأمنيين، وتواكب أعمال لجنة التحقيق الدولية وتعمل على تنفيذ الجدول الزمني لانسحاب القوات السورية ومخابراتها من لبنان قبل الانتخابات المقبلة.

ان المطلوب واحد، والكرة اليوم في ملعب السلطة والموالاة والنظام الوصي عليهما!

ممارسة حق المواطنة، هل انتهى عهد الولاء المطلق؟

ممارسة حق المواطنة، هل انتهى عهد الولاء المطلق؟: احسان طالب

في خبر أوردته جريدة الحياة عن الإصلاح في سورية: قانون للأحزاب و تغييرات فكرية و تنظيمية على جدول أعمال مؤتمر البعث أوائل حزيران_ ا.ه

ينبغي أن يكون خبر كهذا مصدر فرح و سرور لكل السوريين و بارقة أمل توحي بحياة أقل بؤساً و أكثر كرامة و خشية ألا يكون الأمر كذلك أتوجه إلى كل المسؤولين الذاهبين إلى اجتماعهم و مؤتمرهم بكلمات ربما يشاركني فيها الغالبية العظمى من أبناء سورية الحبيبة.

إن التهميش و العزل و الإهمال الذي تعاني منه غالبية أبناء وطننا ليس وهماً أو خاطراً في أذهان بعض المثقفين بل هو حقيقة واقعة يحس بها المواطن العادي و رجل الشارع في بقاع بلدنا الحبيب.

قلب أن تجتمعوا استمعوا إلينا جميعاً, و قبل أن تتحدثوا عن التغيير و الإصلاح دعونا نتكلم و نبدي رأينا في حاضر بلدنا و مستقبل أولادنا إنه حقنا الطبيعي.

إن أبناء الشعب السوري من معارضة و مستقلين لا يقّلون شأناً عن أولئك الذين يستلمون دفة الأمور و إن لنا رؤيتنا الموضوعية في مجمل القضايا محل البحث داخلياً و خارجياً, إنه بلدنا و أولادنا و أحفادنا أفسحوا لنا مجال المشاركة الفعّالة و تحمّل المسؤولية الحقيقية للتأثير في مسيرة هذا الوطن الذي نخشى أن يكون وطن الحزب الحاكم و الموالاة فقط.

أبناء سورية يرون و يسمعون و يتأثرون بكل ما يحدث حولهم من تغيّرات جذرية زلزلت أركان كثير من الدول في العالم و لا يمكن لهم بأية حالٍ من الأحوال الوقوف جامدين بُلهاء ينتظرون ردود الفعل الرسمية لتتحدد مسؤوليتهم بعدها بتأييد هذه الردود و لهم حرية الرأي و الإبداع في شكل بل أشكال التأييد و الوفاء و الموالاة.

لم يعد مقبولاً بأية حالٍ من الأحوال تقديم الولاء المطلق للسلطة تحت شعارات الوطنية ((الدولة التسلطية تخترق المجتمع المدني بالكامل و تجعله امتداداً لسلطتها فتحتكر مصادر القوة و السلطة في المجتمع)) كرم حلو_ الحياة ا.ه. إن آلاف المعتقلين السياسيين الذين أمضوا سنواتٍ من عمرهم و شبابهم و ربيع حياتهم في السجون لا يقلون وطنية و حرصاً و حباً جارفاً لهذا الوطن عن أولئك الذين زجوهم في السجون, بل إني أجزم بأن أولئك الذين خرجوا من السجون بعد قضاء ما يربوا على عقد و نصف هم رمزٌ للوطنية. أهل لقيادة الناس و إبداء الطروحات و المشاريع السياسية التي يرونها تنسجم مع هموم الوطن و المواطن.

لم يعد مقبولاً بأي حال من الأحوال أن يُخرج المواطنون (الجماهير) بالملايين ليهتفوا بالولاء و الوفاء و هم لا يملكون ثمن الثياب التي خرجوا بها و ينتعلون أحذية تعفنت فيها الأقدام و تسرب إليها حصى الطرقات, لم يعد مقبولاً الآن إخراج الطلاب من المدارس و الجامعات يقفون لساعات طويلة تحت الشمس الحارقة و معدتهم خاوية و لا يملكون في جيوبهم أكثر من ثمن واحد كيلوغرام خبز. لقد آن الأوان للكف عن إهدار أوقات الناس و أموال الدولة و الأمة ((إنه لذو أهمية و خطورة أن نلاحظ أن الفريق السوري أو العربي الداخلي الذي يرفض الإصلاح في غالبه من ذوي المصالح الكبرى و ذوي الملايين و المليارات الكثيرة من الدولارات)) طيب تيزيني_ المحرر ا.ه.

إنني أخشى على شباننا و أطفالنا من العجز الدماغي والقحط الثقافي من كثرة ترديد شعارات منذ أكثر من أربعة عقود لم يتحقق فيها شيء و لن يتحقق. الالتفاف نحو الرمز القائد إنما ينبغي حصوله عفوياً و من عقولٍ حرةٍ و أجواف مليئة.

ما رأيكم يا سادة فيمن يكتب تقارير أمنية بحق أسرته مقابل ألفي ليرة في الشهر, يبيع أخاه و صديقه و ابن حارته مقابل ثمن موبايل قديم يتحدث فيه إلى المسؤول عنه ثم يعود إلى منزله فارغ اليد!؟ هل هو الخنوع أم الجوع ؟هل هو الجهل أم ضياع الكرامة؟

لماذا يخشى الأخ التحدث في السياسة أمام شقيقه أو ابن عمه؟ لماذا لا يتردد في أحاديثنا الاجتماعية إلا السب و الشتم للأعداء و تحميل الآخرين كل البلاء و أسباب الشقاء؟ لماذا يسارع الناس إلى الوفاء بكل التزاماتهم للدولة و لايفكرون و لا يسألون هل ما ندفعه حق أم باطل, ظلم أم عدل؟ لماذا يتضاعف روّاد المساجد و معاهد تحفيظ القرآن و المعاهد الدينية و بالمقابل يختفي تدريجياً الكتّاب و القرّاء و الإبداع الفني الشعبي و الثقافي؟ لماذا هرع عشرات الآلاف من عامة الناس و من خريجي الجامعات, أطباء و مهندسون و مدرسو رياضيات لممارسة الشفاء بالحجامة كحلّ سحري و فوري و وحيد لكل أمراض العالم؟ لماذا لا يتردد المواطن السوري في دفع الرشاوى و قبول الإهانات بدون أية ردة فعل؟ لماذا لا يعترض المواطن المظلوم حتى لو بلغ سعر الكيلوغرام من اللحم 500 ل.س؟ لماذا يكتفي أبو العيال بحذاء واحد رخيص كل سنتين و بزة كل عشر سنوات؟ تعرفون لماذا؟ لأنه ببساطة ياسادتي مسلوب الإرادة مخدر التفكير خاضع حتى نخاع العظم.

إن الشعوب القادرة على مواجهة تحديات العصر و دخول معترك العولمة هي الشعوب الحرة و التي تأبى الخنوع و الخضوع.

قبل اجتماعكم المنشود ينبغي عليكم الإدراك بأن ما تفكرون بتقديمه للناس من حريات و تعددية و بعض الديمقراطية, ليس منة أو تكرماً, لستم اليد العليا التي تتحنّن على اليد السفلى, لستم النخبة أو الصفوة, لستم خير الناس, لقد فشلتم في تحقيق كل المهام التي فرضتموها على أنفسكم و جعلتموها أولى أولوياتكم فالوطن العربي أشد تمزقا.ً و حرية فلسطين اليوم أضيق مما كانت عليه في أي يوم مضى. و العدالة الاجتماعية مصطلح اختفى من أجندتكم السياسية و حتى من أولويات عامة الناس و من تفكيرهم أيضاً.

إن الحرية و التعددية و الديمقراطية حقوق للمواطن محجوبة عنه و إذا أردتم رد بعضها إليه فأنتم تتراجعون عن الخطأ و ربما تكون تلك الفضيلة الوحيدة لديكم.

كلما نظرت إلى مظاهرات المعارضة اللبنانية ثم التفت إلى مظاهرات التأييد في سورية شعرت بالحزن و الأسى و ليس ذلك لسبب سياسي أو موقف يتأرجح بين التأييد أو المعارضة, إنما يعود ذلك إلى الصورة الشكلية أو الانطباع المباشر, ففي لبنان ترى الشباب و البنات و الرجال و النساء وجوههم نضرة, ثيابهم نظيفة و أنيقة غالية الثمن تكاد روائح عطرهم تفوح من شاشة التلفاز, بيمنا أولئك المساكين المتظاهرين لدينا لا يصعب عليك رؤية ثيابهم البالية و وجوههم الغائرة و حماسهم الشديد الذي يتكفل باستنزاف الحريرات القليلة التي حصلوا عليها من صحن الفول أو الفتّة.

يقول سليم الحص في مقالة نشرت في السفير: ((إن محكمة التاريخ لا ترحم و سوف ننعم بفيء الديمقراطية الصحيحة في يوم من الأيام, طموح الشعب حاضراً هو قدره مستقبلا)).

وإني لأرجو أن يكون ذلك اليوم قريباً.

"الرأي / خاص"

سوريا قاطعت جلسة للبرلمان الأوروبي بسبب حضور ممثل للمعارضة

سوريا قاطعت جلسة للبرلمان الأوروبي بسبب حضور ممثل للمعارضة

رفضت سوريا حضور جلسة للبرلمان الأوروبي أمس للبحث في توقيع اتفاق تجاري وسياسي مع دمشق، بعدما دعا البرلمان ممثلاً للمعارضة السورية التي تتخذ واشنطن مقراً لها.

واعتذرت النائب فيرونيك دي كيسر التي تتولى ملف اتفاق الشركة مع سوريا من النواب عندما رفض سفير سوريا لدى الاتحاد الاوروبي توفيق سلوم وخلفه المتوقع بديع خطاب، حضور الجلسة قائلين انهما لا يستطيعان ان يكونا في قاعة واحدة مع ممثل المعارضة فريد الغادري.

وكان الاتحاد الاوروبي وسوريا قد وقعا بالأحرف الأولى اتفاق الشركة بينهما الذي ينص على اقامة علاقات تجارية واقتصادية وسياسية أوثق مع دمشق في مقابل تحسين الوضع في مجالات مثل حقوق الانسان والديموقراطية في سوريا. ولم يصادق على الاتفاق أي من الجانبين، وكان البرلمان يريد توجيه أسئلة الى سلوم وخطاب فضلاً عن الغادري قبل التصويت عليه.

وحض الغادري البرلمان الأوروبي على عدم المصادقة على الاتفاق الى ان يتم الاصلاح في سوريا. وقال: "سوريا فشلت في الوفاء بجوهر المعايير السياسية وحقوق الانسان التي يحددها الاتفاق... تأخير المصادقة سيجبر سوريا على الانفتاح وتحسين وضع حقوق الانسان".

فيصل كلثوم

وتعهد رئيس اللجنة الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب السوري فيصل كلثوم أمام البرلمان الاوروبي تبني سوريا تشريعات مهمة في الشهرين المقبلين تتعلق بالتعددية السياسية واحترام الحقوق الاساسية وضمان حرية الصحافة.

وجدد التزام بلاده تنفيذ قرار مجلس الأمن 1559 حرفياً خلال الشهرين المقبلين.

وأشار الى مساندته الكاملة لاتفاق الشركة، معرباً عن أمله في ان يكون هذا الاتفاق بداية لشركة حقيقية بين الاتحاد الاوروبي وسوريا.

وطالب الجانب الاوروبي بالكف عن الضغوط المتزايدة، التي تمارس حالياً على سوريا والتي من شأنها تعطيل عجلة الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تقوم بها الحكومة السورية، من أجل التوافق مع المعايير الاوروبية.

(رويترز، و ص ف)

العفو عن 312 معتقلاً كردياً 'لتقوية النهج التسامحي وتحصين الوحدة

العفو عن 312 معتقلاً كردياً 'لتقوية النهج التسامحي وتحصين الوحدة'

دمشق من شعبان عبود:

في خطوة جديدة تهدف الى طي ملف الاعتقال السياسي، أفرجت السلطات السورية عن 312 كرديا كانوا قد اعتقلوا على خلفية أعمال العنف التي شهدتها مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية في آذار من العام الماضي بعد مباراة لكرة القدم.

وافادت الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا" أنه "تم اليوم (أمس ) الافراج عن جميع الموقوفين البالغ عددهم 312 الذين تسببوا بأعمال الشغب والتخريب التي وقعت في منطقة القامشلي في محافظة الحسكة في شهر آذار من العام الماضي وذلك في إطار عفو رئاسي يستند الى تكريس اللحمة الوطنية التي تشكل الأساس في نسيج مجتمعنا وحماية لاستقراره وتأتي هذه الخطوة في سلسلة إجراءات مماثلة اتخذتها سوريا اخيرا لتقوية النهج التسامحي وتحصين الوحدة الوطنية".

إلى ذلك، قالت مصادر كردية في القامشلي ان " اللجنة الأمنية في محافظة الحسكة التي تتألف من قادة الفروع الأمنية اجتمعت بالتزامن مع الافراج عن المعتقلين الأكراد مع فاعليات عشائرية وأخرى اقتصادية إضافة الى ممثلي نقابات مهنية في محافظة الحسكة " التي تقع في شرق البلاد على الحدود السورية - العراقية التركية، موضحة ان "المحافظ هو من دعا هؤلاء الى الاجتماع "

ورأى رئيس المركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية المحامي انور البني ان " هذه الخطوة ايجابية ولكن يجب أن تترافق مع خطوات عملية لحلول سياسية للمشكلة الكردية بمن فيها المجردون من الجنسية والحقوق الثقافية وحقوق المواطنة الكاملة استنادا الى الاعلان العالمي لحقوق الإنسان." ودعا الى"اطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وعلى الأخص معتقلي ما يعرف بربيع دمشق".

اما عضو المكتب السياسي في "الحزب التقدمي الديموقراطي الكردي" فيصل يوسف فقال ان " قرار الافراج عن المعتقلين الأكراد يشكل مبادرة طيبة من السيد الرئيس بشار الأسد تجاه مواطنيه الأكراد وخطوة مهمة لمعالجة الآثار السلبية التي نتجت من تلك الأحداث". وناشد الأسد "إعادة الطلاب الجامعيين المفصولين من كلياتهم إلى جامعتهم وتعويض المتضررين وذوي المواطنين الذين قتل أبناؤهم برصاص أجهزة الأمن السورية على خلفية أحداث العام الماضي".

ونقلت أوساط سياسية كردية عن بعض المعتقلين بعد اتصالات هاتفية أجرتها معهم أن "مسؤولا أمنيا رفيع المستوى اجتمع معهم قبل الإفراج عنهم ". يعتقد أنه اللواء محمد منصورة رئيس شعبة الأمن السياسي التي كان يرأسها قبله وزير الداخلية السوري اللواء غازي كنعان .

وكشف مسؤول أمني لـ " النهار" انه " جرى التشاور في قرار الإفراج قبل عيد النوروز أخيرا، ويبدو أن الأجواء الطبيعية الهادئة التي سادت احتفالات الأكراد بهذه المناسبة قد أعطت دفعا جديدا للإفراج عنهم"

وكان السفير السوري في الولايات المتحدة عماد مصطفى صرح قبل ايام أنه مع حلول شهر تموز المقبل لن يبقى سجين سياسي واحد في سوريا. وتأـتي الخطوة ايضا قبل نحو شهرين من موعد انعقاد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم، مما يكرس الاتجاه القائل بأن الأسد ماض بقوة نحو إحداث تحول وانفراج في الحياة السياسية الداخلية، فيما تشتد الضغوط على سوريا".

النهار


صديقنا السوري

2005-03-30

صديقنا السوري
إلى ياسين الحاج صالح ومنذر بدر حلوم

عباس بيضون

السفير الثقافي 2005/03/25

صديق سوري أراد ان يراني. أحسب انه تحرج من ان يذكر غرضه من الزيارة اذ لم يعتد سوري في لبنان بعدُ ان يعدّ نفسه بين اجانب هذه البلاد وان يكون له احتياطهم وحساسيتهم وسفاراتهم. ارادني من دون ان يقول ان اسعفه بتقدير للوضع يُعينه على ان يتخذ قراره في ان يبقى او يرحل. قال انه سعيد هنا وما كان ليفكر في امر كهذا لولا انه يسمع ما يؤرقه ويخشى ان يزداد هذا مع الايام. هممتُ بتطمينه إلا انني انتبهت الى أنني مثله تقريبا وربما اقل منه علماً بما يجري في هذه الناحية، اذ لا يفهم احد لماذا حبسُ اخبار من هذا النوع وارسالها ارسالَ الشائعات والحيرة في صدقها وعدمه وفي عددها وفي طبيعتها. اخشى ان يكون ذلك لأمر وغرض. اخشى ان يكون الخلط فيها مقصودا ليتاح لمن يريد ان يوجهها ويسوقها على الوجه الذي يشاء، لتتحول الى انذار وتهديد في حال، والى تحريص وتأليب وصرف للنظر الى جهة مقصودة في حال اخرى. اخشى ان يكون توافق على ذلك مَن هم هنا ومن هم هناك. يريدونها هنا ان تكون تهديدا وترهيبا للسوريين فيرحلوا تحت طائلتها، وليس في هذا سوى عصبية موتورة تتظاهر بالعلم وتتظاهر بالاقتصاد والاجتماع. أما هناك فيريدونها تضليلا سياسيا يؤلبون به الناس حول النظام ويحولون المثال اللبناني الواعد مكروها ويستنفرون ضده عصبية حامية. هكذا يتم اجهاض اسئلة ستكون على النظام السوري اقسى من تلك التي طرحها اللبنانيون، ويتم على الحدود وأد درس باهر بثمن صغير. يقول منذر حلوم ان ما عاناه اللبنانيون بعض البعض مما عاناه السوريون انفسهم. ليست هذه كلمة منذر حلوم وحده. سمعتها من اهل شارع وأناس عاديين.
يسمونها انتفاضة الاستقلال وليس هذا كافيا، الارجح ان انسحاب القوات السورية لم يكن كل شيء، فالنظام الانتدابي برمته كان مطلوبا. لم تكن مسألة 14 الف جندي فحسب بل نظام كامل من التسلط والفرض والفساد. الاستبداد مقصود ايضا وهو الكفة الثانية للهيمنة. لا اعرف اذا كان المثقف السوري حساسا لتسميه الاستقلال واذا كانت نعرة ايديولوجية متأرثة تجعله يجد فيها شقاقا ومروقا فحسب. هذه حال كثيرين عندنا لا يزالون حين يكون الامر بين عرب لا يفرقون بين غاز ومغزو، وبين مستبد ومستبد به. لندع هذا جانبا فالانتفاضة اللبنانية هي بالمليون الذين نزلوا الى الشارع وبعشرات الآلاف التي لم تبارحه. عودة الحراك السياسي وما يفترضه ذلك من عودة السياسة الى المجتمع. كما انها بقدرة الضغط السلمي على ان يزحزح نظاما كاملا وبكسر الخوف والصمت اللذين جعلا الواقع اكذوبة وجعلا الحياة والعالم هما ما يُصنع دائما في مكان آخر. لنقل ان ذلك ليس شأنا لبنانيا فحسب. لنقل انه حجر البداية والمثال، بل لنقل انه الدليل على ان حال الموات التي دأبنا عليها ليست حقيقية او انها شارفت على النهاية. لنقل ايضا ان ما يجري على المقلب اللبناني هو ايضا شأن سوري بامتياز، انه شيء اكثر من الجوار. فهيمنة النظام السوري على لبنان تجعل اللبنانيين والسوريين مشتركين على نحو ما في التحدي. ان ما يتقرر هنا ليس بعيدا عما يتقرر هناك. ما يلحق بالنظام المنسحب هنا سيكون في رصيده هناك، ولنقل ان هذا ما حدث دائما. ينبغي لذلك شكر الهزائم عليه. نذكر مديح الهزيمة اللينيني ويمكن ان نتعظ به، ما ينهزم هو وحده من ينهزم. وليس المجتمع مستعدا بعد لينهزم عنه او لينهزم معه. كان على صدام حسين ان ينهزم وحده. وكان العراق اكبر بهزيمته. الاكثر ذكاء من صدام حسين بحسب زعمهم ينبغي الا يكونوا اذكى منا. على الاقل ليست هذه هي اللحظة المناسبة لترف السذاجة، انها لحظة اليقظة بالتأكيد. ما يهدر على المقلب اللبناني لنسمعه جيدا، انه نذير ووعد. انه الزحزحة الاولى لحجارة القبر. لنسمعه جيدا: انه البشارة، مهما تكن النتائج. حتى وان انتصر الواقع على العيد فانه البشارة. لنقل ان هذا الامر لن ينتهي هنا. لئن حوصر هنا فسيكون اقل من نفسه. ان لم يخرج من هنا فقد يختنق في موضعه. ان لم يكن عاصفة شاملة فقد يغدو ربيعا كاذبا.
ليس الجوار هو كل ما بين لبنان وسوريا، وقد يبدو الاحتجاج الجيوبوليتيكي المرادف للفاشية هو الوجه الآخر للطمع الامبريالي الصغير، إلا ان ما بين البلدين ما يشبه ان يكون وحدة حياة. انه تواصل تم دائما بدفعات كبيرة تحت كل شيء ورغم كل شيء. سيق لبنان بالحزازات التي سيقت بها دمشق والحواضر الباقية. لقد كان هنا وهناك ذات الاستباحة وذات اللعب الفاجر بالحياة العامة، وذات التحطيم المجاني والاستعداء البارانويي المضطغن. بين البلدين اكثر من جوار. لم يعمَّر لبنان بالعمال السوريين بل بالرساميل السورية ايضا. وكما كانت بيروت استثمارا اقتصاديا كانت استثمارا ثقافيا، فقد تفتحت الثقافة اللبنانية بأسماء، الكثير منها سوري.
لكن تحويل وحدة الحياة الى مرض والى منازعات والى عداء اخوي، هو ما يفعله الطمع الاقليمي الذي يستفز بالمقابل شوفينيات عنصرية. عملية كهذه لن تكون الا تقطيع اوصال وستؤدي الأدلجة القومية لعلاقات الاستقواء والاستبداد الى ردود مماثلة: الى قوموية مضادة متعالية وعدائية. انها في الواقع طاحونة ركيكة وضيقة من الروح البلدية والزجل العنتري والعصبيات الكذابة والمتشدقة. طاحونة بمقاييس صغيرة وفي ما يشبه العزلة.
مع ذلك فإن المثقف السوري يفهم ان الأدلجة القائمة على اعلاء الحزازات هي نفسها هنا وهناك، وان ما تولده في المكانين يكاد يكون متشابها. يفهم المثقف السوري ان ما يتولد من استعلاء وتسلط باسم قومي سيكون استعلاء وتسلطا باسم بلدي، وان تسييس وأدلجة علاقة حياة وتواصل يقومان بالقسر والعنف ويسمان العلاقة كلها بهذا العنف والقسر. لم يكن مقتل الرئيس الحريري في النهاية سوى انفجار كبير من انفجار هذه العلاقة، لكن الحدث الجلل اذ يبرز يشير الى ان سياسة كاملة قامت على الاغتيال وشبهه. سيكون بوسع المثقف السوري ان يفهم ان من آثار انغلاق كهذا او تأخر كهذا امورا لا يكون لها سوية ولا منطق. ان تُحرق بيوت عمال وان يُعتدى على عمال وان يُقتل صاحب دكان في بلد تموّل اكثر ما تموّل في فترة من حياته بأموال الاثرياء السوريين الذين هربوا من التأميم. امور كهذه لا تعقل بالطبع غير انها من آثار نظام قائم على الاشتباه والشبهات وعلى التمويه والتزوير. لقد تحمل العامل السوري حتى في اوقات اخرى جناية ما يفعل المتغطرسون الكبار، وارتدت عليه الإذلالات التي ينزلها هؤلاء بأهل البلد. انه أمر بلا سوية ولا منطق بالطبع، لكنه من عواقب وضع يساس بما يشبه الجنون والعمى والمجازفة الى حد الانتحار. لا عذر لذلك ولا ابحث عن عذر بالطبع. ان جريمة قتل صاحب محل الخضار في دكانه على ايدي اوغاد على رأسي شخصيا وعلى رأس كل لبناني وليست وحدها اللطخة التي تشوه هذا الفجر الجميل، ثمة سواها بالطبع وليس من الضروري ان نزين او نجمل. لنقل ان كثيرين لا يملكون من المخيلة او الادراك بحيث يفرزون المواطن العادي والشعب من الطغمة.
لا عذر بالطبع لجرائم واعتداءات ظالمة وحقيرة وغبية في آن معا. الاستبداد بلبنان اساس للاستبداد بسوريا، وحرية هذا من حرية تلك. كانت هذه الفكرة معيارا قاطعا لقطيعة المثقف مع النظام وخروجه من الاحبولة الايديولوجية وتبرئه نهائيا من البارانويا القومية والحلم البسماركي. لم يتم هذا بسهولة بالطبع، انه جهاد مرحلة كاملة ونقد كامل. في وسع المثقف السوري ان يجد في مقابله المثقف اللبناني بكل الارث الفظيع من حرب علمته الكثير وكسرت في رأسه كثيرا من القوالب والكليشيهات. لا ادري اذا كان الزميل السوري يعرف ان المثقف اللبناني تبرّأ منذ اللحظة الاولى من فلتات ضيق الافق البلدي والشوفينية العنصرية، ومن أدب عنتري كان من السهل رؤية تجلياته في حرق الأكواخ وذبح صاحب الدكان. لقد دافع هذا المثقف من اللحظة الاولى عن الضيف السوري وخاف ان تؤدي اعتداءات قبيحة الى تقزيم الانتفاضة وإغراقها في نعرات بائسة وغبية.
يبلغني احيانا عتب زملاء سوريين. افهم هذا العتب لكني اجد ان من الشطط والظلم ان يصير الاعتداء على السوريين عنوان الانتفاضة. لا اريد ان اقلل من دلالة هذه الاعتداءات وعهدنا لا يزال قريبا بعبارات <<تجاوزات>> <<اساءات>> و<<اعمال>>. لن اكررها وانا ادعو الزملاء اللبنانيين الى ان يحمّلوا شعبهم كله وزر اعمال ان لم تتوقف فستكون عار الجميع. لن اكررها لكني اخشى على المثقف السوري الذي لا يرى سوى هذا العنوان، ان يكون من دون ان يدري، استرد في لحظة ضعف والتباس مشروعة تماهيا مع النظام او بعض احواله، او انه اصغى اكثر مما يجب الى تضخيم مقصود والى تأليب مراده رص الصفوف حول النظام في لحظة هزيمة صنعها بجوارحه ويده، ويريد ان يحمّلها للشعب بجملتها وان يجعل منها جرح هذا الشعب وعاره.
اخشى ان يخلط العاتبون بين العامل والمخابرات المنسحبة، بين ثورة رائعة ضد استبداد واعتداء حقير على عامل او مواطن سوري، شتان ما بين الجهتين وبين العملين.
ثم انني للحقيقة فحسب، للحقيقة لا الوطنية، أتهم افرادا لبنانيين ولا أتهم شعبا. أتهم اوغادا لا اشك في انهم من تربية المناخ الذي فرضه نظام مخابراتي مديد، لكني لا أتهم شعبا، واخشى ان يكون في اتهام شعب مآرب لبنانيين وغير لبنانيين لتوسيخ الانتفاضة وللدفاع عن مصالح نظام يدافع متراجعا ويدافع بما بقي له من وسائل. اللبنانيون الذين منذ عقدين او ثلاثة فتكوا ببعضهم بعضا في مجازر على الهوية ليسوا هم اللبنانيين الذين نزلوا اليوم الى الشارع. ليس الاعتداء والادانة السريعة طبعهم الغالب. لا يشك في ان بعضهم ورث لغة اضطغان، لكن معظم هؤلاء يخطئون باللسان ولا يخطئون باليد. ومهما كانت الفاظهم فانهم جاؤوا بنية سلام. لا تستغربوا اذا علمتم ان كل الاعتداءات وقعت في غير مناطقهم، ثمة لغة آبده وجدوها على طريقهم لكنهم لم يأتوا للقتل ولا للانتقام. لا تُدينوهم تماما ببعض فلتاتهم، الاكثرية ترفضها على الاقل، الاكثرية لا تصل بين النظام ورعاياه. هذا بحد ذاته راق واخلاقي. أحسب ان السوريين الذين بقوا في حينا العادي او عادوا يعيشون الآن مطمئنين. من هنا لنتحرَّ ما يقال ولا نجعل الهزيمة انتصارا للنظام الذي سلط طلابا على طلاب ودعاة مجتمع مدني على دعاة مجتمع مدني.

جــنـــون الاســـتــهـــداف والـعــــقـــل الــســــيــاســي البــعــثـــي

جــنـــون الاســـتــهـــداف والـعــــقـــل الــســــيــاســي البــعــثـــي

دمشق...

كان الاعتصام الذي دعا إليه وقام به معارضون وناشطون سوريون في العاشر من شهر آذار احتجاجا على بلوغ حال الطوارئ سن الثانية والأربعين، مناسبة إضافية كي يجدد إيديولوجيو الحكم السوري طرح سؤال استنكاري عريق: لماذا الاعتصام الآن؟ لماذا في هذا الوقت بالذات؟

يطرح السؤال في كل مرة يعلو صوت أحد ما "فوق صوت المعركة" التي يفترض أننا نخوضها، وأن حال الطوارئ هي سلاحنا الرادع للعدو فيها، وأن الإيديولوجيين هؤلاء ناطقون باسمها. ومثل جميع الأسئلة الاستنكارية، يصاغ السؤال انطلاقا من معرفة الجواب وبهدف إظهار سطوعه وبداهته.

الجواب، بالطبع، يفيد أن الوقت غير مناسب الآن للاحتجاج على حال الطوارئ، مثلما هو غير مناسب لمناقشة أوضاع الحريات وحقوق الإنسان، أو لإثارة مطالب الأكراد، أو حتى لاعتصام تضامني مع الفلسطينيين. لكن الجواب يتضمن شيئا آخر: إن طرح مثل هذه المطالب هو تشويش على "المعركة"، بل قد يكون تواطوءا مع "المخططات المعادية"، المتربصة دائما بالوطن، بحسب اللغة المعتمدة.

والآن زمن حرج بالتعريف، والخارج حيّز شرير ومنبع أخطار بالتعريف أيضا. وهما (آنات الزمان وحيزات المكان) معاً إحداثيا ذهنية القلعة المحاصرة: اسيرة حاضر مؤبد كل آناته للمعركة (أي للسلطة كما سنرى)، وداخل أليف متجانس محاصر بالمخططات الأجنبية الخارجية، لكنه "صامد"، لا يغيّره الزمان ولا يتزحزح من موقعه. ولا مجال للاختلاف أن يشغل من "قلعة الصمود" ولو بضعة أمتار مربعة في شارع، ولو ساعة واحدة في السنة.

يتضمن الجواب شيئا ثالثا: إنه لا يمكن القيام بأكثر من شيء واحد في الوقت الواحد. لا يمكن الجمع بين "الصمود" وسيادة القانون. لا يمكن الدولة ان تواجه المؤامرت وتصلح التعليم أو تعالج قضية المحرومين من الجنسية، ولا مجال لتزامن اعتراض السلطة على المعايير المزدوجة على الصعيد الدولي واعتراض المواطنين على التمييز بينهم على الصعيد المحلي.

التضمين الرابع لنظرية "لماذا الآن؟" هو أن المطالب الحقوقية والسياسية مشروعة أو قد تكون مشروعة، لكن ليس الآن. متى؟ حين يأتي الوقت المناسب.

والوقت المناسب لا يأتي أبدا. وفي الأصل ليس الوقت ما يعني نظرية "لماذا الآن؟"، وهو ليس موضوعا لها في حال. وتساؤلها عن "هذا الوقت بالذات" خطابي أو بلاغي، منقطع الصلة بأي مفهوم للعقلانية السياسية قد يهتم بحسن توقيت الأفعال وملاءمتها وجدواها. فهدف النظرية لا يعدو المرواغة، اي تشويش شرعية المطالب بإبراز عدم ملاءمة الوقت والأسلوب.

تستثمر نظرية "لماذا الان؟" ما قد نسميه "جنون الاستهداف"، العريق في الثقافة السياسية السورية. المقصود بجنون الاستهداف هو الاعتقاد المستقر بأن قوى شريرة وجبارة تستهدف سوريا، وبأن ثمة مؤامرة تحاك في الظلام لتركيعها، وبأن قدر سوريا ان تواجه المؤامرات نيابة عن الأمة كلها، وبأن صمودها هو الصخرة التي تتحطم عليها مخططات الأعداء ومؤامراتهم، وبأن أول مقومات الصمود هو "الوحدة الوطنية"، وبأن هذه تعني الوقوف صفا واحدا خلف "القيادة التاريخية". الذئب في الخارج، تراصّوا ونفِّذوا أوامري!

القيادة هي وحدها التي تحدد "الآن" المناسب والتوقيت الصحيح. فإذا لم تهتم بقضايا الحريات والمساواة بين السوريين ورفع حال الطوارئ المدمرة للدولة... فلسبب وحيد: لم يحن الوقت بعد. لكن ما الذي يضمن أن تجد القيادة وقتاً مناسبا لإصلاح اي شيء؟ هذا ما تسكت عليه نظرية "لماذا الآن؟".

كل شيء مصمم لطرد الاختلاف والتعدد وتجريم الاحتجاج وتسييج الداخل ومنع التغيير و... تركيز السلطة. وحين لا يُغرق "صوت المعركة" الجميع في الصمت، فإن الحاجة إلى سماع دبيب المؤامرة يقوم بالواجب. فالواقع أن النظام محتاج إلى المعارك أكثر مما هي مفروضة عليه، وهو في حاجة إلى المؤامرات أكثر مما هو مستهدف بها. وكما المعركة ليست موقعة حربية يمكن سماع "صوتها"، فإن المؤامرة ليست فعلا "دُبِّر بِليْل"، في غفلة عن المستهدفين، بل هي نظرية أو فلسفة للتاريخ ورؤية للعالم، طوّرها هؤلاء بالذات. وهذه النظرية هي التي تنتج الخارج والداخل والحدود وتوزع الهويات والقيم والمشاعر الصحيحة عليها. إن مفهوم الخارج حصيلة نظرية المؤامرة، وليست المؤامرة فعل "الخارج".

تضمن الرؤية التآمرية (أو البعثية، في سياقنا) للعالم تجانس الداخل والخارج وإضفاء الذاتية والغرضية عليهما. فالخارج الذي تنتجه المؤامرة ليس إلا داخل الآخرين، أي تجانسا قابلا للغرض والذاتية، مثل داخلنا.

غير أن أول ما يخفق جنون الاستهداف فيه هو التنبه للاستهدافات الملموسة التي تتعرض لها سوريا كدولة ملموسة في سياقات سياسية وجغرافية ملموسة، يلعب فيها فاعلون سياسيون هادفون ومستهدِفون، ملموسون بدورهم. وبالمثل، أول ما تخفق نظرية المؤامرة في كشفه هو الأفعال التآمرية الحقيقية التي تشكل عنصرا اساسيا من كل سياسة حديثة. هنا أيضا ليست الاستهدافات الملموسة ولا الأفعال التآمرية الموصوفة موضوعات واضحة ومتميزة لجنون الاستهداف ونظرية المؤامرة. فبكل بساطة لا موضوع لهذين الاضطرابين الهوسيين. والشيء الوحيد الذي نجحت فيه النظرة التآمرية للعالم هو رد الداخل المحلي المركب إلى ذات بسيطة، تعي وتريد و... تتآمر، مع ما يعنيه ذلك من حذف التعدد والاختلاف، بل والحياة من المجتمع.

والواقع أن ما تتضمنه نظرية "لماذا الآن؟" من إيحاء، أنه لا يمكن القيام بأكثر من شيء واحد في الوقت الواحد، هو ثمرة اختزال المجتمع والدولة إلى ذات او إرادة واحدة لا تطيق أن يعكر صفوها شيء، ولا تشعر بوجوب ان تحدد اولوياتها بصورة يفهمها الناس، وقد يرتضونها. كان من المألوف ايام الرئيس حافظ الأسد ان يسوّغ إيديولوجيو نظامه تداعي الخدمات وانتشار الفساد وتدهور التعليم وانعدام النمو الاقتصادي... بأن المواجهة مع الخارج تستهلك كل وقته. كانوا يقولون ذلك بكل جدية واقتناع. وكان اهتمامهم موجها نحو تبرئة النظام ونحو ترويض الناس على قبول هذا الواقع لا نحو معالجة المشكلات الخدمية والتعليمية والاقتصادية.

غير أن ضيق الوقت إدانة للنظام وليس تبريرا له. فهو، أعني ضيق الوقت أو عدم ملاءمته، ثمرة نظام السلطة الواحدي وليس العكس. وتوفير الوقت يقتضي في الضرورة تحرير الدولة والمجتمع من سلطة الواحد.

تشير الإخفاقات الدراماتيكية المتكررة للسياسة السورية خلال العامين الأخيرين إلى عطب اساسي في العقل السياسي المسيّر للدولة. فبكل بساطة، لا يصلح جنون الاستهداف أساسا لعقل دولة وطنية حديثة. إن تهافت العقل السياسي وصفة للتدمير الذاتي.

ياسين الحاج صالح

ملحق " النهار " 27.03.2005

المعارضة السورية ترفض دعوة حزب الاصلاح الى الحوار

لوجوده في أميركا وافتقاره الى قاعدة في الداخل
المعارضة السورية ترفض دعوة حزب الاصلاح الى الحوار

رفض معارضون ومفكرون سوريون نداء إلى التعاون وجهه حزب الاصلاح السوري المعارض الذي مقره في الولايات المتحدة.

وكان الحزب الذي يتزعمه السوري فريد الغادري الذي يحمل الجنسية الاميركية وجه نداء اول من امس عبر موقعه على شبكة الانترنت، داعياً كل المجموعات السورية المعارضة الى الاتحاد "في هذه اللحظة التاريخية"، معتبراً أن "الديموقراطية هي القاسم المشترك الذي يوحد كل السوريين بغض النظر عن آرائهم السياسية او الدينية".

وقال الكاتب ميشال كيلو ان "كل الحركات المعارضة داخل سوريا رفضت إقامة علاقات مع هؤلاء المعارضين الموجودين في الولايات المتحدة والذين يفتقرون الى قاعدة داخل البلاد والمنقطعين عن الحقيقة السورية اليومية". وأضاف أن "النضال الديموقراطي في سوريا مسألة موجهة ضد الولايات المتحدة والغرض منه تحصين سوريا من الخطر الاميركي وليس اختراق سوريا أميركياً".

كذلك رفض رئيس "التجمع الوطني الديموقراطي" الذي يضم ائتلافاً من خمسة أحزاب سورية محظورة، المحامي حسن عبد العظيم أي صلة بحزب الاصلاح الذي انشئ بعد هجمات 11 ايلول 2001 في الولايات المتحدة. وانتقد ان "يطلب معارضون من قوى خارجية اسقاط النظام في سوريا"، واستنكر "اي تهديد بالعدوان" لدمشق. وقال "اننا نناضل ضد نهج شمولي من أجل تغيير ديموقراطي وفي الوقت نفسه نرفض أي عدوان أو احتلال لوطننا"، مشدداً على ان "مهمة التغيير تتولاها المعارضة الوطنية الديموقراطية".

ولفت عبد العظيم، الذي يرأس حزب الوحدة الاشتراكية العربية الديموقراطية، إلى أن "كل مطالبنا محقة ومشروعة ونرفعها منذ اواسط السبعينات" من القرن الماضي. و"نشعر بأن بعض من في النظام يرفض التغيير الديموقراطي ودوره مكمل ومشجع لمنطق الاستقواء بالخارج الذي يطرحه فريد الغادري".

واكتفى المحامي انور البني بان "موضوع حقوق الانسان دولي"، وان "كل الناس مطالبون بدعم هذا الموضوع ومحاولة وقف كل الانتهاكات".

وينتمي المعارضون السوريون من محامين ومناضلين من اجل حقوق الانسان وكتاب وصحافيين الى اتجاهات مختلفة ولا يملكون برنامجاً سياسياً مشتركاً، لكنهم يجمعون على المطالبة باحترام حقوق الانسان وقيام نظام وطني يحترم التعددية والسيادة الوطنية والغاء قانون الطوارئ الصادر بمرسوم عام 1963 وتحرير المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين.

وأوردت صحيفة "الشرق الاوسط" السعودية ان اعضاء في حزب الاصلاح السوري التقوا الخميس الماضي اليزابيت تشيني، ابنة نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني التي تتولى في وزارة الخارجية ملف الديموقراطية في الشرق الاوسط، في حضور مسؤولين في وزارة الدفاع الاميركية "البنتاغون" ومجلس الامن القومي.

وأقر مساعد الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية آدم ايريلي بأن مسؤولين أميركيين دعوا مجموعة من "الناشطين في المجتمع المدني (السوري) والاساتذة الجامعيين ومسؤولين آخرين" إلى التحدث عن الوضع في بلادهم وآفاق الاصلاحات فيها، نافياً أن يكون ذلك جزءا من خطط لإسقاط النظام السوري.

النهار 2005-03-30

حوار مع الصحفي والمعارض السوري نزار نيوف

حوار مع الصحفي والمعارض السوري نزار نيوف

الحلقة الأولى

http://www.elaph.com/Interview/2005/3/51149.htm

الحلقة الثانية

http://www.elaph.com/Interview/2005/3/51483.htm

لبنان وسورية في الغد؟: حازم صاغيّة

لبنان وسورية في الغد؟: حازم صاغيّة

لا تزال الأخبار التي ترددت عن مقتل مواطنين وعمال سوريين في لبنان تفتقر الى الإثبات، على رغم استخدام بعض القوى السياسية لها حجةً ضد ثورة

اللبنانيين. مع هذا، ثابتٌ أن سوريين ضُربوا وأهينوا، وأن خيماً لعمال منهم أُحرقت. وثابتٌ، كذلك، أن سورية وشعبها شُتما بأقذع التعابير وأحطّها، وأن سوريين كثيرين لم يستشرهم نظامهم في سياسته اللبنانية، ولا استشارهم في أي أمر آخر، أحسوا بجرح يحفر فيهم عميقاً، ويحفر تحديداً من حيث هم سوريون.

وعن هذه كلها يُعتذر مثنى وثلاثاً ورباعاً، وبأعلى الصوت، ومن دون «إنما» أو «لكن». وهو اعتذار من الشعب السوري، ومن كل فرد فيه، عن دهماء الشعب اللبناني وغوغائه. فحيال ما آلت اليه الأمور يشعر كل لبناني محترم بألم يعتصره. إذ ليس مقبولاً أن يحس أيٌ كان، قريباً كان أم بعيداً، عربياً أم غير عربي، «شقيقاً» أم «غير شقيق»، بأنه مُستهدَف في انتمائه الى بلد معين والى لهجة بعينها والى مواصفات جمعية محددة. ثم ان بين اللبنانيين والسوريين كشعبين وشائج لا داعي للاستفاضة في شرحها، من روابط قرابية الى ذاكرات ثقافية مشتركة، هي ما لا يستطيع إنكارَه ألدّ أعداء سورية اللبنانيون وألدّ أعداء لبنان السوريون. فسوق الحميدية والجامع الأموي وسيدة صيدنايا وسلطان الأطرش وبدوي الجبل وعمر ابو ريشة ونزار قباني وصباح فخري... هي ما تعجز غالبية اللبنانيين الساحقة عن تعقّل ذاتها مفصولةً عنها. والشيء نفسه يمكن قوله في الموقع الذي تحتله فيروز وسعيد عقل وصحافة لبنان لدى غالبية السوريين. وهناك، بالتأكيد، مصالح مشتركة جسّدتها العمالة والرساميل السورية في لبنان، وكادت تجسّدها افتراضات، تبددت لاحقاً، من تحرير للاقتصاد السوري يلعب فيه اللبنانيون دور النموذج والوسيط.

لكنْ، وكما أشار الشاعر والكاتب عباس بيضون في «السفير»، لا يجوز ردّ السفالات التي ارتكبها أفراد الى شعب برمّته، كما لا يجوز للجريح السوري أن يتماهى مع جلاده تحت وطأة النرجسية الوطنية. حينذاك، يكون السوريون الذين آثروا هذا الرد قد اختاروا تقليد اللبنانيين ممن ماهوا سورية والسوريين مع النظام في دمشق.

وجدير بالسوريين أن يتعالوا على الجرح، وكل انفجار في الوطنية يتسبب بجروح من هذا الصنف تصيب أبرياء. وجدير بهم أن يلحظوا أن عرس الاستقلال اللبناني لم يُعمِ الأبصار، رغم كل الضجيج الذي أحاق به، عن رؤية بشاعاتهم ونقدها وجلدها، وأكبر البشاعات التعاطي مع سورية والسوريين.

لكن، في المقابل، يبقى السبب وراء ما حصل «ثقافة سياسية» تندمج فيها طبيعة السلطة الأمنية التي داست اللبنانيين نيّفاً وثلاثة عقود، وتخلف العلاقات الأهلية في لبنان، وتكاذب «قومي» متبادل. وهذا ما لا علاج له الا بالخروج من الاستبداد الى الديموقراطية، ومن ترسيمة «الأصالة» و«الأخوّة» (التي سريعاً ما تنقلب قتلاً لـ«الأخ») الى علاقات الدولة، وفي عدادها إنشاء سفارتين على ما هي حال دول العالم جميعاً. حتى المصالح المشتركة استحالت مأسستها لأن الدول السيدة هي وحدها التي تمارس المأسسة، وهو ما لا يصنعه «الأشقاء»، كائناً ما كان عدد المعاهدات والمواثيق التي يوقّعونها! وتحولٌ كهذا هو ما يُكسب القرب الجغرافي مضموناً عصرياً، اقتصادياً وثقافياً وخدمياً، من دونه يبقى التجاور فعلاً من أفعال الطبيعة الخام. والطبيعة، تعريفاً، سبب لخوف الصغير من الكبير، أو لاستحمار الكبير للصغير واستخدامه، تالياً، لأغراضه الخاصة. فكيف متى تسلّح الكبير بنظام عسكري لا يقيم مطلق وزن لغير القوة.

وقصارى القول إن السوريين واللبنانيين ربما كانوا مدعوّين لاعادة اختراع علاقتهم، بحيث تكون ودية وصداقية وحميمة، يحل فيها السياسي والديموقراطي محل «الأخوي» والطبيعي. وكلما تقدم الشعبان من السياسة، ومن الديموقراطية، تقدم واحدهما من الآخر.

"الحياة"

حزب البعث يواجه أعمق أزمة منذ تأسيسه: هل يلغي الرئيس بشار الأسد المؤتمر القطري؟

حزب البعث يواجه أعمق أزمة منذ تأسيسه: هل يلغي الرئيس بشار الأسد المؤتمر القطري؟

أصبح اسم "البعث" عبئاً ثقيلاً منذ سقوط أحد شقي الحزب الذي نشأ في سورية وحمل هذا الاسم منذ أربعينات القرن العشرين؛ في العراق، بعد حكم دموي

استمر عقوداً. هذا العبء يشعر به أعضاء الحزب التوأم من "البعثيين" السوريين، وتسارع الأحداث جعل من عقد الحزب مؤتمره القطري الذي علّق عليه الرئيس بشار الأسد أي تغيير داخلي مرتقب؛ فعلاً متأخراً، وقد لا تسمح وتيرة التطورات بالانتظار حتى شهر حزيران / يونيو 2005 لعقد المؤتمر، بينما تقديم الموعد غير وارد الآن بسبب التحضيرات المطلوبة لإنجاحه.

ويشعر البعثيون السوريون بأن حزبهم الذي انفرد بالسلطة 42 عاماً منذ انقلابه العسكري الشهير، وفرضه حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية؛ يمر بأصعب تحدٍّ، وأعمق أزمة .. أزمة تفوق حتى أزمة أحداث الثمانينات التي واجه فيها الحزب تحدياً عسكرياً من التيار المعارض الأبرز له ممثلاً في جماعة الإخوان المسلمين، ونجح بتضافر عوامل داخلية وخارجية، وترتيبات إقليمية؛ في سحق المعارضة، مخلّفاً عشرات الآلاف من القتلى والمعتقلين والمنفيين.

وتقول مصادر وثيقة الاطلاع في دمشق إن اللوبي المعارض لعقد مؤتمر قطري لحزب البعث في هذه الظروف بدأ يضغط على الرئيس بشار الأسد لتأجيل المؤتمر، بينما بدأت تتعالى أصوات محيطة بالرئيس مطالبة بخطوات سريعة لا تستبعد حل حزب البعث أو تغيير اسمه أو تشكيل حزب جديد.

وكان الرئيس بشار الأسد أكد في خطابه أمام مجلس الشعب (5 آذار/ مارس 2005) الذي أعلن فيه انسحاب القوات السورية من لبنان بعد 29 عاماً من دخولها إياه؛ أنه يأمل أن يكون المؤتمر القطري للحزب "القفزة الكبيرة في هذا البلد"، حسب تعبيره. وأخذت المعارضة السورية على الرئيس اختصار المشكلة الداخلية إلى فقرة واحدة في خطابه المذكور، بينما أفاض الحديث في استعراض تجاوب سورية مع المطالب الدولية، في العراق ولبنان وعملية السلام. كما أن تأجيل أي خطوات سياسية داخلية إلى المؤتمر القطري، أدخل البلاد في حالة انتظار، بينما أصبحت الحكومة الحالية برئاسة المهندس محمد ناجي عطري تعتبر نفسها في حالة "تصريف الأمور" حتى تغييرها عقب المؤتمر المرتقب.

ويتساءل الشارع السوري عن أسباب ربط تحسين الأوضاع الداخلية بمؤتمر حزبٍ واحد مشكوك في شرعية وصوله إلى السلطة وإحكامه القبضة عليها أصلاً، لا سيما وأن الأصوات المطالبة بتعديل الدستور وإلغاء المادة الثامنة منه التي تنص على أن حزب البعث هو "قائد الدولة والمجتمع" تصاعدت في الأعوام الأخيرة. واكتفى الحزب في مواجهة هذه المطالبات بإعلان تعليمات بالفصل بين الحزب وبين التسيير اليومي لشؤون الدولة، لكنها لم تطبق على أرض الواقع.

ويستند البعثيون أصحاب وجهة النظر المعارضة لعقد المؤتمر القطري إلى أن الظروف الدولية والمحلية لا تساعد على اتخاذ قرارات هادئة ومدروسة، وأن أي قرار أو تغيير سيبدو امتثالاً للضغوط الخارجية وهذا يضعف موقف الحزب. ويرى أصحاب هذا التوجه أن الرئيس قادر على اتخاذ القرارات التي يريد دون الحاجة إلى مؤتمر قطري للحزب الذي سيقف معه في كل الحالات والظروف.

وعلى النقيض من ذلك بدأت بعض الأصوات المحيطة بالرئيس في الارتفاع مطالبة باتخاذ إجراءات أسرع من عقد مؤتمر، غير مستبعِدة حل حزب البعث العربي الاشتراكي، ذي الشعار الشهير "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" وعبارة "وحدة .. حرية .. اشتراكية"؛ أو تغيير اسمه، أو تأسيس حزب جديد تفادياً لأسوأ الاحتمالات.

ويستند أصحاب وجهة النظر هذه إلى أن العالم ينتظر من سورية خطوات كبرى من هذا العيار، إذ من شأن هذه الخطوات أن تعيد الثقة بنظام الرئيس بشار الأسد وتظهره كرجل إصلاح وتسحب الذرائع التي تتذرع بها أمريكا وفرنسا. وفي كلتا الحالتين هناك مطالبة بعدم عقد مؤتمر البعث لأنه تأخر أكثر من اللازم، وسيبعث رسالة غير مناسبة في هذا الوقت.

إلا أن الرئيس السوري فاجأ حتى الآن جميع المراقبين في كل الحالات السابقة، على الرغم من حديثه المنفتح عن بعض القضايا السياسية، حين اتخذ في معظم الأوقات قرارات أقرب إلى رغبات من يمكن تسميتهم "الحرس القديم" في الحزب والدولة، الذين يصرّون على التمسك بكل شكليات الحقبة الشمولية السابقة، من الحزب الواحد والجبهة الوطنية التقدمية فاقدة الجدوى والأهمية، وأجهزة الأمن العديدة التي تتدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون المواطنين.

ويخشى المطالِبون بإلغاء المؤتمر القطري أن يفاجئ الرئيس الجميع مرة أخرى ويتخذ قراراً بالمضي قدماً في عقد مؤتمر الحزب. ويثير تحرك واشنطن مؤخراً لمناقشة مسألة التغيير الديمقراطي في سورية مع معارضين سوريين في الخارج في لقاء عُقد الخميس الماضي في مقر وزارة الخارجية الأمريكية؛ قلقاً في دمشق، التي تحاول أن تستر قلقها كالعادة، وتعبر عن عدم اكتراثها. إلا أن الإشارة التي أرسلتها واشنطن باللقاء المذكور، حين عبرت عن رغبتها في إحداث "تغيير في النظام" السوري وليس "تغييره"؛ ما زالت تنتظر من يلتقطها في العاصمة السورية.

"أخبار الشرق"

للمرة 1559: لا لتصريحات الوزير الشرع

للمرة 1559: لا لتصريحات الوزير الشرع

حكم البابا


للوهلة الأولي قد يبدو تناولي لوزير الدبلوماسية السورية فاروق الشرع استقصاداً شخصياً، كوني تناولته في مقال سابق قبل نحو شهرين، لكني أظن أن المسألة يجب أن تقرأ بشكل معكوس، فأنا أعتبر الوزير الشرع يستقصدني شخصياً، وربما لست الوحيد بين السوريين الذي يشعر بمثل هذا الاحساس، الذي ولّدته تصريحات سابقة لوزير الدبلوماسية السورية، حول تفاهة القرار 1559 وحول كونه يخص جزر القمر وجيبوتي أكثر مما يخص سورية ولبنان، فبسبب هذا الاستكبار الذي أحسد الوزير الشرع علي قدرته الفائقة في الاصرار علي أن لون اللبن أسود، يعيش السوريون حالة الجارية شهرزاد في ملحمة (ألف ليلة وليلة) الشعبية، التي ترزح تحت مزاج شهريار وهي تبتكر حكاياتها، في محاولة منها للنجاة من سيف مسرور السياف الذي قد يقطع رقبتها في أية لحظة (!!).
وبعدما حدث ما حدث، واكتشف السوريون أن الوزير الشرع نوّمهم في العسل، وأن القرار 1559 ليس من النوع الذي يطلقه أحد سفرائه ويخرج هو لينفيه أو يصححه فيما بعد، وأن مندوبي الدول العظمي في مجلس الأمن الدولي ليسوا أعضاء في حلقته الحزبية ليقوّلوا ويوقعوا، ولربما استفزتهم تصريحاته بشأن قرارهم فقرروا المضي في غيّهم وتنفيذ بنود هذا القرار (التافه)، ويخرج كل زعماء العالم ليقولوا أن علي سورية تنفيذ قرار الشرعية الدولية 1559، وقد شاهدت وشاهد غيري علي كل الفضائيات القاصي والداني يردد مثل هذا الكلام، حتي أنني ظنت (من كثرة ماسمعت من بيض وسود وصفر من البشر يظهرون في التلفزيون، ويرددون بالعربية والانكليزية والصينية والهيلوغريفية والسنسكريتية رقم 1559) أن القيامة قامت، وأن شيفرة قيام الساعة وبوق الحشر هو 1559 (!!).
من جهتنا نحن السوريين ضربنا يدنا بحثاً عن الوزير الشرع، ليشرح ويوضح ويفسر ويجيب ويطمئن ويهدئ فلم نجده، اختفي فجأة ولم يعد صوته يظهر، لكن بقيت صورته تظهر بين فينة وأخري علي الشاشة، لينقل عنه مذيع ما في نشرة أخبار ما تصريحاً ما، بدون أن نسمع صوت الوزير الشرع، ومن المنطقي في هذه الحالة أن احتمال نفي التصريح وارداً مادام لم يسجل صوتياً، لكن الملاحظة التي دقق فيها الجميع وتحاوروا حولها، هي وجه الوزير الشرع الذي لم يظهر عليه الارتياح، مع أنني كنت أخالف الجميع رأيهم هذا وأراه أكثر الوجوه ارتياحاً (!!).
علي كلٍ نحن متعودون علي هذا الأسلوب من الانسحاب الهادئ، والذي تجلي بأوضح صوره في غياب الوزير الشرع عن مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عقد اجتماعاً تحضيرياً للقمة في القاهرة، في عز أزمة القرار 1559 والمطالبات الدولية بتنفيذه بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وتوضح في غيابه ولو نسبياً من أمام كاميرات التلفزيون المغريـة في اجتماعات وزراء الخارجية العرب في الجزائر التي سبقت القمة مباشرة، فحمدنا الله ورفعنا له آيات الشكر كوننا سننجو (أو هكذا شبّه لنا) مما قد تجره تصريحات جديدة علينا، لكننا وبعد أن تسرب جدول أعمال القمة، اكتشفنا أن الوزير الشرع ومساعده اللبناني الوزير محمود حمود قاما بجهد جبار لمنع طرح الزلزال اللبناني علي القمة، رغم أنه الحدث الأبرز والأخطر الآن عربياً، واستبدل بإعادة نبش جثة مبادرة الغزل والمصالحة العربية الاسرائيلية، وحديث رومانسي أقرب إلي خفر العذاري عن الاصلاح، مع تجاهل للموضوع العراقي الذي لايزال مشكلة المشاكل، ولايخفي علي لبيب أن العرب ومن وراء ترتيب جدول أعمال القمة علي مقاسه، أراد أن يقول الصلح مع اسرائيل، وتجاهل الاحتلال الأمريكي للعراق، واصلاحات منتقاة علي طريقة من يختار أطباقاً محددة من لائحة طعام في مطعم (حسب أحد الذين وصّفوا مقت الزعماء العرب لنغمة الاصلاح)، وكل ذلك مقابل تجاهل زلزال لبنان، الذي تهب من خلاله روائح حرية وديمقراطية علي منطقة تكره هاتين الكلمتين أكثر مما يكره شعبان عبد الرحيم اسرائيل!
إلي هنا والموضوع محتمل ولو علي مضض، فالكل يعرف أن القمة العربية مثل المسلسلات المكسيكية، لاتضر ولاتنفع، وأن قراراتها تشبه الدينار العراقي في أواخر أيام حكم صدام حسين تعامل بالكيلوغرام لا بالقيمة، وأن التغيير أو إيقافه ليس بأيدي المجتمعين فيها فهؤلاء يريدون سللهم بلا عنب، لكن من غير المحتمل أن يعود الوزير الشرع إلي تصريحاته الشهيرة التي نقلت جريدة الخليج الاماراتية إحداها (23/3/2005) حين أكد بلغة الواثق انه لا توجد أزمة بين دمشق وبيروت، ولكن هناك ازمة مفتعلة بسبب تطورات داخلية في لبنان، وأطماع خارجية، بهدف التغطية علي ملفات أساسية في العراق وفلسطين ، فهل هذا يعقل؟ وهل الناس من الهبل والبلاهة بحيث لايفهون مايشاهدونه علي كل الشاشات وبكل اللغات الحيّه والمنقرضة لما يحدث في لبنان؟ اسألوا أي دهّان علي سلّم في السودان، واستفسروا من أي حفار قبور في اليمن، واسمعوا مناغاة أي رضيع علي صدر أمه في البوليساريو، تحدثوا مع اليمين واليسار، وقولوا لـ الناس اللي فوق و الناس اللي تحت ، وخذوا رأي التقدميين والرجعيين، وبعد ذلك عودوا واقرؤوا التصريح الأخير للوزير الشرع، وأجيبوني كسوري معني أكثر من الجميع بهذا التصريح، لأنه يقلقني ويهدد حياتي ووجودي ويجعل الأرض تزلزل من تحتي، والسماء ترعد من فوقي، وساعتها سأضرب يدي باحثاً عن تصريح آخر مطمئن للوزير الشرع فلا أجده، ولا أجد تصريحه!
قبل أن أنهي مقالي اتصل بي صديق ليسألني ماهو السبب الذي يجعل من أمريكا دولة قادرة علي تحقيق أهدافها، ولم أتعذب في العثور علي اجابة فقلت فوراً: لأنها تتعامل بعقلية الشركة المساهمة، فهي قد جاءت بالجنرال المتقاعد غارنر ليدير العراق بعد احتلاله، وبدلته بعد شهر واحد دون أن تعتبر ذلك انتقاصاً من هيبتها أو تراجعاً لسياسة دولتها، لا لأن العرب هاجموه باعتباره صديق شارون، لكن لأنه فقط لم يكن الرجل المناسب في المكان المناسب، ولم تحمه قرابة أو صداقة أو تاريخ، فهذه شركة وليست تكية!!!

القدس العربي

2005/03/28

خلافات المعارضة السورية...

2005-03-27

خلافات المعارضة السورية...

محمد سيّد رصاص ...الحياة

لم تكن المعارضة السورية في فترة ما قبل 10 حزيران (يونيو) 2000 مختلفة في النظرة إلى النظام، الامر الذي استتبع توافقات في الرؤية البرنامجية للمعارضة، وأيضاً في مطالبها السياسية بالتالي.

بعد ذلك التاريخ دخلت المعارضة السورية (أحزاب «التجمع الوطني الديمقراطي»: الحزب الشيوعي – المكتب السياسي، حزب الاتحـــاد الاشتراكي العربي، حـــــــزب العمال الثوري العربي، جماعــــة 23 شباط, حركة الاشتراكيين العرب, إضافة إلى المثـــقــفــين المنضــــويـــن ضمن «حركة إحياء المجتمع المدني») في رؤية مختلفـــة حيال العهد الجديد. اذ رأت المعارضة، في أدبياتها وتصريــحات قادتها، أن هناك «تياراً إصلاحياً في النظام» يقوده الرئيس الجديد في مواجهة ما سموه «الحرس القديم»، ورفع بعض المعارضين راية «خطاب القسم» إلى أن أوضح الرئيس في خطاب له، في10 آذار (مارس) 2003, بأن رؤيته تختلف عن قراءة هؤلاء لـ «خطاب القسم» .

كان سقوط بغداد، في التاسع من نيسان (ابريل) 2003, حدثاً مفصلياً في تطورات رؤى بعض المعارضين السوريين: في السابق كانت المعارضة السورية تختلف عن المعارضتين العراقية والسودانية بابتعادها في الخطاب والممارسة عن المراهنات على الخارج, فيما حصل اتجاه جديد لدى بعض المعارضين, خصوصاً لدى ماركسيين تحولوا إلى الليبرالية, عندما رأى هؤلاء أن الولايات المتحدة تتجه إلى تغيير الأنظمة ونــشر الديمقراطــيـة بــحكم ربطها بين الديكتاتوريات والفساد وبين ظاهرة «الإرهاب الإسلامي». ووصل بعض هؤلاء, على الصعيد الشفوي لا الكتابي (وهو ما يجب أن يمتلكوا جرأة إعلانه على الورق لأن هذا اتجاه سياسي, وليس سراً تنظيمياً), إلى حد اعتبار أن توقف الدبابة الأميركية على الحدود هو شبيه بتوقف الباص الذاهب من دمشق إلى حلب في استراحة حمص, فيما وصلت الأمور عند أحد المعارضين السوريين إلى حدود لوم دبلوماسي أوروبي على موقف بلاده المعارض للحرب الأميركية على العراق.

يلاحظ في هذا الإطار بأن المراهنين على «التغيير الأميركي» انتقلوا إلى هذه الخانة بعدما كانوا في خانة المراهنين على «التيار الإصلاحي» في السنوات الثلاث التي أعقبت صيف عام 2000, من دون أن يبحثوا عن المراهنة على المجتمع كرافعة للسياسة, الامر الذي يترافـــق, عند المتناوبين على بناء السياسة عبر «الخارج» أو «الحاكم» أو عبرهما معاً كما كانت حال المرحوم خالد بكداش, مثلاً, مع فقدان الجذور الاجتماعية, وهو أمر لا يلاحظ عند التيارات الممتدة في النسيج الاجتماعي, فيما نرى ذلك عند « أحزاب الأقليّات» عندما تراهن على الخارج من أجل إحداث تغييرات داخلية لصالحها ولصالح من يتحالف معها, وهي الممتدة في المجتمع عبر أحد مكوناته.

يلاحظ على هؤلاء المراهنين على «الخارج» (وهم ممتدون في «لجان إحياء المجتمع المدني» التي انقسمت أخيراً على هذه الخلفية إضافة إلى أن هذا الموضوع هو أحد المواضيع الخلافية في الحزب الشيوعي - المكتب السياسي عشية مؤتمره السادس) انتقالهم أخيراً إلى «التشدد «تجاه النظام بعدما كانوا من معتدلي المعارضة السورية في الرؤية للعهد الجديد, فيما حافظت أطراف معارضة, كانت وما زالت تقول بـ «نظرية التيارين» من دون أن تكون مراهنة على «الخارج» أو تتجه للالتحاق والإستقواء به, على اعتدالها السابق تجاه مرحلة ما بعد 10حزيران 2000, وهو ما يلمس بوضوح عند حزب الاتحاد الاشتراكي.

لا يقتصر الأمر, عند هؤلاء المراهنين على الخارج على تحول إيديويولوجي انتقلوا عبره من الماركسية إلى الليبرالية, وإنما يلمس عندهم انتقال من خانة إلى أخرى في مجالات متعددة: نبذٌ للعروبة لصالح «وطنية سورية» غير واضحـة المعـالم بعد, تغيير في نظرتهم السابـقـة تجاه مواضيع إسرائيل والتسوية, التقارب مع الأكراد بعدما كان بعضهم لشهور قليلة قبل أحداث القامشلي يتكلم بطريقة متطرفة تجاههم لا تبتعد كثيراً عن مفردات ميشال عفلق, فيما يلاحظ أخيراً على صعيد الأفكار انتقالاً عند بعض هؤلاء (بعدما كانوا من أنصار التقارب مع التيار الإسلامي في أحداث 1979 – 1980) إلى علمانية متطرفة ضد المتدينين والإسلاميين فيها الكثير, وإن كان بشكل كاريكاتوري, من الأمراض اليسارية السابقة تجاه الدين والتي دفع اليسار العربي غالياً بسببها.

من الواضح أن ذلك يتوافق (في الإيديولوجيا وفي تحديد الحلفاء وفي الإستهدافات والغايات وأيضاً على صعيد مضامين مشروع «الشرق الأوسط الكبير» من خلال طرحه لإطار يتجاوز هوية المنطقة العربية) مع الأجندة المطروحة من قبل واشنطن تجاه المنطقة العربية.

وتُجمع المعارضة السورية (التي رُفدت أخيراً بإعادة تشكيل حزب العمل الشيوعي, الذي كان متوقفاً عن النشاط منذ عام 1992, والذي يجمع الماركسية مع تشديده على الربط بين الوطنية والديمقراطية, فيما اتجه آخرون من أفراد حزب العمل إلى اتجاه آخر نحو الليبرالية) على مطلب الديمقراطية. إلاّ أنّ خلافاتها, التي تشمل ما يجري في العراق ولبنان وما يوضع من أجندة أميركية للعرب, تجعل هذا الاجماع من دون مفاعيل, خصوصاً عندما يؤدي الخلاف حول ما يجري في المنطقة, بعد مجيء (القطب الواحد) بقواته إليها, إلى خلاف حول وسائل «التغيير الديمقراطي» في سورية: هل يتم عبر الخارج, ام من خلال الحفاظ على الربط بين «الوطني» و»الديمقراطي» خوفاً من أن يؤدي فك الارتباط بين هذين الحدّين إلى ربط كارثي للديمقراطية بواشنطن, شبيه بنتائج ذلك الاقتران الذي كان بين موسكو والاشتراكية, هذا إذا لم نتكلم عن الآثار الكارثية على اليسار العربي وعلى الحركة الديمقراطية, لعملية ترك المهمات الوطنية ومواجهة الأجنبي إلى الإسلاميين والقوميين؟ ....

هذا الوضع يــؤدي إلى انقسام (ومن ثم انشقاق) المعارضة السورية إلى معسكرين: «الليبراليون الجدد» الذين يقتربون من رؤية «المحافــظين الجدد» للمنطقة, وبقــيـة المعارضة السورية بما تضمه من قوميين وإسلاميين وماركسيين, فيما من الواضح أن «الليبرالية الجديدة», والتي رُفـدت أسـاساً مـن فصائل الحـزب الشيوعي ومن حــزب العمل, ليـست أكـثــر مـن تـعــبـيـر عن أزمـة أحـزاب وأفــــراد مأزومين أيـديـولوجياً, اذ من المؤكـد أن التـيـار الليبـرالي لن يكـــون عماده هـؤلاء, بل صناعيـون وتجار وفئات وسطـــى وتكنوقراط ومتعلمون. وفي هــذا الصـــدد, ربما أعطى الصناعي الدمــشقي رياض سيف, عبر تأسيس «حركة السلم الاجتماعي» عام 2001 قبـيـل دخوله السجن, إرهاصا مبكراً عن إمكان إعادة تشكيل هذا التيار, بعدما كان أساسياً في الخمسينات عبر «حزب الشعب» و«الحزب الوطني».

تعيدنا الصورة الأخيرة إلى عام 1958 عندما انتهى مشهد سياسي سوري كامل, بأغلب أحزابه وشخصياته, ولو أن مرحلة الانفصال (1961 – 1963) شهدت الاشتعال الأخير للشمعة قبل الموت: من الواضح, أن مشهد ما بعد عام 1963 يقترب من فصله الأخير, سواء جرت تسوية أميركية – سورية حيال المواضيع الإقليمية أم اتجهت السلطة إلى مصالحة الداخل السوري للإستقواء به على الخارج الأميركي.

في هذا الإطار, فإن المسألة المركزية المطروحة, هي من سيبقى من أحزاب وشخصيات المعارضة السورية فوق سطح الماء, بعدما فشلت أحزاب «التجمع «والمثقفون في إنبات أي جذور وامتدادات اجتماعية, وفي فرض أجندة «إعادة السياسة للمجتمع»؟... بعبارة أخرى: إذا عاد المجتمع السوري إلى السياسة, وهو ما يمكن أن تقــرّبه التـــطورات المقبلة, فما هي الخريطة الجديدة للحياة السياسية السورية؟... وصولاً إلى السؤال المركزي: هل سيكون ما سبق معـــتمداً على عـــزل الاتــجاه الوطني في المعارضة السورية للمراهنين على الخارج, منعاً من تكرار تجربة المعارضة العراقية, عندما كانت قوى سياسية عراقية غطاءً محلياً لاحتلال البلد, وما أعقب ذلك من وضع العـراق في أيدي «الخارج» الذي سيـظلّ متحكماً بمصير العـــراق ومآلاته إلى أمد غيـر منظــور, بمعــزل عن كل ما جرى من انتخابات وغيرها, على رغم أن من الواضح أن الاستهداف الأميركي لسوريا يـــتم بوسائل غير عسكرية, عبر المحــاولة الراهنة من قبل الأميركيين لوضع يدهم على منطقـــة شــرق المتـــوسط, بعد سقـــوط بلاد الرافدين, حيث ما زالت الحقيـــقة الجغرا- سياسية القائلة ان «بيروت هي نافذة دمشق وبوابتها» فاعـــلة وقائمة, مع أن ذلك لم يحصل إلا عبر نفاذ «الخارج» من «الداخل» عبر مشكلات لبنانية حقيقية ولّدتها الهيمنة السورية على مقدرات لبنان؟

كاتب سوري.

في استقبال التغيير: ليس لسورية أن تتخلف!: ياسين الحاج صالح

في استقبال التغيير: ليس لسورية أن تتخلف!: ياسين الحاج صالح

كان عام 1976 عام التدخل السوري في لبنان وعام استشراء القمع في الداخل السوري، فهل يكون عام 2005 عام الانسحاب من لبنان وبدء تحرير الحياة

السياسية السورية؟ ليس الجزم بذلك متاحاً. لكن قد يرى يوما أن العام الحالي هو عام التغيير، وأن سوريا بعد انسحابها من لبنان أخذت تقلع عن مشابهة نفسها قبله.

نهاية الدور الإقليمي الهيمني

كان الدور الإقليمي الشهير لسوريا فائضا وظيفيا، خارجي المصدر وهيمني الشكل، يفوق إمكانياتها العسكرية والاقتصادية الذاتية. ذلك الفائض منح الدولة السورية استقلالية فائضة بدورها وغير مستحقة عن المجتمع المحلي، جعلت منها دولة خارجية عنه وخارجة عليه. وطوال ربع قرن كانت الدولة التي فرغت من مضمونها العمومي والوطني وتشربت مضامين أهلية وقمعية مصدر اللااستقرار الأول في المجتمع. العروبة كانت الإيديولوجية المناسبة لتقنيع كل من الدور الإقيلمي وتفريغ الدولة و"أهلنتها" ووضعهما معا في سياق "الصمود" في وجه التوسعية الإسرائيلية المسنودة أميركياً. نخطئ حين ننتقد الإيديولوجيا وحدها ونغفل بنى السلطة ونظم المصالح والتكوينات الاجتماعية المحتجبة وراءها.

نهاية الحرب الباردة دشنت عملية تراجع الفائض الخارجي. لكن الحرب على العراق عام 1991 وثمن المشاركة السورية فيها ومقتضيات عزل نظام صدام حسين مددت للدور الإقليمي المؤسس على ذلك الفائض. وكان لعملية مدريد تأثير متناقض عليه تمثل في إفلات الطرف الفلسطيني وانضواء الطرف اللبناني. احتلال العراق أفضى إلى تغيّر في نظام الوكالات والأدوار الإقليمية، وهو ما لم يدركه الطرف السوري الذي حاول التمديد لدوره عبر مسألة ضبط الحدود. ويبدو أن المسار المؤدي من التمديد للرئيس لحود فالقرار 1559 وصولا إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري يقود الآن إلى انطواء صفحة الدور الإقليمي المكفول خارجياً. اضطرار سوريا للتخلي عن لبنان، جوهرة التاج البعثي، هو التتويج النهائي لعملية تآكل متسارعة تلت تسنم الولايات المتحدة سدة السيادة العليا في "الشرق الأوسط". انتهت الوكالة، وتحويلات القوة الخارجية التي أنتجت التمدد الإقليمي السوري نضبت. والاستقلالية والتضخم المفرطان للدولة مدعوان الآن إلى تقديم كشف حساب أمام القدرات السورية الذاتية. من حيث المبدأ هذا يدفع النظام السوري نحو السياسة في الداخل، اي الاعتراف السياسي بالمجتمع السوري وإعادة الاعتبار للمضمون العمومي للدولة. فمع انطواء صفحة الدور الإقليمي المكفول تدخل الدولة الخارجية طور أفول محتوم. هذا لا يلغي أن السير العياني نحو استعادة السياسة و"ضبّ" الدولة قد يكون محفوفاً بمصاعب وتضحيات إضافية. لا يلغي أيضاً أن دوراً إقليمياً دون كفالة خارجية وفي صيغة غير هيمنية ممكن ومرغوب.

وجملة القول أنه بقدر ما كان الدور الإقليمي الهيمني ركيزة أساسية لاستقرار نظام الهيمنة الداخلي (وليس بحال لضمان المصالح الوطنية السورية، دع عنك المصالح القومية العربية) فإن من شأن انتهائه ان يفرض على النظام تجديد شروط استقراره الداخلية والخارجية معا. إن لم يستطع فسيلتحق بدوره الإقليمي.

تحوّل المشهد الإقليمي

حول سوريا، المشهد الإقليمي كله مختلف أو آخذ في الاختلاف: في العراق وفي فلسطين، وفي لبنان ومصر، وبدرجة ما حتى في الخليج. (الطرف الوحيد الذي لا يتغير ولا يستطيع ان يتغير هو إسرائيل، وليس غير الجمود والطغيان العربي غطّيا كونها القوة الأشد محافظة ورجعية في المنطقة، وقادا إلى هزيمة الفكرة العربية).

لا تتوحد التغيرات الجارية تحت عنوان واحد، وليس لها فاعل واحد، ولا يمكن إطلاق حكم قيمة موحد عليها. وهي ليست حلولا جديدة لمشكلات قديمة بل مزيج من انحلال المشكلات القديمة ومن تغيرات مدفوعة بقوة ضغوط وتدخلات خارجية، تفضي بمجملها إلى تكوّن نظام جديد للمشكلات والحلول الممكنة. ثمة تحديات جديدة وصراعات جديدة وأشكال جديدة للتفاوت داخل المجتمعات وبين الدول، لكن ثمة أيضاً فرصاً جديدة وحساسيات جديدة وملامح تفكير جديد وعناصر ثقافة جديدة. التغير مرحب به في كل حال رغم ما يحمله من مخاطر.

المرحلة القديمة تحتضر، والمشرق العربي على أبواب حقبة جديدة مختلفة بالكامل عما سبقها، ربما منذ خمسين عاماً. والأرجح أن ملامح الحقبة القادمة تتلخص في نظم سياسية أقل انغلاقا، وقد تكون أكثر انفتاحا وفقا لدرجة الحضور الشعبي، وتسوية (غير عادلة بلا ريب) للصفحة السورية الباقية من النزاع العربي الإسرائيلي، واقتصاد غير دولاني دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه اقتصاد سوق حرة تنافسي حقيقة، ونظام هيمنة أميركية إقليميا. ومع ترجيحنا لأن تشكل هذه الملامح صورة المرحلة الآتية، فإنه ليس ثمة ما يدفعنا للأسف لحظة واحدة على الحقبة المنقضية التي جمعت بين الدموية والجمود. فدينامية التغيير قد تفسح مجالا لدخول قوى جديدة ودماء جديدة في المجتمعات الأسيرة التي كتّفها الطغيان طويلاً.

شراكة من أجل التغيير

لا يحتاج المرء ان يكون معارضا سوريا كي يدرك أن التغيير بات محتوماً وأن معاندته مستحيلة وخطرة. وهو مؤلم من أية زاوية نظرنا، لكن رفضه سيكون اشد إيلاما. اليوم، ترفض السلطات السورية المشاركة في النقاش حول التغيير مع اي شركاء داخليين او اقليميين. غداً، قد تبحث عن شركاء فلا تجد. إن امتناعها عن النقاش حول التغيير ومنعه في الداخل يحرمها هي بالذات من المساهمة في صنع المستقبل، ويهدد بترك مستقبل البلاد لفاعل وحيد هو 7-7-الخارج7-7- الأميركي. ما يفوّت على البلاد بفضل جمود نخبة السلطة السورية هو أنه كلما تأخرت في المشاركة الفعالة في التحولات الجارية، بما فيها فتح النظام السياسي، احتلت سوريا موقعا ثانويا ومنفعلا في الترتيب الإقليمي الجديد. ويعني ذلك أن فرصها في إسماع صوتها وطرح مطالبها في المرحلة المقبلة ستكون أضعف.

إن تكوين اوسع شراكة سورية ممكنة من أجل التغيير يضمن للبلاد انتقالا آمنا نحو المستقبل وموقعا أليق بها في نظام الاستقرار الإقليمي القادم.

بهجة الجديد؟

إنه عالم جديد هذا الذي يبدو إننا ندخل فيه. لكن يفسد بهجتنا المشروعة بتحوّلاته إيديولوجيات مصابة بالسوداوية والاكتئاب المزمن، أو هي معادية للتغيير صراحة. هذا بحد ذاته ليس جديدا. فلطالما تقدم الناس دون علم منهم ودون رضاهم وفي غفلة عن عقائدهم إن لم نقل عبر خيانتها، ولطالما ساروا إلى الأمام ووجوههم نحو الوراء، ولطالما تقدم التاريخ من جوانبه العفنة كما قال الشيخ كارل ماركس. لكن دوام انفصال عمليات التغير الواقعية عن التغير الثقافي والفكري يهدد بحرماننا مفاهيم وادوات فكرية تضفي على التغيير الواقعي درجة من الاتساق وتمكن المجتمع من استيعابه وتوجيهه.

ثمة تغير على مستوى الحساسية والفكر حان وقته في الثقافة العربية المعاصرة: التصالح مع التغيير والاحتفاء به. فالتغيير الذي لا نتصالح معه لن يتصالح معنا وسيفرض ذاته على كره منا. ثم إن المشاركة في التغيير تتيح لنا فرصة المشاركة في صنع مستقبلنا، فيما لا يقود الانسحاب من الفاعلية التغييرية الراهنة إلا إلى انعزالية سياسية واجتماعية منتهاها هو الخروج من التاريخ. أن لا يكون التغيير الجاري "على كيفنا"، ألا نكون محتكري إحداثه، ألا يكون واعدا بالعدل والحرية، أشياء لا ينبغي أن تمنعنا من الانخراط في العمل الآن (ولا أن تحجب عنا أن جمود العقود الثلاثة الماضية كان أشد استغناء عنا من حركة هذه الأيام).

يفسد بهجتنا بالتغيير أيضاً إغراقه في إشكالية داخل/ خارج، يشغل التغيير منها موقع مناسبة إضافية لاجترار نقاشات عقيمة ماضية (حداثة وأصالة، غرب وشرق، خصوصية وعالمية...). أفسد ما في هذا النقاش هو تحوله السريع إلى مسألة عقيدية تتكون حولها معسكرات وجبهات ويضيع فيها موضوع النقاش: التحولات الكبيرة والخطيرة الجارية حولنا وعندنا. استيعاب التغيير يقتضي شيئين: الانفتاح النفسي والفكري على التغيرات الواقعية، والانفصال النفسي والفكري عن المواقف العقيدية المهتمة بإثبات مواقفها وتفضيلاتها لا بإنارة القضايا موضوع النقاش.

إن مواكبة التحوّلات الواقعية بتحولات الثقافية من شأنه ان يعيد فتح أبواب المستقبل في وجه سوريا، وقد يكون بداية انتهاء كابوس العرب الطويل، كابوس إذلالنا وانحطاط معنانا.

"نوافذ" المستقبل اللبنانية

لسنا مرفأ لدمشق فقط بل... رئتها وهي رئتنا: بشير البكر

لسنا مرفأ لدمشق فقط بل... رئتها وهي رئتنا: بشير البكر

لا يقع المتابع لخطاب المعارضة اللبنانية منذ اندلاع الازمة الحالية على ما يفيد بشأن الوضع السوري الداخلي، لاسيما الشعارات المرفوعة في سوريا

من طرف قوى المعارضة والمجتمع المدني، في ما يخص وقف العمل بقانون الطوارىء واغلاق ملف الاعتقال السياسي واطلاق حرية التعبير.

ورغم ان المحنة الراهنة تشير الى ان قضية المعارضة واحدة في البلدين. الا ان المعارضة اللبنانية عمدت عن سابق تصميم الى عدم ازعاج النظام السوري ان بالتصريح او بالتلميح. واللافت في الامر ايضا هو صمت الولايات المتحدة وفرنسا تجاه الوضع الداخلي السوري اذ لا نكاد نعثر لهما على موقف واضح من ان المنطق الذي تم وفقه تحريك الموقف اللبناني يصلح اساسا لتحريك نظيره السوري.

وباستثناء بعض التلميحات من طرف الرئيس الاميركي جورج بوش الى ان سوريا عقبة في وجه الديموقراطية في الشرق الاوسط فان الانتقادات الاميركية تركزت على مشاكل الحكم السوري مع الآخرين. وقد اختصرت الامر وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس في لقاء صحافي في لندن في مطلع شباط الماضي حين قالت ان لسوريا مشاكل مع العراق ولبنان والفلسطينيين ومع العالم. وفات الوزيرة ان تخص الشعب السوري الذي احسب انه يتحمل القسط الاكبر من هذه المشاكل.

ومن حق اي مراقب ان يتساءل هل هذا التوارد في الموقف من النظام السوري امر مدروس ويخضع لرؤية سياسية تنقسم فيها الاولويات بحيث يأتي تحريك الوضع في لبنان في البداية؟

لا يخفي بعض رموز المعارضة اللبنانية اقتناعهم بأن التلازم الوحيد الممكن هو تلازم المصيرين للشعب في لبنان وسوريا، ومع ذلك لم نلمس اي توجه سياسي واضح يذهب الى ترجمة هذا الاقتناع. قد يكون المانع حتى الآن متعلقا بقرار المعارضة اللبنانية تركيز جهدها على انجاز موضوع الانسحاب السوري. وربما هناك تخوف من ان فتح الملف السوري الداخلي يمكنه ان ينعكس سلبا على المهمة الراهنة والمستعجلة للقوى السياسية اللبنانية.

وقد يكون هناك من بين اطراف المعارضة من هو غير معني بالمسألة لا من قريب ولا من بعيد، وهو ليس في وارد احداث تغيير في سوريا خصوصا ان هناك من كان ينتظر حصول العكس. اي ان يتغير الوضع السوري بما ينعكس ايجابا على نظيره في لبنان. وعليه صار بوسع القوى السورية ان تكسر حاجز الخوف بعد ان انكسر في لبنان وتبادر على ضعفها لاقتناص الفرصة الدولية التي تلوح لإضعاف النظام، وهي ان لم تلتقط المبادرة اليوم فلن تأتيها فرصة افضل.

في هذا السياق كان لا بد من تصعيد الاعتصام الذي قام به ناشطون من الاحزاب وقوى المجتمع المدني امام البرلمان. وطالما ان النظام لم يرد بغير سلاح القمع فان المعارضة كان الحري بها ان تحشره في الزاوية مستفيدة من الجو الدولي المفتوح على الحالة اللبنانية. وباعتبار ان هذا الاحتمال بقي بعيدا وغير وارد في المدى القريب فان المسألة التي تظل مطروحة هي امكان خلق صلة ما بين الانتفاضة اللبنانية والوضع السوري الداخلي.

من غير الانصاف تحميل المعارضة اللبنانية فوق طاقتها في هذا الظرف الدقيق والحرج، فهي لديها مهمة اساسية تتمثل في تأطير الانتفاضة العفوية ووضعها في سياق سياسي يوفر برنامج عمل للمستقبل. وبالتالي ليس من حق احد ان يعتب عليها كي تزج نفسها في الشأن الداخلي السوري. لكن سؤالا من شقين يطرح نفسه، هو هل ينهي انسحاب القوات والاجهزة السورية من لبنان مشكلة التدخل السوري في شؤون هذا البلد ام ان الامر مرهون باحداث التغيير الديموقراطي في سوريا؟ وهل يمكن التجربة الديموقراطية اللبنانية ان تشق طريقها بأمان وتتقدم الى الامام وحال الديموقراطية في سوريا يسير من سيىء الى اسوأ؟

ان قانون الضرورة في هذه اللحظة يستدعي اعادة الاعتبار الى الجوانب الايجابية من التاريخ المشترك، لكي نتمكن معا من النظر الى المستقبل بأفق واحد. فاذا كان السوريون قد تأخروا حتى الآن في معانقة شوق التغيير والانطلاق نحو العمل الجاد للخلاص من نظام الطوارىء والحزب الواحد وحكم الاجهزة، فلأن ما تعرضوا له على مدى العقود الاربعة الاخيرة يكاد لا يذكر امام ما لاقاه الاشقاء في لبنان من اجهزة الشقيقة.

لكن السوريين الذين صبروا طويلا على الاضطهاد والطغيان الذي الحق افدح الاضرار ببلدهم على المستويات كافة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى الرياضية لن يتأخروا عن الركب هذه المرة.

يقتضي حماية مشروع المعارضة اللبنانية مد افقه في اتجاه الوضع الداخلي السوري والديموقراطي العربي على العموم. فبيروت ليست مرفأ دمشق فقط التي شكلت ممرها الى المحيط العربي بل ان الواحدة رئة الاخرى، ولا يمكن احدهما التنفس بدون الاخرى. قد ينسى بعض المعارضين اللبنانيين في ظل الفورة العامة هذه الحقيقة، او يضطروا الى نسيانها لأسباب تكتيكية لكن الامر الواقع سيطرحها على جدول الاعمال في وقت ليس ببعيد. فهل فكر الطرفان قبل ان تدهمهما المفاجأت الآتية؟ فاللبنانيون والسوريون ان لم يكونوا شركاء الضرورة فهم اخوة الشقاء في الأقل.

"النهار"