سورية أمامها فرصة لبناء علاقة جديدة مع لبنان

2005-04-29

سورية أمامها فرصة لبناء علاقة جديدة مع لبنان

وإجراء تغيير داخلي... إذا استفادت

من الأخطاء

نيويورك - راغدة درغام الحياة

ما يحدث داخل سورية ليس من شأن اللبنانيين، بعد خروج القوات والاستخبارات السورية من لبنان. هذا شأن السوريين الذين يعود اليهم قرار نوعية العلاقة مع قيادتهم. ولا حاجة الى تطفل أفراد أو مجموعات لبنانية على القرارات الداخلية لسورية، الشعبية منها خاصة. فإذا أراد الشعب السوري التمسك بحكومته، ليس من حق أي لبناني استباقه الى القول انه يريد الآن تغيير النظام في دمشق بعد اخراج السوريين من لبنان.

إذا اراد الشعب السوري المساعدة الخارجية، انه يعرف كيف يطلبها، ولن يريدها بمبادرة لبنانية.

شغل اللبنانيين يجب ان ينحصر الأن في حماية التجربة اللبنانية من التصدع وهذا يتطلب حمايتها من الاستغلال والاستخدام. فالتحديات ضخمة أمام المسيرة اللبنانية الداخلية، حيث تتلاقى أو تفترق الدول الكبرى في اعقاب التحقق من الخروج السوري من لبنان.

القيادة السورية باقية تحت المجهر الدولي بقدر ما تختار ان تبقى تحت المراقبة والمحاكمة. انها تملك خيار القاء الثقل الدولي عن اكتافها إذا قررت حقاً التخلي عن كل مفاتيح نفوذها التقليدي في لبنان. فالأمر عائد اليها.

المحطة الأولى هي في اثبات الخروج الكامل لأي نوع من الاستخبارات السورية من لبنان، وعدم السماح لأي اجهزة استخباراتية التلاعب بهذا الأمر. فاأي هفوة أو غلطة ستكلف غالياً. وعلى القيادة السورية ان تتنبه الى أهمية ما ذكره الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان، في تقريره الى مجلس الأمن الثلثاء الماضي عن تنفيذ القرار 1559.

لفت انان الى ان «بعض الدول وكذلك أعضاء في المعارضة اللبنانية، أكدوا لي ان الاستخبارات السورية اتخذت مواقع جديدة لها جنوب بيروت وفي مواقع أخرى، وهي تستخدم مراكز أطراف لها علاقة مع حكومة سورية وكذلك شققاً مستأجرة خاصة لهذه الأهداف». وذكر ان «حكومتي سورية ولبنان أكدتا لي ان هذا ليس صحيحاً». لكنه تعمد اضافة ان مسؤولين في الحكومة اللبنانية وغيرهم اشاروا الى «صعوبات» قد تبرز في اطار التحقق من «الانسحاب الكامل لجميع المسؤولين ذوي العلاقة مع الاجهزة الاستخباراتية السورية بسبب العلاقات العائلية التي أقامها مسؤولون سوريون في لبنان خلال السنوات الـ30 الماضية، وبسبب وجود شبكة مخبرين بين المواطنين اللبنانيين».

من مصلحة القيادة السورية التأكد من اغلاق أبواب الشقق، وتجميد العلاقات العائلية للقيادات الأمنية. كما للاجهزة الاستخباراتية، والاستغناء عن شبكة المخبرين المزعومة. من مصلحتها اتخاذ قرار قطع العلاقة الاستخباراتية كلياً مع لبنان، وهذا يتطلب بالضرورة، عقلية جديدة تتقبل ان جديداً نوعياً طرأ هذا الاسبوع على العلاقة السورية ـ اللبنانية يتطلب استبدال العلاقة الاستخباراتية بعلاقة ديبلوماسية رسمية.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة الى ان تقرير انان عن تنفيذ الـ1559 نصح الحكومتين السورية واللبنانية بإضفاء «الرسمية الملائمة» بعد «إعادة تعريف العلاقة الخاصة بينهما"، قبل تقريره المقبل الى مجلس الأمن عن تنفيذ القرار. وهذا جعل تلك العلاقة جزءاً من متطلبات تنفيذ القرار 1559 انطلاقاً من ان القرار نص على ضرورة الكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للبنان.

فلا داعي للرد بالقول ان هذا ليس من شغل مجلس الأمن ولا انان، وانما يدخل في العلاقة بين البلدين. ذلك ان العلاقة اللبنانية ـ السورية خرجت من الخانة الثنائية عند تبني القرار 1559 الذي وضع العلاقة تحت الرقابة الدولية، والتي اتخذت منعطفاً جذرياً عندما خرج آخر جندي سوري من لبنان يوم الثلثاء. فقد انتهت حقبة الهيمنة والخصوصية التي جعلت من لبنان مرفقاً أو ملحقاً للقيادة السورية وورقة من أوراقها الاقليمية.

في الماضي، ارتكبت القيادة السورية خطأ نكران الواقع عندما رفضت الإقرار حتى مع نفسها ان لبنانيين يعارضون هيمنة سورية عليهم، واستخدمتها الاجهزة الأمنية اللبنانية ضدهم لتحكمهم بالنيابة عنها.

اليوم، انها ترتكب خطأً ضخماً إذا استمرت في التظاهر ان لبنان ما زال عمقها الاستراتيجي، وانها تمتلك مفاتيح اخضاعه لأنه لن يتمكن ان يعيش من دونها، ترتكب خطاً كبيراً حقاً اذا مضت في الاعتقاد بأن «حزب الله» أداة من أدوات النفوذ السوري في لبنان وفي المنطقة، وانه يمكن لها الاحتفاظ بالإدارة وبالنفوذ معاً.

الأفضل للقيادة السورية ان تعترف الآن ان لبنان ليس الجبهة البديلة للمقاومة ضد اسرائيل. فإذا أرادت دمشق المقاومة ضد اسرائيل، وهذا حقها كاملاً لأن اسرائيل تحتل أراضيها، أمامها جبهة واسعة في الأراضي السورية. فإذا كانت تريد إعادة مزارع شبعا الى ملكيتها اللبنانية، لتودع الوثائق لدى الأمم المتحدة، ولتفتح ملف قوة فك الاشتباك بينها وبين اسرائيل لاخراج المزارع من ولاية قوة فك الاشتباك لإعادتها الى لبنان.

بكلام آخر، حان للقيادة السورية ان تدرك ان مشكلة اللبنانيين ليست مع مبدأ المقاومة المشروعة للاحتلال الاسرائيلي، مشكلتهم هي مع اغلاق دمشق الجبهة السورية للمقاومة واصرارها في الوقت ذاته على فتح الجبهة اللبنانية وحدها وكبديل.

هذا لا يعني عدم الاعتراف لسورية ولـ"حزب الله» بالفضل في تحرير جنوب لبنان من الاحتلال. انما لا يستطيع اللبنانيون رد الجميل لسورية بمساعدتها في تحرير الجولان من الاحتلال لأن تلك الجبهة أغلقت بقرار سوري. ولربما هو قرار حكيم، هذا عائد الى التاريخ.

أما اليوم، فإن لبنان ليس مهرولاً الى اتفاق سلام مع اسرائيل، وليس فيه اجماع على انه سيبقى الجبهة الساخنة الوحيدة للدول العربية المجاورة لاسرائيل. هذا نقاش أصبح اليوم حديثاً لبنانياً - لبنانياً لا شأن لسورية فيه.

كذلك «حزب الله» فإنه مسألة لبنانية ـ لبنانية، الأفضل لسورية التأكد من عدم التدخل فيها على الاطلاق. فالعيون تحدق تماماً في هذه الناحية من العلاقة السورية ـ اللبنانية بعد سحب الجنود السوريين من لبنان.

قد تستمع القيادة السورية الى محللين يعتقدون بأن «حزب الله» سيكون نقطة الافتراق بين الولايات المتحدة من جهة وفرنسا وأوروبا من جهة أخرى. رأي هؤلاء انه بعد الانسحاب السوري من لبنان ستنهارالقاعدة المشتركة عبر الاطلسي بسبب الاختلاف على تسمية «حزب الله» منظمة «ارهابية». قد ترى دمشق ان هذه فرصة لها لاستعادة النفوذ وإعادة خلط الأوراق. فإذا فعلت، تكون اساءت القراءة والاستماع والحسابات.

ما تريده أوروبا هو ان توافق الولايات المتحدة على تطبيق النموذج الذي تبنته أوروبا مع ايران على العلاقة مع «حزب الله"، بمعنى ابلاغه ان أمامه خيار الانخراط السياسي وإلا فإنها تترك الساحة للقرار الاميركي وتدعمه ايضاً. حتى الآن، جورج بوش يوافق. وهذا مهم لأوروبا، كما لايران، وربما أيضاً لـ"حزب الله».

أفضل ما يمكن لدمشق تحقيقه الآن، بعد سلسلة الأخطاء التي ارتكبتها في لبنان لسنوات عدة، ان تجعل من انسحابها فرصة لإطلاق فكر جديد يمكن أوروبا من اقناع الولايات المتحدة بتطبيق النموذج الايراني على سورية ايضاً. انه نموذج اعطاء الفسحة الديبلوماسية حقها في العلاقات، انما بوضوح معادلة «الجزرة والعصا».

هذه المعادلة تمارس مع سورية الآن من منطلق ان الجزرة هي عبارة عن حجب العصي موقتاً. في الوقت ذاته، تتمسك القيادة السورية بمنطق المقايضة، مطالبة بالتعرف مسبقاً على المقابل قبل اتخاذ الخطوات.

دمشق لا تملك هذا الخيار الآن، وقد أصبح الإقرار بهذا الواقع أمراً ملحاً وضرورياً، فكل «الأوراق» السورية زال مفعولها من ايران الى لبنان. وليس صحيحاً ان العلاقة السورية ـ الايرانية تشكل تحالفاً استراتيجياً لن يهتز اطلاقاً. ليس صحيحاً ان لبنان وسورية توأمان برأس واحد.

سورية الآن في مرحلة حاسمة لم يسبق لها مواجهتها، ولذلك فإن تحديات القيادة السورية والشعب السوري كبيرة جداً: فلسطين لم تعد قضية عربية وانما هي الآن قضية فلسطينية، دور العرب فيها هو دعم القرار الفلسطيني وليس المزايدة عليه أو تعطيله. وهذا جديد على الفكر السوري التقليدي في شأن القضية الفلسطينية التي اعتبرها قضية عربية ولسورية دور حاسم فيها. لذلك استضافت دمشق المنظمات الفلسطينية المعارضة للسلطة أو تلك التي تبنت المقاومة بدلاً من المفاوضات منطلقاً لها.

الآن أمام دمشق فرصة البناء على علاقة جديدة مع لبنان لفتح صفحة جديدة في علاقتها بفلسطين وبالبيئة الاقليمية والدولية. أمام الرئيس بشار الأسد ان يفكر بصورة خلاقة وتجديدية فيها من الحداثة ما يمكنه من طرح مفاجأة الجديد والنوعي داخل العلاقة السورية - السورية، كما على الصعيدين الاقليمي والدولي. أمامه مؤتمر الحزب الشهر المقبل حيث يمكنه ليس فقط توديع الطاقم الذي رهن سورية بفكر خاطئ. في وسعه ان يبادر الى استدعاء القاعدة الشعبية السورية حليفاً له، إذا جعل من نفسه حليفاً لها، بطرحه رؤية الغد وأخطاء الأمس بصدق وصراحة.

هذا يتطلب ان يقرر الرئيس السوري من هو وماذا يريد، فليس مسلماً به كون الانسحاب من لبنان اضعافاً لسورية، بل العكس تماماً. انه اضعاف للفكر القديم المخطئ بحق لبنان وسورية ايضاً. وهو درس ضروري لمن لا يقدر ضرورة المبادرة. فلو بادرت دمشق الى الانسحاب من لبنان لاستفادت من زخم المبادرة. أما وانها «قاومت» فإنها دفعت الثمن، اذ جاء انسحابها «اخراجاً» من لبنان وليس «خروجاً» منه. وهذا في حد ذاته درس ينبغي التأمل به.

كل هذا يبقى شأناً سورياً، وليس شأناً لبنانياً سوى بقدر اصرار دمشق على الاحتفاظ بمفاتيح لها في لبنان. وإذا انقلبت القيادة جذرياً على التوقعات، وراهنت على علاقة التحالف مع الشعب السوري، فإنها ستدهش المنطقة وتدخل جديداً لا سابق له في علاقة اقليمية ودولية ليس لها مثيل.

انها مغامرة، لكن نتائجها أضمن وأفضل من الخيار البديل المبني على حسابات خاطئة.

التغيير في يدنا لا في يد الغير

التغيير في يدنا لا في يد الغير

بقلم: محمد علي الأتاسي *

أخبار الشرق

إلى رياض سيف مناضلاً ليبرالياً سورياً

السؤال الوحيد الذي يسكن سطور المقالة هو الآتي: ماذا يمكن الواحد منا أن يقدم من جديد؟

لقد تعب الكثير منا، من الكلام والكتابة، من التنبيه والتحذير، عشية كل كارثة وغداتها، من دون أن تجد أصواتنا آذاناً صاغية أو تساهم في تجنب تكرار الأخطاء والإمعان في مسلسل الذهاب بالبلاد من كارثة إلى أخرى أكبر منها، بمعزل عن أي مراجعة أو مسألة أو محاسبة.

اليوم، وبعد خمس سنوات تقريباً من العهد الحالي، علينا الاعتراف بأن لا فائدة ترجى من الكلام التحريضي والمقالات النقدية لدفع السلطة إلى إعادة النظر في خياراتها الإستراتيجية. الرهان اليوم هو في أن تعيد المعارضة السورية النظر في سياساتها تجاه الاستحقاقات المصيرية التي تواجه البلاد، علها تعيد الناس إلى السياسة وتدفعهم إلى أخذ مصيرهم بيدهم.

القصة باتت معروفة، وإن يكن لا مناص من التذكير بها. فرغم تعديل الدستور وتوريث الحكم، استبشر الكثيرون بأن المستقبل سيحمل خيراً وأجمعت أطياف المعارضة، من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها، ومن الإخوان المسلمين إلى الشيوعيين مروراً بالمثقفين ولجان المجتمع المدني، على إعلان الاستعداد لطي صفحة الماضي والنظر بإيجابية إلى المستقبل شرط أن تعمل السلطة على إعادة المظالم لأهلها، وأن تباشر الإصلاحات الديمقراطية الحقيقية التي تحتاجها البلاد والتي عبّرت عنها وفصلت فيها جميع البيانات والعرائض التي طالبت بإلغاء حال الطوارئ وبحرية الرأي والتعبير وبالتعددية السياسية وتبييض السجون وعودة المنفيين.

لم يجد أي من هذه المطالب آذاناً صاغية لدى السلطة، اللهم إلا بعض التنازلات هنا وهناك، وفترة سماح نسبية بالكلام الحر، سمّيت ربيع دمشق، سرعان ما تم الارتداد عليها وسجن أهم رموزها. هذا في وقت استمر معظم رموز الطبقة السياسية الحاكمة في مناصبهم وزادوا في تكديس ثرواتهم والإمعان في سياسة الشعارات الجوفاء واللغة الخشبية المحنطة، التي لا تمت إلى الواقع بصلة.

أما على الصعيد الإقليمي فاستمر مسلسل الكوارث السورية ابتداء بالتعامل الخاطئ مع انقلاب العلاقات الدولية في أعقاب زلزال 11 أيلول / سبتمبر 2001، إلى الرهان على صدام حسين وصموده في وقت كان واضحاً أن سقوطه ما هو إلا مسألة وقت، إلى تضييع فرصة توظيف انتصار المقاومة في الجنوب اللبناني وتحقيق انسحاب سوري سريع؛ ونقل ملف العلاقات السورية - اللبنانية من المستوى الأمني إلى المستوى السياسي، إلى المماطلة في توقيع اتفاق الشراكة الأوروبية المتوسطية عندما كانت شروطه أكثر تساهلاً مع سورية، إلى العجز الفاقع في الاستفادة من سياسة الأبواب المفتوحة التي مارستها معظم العواصم الأوروبية في البداية على أمل تشجيع دمشق في المضي قدماً في مشروع الإصلاح، إلى إتقان سياسية تحويل الحلفاء أعداء من فرنسا إلى السعودية إلى الحريري وجنبلاط في لبنان، وصولاً إلى سياسة تقديم التنازلات والتخلي عن معظم الأوراق الإقليمية حتى لا تضطر السلطة إلى التنازل أمام شعبها.

خلال الأعوام الماضية تذرعت السلطة في إبقائها جمود الأوضاع السياسية بهاجس صون الوحدة الوطنية والحرص على استقرار البلاد، وروجت في المقابل لمشروعها في التحديث والتطوير القائل بأولية الإصلاح الاقتصادي والإداري والقانوني على الإصلاح السياسي. وها نحن في نهاية السنوات الخمس من العهد الجديد - القديم نعود إلى المربع الأول لجهة نموذج الإصلاح الذي قالت به السلطة: فلا رؤوس الأموال المهاجرة عادت ولا الاستثمارات، أتت ولا البطالة انخفضت، ولا أعيد تأهيل القطاع العام، ولا تم إفراز نخب جديدة مؤهلة، بل ظل النمو الاقتصادي أسير أرقامه المخجلة وبقيت معظم القوانين الجديدة حبراً على ورق، أو تم تدويرها خدمة لمصالح مراكز القوى والنفوذ الممسكة بالبلاد. ويكاد التطور الوحيد الذي يبرز في هذا المجال هو نجاح طبقة أولاد المسؤولين في تحقيق تقدم ملحوظ في تحويل نفوذ آبائهم السياسي والأمني والمادي إلى رأسمال مالي سرعان ما انضم بدوره إلى رؤوس الأموال السورية المهاجرة.

أمام هذا الواقع الخطير يظهر جلياً أن محاولات بعض أطراف المعارضة إيجاد آذان صاغية لها في صفوف السلطة باءت كلها في الفشل، وأن الرهان الوحيد في تجنيب البلاد كوارث محققة هو في أن تعيد المعارضة السورية النظر في السياسات التي اتبعتها إلى يومنا هذا، وأن تعمل على تجاوز خلافاتها وأن تتوجه إلى الناس قبل السلطة؛ ببرنامج حد أدنى يجد لديهم آذاناً صاغية ويؤهلهم للعب دور حاسم في تقرير مصير بلدهم. وحتى لا يبقى كلامنا أسير العموميات، سنحاول في السطور اللاحقة تقديم بعض الاقتراحات العملية آملين دفع النقاش إلى آفاق أرحب وأكثر واقعية:

1 - ملامح برنامج الحد الأدنى وبنوده باتت معروفة لكل الناشطين في الشأن العام، وسبق لمعظم البيانات والعرائض والمقالات التي وضعها المثقفون والمعارضون السياسيون أن تناولتها. ويمكننا أن نورد بعضاً من أهم بنودها؛ كإلغاء حال الطوارئ، وإطلاق المعتقلين السياسيين، وعودة المبعدين، والتعددية السياسية، وفصل السلطات، وإرساء دولة القانون، وحرية الرأي والتعبير والصحافة والنقابات، وصولاً إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة لتشكيل جمعية تأسيسية تكون قادرة على وضع دستور جديد وإفراز قيادات ورموز يعبرون فعلياً عن مكونات الشعب السوري وتياراته الحية.

2 - أهمية تأكيد اعتماد وسائل النضال السلمي في العمل السياسي، والمحافظة على الوحدة الوطنية، وعدم الارتباط بالمخططات والأجندات الأجنبية، والإصرار على أن يدار الصراع السياسي وفق مبدأ الانتقال السلمي من الاستبداد إلى الديمقراطية بعيداً عن أي تعبئة على أساس طائفي أو إثني، مع ضرورة العمل على تحييد الجيش وإبقائه بعيداً عن أي صراعات سياسية يمكن أن تنشأ في المستقبل المنظور.

3 - إذا كان المجتمع السوري غنياً بتنوعه الطائفي والإثني، فإن انقساماته السياسية كانت، وعليها أن تبقى، عابرة لهذا التنوع وحاضنة له وغير متعامية عنه. من هنا؛ تأتي أهمية إقصاء وعزل أي خطاب يحاول أن يؤثم الطائفة العلوية ويجعلها مسؤولة عن ممارسات النظام الحاكم. لقد دفع عدد كبير من أبناء الطائفة العلوية الضريبة الباهظة ثمناً لمعارضتهم الاستبداد في سورية، ويكاد يكون عدد المعتقلين السياسيين من أبناء هذه الطائفة هو الأضخم مقارنة بتمثيلهم نسبةً إلى بقية الطوائف.

4 - ضمن التوجه نفسه لا بد من عزل وإقصاء أي خطاب يحاول أن يختصر الطائفة السنية في تيار الإسلام السياسي. فهذه الطائفة لا تجسد في أي شكل من الأشكال كتلة واحدة سواء أكانت سياسية أم إثنية أم مناطقية، بل هي موزعة على كل التيارات والتنوعات التي يضمها المجتمع السوري من يسار ويمين، ومن علمانيين وإسلاميين، ومن عرب وكرد، ومن أهل مدينة وأهل ريف، ومن بدو وحضر، ومن دمشق وحلب، ومن مدن الساحل ومدن الداخل ومدن الجزيرة.

5 - تيار الإسلام السياسي، وفي مقدمه جماعة الإخوان المسلمين، جزء أساسي من الخريطة السياسية السورية، حاله كحال التيارات القومية والليبرالية واليسارية، ولا يمكن أن تقوم حياة سياسية سليمة وصحيحة بمعزل عن أي من هذه التيارات. لكن على الجميع القبول بشروط اللعبة الديمقراطية وبمبدأ التناوب السلمي على السلطة، مع ضرورة تأكيد أن تحترم كل غالبية سياسية حقوق الأقليات السياسية والدينية والإثنية. فمن حق الأكراد مثلاً أن يتعلموا لغتهم وثقافتهم، ومن حق الطوائف الدينية أن تمارس شعائرها ومعتقداته، ومن حق النساء أن يرتدين الحجاب، لكن ليس من حق أي تيار من تيارات الإسلام السياسي أن يحتكر لنفسه تفسير الإسلام، كأن يفرض مثلاً على جميع المسلمات ارتداء الحجاب!

6 - برغم تبني معظم قوى المعارضة السورية الخيار الديمقراطي، فإنها لا تزال مع الأسف أسيرة ماضي الستينات في انشقاقاتها وبناها التنظيمية وخطابها الإيديولوجي، في حين أن أكثر من 60 في المائة من الشعب السوري هو من الجيل الشاب الذي يقل عمره عن ثلاثين عاماً. من هنا تنبع أهمية أن تتجاوز هذه القوى خطابها الموروث وأنانيتها التنظيمية، وأن تنفتح على الأجيال الشابة وهمومها وتطلعاتها الجديدة.

من أجل التأسيس على هذه النقاط التي يمكن أن تتقاطع حولها الكثير من القوى المعارضة، ومن أجل الوصول بها إلى شرائح واسعة من الناس والضغط من خلالها لانتزاع تنازلات حقيقية من السلطة، لا بد للمثقفين والشخصيات والأحزاب المعارضة وجمعيات حقوق الإنسان والمجتمع المدني أن يلتقوا ضمن هيكلية تنسيقية جامعة، يمكن تسميتها مؤتمراً وطنياً أو منبراً ديمقراطياً أو لقاء دورياً، يستطيعون من خلالها أن يوحدوا جهودهم وينسقوا خطواتهم ويكسروا العزلة الإعلامية المفروضة عليهم. إن وجود مثل هذه الهيكلية المرنة سيسمح بتجاوز الجمود التنظيمي والنرجسيات المتضخمة والتنافر الإيديولوجي، من أجل أن تصب الجهود جميعها في طريق ابتداع أساليب جديدة في النضال السلمي تتجاوز سياسة البيانات والعرائض وحتى الاعتصامات الصغيرة؛ نحو المزيد من الانفتاح على الناس والدفع بهم إلى ميدان الفعل والعمل السياسي.

ما بين المثال العراقي في التغيير الدموي الآتي من الخارج والمثال اللبناني في التغيير السلمي المستند إلى الخارج، هناك أمل في أن يتمكن الشعب السوري من أن ينهض من جديد ويعمل على تحقيق التغيير السلمي المستند إلى الداخل. اليوم، تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية مدة عامين تقريباً، ويمكن الجميع أن يكون على موعد مع هذا الاستحقاق الكبير، إذا استطاعت المعارضة أن تدفع لأن يكون هذا الاستحقاق حراً، متعدداً وديمقراطياً. فعلى هذه الأرض يرتفع التحدي وهنا يكمن الأمل.

الحوار الوطني ليس شعاراً

الحوار الوطني ليس شعاراً

رأي أخبار الشرق

الحوار الوطني ليس شعاراً يرفع، وليست لافتات تعلق في قاعات المؤتمر الحزبي القادم، بل الحوار الوطني يعني أن يشمل جميع القوى في الوطن، فإذا ما استثني فريقاً أو اتجاهاً انحسرت عنه السمة الوطنية، وبات اجتماعات تؤسس لتحالفات على نمط "الجبهة الوطنية التقدمية" دون أن يكون لهؤلاء الحلفاء سوى حضور الاجتماعات والتصفيق، أما القرارات وشؤون السلطة فهي مما يخص فريقاً واحداً أعلن "امتلاكه" (وليس قيادته فقط) للدولة والمجتمع.

فطالما لم يتجرأ أحد في السلطة على إعلانه حواراً عاماً لا يضع عوائق أمام قوة وطنية مهما اختلفت مع الحزب الحاكم، فلن يكون هناك حوار وطني. لقد قيل كثيراً عن توسيع إطار "الجبهة الوطنية التقدمية" لاستيعاب تطورات المرحلة، والواضح أن هذه التطورات تتمثل في "رضى" السلطة عن أطراف وأحزاب جديدة، وليس استجابتها لنداءات قوى لها جذورها في الشارع السوري، وليس ممكناً تجاهلها إذا أردنا التأسيس لمرحلة جديدة تتجاوز أخطاء الماضي الكارثية، وتفتح المجال أمام مساهمة الجميع في السعي للخروج من الأزمات التي باتت تعصف بأركان المجتمع السوري والدولة بأكملها، وليس النظام فقط، فالمرحلة استثنائية باعتراف الجميع في سورية، وبالتالي فإن الحلول يجب أن تكون استثنائية.

إن وصف "الوطنية" ليست شهادة تمنح من هذا الطرف أو ذاك، وليس كرتاً أخضر ترفعه السلطة لمؤيديها أو من ترضى عنهم، ويتحول لونه إلى الأحمر في وجه مناوئيها. ولعل السلوك الحكومي بوسم المعارضين بـ "الخيانة" (مثلاً مظاهرة الطلاب البعثيين الذين قمعوا بدلاً من أجهزة الأمن الاعتصام السلمي أمام القصر العدلي في دمشق في 10 آذار / مارس 2005، واتهامهم للمعارضين بالخيانة!)، يؤكد هذا القول، فالتصنيف المعتمد لدى البعثيين إما أن تكون معنا أو تكون "مدسوساً من القوى الإمبريالية التي تريد الإطاحة بالنظام التقدمي في سورية"!

فالمرحلة التي تسبق "الحوار الوطني" الذي دعت إليه المعارضة وبدأت بتبنيه بعض الأطراف البعثية؛ يجب أن تشمل اعترافاً بالآخر، بعيداً عن "احتكار" الوطنية بعدما احتُكِرت الدولة والسلطة. فعقد مؤتمر بعثي لا يعني حواراً وطنياً، واجتماع لـ "أحزاب" الجبهة التقدمية (التي لا يزيد عدد أعضاء بعض أحزابها عن حمولة حافلة بحسب المعلومات المتوفرة)، لا يعني أن هناك حواراً يتجاوز الأحادية في إدارة شؤون البلاد والعباد. فالمقصود بالحوار الوطني المستهدف هو ذلك الحوار الذي يشمل قوى لا تريد السلطة وحزبها الاعتراف بها حتى الآن رغم قواعدها الشعبية (بالطبع ليست جميع هذه القوى بنفس القوة ومستوى الوجود في الشارع).

أمر جيد أن "يتجرأ" البعثيون ليتحدثوا عن الحوار الوطني، وإن لم يتصدَّ منهم من يحدد كيفية عقد هذا المؤتمر والأمور التي يمكن يناقشها. والملاحظ أنه لا يجري الحديث (من جانب البعثيين) عن "مؤتمر للحوار الوطني" بل عن "حوار وطني"، وهذا يحمل دلالات كبيرة. فهناك من يعتبر أن استقبال الرئيس بشار الأسد وفوداً مؤيدة من هنا وهناك يعني "حواراً وطنياً".

إن أي مؤتمر للحوار الوطني لا يجوز وضع حدود له سلفاً، فكل أمر هو قابل للنقاش: الدستور الذي يمجده "البعث" ويعلنه قائداً للدولة والمجتمع، القوانين الاستثنائية، انتهاكات حقوق الإنسان، الحريات العامة، تسلط "أجهزة الأمن" وتغولها، تداول السلطة والقوانين الانتخابية .. كل شيء .. كل شيء يتعلق بإدارة الدولة وحياة الناس. وإن أي خطوط حمر تحدد سلفاً (مثل تسخيف المطالبين بإلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تصادر الدولة والمجتمع لحساب حزب البعث)، يعني أن ما يدعو إليه البعض لا يتعدى كونه "مسرحية" لتمرير مرحلة، سرعان ما يجري الارتداد إلى ما قبلها عند أول فرصة. والأهم من كل ذلك أن يكون مكفولاً حق الجميع في الحديث في كل شيء دون خوف أو تهديد، فما زال النائبان مأمون الحمصي ورياض الحمصي في سجنهما بسبب تجرؤهما على تخطي السقف الحكومي في الحديث عن الفساد وسيطرة المتنفذين على مقدرات البلد، وقبله بعقدين كان اعتقال "البعثيين" الذين خرجوا على خط السلطة ورئيسها في ذلك الوقت، فلم يخرجوا إلا بعد عقود، فهل زالت هذه الممارسات تماماً لكي يتاح عقد مؤتمر وطني بحق؟!

بشار الأسد بعد الإنسحاب من لبنان: اختبار النار؟

بشار الأسد بعد الإنسحاب من لبنان: اختبار النار؟

صبحي حديدي

في المصطلح اللاهوتي والأنثروبولوجي الأوروبي، يُقصد بتعبير اختبار النار Trial by Fire وضع المتهم بأمر ما، الذي لم تثبت إدانته بعد، أو ليس من وسيلة اخري لإثبات براءته، أمام اختبار فريد: أن يحمل باليدين قضيباً من الفولاذ مُحمّي حتي الإحمرار، وأن يسير به تسع خطوات (الطبعة الأنغلو ـ ساكسونية تنطوي علي السير، معصوب العينين، تسع خطوات علي أرض فُرشت بشفرات المحاريث المحمّاة حتي الإحمرار)، وأن يخرج من الاختبار سليماً من الحروق، أو في الحدّ الأقصي مصاباً بحروق طفيفة قابلة للعلاج والشفاء السريع.
هذا هو الإختبار الذي قد يكون الرئيس السوري بشار الأسد يخضع له هذه الأيام، حسب فلنت ليفريت
Levere في كتابه الجديد وراثة سورية: بشار أمام اختبار النار ، الذي صدر مؤخراً عن معهد بروكنغز الأمريكي المعروف، في 286 صفحة. وليفريت محلل وباحث أمريكي يعمل في المعهد حالياً، سبق له أن عمل في مجلس الأمن القومي الأمريكي خلال ولاية جورج بوش الأولي، ثمّ وزارة الخارجية، وكذلك في وكالة المخابرات المركزية الامريكية (يصفه مديرها السابق جورج تينيت بـ رأس حربة الوكالة في تحليلات الشرق الأوسط). ولكن لا تذهبنّ الظنون بأحد في أنّ الرجل كاره للأسد، أو أنّ كتابه من نوع الأعمال العديدة التي صدرت عن سورية في أمريكا، والتي تبدأ من التأثيم المحض ولا تنتهي إلا إلي التأثيم ذاته. الكتاب، علي العكس، من طراز عمل باتريك سيل الشهير في سيرة حافظ الأسد: متعاطف، مغرّد خارج السرب الأكاديمي والسياسي الشائع في الغرب، ومتعام تماماً ـ أو يكاد ـ عن حقائق الإستبداد والدكتاتورية خلف وقائع السياسة. وليس غريباً، والحال هذه، أنّ ليفريت يذكر كتاب سيل بالذات (ثمّ كتاب الإسرائيلي موشيه ماعوز، ولكن في القطب الآخر!) بوصفهما أبرز الاعمال عن سورية المعاصرة. ليس غريباً أيضاً أن يتناسي الرجل كتاباً شديد الأهمية، لعلّه الوحيد الذي تناول نظام بشار الأسد بالتفصيل، قبل وبعد ربيع دمشق تحديداً، وأقصد عمل البريطاني ألان جورج سورية: لا خبز ولا حرّية .
هذا لا يعني أنّ الكتاب لا يرتدي أية أهمية أو لا يضيف إلي الموضوع أيّ جديد جدير بالاعتبار. الحال أنّ ليفريت يتناول مسائل محورية، وجوهرية كما يتوجّب التشديد، ويربط من خلالها راهن نظام بشار الأسد بماضي النظام الذي ورثه، ويتقصي احتمالات المستقبل كما يمكن أن يستولدها أيّ جدل (بمعني الديالكتيك) بين الماضي والحاضر. ولعلّ عناوين فصول الكتاب تهدي إلي طبيعة المسائل التي يتناولها ليفريت: إرث حافظ، ميراث بشار ، بشار واحتمالات الإصلاح الداخلي ، بشار ومكان سورية في النظام الإقليمي ، خيارات وتوصيات لسياسة الولايات المتحدة ، فضلاً عن ملحق أوّل يتضمن مسرداً لأبرز أحداث رئاسة بشار من حزيران (يونيو) 2000 وحتي كانون الأول (ديسمبر) 2004، وملحق ثان يعيد نشر بيان الـ 99 وبيان الـ 1000 مثقف سوري، والملحق الثالث نصّ قرار مجلس الامن الدولي 1559.
والأسبوع الماضي عقد معهد بروكنغز ندوة كُرّست لمناقشة الكتاب، أدارها مارتن إنديك السفير السابق في إسرائيل ومساعد الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأوسط، وشارك فيها الصحافي المعروف سيمور هيرش، والصحافي في نيويورك تايمز جيمس بينيت، ومؤلف الكتاب (جميع هؤلاء التقوا بشار الأسد). ولقد أتي ليفريت علي أمور بعضها ينمّ عن تجاهل فاضح (ولا نقول البتة جهلاً) لحقائق الشأن السوري كما هي علي الأرض وفي دائرة الحياة اليومية ومصائر الوطن وعلاقة الحاكم والمحكوم وطبائع القهر والفساد والنهب، وعواقب السياسات علي البشر، كما أتي علي أمور جديرة بالتأمل وتقليب الرأي. وفي جانب التجاهل، ولولا أنّ الصحافي السوري تمام البرازي ذكّر ليفريت بأنّ في سورية جملكية ، أي نظام حكم يجمع الجمهورية بالملكية الوراثية، لبدا وكأنّ المؤلف لا يتحدّث عن سورية الراهنة دون سواها، بل عن بلد آخر لا استبداد فيه ولا وراثة حكم، ولا انتهاك لحقوق الإنسان وقمع لأبسط حرّيات المواطن، ولا مافيات نهب منظّم وتقاسم عائلي للمغانم والسلطة...!
ولعلّ من باب الإنصاف أن نقصر المناقشة، هنا، علي أفكار الرجل الجديرة بالتأمّل، ولا نقول ذات القيمة العالية. إنه يقيم مقارباته لنظام بشار الاسد استناداً إلي نقاش، خلافي أو توافقي، مع ثلاثة منظورات تحكم الرؤية الأمريكية للأوضاع السورية: الأوّل يري أنّ بشار الأسد إصلاحيّ النوايا لأنه درس في الغرب، وهو عليم بالإنترنيت، وزعيم من جيل شاب يقرّ بمشكلات سورية العديدة، ويريد تحسين الامور، ويريد علاقة أفضل مع الولايات المتحدة والغرب عموماً، ولكنه مقيّد بالحرس القديم . المنظور الثاني يعتبر بشار قوّة استمرارية للنظام، وليس التغيير ، وهو نتاج النظام الذي خلقه أبوه ، ولهذا فهو جزء من المشكلة في سورية، وليس أبداً جزءاً من الحلّ . وأمّا المنظور الثالث فهو أن بشار جديد علي الصنعة ، كما سنترجم مفردة
Neophyte، وهو قليل الخبرة، رديء التأهيل، غير ذي اطلاع، الخ... علي نحو لا يجعله صالحاً لتنفيذ مسؤولياته كزعيم وطني .
أيّ المنظورات تبدو أقرب إلي تفكير ليفريت؟ ليس الأمر واضحاً تماماً وعلي نحو جازم، لكنّ الرجل يبدو أقرب إلي المنظور الأوّل، وإنْ كان لا ينفض يديه تماماً من المنظورين الثاني والثالث: في الواقع أظن أن صورة بشار ينبغي أن تكون أكثر تمايزاً وتمازجاً. وبشار في يقيني عنده حوافز إصلاحية. وهو يقرّ بأنّ سورية تعاني من مشكلات كثيرة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. ويري أن الأمور ينبغي أن تكون افضل. ولكني أجادل بأنّ حوافزه الإصلاحية هزيلة واهنة. ليست لديه رؤيا شاملة كاملة عن تحويل سورية ..
وماذا عن الحرس القديم ؟ يروي ليفريت إنه حين أجري مع بشار الأسد حواراً خاصاً بهذا الكتاب، قال في نفسه إنه (أي ليفريت) لن يتطرق مباشرة إلي حكاية الحرس القديم وسيتركها للأقسام الأخيرة. لكن الأسد باغته حين فتح هو نفسه هذه السيرة، وقبل أن تنتهي ربع الساعة الأولي من اللقاء، فقال عنها أشياء كثيرة بدا أكثرها أهمية عند ليفريت أنّ الأسد يريد الغرب أن يفهم أنّ الحرس القديم ليس اثنين أو ثلاثة أشخاص يحتلون مناصب رفيعة في أعلي النظام ، بل هم حرفياً آلاف البيروقراطيين العاديين والمتحجرين (وشدّد ليفريت أنّ الأسد استخدم هاتين المفردتين تحديداً) علي امتداد النظام، والذين تخندقوا في مواقعهم علي مرّ السنين والعقود وليست لديهم أية مصلحة في أن يسير أيّ شيء علي نحو مختلف !
أكثر من هذا، أضاف الأسد: الحرس القديم هو أيضاً هذا القطاع الخاص الذي لا يحمل من صفة القطاع الخاص إلا الإسم، والذي يواصل الوجود في علاقة جنينية مع هذه البيروقراطية المتخندقة. أنظر إلي كلّ هذا، وعندها ستري الحرس القديم، وهذه هي العقبة الحقيقية أمام التغيير في سورية .
وإذا كان الأسد لا يمزح في طرح كهذا، ولديه المصلحة كلّ المصلحة في تطويره تهّرباً من تشخيص الحقائق الأخري الدامغة حول طبيعة النظام الذي يحكم سورية منذ الحركة التصحيحية قبل 35 سنة، فإنّ من الفاضح والبائس حقاً أن يبدو ليفريت وكأنه يصادق علي هذه الأقوال. ذلك لأنه يتابع قائلاً: وهكذا فإنّ بشار مقيّد، لكنّ القيد ليس اثنين أو ثلاثة من الجماعة المسنّين في أعلي الهرم، بل الأمر يخصّ النظام ذاته أكثر . أيّ نظام؟ نظام البيروقراطيين ، العاديين ، المتحجرين حقاً؟ أم نظام تحالف الحرسَين القديم والجديد في ائتلاف الإستبداد والنهب والفساد والمافيات العائلية؟
ليست هذه ذروة البؤس في تحليلات ليفريت لأنه، وبعد اعتناق حكاية البروقراطية التي تصنع الحرس القديم، يبشّر السامعين بأنّ بشار لا يقف مكتوف اليدين، وأنّ تسجيل النقاط يسير لصالحه في ميدانيين: التكنوقراط، و... زوجته السيدة أسماء الأخرس! ففي الميدان الاوّل يتحدّث ليفريت عن لجوء الأسد إلي إحاطة نفسه بعدد من "الكنوقراط الذين يحملون شهادات عالية من الغرب، في حقول الإقتصاد وعلوم الكومبيوتر والأعمال، أو الذين لديهم خبرة في القطاع الخاص خارج سورية أو مع البنك الدولي"... هل يعقل أنّ ليفريت لم يسمع بإقالة الدكتور نبراس الفاضل، مستشار الأسد وكبير مفاوضيه الفعليين في اتفاقية الشراكة الاوروبية ـ السورية، والتكنوقراطي خرّيج البوليتكنيك الفرنسي؟ وإذا كان خبر ليفريت طازجاً علي أمثال ليفريت، ألم يسمع بقصص عشرات التكنوقراط الذي سادوا في وزارات محمد مصطفي ميرو ـ 1 وميرو ـ 2 والعطري ـ 1 والعطري ـ 2، ثم بادوا إلي غير رجعة؟ أهذه أمضي اسلحة بشار الأسد في مواجهة وحش الحرس القديم ؟ وإذا كانت هذه هي فعلاً أمضي الاسلحة، فلَمَ يتخلي عنها تباعاً؟ وغذا لم يكن هو الذي يفعل، فمَن الذي يطيح بها، فعلياً؟
الميدان الثاني أكثر عجباً، بالطبع. السيدة الأولي ليست بلا نفوذ قطعاً، غير أنّ الدور الذي ينيطه بها ليفريت لا يثير سخرية أيّ سورية وسوريّ فحسب، بل يثير سؤالاً جوهرياً حول مدّي ما تنطوي عليه تحليلات رأس حربة المخابرات المركزية هذا من جدّية وجدوي: يقول ليفريت: هذه المرأة التي اختار بشار الزواج منها، واختارها علي الرغم من اعتراضات والدته، الأمر الذي ليس بلا مغزي في خلفيته الثقافية، تلك المرأة هي إبنة جرّاح قلب سوري عالمي مغترب ذاع صيته في المملكة المتحدة. ولدت، وترّبت، وأتمت كامل دراستها في بريطانيا، وتحمل إجازة جامعية في علوم الكومبيوتر من جامعة لندن، وخضعت لبرنامج تدريبي في الإستثمار المصرفي عند
JP Morgan، وعملت لدي Deutsche Bank، وقُبلت للماجستير في Harvard Busine School.. .
وماذا بعد؟ هذا التفصيل العائلي يهمّ ليفريت في جانب كبير، في رأيه هو طبعاً، يخصّ قدرة بشار الأسد علي إصدار حكم سليم ، لأن المرأة التي اختار أن تكون إلي جانبه علي أساس يومي، هي المرأة التي سوف تركّز علي المعايير الدولية المطلقة للإقتصاد المعولَم في القرن الواحد والعشرين. وأجد هذا علامة صريحة تدلّ علي شخصيته !
المدهش ان ليفريت يميل، بعد هذا كلّه، وربما بسبب هذا كلّه، إلي رهن مستقبل بشار السياسي كـ زعيم وطني بمبدأ واحد تقريباً: أنّ البيولوجيا لصالحه، وليس لصالح الحرس القديم! وصدٌقوا أو لا تصدّقوا أنّ الخبير السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي ووكالة المخابرات المركزية يبلغ الخلاصة التالية: إنه مقيّد بالحرس القديم. وأعتقد إجمالاً أنه لا يريد مواجهة مع الحرس القديم. إنه في الجوهر يفضّل العمل من حولهم. وأعتقد ايضاً أنه يفترض أنّ البيولوجيا تقف إلي جانبه. سوف يبلغ الأربعين هذا العام. وأظنّ انه إذا اتخذت السياسة السورية مسارها الطبيعي، خصوصاً وأنّ رئاسته غير مقيّدة بعدد محدد من الولايات، فإنّني لا أعتقد أنه يجب أن يقلق من خسران انتخابات في أيّ يوم قريب !
فضيلة ليفريت، في هذه المسألة تحديداً، انه لا يجعجع كما يفعل الرئيس الأمريكي أو تفعل وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، حول تغيير النظام في سورية كرمي لعيون الشعب السوري المعذّب، ومن أجل المزيد من إشاعة الديمقراطية والإصلاحات في هذا الشرق الأوسط الكبير. ليفريت لا يزعم هذا علي الأقل، وهو ما يجعله يحثّ الإدارة علي وقف السياسة الراهنة المتمثلة في الضغط علي نظام بشار الأسد، واستبدالها بأخري كانت في الأزمنة السابقة تُسمّي الدبلوماسية، كما يقول، وصار اسمها اليوم ببساطة: لعبة العصا والجزرة!
لكنّ السبب، الذي حدا بالمؤلف إلي التفكير في مبدأ اختبار النار عنواناً فرعياً لكتابه، ما يزال قائماً في الواقع، وليس في وسع ليفريت أن يتعامي عنه. لقد كان الإنسحاب السوري من لبنان آخر ـ والأهمّ والأثمن قيمة ـ في كلّ ما استجمع حافظ الأسد من أوراق لا تمنح النظام الحركة التصحيحية موقعاً إقليمياً فاعلاً ومحورياً فحسب، بل تُبقي النظام ذاته علي قيد الحياة. اليوم، وأياً كان المسؤول الأوّل، جري التفريط في هذه الورقة، وتوجّب أن يخضع بشار الأسد لاختبار النار.
فماذا لو اتضح أنّ القروح عميقة، عضوية، عميقة الغور، ولا شفاء منها؟

القدس العربي

بوعلي ياسين في الذكري الخامسة لرحيله ثقافة العصيان : قراءة في فكره وحياته

بوعلي ياسين في الذكري الخامسة لرحيله ثقافة العصيان : قراءة في فكره وحياته


أنور بدر

دمشق ـ القدس العربي بداية أقول أنني لم أتعرف علي بوعلي ياسين بشكل شخصي، لكنني اعترف بأنني وجيل كامل من مُثقفي ويساريي الحركة السياسية في سورية ـ وربما المنطقة العربية ـ تتلمذنا في أحد فصول المعرفة أو أكثر علي يديه، وبشكل خاص في كتابه الهام الثالوث المُحرم: الجنس والدين والصراع الطبقي 1973. والذي كان أول كتاب ينشره.
وفي الثالوث المُحرم بدا بوعلي ياسين كاتباً أصيلاً ونقدياً في حقل المعرفة، وبدا أنه من العاملين علي تغيير التاريخ أكثر مما هو حالم بذلك، لذا رأيناه في مواجهة ثلاثة أقانيم تتحكم بوعينا الاجتماعي والسياسي وتحد من تطورنا، مواجهة نقدية جريئة أدت الي منع طباعته في سورية، فطُبعَ في لبنان، لكنه غدا أكثر شيوعاً في ثقافة جيلنا من أي كتاب آخر، وربما حتي الآن.
بتاريخ 18 نيسان (أبريل) مرت الذكري الخامسة لرحيل بوعلي ياسين، وصدر بهذه المناسبة كتاب ثقافة العصيان: قراءات في فكر وحياة بوعلي ياسين وهو من اعداد وتقديم خضر الآغا، الذي كتب مقدمة تحليلية لثقافة وفكر الراحل، بدأها بالتعريف: ينتمي بوعلي ياسين الي ذلك الطراز الخاص من المثقفين الذي يُطلق عليه في البحث المعرفي تعبير المثقف النقدي ، فقد تعددت حقول المعرفة التي دخلها، ومع ذلك فقد كانت العملية النقدية هي التي تسم هذا الدخول، بدءاً بحقل المقدس ونقده الثالوث المُحرم وانتهاءً بحقل الثقافة الشعبية ونقده أيضاً.
كما جمع الكتاب اضافة الي ذلك أربعة أقسام، جاء المحور الأول منها تحت عنوان قراءات في فكره ، والثاني كان بعنوان قراءات في بعض كتبه أما الثالث فاقتصر علي مادتين لممدوح عدوان وخضر الآغا بعنوان الحرية والرقابة وأخيراً حوي الكتاب في القسم الرابع علي مجموعة من الشهادات التي أثقل بعضها علي الكتاب، دون أن يُضيف اليه شيئاً.
وقد شارك عدد مهم من المُثقفين والكتاب في دراسات القسمين الأول والثاني، رغم أن جزءاً منها جاء كتابات مُناسباتية، أثقلت علي الكتاب أيضاً، وكانت دون مستوي بوعلي ياسين وفكره، الا أن هذا جزء من طبيعة الكتب الاستعادية، التي تجمع ما كُتبَ أو يُمكن أن يُكتب عن مُفكر أو كاتب مُهم في ذكري رحيله، ولا يُنقص هذا من أهمية الكتاب، وأهمية بعض الدراسات التي انضوت بين دفتيه.

ہہہ

أشارت الكاتبة الصحافية ديانا جبور الي أهمية احتفاظ بوعلي ياسين بهذا اللقب الذي صدر به جميع مؤلفاته، مع أن اسمه الحقيقي ياسين حسن، بينما ذلك اللقب هو ما عُرِف به بين أقرانه في زمن الفتوة والصِبا، تقول في اختياره لقب بوعلي ياسين تتحدد بعض ملامح بورتريه الرجل وبحثه الاجتماعي والاقتصادي، كما نقده الأدبي، فهو يتعمد بمياه الشعب، انما دون أن يتورط في أثنيات الشعبوية ودهاليزها المحاطة بهالة قدسية .
وربما يُشكل هذا الاختيار أحد مفاتيح فهم هذه الشخصية، وفهم اهتماماتها اللاحقة بالأدب الشفاهي، والنكتة، والسيرة الشعبية...الخ، والتي حافظ فيها علي ذات الجرأة التصادمية التي اكتــشفناها في الثالوث المُحرم انما تجيء هذه المرة من خلال الابتعاد عن الحالة التنـــظيرية باتجاه قراءة الواقع وعناصر الثقافة اليومية فيه، وهي عناصر تصادمية، فضـــائحية بذات الوقت. مع أن أكثر العارفين بشخصـــية هذا الكاتب يؤكدون علي أخلاقيته الشخصية، ونُبله الفكري، كما يقول محمد جمال باروت كم كان هذا المثقف الراديكالي الذي أطلق الوظيفة النقدية للمثقف الي آخرها، علي مستوي عال من الأخلاقية النظامية المُنضبطة، التي تضعهُ في سلالة الزُهاد وأصحاب الحكمة ومُعَلمي الأخلاق، هو الذي قام في كل كلمة كتبها بمحاولة نزع القداسة عن العالم، وجعله محور نفسه.. .
ولد بوعلي ياسين عام 1942 في قرية عين الجرب التابعة لمدينة اللاذقية، لكنه كما اختار اسماً لهويته المفكرة والكاتبة، اختار أيضاً اسماً نقيضاً في دلالته لاسم قريته عين الجرب التي سماها في سيرته الضاحكة عين الزهور .
بدأ وعيه السياسي يتشكل في خضم الأحداث التي عرفتها المنطقة، فتأثر بعبد الناصر عام 1956 اثر تأميم القناة والعدوان الثلاثي علي مصر، فانتمي الي حزب البعث الذي كان يسعي الي التلاقي مع عبد الناصر في تلك المرحلة، واذا كان لم يُطل مقامه في دوحة الفكر القومي، فبدأ بانتقاد عبد الناصر ونظامه المباحثي، كما غادر لاحقاً صفوف الحزب، بُعيد الانفصال.
ذهب الي ألمانيا الغربية في بعثة تعليمية لدراسة الاحصاء التطبيقي، حيث قرأ ماركس بلغته الأم، وشارك في الحركة الطلابية في المانيا عام 1968 بشكل فعال، وكان عضواً في كومونة فرانكفورت التي لم تعمر طويلاً، الا انها مؤشر علي نمط تفكير وشخصية بوعلي ياسين، الذي لم يلتحق بالحركة الشيوعية التقليدية، بل حاول الغوص في بحار الاشتراكية العلمية كما صاغها ماركس وانجلز، باعتبارها تجلياً للديمقراطية الثورية التحررية، وفي هذا السياق كان مع روزا لكسمبورغ في معارضة فكرة الدولة عند لينين وهيمنة الحزب الواحد... وهو ما حاولت أن تعبر عنه المجالسية في فترة لاحقة قبل أن تتلاشي أيضاً.
ہہہ
هذه الخصوصية الماركسية هي التي دفعت بوعلي ياسين الي تبني طروحات قومية في الفكر السياسي وفي الاقتصاد، وكما سنري في عناوين مؤلفاته وترجماته لاحقاً، وبشكل خاص في ترجمته لكتاب نمط الانتاج الآسيوي في فكر ماركس وانجلز وهي الأطروحة التي تنسف قدسية الأنماط الخمسة لتطور المجتمعات البشرية وفق المادية التاريخية.
الا أن بوعلي ياسين لم يكن مُجرد شخص مسيس أو مُهتم بالحركة السياسية، فهو لم يعش فترات تنظيمية طويلة في حياته، لكنه كان يتعامل مع الفكر السياسي بعقل نقدي جريء، يطرح الأسئلة ويُهاجم التابو، وهو ما قاده الي ترجمات هامة في علم النفس كـ الطوطم و التابو لفرويد و المادية الجدلية والتحليل النفسي لفيلهلم رايش.
وأعتقد أنه لولا الصدفة التي قادت بوعلي ياسين الي ألمانيا لدراسة الاقتصاد،فاننا سنكون بالضرورة أمام ناقد أدبي من الطراز الأول، هذا ان لم يكن أديبا بالمعني الابداعي، ومع أن أول كتبه النقدية الأدب والأيدولوجيا يعبر عن اندفاع تنظيري في الحقل الأيديولوجي، أكثر مما يعبر عن طبيعة التفكير النقدي لهذا المفكر، اذ سرعان ما تجاوز كل المقولات والنتائج التي خلص اليها هذا الكتاب.
وقد حاول الباحث د. عبده عبود الاشارة الي المؤثرات الألمانية في فكر وثقافة بوعلي ياسين كالتالي:
1 ـ الماركسية الأصيلة.
2 ـ التحليل النفسي.
3 ـ روزا لوكسمبورغ.
4 ـ الأدب الألماني مُمثلاً ببريشت.
الا أنه أهمل مؤثراً خامساً هو : الاهتمام بالثقافة الشفاهية، وتدوين الحكايات الشعبية، وهي المدرسة التي كانت قد بدأت تظهر في ألمانيا،وتؤسس لنمط جديد من الأدب، أقول أن بوعلي ياسين استطاع استعارة هذا المنهج البحثي في دراسته للثقافة الشعبية المحلية عبر ثلاثة كتب أسست لنمط ثقافي لم يأخذ بعد حده أو مداه، لأسباب كثيرة اجتماعية وأيديولوجية جعلت الكثير من مُثقفينا يقفون بحذر ان لم يكن بعدائية تجاه مؤلفات عين الزهور: سيرة ضاحكة (1993) و بيان الحد بين الهزل والجد، دراسة في أدب النكتة (1996) ثم شمسات شباطية: ديوان المفارقات العربية الحديثة (1999)، حتي أن الكاتب يتساءل باستغراب لماذا ينفر مُثقفونا من تدوين النكتة التي يتناقلونها شفاهاً؟
بالتأكيد هو يعرف دور التابو الاجتماعي والأخلاقي وحتي السياسي، والذي لا يُريد هؤلاء المثقفون أن يقفوا في مواجهته، لا يريدون تحطيمه، لأن جزءاً من مكانتهم الاجتماعية تنبع من قدسية هذه التابوات التي لا يخدمهم خرقها الآن.
وبوعلي ياسين منذ الثالوث المُحرم وحتي شمسات شباطية كان يُدرك أنه يُقاتل علي جبهة ثقافية عريضة، ويُدرك أنه قد اختار موقعهُ في هذه المعركة، التي استكملها بالدفاع عن قضية المرأة في أكثر من كتاب.
ولا أعتقد أن أي استفاضة في الحديث عن بوعلي ياسين يُمكن أن تُغني عن قراءة كتبه، ولكن دعونا نتصفح ببساطة عناوين مؤلفاته وترجماته، لنُدرك تنوع وشمولية اهتماماته، ولندرك معني ثقافة العصيان في فكر بوعلي ياسين أيضا:

المؤلفات:

1 ـ الثالوث المُحرم: دراسة في الدين والجنس والصراع الطبقي ـ 1973.
2 ـ القطن وظاهرة الانتاج الأحادي في الاقتصاد السوري ـ 1974.
3 ـ الأدب والأيدولوجيا في سورية (بالاشتراك مع نبيل سليمان) ـ 1974.
4 ـ السلطة العمالية علي وسائل الانتاج في التطبيق السوري والنظرية الاشتراكية ـ 1979.
5 ـ حكاية الأرض والفلاح السوري ـ 1979.
6 ـ معارك ثقافية في سورية (بالاشتراك مع نبيل سليمان ومحمد كامل خطيب) ـ 1979.
7 ـ أزمة الزواج في سورية ـ 1979. والذي صدر في طبعة ثانية مطورة بعنوان : أزمة المرأة في المجتمع ألذكوري العربي ـ 1991
8 ـ الماركسية والتراث العربي الاسلامي (مُشترك مع عدد من المؤلفين) 1980.
9 ـ قراءة في وثائق الوكالة اليهودية في فلسطين ـ 1982.
10 ـ ينابيع الثقافة ودور الصراع الطبقي ـ 1985.
11 ـ خير الزاد من حكايات شهرزاد: دراسة في مجتمع ألف ليلة وليلة- 1986.
12 ـ نحن والغير في السياسة والاقتصاد ـ 1990.
13 ـ عين الزهور: سيرة ضاحكة ـ 1993.
14 ـ علي دروب الثقافة الديمقراطية ـ 1994.
15 ـ بيان الحد بين الهزل والجد: دراسة في أدب النكتة ـ 1996.
16 ـ حقوق المرأة في الكتابة العربية منذ عصر النهضة ـ 1998.
17 ـ الأحزاب والحركات القومية العربية مُشترك) ـ 2001.
18 ـ أهل القلم وما يسطرون ـ 2001. صدر بعد وفاته.

كتب مُترجمة:

1 ـ المادية الجدلية والتحليل النفسي ـ فيلهلم رايش ـ 1980.
2 ـ الأزمات الاقتصادية ـ أوتو راينهولد ـ 1980.
3 ـ اصل الفروق بين الجنسين ـ أرز ولاشوي ـ 1982.
4 ـ الطوطم والتابو ـ فرويد ـ 1983.
5 ـ نمط الانتاج الآسيوي في فكر ماركس وانجلز ـ كارل ماركس، هلموت رايش ـ 1988.
6 ـ أوراق من الرزنامة ـ برتلود بريشت ـ 1992.
7 ـ مُستقبل الحياة في الغرب ـ غيرد غيركن، ميشائيل كونيستر ـ 2000.
8 ـ الموساد ذراع داؤود الطويلة ـ 2003.

القدس العربي

إشكالات التغيير الديمقراطي في سورية

إشكالات التغيير الديمقراطي في سورية

د. عبد الله تركماني

بالرغم من مظاهر الحيوية والتفتح التي أظهرتها النخب الثقافية والسياسية السورية منذ خطاب القسم الرئاسي في العام 2000، فإن التوقعات المستقبلية للتغيير الديمقراطي في سورية تتقاسمها نزعات الأمل والقلق في آن واحد. وقد يكون من الصعب أن نقول أن الديمقراطية تملك حلولا سحرية لكل مشاكلنا، ولكن من السهل الاستنتاج، علي ضوء تجربة شعبنا مع النظام الشمولي ـ الاستبدادي، أنها الطريق الأصوب للتعاطي المجدي مع التحديات المفروضة علينا، حين تقدم لنا إمكانية لإيجاد الحلول، خاصة إذا ساد الفهم المسؤول لمعانيها والإدراك الواعي لمتطلباتها ونقاط القوة والضعف فيها.
إن سورية تواجه فرصة تاريخية تمكن من إجراء التغيير الديمقراطي المنشود، بالاعتماد علي تضافر جهود جميع النخب الفكرية والسياسية دون استثناء، فلا يجوز تفويت هذه الفرصة، بل الحرص علي الانتقال الديمقراطي الهادئ والممأسس، الذي يفتح الآفاق أمام إعادة صياغة مستقبل سورية علي أسس جديدة.
(1)
إن التغيير أضحي حاجة موضوعية في بلادنا، إذ تؤكد كل المعطيات المتوفرة الحاجة السورية الماسة إلي الإصلاح الشامل، فالنمو الديمغرافي هو من النسب الأعلي في العالم (يتراوح بين 2.4 إلي 2.5 %)، بينما النمو الاقتصادي مازال منخفضا، وأكثر من 600 ألف عاطل عن العمل، و250 ألفا فائض عن العمل في دوائر ومؤسسات الدولة، وما بين 200 إلي 250 ألف طالب عمل سنويا. يضاف إلي ذلك أن متوسط الدخل الفردي يقل عن مثيله في الدول المجاورة، ويزداد أثر ذلك بسوء التوزيع، إذ تشير المعطيات المتوفرة أن 5% من السكان يتمتعون بـ 50% من الدخل الوطني. وتشير معطيات هيئة الأمم المتحدة عن التقدم البشري في العالم أن 60 % من المواطنين السوريين يعيشون في حدود خط الفقر(أي من دولار واحد إلي دولارين في اليوم)، وأن 25 ـ 27 % يعيشون تحت خط الفقر (أي بأقل من دولار في اليوم)، كما أن أغلب المؤسسات السورية تعاني من الترهل والتسيب والركود.
لقد ورثت سورية، عهدا جديدا ونخبا ثقافية وسياسية، تركة ثقيلة: دولة متأخرة، ونفوذ جماعات تتسلط علي مصالح البلاد والعباد، وحزب ومنظمات شعبية وأحزاب مشاركة مترهلة تبحث قياداتها عن مصالحها الذاتية، وإدارة اقتصادية غير حكيمة في إدارة الموارد الاقتصادية والبشرية بشكل عقلاني لإنتاج عناصر تطوير وتعظيم لها، وسجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان... الخ.
وإذا أضفنا عمق التحولات في العلاقات الدولية، والتغيرات الجيوبولوتيكية في العراق ولبنان، فإن الوضعية لم تعد تحتمل تأجيل إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة، تحت أي شعار، إذا ما أريد لتيار التغيير الديمقراطي أن يأخذ مداه. فلاشك أن تحديات الحاضر والمستقبل أكثر تعقيدا من تحديات الماضي، فلم يعد في عالم اليوم ممكن البقاء بعيدا عن ثورة العلم والتكنولوجيا والاتصال والمعلوماتية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فالعولمة الزاحفة لن تترك أحدا خارجها إلا للتهميش.
(2)
تغرق المعارضة السورية في إشكالية داخل/خارج متناسية جدل التاريخ بينهما، ومتجاوزة طبيعة التحولات العميقة في النظام الدولي الجديد قيد التشكل. كما أن السلطة السورية لم تستوعب بعمق طبيعة ومنحي هذه التغيرات الإقليمية والدولية، والخشية أن يسدد وطننا فاتورة عدم فهمنا وإدراكنا لهذه المعطيات الجديدة.
لقد أضحي النظام الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، قوة تغييرية في داخل الأوطان بعد أن انخفضت مرتبة سيادة دول المنطقة جميعا. ففي الرؤية الأمريكية اليوم أن الاستبداد العربي الذي حمته ودعمته الإدارات الأمريكية المتعاقبة، طوال عقود، قد أفرز الكثير من الغضب والكثير من الكراهية للغرب وحضارته، لذلك فقد أصبح التخلص من أنظمة الاستبداد أحد أهم أهداف استراتيجية الأمن القومي الأمريكي.
وقد يشوش دعم المجتمع الدولي المعلن لقوي التغيير الديمقراطي علي البعض رؤية مصلحة حقيقية في خروجنا من هيمنة نظام الاستبداد إلي أفق ديمقراطي.
إن تحقيق تعاطٍ مجدٍ في التعامل مع الخارج، في ظل العولمة وتدفقاتها الثقافية والاقتصادية، منوط بالرهان علي إعادة بناء الداخل السوري في كل حقوله. إذ أن البدء بالمهمة التاريخية المعنية في سورية، إنما هو بدء في استراتيجية التأسيس الداخلي عبر التعامل مع الخارج بقدرة وطنية وانفتاح ديمقراطي عقلاني، وبدء في امتلاك أدوات ذلك التعامل من موقع الدخول بعمق في مشروع الإصلاح .
ومن الملفت أن جميع معارضي السلطة يؤكدون رفضهم التحالف مع أي طرف خارجي ويعتبرون ذلك خطا أحمر لا يمكن الاقتراب منه، وجميعهم يقللون من شأن المعارضين الذين اجتمعوا مع مسؤولين أمريكيين باعتبارهم نواة لنظام سوري بديل.
فهل أدركت السلطة في بلادنا دقة وحرج المرحلة وخطورة ما تحمله الأيام القادمة؟ وهل تعي أن مصير البلد كله أصبح علي كف عفريت، إذا لم تبادر لإعادة النظر في جميع سياساتها السابقة؟
لن نستغرب إن بقيت السلطة تراوح مكانها في سياساتها التي أكل عليها الدهر وشرب، فبنيتها الاستبدادية تبدو عصية علي الانفتاح وفهم دقائق ومتغيرات ومستجدات العصر، إذ أن مراكز القوي فيها ما زالت أسيرة عقلية الحرب الباردة ومفرداتها المتحجرة وصفقاتها التي أضحت من مخلفات الماضي.
وبالرغم من ذلك علينا أن لا نمل من تكرار أن متطلبات الحل الداخلي أقل كلفة من الانصياع لمتطلبات الحل الخارجي، وإذا كان لا بد من الاستجابة لمتطلبات المرحلة والتطورات الدولية والإقليمية، فإن المصالحة الداخلية خير معين علي التقليل من تأثيراتها السلبية، فقوة المجتمع قوة للدولة التي يجب أن تكون بموقف قوي أمام التهديدات الخارجية.
(3)
إن التاريخ السوري المعاصر قد رتب علي قوي الثقافة والعمل مسؤولية وطنية وقومية كبري، تتناسب مع الدور الهام الذي تلعبه في الحياة الفكرية والمادية للشعب السوري، فلذلك فإن التغيير الديمقراطي سوف يقع علي عاتق هذه القوي في الدرجة الأولي، فهي التي ستكون القاعدة الاجتماعية الأهم للتغيير الديمقراطي المنشود.
ولاشك أن تحول هذه القوي إلي كتلة مؤثرة مرهون بقدرتها علي جذب أوسع القطاعات الاجتماعية التي تطمح إلي التغيير، من داخل حزب السلطة ومؤسساتها ومن المثقفين وجماعات المعارضة. كما أنه مرهون بقدرتها علي تجديد الثقافة السياسية السورية من خلال اعتبار ساحة الفعل السياسي مفتوحة علي الدوام علي قوي ومجموعات سياسية ذات توجهات فكرية ومشارب سياسية متباينة، وضرورة التزام الخطاب العقلاني والواقعي في العمل السياسي، واعتماد ثقافة الحوار.
إن المعارضة السورية تواجه عقبات و معوقات بنيوية، فقد استطاعت السلطة الاستبدادية، خلال سني الخوف العجاف، تحطيم جميع البني السياسية والمدنية (الأحزاب والنقابات والجمعيات)، وسحق أو تهميش أو تشريد العديد من الشخصيات التي يمكن أن تكون محورا لعمل وطني معارض. كما يبدو أنها لم تدرك حجم التغيرات التي اجتاحت المنطقة بعد جريمة 11 أيلول 2001، ومن ثم بعد مشروعات الشرق الأوسط الكبير و منتدي المستقبل ، وبعد احتلال العراق، ومعني أن تصبح الولايات المتحدة جارا مباشرا لسورية، وأخيرا، وليس آخرا، مغزي القرار الدولي 1559، والزلزال الذي أحدثه اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وتداعياته.
وهكذا، يبدو أن المعارضة، بجناحيها السياسي والمدني، وبالرغم من الحراك الذي شهدته في السنوات الأخيرة، عاجزة عن قيادة عملية التغيير الديمقراطي. ولكنها يمكن أن تشكل قوة أساسية فيما إذا عززت وحدتها، وأعادت صياغة برامجها الموحدة بعيدا عن العصبويات الحزبية الضيقة.
(4)
واقع الحال يطرح السؤالين الجوهريين التاليين: كيف نهييء أرضية داخلية صلبة قادرة علي التعامل مع معطيات وتطورات العالم المعاصر لتأمين مصالحنا الوطنية من خلال التكيف الإيجابي مع متطلباته؟ وما هي أدوات ووسائل التغيير؟
إن التعاطي المجدي مع الأخطار والتحديات التي تطرحها التحولات الوطنية والإقليمية والدولية علي جدول الأعمال السوري تتطلب البحث عن أسباب ضعفنا الداخلي ومعالجته جديا للنهوض بالقدرات الكامنة إلي مستوي التطورات الجديدة والتعامل معها علي أساس من التكافؤ والاقتدار في الميادين المختلفة. مع العلم أن مصدر القوة الحقيقية لأية دولة هو التناغم والتكامل والتوازن بين سلطة الدولة ومجتمعيها المدني والسياسي.
إن صياغة معادلة جديدة في الحياة الداخلية تأخذ بعين الاعتبار تعاظم التحديات، في ظل علاقة بين السلطة والمجتمع قائمة علي القناعة والثقة والتفاعل الحر، علاقة مقننة في إطار عقد اجتماعي جديد يوفر الشفافية والمؤسسية والقانون، هي وحدها الكفيلة بوضع سورية علي أولي درجات التغيير المنشود، وإلا فإننا أمام حالة إعادة إنتاج الماضي بكل مآسيه، خاصة إذا بقيت بنية الاستبداد موجهة لمجمل توجهاتنا.
وفي هذا السياق، لايخفي عنا الدور الهام الذي تلعبه مؤسسة الرئاسة في الجمهوريات الرئاسية عامة، وفي الحياة السياسية السورية منذ سنة 1970 خاصة، حيث كان الرئيس محور قوة السلطة، وحيث جري احتكار العمل السياسي من قبل سلطة الدولة. وعليه، وبالرغم من كل الحيوية التي تتمتع بها النخبة الوطنية السورية، بات التغيير صعبا ومكلفا (ينطوي علي مخاطر تمزيق الوحدة الوطنية وتسهيل التدخل الخارجي)، من خارج إطار السلطة، ذلك لأن المجتمع بات شبه عاجز عن المبادرة إلي إطلاق سيرورة تغيير ديمقراطي حقيقي، فهو مغيب عن الحضور الفعلي في الدولة، فلا وجود لمنظمات مجتمعية مستقلة فاعلة، ولا وجود لأحزاب معارضة علنية فاعلة، ولا وجود لصحافة حرة مستقلة، ولا انتخابات تعددية نزيهة.
وهكذا، يبدو أن قدر الدولة السورية، ذات البنيان المركزي الشمولي، أن تأتي مبادرة إعادة بنائها من المؤسسة الرئاسية. فما هي المعوقات التي يمكن أن تعترض أي تغيير من داخل السلطة بمبادرة رئاسية؟
فعلي امتداد عدد من السنين هيمن نمط من الأجهزة الأخطبوطية علي مجمل نواحي الحياة السورية، بحيث تم ابتلاع كل المظاهر الأولية لوجود المجتمع المدني السوري. بل أن المجتمع السياسي نفسه لم ينجُ من سيطرة هذه الأجهزة، حيث قُضمت الدولة وأُرغمت علي إخلاء الساحة لـ الدولة الأمنية ، مقابل أمن الدولة . ومن هنا يبقي القول أن مصير أي مشروع للتغيير الديمقراطي، من داخل السلطة القائمة، مرتبط بـ أزمة التطبيق ، إذ أن كل القوانين والإجراءات والتدابير التحررية تواجه المقاومة والتأجيل والإعاقة عند التنفيذ، أو تنفذ علي نحو بيروقراطي وبطيء وخالٍ من حيوية التغيير، لا بل يترافق تنفيذها أحيانا مع نية إبطال مفعولها. فثمة أمثلة عديدة عن دور الانتهازيين والمنافقين والمتملقين في تخريب تجارب بدأت مفعمة بأمل التغيير، فجرفها هؤلاء نحو عكس رهاناتها.
وعليه، فإن توافقا بين السلطة القائمة والتيارات السياسية المعارضة قد يساهم بتطوير آليات المجتمع المدني، بما يساعد علي توسيع رقعة الحريات العامة، وتحريك وعي الجماهير، ودفع شرائح واسعة منها إلي الانغماس في خضم العمل السياسي العام. مما يحيل أفراد المجتمع السوري من مجرد رعايا تابعين، غير مبالين، إلي مواطنين نشطاء فاعلين يمكنهم التأثير في ديناميات اتخاذ القرار السياسي والإسهام في تغيير بنية التمثيل السياسي، فضلا عن مشاركتهم في تحديد الأهداف الكبري، وصياغة السياسات العامة.
ومما لا شك فيه أن هذا التطوير لآليات مشاركة المجتمع المدني يمثل سيرورة مرهونة نتائجها: أولا، بمدي نضج القوي السياسية في السلطة القائمة والأحزاب المعارضة. ثانيا، بمدي التفاعل المثمر مع ديناميات التمايز والتمفصل بين السلطات وتعميق المساواة وتعزيز قدرة النظام السياسي علي التكامل والتكيف والإبداع.
إن نجاح مشروع التغيير الديمقراطي يتطلب الحوار المفتوح بين كل التيارات الفكرية والسياسية السورية من خلال مؤتمر وطني عام، بهدف الكشف عن الممكنات في الواقع السوري، وبناء أولوياتها وتوازناتها عبر منهج عقلاني هادئ، يقوم علي التدرج وقبول الحوار مع الرأي الآخر ونبذ العنف والتطرف وعقد الماضي.
ومما لاشك فيه أن تجسيد مثل هذا الحوار، بأهدافه وموضوعاته، منوط بالسلطة أولا، ويعكس مدي جديتها في التغيير الديمقراطي. إذ من المفترض أن تبادر إلي الدعوة الشاملة إلي الحوار المفتوح والمجدي والعملي مع القوي الأساسية (التجمع الوطني الديمقراطي، والأخوان المسلمين، وتجمع الأحزاب الكردية...)، مما يرفع من شأنها في أعين المجتمع ويفتح في المجال لتجسيد قيم الإصلاح وحاجاته في الواقع. ومما يسهل مثل هذا الحوار أن ثمة تقاطعا بين مشروعي العهد الجديد والمعارضة، يمكن أن يساعد علي إجراء تحولات ديمقراطية متدرجة، تهدف إلي إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة.
وفي كل الأحوال، يجدر بالمعارضة السورية بكل أطيافها الإسلامية والقومية واليسارية والليبرالية، وفي القلب منها التجمع الوطني الديمقراطي، أن تبحث عن أشكال متطورة للحضور الشعبي الكثيف في فعالياتها النضالية السلمية، كي تضمن إجراء التغيير الديمقراطي المطلوب.
(5)
تتوجه أنظار الفاعلين السياسيين والمهتمين بالشأن العام نحو المؤتمر القطري القادم لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم، وتتساءل هذه الأوساط: هل ما سيشهده المؤتمر هو مجرد تدابير محدودة ومؤقتة كما جرت العادة سابقا؟ أم أننا سنكون أمام منهج تغيير ديمقراطي شامل صادر عن رؤية عميقة للتحديات التي تواجه سورية وكيفيات التعامل المجدي معها؟
هناك أمل كبير في أن يجري المؤتمر مراجعة شاملة لمبادئه وسياساته تأخذ في الاعتبار المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية منذ عام 1963، بما يؤدي إلي إجراء مصالحة تاريخية بين منطق الحزب ومنطق الدولة وحاجات المجتمع السوري. وفي الوقت نفسه، هناك قلق مشروع من أن تستطيع مجموعات المصالح في الحزب الحاكم الضغط في اتجاه الاكتفاء بتغيرات سطحية لا تفي بغرض التغيير الديمقراطي المنشود.
ويبقي السؤال قائما: هل يكون المؤتمر علامة فارقة في تاريخ سورية، لجهة الاعتراف بالآخر وتكريس الخيار الديمقراطي وإطلاق الحريات وتبني قانون لإنشاء الأحزاب وآخر لتنظيم الانتخابات وإلغاء القوانين التي تعوق البناء الديمقرطي وتلك التي تفرض قيودا علي حركة المواطنين السوريين أو تلقي عليهم أعباء لا طاقة لهم بها ودفع عمليات التغيير الديمقراطي المنشود؟
(6)
إن آليات السيطرة التي تكونت منذ سنة عام 1963 شكلت الغطاء للفساد العام والركود الاقتصادي علي مدي سنوات عديدة، كما أعاقت إمكانية التعامل العقلاني مع الموارد الاقتصادية والبشرية السورية، وعطلت انطلاق مبادرات المجتمع السوري الذي يتميز بالحيوية، وبالتالي أدت إلي الأزمة البنيوية في مجمل مناحي الحياة السورية. وبما أن هذه الأزمة قد تولدت عن البنية الشمولية للدولة السورية، فمن الطبيعي أن يكون التغيير شاملا لكل ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بتناغم واضح فيما بينها، ومن المؤكد أن المدخل إلي ذلك هو الديمقراطية باعتبارها نظاما مؤسسيا لإدارة تعددية المجتمع المدني، ووسيلة لإدارة التعدد بواسطة مؤسسات متعاقد عليها .
لقد اعتادت السلطة، منذ عقود، مصادرة المجتمع وإخضاعه كليا، وأقامت في سبيل ذلك منظماتها الشعبية كامتداد لسلطتها، بحيث لم يعد من الممكن الحديث عن دولة ومجتمع بالمعني الحديث. ومردُ كل ذلك هو النظام الشمولي الذي حكم البلاد والعباد، والذي تميز بالتماهي بين الدولة والسلطة والمجتمع والحزب، واندمجت كلها في شخصية الحاكم، بعيدا عن أية مؤسسات رقابية حقيقية، بل بوجود مراتبية تلعب فيها الأجهزة الأمنية الدور الأهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تقرب أهل الولاء وتنفر أهل الكفاءة. وفي مثل هذا النظام كان من الطبيعي أن تغيب دولة الحق والقانون، خاصة عندما أصبحت حالة الطوارئ والأحكام العرفية، التي تكون مؤقتة في العادة، حالة دائمة منذ العام 1963. وقد أدي كل ذلك إلي تعطيل الحياة السياسية السليمة، وحد من إمكانية الإدارة العقلانية للموارد الاقتصادية والبشرية، كما أدي إلي تهميش قطاعات اجتماعية وثقافية عديدة.
(7)
لقد استقر الفكر الإنساني علي وجود ترابط عضوي بين التنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية المستدامة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك علي العلاقة المتبادلة التي لا تقبل التجزئة بين مجموعة فئات الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
إن إنجاز التغيير الديمقراطي، في كافة البني الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بات ضرورة للتمكن من التعاطي المجدي مع العالم المعاصر طبقا للمصالح الوطنية السورية العليا. ولعل برنامجا شاملا، يصوغه مؤتمر وطني عام، يساعد علي الخروج من خيارات الماضي، الذي يفتقد حرارة التواصل مع الحاضر والمستقبل، إلي خيارات المستقبل التي تفتح الأفق أمام انطلاق مبادرات كل مكونات الشعب السوري.
لاشك أن تحديد الأولويات ومراجعة الأهداف المزمع تحقيقها ضرورة ملحة في سورية، ليتم التركيز علي متطلبات الإصلاح والتحديث وتكريس القواعد الديمقراطية وبناء المؤسسات الدستورية ومعالجة المشاكل المعيشية وتحديث الهياكل والبني الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق التنمية والارتقاء بمستويات القدرة السورية علي الانفتاح علي العالم، والتعامل معه من موقع الشراكة المتكافئة، في ظل توجهات العولمة التي لم يعد هناك مجال لتجاهل آثارها السلبية والإيجابية علي كل بلدان العالم.
ومن أجل ذلك، تبدو الديمقراطية في رأس أولويات التحديث السوري، فالإصلاح ونجاحه يستدعي مقولات جديدة: المجتمع المدني، الدولة الحديثة، المواطنة. وتبدو أهمية ذلك إذا أدركنا أننا، بشكل عام، لا نملك لغة سياسية حديثة، منظمة وممأسسة، في بنانا السياسية والثقافية، إذ بقينا خارج تسلسل وتاريخ التقدم الإنساني، فماضينا ما زال ملقي علي هامش حاضرنا، بل يهدد مستقبلنا.
إن نجاح أي مشروع للتغيير الديمقراطي مرتبط بإجراء إصلاح سياسي شامل، مقدماته الضرورية تقوم علي إلغاء كل القيود علي الحريات الديمقراطية، وتقوم أيضا علي الدعوة إلي استقلال القضاء وسيادة القانون، إضافة إلي كل أسس النظام الديمقراطي، بما يضمن قيام دولة حق وقانون قوية.
وإذا كان من الطبيعي أن يخضع الاقتصاد السوري لتأطير معين يحدد اتجاهات الأداء الاقتصادي في السنوات القادمة، فإن الضرورة تقتضي دعوة الفعاليات الوطنية المختلفة للمشاركة في الحوار حول الآفاق القادمة، وعدم الاقتصار علي مجموعة محدودة من المستشارين، بهدف الوصول إلي أفضل الخيارات الممكنة. ذلك أن المسألة الاقتصادية مرتبطة بمجموعة واسعة من المكونات: التنموية، والإدارية، والتشريعية، والاجتماعية، والرقابية، والسياسية. وفي كل الأحوال، وطالما أن كرامة وحرية الإنسان هي التي تشكل أساس تطور أي مجتمع، فإن الرقابة المُمَأسسة، التي تمكن من وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، تشكل أحد أهم الشروط لتحقيق التقدم الاقتصادي، حين تفرض التنظيم العقلاني لعملية الادخار والتراكم وجذب الاستثمارات الوطنية والعربية والأجنبية. وهكذا، تبدو سورية في أمس الحاجة لأن تتضافر جهود جميع أبنائها في مواجهة تحديات التحديث والعولمة والسلام. لذلك فإن المطلوب هو التحول السلمي الهادئ من الدولة الشمولية إلي الدولة الديمقراطية، بما يوفر إمكانية الانفراج التدريجي والمحافظة علي الوحدة الوطنية وإعادة الاعتبار لدولة الحق والقانون المتصالحة مع مجتمعها. ومن أجل ذلك لابدَ من سن قانون عصري لتأسيس الأحزاب والجمعيات، واستكمال الملف الأمني بإطلاق كل معتقلي الرأي والضمير، وفتح ملف المفقودين، وإصدار قانون عفو تشريعي عام عن المنفيين السياسيين، وإعادة الثقة بين السلطة والمجتمع.
ومن غير الممكن تصور تغيير ديمقراطي ناجح في سورية بمعزل عن عودة الروح إلي المجتمع المدني، وضمان مؤسساته المستقلة عن سلطة الدولة، كي يسترد المجتمع السوري حراكه السياسي والثقافي، بما يخدم إعادة بناء الدولة الوطنية الحديثة.
نحن أمام تحديات حقيقية تستوجب تفعيل الخيارات الممكنة، من خلال إرادة سياسية صلبة، وإدارة عقلانية لكل إمكانياتنا المتوفرة، بهدف التعامل مع الوقائع القائمة كما هي لا كما تتخيلها رؤي أيديولوجية مبسطة. فليس من الواقعية والعقلانية أن نغمض أعيننا عن مختلف الخيارات والقدرات التي يمتلكها شعبنا، وذلك من خلال إعادة صياغة كل أسس قوتنا، بترتيب أوضاعنا الوطنية، وإعادة ترتيب العلاقات مع العالم والموازين الدولية.
كاتب وباحث من سورية يقيم في تونس

القدس العربي