ضَحِكٌ .. لكنّه كالبكاء

2005-06-30

ضَحِكٌ .. لكنّه كالبكاء

حلم العمر يتحقّق .. الآن بإمكاني أن أفتح مخبزاً أو صالوناً للحِلاقة!

نايف ذوابه *

خاص – صفحات سورية -

قديماً قال شاعرنا الحكيم أبو الطيب المتنبي:

وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا

نستشهد ببيت الشعر لكن الحالة ليست مصرية، وإنما هي حالة سورية، ونستميح أبا الطيب العذر إن قلنا:

وكم ذا بسورية من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا

على حدّ علمي أن من يريد أن يفتح صالوناً للحلاقة بحاجة إلى رخصة مزاولة مهنة، أو لموافقة أمانة العاصمة للحصول على رخصة صحية ودفع المعلوم من الرسوم، أو بحاجة لموافقة نقابة الحلاقين، لكنني أعترف وأقر بأن ذكائي المتواضع لم يبلّغني درجة التوقع بأن فتح صالون حلاقة يحتاج إلى موافقة أمنيّة!!

وكنت أحسب (وفهمي على قدّي) أن الذي يحتاج إلى موافقة أمنية هو من يريد إنشاء حزب سياسي أو إصدار صحيفة، أو افتتاح محطة إعلامية فضائية، أو افتتاح دار نشر، أو افتتاح دار إذاعة. بمعنى افتتاح أي مصلحة لها علاقة بالإعلام أو الفكر، أو الرأي. أمّا أن يكون افتتاح صالون حلاقة أو مخبز أو بقالة أو نوفوتيه ملابس جاهزة يحتاج إلى موافقة أمنية، فهذا ما لم يخطر لي ببال، ولم يبلّغنيه خيال، وكما يقولون: "العتب على النظر" عندنا في بلاد الشام!!

على كل حال، ها هي ذا مسيرة الإصلاح تسير على قدم وساق في سورية قلب العروبة بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، وها هي البداية وكما يقولون: إن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.

المهم أن نبدأ .. إذا كان فتح بقالة، أو مخبز، أو صالون حلاقة يحتاج إلى كل هذا المخاض العسير من اجتماع اللجنة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، وأن تُجنّد كل هذه الحملة الإعلامية، فكم قرناً في ظل قيادة حزب البعث يحتاج الناس ليخرجوا إلى الساحات العامة ليعبروا عن رأيهم في الحكومة، أو في قرارات مجلس رئاسة الوزراء الموقّر، أو الاحتجاج على ارتفاع سعر سلعة من السلع الضرورية أو اختفائها من السوق يا ترى؟!

فعلاً تمخّض الجبل فولد فأراً.

تتحدث السيدة بثينة شعبان وزيرة شؤون المغتربين والناطقة باسم (المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث) عن الشروع في حملة لمكافحة الفساد، والقضاء على أسبابه وأشكاله، والقضاء على الهدر الذي يسبّبه الفساد، وكأنما تتحدث عن فساد وهدر في كوكب آخر، وكأن الذين يمارسون الفساد والهدر، والذين حوّلوا حياة المواطن السوري والعربي في سورية إلى جحيم عصابة خارجة عن القانون، لا علاقة لهؤلاء المجتمعين أعضاء اللجنة القطرية والوزراء ووكلاء الوزارات وكبار الضباط بها!

وكأن المتهم هارب من وجه العدالة، وكأن المجتمعين من أعضاء اللجنة القطرية والحرس القديم ضحايا بريئة لم ترتش ولم تعتد على المال العام، ولم تروّع آمناً، ولم تسرق قوت مواطن بحث وكلّ في البحث عن مهجة قلبه، وجنى عمره وتعب أيامه، حتى باع الذي فوقه والذي تحته واستدان ليعرف مصير ولده المجهول الذي اختطفته العصابات الأمنيّة؟!

على هامان يا فرعون!!

من رعا هذا الفساد، وجعله سمتاً ونهجاً وطريقة حياة في سورية؛ حتى أصبحت جمهورية للفساد على طريق ممالك الفساد؟! هل هي الصهيونية العالمية والإمبريالية الاستعمارية؟! أم هؤلاء كلهم الذين ينبغي مساءلتهم ومحاسبتهم، وعقد محاكم خاصة لهم لاسترداد المال العام الذي نهبوه، وإقصاء الفاسدين الذين عيّنوهم، وأعطوهم صلاحيات مطلقة في تحويل حياة الناس إلى جحيم، وأفسدوا على الناس دينهم ودنياهم، وعمّموا العهر والنفاق في سورية الطهر والعفاف، فاستشرت الرذيلة، وأصبحت تبحث عن الأمانة والصدق، والصراحة والوضوح في سورية بِـ "المندل"؛ لأنها أصبحت بضاعة أعز من الكبريت الأحمر؛ فلا أحد يثق بأحد، ولا أحد يجرؤ على سماع من ينتقد النظام أو المسؤولين الكبار الذين تغوّلوا، وأصبحوا يهيمنون على مفاصل الحياة السياسيّة والاقتصاديّة، وأصبح الناس يجهدون في البحث عن فاعل خير ليكون "واسطة" لهم عند متنفّذ كي يدفعوا له رشوة، ليفتح صالون حلاقة، أو مخبزاً، أو نوفوتيه للملابس، أو للحصول على حسن سلوك من شعبة من شعب حزب البعث لدخول ابنهم الجامعة!!

وساد عُرف في سورية إذا أردت أن تستثمر في مشروع ناجح مكفول مضمون فشارك ضابطاً من ضباط الجيش، ليختصر لك الإجراءات، وليوفر لك غطاء شرعياً للتهرّب من القوانين، والابتعاد عن المراقبة الرسميّة، و لتوفير الحماية فيما إذا اصطدمت بموظف نظيف لا يرتشي - وإن كان هذا نادراً - لكن كل شيء ينبغي أن يُؤخذ بالحسبان!!

بجهود هؤلاء خربت سورية، وأصبحت طعماً سهلاً لكل القوى المتربصة بسورية، ابتداء بـ "إسرائيل" وأمريكا، وانتهاء بموارنة لبنان الذين دخل الجيش السوري ليحميهم بمظلة أمريكيّة أوروبيّة، ثم انقلبوا عليها وتآمروا، وحرضوا العالم كله عليها حتى أخرجوها من مجالها الحيوي، وكشفوا خاصرتها الإستراتيجية لـ "إسرائيل"، وأصبحت سورية بفضل سياسات القيادة السياسيّة المراهقة، وانتهازية جوقة المنافقين هدفاً لا أسهل ولا أقرب!!

من يصدق أن تلميذاً في المرحلة الثانوية في بلد عربي مجاور يذهب للسفارة السوريّة في البلد التي يقيم فيها لينتخب الرئيس الراحل بينما والد التلميذ قابع في سجن من السجون السورية، في ظروف الله أعلم بها!! وهكذا حللنا لغز الشاعر الذي حيّر ألبابنا وكنا نحدث أنفسنا ونقول: معقول!!

خليليّ فيما عشتما هل رأيتما قتيلاً بكى من حُبّ قاتله قبلي!!

من يصدق أن عجوزاً سبعينياً يخرج إلى الساحة العامة في قريته أو مدينته في سورية ليرقص فرحاً بمناسبة ذكرى الثورة التصحيحيّة، حتى تكتحل عيون رجال المباحث برؤيته حتى لا يُتّهم بمعارضة النظام!!

هذه الأوضاع لم تصل إليها سورية وغيرها من الدول العربية في غمضة عين، فقد كان فساداً مبرمجاً، ونظاماً أمنياً مرعباً حسب الأصول حتى أصبحت سورية مملكة للخوف والفساد، ولم يملك النظام أي خيار للمصالحة والمصارحة مع الشعب؛ لأنه اغتصب السلطة اغتصاباً في غفلة عن الأمة والقوى المخلصة فيها.

وها هو ذا الحصاد المر: هزائم، ومديونية، وفساد حازت فيه الدول العربية قصب السبق، والمراتب الأولى في منظومة الفساد في دول العالم الثالث؛ حتى إن الصحف الأجنبية لم تتورع عن تسمية إحدى الدول العربية بأنها مملكة الفساد، هذا فضلاً عن التقوقع على الذات، والخوف من الهمس على اعتبار أن للحيطان آذاناً!!

* كاتب من الأردن - عمان

إغلاق منتدى الأتاسي : مبروك عليكم نهاية اللعبة

إغلاق منتدى الأتاسي : مبروك عليكم نهاية اللعبة !!

المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سورية

ذكرت السيدة سهير الأتاسي في تصريح صحفي اليوم أنها تلقت اتصالا هاتفيا من جهة أمنية يعلمها بقرار النظام السوري إغلاق المنتدى الذي يحمل اسم والدها الراحل جمال الأتاسي . وأوضحت السيدة أن هذا القرار جاء عقب رفضها ( بصفتها رئيسة للمنتدى ) ورفض زميلها جهاد مسوتي ( بصفته نائبا للرئيس ) تلبية الاستدعاء الأمني للحضور إلى شعبة الأمن السياسي ، تنفيذا لقرار كانت اتخذته إدارة المنتدى بعدم تلبية إي استدعاء أمني . وأوضحت السيدة أنها وإدارة المنتدى يريدان معرفة ما إذا كان قرار الإغلاق " أمنيا أم سياسيا " !!؟؟

تصلح قضية منتدى الأتاسي لأن تكون عينة نموذجية ، ونموذجية جدا ، ليس للطريقة يتعامل بها النظام مع قضية " الإصلاح السياسي" ووعوده الخلبية في هذا المجال وحسب ؛ وليس للطريقة التي نظر بها طيف واسع جدا من المعارضة السورية ومثقفيها للرئيس الوارث ووعوده فقط ؛ بل ـ وهذا هو الأهم بنظرنا ـ للرؤية التي يمتلكها هذا " الطيف الواسع " عن النظام وقضية التغيير في سورية !

لقد نظر الكثيرون ، داخل البلاد وخارجها ، إلى الجنرال حافظ الأسد باعتباره العقبة الوحيدة التي انتصبت بوجه التغيير في البلاد . وقد رأى هؤلاء في وفاته فرصة تاريخية ذهبية لانطلاق عملية الإصلاح السياسي والدمقرطة في بلاد نهشها القمع والإرهاب وحكم السلالات المافيوية على مدى عدة عقود . ورغم أن الكثيرين من هؤلاء رأوا في تنصيب ابنه ملكا على عرش الجمهورية خرقا فاضحا لأصول وقواعد الحكم المفترض أنها تطبع نظاما جمهوريا ، إلا أنهم ما لبثوا أن اصطفوا بطبولهم وزماميرهم خلفه وخلف " خطاب قسمه " الذي تحول بالنسبة لهؤلاء إلى " دستور " آخر جعل الناس تنسى أن للبلاد دستورا تبين أن قسما كبيرا من طلاب السنة الأولى في كلية الحقوق لم يسمعوا به من قبل ، رغم أنه فصّل في الأساس ليكون على مقاس الجنرال الراحل ، بدءا من رأسه وانتهاء .. بحذائه !

هكذا ، وفور إعلان وفاة الجنرال وتنصيب ابنه ملكا جديدا ، بقوة وبأس حرسه الجمهوري وجبن وانتهازية نائبه عبد الحليم خدام الذي أحضر بـ " الكلبشات " من بلدته التي يعتكف فيها " حردا " واحتجاجا على صغر حصته من التركة ، كان علينا أن نرى صنفا من المعارضين الذين لا يعرف أحد من أين " قرعة أبوهم " ، ولا الكيفية التي جرى تفقيسهم من خلالها .. إذا وضعنا جانبا بهجت سليمان ومكتبه الذي تحول إلى " حاضنة " لتفقيس الغريب والعجيب من بيوض " المعارضة " !
.. وعلى مدى ستة أشهر عاشت البلاد مشهدا لا سابق له في تاريخها الحديث منذ عدة عقود : بيانات بالعشرات ؛ بعضها من " أم التسعة والتسعين توقيع " ( على عدد أسماء الله الحسنى !) ، وبعضها الآخر من " أم الألف توقيع " ؛ ونواد ثقافية ـ فكرية بالعشرات حولت سورية خلال أشهر ـ بالنسبة لبعض العميان والدراويش ـ إلى ما يشبه براغ عشية اجتياح الدبابات السوفييتية لبلاد الكريستال البوهيمي ، ونقاشات في الديمقراطية وحقوق الأنسان أين منها العصر الفولتيري وعصر " الآباء الموسوعيين " ! ولم يكن الأمر محض مصادفة حين بلغ ببعض البلهاء إلى حد إطلاق صفة " الربيع " على مشهد كان ذو البصر والبصيرة وحده يدرك أن الحطب اليابس لا ينجب وردا ولا براعم ! وسيصاب البعض بالجنون حين يكتشف أنه كانت ضحية لعبة قذرة ، وأن البطل الحقيقي ، غير المرئي ، لمعظم هذه المشاهد المسرحية كان ضابط مخابرات برتبة جنرال وشهادة دكتوراه في " الفكر الاقتصادي الماركسي الحديث " من جامعات تشاوشيسكو وأساتذة شرطة السيكوريتات ومعاهد رفعت الأسد ، أسندت له مهمة إلهاء الجمهور بحركاته البهلوانية وألاعيب أزلامه المنظرين لخرافة اسمها " الرئيس الإصلاحي الشاب " ... ريثما ينتهي الملك الجديد من ارتداء ثيابه الملكية وانتعال أحذيته الماريشالية اللازمة " للفعس والمعس " !

بعد ستة أشهر وحسب ، وحين فرغ الملك من ارتداء ملابسه وأحذيته الماريشالية ، لم يحتج الأمر إلا لبضعة أنفار من الشرطة كي تنتهي الأكذوبة . وكان وضع عشرة من " الحواريين " خلف القضبان كافيا لانكفاء الجماهير الغفيرة ـ الغفورة إلى بيوتهم ... باستثناء " يهوذا المجتمع المدني " . فقد كان من الصعب اعتقاله ، ليس لأنهم أرادوا مكافأته بثلاثين من فضة على الدور الذي قام به ، بل لأن دوره لم ينته . فقد كانوا بحاجة إلى نصّاب وساحر يجيد إلباس جريمة الاغتيال لعبد الحليم خدام الذي تحول إلى شيطان وحيد في نظام الرئيس الشاب الذي لا يضم في صفوفه إلا الملائكة !

ولكي يستمر العرض المسرحي على الخشبة ، وتستمر عملية بيع البطاقات في شباك التذاكر ، لم تكن " شيطنة " عبد الحليم خدام ، وتحميله وزر كل ما جرى ، كافيا . ففي الوقت الذي أغلقت النوادي كلها ، جرى استثناء منتدى الأتاسي من غضب الآلهة باعتباره " المنتدى الوحيد الذي يتحلى بوطنية لا تشوبها شائبة في مواجهة النوادي الأخرى التي تموّلها السفارات الأجنبية " ! ولم يكن الأمر عصيا على الناس كي يفهموا أن صفقة ما جرى إبرامهما من تحت الطاولة ، بين السلطة من جهة وحسن عبد العظيم من جهة أخرى ، للإبقاء على حياة المنتدى . فالطرفان كلاهما كانا بحاجة للمشاركة في اللعبة ، مثلما أن اللعبة الأخرى المتممة تقتضي أن يتناول رئيس جمعية لحقوق الإنسان طعام العشاء مع مجرم دموي اسمه هشام بختيار ، وأن يخرج علينا بعد ذلك بحركاته البهلوانية ليخبرنا أنه هو من دفع ثمن العشاء لأنه " يرفض أن يتناول طعام العشاء على حساب المخابرات العامة " !

ليس هذا بأي حال انتقاصا من الدور الذي قام به المنتدى . فقد كان على مدى السنوات الماضية " المتنفس" شبه الوحيد لـ " تنفيس " احتقان النخبة المولعة بالعراضات والاستعراضات والجدل البيزنطي في أولوية الخلق : بيضة المجتمع المدني أم دجاجة الدولة !؟

.. ومع هذا لا نملك إلا أن نقول : مبارك عليكم إغلاق المنتدى ونهاية اللعبة . ولكن من يضمن لنا أن لا تستمر السيدة سهير الأتاسي ، التي نحترم كل ما قامت وتقوم به من نشاط عام ، في التمييز بين " قرارات سياسية " وأخرى " أمنية " !؟ ومن يضمن لنا أن لا يخرج علينا " ساحر المجتمع المدني " يوم غد ، بعد أن ذهب خدّام مع الريح ، بنظرية تقول : " إن المسؤول عن إغلاق منتدى الأتاسي هو مختار مشروع دمّر السكني الذي يتزعم الحرس القديم في السلطة " !؟ ومن يضمن لنا أن لا يستمر هذا الساحر في حملته لإقناع الناس بأن عصافير الدوري تأتي من بيوض الأفاعي

خاص – صفحات سورية -

إغلاق منابر الحوار!

* إغلاق منابر الحوار!

رأي أخبار الشرق

من الغريب حقاً أن يستخدم البعثيون منابر لتمرير أفكارها، ثم يغلقونها<>

فلطالما حضر البعثيون بقوة في ندوات منتدى الأتاسي، وحاولوا طرح وجهة النظر السلطة، بل وكثيراً ما أثاروا البلبلة خلال النقاشات. وفي آخر ندوة للمنتدى؛ كان البعثيون ممثلين في الندوة، ولكن لا يريد الحاكمون أن يطرح ما لا يرضون عنه، وإلا خرج الأمر عن الحوار وحرية الرأي!! فهم يحددون من هو الوطني ومن هو غير الوطني، وهم - وحدهم - يعرفون ما يجوز طرحه وما لا يجوز!!

والحقيقة أن التضييق على مثل هذه المنابر الحوارية ينطبق على وسائل الإعلام الخارجية التي تعمل في سورية، ففضائيات كانت السلطة بها "معجبة"، ولكن فجأة أصبحت مروجة للفتة والأكاذيب، وقد بدا هذا واضحاً من خلال الحملات التي شنها الإعلام الذي تسيطر عليه الحكومة على بعض وسائل الإعلام اللبنانية.

وما يعطي لـ "فرمان" إغلاق منتدى الأتاسي بعداً إضافياً، أنه جاء في غمرة "النشوة" التي يحاول البعثيون التعبير عنها بعد مؤتمرهم القطري الذي كان بمثابة نكسة بالنسببة للمتفائلين بإصلاح الحزب والسلطة نفسيهما .. إذاً هذا هو الإصلاح الذي يتحدثون عنه .. إغلاق صحف وحملات تشمل الناشطين .. والتضييق على حرية التعبير وسد الطرق أمامها، وبعد كل ذلك يأتي من يقول إن الحزب أصدر توصيات مثلت "انقلاباً" .. نعم هذا الانقلاب "الأبيض" لم يكن باتجاه الإصلاح، بل كان في تدوير الكراسي وتبديل المناصب، بإبعاد شخصيات وتقريب أخرى. أي حصل تغيير في الوجوه واستمرت السياسات على ما هي عليه، ولا يتوقع أن تتغير على المدى القريب. فما زالت السلطة تعتقد بأن بإمكانها اللعب بعامل الوقت، فلعل الظروف الدولية تتغير.

والواضح أن النظام السوري يعاني من ازدواجية في التفكير والعمل، ففي حين يحاول إرسال رسائل إلى الأوروبيين بأنه يمكن التفاهم على شروط توقيع اتفاقية الشراكة، وفي الوقت الذي "يستجدي" الأمريكيين للحصول على رضاهم، بتقديم كل ما يريدون .. في نفس الوقت يحاول أن لا يغير شيئاً على الأرض، لأن ما يطلب منه تغييره هو بعض من الأوراق التي يلعب بها، فهو ما يزال يعتقد بأن بإمكانه الحصول على مكاسب إضافية.

وعلى أية حال؛ فإن التعدي على آخر رموز ربيع دمشق (منتدى الأتاسي) هو حركة ذات مغزى، ومغزاها أكبر من الإغلاق نفسه، فهو يعني الآمال التي ولدت عام 2000 جرى وأدها نهائياً مع اقتراب الذكرى الخامسة لتولي بشار الأسد السلطة، ومعه تم وأد فكرة "العهد الجديد".

إعتقال سوريين ناقشا برنامج حول الحريات

إعتقال سوريين ناقشا برنامج حول الحريات

بهية مارديني

ايلاف

اعلنت المنظمة العربية لحقوق الانسان في سورية اعتقال السلطات السورية ستة من موظفي وعمال معمل السكر في مدينة حمص بسبب نقاش دار بينهم حول حلقة الاتجاه المعاكس التي خصصت للحديث عن الحريات السياسية في سورية و التي بثتها قناة الجزيرة في 24 الشهر الماضي ، وكان ضيفيها البعثي احمد الحاج علي والمعارض سعيد أبو غنام " أكرم شلغين ".

واكد بيان للمنظمة ، تلقت ايلاف نسخة منه ، ان الاعتقال تم منذ حوالي شهر، موردا أسماء ثلاثة منهم يحيى الطالب ، بركات سليمان ، سالم القاسم وهو بعثي يرأس اللجنة النقابية في المعمل .

واضاف البيان ان برقية من الأمن العسكري في دمشق صدرت باعتقال هؤلاء ونقلهم إلى العاصمة بناء على تقرير قدمه احد المخبرين ، ورغم مرور أكثر من شهر لم تفرج السلطات عنهم ،ولم تحلهم إلى القضاء، ولم تسمح لذويهم بزيارتهم أو توكيل محامين للدفاع عنهم.

وقال الدكتور عمار قربي الناطق الاعلامي باسم المنظمة العربية لحقوق الانسان في تصريح لـ"ايلاف "كنا نتوقع من السلطات السورية بعد الحديث عن انفراجات امنية وتعاطي جديد مع الاعلام في سورية ان يبادر التلفزيون السوري الى بث حلقات نقدية عن الاوضاع في سورية لا ان يعتقل من يشاهد تلك البرامج على القنوات الاخرى ، مشيرًا الى انه وفقا لتقارير من مخبرين مجهولي الاسم فقد أسندت تهم محاولة تغيير الدستور بالعنف أو مناهضة أهداف ثورة الثامن من آذار أو إشاعة الأنباء الكاذبة في زمن الحرب للنيل من مكانة سوريّة أو الاتصال بالأجنبي ، والان تطال هذه التقارير حتى الذين يتحدثون عن البرامج التلفزيونية .

وراى قربي انه آن الأوان لهجر هذا الأسلوب اللاقانوني سيما وأنّ القضاء بما يعطيه القانون من مكنات يشكل أسلوب ردع لا يقلّ أهميّة عن الأوامر العرفيّة إذا طرحنا أسلوب التخويف والهيمنة جانبا.

ما يمكن ان يحدث في سورية لا يجب ان يفاجئ أحد

بين الانقلابات المحتملة والتغيير

روس: ما يمكن ان يحدث في سورية لا يجب ان يفاجئ أحد

الى فترة ما مهمة للغاية كان دنيس روس ـ مبعوثا خاصا للرئيس الأميركي للشرق الأوسط والمنسق لعملية السلام العربي الإسرائيلي في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون. ولعب روس دورا حيويا من أجل التوصل الى حل نهائي لأزمة المنطقة. وكاد أن يصل إلى هذا المبتغى في كامب ديفيد 2 بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك ثم في مفاوضات جنيف بين الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد والرئيس الأميركي بيل كلينتون. وهو حاليا مستشار وعضو متميز في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط. وقبل أيام كتب روس دراسة خاصة بالمعهد حول تصوراته لطبيعة التطورات المستقبلية المتوقعة في سورية، وهذا هو الجزء الأول من الترجمة الصحفية للدراسة التي لا بد أن نشير إلى أنها وبقدر الموضوعية والدقة التي تكشف عن تصورات العقل السياسي المحترف الباحث والمراقب للعقلية العربية، إلا أن بالإمكان ملاحظة زوايا العين الفاحصة الإسرائيلية لها:

وسواء كانت السياسة الاميركية الحالية هي العمل على الزام سورية بتنفيذ حرفي لقرار مجلس الامن الدولي الرقم 9551 المتعلق باخراج كل القوات والقوى الاجنبية من لبنان او تفادي التصادم مع الحكم الحالي في دمشق فان من المهم جدا ان تتضح لواشنطن حقيقة مستقبل نظام الرئيس الاسد ومدى قدرته على البقاء. غير ان ذلك لا يجب ان يشغل الولايات المتحدة عن الدخول في حوار وترتيب مع دول الجوار السوري لمعرفة تبعات انهيار الوضع الحالي وسقوط نظام الاسد وانعكاسات ذلك على المنطقة.

بعد 42 سنة من قيادة سورية، بالامكان القول ان الرئيس السوري السابق حافظ الاسد (والد الرئيس الحالي) لم يجد نفسه ابدا في وضع يحسد عليه كما هو حال ابنه الان. وقد تسنى لي خلال السنوات السابقة و على مدى ساعات غير معدودة من المفاوضات مع الرئيس السوري الراحل ان اخوض معه في دقائق الامور المتعلقة بمسيرة السلام في الشرق الاوسط. لم يكن من الناس الذين يسهل التفاوض معهم لانه كان يعتبر كل نقطة تطرح على بساط البحث معه على انها منازلة.

اعتمد الرئيس السابق في تعاملاته مع كل القضايا التي طرحت عليه او التي يصادفها من واقع نظرية المؤامرة. وينحدر آل الاسد من طائفة دينية تشكل الاقلية الصغرى في المجتمع السوري. وهذه الطائفة العلوية، لا تتعدى عشرة في المائة من عدد السكان في البلاد. وطوال حياته السياسية تورط حافظ الاسد في انقلابات ومؤامرات داخلية وخارجية من خلال دوره في حزب البعث الذي ما زال يحكم البلاد حتى الان والذي وصل الى الحكم اصلا على ظهر دبابة. ومسيرة هذا الحزب وتاريخه مليئة بالذعر والتسلط والقسوة والتفرد. فالبعثيون يرون في الغير ايا كانوا اعداء لهم في كل مكان.

اما الرئيس السوري السابق فقد كان ممن يؤمنون بان استمرار المفاوضات بمثابة فرصة للاستنزاف وليس للاخذ والرد وبالتالي لم يكن في يوم ما من الذين يؤمنون بمبدأ خذ وأعطِ. لذلك لم تكن هناك قضية واحدة صغيرة عديمة الاهمية ولا توجب نقاشا ومفاوضات مطولة او تعقيدات لا حاجة لها في اي قضية تطرح للنقاش او التفاوض معه. وكان على الدوام يتحجج بأن ما يفعله لا يتعدى محاولات الدفاع عن مصالح سورية ليس إلا.

وتركزت اهم ثلاث اولويات في عهد الرئيس السوري السابق على بقاء النظام لاطول مدة ممكنة وعلى تأمين الاستقرار للنظام وله شخصيا بأي وسيلة ممكنة بالاضافة الى السيطرة على لبنان باعتباره قضية لا بد منها لتأمين تحقق الهدفين الاوليين. كما تضمنت اولويات حكم الرئيس السابق استعادة مرتفعات الجولان من اسرائيل التي احتلتها في حرب 7691 وتوفير مستلزمات جعل سورية دولة محورية بالغة الاهمية في كل القضايا المتعلقة بالمنطقة. وحتى في حال عدم قبول البعض لوجهة النظر هذه عن حافظ الاسد فان بالامكان معرفة توجهاته من خلال تصرفاته المتوقعة.

نقاط ضعف

وكان حافظ الاسد حريصا جدا على عدم اظهار اي نقاط ضعف في البناء السياسي والاقتصادي السوري المحكم على الرغم من معرفته الاكيدة بان نقاط الضعف هذه كانت كثيرة وكان يمكن ان تنهي حالة الاستفراد بالحكم او ان تتسبب بانهيار الدولة او الهالة السورية. لذلك كان يعمل على مدار الساعة على الحفاظ على قوة نفوذه على الجميع وعلى تطويق اي تعثر او ارتداد مفاجئ. وبالتالي لم يكن غريبا ابدا ان يتحالف سرا مع حزب الله وحماس والجهاد لدعم وضعه التفاوضي مع اسرائيل او وجوده السياسي في مواجهة من كانوا يختلفون معه او يسعون الى التغيير في سورية. وكان يعتبر هذه المنظمات قوة اضافية لتعزيز سطوته ونفوذه الداخلي والخارجي وان التخلي عن هذه الاوراق الثلاثة اشبه بالانتحار الذي لا مبرر له.

ومن وجهة نظر الرئيس السوري السابق فان الاحتفاظ بنفوذ قوي لدمشق داخل المنظمات الثلاث يجعل من اسرائيل بحاجة الى التفاوض معه على الدوام. اي ان التخلي عن حركات المقاومة لا يجب ان يتم إلا بثمن عال وباهظ. وكنت استطيع تبعا لذلك ان اقنع الرأي العام الاسرائيلي بان امكانية اقناع سورية بالتخلي عن المتطرفين امر ممكن اذا كان الثمن مقبولا من قبل حافظ الاسد وبالتالي فان زوال العلاقة بين دمشق ومنظمات المقاومة المسلحة مرهون بما يمكن ان يحصل عليه حافظ الاسد. وفي كل استئناف لمفاوضات السلام كان لا بد من توقع الاستماع من الجانب السوري الى الثمن المطلوب. اي ان السلام كان ممكنا فقط بالاخذ بمطالب الرئيس السوري السابق وليس وفقا لتوافقات وقناعة طرفي النزاع. ولم يكن علي بالطبع ان افهم انه كان يسعى الى تأمين وضعه وحكمه بالدرجة الاولى وليس اي أمر آخر. وكان الاسد على قناعة بانه ومن دون نفوذه الذي يحيط به ومن دون اتقان لعبة تحريك الفصائل الثلاثة وجهات اخرى فان اسرائيل قد لا تتورع عن اجتياح لبنان ما لم تتساقط اوراق الاخير بسرعة في يده لأن السعوديين والاردنيين ربما يلتزمون الصمت او يتجاهلون مثل هذه التطورات فيظل وحيدا في الساحة. ووقتها ستكون سورية مهددة ومجبرة على القبول بما هو اسوأ من حلول للتسوية مع اسرائيل.

وكان الرئيس السوري السابق احد الحاسبين الجيدين لادوات القوة. وكان حريصا على الدوام على اتباع مبدأ التأني في التعامل مع الامور والدعوات التي قد تجر عليه تبعات لا قدر له فيما بعد على التنصل منها او نفي مسؤوليته عن اعمالها. لكن هذا لا يعني انه كان خصما سهلا امام اسرائيل. فقد كان واعيا لخطورة مواجهتها او المجاهرة باي فعل يغضبها او يثيرها. كان يعرف متى يرمي قفازات التحدي ومتى يتراجع ويقف بعيدا. وفي عام 0791 وخلال حقبة ايلول الاسود التي شهدت المواجهة بين العاهل الاردني الراحل الملك الحسين بن طلال ومنظمة التحرير الفلسطينية لاخراجها من بلاده، حرص الاسد على عدم الاستجابة لنداءات الفلسطينيين بالحاجة الى تدخل الطيران السوري لحمايتهم. وجاءت هذه الخطوة بعد ان هددت اسرائيل بانها سوف لن تقف مكتوفة الايدي في حال تدخل سورية في المعركة. كما تحاشى نشر القوات السورية تحت الخط الاحمر الاسرائيلي في لبنان في عام 6791 تفاديا للمواجهة معها. وقد التزم حافظ الاسد باتفاقية فك الاشتباك التي وقعها مع اسرائيل في عام 4791 وحتى وفاته في عام 0002. وفي عهد حافظ الاسد كانت جبهة الجولان المحتلة الاكثر امانا لاسرائيل على طول خطوط المواجهة مع العرب بعد ان حرص الرئيس السوري السابق على استخدام سياسة القبضة الحديدية لمنع تنفيذ اي عملية فدائية ضد اسرائيل انطلاقا من الجولان، على عكس جبهتي الاردن ومصر حتى بعد ان وقع البلدان اتفاقيتي سلام مع اسرائيل.

لكن ذلك لا يعني تخلي حافظ الاسد عن استخدام حزب الله والجهاد وحماس في عمليات فدائية للتحرش باسرائيل والضغط عليها. وان كان قد منع الفصائل الثلاثة من استخدام اي شبر من الاراضي السورية لهذا الغرض. وكان متهيئا على الدوام لاستخدام الحركات الثلاث متى ما كانت له مصلحة في ذلك او التنصل منها متى ما كان ذلك ضروريا.

ولم يكن المفاوضون السوريون بحاجة لان يذكروننا على الدوام بان رئيسهم السابق كان عند وعده وفي الحقيقة كان حافظ الاسد شاطرا في بيان مدى الفارق بينه وبين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في هذا المجال. وباعتقادي فان حافظ الاسد كان رئيسا حقيقياً مسؤولا عن تصرفاته وافعاله مالئا مقعده عن جدارة على عكس عرفات الذي كان يجعل من كل الالتزامات سهلة الصنع لكنه نادرا ما التزم بها. لقد عرف حافظ الاسد حدود قوته وابعاد منصبه للحفاظ على المصالح الوطنية التي كان يشير اليها ويقدمها على سواها.

فجوة الأجيال

اتسمت فترة حكم حافظ الاسد داخليا بالتعصب وعدم التسامح والارهاب والاجبار . وتميزت خارجيا بالحذر والتعامل مع دول الجوار بالتهديد والترغيب والحسابات الدقيقة. والان وبعد خمس سنوات في الحكم، لم يبد على وريثه ابنه بشار الاسد نجاحه لا في الحفاظ على قوة والده ولا على دهائه. ففي الداخل اخفق بشار الاسد حتى الان في الوفاء بالتزامات كثيرة قطعها على نفسه في مجال الاصلاح والانفتاح والسماح بنوع من الحريات السياسية وقد قمعت سلطاته الامنية والمخابراتية حتى الصالونات السياسية المجاملة له والتي لا تطالب باقصائه او ايجاد بديل عنه اي انها من الناحية العملية تقف معه. هذا فضلا عن ان حتى الصالونات السياسية التي قامت قبل وفاة والده او بعده بقليل والتي تحدثت بنوع ما من الليبرالية والتطلع الى تعريف المجتمع بثقافة حقوق الانسان اي المعارضة المهذبة محدودة المطالب التي عملت بمعرفته، قمعت واقفلت قبل نهاية عام 1002 اي في العام الاول من حكمه. كما اخفق في تحديث الاقتصاد السوري وتحريره من القيود التي كبل بها طوال الفترة السابقة مع ان مثل هذه الخطوة سهلة وليست صعبة وبمقدوره ان يحققها وكان يمكن ان يكون من اول المنتفعين من ثمارها.

وفي سياسته الخارجية، لم يفلح الرئيس الحالي في التسلح بأي من مزايا والده وعلى رأس ذلك التأني في اتخاذ القرار او اعلان الموقف او في حساب الامور بدقة قبل الاقدام عليها بل انه وعلى العكس من ذلك اظهر قوة غير اعتيادية في تعمد الخطأ في الحسابات السياسية او في العواقب الناجمة عنها.

لكن ومن باب الانصاف لا بد من الاشارة الى انه من غير المعروف ماذا كان سيفعل حتى حافظ الاسد في ظروف كالتي تسود اليوم. فبعد انسحاب اسرائيل من لبنان نشأ هناك فراغ امني ملأه حزب الله الذي استثمره لمضاعفة قوته على الارض. وكان الاسد الاب قد مات في غضون اسابيع معدودة بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني. كما ان اندلاع الانتفاضة الثانية والاعتداءات الارهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 1002 وسقوط صدام حسين بالطريقة التي خرج بها على العلن، كلها مستجدات ربما تكون اكبر من قدرة بشار الاسد على التعامل معها. وربما كان الامر سيكون على ما هو عليه الان لو ان حافظ الاسد نفسه ظل على قيد الحياة ولم يمت حتى الان. والاكيد ان هناك الكثير من التصرفات وردود الافعال المتشابهة بين الاثنين.

أدوات نافعة

باعتقادي وحسب معرفتي، ليس هناك اي نوع من الاوهام في عقلية حافظ الاسد عن امكانات حزب الله الحقيقية او عما يريده الحزب والمدى الذي يمكن ان يصل اليه. وهكذا فقد تعامل مع حزب الله على انه واحدة من الادوات النافعة التي يمكن ان توظف لتحقيق مكاسب لبلاده سورية. ولم يتعامل بالتالي حافظ الاسد مع حزب الله على انه قوة يمكن الوثوق بها او الاعتماد عليها. وقد وصف بشار الاسد زعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله على انه رجل ديموقراطي يفهم العقلية الجماهيرية وخلفيات وابعاد المطالب التي ترد من الرأي العام والذين بامكانه ان يتعلم منهم الكثير. وكما اسلفت في عام 0002 فقد انعسكت احداث غياب الاب وتولي الابن الرئاسة على حزب الله نفسه. وقام بشار بتوجيه الدعوة الى زعيم حزب الله لحضور لقاء عائلي خاص انعقد في منزل الاسرة في القرداحة بمناسة الذكرى الاولى لوفاة الرئيس السابق. غير انه لو كان حافظ الاسد هو الذي تصرف لما فعل ما فعله ابنه فقد يكون نصر الله احد ادوات قوة المصالح السورية لكنه قطعا سوف لن يجعله طرفا فيها. لذلك لم يكن حافظ الاسد قد قابل نصر الله لوحدهما ابدا. وفي الواقع وفي لقاءاتنا مع حافظ الاسد نادرا ما اعطانا الاب اي اشارة توحي بثقته المطلقة بحزب الله. لقد تعامل حافظ الاسد منطقيا مع حزب الله على اساس قاعدة ان عدو عدوي صديقي وليس اكثر من ذلك. بينما اعطى بشار انطباعا بان نجاح حزب الله في اخراج الاسرائيليين من الجنوب اللبناني بمثابة نصر يمكن ان ينسب الى سورية وهو امر يستحق عليه حزب الله دوراً في سورية او حصة في مصالحها.

هناك فرق واضح وكبير بين طريقة الاثنين (الاسد الاب والاسد الابن) في التعامل مع اسرائيل. فبينما يعتبر حافظ الاسد الانتفاضة نوعاً من انواع الضغط على اسرائيل فانه لم يوحِ بأي شكل من الاشكال بأن مثل هذا الامر يجب ان يمنعه او يجعله يبدي رغبة في وقف التعامل مع اسرائيل او التفاوض معها. وعندما اقترف د.باروخ غولدشتاين مجزرة المسجد الاقصى في عام 4991، علق الفلسطينيون مفاوضاتهم مع اسرائيل وتأجج العرب بالسلاح استعدادا لمواجهة لاحت بالافق في حين ان حافظ الاسد بادر وعبر بوابة واشنطن وبطلب منه الى استئناف الحوار والتفاوض مع اسرائيل. وعلى العكس من ذلك فان بشار الاسد فعل ما افقده فرصة الحصول على مكاسب من اسرائيل عندما حانت الفرص التي كان بامكان اسرائيل ان تقدم فيها تنازلات لسورية.

فخلال وبعد مفاوضات كامب ديفيد 2 في عام 0002 وفي فترة زعامة ايهود باراك ورئاسته للحكومة الاسرائيلية، ابدى باراك نوعا من الانفتاح التاريخي الذي كان يمكن ان يقود الى الاتفاق على تسوية تاريخية لازمة الشرق الاوسط بما في ذلك قضية الجولان. غير ان الرئيس السوري الحالي غالى في الابتعاد عن نقاط اتفاق محتملة وواردة على المسار السوري الاسرائيلي. وعندما جاء ارييل شارون الى الحكم في عام 1002 كانت كل الفرص والمزايا التي كان يمكن لسورية ان تقبل بها، قد انتهت وتبخرت فاضاع بشار فرصة تاريخية للسلام. ولا اعرف على ماذا راهن وقتها؟لكن، وفي اواخر عام 3002 حاول الرئيس السوري من خلال المبادرة الى تحسين علاقاته مع الولايات المتحدة (بدلا من ابداء اي مرونة او اشارة توحي برغبته في تحقيق سلام عادل وممكن) بالايحاء برغبته في العودة الى مفاوضات السلام ولكن من حيث ما كانت قد انتهت في عهد والده. ولم يكن مثل هذا الامر ممكنا فقد تغير المفاوضون الاسرائيليون وتغيرت الكثير من الظروف والاحوال في المنطقة وفي العالم. وفي اعتقادي انها خطوة تفتقر الى الحنكة السياسية والدهاء الذي تميز به حافظ الاسد الذي لو كان هو صاحب المبادرة لاختار القنوات السرية اول الامر لجس نبض الولايات المتحدة حيال خطوة من هذا النوع وللتعرف على فرص الحصول على رد ايجابي ونسب نجاح مثل هذه المبادرة قبل الاعلان عنها امام الملأ دون ضمانات برد ايجابي من واشنطن. لقد كان ممكنا ان يعرف بشار الاسد لو انه فعل ما كان ابوه سيفعله ان نسبة نجاح اية مبادرة علنية لخطوة من هذا النوع هي صفر.

الحرب

من الفوارق الاخرى بين الاثنين ذلك الجزء المتعلق برد فعل الابن حيال هجمات 11 ايلول (سبتمبر) الارهابية. فمع الفارق في طريقة الدهاء والتفكير بين الاثنين ما كان يجب ان تفوت بشار اهمية ان يتصرف تماما مثل والده في ظرف مثل هذا ولو بقليل من الحكمة. فقد بادر بشار الى وضع كامل تصرف اجهزته الامنية في خدمة الولايات المتحدة وهو امر كان حافظ سيفعله بطريقة افضل وان كانت لا تختلف في المبدأ اذ ان الاب سوف لن تفوته حقيقة ان الحرب ضد القاعدة قضية مشتركة المصلحة وليس للتقرب من واشنطن فقط بالتعاون معها. وقد فشل بشار في ادراك المدى الذي يمكن ان يدفع الارهاب ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش الى التغير في التعامل مع من يعنيهم مثل هذا الامر. وفي يقيني فان حافظ الاسد الذي كان يبحث عن اي وسيلة ولو رخيصة لتطوير علاقاته مع واشنطن، كان يمكن ان يستثمر مثل هذه المناسبة لتحقيق هدف من هذا النوع. وكان من الطبيعي ان يكون ثمن ذلك تغيرا في طريقة ادارة الولايات المتحدة للتسوية السلمية في المنطقة. لم يكن صعبا عليه ان يتعامل مع المفردات الجديدة لعناصر القوة التي نشأت في اعقاب تلك الاحداث لمعرفته الاكيدة بان الولايات المتحدة هي القوة الاعظم في هذا العصر وانها قادرة على اجتياز اختبار من هذا النوع وعلى الخروج منه منتصرة لا منكسرة. نعم الاجراء الطبيعي كان يفترض ان يتصرف بعقل وحذر وحكمة حتى لا يكون مع من زاد من حجم الصدمة لا مع من سعى الى تقليل وقعها. وفي ظروف مثل هذه كان حافظ الاسد قد بادر دون تردد الى اخضاع حزب الله الى سيطرته الكاملة وكذلك كان يفترض ان يفعل مع حركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين، لأن من شأن التحكم بادوات القرار والتصرف في الفصائل الثلاثة ان يضمن لحافظ الاسد لو كان على قيد الحياة عدم اقدام اية جهة من هذه الجهات على عمل يجعل من سورية في قائمة اعداء اميركا او ان يثير واشنطن عليها. يعني ان حافظ الاسد كان سيبادر الى محو اي امر من شأنه ان يدفع واشنطن لاعتبار سورية دولة عدوة بدلا من صديقة.

وبدلا من ذلك، فان حزب الله وحماس والجهاد نفذت عمليات فدائية ما بين نهاية 1002 وربيع 2002 خلافا للتهدئة التي سبقت صيف 1002. ونفذ حزب الله بعض العمليات المحدودة في مزارع شبعا في تشرين الاول (اكتوبر) اي بعد اقل من شهر واحد على الاعتداء على برجي مركز التجارة الدولي في نيويورك وتبعت ذلك عمليات انتحارية في اسرائيل نفذتها حركتا حماس والجهاد. والملاحظ ان الجهاد وبالتنسيق مع قيادتها في دمشق سعت الى مضاعفة معدل العمليات الفدائية ضد اسرائيل خلال الفترة من تشرين الثاني (نوفمبر) 1002 وحتى نيسان (ابريل) 2002. وترافق ذلك مع تطوع حزب الله للمساعدة في تهريب ما قيمته 001 مليون دولار من السلاح الايراني الذي كان موجها على ظهر السفينة كارين أي الى داخل اسرائيل في عملية تهريب القصد منها ايصال السلاح الى الفصائل الفلسطينية المعارضة لعملية السلام. وبدا واضحا وجليا وقتها ان سورية على علم (وربما بدعم منها) برغبة البعض في تطوير الانتفاضة بادخال الصواريخ والقاذفات وأسلحة اخرى الى ادوات المواجهة. غير ان الاكيد الذي توفر هو ان بشار الاسد وان لم يساند او يدعم مثل هذا التصرف مباشرة الا انه لم يفعل ما يوقفه او يثني القائمين عليه او يعاقبهم او يردعهم. ومثل هذا التصرف كان سيكون مختلفا لو تم في عهد حافظ الاسد الذي كان سيكون حريصا جدا على عدم السماح باي فعل من شأنه ان يغضب أميركا او يصور سورية وكأنها دولة معادية او مختلفة مع الادارة الاميركية في حربها ضد الارهاب.

الفوارق

كما يمكن ملاحظة الفارق في التفكير والتصرف بين الاسد الاب والاسد الابن في التطورات الاخيرة في الملف اللبناني. اذ وعلى الرغم من الايحاءات بالتعاطف والشعور بالاسى الذي اظهره بشار حيال الاحداث الاخيرة في لبنان وفي طريقة التعامل مع معارضيه وخصومه فيها في اعقاب اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري والمطالبة الاميركية للقوات السورية بالانسحاب، الا ان ما كان للاب ان يفعله هو ان لا يزيد من الضغط على خصومه لا بالداخل ولا في لبنان ولا بمضاعفة عدد افراد المخابرات والامن السوري في لبنان في محاولة لاستعادة السطوة المطلقة على الشارع والقرار اللبناني. لقد كان بامكان حافظ الاسد ان يتعامل بكثير من العقل مع نوايا رفيق الحريري بتنمية الاستقلال الذاتي الداخلي اقتصاديا وسياسيا وفي القرار الخارجي وعلى نحو لم يكن يتعارض في حقيقة الامر لا مع المصالح السورية ولا مع المواقف السورية بينما لم يعِ بشار خطورة تبعات مثل هذا التصرف. لقد جرب الحريري اللعب من اجل مصلحة بلاده ولكن من خلال تحاشي تخطي الحدود الحمراء السورية. اي ان الحريري فعل المستحيل للبقاء ضمن حدود العلاقة التي تريدها سورية بينما بشار الاسد تخطى في 4002 الخطوط الحمر للحريري بالتدخل المباشر في الشأن اللبناني وفرضه مسألة تعديل الدستور من اجل ضمان تمديد فترة ولاية الرئيس اميل لحود المعروف بدعم سورية له وهو امر يتخالف مع الاستقلال والسيادة اللبنانية.

وكان من الطبيعي ان تقود الاحداث التي تلت اغتيال الحريري الى اجبار القوات والمخابرات السورية على الانسحاب من لبنان تعاطفا مع مطالب المعارضة وانسجاما مع قرار مجلس الامن الدولي الرقم 9551 الذي صدر قبل ذلك في ايلول (سبتمبر) 4002. وقد اغتيل رفيق الحريري في شباط ( فبراير) 5002 وهناك احتمال قوي بان يكون الحرس القديم في سورية الذي كان يخشى من فقدان السيطرة على الاوضاع في لبنان هو الذي خطط للعملية دون علم الرئيس السوري او دون اوامر مباشرة منه. وبغض النظر عن الخطأ في حسابات ساعة الرئيس السوري فان بشار الاسد لم يكن على استعداد باي حال من الاحوال للتخلي عن الساحة السورية والانسحاب منها. غير انه يصعب التصور انه كان غافلا عن خطورة اي عمل من شأنه ان يعزل سورية اقليميا ودوليا ويقود الى ما قاد اليه من تطورات فيما بعد.

حماقات

بالاضافة الى كل ذلك، يصعب الان تصور ان يرتكب حافظ الاسد لو كان حيا الحماقات التي بدرت من سورية في عهد بشار بسبب التدخل الاميركي في العراق. على الاقل لما كان لحافظ الاسد ان يقدم اسلحة ومعدات عسكرية مزدوجة الاستخدام لنظام حكم صدام حسين لغاية الليلة التي بدأ فيها الزحف الاميركي على العراق. الاكثر من ذلك ، كان حافظ الاسد قد ساعد على اطاحة صدام لا مساعدته على البقاء ولسعى الى مد يد العون للتحرك الاميركي لا معارضته او اعاقته كما فعل بشار. فخلال الاسبوعين الاولين من الحرب تصور بشار ان صدام قادر على البقاء فعمد الى مد يد العون له بالخفاء عبر ما يسميه البعض بالمقاومة واوعز لاعلامه ورجاله بتصوير صدام حسين وكأنه قوة لا تمس ولا تقهر على الارض. ولم يقف الامر عند ذلك، بل تجاهل او ربما بقلة ادراك خطورة ان تتولى سورية السماح بتحويل الاموال وتجنيد وتجميع المقاتلين وتدريبهم على اراضيها قبل تسربهم الى داخل العراق فضلا عن احتضان رموز النظام السابق واتباعه!

من الصعب التكهن او التصور بان حافظ الاسد يمكن ان يرتكب مثل هذه الاخطاء السياسية القاتلة. ما كان لحافظ الاسد ان يلعب بالنار كما يفعل وريثه اليوم. صحيح ان حافظ الاسد وعلى الرغم من كل مقته وضيقه من صدام حسين ورغبته في ان لا يراه في الحكم، الا ان ذلك لا يعني على الاطلاق انه كان سيكون سعيدا بالجهد الاميركي لاقصاء البعث من الحكم في بلد مجاور ومهم مثل العراق. لكن هذه الحقيقة ما كانت لتغير من مواقف الاسد الاب الى الحد الذي يفرط فيه بمصلحة وسلامة سورية وبقائه في الحكم عبر التعاون مع مجموعات وعصابات ارهابية تقتل الاميركان في العراق. ان حافظ الاسد كان سيكون ابعد الناس عن تصرفات كالتي تحدث من سورية اليوم حيال الوضع في العراق. على الاقل كان هذا سيكون تصرفه الى ان يرى طبيعة رد فعل الادارة الاميركية مع تعاونه المحتمل معها وما اذا كان ذلك سيقود في النهاية الى تهديد وجوده في الحكم ام لا.

انا اعتقد ومن واقع معرفتي بدهاء حافظ الاسد انه ربما فكر مليا في طريقة اقناع السعوديين بالتعاون مع الولايات المتحدة خلال وجودها في العراق في مرحلة ما بعد صدام. ففي الواقع فعل حافظ الاسد في عام 09 ـ 1991 عكس ما فعله ابنه الان. في حرب الخليج التي حررت الكويت من الاحتلال العراقي لها، لم يتردد حافظ الاسد في ادراك اهمية الوقوف مع الطرف القوي في المعادلة. فوقف مع الولايات المتحدة والحلفاء في الجهد العسكري والسياسي من اجل اخراج صدام من الكويت. لم يقتصر دعم الاب للجهد الاميركي يومها على الموقف السياسي وانما ارسل وحدات عسكرية سورية شاركت في الحرب ضد صدام. ووقتها كانت القوات تتجمع على ارض دولة عربية اخرى هي المملكة العربية السعودية.

انا واثق لو ان حافظ الاسد كان على قيد الحياة رئيسا لسورية مع نهاية عام 2002 عندما بدأت الادارة الاميركية بحشد الجهد والدعم للقيام بعمل عسكري لاسقاط نظام الحكم في العراق، لكان قد سعى الى عقد صفقة مع واشنطن وقتها سوف يجد استجابة مرضية من ادارة الرئيس بوش، لكن بشار فاتته اهمية مبادرة او تصرف من هذا النوع وفعل العكس بدلا من ذلك.

توقعات

تتحاشى الادارة الاميركية الحالية الاشتباك مع سورية. بل انها تغافلت عن التعاون بين دمشق وبغداد في عهد صدام خلافا للعقوبات والحصار الدولي المفروض على النظام العراقي السابق واغمضت عينيها اي الولايات المتحدة عن شحنات وكميات النفط التي تحصل عليها دمشق من صدام. كانت واشنطن ترى وتسمع وتطلع على امور كثيرة أكثر خطورة من كل هذا لكنها كانت حريصة على عدم التصادم مع سورية لاعتبارات كثيرة اخرى ايضا على أمل ان تعي دمشق أهمية التقارب مع الولايات المتحدة والاستفادة من علاقات صداقة وتعاون معها. وخلافا لضغوط ونصائح كثيرة فان ادارة بوش تحديدا تأملت ان تستفيد دمشق من الفرص التي وفرتها لها واشنطن فتبادر الى وقف تعاونها مع صدام ولجم حزب الله وتطوير ادائه سياسيا ووقف الدعم عن حماس والجهاد والعمل على تخفيف حدة الدور المخابراتي والامني في لبنان بما يحفظ ماء وجه سورية. وكانت لدى واشنطن اشارات وتقارير مؤكدة عن برامج مشتريات او تعاون لاقتناء وتطوير اسلحة محرمة دوليا.

بالطبع، ومنذ ان بدأت لحظات الحرب الاميركية في العراق، توقعت ادارة بوش ان تبادر سورية الى اغلاق حدودها مع العراق في وجه المعدات العسكرية والاسلحة والافراد والمتطوعين واي عمل من شأنه ان يشكل تهديدا او خطورة على القوات الاميركية او ان يربكها او ان يفشل او يؤثر على طبيعة مهمتها في العراق. وأعتقد مثل غيري ان كل هذه المطالب شرعية وليس فيها اي امر يتعارض او يتناقض مع القانون الدولي او يضر بمصالح او امن سورية. إلا ان الادارة الاميركية لم تعط لما يمكن ان يخالف توقعاتها ما يستحق من اولوية اي لو فعلت سورية عكس المتوقع منها. بل ان الادارة الاميركية لم تخطط لطبيعة ما يجب ان تقدم عليه فيما لو ان استجابة سورية لمتطلبات العقل والمنطق، لم تكن بالمستوى المطلوب. وبالتالي يمكن القول ان واشنطن لم تخطط لعواقب وخطورة اي تصرف سوري معاد. ولكن الادارة الاميركية سارعت الى توجيه تحذيرات متعددة ومتكررة لم تأخذ بها سورية ومع ذلك فان كل الذي فعلته واشنطن هو القرار الذي اتخذ بحق دمشق في عام 3002 والذي لا يشكل تهديدا لنظام الحكم فيها بأي حال من الاحوال. وحتى العقوبات البسيطة والنوع المخفف من الحصار بما في ذلك وقف الاستثمار الاميركي في سورية، لم يكن نافعا ولا جديا ولا مجديا اذ كان بامكان السوريين الالتفاف على كل ذلك بالتعامل مع مستثمرين وتجار وصناعيين اوروبيين واسيويين للخلاص من الضغط الاميركي غير الواقعي.

وهنا تبرز الفوارق في التعامل مع القضايا الاستراتيجية بين حافظ الاسد وابنه. اذ ان الاب كان مدركا لمحدودية الفائدة من اي تحد سوري للولايات المتحدة وايضا لعدم محدودية النفع الذي يعود عليها من جراء التعاون معها فبدلا من العزلة الخانقة التي يمكن ان تفرضها الولايات المتحدة على السوريين فان دمشق يمكن ان تنعم بعلاقات طيبة مع العالم بدعم اميركي. كان يمكن لحافظ الاسد ان يستفيد من كل قطرة من ثمار تعاونه او تجاوبه مع المطالب الاميركية خصوصا في القضايا التي لا تدخل في صلب السيادة السورية او الحكم في دمشق. وفي مثل قضية العراق تحديدا كان يمكن لسورية ان تغنم مكاسب لا قدر لها وان تتعاون مع الاوروبيين والمصريين والسعوديين في تغيير صورة وانطباعات العالم حول اهمية التغيير في المنطقة وفي مقدمة ذلك سيركز الاسد الاب على نقاط التقارب والوفاق مع اميركا وعلى رأسها العراق واثر ذلك على حياة العراقيين وعلى دور العراق وعلى المنطقة ومستقبل الاقليم ككل.

عالمه الغريب

اول ما يمكن معرفته عن عالم بشار الغريب يمكن ان يرد من الزعماء المصريين والسعوديين الذين يرون ان من الصعب التوافق مع الرئيس السوري. فبشار الاسد الرئيس غير بشار الاسد قبل ان يرث الحكم. ولا يخفي اي من القادة العرب الخطب والنصائح المطولة التي لا يرى ايا منهم معنى لها في الظروف الراهنة. ففي القمة العربية التي انعقدت في القاهرة في تشرين الاول (اكتوبر) عام 0002 القى خطابا مطولا استعرض فيه مراحل الصراع العربي الاسرائيلي على نحو أصاب القادة العرب والمشاهدين بالملل وولد ردود افعال مختلفة خصوصا حيال بعض القضايا التي عفى عليها الزمن. وعندما استضاف البابا يوحنا بولس الثاني وفي اطار النقاش حول التسامح بين الاديان تعمد الحديث عن الغدر والخيانة في العقيدة والطبيعة اليهودية متهما اياهم بالغدر بالسيد المسيح وتعذيبه. وفي القمة العربية التي انعقدت في بيروت في اذار (مارس) 2002 وعلى الرغم من اعلانه دعم سورية للمبادرة السعودية التي اطلقها الامير عبد الله للسلام في الشرق الاوسط إلا انه اعتبر أن كل الاسرائيليين يعتبرون اهدافا شرعية، مشددا على ان الرغبة في تحقيق السلام لا يجب ان تضعف من دعم العرب للانتفاضة والعمليات الانتحارية. وفيما يتعلق بالعراق فان الرئيس السوري الحالي يربط بين قضايا متناثرة لا علاقة لها بمجريات الامور كاتهام بريطانيا بخيانة العرب عقب الحرب العالمية الثانية وتأويل الحرب للتغيير في العراق على انها نوع من الانتقام الاميركي لصالح اسرائيل من التاريخ العراقي. وفي خطاب القاه امام مجلس الشعب السوري في الخامس من آذار (مارس) الماضي وفي اعقاب اغتيال الحريري واستقالة الحكومة اللبنانية، ربط بين ما حصل لرئيس وزراء لبنان وبين ما اسماه باغتيال عرفات!

تراجع

ولعل ابرز ما يمكن ان يلاحظ من كل خطبه الاخيرة هو محاولته ركوب تيار تزعم الحركات الراديكالية المعادية للولايات المتحدة. ان الرئيس السوري الحالي يعيش في عالم غريب خاص به. وهو وان كان مختلفا عن الرئيس الفلسطيني الراحل إلا انه هو الاخر اسير عالم فلسفته الخاصة التي اوصله اليها الاخرون. هذه الفلسفة تمنعه في حقيقة الامر من متابعة وملاحظة المتغيرات التي تجري في العالم وبالجوار منه. وهذا لا يعني انعدام فرص التأثير عليه فقد اثبتت بعض الاحداث تراجعه السريع عندما يشعر بالخطر عن الكثير من المواقف. كما حصل عندما هاجمت اسرائيل معسكرا لتدريب المتطرفين الفلسطينيين في سورية وذلك في تشرين الاول (اكتوبر) 3002 وكما حصل ايضا ازاء الضغط الدولي على سورية للانسحاب من لبنان. ووقتها حاول التوصل الى اتفاق مع تيريج لارسون المبعوث الخاص للامين العام للامم المتحدة على جدولة الانسحاب. وقد حاول التسويف في مواعيد وحجم الانسحاب لكنه اجبر على التقيد بموعد لا يتعدى نهاية آذار (مارس) الماضي لسحب كل قواته ورجال مخابراته من لبنان. غير ان ضعف الحسابات السياسية يقود الان بشار الى دفع ثمن كبير في الداخل السوري ايضا.

وقد يتساءل البعض: ما الذي يمكن ان يحدث في سورية الآن؟ ما الذي يمكن ان يفعله الحرس القديم لابطاء او الغاء وافشال اي تحرك للتغيير او الاصلاح؟ ما هو ثمن الانسحاب من لبنان على القيادة السورية والاكيد ان ما يمكن ان يحدث سيتعدى مسألة فداحة الاجبار على الانسحاب من لبنان بكثير. ربما عمد بشار الى الاستئثار بالهيمنة على حزب الله وبالتالي سيظل محتفظا بدور ضاغط ونفوذ كبير من خلال الحزب على الوضع في لبنان. ولعل في هذا التعويض عن الانسحاب العسكري والمخابراتي، جرعة اخرى يستفيد منها الرئيس السوري لاطالة امد بقائه في الحكم ما لم يواجه ازمة اقتصادية حادة تغير المعادلات، خصوصا مع اقتراب نضوب نفطه وانتهاء عصر هيمنته على الكثير من المصالح الاقتصادية والمالية في لبنان! وهكذا فان الرئيس السوري سوف لن يكون قادرا على تجنب او وقف التغيير. الاحتمال الاخر يتمثل بقيام بعض المتنفذين العلويين بانقلاب على بشار الاسد اذا ما رأوا ان استمراره في الحكم سيضر بمصالحهم وسيوقع سورية بالمحظور. وحتى الان هناك من يعتقد على مستوى العالم ان بشار قد لا يكون على علاقة باغتيال الحريري. وبامكانه الان ان يقول للعالم ان الحرس القديم يهدد الاصلاحات ويعيق التغيير ويكبل يديه عن كل ما هو مهم ومفيد. وقد يمهد مثل هذا الايحاء للتغيير باقصاء الحرس القديم والتخلص من بقايا نظام ورثه من ابيه ولم يعد يصلح لهذه المرحلة. لكن هل يكفي ذلك لحل المشكلة؟

السياسة الأميركية

في ضوء كل الاحتمالات الممكنة وغير ممكنة الوقوع او التوقع لمستقبل سورية، فان الوقت الحالي ليس الانسب لاعلان الولايات المتحدة عن مبادئ سياسة جديدة بهذا الخصوص. والافضل من ذلك ان تركز واشنطن على مساعدة اللبنانيين لاعادة المزاج الصحي على كافة المستويات الى بلادهم. ان تغير الامور نحو الاحسن في لبنان من شأنه ان يؤثر على سورية وعلى المنطقة العربية بمجملها وسيرى العرب وقتها ان بامكانهم هم ايضا اصلاح الاوضاع في دولهم وتقرير مستقبلهم على نفس المبادئ وبنفس الاسلوب. ومن هنا أعتقد ان ما اقدمت عليه الولايات المتحدة حتى الان صحيح بما في ذلك فرض تنفيذ القرار 9551. والاكثر من ذلك يجب ان يظل امر التنفيذ الحرفي الكامل لهذا القرار هو اهم اولويات حكومة بوش مع الاخذ بنظر الاعتبار تشجيع اي تحرك عسكري محتمل للتغيير في سورية وفي غير سورية من دول المنطقة التي ستنال شعوبها فرصتها في التغيير والاصلاح.

ومطلوب الان من واشنطن ان تعلن صراحة قبولها اي خيار يقع اجماع الاغلبية اللبنانية عليه. حتى في حال غدا حزب الله جزءا من الغد اللبناني. وسيكون من شأن هذا الموقف ان يوفر فرصا افضل لحزب الله لاختيار المسار الذي يمكن ان يبقيه على قيد الحياة صاحب دور في لبنان. كما يتوجب عليه ان يختار اي هوية صالحة للبقاء: السورية، اللبنانية ام الايرانية؟. لا شك ان قادة حزب الله يدركون الان الثمن الذي يمكن دفعه في حال استمرار تبنيهم السياسات الايرانية والسورية في لبنان. واذا كان حسن نصر الله زعيم الحزب ذكيا كما يعتقد بشار الاسد فان عليه ان يختار الهوية والاجندة اللبنانية ليحافظ على نفوذه قبل ان يخسر كل شيء.

العصا والجزرة

بالامكان الان مواصلة سياسة العصا والجزرة لابقاء التصرف السوري تحت السيطرة بعزلها عن ايران ووقف دعمها للارهاب والمتطرفين ايا كانوا. والى ما قبل اغتيال الحريري كانت المعطيات تشير الى ان مثل هذه السياسة هي الافضل. لكن المشكلة تظل على الدوام في صعوبة تكهن طبيعة القرار او التصرف الذي يمكن ان يركن اليه الرئيس السوري. ولا تزال الان هناك عدة اسئلة بلا اجوبة. مثلا: ما الذي يمكن ان يحصل عليه بشار او سورية ككل في حال وقف دعم الارهابيين في العراق والحد من او وقف ازعاج حزب الله والجهاد وحماس لمسيرة السلام في الشرق الاوسط؟كيف يمكن ان تستفيد سورية اقتصاديا من كل هذا؟ الى اي درجة يمكن ان تتغير العلاقات السورية الاميركية ايجابيا؟ والى اي مدى ترغب واشنطن في مكافأة سورية على مثل هذا التغير، هل ستساعد على اعادة المفاوضات على المسار السوري الاسرائيلي وفقا لمبدأ الارض مقابل السلام وهل ستساعد على اعادة الجولان للسوريين؟

على نقيض ذلك، ماذا لو رفض بشار الاسد التعاون مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في قضيتي العراق وازمة الشرق الاوسط؟ ما الثمن الذي يمكن ان تدفعه سورية؟هل ستذهب واشنطن بعيدا في دعمها للتغيير في سورية بتحريك بعض قواتها عبر الحدود من العراق؟ هل يمكن ان تتغاضى الولايات المتحدة عن دور كبير يمكن ان تلعبه اسرائيل تحت مظلة رد الفعل على الاعمال الارهابية او الدفاع عن نفسها؟ هل يمكن ان يتفهم الاوروبيون الان اهمية التعاون في فرض عقوبات اقتصادية محكمة على سورية وهو ما عارضوه في اطار العقوبات التي اقترحتها واشنطن في اعقاب اغتيال الحريري؟

الامر الاخر ان بشار الاسد قد لا يكون قادرا على التوصل الى صفقة يقدم بموجبها بعض التنازلات الاساسية طالما ان من حوله اقوى منه الى حد ما وانه ليس اكثر من مجرد واجهة حتى وان اعتقد هو نفسه غير ذلك. ولاجل اعلان واشنطن عن نيتها المساعدة على الاطاحة بهذا الرئيس او ذلك عليها ان تدرس سلبيات وايجابيات البديل وعواقب التغيير وهل يجب ان تساعد على وصول زعيم قوي او زعيم ضعيف. وفي مثل حالة بشار الاسد فاني وان كنت على قناعة بانه ضعيف الى حد ما حتى ما قبل اغتيال الحريري، الا ان كل المؤشرات توحي الآن بخيبة أمل من راهنوا عليه للتغيير والاصلاح.

الان، ليست هنالك اية مؤشرات على احتمال بقاء بشار الاسد رئيسا لفترة اطول في الحكم. وسواء استطاع البقاء ام لا فليس امام الولايات المتحدة من خيار افضل من الاستمرار في استخدام سياسة الجزرة والعصا مع رئيس على شاكلته. وخلال هذه الفترة ليس من مصلحة البيت الابيض ان تعتمد عليه في شيء ولا ان تعومه املا بانقاذه وعليها ان تتعامل معه من خلال الامم المتحدة. فاذا ما نجح بشار في البقاء رئيسا فانه سيزيد من رغبته في تحدي ومضايقة الولايات المتحدة.

اما في حال عدم قدرته على الاحتفاظ بالحكم فان من الصعب الان التكهن بالبديل فقد تعود سورية الى ايام قوتها في عهد حافظ الاسد من خلال زعيم جديد قوي. وقد يكون هذا البديل آصف شوكت زوج اخت بشار الذي يقود احد اهم فروع ورؤس المخابرات. او ان البديل وقتها سيكون تحالف مجموعة من الضباط الاقوياء السنة والعلويين الذي يطيحون به ويشكلون مجلسا للحكم لادارة امور البلاد لبعض الوقت. وهناك احتمال ثالث بوصول زعيم سني متطرف الى الحكم ومن جراء تنامي نفوذ الاخوان المسلمين في الداخل. وفي كل الاحوال يجب ان تكون لدى واشنطن نظرتها وبدائلها ليس في سورية وانما في المناطق الساخنة الاخرى في الاقليم. ومثل هذا الامر الان يتطلب نقاشا وتشاورا اميركيا مع دول الجوار السوري. والاكيد من وجهة نظري ان عدم استقرار الاوضاع في سورية سيحرك تركيا واسرائيل والاردن والعراق ويؤثر في كل هذه الدول ولكن بطرق ومستويات مختلفة. وعلى سبيل المثال سيقلق تركيا كثيرا اي تفكير كردي بالاستقلال عن سورية. كما ان اسرائيل ستجبر على مراجعة كل خططها وحساباتها لاحتمال ان يحيي اي رئيس جديد اوراق المواجهة معها بافتعال اي زمة لتثبيت حكمه. لذلك وتحوطا من كل التطورات المحتملة على الولايات المتحدة ان تتفق مع دول الجوار السوري على استراتيجية قادرة على مواجهة التطورات واستيعاب الانفلات الامني المتوقع.

إلا ان المحصلة النهائية ستكون ايجابية. لان سورية بحاجة الى نظام حكم واقعي بعد ان اخفق بشار الاسد في التمتع بذات القدر من التقدير والاحترام الذي ناله والده في الداخل والخارج في عهده. وسواء جاء نظام حكم جديد او نجح بشار في البقاء لفترة اطول فان على البيت الابيض ان يوضح لمن هو في الحكم في دمشق ما الذي يقوي او يضعف العلاقات السورية الاميركية. وما الذي يمكن ان ينفع سورية او يضرها. ان الحكمة المتأتاة من اسلوب الجزرة والعصا قد اثبتت جدواها على الدوام مع سورية تحديدا. وفي كل الاحوال يتوجب على واشنطن ان تكون قد اعدت البدائل الجاهزة للتصرف كلما دعت الامور الى ذلك وان توضح لسورية ما الذي تخسره او تجنيه من هذا التصرف او ذاك. ولا شك ان الوضع الجديد في لبنان سيسمح للولايات المتحدة بان تضع خططاً استراتيجية للتعامل مع دمشق افضل من ذي قبل، اكثر فاعلية، واكثر واقعية، وان تتعامل مع سورية افضل من اي وقت مضى.

المشاهد السياسي

فيما الغيوم تكفهر فوق سورية

فيما الغيوم تكفهر فوق سورية: سلالات سياسية.. احزاب تلد اخري!

حمدان حمدان

القدس العربي


امامنا الان صورة لغلاف خارجي ملون، لعدد ممتاز من مجلة ابيض واسود السورية، وفيما الابيض والاسود لا يتفقان مع الالوان الزاهية كقوس قزح، الا اننا نلتمس العذر في خداع البصر، فالابيض والاسود علي ذمة اساطين الفن، هما اصل الالوان جميعا دون منازع.
فصورة الغلاف توحي بمارش عسكري اقرب ما يكون لفاغنر، علي ان فاغنر كان يسكب من روحه لالمانيا قوية ومتحدة، فيما النظرة المتكسرة في موناليزا سياسية، بادية في ثنيات علم وطني يتم تحميله فوق الاسود والاحمر والابيض والاخضر.. بتشظيات احزاب، اقرب ما تكون الي طرق الريشة لفنان ناري المزاج، يقطع اذنه مثلما يقطع تاريخه سواء بسواء.
الموناليزا في الابيض والاسود، ليست صورة نصفية لآلهة جمال ملتبسة وغامضة، بل هي كامل القوام لعري السياسة في تشتت احزاب وتمزقها، لا تلوي الا علي الموالاة لذاتها، لما فيها من فسحة العيش مع التقاط الانفاس، حيث المرحلة تشير الي انعطافات لا تحمد عقباها، وان الغزير من نفاق دهاني، مما تم صرفه، او هو علي الطريق، يمكن ان يتبخر وقبض الريح، وان احزاب الاعتراض، يمكنها ان تذهب الي القيلولة، الي حين ظهور لحظة الاستحقاق الشامتة، فيما الوطن هو الخاسر الوحيد.
لقد كان النظام السياسي في سورية، هو صاحب الدور الاوفي، في ترسيخ سياسات جبهوية متحصنة خلف حكمة صينية في ثلاث لاءاتها الشهيرة، فان تطلب الامر، فان ما (اسمعه واراه واتحدث به) هو الصدي الحاكي، لما يراه ويسمعه ويتفوه به، نظام هو ابو الجبهة وامها.
والا فمن هو الحزب الذي اعترض علي ما يقوله او يفعله نظام الحزب القائد، واين، وما هو مستوي الجدية ولو لمرة واحدة، فاذا كان الحزب الواحد اخطأ مرة، فالاحزاب المشاركة اخطأت مرات!
وفي المقاربة بين بدايات الجبهة، وما استقرت عليه احوالها اليوم، هناك مختبر لتفاعلات نشاطات انشطارية، كما هو في عالم الفيزياء النووية، او مختبر لعلم قسمة مستحدث، كما هو في عالم الرياضيات العالية، اما في العلوم الانسانية، فلا حاجة لتأكيدات ماكيافيلية تقول بالتسييد المبين، بعد تفعيل التفريق باليقين.. وهذه ليست دعوة لادانة النظام بمقابل تبرئة الاحزاب التي نحن احدي انشقاقاتها الانشطارية، اذ لولا كمون قابليات انشطارية لدرجة التهافت، لما اصبح الاشتراكيون العرب، اربعة احزاب وما ملكت ايمان اليائسين القاعدين المتعدين في هموم المعيشة والمعاش، او في هموم التحضير للقاء اخروي، لا ينفع معه مال او بنون.. وما عدا السهو والخطأ، لما اصبح الشيوعيون ومشتقاتهم في ذات المحور الايديولوجي، ستة احزاب، ولما اصبح الناصريون وحدهم يتفوقون علي عديد الاحزاب في الصومال، اذ مع الاتحادات الاشتراكية ما بين عربي وديمقراطي ولجنة تنفيذية ومكتب سياسي والسادة (عثمان) و(جعيداني) دون تخصيص او تخصص، يقف الوحدويون الاشتراكيون (والوطني الديمقراطي) وهما حزبان باسم واحد، يليهما التجمع من اجل الوحدة الديمقراطية، والنهضة الوطنية لتتبعها حركة مناهضة العولمة، فاذا كان الناصريون قد دخلوا الجبهة بحزبين، فانهم اليوم، عدا الكسور، ثلاثة عشر حزبا سياسيا، بمكاتب سياسية ولجان مركزية ومؤتمرات، ثم نأتي الي السوريين القوميين، الذين بقوا خارج الالعاب السياسية في سورية، الي وقت قريب، فما ان افتتحوا بازارهم الي السلطة، حتي كان لهم ما ارادوا، فحلم الدخول الي المختبر، ظل يتماشي مع ارادة النسيان، لثنوته مانوية في الابيض والاسود، ابيض الزعيم الشهيد سعادة، واسود من عمل علي اغتياله مع مطاردة محازبيه من بعده.. ثم صار السوريون القوميون الاجتماعيون ثلاثة احزاب، احدهم بطابع متواضع دون اضافات، والاخران باضافة وضعيتين حداثيتين (الانتفاضة) و(الديمقراطية) وما ندري ما هو علي الطريق!
وبقيق خارج علم القسمة الرياضي، احزاب تلوذ بالاسلامية مثل الاخوان المسلمون و التيار الاصلاحي الاسلامي ثم حزب التحرير الاسلامي ، ومع بقاء هذه الاحزاب خارج علم القسمة الحكومي، الا انها مع ذلك، لم تبرأ من سقيم الانقسام، فهناك مراجع وتواريخ واجتهادات، تشير في النهاية، الي مسيرة انشطارات في التأويل والتفسير، منذ اجتراء الشيخ محمد عبده، علي تخليص الدين من شوائب علقت به او منذ تأسيسات الشيخ حسن البنا في اربعينات القرن الماضي، مرورا بسلاسة الاخوانية السورية علي يد الشيخ مصطفي السباعي، وما بينهما العلامة سيد قطب الناهل من ابي الاعلي المودودي، مرسخا اسلام الحاكمية، رمز الارتباط المكين، بين الدين والدولة والمجتمع.. في صورة السلالات السياسية، ما يشهد علي انعكاس مسيرة متطاولة بين البدايات والنهايات، فالصورة السياسية لمبتدأ الجبهة مع التصحيح، كانت تشير الي تقابلات ضدية من مستنبت واحد، فبعث الجبهة القائد، كان يقابله في الخارج، بعث قومي مضاد، وزاد في الغمة انقلاب الحزبين الي دولتين، وشيوعيو الجبهة، كان تقابلهم حزب اراد الخروج من الستالينية وعليها بل وما يماهيها في انظمة حكم مماثلة، وفي فراغ المقعد القيادي الناصري الذي كان يمثله د. جمال الاتاسي بامتياز، تقاطرت فروع ناصرية لا هم لها، سوي اقامة التماثيل، بين صورتين، لا ندري حتي الان، ما الجامع الموضوعي، السببي والتاريخي بينهما، صورة تموز في مصر، وصورة تشرين في سورية، فيما اعتبر ناصريو المعارضة خارج الجبهة، ان الجمع القسري بين تجربتين، انما هو من قبيل البروبوغندا السياسية او بالاتجار علي حساب قائد متوفي، لحساب قائد صاعد يومها..
في مقابل الاشتراكيين العرب، الذين هرعوا لحضور حوارات التأسيس للجبهة، ظل اشتراكيو الخارج، ينتبأون بفشل المبادرة منطقيا، فالحبكة عسكرية، والقوم باتوا في حل من العسكر وما ينتهون اليه بحسب التجربة المرة لمنيف الرزاز..
في المحصلة، ومن اجل تيسير البحث، من حيث هو تاريخ، فاننا نفترض خمسة احزاب جبهوية يقابلها خمسة اخري في المعارضة، مع اضافة حزب خارج الثنائيات المتضادة، اي لصالح نمط اخر من الاعتراض هو جماعة الاخوان المسلمين.
وفي الجمع الحسابي، لما هو خارج اعتراضي وداخل موالاتي في الجملة، فان احد عشر حزبا سياسيا، كانت كافية لتغطية عديد مجتمعي يحبو نحو سبعة ملايين مع انعطافة التصحيح، اما اليوم وبحسب المشهد التدافعي لطلب يد النظام، فان سورية ترفل بحلة قشيبة من بحبوحة التعدد في ثلاثين حزبا، مع عدم احتساب الهيئات والمنتديات والجمعيات واللجان الناشطة في حقلي المجتمع المدني وحقوق الانسان، رغم كبح النظام لمعظمها، فلو اردنا التوعر في احتساب الاجنحة المتقولة في مبالغات محلية او مناطقية.. لاصبح لكل مئتي الف مواطن حزب سياسي، وهو رقم متواضع، لاصوات مرشح ناتيء علي قائمة جبهوية، فقد عهدنا في دمشق وحلب، ارقاما تصويتية لمرشح رأس القائمة، يمكنها الاطاحة بارقام سيناتور في كاليفورنيا، او بارقام سيناتور في نيويورك، وقد يزيد عديد الاصوات علي عديد الناخبين، وهي ديمقراطية مستحدثة قد لا تقع في حساب اقبال وادبار الي او عن العملية الانتخابية برمتها.
والمهم هنا، كامن في السؤال، هل هذا المشهد هو دليل صحة وعافية، كما تشير فلسفة نابعة من ثقافة سلطوية، ام انها اشارة الي اعتلال هو في اس المجتمع والنظام بآن واحد؟!
هل يقع هذا، في الوجهة التعددية لزوايا الرأي، ام في الوجهة التمزيقية لمكونات مجتمع؟!
فالعراق كمثال، لم يشهد ايلافا مع التمزق، باكثر من مرحلته الاحتلالية، حيث اكثر من خمسين حزبا وتحالفا، ومئتي صحيفة تغطي التقاسمات علي الهويتين المذهبية والاثنية دون الحاجة الي خمار، وفي جدلية العلاقة بين مجتمع ونظام، فان المسؤولية الجسيمة، تقع علي عاتق النظام مع عدم تبرئة المجتمع الراضي عن فواته، والقابل بدوام اقصائه، فالمجتمع في النهاية، هو من يأتي بالنظام عن طريقين: اما بحملة الي السلطة راضيا مرضيا، او بايثار السلامة الخاصة، حين يري انحراف الوجهة فيصمت عنها.. وفي هذا القياس، فان مسؤولية المجتمع هي مسؤولية تاريخية قد لا تقع تحت الحواس في الواقع المنظور، فمع سيرورة هذه التمزقات، التي هي شطارة النظام في تاكتيكاته المتخلفة، فان التداعيات تكون ابلغ اثرا واشد شمولا وخرابا، فالمجتمع بموجب المشهد الطافح بالانانية وغرائزية التهام الغنيمة، يزداد نأيا عن الانخراط فيما لا يعنيه، وهو هنا الشأن العام، او بلغة المثقفين الحداثويين، يزداد تغريبا عن ما هو المباشر، في تقرير مصيره وشؤون حياته ومواطنيه وجوده واستمراره، فهو غير معني، اذا قام النظام او قعد، وهو غير مبال، لوجود او عدم وجود جبهة وطنية تقدمية، لا يعرف شخوصها، الا عبر صحف ثلاث، وشاشة صغيرة تضرب علي الرأس، وهو مع سرمدية امتداد المحنة، تملأ الغصة حلقه، وهو في نهش الارتباك، امام ثنوية مصائبية، بين استبداد الداخل وتهديد الخارج، وفي النتيجة، فان محصل الفعالية معطل، طالما ان الطارد والجاذب، يقعان بين رفضين، رفض الطواريء ورفض الطاريء، فالله لم يخلقنا في كسارة بندق، كي نكون من وصية شمول او وصاية احتلال، فاذا كان المجتمع في محل قابلية تاريخية، للذهاب نحو القسمة، فان دور النظام هو الا يأتي من الوجه السييء لما هو متخلف في المجتمع، بل ان يلعب دور مادة لاصقة لمكونات مجتمع، حين يظهر نفسه قدوة في الايثار والنزاهة والترفع.. فالنظام السياسي للمجمع، وليس المجتمع للنظام، والخصال السيئة في نظام ما، غالبا ما تكون قابلة للقياس والتعداد والحصر، اي انها قابلة للحل، فهي ليست احجية الا لمن يريدها ان تبقي، فهنا حلول في معطي التدرجية بسيرورة صريحة تنبيء عن نفسها، في الظاهر كما هي في الباطن، وهناك حلول تقع في القطع، فادمان الكحولية والتدخين علي شاكلة الفساد، لا يصلح معه التدرج، اما حلول التدرج، فيمكنها ان تشي بنفسها، في مظاهر انفتاح علي التعدد، وتبييض سجون الرأي، ونزاهة انتخابات وشفافية رؤي وتسامح، ودولة من اجل الشعب لا فوقه، مع علم وقانون، الاول للجميع والثاني علي الجميع، ومطلبيات اخري قد يضيق بها المقام في الخطاب.
اننا لا نريد لهذا الخطاب، ان يذهب ادراج انشائية بلاغية متعالية، لا يفيد منه الا الجاهز للدفاع وشهادة الزور، فنحن لسنا في بحبوحة من الزمن المتبقي لطاريء المجابهة، فالغيوم تكفهر من حول سورية، وعلينا الا نمدد الوقت لمزيد من (سفسطات كلامولوجية) في اظهار ارثوذوكسية الموقف، او اصولية المبدأ، في ثرثرات لا تسمن ولا تغني من جوع، او في نفاقيات فات زمانها، فقد تعلمنا ان اعاظم المدججين بسلاح المداهنة، هم الاوائل في القرار من ارض المعركة، كما تعلمنا من تجاربنا الحزبية المحدودة، ان من يكون معك في النهار، يظهر ضده في الليل، وهي مسائل اخلاقية داخلية، لا يحيط بها علم ولا يتعرف عليها ذكاء، فالازدواجية ليست شأنا مطلوبا لذته، قدر ما هي طلب استرضاء القوة صاحبة القرار، فكم من احزاب انقلبت ضد قادتها، وكم من قادة استمرأوا الدهرية دون شرعية او مشروع، وكم من ايديولوجيات شاعت بين محطات مراوغة ونفاق، فالاحزاب الاشتراكية كلها، والشيوعية بتمامها، والناصرية بكاملها.. تجدها في ملتقي حديقة واحدة من الافكار، الا من رحم ربك، في تبديل اليافطة الخارجية باضافة صفة حداثوية او صفتين، وفي العقد الاجتماعي ما بين الدولة والمجتمع، بتوسط روسو او غرامشي، ما يسفه نظريات نشوء الدولة في التاريخ، فالدولة لم تأت الي المجتمع، كي تقيم عقدا اجتماعيا معه او مع غيره، بل جاءت عندما انقسم المجتمع الي طبقات، والدولة بهذا المعني، انما تمثل وجه السلة الطبقي في المجتمع، فقوانينها انما تجيء في مجري مصالح طبقية قسرية، لا في مجري (تفاهمات وتوافقات) بين اضداد لا تجتمع، فالتفاهمات والتوافقات، بين مجتمع ودولة، انما جاءت في الطور التمهيدي من الثورة الفرنسية التي انتهت الي امبراطورية، بل ان وفاق الدولة والمجتمع في النظام الرأسمالي العالمي، كان علي حساب نهب الشعوب الاخري، فأزمة الثلاثينات في القرن الماضي، كادت تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي، لولا توليفات خبيثة في تصاعد ذكاء نظام نحو ابتداع بدائل، كالتنازل عن جشع القيمة المضافة، لحساب قوي الانتاج في العمل، ولم يكن ذلك ميسورا، لولا اغتراف المزيد من ثروات المستعمرات، كي تكون في خدمة قوة الشراء لشعوب المركز، تفاديا للفقر والجوع والبطالة، التي سبق ان ألمت بها.
بالنسبة لنا، فاننا لا نعرف شكلا محددا لنظام الدولة الاجتماعي، هل نحن علي خط النظام الاشتراكي، ام علي خط حرية السوق، ام اننا بين بين، في غمغمة التعبير عن قيادة دولة ومجتمع؟
فاذا كنا بلا هوية سوسيو ـ سياسية، فما الذي يعمل علي تفكيك احزاب واصطناع فروق، فباستثناء برنامجين متمايزين، في التعارض، البرنامج الانقلابي للاخوان الي ليبرالية، وانقلاب شيوعية الترك، الي برلمانية مشاعية، فان برامج اخري، لثلاثين حزبا داخلا في السلطة او متقربا منها، لم يعثر عليها حتي الان، اما الشعارات الاجرائية المطروحة، خارج النظام، مثل الغاء احكام الطواريء والعرفية، وتحرير سجون الرأي، وانفصال السلطات، وحرية الرأي واطلاق الحياة الحزبية التعددية، وتداول السلطة في شفافية انتخابات.. فانها رغم مطلبياتها الضرورية، الا انها اقل من برنامج، كما انها اقل من التعريف بمنهاجية حزب، ففي استنقاع تاريخي مديد، فاننا خارج العالم اليوم، ففي حين تفتخر شعوب العالم، باضافة المئات من المخترعات الجديدة، علي جميع الاصعدة، من اتصالات ومواصلات وفضاء ونوويات وجينيات وعمليات في طب واستنساخ.. نجد انفسنا ونحن ما زلنا، في لج المطالبة بتحرير سجون الرأي.. بل في غمرة الرحيل لعقول وطنية بات لها شأنها في العالم الاخر.. ورب قائل ان الشعوب علي اعماق متفاوتة من التاريخ، فهل كتب علينا، ان نكون في الدرك الاسفل منها، وفي حساب الزمن، فان قرونا تفصلنا عن العالم الاخر، خاصة اذا ما تـــم التدقيق، في تقارير التنمية البشـــــرية الصادرة عن الامم المتحدة والخاصة بعالمنا العربي، فهل بدون معني، ان الامية السارحة في اقاليمنا العربية، تتناوس بين اربعين بالمئة وستين بالمئة من اقليم لاخر؟! وهل بدون معني، ان علاقتنا في الديمقراطية هي الصفر، وهل بدون معني، ان زراعاتنا من سمائنا، فاذا اسكت، فلا يعود لاهل القلة سوي الجوع والحديث والانجاب!
علي طريق الانتقال هناك الكثير الكثير، لما علي السياسة ان تفعله، ففواتنا بات يعد بالقرون، وما عاد لحزب او فرد، او مواطن، ان يتفاخر بنفاق ما نحن عليه، وفي اولوية ترتيب المسؤوليات، فان النظام السياسي مسؤول اول، فيما تقع احزاب الموالاة وطلب الوصل في الدرجة الثانية من المسؤولية، اما المجتمع فهو الطرف الثالث المحيد والحيادي، المستخف بواقعه وحياته ومصيره، ومع ذلك فان المجتمع ليس سبيكة واحدة يصلح معها التعميم، فنحن نتحدث عن الاكثرية الكاثرة في مجتمع فرح بحياديته وتغريبه عن موطن معاشه ومعاده، اما الاقلية المتحسسة بعظيم المسؤولية، في ارساء وطن حر، ورفض الاستقواء بالخارج، او التنغيم له، فهي القابضة علي جمرة الحرية في استيلاء شعب واسترداد امة، ولا يبقي للسعادة بين نظام شمولي ووظائف تبربرية.. الا فضلة ما تبقي علي خراب البصرة، فالاحتلال لا يجيء لانقاذ شعب من استبدادية نظامه، وهو لا يتسفه بدلق المليارات وقتل الالاف من جنوده، كرمي لعيون شعب يراه خارج الحضارة والتمدن، بل خارج التاريخ، يقول آرثر بلفور واصفا سيرورة الحضارات الشرقية (كل القرون العظيمة التي مرت علي الشرقيين، انقضت في ظل طغيان وكل اسهامات الحضارات الشرقية العظيمة، انجزت في ظل هذا النمط من الحكم، فقد خلف فاتح فاتحا، وتلت سيطرة سيطرة، غير انك في دورات القدر والمصير، لا تري امة واحدة من هذه الامم تؤسس بدافع من حركتها الذاتية، وهذه الحضارات قد تتطور او تتحول.. لكنها مع ذلك جوهريا بل ووجوديا (انطولوجيا) تبقي ثابتة، الاستشراق.. ادوار سعيد.. مؤسسة الابحاث العربية ترجمة كمال ابو ديب صفحة 64).
نحن اذن امام ايديولوجيا احتلال، تري في الشرق مادة معرفة وتقصد، فقبل بلفور، بسط آرنست رينان الفرشة من اجل رفع منزلته الاستشراقية، منطلقا من مقولات وجودية قبلية، مثل رؤيا العالم، وتاريخ الافكار والحياة والازمنة، مع اشد الافكار محافظة وتقليدية، الي ان وصل في كتابه مستقبل العلم الحديث عام 1848، حد القول (ان المساواة بين الشعوب ليست ضرورية، بل ان ما هو ضروري، هو سيطرة الاقلية علي الاكثرية، لا بصفتها امرا بديهيا فحسب، بل باعتبارها قانونا من قوانين الطبيعة والمجتمع، لا دخل للديمقراطية بها).
في المحصلة، فاننا امام مشاريع وايديولوجيات وبرامج، فيما مشهد الاحتلال هو اخرها، وقد وصلتنا الحلة الجديدة والمنقحة لهذه المشاريع، علي يد اليمين المحافظ الحاكم في امريكا اليوم، وهو بلا شك، ابن الرينانية ـ البلفورية بجدارة، فكيف والبعض يتمسك بخشبة خلاص خارجية، فيما الخارج في اعماقه لا يقلبنا حتي كماسحي احذية، كيف والبعض الاخر، يتشبث بحبال مهترئة، من سياسات اقصائية، مغنمية، تمديدية وتــــبريرية، لا تؤسس في النهاية، الا لداخل السكينة والحيـادية والاذعان والاستسلام؟
فمن جهتنا فاننا ندعو الي عدم الخشية من الشعب فان دل تاريخنا علي فوات في الوعي، الا انه لم يدل قط علي فوات في الوجدان، ففي غمرة حرب تشرين انطفأت التمايزات المجتمعية الي درجة المسح، وقبلها في غمرة الحشود التركية علي الحدود الشمالية عام 1957، تم توزيع السلاح علي مدن الشعب واريافه، وحتي الصراعات المجتمعية من اي لون خاص او سبب عام، فقد غابت عن الظهور، فيما تقول تقارير الداخلية السورية عن تلك الفترة تحديدا، بان جريمة شخصية واحدة لم تقع في طول البلاد وعرضها، ذلك انها لحظة الاحساس بالمصير، التي معها يجب ان يتبدل كل شيء، والا فان تلاشي الشعوب، له قانونه في التاريخ ايضا.
كاتب فلسطيني يقيم في سورية

نشر الديموقراطية

نشر الديموقراطية

عمر كوش

المستقبل

يبدو أن مقولة "نشر الديموقراطية" تحولت الى موضوع رئيس في السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وذلك في إثر الحرب الأميركية على العراق وطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تسعى الإدارة الأميركية من خلاله الى إعادة رسم خارطة المنطقة من جديد، وبالتالي وجد المركز الإمبراطوري الأميركي ضالته في "نشر الديموقراطية" في هذه الكيانات، تحقيقاً لنزوع مغلف بدعوة إيديولوجية، وتسويغاً لنزعة راديكالية في السيطرة، وعليه استند المشروع الأميركي الجديد الى النواقص الثلاثة التي حددها تقريرا التنمية البشرية في العالم العربي عامي 2002 و2003 والتي تتمثل في النقص في الحرية، والنقص في المعرفة، والنقص في تمكين المرأة.
لكن التركيز على هذه النواقص جرى عبر انتقائية مغرضة ومجحفة، جرى توظيفها للتأكيد على قصور العرب ومخالفتهم لروح العصر، وبالتالي تأكيد حاجتهم الى وصاية مطلقة تبدل جذرياً أنماط حياتهم وسبل معيشتهم وسلوكهم، وصولاً الى تبديل علاقاتهم بالحكم وما يستتبعها من علاقات الحاكم بالمحكوم، لذلك لم يشر أصحاب المشروع الى أثر العوامل الخارجية ودور سياسات الهيمنة في إحباط أي تطور وتنمية كانت تحلم بهما المنطقة العربية، أي أغفلوا نقصاً رابعاً ورئيسياً، يتمثل في النقص في السيطرة على القرار السياسي، الناجم عن النقص في الاستقلال الوطني لمعظم الدول التي يشملها مشروع الشرق الأوسط الكبير، وما يستتبعه من سيطرة سياسات التبعية للدول الكبرى التي تفرض هيمنتها على القرار السياسي والاقتصادي في كل بلدان الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل، لذلك لا يشير الساسة الأميركيون الى دور إسرائيل وحروبها العدوانية في تدهور أوضاع المنطقة العربية، فهي بلد استثنائي حسب رؤية حكام الإدارة الأميركية وخصوصاً من المحافظين الجدد.

غير أن التأمل في المشروع الأميركي يكشف عن أن الإخلاص في "نشر الديموقراطية يلقى، للوهلة الأولى، كل الترحيب، من حيث التقائه بالدعوة الى التغيير الديموقراطي ونبذ الشمولية وعقليات الهيمنة والقبضات الأمنية، لكنه يصطدم بمدى صدقية المنطق الإمبراطوري الذي لا يتردد في إجهاض أي مشروع لا يخدم مصالح الذين يصدر عنهم، ولنا أن ننظر في النموذجين الليبي أو العراقي، كنموذجين راهنين. فاليوم هنالك حماس أميركي وأوروبي باتجاه توطيد العلاقات مع دولة كانت تعتبر حتى عهد قريب دولة "مارقة"، تنتمي الى "محور الشر"، ولم تتخذ الولايات المتحدة الأميركية المعيار الديموقراطي كي يتحول المروق الى نموذج يحتذى، بل كان تخلي النظام عن برامج الدمار الشامل ودفع المليارات من الدولارات كتعويضات. وبدلاً من أن تصرف تلك المليارات على برامج التنمية والتحول الديموقراطي، ذهبت كأموال منهوبة من الشعب الليبي الى جهات تتبجح بنشر الديموقراطية وحقوق الإنسان، وبالتالي فالمبادرة الأميركية بخصوص النموذج الليبي هي عامل إجهاض، أو على الأقل عامل تأخير للتحول الديموقراطي. أما النموذج العراقي فشهد تحول المعارضة التي ترعرعت على أموال الاستخبارات الأميركية والبريطانية الى حكام العراق المحتل والمدمر، بعد أن حملوا على ظهور الدبابات الأميركية في حرب "استباقية" عدوانية، كلفت مئات المليارات من الدولارات. ألم يكن من الأجدى صرف مليارات أقل من تلك التي صرفت على الحرب لنشر الديموقراطية بدلاً منن تدمير بلد بأكمله".
إن النموذج العراقي يبعث على الشك في صدقية المشروع الأميركي الجديد في نشر الديموقراطية، والديمقراطيون العرب لم/ولن ينتظروا هذا المشروع كي يستمروا في المطالبة بالتغيير الديموقراطي السلمي، ولن يمكنهم المشروع الأميركي من الوقوف تجاه استبداد الأنظمة الحاكمة والتطرف الإسلامي، كونه قد يشكل عنصراً معوقاً أكثر من كونه عنصر دفع، ومع معرفتهم أن الاستبداد الداخلي هو أساس العلة، إلا أنهم لن يقبلوا دعوة "نشر الديموقراطية" لكي تكون عنصر تحرر داخلي وتبعية خارجية في الوقت نفسه، وفقاً لمعيارية النظام الإمبراطوري المتحولة والمخاتلة.

لكن السؤال الملح في هذا المجال هو، هل ستتغير الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط، صغيراً كان أم كبيراً، باتجاه التحول الديموقراطي، وبما يمكن القوى الحية في الداخل من المشاركة في الحكم، ويعزز الكيانات الوطنية، ويجعلها حصينة على مشاريع التدخل الخارجي أم أنها تفضل انتظار الخراب والدمار الذي يذكر بالمآسي الإغريقية القديمة؟