من أين يأتي التغيير؟ جدليات الداخل والخارج في -الشرق الأوسط

2005-08-30

من أين يأتي التغيير؟ جدليات الداخل والخارج في -الشرق الأوسط-

ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن

تتنافس اطروحتان على تحديد الجهة المؤهلة لإحداث التغيير في البلاد العربية: أطروحة تقول إن التغيير الحقيقي ينبع من الداخل، واخرى ترى أن التغيير لا يأتي إلا من الخارج. سنسمي الأولى الأطروحة الداخلية، والثانية الأطروحة الخارجية. وفي اجواء النقاش العربي المتوترة والمشوشة في الوقت ذاته ينتقل المساجلون من الأحكام التحليلية إلى الأحكام المعيارية دون إشكال. فمن يقرر ان التغيير يأتي من الخارج أو "لا يأتي إلا من الخارج" حسب صيغة لجهاد الزين ( من محاضرة له في منتدى الأتاسي في دمشق بعنوان "علاقة الداخل والخارج في عملية التغيير الديمقراطي"، شتاء 2004) قد يأخذه الحماس لهذا القرار الذي يفترض في الأصل أنه حكم تحليلي، فيشرع في تمجيد "الخارج" وهجاء الداخل ورميه بعقم جوهري وعجز عن إصلاح الذات. وبالمثل يمزج القائلون بافضلية التغيير الداخلي بين حكمهم المعياري هذا وبين تاكيد قدرة الداخل على التغيير وخصوبته، إن لم نقل انتفاء حاجته للتغيير اصلا.

داخليون وخارجيون
ولكل من الطرفين نظريته عن اسباب حال الاستبداد والجمود التي تخنق المجتمعات العربية، وتسوغ مطالب التغيير فيها. يميل "الخارجيون" بصورة نسقية إلى تفسير الاستعصاء العربي بأسباب داخلية، مع ميل غالب إلى اشتقاق احوال العرب الراهنة من تاريخهم وثقافتهم ولغتهم والدين الإسلامي. فالأطروحة الخارجية ذات منزع ثقافوي غالب. بالمقابل يجنح الداخليون إلى تفسير التعثر العربي المستدام بعوامل خارجية: السيطرة الغربية، إسرائيل، الهيمنة الأميركية الحالية إلخ. والأطروحة الداخلية استراتيجية واقتصادية التناول غالبا. وفي الواقع يندر قلما نجد تفسيرا داخليا نقيا أو خارجيا صرفا. لكن التركيز الغالب للخارجيين تغييريا هو الداخل تفسيريا، والتركيز الغالب للداخليين تغييريا هو الخارج تفسيريا.
برز هذا النقاش بعد 11 ايلول، وتلقى دفعة منشطة بعد احتلال العراق وإسقاط نظامه، حيث بدا أن الولايات المتحدة اضحت قوة تغييرية او ثورية في العالم العربي أو "الشرق الأسط". وفي خلفيته يكمن شح الرؤى التغييرية بعد هزيمة الخيار الاشتراكي، والنصر الذي تحقق للديمقراطية الليبرالية كما هي مجسدة في الغرب حسب فوكوياما، الذي بنى على النصر هذا نظريته حول "نهاية التاريخ". وتتمثل محرضات النقاش في سوريا في مزيج من إخفاق الإصلاحية الرسمية، ودوام ضعف المعارضة العلمانية، وخشية من الإسلاميين لدى بعض أوساط السوريين، مع ما أشرنا إليه من فاعلية تغييرية أميركية تمثلت في إسقاط النظام البعثي في العراق.
بسرعة، وبالتناسب مع انسداد آفاق التغيير، تحول النقاش حول هذه القضية إلى نقاش عقيدي، وانفرز معسكران متحاربان، وانتج كل منهما داخله وخارجه. وكما هو الحال في كل نقاش عقيدي يبدو الخصم مصابا بعاهة عقلية او بقصور متأصل يمنعه من الفهم وإدراك الحقيقية التي ينفرد الطرف الآخر بمعرفتها. يجنح الداخليون، على العموم، إلى تخوين خصومهم الخارجيين أو تكفيرهم، فيما يميل الخارجيون إلى تسفيه الداخليين أو تجهيلهم. والتسفيه والتخوين سياجان لمعسكرين تتحدد هويتيهما تبادليا، ما يمكننا من القول إن "داخل" كل من المعسكرين ثمرة فعل إقصاء وطرد نحو "الخارج". لنحتفظ بهذه النتيجة الأولية لما يلي من تحليل: الداخل والخارج لا يسبقان التسييج والإقصاء بل هما ثمرتاه اللتان خرجتا من صلبه. هذا ينطبق على داخل وخارج معسكري الداخليين والخارجيين. وستسعى هذه المناقشة إلى إظهار تعقيد مفهومي الداخل والخارج، وأنهما في النقاش الحالي محض إيديولوجيتين، أو ركيزتان لإيديولوجيتين علاقتهما بدعاتهما اقوى من علاقتهما بالواقع. بعبارة اخرى، الداخل والخارج يعرفان مجموعتين إيديولوجيتين ويميزانهما عن بعضهما ويقترحان عليهما المواجهة المناسبة أو "التناقض الرئيسي"الذي يحددهما، أكثر مما يعرفان واقعا.
يفيد ان نضيف أن الأطروحة الداخلية وتتمفصل بصورة أفضل على كل من العقيدتين الإسلامية والقومية العربية مع تنويعات ماركسية تقليدية، فيما تعثر الاطروحة الخارجية على تمفصلها المفضل في العقيدة الليبرالية الجديدة وفي تنويعات ماركسية أشد تركيزا على قضايا الحداثة والعلمانية.

دواخل وخوارج
وإنما لغلبة الطابع الإيديولوجي على المجموعتين وعلى النقاش بينهما قلما يميز أصحاب الأطروحتين الداخلية والخارجية بين المعاني المتعددة والمتعارضة لكل من الخارج والداخل المتعددة. يمنعهما المنهج السجالي (برهان غليون) الذي لا يضمن لهما انتصارا (وهميا) على الخصم إن لم يستسلما أمامه (المنهج) استسلاما حقيقيا.
لا يحتفظ الخارج والداخل بالمعنى ذاته حين نتحول من الكلام عن الدولة إلى الثقافة إلى العلوم أو التكنولوجيا إلى الأمن أو الاقتصاد أو الشؤون العسكرية أو البيئة. وبينما لا معنى للحديث عن بيئة سورية منفصلة عن غيرها (السياسات البيئية أمر آخر) مثلا، فإن الجنسية لا تحمل على غير الدول المعترف بها من قبل الأمم المتحدة. وبينما قد نقبل، بل نتحمس، للوحدة الحضارية العالمية، فإن الدول القائمة، والأقوى قبل غيرها، لا تبني سياستها على ذلك القبول أو هذا التحمس. ويعرف الاقتصاديون ان قطاعا إنتاجيا غير منافس في احد البلدان يستوجب اشكالا متنوعة من الحماية (العزل عن المنافسة الخارجية) ريثما يستكمل مؤهلاته التنافسية، فيما من الضروري لقطاع منافس أو يحوز أفضلية من نوع ما أن "يخرج" إلى العالم وينخرط في معمعان المنافسة والانفتاح على الخارج.
إلى ذلك تختلف مدركات الداخل والخارج حسب البلدان والمراحل التاريخية. فلم يكن للعراق داخل منذ عام 1991 بالمعنى الذي نتحدث فيه عن داخل أميركي، وليس لفلسطين داخل يقارب الداخل الإسرائيلي من قريب او بعيد. وليس لسوريا داخل ذاتي متفاعل يقارن مع الداخل الفرنسي او حتى الهندي. وهو ما يعني في الحالات الثلاثة أن تأثير ما ندعوه بإجمال شديد "العوامل الخارجية" كبير جدا على العراق وفلسطين وسوريا، فيما هو محدود بالمقابل على الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا والهند. ويعني ايضا ان الداخل والخارج علاقتان ونسبتان وعمليتان وليسا كائنين أو معطيين نهائيين. الهند التي يزداد دخل الفرد فيها ويرتفع معدل نمو اقتصادها وترتقى جامعاتها وتتمتع بحياة سياسية معقولة تحوز داخلا أوسع واعمق من بلد مثل باكستان مثلا مهدد بالتحول إلى دولة فاشلة عام 2015 حسب ما تقوله جهات أميركية. البيت الهندي لا يزال فقيرا، لكن قطع الأثاث فيه تكثر، ويتجه إلى ان يكون سكنا مريحا للهنود، وطنا حديثا.
وتفيد هذه الأمثلة في إبراز حقيقة أن هناك خوارج كثيرة غير متكافئة التاثير. فإسرائيل تحتكر التاثير على الداخل الفلسطيني بالغ الانكشاف والهشاشة (حالة حدية) فيما تأثير الخارج المصري، مثلا، محدود جدا. ومثل ذلك يصح على العراق قبل إسقاط نظام صدام: فتأثير "الخارج" الأميركي لم يكن يقارن بتأثير الخارجين الإيراني والسوري. وهو ما يعني أن أميركا، خلافا لسوريا وإيران، كانت طرفا عراقيا "داخليا" ينتصب قبالة الطرف الآخر الذي هو نظام صدام حسين. وكان التاثير التركي محصورا في مجال محدد (ضرب حزب العمال الكردستاني التركي في شمال العراق) وخاضع للإذن الأميركي. أما بعد أن صارت أميركا في الداخل العراقي فقد اضحى تعبير "التدخل الخارجي" في الشؤون العراقية مدخرا لدول الجوار الأخرى.
وحين نتحدث عن الانكشاف الاستراتيجي أو الاقتصادي أو الغذائي العربي مثلا، فإننا نعني ان العرب معرضون بشدة لرياح التاثيرات الاستراتيجية أو الاقتصادية.. الخارجية. أي أن العرب كأمة دون داخل، او بداخل ضعيف ومعروض على المستويات المشار إليها. وهو ليس أقل انطباقا على دولهم كلا على حدة.
بين الانكشاف التام المتمثل في الحالة الفلسطينية وبين درجات انكشاف اقل تقيم الدول العربية جميعا. ثم إنه كان للعراق داخل أكثر تماسكا وداخلية قبل عام 1991، وبالخصوص قبل عام 1980. ولسوريا اليوم داخل أكثر انكشافا مما كان الحال ايام الحرب الباردة، حين كان الاتحاد السوفييتي عمقا استراتيجيا، اي بمعنى ما رصيدا للقوة السورية وثقلا داخليا.
والخلاصة أنه ثمة دواخل وخوراج، تختلف باختلاف البلدان ومراحل التاريخ وقطاعات النشاط البشري المقصودة، وأن هناك داخل أكثر وداخل اقل، وهناك داخل ينمو ويتعضى ويتعمق وداخل ينحسر ويتفكك ويضحُل.

حضارة وسيطرة
على أن المقصود بالخارج في النقاش السوري والعربي الراهن حول التغيير هو الغرب حصرا، وأميركا أساسا، وليس أبدا تركيا او ايران أو أفريقيا أو الصين أو الهند. وراء تضييق الخارج إلى الغرب عاملان: الأول هو أن الغرب لا يزال يحتل موقع مركز المبادرة التاريخية ومنبع التجديدات الحضارية والمعسكر الأقوى عالميا، الذي لا تحتجب "معسكريته" إلا خلف ضعف خصومه المحتملين بعد انتهاء الحرب الباردة بانتصار مبين له؛ الثاني هو أن الوعي العربي مسكون بالغرب إلى درجة مرضية. فلا نعرف شيئا عن أفريقيا وأميركا اللاتينية والهند والصين وإيران..، ولا نزورها ولا نقارن بينها وبين اوضاعنا، رغم ان معرفة تاريخها ونظمها السياسية وأوضاعها التنموية الراهنة قد تكون أفيد من معرفة الغرب، ورغم ان من شأنها أن تحررنا من الانشداد للغرب والدوران حوله، ورغم ان من شانها أن تخفف من بؤسنا وتضفي النسبية على مشكلاتنا ومصاعبنا الحالية التي تكتسب حاليا قيمة مطلقة لأنها تقارن، دون وسائط، مع المعيار الغربي، الكامل تعريفا. في هذه الحيثية، كان انهيار المعسكر الشرقي منبع عسر ثقافي، فوق تسببه في تدهور سياسي حاد في وزن العرب الدولي. فقد حذف احتمالا تاريخيا وحضاريا كان يحد من "امبريالية" الاحتمال الديمقراطي الليبرالي الغربي الذي ارتفع إلى مستوى قدر، وكف عن كونه احتمالا تاريخيا مكافئا، من حيث المبدا، لغيره. ولعله ثمة صلة بين وحدانية الغرب وبين إعادة تعريفه لنفسه على أرضية ثقافية ودينية. فخروجه من المنافسة أغناه عن تعريف نفسه بهوية عالمية، وأضعف حاجته إلى التأكيد على قيم كونية مشتركة. نريد من هذا ان الخارجيين لا يقلون وفاء و"داخلية" لنظام الوعي العربي الحديث الموسوس بالغرب والمنكفئ عن غيره.
قد نضيف إلى العاملين المذكورين عاملا ثالثا مكونا من تفاعلهما، أعني الالتباس المستمر والتكويني للغرب كخارج جيوسياسي وخارج حضاري بالنسبة للعرب. التمييز بين المعنيين الجغرافي السياسي والمعنى الحضاري لكل من الداخل والخارج يغفله، رغم بداهته، السجال الراهن حول التغيير في العالم العربي. فالتفاعل العربي مع الخارج، بالمعنى الحضاري لكلمة خارج، أي الحضارة الغربية الحديثة، لم يكن إشكاليا منذ "عصر النهضة" بين الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الثانية. ما يعني أن الغرب الحضاري "أدخل" في المجال العربي، وإن لم يكن بصورة متسقة. هذا بينما كان الخارج بالمعنى الجيوسياسي إشكاليا على الدوام، وربما بالضبط لأن العلاقة معه غير تفاعلية في ظل نزعات الهيمنة الغربية بين عصر الامبريالية ومرحلة نزع الاستعمار في نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم، مجددا، منذ حرب الخليج الثانية عام 1991 حتى اليوم. هذا دون أن ننسى إسرائيل، وهي داخل البلاد العربية جيوسياسيا مع بقائها خارجها وضدها حضاريا.
ليس الخارجان هذان متطابقين، ونقل الحجج من أحد المجالين، الجيوسياسي والحضاري، خلسة إلى المجال الاخر هو مصدر معظم الالتباس في النقاش الحالي. فليس برهانا على أن التغيير يأتي من الخارج إحصاء ما أخذناه من الغرب على مستويات التقنية والإدارة والثقافة لأن هذا الأخذ قلما كان إشكاليا، كما قلنا. صحيح أنه وجد على الدوام من يعترض على اي شكل من اشكال التفاعل مع الغرب الثقافي والعلمي والمدني، ما سميناه الخارج الحضاري، لكنه شكل على الدوام اقلية. القول إذن على طريقة جهاد الزين "إن الإصلاح [ في البلاد العربية] ليس فقط لم يأت إلا من الخارج، بل لا يأتي إلا من الخارج" أكثر تبسيطا ونضالوية من أن يفي المسألة تعقيدها وتاريخيتها.
يتناسى الخارجيون أن من التمييزات المالوفة في الفكر القومي واليساري العربي التمييز بين الغرب الحضاري أو ما كان يسمى "غرب العقلانية والعلم والديمقراطية والاشتراكية"، والغرب الاستعماري المبرمج على التوسع والسيطرة والعنصرية، وان النخب العربية لطالما تحمست للأول ورفضت الثاني، مع ميل ثابت إلى الفصل بينهما بصورة مطلقة لمنح الانفتاح على الغرب الحضاري شرعية غير مشوبة. ويقترن هذا النسيان، على العموم، مع تصور المجتمعات العربية مستغرقة، كلا وجميعا، في اصولية متعصبة، عنيفة، عدائية للغرب، كلا وجميعا. ويجد الخارجيون المتطرفون هؤلاء في من قد نسميهم الداخليين المطلقين حلفاء غير منتظرين. فهؤلاء يجنحون إلى رفض الغرب بكل أشكاله وصوره، ويغرقونه في العدواة الشاملة، جاعلين منه فسطاط كفر واحدا متجانسا، على غرار ما عبر الشيخ أسامة بن لادن.
وبصورة نسقية يجنح الداخليون إلى رد الحاضر العربي والإسلامي إلى الماضي، الذي يفترض أنه أصيل أو أقل اختلاطا وتلوثا، فيما يجنح الخارجيون إلى رده إلى الخارج الذي يفترض أنه وحده مصدر التقدم والحداثة والفاعلية. وشرط إمكان الجنوحين معا تفكك مركب الحاضر/ الداخل العربي المعاصر، أو الحداثة العربية، إلى داخل مفصول عن الخارج لا يتماسك دون الاستناد إلى الماضي، وحاضر معزول عن ماضيه لا يقوم دون سند من الخارج. أي لدينا إما داخل مطلق (ومغلق) سنده هو الماضي، أو حاضر مطلق (ومؤبد) لا سند له غير الخارج. وهو ما يشير إلى أن النقاش حول الداخل والخارج مؤشر خام على مدى تفكك بنى المجتمعات العربية وافتقارها إلى القدرة على التغيير الذاتي. يشير أيضا أن الداخلية والخارجية استقطاب جديد يستأنف، لكن على مستوى أفقر وادنى، استقطاب حداثة/ أصالة الذي هيمن في عقد الثمانينات وبعض التسعينات من القرن العشرين.
على أن الأمر لا يرتد إلى محض التباس أو خلل في القراءة. بعض الخارجيين أكثر اهتماما بالتغيير "الحضاري" (بالمعنى الهنتنغتوني الذي يرد الحضارة إلى الثقافة والثقافة إلى الدين) للمجتمعات العربية منهم بالتغيير نحو الديمقراطية. بمعنى آخر يضعون التغيير الديمقراطي في العالم العربي في سياق "صراع الحضارات واعادة هيكلة النظام العالمي" (وهذا عنوان كتاب هنتنغتون الشهير)، وغير قليل منهم يشرطون التغيير السياسي بتغيير حضاري اساسي تحت الرعاية الغربية والأميركية. بالمقابل بعض الداخليين يمزجون رفض الهيمنة الاميركية مع رفض التغيير الديمقراطي والتفاعل الحضاري. وهم أيضا صنف سياسي طرفه الأرأس نظم الحكم الراهنة، وطرف "حضاري" مكون من إسلاميين وقوميين مطلقين. وصاحب نظرية الفسطاطين يشارك دعاة صراع الحضارات المحليين لدينا نظريتهم بالكامل، تماما مثلما تشارك دكتاتورياتنا "العلمانية" العنصريين الغربيين نظريتهم في الخصوصية (انظمتنا تعبير عن خصوصيتنا، والديمقراطية تعبير عن خصوصية الغرب).
ويتدخل هنا عامل ثقافي أو "حضاري" يطل على تفكك الداخل الاجتماعي السياسي العربي في دول عربية عديدة إلى دواخل متعددة متنافرة، أعني التناثر الديني والإثني والطائفي لمجتمعاتها. وهو يرتد، في رأينا، إلى غياب مشروع هيمنة (بالمعنى الغرامشي)، موحِّد وفعال، في المجال العربي بعد تأزم وانحسار المشروع القومي العربي منذ ستينات القرن العشرين.
يحوّر عامل التناثر هذا مفهوما الداخل والخارج في النقاش الحالي ليوظفهما ضمن منهجية هوية تقوم هي ذاتها على مبدا الهوية: داخل متماثل مع ذاته وخارج متماثل مع ذاته، وهما متناقضان تماما فيما بينهما. وتعمل هذه المنهجية في خدمة سياسات هوية معقدة ومتشابكة، تغذيها اليوم الانفعالات والمشاعر الطائفية الآخذة في الانتعاش في مناخات تفاقم الهيمنة الاميركية ومشاريع إعادة هندسة وتشكيل المجال العربي(مشاريع الشرق الأوسط المتنوعة في سياق "الحرب ضد الإرهاب"، التي تذكر بمشاريع الدفاع عن الشرق الأوسط قبل نصف قرن في سياق الحرب الباردة: في استطلاع نشرت نتائجه جريدة "السفير" في 15/10/2004 سار تفضيل اللبنانيين لبوش على كيري او العكس، في انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة، بموازاة خطوط الانقسام الديني). ويتصل أصل التفكك وسياسات الهوية ومناهجها وطرق تفكيرها في تقديرنا بهشاشة الدواخل الحضارية العربية وتبعثرها وافتقارها إلى صيغ تسوية وتفاهم اجتماعية وسياسية. هذا الشرط، الذي لا مجال لنكران دور "الخارج" فيه، يدفع اليوم إلى تفخيخ مجتمعاتنا عبر استبطان منطق صراع الحضارات. يساعد على ذلك ايضا شرط عالمي يزداد انكفاء عن العقلانية والقيم الكونية للحداثة. فبدلا من اعتبار صراع الحضارات صراعا طائفيا على الصعيد العالمي، ما يستوجب بناء نظام عالمي (أو وطنية عالمية) أكثر مساواة وعدالة، تغدو الصراعات الطائفية والصراع العربي الإسرائيلي صراعات حضارية، ما يعني انفجار "الشرق الأوسط" على نفسه وإعادة بناء المنطقة على أسس "حضارية"، طائفية ودينية وإثنية. وهذا مشروع يجد جذوره في اللاشعور السياسي الغربي حيال المنطقة (عقيدة الفسيفساء)، كما في مصالح وخطط إسرائيل، وبالطبع في تكوين نخب السلطة العربية الرثة والفاقدة لأي أفق تاريخي يعلو على البقاء في السلطة.
وما أشرنا إليه للتو من غياب الهيمنة يكتسب أهميته من أن الهيمنة هي التي تصنع الأكثرية والداخل الوطني الجاذب والمتفاعل، وليس العكس، وهي التي تحرر الأكثرية من الروابط العمودية ومن الانغلاق على الذات وعبادة الداخل، وليس العكس. ذلك أن الأكثرية التي تصنعها الهيمنة أكثرية مصنوعة وليست موروثة، ومركبة وليست بسيطة، ومتحولة وليست ثابتة. لكن لا مجال للتوسع في هذه النقطة هنا.

سيادة وحدود
نريد مما تقدم أن نقرر تعدد الدواخل والخوارج، وأنه ليس هناك جدلية داخل/ خارج متماثلة مع ذاتها على اختلاف البلدان والمراحل التاريخية وقطاعات النشاط الإنساني. وإن الدول القائمة، فيما عدا كونها ظواهر تاريخية، ليست دواخل مطلقة تحوط بجوانب حياة المجتمعات جميعا. بعبارة اخرى، إن حدود الدول ليست أسواراً صينية تعزل داخلا متماثلا مع ذاته عن خارج فوضوي او بري، متجانس في خارجيته.
والواقع أن مفهومي الداخل والخارج ولدا مع ولادة الحدود ومفهوم الدولة السيدة. الحدود هي جلد الدولة السيدة، إهاب جسدها ومبدا تكاملها وكرامتها، واي خدش او طعنة هو إهانة للشرف وتهديد بالموت. ومعلوم أن جلود الدول توزعت في منطقتنا بعمليات جراحية عشوائية قام بها البريطانيون والفرنسيون، ويقوم بها اليوم الأميركيون والإسرائيليون. وبفضل هذه العمليات نشأ لدينا واقع عدم التطابق بين دواخل الدول: الداخل الجغرافي السياسي والداخل الثقافي والداخل الاجتماعي والداخل الاقتصادي. لقد كانت حلب، مثلا، تعيش بفضل موقعها بين اسكندرون وجنوب تركيا وبين الموصل وشمال العراق. لذلك آذن نشوء الكيان السوري الحديث في سياق تكون الدول القومية السيدة في المجال ما بعد العثماني بانحدار مستمر لهذه المدينة. لقد انقطعت شبكة تفاعلاتها الاقتصادية والبشرية واضحت مدينة محلية في دولة ناشئة متقلقلة الكيان. في ذلك الوقت، كانت حدود "الداخل الحلبي" هي حدود تلك الشبكة وليست حدود سوريا (غير الموجودة)، ولا حدود الانتشار العربي، ولا حدود الانتشار الإسلامي، ولا حتى حدود السلطنة العثمانية.
القصد أن الداخل هو جملة تفاعلات، أو أن الداخل لا يوجد قبل التفاعلات كما لا توجد الضفاف قبل الأنهار. التفاعلات المتنوعة هي التي تحدد الحدود، وليس العكس. القصد ايضا أن مفهومي الداخل والخارج ليسا سابقين للتحليل، ينسكب التحليل فيهما كما ينسكب الماء في الحوض. إنهما بالذات مفهومان ينتجان عن التحليل الدينامي للظواهر الاجتماعية والدولية. القصد كذلك ان الداخل تشكل وقتي متبدل في جدلية داخل /خارج متبدلة هي ذاتها.
هذه نتائج مؤقتة تساعد في كشف مدى سطحية وإيديولوجية النقاش الجاري حول التغيير: من خارج أم من داخل؟ جوابنا: دينامية التقاعل أولا، وهي التي توزع الدواخل والخوارج والحدود على الجماعات البشرية. والسيطرة الأميركية على التفاعلات الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية الكبرى في المنطقة هي التي تجعل من أميركا الخارج الداخلي لها أو فيها، حاضرها الغائب.

معضلة التغيير الديمقراطي
من اين ياتي التغيير إذن؟ من الداخل أم من الخارج؟ نقول ببساطة إن التغيير يأتي من الأقوى، لا من خارج مجرد ولا من الداخل القائم. والأقوى هو حاليا الولايات المتحدة، وهي الجهة الأقدر من غيرها ايضا على منع التغيير وإحباطه وفقا لما جرت عليه سياستها منذ الحرب العالمية الثانية حتى 11 ايلول 2001، 60 عاما كما قال بوش قبل أقل من عامين وكررت رايس قبل اسابيع. بقليل من الانتباه نتبين ان قدرة الولايات المتحدة على التغيير هي وجه من قدرتها العامة على التحكم بمصائر المنطقة ودولها وشعوبها، استقرارا بالأمس أوتغييرا او "فوضى خلاقة" اليوم . وهي قدرة أوثق اتصالا بقوتها ونزعاتها الهيمنية منها باهتمام متجرد بالعدالة والديمقراطية في المنطقة.
إلى ذلك، الولايات المتحدة هي الداخل الأكثر داخلية في الشرق الأوسط بالمعنى المنظومي لكلمتي داخل وخارج كإطار للتفاعلات الحاسمة وليس كمحض حدود شكلية لدول (شكلية للقوى الخالقة لها لكنها مقدسة للدول التي ترتديها). فبالمعنى الجيوسياسي والجيواستراتيجي للكلمة، الولايات المتحدة ليست خارج الشرق الأوسط (كنظام تفاعلات سياسية وعسكرية وامنية واستراتيجية)، ولم تكن خارجه أو خارجا بالنسبة له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالخصوص بعد حرب السويس 1956 ثم حرب 1967. ولذلك بالذات نتكلم على شرق أوسط وليس على عالم عربي أو وطن عربي. فأميركا تحد دول المنطقة جميعا، وهي قوام داخلية الكثير منها: جميع دول إقليم "بترولندة" في الخليج، ومصر، وقبل الجميع بالطبع إسرائيل. ومشروعها الخاص بالشرق الأوسط الكبير (وقد وصفناه، في مكان آخر، بأنه خريطة طريق للحرب ضد الإرهاب) يعمل في سياق نقل داخليتها هذه من حكم الواقع إلى حكم الشرعية والقانون.
لكن الولايات المتحدة خارج المنطقة بالمعنى الثقافي أو الروحي. وبعض الخارج هذا اشد عدائية وعنصرية حيال العرب والمنطقة ككل حتى من أميركا كخارج جيوسياسي (محافظون جدد، مسيحية صهيونية، إنجيليون متعصبون..) وبعضها كوني ويمكن للعرب وغيرهم أن يشاركوا فيه بطيبة خاطر. وكما أشرنا فوق يتعمد بعضاصحاب الأطروحة الخارجية، الخارجيون المتطرفون، الخلط بين معنيي الداخل والخارج المشار إليهما لانهم يريدون اميركا قوة تغيير على مستوى الثقافة والهوية وليس على مستوى السياسة وحدها. أو قد يكون اصوب أن نقول إنهم يفتقرون إلى اي محفز للتمييز بينهما لأن تحليلهم يرى في الثقافة العربية أو الإسلام عائقا كؤودا لا يتبدل أمام الديمقراطية والحداثة، وهم ممن يميلون عادة إلى اشتقاق الأنظمة الحالية من الدين أو الثقافة منظورا إليهما كجوهرين ثابتين، لا من تاريخ تكون الشرق الأوسط الحديث ولا من شبكات التفاعلات المضبوطة والمسيطر عليها بين دول المنطقة وكتلها البشرية. والعروبة هي المفهوم الملتبس المناسب للقفز من أحد التغييرين إلى الاخر دون إشكال. وهذا لأنها تطل على أفقين مختلفين: أفق الثقافة العربية القديمة والحديثة، وافق السياسة والدول والأنظمة العربية الراهنة. وعند الأميركيين والإسرائيليين المقصود شيء مختلف تماما: العروبة كمشروع هيمنة مضاد للهيمنة الأميركية والإسرائيلية، أو "الوطن العربي" في مواجهة "الشرق الأوسط".
الأطروحة الداخلية، بالمقابل، ليست اقل زيفا وإيديولوجية. إن انظمة قمعية مغلقة، تستبطن "الخارج" الأميركي ضميرا لها تلتزم بنواهيه، هي الأكثر إلحاحا على أن التغيير لا يأتي إلا من الداخل. وفي ذلك الكثير من الرياء والكذب. فهي تخنق الداخل و"تتدخل" فيه وتخترقه بعنف "خارجي"، مدمرة قدرته على الالتئام والمبادرة التغييرية. حماستها للتغير الذي لا يأتي إلا من الداخل هي حماسة للتغيير الذي لا يأتي ابدا. قبل وقت قصير قدم وليد المعلم، نائب وزير الخارجية السوري، صيغة لطيفة عن الثانية: "لا يوجد نموذج موحد للديمقراطية في العالم كل بلد لديه أولوياته حسب موقعه الجغرافي والاقتصادي وعدد سكانه وأحزابه السياسية لذلك أقول لتدع الولايات المتحدة هذه الشعارات وتترك شعوب هذه المنطقة وحكامها يصنعون مستقبلهم بأنفسهم" (من حوار نشر معه في موقع "كلنا شركاء" الإلكتروني، 22/7/2005). يحيل كلام المسؤول السوري إلى عقيدة الخصوصية وإن لم يعرفها بالثقافة على جاري العادة بل بـ"الموقع الجغرافي والاقتصادي ... والأحزاب السياسية"، ويستعيد منطق التحرر الوطني حين يقرر وحدة الشعوب والحكام، كأننا لا نزال في "ليلة الدخلة". داخلية مضاعفة، إذا صح التعبير، لا تعني شيئا غير الحفاظ على الواقع القائم دون اي تغيير غير ما قد يتفضل به"الحكام"، حين يشاؤون.
تجنح هذه النظم بصورة منهجية إلى اشتقاق ذاتها من ثقافة مجتمعها وعقيدة أكثريته، أي من "روحه" أو "دخيلته" الأعمق و"خصوصيته" الحية وأصالته (وهو ما يلائم تماما أطروحة الخارجيين الذي يقومون بالاشتقاق ذاته، لكن برسم اغراضهم المعاكسة). الداخل هنا ركيزة عقيدة هيمنة (بالمعنى غير الغرامشي: احتلال الموقع الأنسب للسيطرة على والتحكم بالتفاعلات بين أي فاعلين داخليين محتملين، موقع الفيتو والحرب الوقائية ضد التفاعلات غير المرغوبة) لنخب تسلطية امتيازية ومستعدة على الدوام للتفاهم مع "الخارج" المهيمن. الداخل أيضا مبدأ احتكار السلطة في المجتمعات المحكومة المهمشة وإغلاق باب التغيير فيها.

داخل مطلق أم عبادة القوة؟
هناك بذرة من الحقيقة في اطروحة الخارجيين: إذ كيف يمكن للداخليين تغيير الداخل وهم من الداخل؟ ألا يعني التغيير الانتقال من حال إلى غيره؟ كيف يمكن لأهل الحال أن يحققوا التحول إلى حال غير؟ تبدو هذه الأسئلة سديدة وشرعية، لكن التمعن فيها يكشف أنها ملغومة: فهي تضمر أن الداخل واحد متطابق مع ذاته دائما، وأنه يعيش زمنية واحدة متعاصرة مع ذاتها. اي ان زمن الثقافة وزمن المجتمع وزمن السلطة وزمن الدين واحد، وان الاقتصاد السوري مثلا والسياسة السورية والثقافة السورية والأحزاب السياسية السورية محدودة كلها بحدود الجغرافية السورية التي تغلف الداخل وتعزله عن الخارج. في هذا الافتراض قدر من حقيقة وقدر من أهواء ايديولوجية. فقد نجحت أنظمة الحكم العربية، وهي دكتاتوريات عائلية أو عسكرية عاتية او اشد عتوا، في أن تحطم التعدد الداخلي وتعدد الداخل في مجتمعاتها عبر تدمير الأحزاب السياسية وإخماد أصوات المثقفين النقديين والمستقلين وشراء الضمائر واستتباع المؤسسة الدينية والهيمنة على الاقتصاد، وحتى قمع التعابير الذاتية والصحية عن التعدد الإثني والديني والمذهبي. وتمكنت كذلك وعبر ذلك من منع التغيير، سواء كان انقلابيا او ديمقراطيا، واحتالت حتى على وفاة الحكام المعمرين بتوريث السلطة إلى ابنائهم. فعاشت شعوب البلدان العربية الرئيسية في حاضر مؤبد يتحكم بها زمان وحيد هو زمان السلطة.
هذا هو قدر الحقيقة في الأطروحة الخارجية. أما الإيديولوجيا فتتمثل في ثلاثة أشياء: الأول هو إضفاء صفة الإطلاق على إحكام إغلاق الداخل وتوحيد زمنياته. وهذا لا ينطبق حتى على نظام صدام حسين ذاته الذي نجح أكثر من غيره في وقف عجلة التغيير وإلغاء التعدد في بلده، بما في ذلك التحكم في البث الفضائي وحد الانترنت والهاتف الخليوي (قد تكون اشتركت في ذلك قرارات سياسية مع أوضاع اقتصادية تفاقمت بفضل الحصار الأميركي...). الثاني هو إغفال الطابع التاريخي لعملية الإغلاق، والميل الثابت لنسبتها إلى جوهر ثقافي او ديني او عرقي عربي. الثالث هو القفز من فرضية تماثل الداخل إلى استدعاء الخارج وتسهيل الاندراج في خططه دون تحليل للخارج وخططه وأولوياته، أو مع تحليل منقوع بسائل الرغبات. لسان حال الخارجيين يقول: من اين ياتي تغيير الداخل وهو مغلق على نفسه، ممنوع من الاختلاط والتفاعل مع غيره؟ إن استحالة الانقلابات العسكرية والانتخابات الديمقراطية وإدخال مبدا توريث السلطة في الجمهوريات يجعل باب التغيير الوحيد الباقي هو الاحتلال الأجنبي، تقوم به قوة أقوى من الأقوياء الحاكمين في البلاد العربية وأكثر تحضرا من شعوبها المتخلفة.
في ذلك عنصر عبادة للقوة مشترك في عقائد الخارجيين الذين يتمتعون بفضيلة نادرة: التضامن مع الأقوى، فيما يفترض اننا نسعى للتغييير للتخلص من حكم القوة. وفيه أيضا لا مبالاة بالضعفاء والمحرومين الذين يفترض ان التغيير يستمد شرعيته من الاستجابة لمطالبهم. الواقع أن ها هنا التباس جديد: تغييرية اليوم انتقلت خفية من تبرير التغيير بالعدالة إلى تبريره بالحداثة. المفهوم الذي يغطي الالتباس هو التقدم: كان "تقدمية" اشتراكية ووطنية ومعادية للامبريالية، وصار حداثة علمانية وليبرالية معادية للتخلف. بموازاة ذلك انتقل مفهوم التخلف من ملاك نظرية الامبريالية والتبعية إلى ملاك الثقافة والحضارة والدين، واضحى جوهرا بعد ان كان علاقة. يفسر ذلك أننا نفتقد اليوم في كلام الخارجيين اية إشارات إلى العدالة والفقراء والمضطهدين والمقموعين.

التغيير والديمقراطية
مرة أخرى: من اين ياتي التغيير؟ إذا كنا نعني تغييرا ديمقراطيا ذاتي التطور يفتح أفقا تاريخيا لسيادة الشعوب وحقوق الأفراد والمساواة في الحرية والأمن، فلن ياتي دون كسر دينامية التفاعل الراهنة بين "الخارج" الأميركي و"الداخل" الدكتاتوري. اما إذا كنا نعني تغيير الأنظمة الراهنة فالقادر عليه راهنا هو، كما قلنا، المركز الامبراطوي الأميركي، لكنه تغيير سيمنح السيادة الحقيقة لهذا المركز ويستهدف توطينا أعمق للمركز الامبراطوي الفرعي، الإسرائيلي، في "الشرق الأوسط". ولعل الموجة الراهنة من الشرق أوسطية (الثانية بعد موجة نهاية السلطنة العثمانية وتدشين نظام سايكس- بيكو- بلفور - بترول) تكمن في اصل النقاش حول مصدر التغيير واصل فساده.
إذا صح ذلك، فإن المعضلة التي تواجه اي فاعلين سياسيين محتملين في الوضع الراهن هي: التغيير الممكن خارجي وليس نحو الديمقراطية، والتغيير نحو الديمقراطية غير ممكن داخليا. المعضلة هذه تنبع من مفهوم الديمقراطية وليس فقط من السجل التاريخي للفاعلين الخارجيين. فالديمقراطية تعني مشاركة واسعة للمجتمعات المعنية في شؤونها العامة، السيادية والسياسية. جذع الشجرة الديمقراطية، كما هو معلوم، هو مفهوم السيادة الشعبية، والسيادة الشعبية شيء مختلف، كيلا نقول متناقض، مع السيادة الأميركية. وهي تصلح ايضا تعريفا للداخل، بالنظر إلى أن الداخل هو المجال المستقل لتفاعلات سياسية واجتماعية وثقافية متصلة بشعب معين. في هذا المعنى العلاقة بين الديمقراطية والداخل تفاعلية: الديمقراطية تعني اتساع المبادرة والمشاركة الشعبية، اي تكون داخل وطني، والداخل هو مجال تفاعلي للعملية الديمقراطية. دون داخل وطني لا ديمقراطية، ودون ديمقراطية لا داخل وطني حي ومتفاعل. والدول العربية بلا داخل لأنها غير ديمقراطية، ما يجعلها مفتوحة للخارج، وهي غير ديمقراطية لأن الداخل الوطني فيها ضامر ومقموع، ما يناسب تأبيد نظم الاستبداد. أما الداخل في نظرية التغيير الداخلي عند الدكتاتوريات القائمة فهو محض اسم آخر لسيطرتها المطلقة.
في الشروط الملموسة للدول العربية يبدو احتمال التغيير الداخلي المحض ضئيلا. احتمال التغيير الخارجي حصرا تم تجريبه في العراق ونتائجه كارثية. التقاطع الأوسع بين الداخل والخارج هو الأنسب والأكثر واقعية في الراهن. الحال في لبنان أفضل من الحال في العراق بفضل اتساع مساحة التقاطع بين المبادرة الداخلية والضغوط الخارجية في لبنان وانعدامها تقريبا في العراق، بفضل الطابع السلمي والقانوني ومتعدد الأطراف للضغوط التي أفضت إلى خروج لبنان من الهيمنة السورية (تمييزا عن الطابع الحربي اللاقانوني والأحادي أو الأوليغارشي لنموذج التغيير العراقي). تغلب التفاعلات الداخلية بين اللبنانيين على تفاعلات اية جماعات منهم مع الخوارج الكثيرة المؤثرة على مصير بلدهم هو ما يعد بتبلور وطنية لبنانية أكثر ديمقراطية. العكس يعني تفجر لبنان.

خلاصات وملحوظات تكميلية
• يشير هذا النقاش بمجمله إلى تعثر او أزمة بناء داخل ذاتي النمو والانفتاح في البلاد العربية أو في اي منها. يشير كذلك إلى جمود عملية التغيير الحيوية في مجتمعات يتغير فيها وحولها كل شيء لكن الأطر السياسية التي تحكمها تبقى دون تغيير.
• كما ثمة دواخل وخوارج ثمة داخليون معتدلون وآخرون مطلقون. الأنظمة الحالية جميعا من أنصار الأطورحة الداخلية المطلقة. مقابل هؤلاء ثمة خارجيون معتدلون وآخرون متطرفون أو حتى مطلقون. ما قد نسميه الحزب الأميركاني يتكون من خارجيين مطلقين. وليس لهم برنامج غير مطالبة الأميركيين بتغيير نظم الحكم وتحديث المجتمعات العربية.
• في شكله الحالي يعتم النقاش حول الداخل والخارج قضية التغيير ولا يضيؤها ولا يساعد على بلورة سياسة للتغيير الديمقراطي في البلاد العربية. الواقع أنه يسهل الانزلاق نحو سياسات انقلابية جديدة وتكون نخب متعصبة جديدة قد تكون وسيطا بين الأميركيين وبين البنى الأهلية من وراء ظهور الدول القائمة أو بعد تمزيقها.
• كما راينا ليس الداخل مفهوما بريئا: إنه مشروع هيمنة لأنظمة مفلسة لم يعد لديها غير توظيف التهديد الخارجي لإدامة سيطرتها على مجتمعات أمعنت فيها قتلا وتفكيكا وتفريقا. الداخل هنا محض ركيزة للتفاوض مع العاهل الأميركي. هذا يفسر ملاحظة مهمة من وجهة نظر سياسة التغيير: كلما اشتد الضغط الخارجي تجنح نظم الحكم العربية إلى التشدد الداخلي وليس إلى الانفتاح على الداخل كما يطالبها ويتوقع منها معارضون وطنيون. فإذا هي مشغولة أولا وأساسا ببقائها لا باية قيم وطنية مزعومة فإنها تخشى اية علاقات بين الداخل المقموع والخارج تهدد بإطاحتها، وتحرص على ان تلعب "دورها الإقليمي" في الداخل المحكوم حتى النهاية بالتفاهم مع الخارج.
مفهوم الخارج ليس بريئا ايضا: إنه اسم فني لجهة لم تكن خارجية يوما. وهو يتمفصل مع مشاريع هيمنة داخلية مختلفة. وكلا الهيمنيتن القائمة والمحتملة تعكسان غياب مشروع هيمنة حقيقي يشغل موقع الحركة القومية العربية التي هزمت عام 1967. مشاريع اليوم هي هيمنة بلا هيمنة، تحكم وسيطرة بلا نهضة ووحدة اجتماعية.
• باختصار الداخل والخارج إيديولوجيتان تعرفان معسكرين أكثر مما تضيئان واقعا. وهما ميثاق تعارف وتماسك كل من المعسكرين. هويتان.

العلمانية والديموقراطية والمساواة الفعلية

العلمانية والديموقراطية والمساواة الفعلية

عمار ديوب

الحوار المتمدن

بداية لا بد من شكر مواقع الحوار المتمدن والقائمين عليها* والمثقفين ، ياسين الحاج صالح وسلامة كيله، الذين بدأا هذا النقاش الجاد ، من أجل طرح القضايا الفكرية والسياسية بطريقة فيها الكثير من الجدية ، تشكل الحاضنة الأساسية لأي فكر جاد وناقد أو حركة سياسية هادفة ، وأقصد العلاقة بين العلمانية والديمقراطية ، حيث تستعيد هذه القضايا الفاعلية الفكرية النقدية من أجل إعادة بناء مشروع النهوض العربي ونهوض الأمم التي تتداخل مع الأمة العربية وتعيش على أرضها التاريخية 0

إن هذا المشروع النهضوي العربي قد أخذ مسارات متعددة في مختلف البلدان العربية ، ولكنه وصل فيها إلى إخفاقات تطال بناه الأساسية ، وتختلط فيها المفاهيم والسياسات بشكل كبير كجزء من الإخفاق ، ولكن لا يمكن موازاة الإخفاق الأخير "الاستعمار الأمريكي ، الأصولية الدينية ،ارتباط الأنظمة مع المشروع الأمريكي الإسرائيلي " مع الإخفاقات السابقة ، فلا شك أن هناك ماءً كثيراً قد سال ، وتطورات كثيرة قد حصلت وهذا يقتضي إعادة ضبط الأفكار التي طرحها عصر النهضة، وما أتى بعده ، شريطة استكمال هذه البدايات ، لا العودة إليها ، وكأن كل ما تقدم عنها ، ليس إلا أخطاء في أخطاء ، لأن هذا النمط من التفكير يستبطن تجاهلاً للتاريخ ، ولحركة البشر ، ولصيرورة التأزم التبعي في البلدان المتخلفة وأسباب ذلك التأزم ؟

يعد النقاش الدائر نقاشاً هاماً ، حول علاقة العلمانية بالديمقراطية ، وهل تشترط إحداهما الأخرى أم أن العلمانية شيء والديمقراطية شيء أخر ، وأيهما تسبق الأخرى ، وهل يمكن وجودهما معاً أم بأزمنة مختلفة ، وهل يمكن للدين السياسي الذي يمايز بين الناس على أساس معتقدهم الديني ، ويعتبر التمايز من البدا هات ، أن يكون ديموقراطياً ، ثم ألا يتنافى ذلك مع مفهوم المواطنة 0

من الضروري أن نؤكد أن هذا النقاش الشغوف بقضايا المستقبل العربي يدور في زمن تسيطر عليه الامبرياليات العولمية والشركات متعدية الجنسيات بشكل واضح على العالم ، وعلى العالم العربي بشكل خاص وتعاضد إسرائيل هذه العولمية على بلادنا بشكل بنيوي ، ويشنان معركة متعددة الأوجه ، وواحدة منها ، معركة الأصولية الدينية ضد العلمانية والدموقراطية " لاحظ فنزويلا " لتصير الديمقراطية ، ديمقراطية أصولية " لاحظ العراق " وهذا ما يتلاقى مع الأصولية الإسلامية ليشكلوا مشروعاً ضد الحداثة بما هي فعل البشر عبر صراعاتهم التي تتصير تطوراً تاريخياً يهدف إلى المساواة الفعلية بين بني البشر ، وذلك على أنقاض النظام الرأسمالي العالمي ، هذا هو الإطار العام للنقاش 0

أما الإطار الخاص السوري فهو جزء من الإطار العام وله عدة مستويات ، المستوى الاقتصادي ، السياسي ، الإيديولوجي ، يتحدد المستوى السياسي منه ، ببقاء النظام مستأثراً بالسلطة السياسية ، ورافضاً لأي انفتاح على المجتمع من جهة ، وهامشية المعارضة الديمقراطية وسطوة المعارضة الإسلامية على أرضية الإرث الديني والتقليد الاجتماعي وهزيمة المشروع القومي للبرجوازية المتوسطة ، وشعور المعارضة الديمقراطية بالضعف نحوها وضرورة المساومة معها ، وبالتالي ضرورة اعتبارها معارضة كاملة الشرعية ككل المعارضات ، وبدون اشتراطات تذكر ، من جهة أخرى0
بمعنى أخر إن أزمة التطور في سوريا هي أزمة السلطة البرجوازية المتوسطة من جهة وأزمة المعارضة من جهة أخرى وبدون أن نتجاهل أن السلطة المأزومة هي السبب المباشر لأزمة المعارضة والمجتمع بشكل عام 0
هذا الإطار الخاص أفترض من بعض المثقفين والحركات السياسية الديمقراطية، إيجاد طريقة لخروج سوريا من أزمتها، فحددوا الأزمة بالاستبداد، والحل بالديمقراطية متجاهلين المستويات الأخرى من الأزمة ؟ ولكن هل الأزمة في سوريا تتحدد فقط بالاستبداد وبأنه يفتقد لأصول التفاوض والمساواة والاعتراف بالأخر وليس لديه إلا الحل الأمني وسيطرة الحزب الواحد ؟
وهل هذه المفاهيم السياسية هي الضرورية فقط في المجتمع السوري والعربي كذلك حتى تخرج سوريا من أزمتها ، فإذا كان الأمر كذلك فهل انتهاء الهيمنة السورية على لبنان أنهى المشكلات بها ، وهل الخلاص من صدام حسين ونظامه الاستبدادي فعلاً أنهى الأزمة وادخل البلاد في الديمقراطية وبداية حل المشكلات وانتقلنا عندها إلى الديمقراطية والعلمانية كحالة موضوعية لا تحتاج إلى الدعوات الإيديولوجية للعلمانيين والماركسيين والديمقراطيين العلمانيين والقوميين العلمانيين 0

لا شك أن الاستبداد، والحل الأمني شكلا السبب الأساسي للازمة العامة في سوريا وديمومتها ولتغييب العلمانية وبروز الأصولية، ولكن الاستبداد كذلك يعد نتيجة تاريخية ويجب التفكير بمعنى انه نتيجة ، ولا أرده هنا لا إلى الدين ولا إلى التاريخ القديم كما يفعل البعض في تفسير أزمة الاستبداد ،حيث يصير الحاضر جزء من الماضي ، وليس الحاضر هوهو سبب الأزمات التي تعتمل بداخله ، و أتفق هنا مع التحليلات الماركسية الكثيرة** في هذا الأمر حيث يرتد الاستبداد في عمقه البنيوي إلى الشروط الدولية للامبريالية في سيطرتها على العالم المتخلف ، بما يؤمن إعادة إنتاج تخلفه المزمن ، عبر برجوازيات تابعة تتعارض صيرورتها مع التطور الفعلي ، وتسير في تطور مشوه ، حيث يتم فيه ، تغييب ثورته الصناعية والديمقراطية ، فيعاد إنتاج الوعي الديني والعشائري والمناطقي والقومي الشوفيني وعياً سياسياً في أسوأ أشكاله كرد فعل ضد تغييب تلك الثورات وكذلك ضد الاستعمار الخارجي ؟
فبالتالي غياب العلمانية الناجزة وحضور الناقصة مرتبط بأزمة التطور غير الطبيعي وسيطرة البرجوازيات التابعة ، وتغييب الثورة الصناعية والديمقراطية المترافقتان مع بعضهما في العصر الحديث ؟

الأزمة في سوريا ليست لها وضع متفرد وإن كان لها صيرورة متميزة عن غيره من البلدان العربية ، ففيها كما في غيرها ذات المشكلات لأنها في صيرورتها ، نتاج ، التطور غير الطبيعي الذي هو أوضاع امبريالية في الأطراف ، وهذا يفترض المقارنة بين الاستبداد الخاص بالنظام السوري والموجود في النظام المغربي مثلاً لاختلاف التجربتين من حيث طبيعة الطبقة المسيطرة أو التوجه الاقتصادي ،أو طبيعة الثقافة التاريخية والدينية ، وإظهار التمايزات ، وهل هناك متشابهات أو مختلفات ، وذلك لمعرفة احتياجات مجتمعاتنا للعلمانية بما هي فصل الدين عن الدولة وبما هي نظام ديمقراطي تتمثل فيه جميع قطاعات المجتمع ، والمقصود بالأمر هنا، هو أن نظام الليبرالية التقليدية " المغرب " أو نظام البرجوازية المتوسطة " الاستبداد السوري " لم يتبنى الديمقراطية ذات التوجه العلماني أو الديمقراطية ذات التوجه العلماني ، فبقيّ تطورنا مشوهاً ، لافتقاده لصيرورة تطوره المستقلة ولغياب الثورة الصناعية رغم وجود تمايزات جزئية بين الدول لا تكاد ترى، وبالتالي لا ترتبط العلمانية أو الديمقراطية في مجتمعات التخليف ، مع حرية السوق أو مع الليبرالية ،أو مع نظم الاستبداد ، بقدر ما يكون وجودها منقوصاً ومشوهاً وقابلاً للتفجر باتجاه مشروع ذو طابع أهلي متمثل في الصراع الطائفي أوالديني أو املناطقي أو القومي الشوفيني 0

العلمانية المرادة والواقعية هي تكميل المشروع الذي انطلق مع عصر النهضة باتجاه فصل الدين عن الدولة والسياسة وإلحاقه بالمجتمع ، وبالتقاليد وبالثقافة الموروثة ، وجعله أمراً خاصاً بالأفراد ، بما يؤمن لهم توازنهم النفسي والمعنوي والعقلي والاجتماعي ، وعلاقة متميزة وخاصة مع معتقداتهم الدينية ، وبالتالي لا بد من تكملة تشكيل الدولة كإطار عام ، ينتمي إليه جميع الأفراد ، بشكل متساوٍ ، وبما يضمن لهم فعلياً حق المواطنة والمساواة أمام القانون والمساواة الفعلية في الاقتصاد والاجتماع وفي كل مناحي الحياة ، وهنا نؤكد أن مسألة حقوق الإنسان مسألة لا تكتمل العلمانية بدون التطرق إليها شريطة نزع حق الملكية - وليس إقرار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية - منها لأنها تحول حقوق الإنسان إلى دمية *** ، عديمة القيمة حيث يشرعن لأصحاب رؤوس الأموال وبشكل قانوني الحفاظ عليها - الملكية المهولة - بقوة الأمن والجيش وكل الأدوات السياسية للطبقة المسيطرة ، وبالتالي العلمانية المرادة هي جزء من مجموعة أهداف سياسية " الديمقراطية ، حقوق الإنسان ، حقوق المرأة، المساواة الفعلية"
وهي مطلب واقعي كي يكون ممكناً مواجهة ، ليس التفكير السياسي الديني فقط بل وتحديث الوعي التقليدي وانتصار مشروع الحداثة العربية، وبالتالي كي يكون ممكناً مواجهة النظام الامبريالي العولمي وأصوليته المعلنة أمريكياً وأصولية أطرافه التابعة 0
فالأزمة في سوريا أزمة مركبة ومتعددة المستويات، وحل أو طريق الحل يفترض برنامجاً ديمقراطياً علمانياً بالضرورة وقادراً فعلاً على مواجهة تلك الأزمات ؟

فلماذا يعارض العلمانيون تشكيل الحزب الديني السياسي ؟
إن معارضة تشكيل الحزب السياسي الديني ، لها أسباب عديدة ، أهمها : تفتيت المجتمع على أساس التمايزات الدينية ، مصادرة كل مفاهيم الحداثة ، ادعاء احتكار الطائفة ،وبالتالي يؤكد ذاته ، ورؤيته العامة ، ومشروعه السياسي ، وميثاق شرفه الخاص بما ينسجم مع الشريعة ،محتكراً إياها ، فهي بالنسبة إليه المصدر والمرجع والعقيدة التي منها ينطلق، ليقدم ذلك المشروع، وتلك الرؤية وبالتالي يدعى التمثيل للطائفة، والتكلم باسمها " حالة اجتماعية وليس حزب سياسي " رغم أنه حزب سياسي- أو كما يحلو للمتأسلمين القول أنهم جماعة سياسية - خاص بفئة من طائفة ، فالمشكلة أيضاَ هي في ادعائه التمثيل الديني أي الإلهي ، وهو ما يفتح الباب واسعاً للتمثيل الديني من كل الطوائف لان هذا التمثيل يستنفر كل التشكيلات ما قبل المدنية أي الأهلية ، لتعبر عن ذاتها ، "لاحظ مرةً أخرى العراق "؟
وهكذا نكون بالضبط أمام منطق الإستصال والقتل ، لأنه منطق الإلهيات والمطلقات والمقدسات 0

وباعتبار الشريعة الإسلامية ذات أصل إلهي كما يدعي المؤمنين بها ، فهي مختلفة عن الفكر البشري والفلسفات والإيديولوجيات الأرضية ، وبالتالي كل مخالفة للموحى به وفق تأويل أهل الحل والعقد ، هو خروج عن الموحى به ، وباعتبار الحزب الديني ، حزب خاص بفئة من طائفة ، ومؤمنة بفكرها ، يصير فكرها هو الموحى به ، وهذا يفترض التمسك بالديني المقدس في مقابل الأرضي الدنس ،فيصير للأول الحياة وللثاني الموت ، والموت في سبيل موت الثاني هي الحياة من جديد في أروقة الجنة الإلهية حيث تحصل على كل ما تشتهي ويطيب لك، وما كنت محروماً منه في الأرض الدنسة ، وباعتبار الأمر كذلك يصير المجتمع كله كافر ، طالما لايسيروفق الموحى لهم الأرضيين - لاحظ السوق الرائجة للتكفير في أرجاء الوطن العربي ، وقتل فرج فوده وتهجير بعد محاولة تفريق للمفكر نصر حامد أبو زيد ، ومئات القصص اليومية عن مسائل التكفير ورسائل التهديد وغيرها - وبالتالي يغيّب الحزب السياسي الديني أن مقولاته الدينية ، هي مقولات وجدت في فترة تاريخية محددة ، حيث للزعماء دوراً أساسياً ، وعلى الجميع الطاعة ، وهذا أمر طبيعي في تلك الفترات التاريخية ، وبالتالي هو دين يفتقد للاعتراف بالأخر ، أو المجتمع أو الشعب ، بل هو يقدم رسالته للآخر أو للمجتمع أو للشعب وعليه الأخذ بها ، وإن لم يأخذ بها ، ستتم عملية محاربته وكل هذا أمر طبيعي في زمنه ، وبالتالي قوة الدين الأرضية متعلقة بالذين ينطّقون الدين " فالقرآن حمال أوجه " ويمكن القول إن كل دين حمال أوجه ، وقوته تاريخياً أتت من الرسول ، الزعيم ، الخليفة، الجماعة الدينية ، والمشكلة أن المتأسلمين ، باستثناء بعضهم وهم قلة من المثقفين ، ينقطعون فعلاً عن الحداثة والواقع والمستجدات الداخلية والعالمية ، ويلتحقون عبر الذهن المفارق بالدين القديم ، فيصير كل شيء موظف لصالح القديم ، فالماضي الأصل ، والحاضر الفرع ، وعلى الحاضر اتباع نهج الماضي ، وبالتالي مشروعهم السياسي " الإسلام هو الحل " مرتبط بكون القرآن هو الدستور، فإن تمت مراعاة الشروط الجديدة والحاضر باعتباره يحظى على بعض الوجود ، فهي مراعاة نتيجة الضعف والتقية ، وإن تم فعلاً التجاوز لبعض الإشكاليات من قبل بعض المثقفين ، تبقى الرؤية والمشروع مرتبطان بالعقيدة بما هي مطلق ومقدس وواجب إتباعه وتنفيذ مشروعه ؟

وبالتالي لا يمكن - ولست من العالمين بالغيب - لذوي التفكير الديني السياسي الثقة بمنظومات التفكير الحديثة أو السياسية الحديثة ، بل هم يعتمدون في فهمها على عقيدتهم عبر تأويلها من قبلهم ، في عملية إخضاعها للمنظومة الفكرية الدينية الأصولية ، والتي لا تتعارض مع التفكير الديني والعادات والتقاليد ، بقدر ما يحاولون تأصيلها سياسياً ، وهو ما يشعرهم بالانتصار في اللحظة الراهنة ، وبالنظر للفراغ الذي أحدثه النظام في إطار العلمانية والديمقراطية ، وهو ما يجعلهم قادرين على تغيير وجهات نظرهم وتبني بعض الأفكار الديمقراطية العمومية وبما ينسجم مع الشريعة حيث أن هذه الأفكار تعتمد على فتوى شرعية ، تمكننا من القول إن ما يعطى بفتوى شرعية دينية قد يؤخذ بفتوى شرعية دينية مضادة ، والتغيير الشرعي - نسبة للفتوى الشرعية - هو ما دفع المعارضة الديمقراطية إلى اعتبار إحدى قضاياها الأساسية المساومة معهم ، لإحداث التغيير الديمقراطي وعقد مؤتمر وطني ، وإنشاء الجمعية الدستورية واعتبارهم شركاء كاملي الأهلية لبناء العقد الاجتماعي الجديد ؟
بالإضافة لعوامل أخرى تخص البنية المعرفية المشوهة للمعارضة الديمقراطية بما يخص العلمانية والديمقراطية ومشروع الحداثة ذاته ، ولن نناقش هنا ،ما هي الأفكار التي ستقدم بخصوص الدستور ودور الشريعة فيه ، ودور شرائع بقية الأقليات الدينية الإسلامية منها "علويين واسماعيليين ودروز وغيرهم والأقليات المسيحية " ومسألة الأحوال الشخصية والتعليم والاقتصاد وغيرها 0

الشعور بالانتصار المشار إليه ، وتقديم الذات "الإخوان المسلمين " للسورين على أنهم حالة اجتماعية وليسوا حزباً سياسياً هو ما يلغم ويصادر على الديمقراطية والعلمانية ، بان تصير ديمقراطية طائفية في أحسن الأحوال " العراق ، لبنان "إن لم نقل ديمقراطية أفراد ****،هذا إن لم تلغى لصالح فرض الشريعة ليس على التابعين لها فقط ، بل على كل البشر ذوي الطوائف الأخرى وعلى كل العلمانيين وغير المتدينين ، ويمكن التسأول هنا ما هو مصير الديمقراطية و العلمانية في ظل نظام لديه ميل لتطبيق الشريعة 0
هذا الشعور بالانتصار مرةً أخرى ، في اللحظة الراهنة هو شعور الهزيمة بالذات - نتاج هزيمة حزيران 1967 هزيل بالمقارنة معه - وهو ملازم للتأزم الشامل الذي أوصلتنا إليه الأنظمة العربية ، ولا يمكن وصف المجتمعات العربية الآن إلا بأنها في أضعف حالات تطورها حيث انعدام السياسية الحديثة ، والشعور بالهزيمة، وانعدام المواجهة العلمانية مع الاستعمار ، وباعتبار الوضع كذلك لا يمكن لذوي التفكير العلماني المساومة في مسألة العلمانية كضرورة واقعية والمتلازمة مع الديمقراطية وكذلك المساواة الفعلية ، لأن المساومة مع هذه الأوضاع هي تأبيد تأزمات الواقع ، وتجميده في تأزما ته وتغييب أي حل علماني ممكن 0
وهو ما يفترض بالعلمانيين الدفاع عن حاجات المجتمع في البحث عن حلول لأزماته المتعددة ، وتأصيل التفكير العلماني والعلمي ، وتحديث الوعي الاجتماعي والثقة بدور الإنسان والعقل والشعب في بناء كل مؤسسات الدولة بما فيها الدستور ، واشتراط تلازم الديمقراطية بالعلمانية ، وبالتالي لا يمكن للقوى السياسية الممثلة للمجتمع أن تكون قوى غير حداثية ، إن أرادت تطوير هذا المجتمع ، حيث أن الاعتراف بقوى الأمر الواقع هو اعتراف بحقها باحتكار التراث من جهة باعتبارها تمثله كما تعتقد، واحتكار الطائفة من جهة أخرى، ومصادرة على القوى العلمانية والديمقراطية ، اللذين لا يأخذون بما تأخذ به تلك القوى ، عندها في ظل التأزم الشامل سنكون أمام وضعية لا نحسد عليها ابدآ ، خاصةً وان بلادنا فيها طوائف دينية متعددة وهذا يعني أنها ستفرز ممثليها السياسيين حكماً وكنتيجة للتأزم السابق المشار إليه ، وعندها ستتحول قضية السياسية والدولة والمجتمع إلى قضية طوائف عليها التوافق ، وشرط التوافق ، ألا يتم تجاوز الطوائف أو فسيفسائية المجتمع السوري ، وبالتالي سيكون كل تجاوز- القوى العلمانية والديمقراطية والماركسية والقومية - لا يلغي التوافق الطائفي بالضرورة ، وإن وجد ، لا يعدو كونه ضمن المسموح به والمسيطر عليه ، أي هو في إطار الهامشية والتبعية وتزيين الديكور الديمقراطي 0

وبالنظر للإشكاليات المشار إليها في موضوعة إسلام السياسي ، نعود لمناقشة ضعف الحركة الديمقراطية وضرورة تجاوز هامشيتها ، نطرح هنا بعض الأسئلة عليها، هل ضعفها يقتضي توافقها على برنامج سياسي مشترك ، يلغي الاختلافات والصراعات والاشتراطات بخصوص المستقبل المنشود ، وهل يمكن عقد التوافقات مع قوى التـأزم ، والتي لا تختلف مع الواقع القائم إلا في مسألة الاستبداد الحالي ، وإذا كان الأمر كذلك ،فأي مشروع ستقدمه بخصوص تطوير المجتمع ، وإن لم يكن لديها هذا المشروع، فهل ستعمل لصالح النظام الديمقراطي العلماني ،و إن لم يكن علماني ، وكان ديمقراطي ، فأي ديمقراطي سيكون؟ ثم أن ما هو الحجم الفعلي لهذه المعارضة بين أفراد المجتمع ؟

ومن هنا لا يمكن تأسيس الديمقراطية بما طريقة لإدارة شؤون المجتمع وفق الصراع الاجتماعي والطبقي الذي يجري بين الطبقات الاجتماعية وعلى كل المستويات إلا بالترافق مع العلمانية التي تعني فصلاً للدين عن الدولة والسياسية ، وإلحاقه بالمجتمع ، وضمان حرية الأفراد بالأخذ به ، وتنزيهه عن مشكلات السياسة ، ففي الربط المشار إليه يصبح ممكناً تجاوز عقلية الزعيم وأهل الحل والعقد ، والصفوة المختارة ، والفرقة الناجية ، ومبدأ الشورى ، وكذلك العلمانية الناقصة ، واستعادة مشروع النهضة ، باتجاه اعتبار الشعب مصدر السلطات وفصلها عن بعضها ، واكتساب الأفراد صفة الموطنة وطرح المساواة الفعلية لا القانونية 0

وبالتالي التصارع أو الاختلاف الواقعي ممكن جداً وهو قائم فعلاً ، ولا تخوضه وتدعي إليه القوى الماركسية ، بل إن العلمانية كحالة موضوعية تفعل ذلك في الاقتصاد ، التعليم، الصناعة ، الطب ، وفي القوانين الوضعية الدائمة الجدة ، وهي هي طرائق لفصل الدين عن الدولة والسياسة والدستور والقوانين ، ولكنها تبق قابلةً للتراجع والنكوص ، وهو ما نلاحظه في موقف الأنظمة العربية من الفكر الأصولي والمسلكيات والأحزاب الأصولية وغيرها 0


تميز الماركسيين والعلمانيين هو في طرحهم مشروعاً متكاملاً ، يحقق الأساس المتين لاستمرار هذه العلمنة أو بالأصح لاستكمالها وتطويرها ، بما يؤدي إلى تطوير المجتمع بكليته كمجتمع ديمقراطي علماني ، تتحقق فيه المساواة الفعلية ، الحلم الذي طالما راود الإنسان منذ أن صار إنساناً ، وبقيّ غير ممكن التحقق عبر التاريخ ، وصار ممكناً في الزمن الجديد ، زمن تشكل الحداثة العلمانية بعد تخطي النظام الرأسمالي ؟

فهل نعي شروط الحداثة - الديمقراطية والعلمانية والمساواة الفعلية - ونتجاوز التأبد المزمن في إعادة التخلف ؟
هذا ما يجعل النقاش ضرورياً في مسائل الحداثة، وهذا ما يجعل هذه المواقع الإلكترونية ذات أهمية في إعادة استنهاض مشروع الحداثة وتحويله واقعاً تاريخياً 00

*موقع الحوار المتمدن ، موقع الرأي ، موقع المواطن ، موقع منتدى الأتاسي 0 **انظر مهدي عامل ، أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية،الفارابي،1987
*** انظر كتاب كارل ماركس المسألة اليهودية، الحوار المتمدن0
**** انظر مقالة كميل داغر ، لبنان :أزمة وطن وأزمة يسار ، الحوار المتمدن ، العدد 1285

الديموقراطية السورية تتدرج من الانتخابات المحلية

الديموقراطية السورية تتدرج من الانتخابات المحلية

لؤي حسين

السفير

قبيل موعد انعقاد المؤتمر القطري لحزب البعث الحاكم في سوريا، والذي لم يسفر عن أي إجراء سلطوي جدي لحد الآن باتجاه دفع البلاد باتجاه الحريات وسيادة القانون وتثبيت الحقوق الفردية، أعلنت السلطة أن انتخابات المجالس المحلية التي ستجري في العام 2007 ستكون حرة ومتاحة للجميع للمشاركة فيها.
ربما لا يكون هذا الإجراء مهماً، وقد تكون السلطة لا تنوي من فعل ذلك أكثر من إجراءات شكلية فارغة المضمون والدور كعادتها طوال العقود السابقة، برغم ما تقوم به من تنسيق مع الأمم المتحدة عبر الاتفاق مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة
UNDP وتخصيص 181 ألف دولار لمراجعة قانون الانتخابات.
وقد يكون الأمر أكثر جدية هذه المرة رغم قلة كلام السلطة عن هذا الأمر أو التباهي به، وقد يكون ذلك هو دليل جدية الموضوع، وأن السلطة، أو رموزها، تريد فعلاً جعل تلك الانتخابات حرة ونزيهة، من دون قوائم مسبقة تكون ناجحة سلفاً رغم أنف الناخبين، وفي الوقت ذاته تريد أن يفوز مرشحوها وحلفاؤها. وبذلك تكون قد جربت إمكانية فوزها بانتخابات ديموقراطية من دون لجوئها للوسائل الاستبدادية تمهيداً لانتخابات تشريعية على نفس المنوال.
لكن ليست السلطة هي الجهة الوحيدة التي لا تتحدث عن الموضوع أو توليه اهتماماً، بل كذلك كل الأطراف السياسية الأخرى، المعارضة منها والأقل اعتراضاً. وهذا الإهمال من أحزاب المعارضة ليس من قبيل عدم تسجيل ثناء على السلطة، وهي لا تستأهله حقاً، بل هو ترفّع عن مثل هذه النشاطات باعتبارها ليست نشاطات سياسية، حسب مقاييسها للعمل السياسي. وإن يأتي تعبيرها عن رفضها مثل هذا الاهتمام بأنها ترفض مشاركة السلطة، من حيث المبدأ، بمؤسساتها وأجهزتها.
مثير للاستغراب، من قبلي على الأقل، هذا الموقف المعارض. فصحيح تماماً أن مبدأ ما بالعمل السياسي المعارض في سوريا كان ينص على عدم مشاركة السلطة في أجهزة نظامها الاستبدادي، لكن المجالس المحلية ليست أجهزة تسلطية بل مؤسسات دولة، مع معرفتنا وإقرارنا بأن كل مؤسسات الدولة تجيّرها السلطة لخدمة تسلطها. كما أن هذا المبدأ السياسي الاعتراضي هو مبدأ قديم كان من بديهيات الزمن الانقلابي والثوري، ومن المفترض أنه ولّى مع ذاك الزمن وفكره وممارساته. خاصة في هذا الزمن الذي يتسابق فيه الجميع لادعاء ديموقراطيته وسلميته. والأهم من كل هذا هو إقرار الجميع، المعارضة والسلطة، بأن الديموقراطية، بالعموم، طريقها تدريجي، وأنها في سوريا الراهنة لا يمكن بناؤها إلا بشكل تدريجي تقوم به السلطة أو تشارك به على أقل تقدير. وهذا باعتبار أن الوضع السوري، من بين أوضاع مشابهة له في المنطقة، محكوم بثنائية اختيار الطريق الديموقراطي بين الداخل، الذي هو السلطة حصراً، والخارج، الذي هو أميركا حصراً.
فإن لم يكن التدريج في بناء النظام الديموقراطي (إمكانية تمثيل غالبية الفئات الاجتماعية في كل مؤسسات الدولة) يبدأ من الانتخابات المحلية، فلا أظن أن البداية الموفقة تكون في انتخابات رئاسة الجمهورية أو المجلس النيابي. خاصة في الوضع السوري ذي الاستبداد المعمم والذي يفتقد لأبسط الأسس الديموقراطية. فإقرار الحقوق الفردية ما زال معدوماً في مجمل ثقافتنا السياسية، بل إن عمومنا ما زال يفتقر لمعرفتها ولمعرفة الثقافة الديموقراطية، التي تحتاج بدورها، من بين حاجاتها الكثيرة، لتوفر الحريات الفردية.
إن الإحجام عن الاهتمام بالانتخابات المحلية (رغم دلالاته السلبية المخيّبة) هو غير مقاطعتها. فمقاطعة الانتخابات يأتي في حينها كموقف من الإخلال في نزاهتها أو إجراءاتها، ويأتي بعد أن تكون الجهة المقاطِعة قد فعلت الكثير من أجل هذه الانتخابات، كالعمل على المشاركة بصياغة قانون الانتخابات وعدم السماح للسلطة، وكذلك للأمم المتحدة، الانفراد بذلك، وأن تكون قد حاولت بكل الإمكانيات والطرق الدفاع عن حقها الشرعي في المشاركة الشرعية بالانتخابات. وبذلك تكون المقاطعة بمثابة ضغط على السلطة (أي سلطة) لتصحيح العملية الانتخابية وليس حرداً سياسياً. إلا أن مثل هذا الضغط يحتاج من صاحبه أن يكون ذا ثقل شعبي يمكّنه التأثير في نسبة عدد الناخبين وإقبالهم على التصويت.
ومع ذلك فإن أي انتخابات تتوافر لها حدود مقبولة من النزاهة الديموقراطية يمكنها أن تحقق للجهة السياسية، إضافة لتمكنها من المشاركة في المجالس، حملة دعائية ليتعرف الناس بها، خاصة الناس (في الحالة السورية) الذين لا يتعاملون مع الإنترنت حيث يقتصر وجود أحزاب المعارضة ونشاطاتها. إضافة لكون الفترة الانتخابية تشكل فرصة طيبة لأحزاب النخبة (وهي صفة عامة لأحزاب المعارضة السورية) بأن تقوم بدورها التنويري الذي تدّعيه، من خلال اتصالها المباشر مع الناخبين وتبيان الشروط الديموقراطية، أو الشرعية، للانتخابات، وإيضاح حجتها لمقاطعتها.
أما أن يكون الأمر ترفعاً وتعالياً فهذا دليل عجز عن الممارسة السياسية، أو فقر بمعرفة سبل العمل السياسي وغاياته. أو أنه مسعى لحل توافقي تسووي مع السلطة لمشاركتها من خارج الأطر الشعبية (الديموقراطية) عبر مؤتمر <<وطني>> لم تحقق بعد أطرافه، بما فيها السلطة، شرعيتها الشعبية أو التمثيلية، أو <<لم>>. أو أن الفهم السياسي ما زال حبيس الفكر الانقلابي البائد وربما الماثل الذي يقصر خيار الديموقراطية من <<الداخل>> على انقلاب <<ديموقراطي>> تقوم به فئة أو جماعة أو أفراد في السلطة تبيح من خلاله الحريات وتتيح الديموقراطية. وان الديموقراطية من <<الخارج>> يحملها جاهزة مخلص غربي عبر الغزو العسكري.
الإصلاح من الداخل لا يجوز أن يكون سلطوياً، وإن كان بمبادرات من السلطة وتحت رعايتها واستثماراتها. والإصلاح في سوريا (وقد يكون في مثيلاتها) هو تحديداً تنازل السلطة عن سيطرتها على مؤسسات الدولة وهيئاتها وهيئات المجتمع المدني للمجتمع أو للشعب. إذ ان قوام الاستبداد في سوريا هو هذه السيطرة للسلطة السياسية (تاريخياً) على مؤسسات الدولة. وتفكيك هذا الاستبداد هو تحديداً تمكين (وليس استعادة) المجتمع، بفعالياته وممثليه وقواه، من السيطرة على هذه المؤسسات بشكل حر. إذاً فالفعل له فاعلان: السلطة التي تتنازل، والمجتمع الذي يتمكن.
وهنا تعترضنا مسألة خلافية ذات أهمية عالية. إذ يعتبر البعض أن تنازل السلطة هذا هو إعادة تلك السيطرة للمجتمع، حيث ان الدولة كانت بألف خير قبل أن تنقض عليها هذه السلطة تحديداً، وفي أقل تقدير، قبل بدء مسلسل الانقلابات العسكرية في سوريا. لكن، ورغم اختلافنا مع هذه الرؤية وقبولنا بنفس الوقت التوافق معها، فإننا نرى أن صورة الدولة المدنية (الحد الأدنى من مواصفات الدولة) لم تعد حاضرة في ذاكرة الشعب السوري. بل وتفتقر الذاكرة العامة لمعنى الدولة ولحقوق الأفراد ولحقوق المواطنة. وتخلو هذه الذاكرة، بل والثقافة السياسية عموماً، من كيفية إدارة الشؤون العامة بدون دكتاتور أو مخلّص أو إمام. من هنا تأتي ضرورة التدريج والتدرج في الإجراءات، وهذا ليس لمهادنة السلطة أو الالتفاف عليها. كما ليس لعدم توافر قوى سياسية من خارج السلطة ذات كم عددي كبير يمكّنها من الفوز بالانتخابات التشريعية (إن أتيحت!)، كالحال الافتراضي للإخوان المسلمين كما يروّج له بعض المعارضين وبعض السلطويين أيضا. فهذا السبيل لا يكفيه فوز جهة ما بالانتخابات بل يشترط أن تكون تلك الجهة قوة ديمقراطية حقاً، وهذا الشرط لا يتوفر عند من يقبل بصناديق الاقتراع حَكَما فيصلا بين القوى السياسية، وإلا ستكون جهات السلطة (حزبها وجماعاتها) هي الأكثر ديموقراطية إن ارتضت بانتخابات حرة، ولو جاءت مبكرة جداً بحيث تضمن الفوز فيها.
لهذا فإن الانتخابات المحلية فرصة جد مؤاتية للتدرب على فنون الديموقراطية وسحرها وألاعيبها، وبنفس الوقت لارتكاب الأخطاء المشروعة. وربما تكون فرصة طيبة تستدعي قيام كتل وأحزاب سياسية جديدة. كما هي فرصة لتجربة لقبول الأقلية بأقليتها، ولإقرار الأكثرية بكامل الحقوق للأقلية. فكما ان لا ديموقراطية من دون أكثرية شرعية تفوز بالسلطة، كذلك لا ديموقراطية من دون أقلية تقبل المشاركة في الانتخابات ولو لن تفوز بها. وهي فرصة أيضا للأحزاب لتثبت لنا ولنفسها مدى جماهيريتها. أو لتختبر ذلك، وتتعرف مدى حجم تأثيرها وتقبل بحدود مقدراتها. أو لتمارس صراعاً تكون الانتخابات المحلية ميدانه. فكل صراع سياسي يحتاج لميدان محدد غير الميدان الأمني ليقوم عليه.
(
) كاتب وناشر سوري

افلام المسؤولين السوريين!

افلام المسؤولين السوريين!

مروان علي

القدس العربي


(1)

السفير السوري في واشنطن عماد مصطفي صرح لوسائل الاعلام الامريكية في واشنطن ما مفاده بحلول حزيران 2005 لن يكون هناك أي معتقل سياسي في السجون السورية وما اكثرها وبعد مرور حزيران وتموز وآب شنت اجهزة الامن حملة اعتقالات من القامشلي حتي الشام ضد الناشطين في مجال حقوق الانسان والسياسيين والمثقفين الذي يرفضون ان يكونوا ارقاما في حسابات النظام السوري المهتريء وينحازون لشعبهم ووطنهم.
في قراءة اخري لتصريح السيد السفير يبدو انه كان يقصد لن يكون هناك معتقل سياسي واحد لانه سيكون هناك الالاف منهم بحيث يضطر النظام الي بناء المزيد من المعتقلات السرية والعلنية لتلبية حاجة الشرفاء في الوطن.

(2)

وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية ديالا الحاج عارف وحسب تعبير الصديق الدكتور عمار القربي الناطق باسم المنظمة العربية لحقوق الانسان في سورية التي لاتعرف شيئا، يبدو انها تسير وبخطي واثقة علي درب السيدة بثينة شعبان (وزيرة المنفيين والهاربين من بطش اجهزة الامن السورية والمخابرات الوطنية البطلة) التي تحول الاسود الي ابيض وتضحك علي عقول القراء من خلال تصريحاتها الصحفية ومقالاتها فتؤكد مثلا ان سورية اكثر ديمقراطية من امريكا لانه هناك جبهة حاكمة في سورية تضم عددا من الاحزاب ـ شوفوا الاكشن ـ في حين تحكم امريكا من قبل حزبين فقط كما ان الحديث عن الجمهوريات الوراثية يجب ان يوجه الي جورج دبليو بوش وليس الي النظام السوري.
الوزيرة التي لاتعرف شيئا تقول ان وزارتها مستعدة للترخيص لكل جمعيات حقوق الانسان ولكن تلك المنظمات لم تتقدم بطلباتها.

(3)

اما السيد عبد الله الدردري نائب رئيس الوزراء ففيلمه لايستحق الاوسكار او جوائزمهرجان كان فقط.
بل يستأهل ان يظل في المسابقة الرسمية لكل المهرجانات السينمائية باستثناء مهرجان دمشق.
الرجل قال بالحرف الواحد ان حقوق الانسان تعني حق التعليم وحق العمل وحق السكن وما شابه ذلك في ضربة تلميذ فاشل للالتفاف علي حقوق الانسان والمنصوص عليها في الاعلان العالمي لحقوق الانسان او علي الاقل في الميثاق العربي لحقوق الانسان.
يقال ان السيد عبد الله الدردري درس في بريطانيا ولكنه ومن تصريحاته يبدو انه تخرج من مدرسة البعث ويسير بخطوات واثقة علي خطي السيدين المحلل الاستراتيجي العبقري عماد فوزي الشعيبي ووزير الخارجية فاروق الشرع الذي قاد دبلوماسيتنا الي الهلاك واصبحنا علكة في تم اليسوي والما يسوي .
كان الله في عون السوري المعتر الذي كان قد اصبح فرجة بفضل انجازات البعث واصبح الان يتفرج علي مسؤوليه وعلي افلامهم التي تضحك وتبكي وتثير الشفقة والقرف.
ملاحظة: اما فيلم الاصلاح فقد تم تحويله الي مسلسل ويتم الاستعانة بطاقم مكسيكي بعد ان فشل الطاقم المحلي رغم وجود مخرج مساعد من الصين ويتوقع ان يتم عرض المسلسل خلال القرن القادم اذا تم الانتهاء منه.

الديمقراطية بين عسف النظام وعبث المعارضة

الديمقراطية بين عسف النظام وعبث المعارضة

مناع النبواني

لن أضيف جديدا عندما أكتب عن الديموقراطية , ولكن الجديد هو: السؤال التالي : هل نحن نعرف الديمقراطية أولا ؟! وإذا كان الجواب : نعم – فلدي سؤال أهم : هل نحن نحترم الديمقراطية ونمارسها في قولنا وعملنا , سواء في البيت أوفي مكان العمل أو في ما نقوم به من نشاط سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو حتى ثقافي , أو حتى في حياتنا اليومية والعادية ؟! لا أظن ,بل وأجزم : لا-لا-لا .
الديمقراطية- ليست نبتة غريبة عن تربتنا – هكذا قال وائل السواح . ولكن نحن هجرناها فهجرتنا , وعاديناها فتوارت عنا , وحاربناها فعاقبتنا .
نحن من صنع بكلتا يديه هذا الوضع الراهن الذي نعيش . ما وصلنا إليه من إحباطات وهزائم متتالية , جاء نتيجة مواقفنا العاطفية والانفعالية والانتقامية , ترجمناها ضمن ايديولوجيات شمولية موتورة , حبسنا أنفسنا وحبسنا الوطن والمواطنين ضمن أسوارها – شرنقتها – تماما كما تفعل دودة الحرير , غلفناها بغلاف المقدس وبقينا نطوف حولها دون أن نلمسها أو نلامسها , مثل بغال تدور حول حجر الرحى تطحن الحبوب أو ترفع الماء دون أن تذوق طحنا أو تشرب ماء .
الأنظمة العربية – السلطة – تتغنى بالديمقراطية , تطرحها شعارا و لا تتخذها برنامجا ,تضعها في دساتيرها وتلغيها في قوانينها , تمارس العسف والشمولية وإلغاء الآخر إلى حد القضاء عليه . تفرض هيمنتها على الأجيال تحت اسم الديمقراطية الشعبية ,وعلى مؤسسات المجتمع المدني – نقابات –جمعيات –اتحادات 0000الخ , فتفسد الجميع , وتنصب من نفسها وصيا على المواطنين (( الشعب القاصر )) , فهي القائد للدولة والمجتمع . تنهب خيرات الوطن باسم الوطنية والخطر القومي الكبير . تفرض قوانين الطوارئ والأحكام العرفية باسم حماية المكتسبات والديمقراطية والاستقرار . تركز على نظرية المؤامرة الكبرى على العرب والعروبة . تفلسف الديمقراطية فتقسمها إلى : عربية – أوروبية – أميركية – صينية 0000الخ ,وتجعل منها متاهات و مصادر خطر أعظم .
هذا ما نراه من عسف الأنظمة العربية في ممارسة الديمقراطية . وما خفي أعظم . وحتى لا نصاب ب (( صدمة الديمقراطية )) كتاب صلاح الدين حافظ . وفي مطلق الأحوال : (( وإذا جاز لنا أن نختار بين صدمة وصدمة , فإنا بالطبع نفضل صدمة الديمقراطية على صدمة الفساد والإفساد )) .ص234.
كما أن الثقافة لا يمكن أن تبدع أو حتى تنمو في ظل فكر أو نظام شمولي أو استبدادي , كذلك الديمقراطية . فالنظم الديكتاتورية والشمولية لا تصنع ديمقراطية , ولكنها تصنع فسادا وتحميه أيضا . وقد يؤدي الفساد عندما يستشري إلى فساد-- القمم – حسب تعبير صلاح الدين حافظ حيث قال : (( حين يصل الفساد إلى هذا المدى , فإنه أولا- يصبح فسادا منظما تحميه قوانين وسلطات وقوى فاعلة , وشلل مستفيدة ,وثانيا – يستشري من أعلى إلى أسفل , حيث نموذج القدوة الفاسدة أشدّ إغراء , وحيث الفساد يحمي بعضه بعضا , وحيث القائد الفاسد يغض الطرف عن مرؤوسه الفاسد .
أما عن عبث المعارضة : كل هذه الممارسات النظرية والعملية , أدت إلى انقسام كبير بين الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية المكونة لهذه الأنظمة الشمولية وكذلك التي تدور في فلكها . فأقامت بينها الحدود , ووقف كل فريق على الضفة المقابلة, والجهة المضادة والمعادية للفريق الآخر . هذا ضمن الحزب الواحد ,فما بالك بين الأحزاب الأخرى المختلفة والمتناحرة أصلا- سابقا- ؟؟!!.
حاولت الأحزاب والقوى الجديدة // المنشقة // تلمس الطريق بعد أن فاقت من سباتها الطويل والعميق ,على صدمة الواقع , لكنها أفاقت مذعورة, منفعلة وليست فاعلة , لم تستطع تجاوز الماضي رغم انفعالها بالحاضر وليس تفاعلها معه . لذلك بقيت رؤيتها مشوشة , وخيوطها متجاذبة ومشدودة بين الجذر والفرع . طرحت شعارات – مجرد شعارات – دون أن تكون مستعدة نفسيا وفكريا لتمثلها وترجمتها سلوكا ونهجا , صرخت – مجرد صراخ – بالديمقراطية – التعاون – التعددية – الاعتراف بالآخر – في حين بقي الوطن والمواطن غائبين عن ساحة نشاطها واهتمامها . بقي كل حزب محافظا بل ومتمسكا جدا بفردانيته , ولم يتخلص من الأنا و الصنمية والادعاء بامتلاك الحقيقة منفردا , وبأنه هو المرجع . فالتعاون عندهم يعني أن تتعاون أنت معي فقط . والتعددية على أساس التفرد لا على أساس الوطن . لذلك عادت جميع هذه الأحزاب والقوى الجديدة // المنشقة // إلى جذورها الشمولية والتفرد وعدم الثقة بالآخر . مما أدى بالتالي إلى عدم وضع برنامج عمل وطني , أو مشروع نهضوي يرسم مستقبل الوطن , يلتقي عنده الجميع ويعملون من أجل تحقيقه . وهذا يؤكد عدم وضوح الرؤية والنهج أو الفكر الديمقراطي عند كل منهم . الديمقراطية ليست التعددية فقط ,وليست الاعتراف بالآخر مجرد اعتراف . الديمقراطية ليست هدفا ينتهي عند تحقيقه ,ولاهي وسيلة للوصول إلى هدف . الديمقراطية (((حياة ))) دائمة مستمرة متجددة ومتطورة ناهضة تسير مع الزمن والعلم والمعرفة , مع الرقي السياسي والاقتصادي والاجتماعي . الديمقراطية لا تعيش في وسط غير واع بل وغير مثقف أيضا . هي فكر وممارسة , وثقافة وسلوك ,هي حركة ونشاط , يحييها العقل والتجديد , ويقتلها الجهل والجمود . الديموقراطية تحتاج إلى حامل اجتماعي مجتمعي تستند إليه , يكون أمينا على مساندتها وتطبيقها . الديمقراطية ليست أغنية للطرب , ولا دمية للتسلية , كما أنها ليست قميص – عثمان – نلوح به للانفعال والاستثارة فقط , أو لنحدث موجة من الزبد ما إن ترتطم بصخور الشاطئ حتى تتبدد فقاعات صغيرة متناثرة هنا وهناك , ما إن تكاد تجتمع حتى تتفرق ثانية وتتلاشى .
إن جميع هذه الأحزاب والقوى- مع كل احترامي لها – ولدت من رحم فكر شمولي ومشروع شمولي أقصى وما زال يقصي الآخر والوطن أيضا . جميع هذه الأحزاب والقوى لم تتخلّ –حتى هذه اللحظة – عن الجذر الفكري للحزب الذي انشقت عنه .
أكرر مع كل احترامي لكافة هذه الأحزاب و تقديري لعملها -القديمة أو الجديدة ـ المنشقة- أتساءل : هل الماركسية اللينينية التي يؤمن بها شيوعيو الجبهة-في القطر السوري - مثلاً- غير الماركسية اللينينية التي يؤمن بها شيوعيو المعارضة وهل شعار - المنجل والمطرقة- الذي يتصدر جميع مطبوعات شيوعيي الجبهة هو غير شعار المنجل و المطرقة الذي يتصدر جميع مطبوعات شيوعيي المعارضة ؟!
هل عبد الناصر الذي ينتسب إليه ويتمحور حوله ناصريو الجبهة غير عبد الناصر الذي ينتسب إليه ويتمحور حوله ناصريو المعارضة ؟ّ!.
هل الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة التي هي شعار بعثيي الحكم والجبهة غيرها عند بعثيي المعارضة ؟!
لا أظن . بل أقسم بأن الجذر واحد وأن الجميع شموليون يكرهون النديّة بل و يعادونها أيضاً .
إذن علام يختلفون ؟! لن أكون مخطئاً إذا قلت : إنهم يختلفون من أجل السلطة وليس من أجل الوطن و المواطن .
حتى نكون وطنيين حقاً, و حتى نكون و نكوّن أحزاباً وطنية حقيقية , يجب أن نقطع نهائياً مع الجذور الحزبية , أن نقطع نهائياً –قولاً و عملاً- مع الشمولية , أن نقطع نهائياً –قولاً و عملاً- مع العقل الوصائي و صنمية القائد ,أبدية الفكر أو الأيديولوجيا .
أن نؤمن – قولاً وعملاً- بأن المواطن ليس قاصراً يحتاج لمن يرعى شؤونه السياسية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية , إن المواطن ليس مغفّلاً يحتاج لمن يفكر عنه و ليس له -أياً كان ومهما كان -
أن نؤمن – قولاً و عملاً – بحق الآخر – جميع حقوق الآخرين – كما نؤمن بجميع حقوقنا – اقتداء بقول – الرسول الكريم – (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) .
و الأخوة في هذا السياق هي أخوة الوطن و أخوة الإنسانية . لا أخوة السياسة والحزب أو الدين أو الفئة .
لست متجنّيا على أحد , ولست حاقداً على أحد أيضاً , و لكني من قبيل الحرص على الجميع , أكتب ما أكتب و أعتذر عن التسمية فليس القصد من تمت تسميتهم فقط , و إنما الجميع ممن لهم جذور إيديولوجية سابقة –من ذكر اسمه أم لم يذكر – ولقد قلت ما قلت وكتبت ما كتبت نتيجة تجربة شخصية مع الجميع وفي عدة مواقف َدَعَونا فيها للوطن وللوطن فقط ولكنهم أبوا إلا أن يكون للحزب و لشخص القائد و رموا الوطن وراء ظهورهم وكذلك المواطن .
الوطن لجميع أبنائه , و ليس لفرد معين أو حزب أو فكر أو فئة بعينها .
لذلك تراني أهيب بالجميع أن نضع الوطن نصب أعيننا و فكرنا , ونتخلى عن شهوة السلطة , النرجسية في عبادة الفرد و الذات , وعن التحزب و التقوقع والجمود .
أكررها للمرة الخامسة والسادسة وحتى المئة : لنصهر انتماءاتنا الصغرى في بوتقة الانتماء الأكبر الذي هو- الوطن-
وبغير ذلك . فليس الاستعمار والصهيونية من يعيق وحدتنا وحريتنا و تقدمنا ,إنما نحن ,نعم : نحن من يهدم الوطن ونقتل الحرية. فأي وطن هذا الذي يتسابق أفراده وأحزابه ومذاهبه ودياناته- وليس أبناؤه – أقول : يتسابقون لتولّي زمام السلطة للقضاء على الآخر وإذلاله . وبذلك لا يستحقون شرف المواطنة ,لأن المواطنة ولأن المواطن هو الذي يسابق المواطن الآخر , والحزب الوطني هو الذي يسابق الحزب الوطني الآخر لبناء الوطن والحفاظ على حريته وقوته واحترامه بالديمقراطية والعلم . حيث أنه بالديمقراطية تبنى الأوطان وتحترم , و بالعلم تسوّر وتحصّن , و بغيرهما تنهدم وتذلّ :

فالديمقراطية هي البنت البارّة لليبرالية الوطنية , والليبرالية هي الأم الحنون للديمقراطية فلا وطن بدون ديمقراطية .
أكرر: لا وطن بدون الديمقراطية .
(( إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )) . الآية – 11 –سورة الرعد .


المحامي مناع النبواني

خاص – صفحات سورية -

المعارضة والنظام يخشون بدائل التغيير في سورية

المعارضة والنظام يخشون بدائل التغيير في سورية

مراقبو مؤتمر باريس ينفون علاقته برفعت الاسد

بهية مارديني

ايلاف

شنت مصادر سورية هجوما على المعارضة لعدم تلبيتها الدعوة الى المؤتمر الوطني السوري المزمع عقده في باريس الشهر القادم ، وعدم تبنيها دعوة مماثلة او تقديمها بدائل للتغيير الديمقراطي في سورية ، واكدت على الا علاقة لرفعت الاسد عم الرئيس السوري بالمؤتمر.
وفي تصريح لـ"ايلاف" قال المحامي انور البني رئيس المركز السوري للابحاث والدراسات القانونية ، وهو الجهة المراقبة لمؤتمر باريس ، ان من حق كل تجمع او فرد ان يعتذر لكن اعتذاره لايعني ان يتوقف الاخرين عن العمل ، معتبرا في الوقت نفسه انه لايجد اي مبرر للاعتذار. وكانت جماعة الاخوان المسلمين في سورية والتجمع الوطني الديمقراطي المؤلف من خمسة احزاب معارضة محظورة والمنظمة العربية لحقوق الانسان في سورية قد اعلنت اعتذارها عن المشاركة في مؤتمر باريس. واشار البني الى ان اطياف المعارضة لم تطرح بديلا عن اعتذارها خصوصا ان الجميع يدعون لمؤتمر وطني ، متسائلا كيف يعتذرون ولايقدمون البديل ؟.

وحول معارضة الداخل راى البني انهم يدعون الى مؤتمر ويخشون في ذات الوقت مجابهة السلطة ، مضيفا هل ياملون ان تقيم الدولة لهم مؤتمرا ثم تدعوهم ام ينتظرون حتى تتغير الظروف داخليا وانذاك لن يكون لمؤتمرهم جدوى ولن يكون هناك مبرر لعقد المؤتمر .
وقّسم البني المعارضة في سورية الى اقسام فمنها من يرفض التعامل مع المعارضة خارج البلاد وجزء منها استرخى للحالة الموجودة متمتعا بامتيازات المعارضة وجزء يبدو انه غير جدي للدعوة لمؤتمر انما يستعملها كورقة للضغط على النظام من اجل مزيد من الدور والمكاسب وجزء قد يكون خائفا من ردود فعل النظام وجزء ينظر بعين الحساسيات الشخصية والزعامات وتضيق هذه النظرة حتى التفكير بمن دعا للمؤتمر ومن الذي تصدى للعمل به.
وردا على سؤال حول هل هناك موقف مسبق من مؤتمر باريس او هناك شكل من اشكال الاجماع ضده بسبب الداعين له او لما تردد عن تمويله من جهات خارجية مخابراتية او علاقته برفعت الاسد عم الرئيس السوري بشار الاسد اجاب البني لو كان هناك توليفة ضد المؤتمر لتم الاتفاق على مؤتمر اخر لكن لكل تيار اسباب رفضه اما حول اسباب تتعلق بالاشخاص الذين دعوا للمؤتمر فدائما هناك ماخذ على اية جهة فان دعت الاحزاب الكردية سيقال الاكراد دعوا وان دعت جماعة الاخوان المسلمين سيكون ايضا هناك اعتراضات ومن يريد البحث عن سبب سيجده ليضخمه ومن يريد ان يعمل فسيجد سبلا للعمل ضمن وجهة النظر التي يتبناها ، ونوه البني الى ان بيان مؤتمر باريس اوضح منذ البداية ان رفعت الاسد مستبعد من الدعوة ورغم ذلك تجد اطياف المعارضة مبررا لالقاء ظلال الشك على المؤتمر ، معبّرا عن اعتقاده بانها مجرد اعذار اذ ان المعتذرين لم يصرحوا بهذا السبب ولم يقل احدهم ان الاعتذار بسبب رفعت او اشتراكه او كونه او جهات خارجية وراء المؤتمر وكلهم ذكروا اسباب واعذار مختلفة .

وتساءل البني كيف تتسابق المعارضة للحوار ان دعت اليه السلطة المعروفة بتاريخها القمعي وتحجم عن الدعوة لشخص غير معروف يدعو الى الحوار للوصول الى برنامج لطرح بديل عن النظام. وراى البني انه لخمس سنوات خلت كان الجميع يطرح مشاركة النظام او ترك مساحة للناس للتفاعل مع النظام ، بينماالنظام"اذن من طين واذن من عجين"، وقمع مساحة الحرية الموجودة وليس هناك من جدوى لمخاطبته ، معتبرا ان الافضل هو طرح بديل وهذه هي النقطة التي يخشاها النظام والمعارضة على حد سواء . وحول اسباب خوف المعارضة من هذه النقطة قال البني لان المعارضة تعرف انها ليست في مستوى ان تكون بديلة لا ببرامجها او بقواها واذا طورت برامجها تخاف من البطش لان هذا يعني مواجهة مع السلطة . ولدى سؤاله عن الحل قال يمكنك توجيه السؤال لهم جميعا ، مشددا ان وجود الاحزاب وبرامجها السياسية ليس لتكون جمعيات خيرية بل لتكون بدلاء عن بعضها في السلطة والمعارضة.

محافظ ومتحرر, وفي آن واحد معا ؟

محافظ ومتحرر, وفي آن واحد معا ؟

احمد مصارع

وما لغرابة في ذلك , ومن يقبل بمفهوم تعايش الأضداد , فلن يجد في الأمر أي غرابة , والغرابة موقف نفساني أو شبه عقلي , ولكن الحياة ستظل على الدوام هي المقرر الأول للحقائق النسبية , ولها ينحني طلبة العلم , متألمين من لي أذرعهم , ولكن بأمل أن تلمس أياديهم , أهاب الحقيقة المستترة .

لابأس أن نتذكر تعاقب الليل والنهار , والضياء والظلام , والحر والبرد , و....., وحتى الموت والحياة , فالتضاد ليس مانعا حقيقيا لل(تآلفية ) , من الاشتراطات البيئية التحفيزية وجود الأضداد , وليس المقصود هنا في تغليب القدري على الارادوي , فالماضي لا يدرك حتى النهاية , والمستقبل لا يدرك بنفس الطريقة , بينما الحاضر يعاني من أوسطيته الساحقة له , وعبر عنفوان الدماء الهادرة , والجارية في عروق مستنفرة .

لا أود تقرير حقيقة ما , بشكل متزمت , كما يفعل الكثير , وبالتهرب من أداء واجب الانحناء , أمام تقوس المكان , وبعدم الاعتراف بكون الحقيقة ( لائذة ) أو منعزلة , أو متسامية , ومن أين يأتي السمو لمتهالك بليد على عادية الحياة , ونمطيتها الخادعة , بينما يظهر مسار الحياة , ملتويا وحلزونيا بل افعواني الحراك , وحتى لحظة المقتل المريعة .

لفهم ماهو متسام , فالمطلوب عدم التناقض و بل والخوف و من تساير عدة أديان , بل وعمل بإخلاص , في سبيل الحقيقة , ولاشيء أكثر إغراء من الحقيقة .

الله واحد , ولكن أصنام الحقيقة متعددة للغاية , وحين تجتمع في آن واحد معا , فإنها تتخايل أمام الناظر الحائر , ومن خلال عدة التمويه , كما لوكانت متاهات , ومتاهات وحتى آخر الحياة .

المجتمع الإسلامي أو العربي , لم يزل بعد يحتفظ با ( المانيكان ) الأول , انيا وساذجا , جميلا ومن غير روح , فقد كنا جميعا في حلمه الجميل أبناء بررة , ولقد كان يتمنى لنا بصدق لا رومانسية فيه , وبحيث نكون فيه , أمناء , ومسئولون , وهي مسؤولية كونية وبامتياز , حتى وقعت الخيانة ؟

فماهي الخيانة ؟ إنها ضرب من ضروب المجون والتعسف , وتسرع البعض في اعتبار , أن لافرق بين الحديقة , وربما الجنة الموعودة , بل وحياة الغابة , ومعظم جرائم الشرف ,التي تصم الشرق بالعار الإنساني , وتتجاهل التحديات المحلية , وهي من نوع : لك حق الظهور كطائر , ولكن عبر مجموعة من بنادق الصيد المشرعة , بل ورائحة البارود تزكم الأنوف , ويقولون بكل بلاهة : الحق عليكم .

لاشيء يقتل الحرية , قدر القول , بأن شر القول ما يضاد بعضه بعضا , ولكن كيف يحدث ذلك ؟

يمن القول , ومن غير نيابة , بان معظم العالم الإسلامي أو العربي , بل الشرق الأوسط الكبير هو من حيث الجوهر متحرر , وبدون ضمانات فعلية , هو محافظ بالجوهر أيضا , وفيصل العدل الفارق ما بين الضلالة والهدى , هو في توفير الضمانات لعبور آمن نحو طريق السلامة , وهو طريق التحرر المزعوم , وما الضمانات المرجوة سوى عمل صادق , ومنسجم مع الذات ويتمثل بقيام السلطات المخلدة, من العصر القديم , عصر ما قبل الانتداب والوصاية , وشبه التحرير , والميوعة الوطنية , بل وسيادة نمط غريب من الدولة من أجل التسلط , وتهربها الشنيع من القيام بواجباتها المتعارف عليها , على الأقل بمقياس العصر الحديث .

السلطة ( الدينية ) وهي ليست كذلك وبخاصة حين تما هت , كالذئب الأهلي , مع الدولة من أجل التسلط , وخرافة الدعاء للسلطان , وكيفما كان , لم تقم بأدنى الواجبات الأخلاقية , لتحمل مسؤولية العبور والتقدم , والأخذ بمستلزمات العلم , فالعلم فرض عين وليس فرض كفاية , ومن هنا تبدأ المشكلة والتناقض غير العلومي و غير ألضدي , ومعاداة الواقع , والسير بما يخالف سنن الحياة , وهو المفهوم الذي يتفق عليه الجميع , بأنه هو القدر , ولكن المتحرر وهو مستجد وغر , ولذلك فهو متشنج , ويتوخى الحذر , فلذلك , صار قدره أن يكون محافظا ومتحررا في آن معا , فما هو المطلوب ؟

مبدأ التراضي , لم يتم نشره وتعميمه بصفة ايجابية وصحيحة , بل لقد تم تجاهله , وبالتعاون مع دول التسلط , ومن أجل خلود التسلط , ولذلك ضاعت كل الضمانات الشرعية , للخروج الصحيح نحو حياة أفضل و تم استبدال ذلك , بروح المحافظة , بوصفها , بقاء الحال على ماهو عليه , خير من المغامرة التي لا تحمد عقباها , بل والتضحية بالغالي والأنفس , والدخول في طريق المجهول .

المجتمع الشرق أوسطي مازال على عهده الأول , يحب حياة السلام , وينتظر الوئام , ولكنه على فطرته الأولى يخشى بذكاء بالغ : الغدر , وسوء النية , وانعدام الوفاء ....

"الرأي / خاص"

حافظ الأسد ضد حزب البعث

حافظ الأسد ضد حزب البعث

بقلم: خالد الأحمد

أخبار الشرق

تمهيد:

سوف أنشر بعد أيام قليلة دراسة مفصلة عن حياة ومسيرة حافظ الأسد، أخذتها من كتاب ّ(نيقولاس فان دام) الصراع على السلطة في سورية، وكتاب (باترك سيل)، الصراع على الشرق الأوسط، ومن برنامج شاهد على العصر لأحمد أبو صالح، ومن روايات أكثر من شاهد عيان، ومن خلال تلك الدراسة اتضح أن حافظ الأسد كان يعبد ذاته، وقد جعلت منه عبادة الذات عدواً لكل من جعلهم سلماً للصعود على أكتافهم إلى عرشه الذي بناه لنفسه، ثم ورثه لأولاده من بعده. فقد عادى حزب البعث الذي كان أول سلم يصعد عليه إلى عرشه، كما عادى الأقليات التي جعلها السلم الثاني في صعوده إلى عرشه، كما عادى الطائفة العلوية أكبر سلم استخدمه نحو عرشه، وأخيراً عادى عشيرة الأسد التي كانت آخر سلم صعد عليه حافظ الأسد نحو عرشه. وهكذا أدعو الله عزوجل أن يعينني على نشر هذه الملاحظات في مقالات أربع قادمة، وكلها مجموعة في دراستي عن حياة ومسيرة حافظ الأسد التي ستنشر بعدها إن شاء الله تعالى.

حافظ ضد حزب البعث:

أيها الزملاء البعثيون: هل يعقل أن ميشيل عفلق، وأكرم الحوراني، وصلاح الدين البيطار، وسامي الجندي، وجلال السيد، ومنيف الرزاز، وشبلي العيسمي، وفهد الشاعر، ومحمد أمين الحافظ، وأحمد أبو صالح، وصلاح جديد، ومحمد عمران، ونور الدين الأتاسي، وإبراهيم ماخوس، وأحمد المير، وعبد الكريم الجندي، و.. كثيرين غيرهم، كل هؤلاء عملاء وأعداء للشعب، وحافظ الأسد وحده مخلص ونزيه!!!! هل يعقل ذلك؟!!

إن الذين استمروا مع حافظ الأسد من شاكلة مصطفى طلاس، وزير الدفاع، صاحب كتاب فن الطبخ، ومشروعه إصدار كتاب أجمل مائة إمرأة في العالم، وأمثاله الذين يعشقون التبعية، وخلقوا لها، أما كل من يفكر بعقله الخاص به، أقصاه حافظ الأسد، بالقتل، أو السجن، أو النفي والتشريد، حتى البعثيين فعل معهم كما فعل مع غيرهم من المواطنين.

حزب البعث أول السلّم:

كان حزب البعث أول سلم صعد عليه حافظ الأسد، فقد التحق به وهو طالب في الثانوية باللاذقية، وكان مثالاً للمناضل الذي وصل إلى مركز رئيس الاتحاد الوطني لطلبة سورية، كما يتضح من كتاب باترك سيل، كما أنه تلقى ضربة بالسكين في ظهره من الإخوان المسلمين، العدو الأول لحزب البعث يومذاك. واستمر في صعوده على سلم حزب البعث حتى وصل إلى مصر.

اللجنة العسكرية تعيد تشكيل الحزب مخالفة قرار قيادة البعث:

في مصر وخلال الوحدة كان حافظ الأسد ضابطاً طياراً في السرب الليلي، الذي نقل إلى مصر، وساءه تصرف قيادة حزب البعث التي تصرفت حسب أهداف الحزب وهي (وحدة، حرية، اشتراكية)، وعندما اشترط عبد الناصر حل الأحزاب من أجل وحدته مع سورية قبل البعثيون (الأصليون الذين أسسوا الحزب)؛ قبلوا هذا الشرط، وضحوا بحزبهم من أجل الوحدة، والوحدة أول أهداف الحزب، وفهموا أن (الحرية، والاشتراكية) سوف تحققها الوحدة، فلا حرية للعرب إلا بوحدتهم.

كما قبل الإخوان المسلمون ذلك، وحلوا جماعتهم في سورية، لأن الوحدة مطلب إسلامي وعربي في آن واحد، يسعى الإخوان المسلمون من أجله، وقد جاء على يد عبد الناصر مشروطاً بحل جماعتهم فوافقوا على ذلك.

ويختلف الإخوان المسلمون عن البعثيين، حيث وقع البعثيون على وثيقة الانفصال، بينما رفض الإخوان المسلمون التوقيع على وثيقة الانفصال.

وأعتقد أن كل منصف، سواء كان بعثي، أو من جماعة الإخوان، أو من أي فصيل وطني سوري، يؤكد اليوم أن بقاء الوحدة - على الرغم من ظلم عبدالناصر وفرديته - كان أفضل من الانفصال، ولو بقيت الوحدة لما تمكن حافظ الأسد من الوصول إلى عرش الطغيان الذي قتل من أجله أكثر من مائة ألف مواطن سوري، وشرد مئات الألوف الآخرين، ولو بقيت الوحدة لتجنبت سورية هزيمة (1967) النكراء، ولما ضاع الجولان..إلخ.

ولكن حافظ الأسد (ومن وراءه) لايقبلون حل الحزب؛ لأنه يحرم حافظ الأسد السلم الأول لأجل الصعود على جماجم البعثيين إلى عرشه.

واستطاع حافظ الأسد أن يستغل عمق الشعور الحزبي البعثي عند صلاح جديد وعبدالكريم الجندي وأحمد المير ومحمد عمران، ومثاليتهم، ويدعوهم لتشكيل اللجنة العسكرية، التي أرادها حافظ الأسد سلّماً شاباً يعيد سلّم حزب البعث الذي سيصعد عليه حافظ الأسد نحو عرشه.

وتشكلت اللجنة العسكرية ناقمة على قيادة حزب البعث التي أنشأت حزب البعث (صلاح الدين البيطار، وميشيل عفلق، وأكرم الحوراني .. وغيرهم) لأنهم وافقوا على حل الحزب، من أجل الوحدة، وحرموا حافظ الأسد من السلم الذي سيصعد عليه نحو عرشه.

ثم استطاعت اللجنة العسكرية أن تقوم بانقلاب الثامن من آذار (1963)، وخلال العام الأول، تخلصت من المستقلين (زياد الحريري وأنصاره) والناصريين (القطيني، والصوفي، والأتاسي، وأنصارهم). وبدأ حافظ الأسد صراعه مع البعثيين.

حافظ الأسد يتخلص من القيادة القومية:

كان حافظ الأسد حاذقاً (1) إلى درجة العبقرية في محاربته لحزب البعث، فقد اعتمد على الأقليات (علويين، إسماعيليين، دروز) من أجل التخلص من البعثيين (السنيين)،ثم اعتمد على العلويين للتخلص من الأقليات، ثم اعتمد على أسرته للتخلص من العلويين، ثم اعتمد على أولاده وزملائه الخلص في التخلص من رفعت وجميل وأولادهما. تخلص من البعثيين السنيين في حركة 23 شباط (1966م)، يقول فان دام (ص 78): "وفي النصف الثاني من (1965) سعت القيادة القومية للتوسط بين صلاح جديد ومحمد أمين الحافظ (2)، وعندما تم عزل الحافظ (1965) داخل القيادة القطرية من قبل أنصار جديد،حاول الحافظ التقرب من القيادة القومية منذ كانون الأول/ ديسمبر (1964) التي قررت حل القيادة القطرية وتسلم مسؤولياتها كما يقول منيف الرزاز في التجرية المرة" (ص 165).

وفي بيان وزعته القيادة القومية جاء فيه: "ستكون القيادة القومية ضد كل ولاء غير الولاء للحزب، فهي ضد الطائفية والطرح الطائفي وضد الولاء الشخصي". انتهى كلام فان دام.

ويتضح من هذا الكلام أن القيادة القومية للحزب رأت طرحاً طائفيا،ً وهو الذي يحركه حافظ الأسد في الباطن، ويمارسه صلاح جديد في الظاهر ضد البعثيين السنيين. ومن المؤكد أن الطرح الطائفي في حزب قومي عربي أشد خطراً من الإيدز على الإنسان السليم.

ثم جاءت حركة (23 شباط 1966) وكانت خلاصتها الإطاحة بالبعثيين السنيين وأولهم محمد أمين الحافظ وأزلامه، وأطاحت معهم بعدد من البعثيين القدامى من القيادة القومية مثل منيف الرزاز، وشبلي العيسمي، وميشيل عفلق، وغيرهم ممن أطلق عليهم اسم القيادة القومية والذين تجمعوا فيما بعد في العراق.

ويقول باترك سيل (ص 168) ".. قبيل فجر يوم 23 شباط 1966 قام فدائيو سليم حاطوم، تعززهم قوة رفعت الأسد الضاربة (سرايا الدفاع فيما بعد) وكتيبة دبابات يقودها عزت جديد، بشن هجوم على منزل رئيس مجلس الرئاسة الفريق محمد أمين الحافظ، واستمر إطلاق النار حتى الظهيرة، حيث نفذت ذخيرة المدافعين، واستسلم الرئيس وحراسه .. وتبع القتال فوراً تطهير كامل للجيش والحزب والحكومة أقصي بموجبه حوالي (400) ضابط وموظف، واقتيد الحافظ وعمران إلى سجن المزة .. وبعد الانقلاب وإلقاء القبض على أتباع ميشيل عفلق، فر عفلق إلى لبنان فالبرازيل ثم العراق ليموت هناك .. وكان أول عمل يقوم به الانقلابيون هو ترقية المقدم حافظ الأسد إلى رتبة لواء وتعيينه وزيراً للدفاع(3) .. وراح حافظ الأسد بعد ذلك يلقي مسؤولية إراقة الدماء على سليم حاطوم".

وقد عرف لدى الشعب السوري يومذاك أن حركة 23 شباط 1966 كانت صراعاً بين القيادة القومية التي تمثل حزب البعث بطوائفه (السنة، العلويون، الدروز، الإسماعيليون، المسيحيون)، والقيادة القطرية التي يغلب عليها العلويون. وقد انتصرت القيادة القطرية، وطردت القيادة القومية، وهم مؤسسو الحزب، كميشيل عفلق، ومنيف الرزاز، والبيطار، وغيرهم.

يقول باترك سيل (ص 246): :"وفي أكتوبر (1968) كان صلاح جديد يسيطر على الحزب، لذلك قام الأسد بفصل الجيش وخصوصاً الجهاز الحزبي العسكري عن قيادة الحزب المدنية التي يترأسها صلاح جديد، فمنع ضباط الجيش من أي اتصال مع الساسة المدنيين في الحزب، كما منع الساسة المدنيين من زيارة فروع الحزب في القوات المسلحة، بل إنه منع حتى توزيع نشرات القيادة القطرية في وحدات الجيش، ورغم أنه كان عضواً في القيادة القطرية فقد توقف عن حضور اجتماعاتها، وبذلك أصبح في سورية مؤسستان لحزب البعث واحدة عسكرية والأخرى مدنية".

حافظ الأسد يعتقل القيادة القومية ويسجنها:

يقول باترك سيل (ص 266): كان الأسد مدعوماً من الجيش، بينما يسيطر جديد على الجهاز الحزبي، وفي (30 ‍/10/1970) دعا جديد إلى مؤتمر قومي استثنائي، وكان أول قرار للمؤتمر إيقاف وزير الدفاع حافظ الأسد عن نقل أي ضابط خلال فترة انعقاد المؤتمر، ولكن حافظ الأسد لم يتقيد بهذا القرار.

وقرر المؤتمر أخيراً إعفاء حافظ الأسد (وزير الدفاع) ومصطفى طلاس (رئيس الأركان) من منصبيهما .. وعندما انتهى المؤتمر في (12/11/1970) لم يُضِع الأسد لحظة واحدة، بل اعتقل خصومه (جديد، ماخوس، الأتاسي، زعين، عزة جديد .. إلخ) وأودع معظمهم في سجن المزة، ولم يخرجوا منه إلا وهم على فراش الموت. وشكل الأسد قيادة قطرية مؤقتة عين أفرادها بنفسه.

ويقول فان دام (ص 112): ".. وانعقد المؤتمر القومي الاستثنائي لحزب البعث في أواخر اكتوبر (1970)، وقبل ذلك بوقت قصير قام الأسد بنقل بعض أنصار جديد العسكريين، وأثناء المؤتمر كان الأسد وطلاس معزولين تماماً، بينما تمتع جديد بتأييد غالية أعضاء المؤتمر. وعندما قرر المؤتمر إعفاء الأسد وطلاس من منصبيهما، أمر الأسد الجيش في (13/11/1970) باحتلال مكاتب الحزب المدنية، والمنظمات الشعبية، بالإضافة إلى إلقاء القبض على أبرز قادة الحزب المدنيين، بمن فيهم صلاح جديد ونور الدين الأتاسي، وفر من تمكن إلى لبنان ثم دول العالم.

حافظ الأسد ضد القيادة القطرية:

وفي أواخر (1983) مرض حافظ الأسد، ودخل المشفى، وشكل لجنة سداسية تتولى الحكم في غيابه وهم (طلاس، الخدام، الأحمر، الشهابي، والكسم، ومشارقة) (4). ولكن هذه اللجنة مع كبار الضباط (وهم الحاكم الفعلي) رأوا أن استبعاد رفعت الأسد من هذه اللجنة غير صحيح، لذلك دعوا إلى اجتماع للقيادة القطرية، لم يتغيب عنه سوى حافظ الأسد لمرضه، وأحمد اسكندر أحمد الذي كان على فراش الموت. وقررت القيادة القطرية أن تكون هي المشرفة على البلد والحكم في غياب حافظ الأسد، كخطوة تمهيدية لتسليم السلطة لرفعت الأسد.

ولما شفي حافظ الأسد ".. وعلم بما حدث، وهو في فترة النقاهة، شعر بالسخط الشديد، لأن إي انحراف عن الطاعة الكاملة الخالية من أي تساؤل كان يثير شكوكه، فاستدعى كبار ضباطه ووبخهم على الابتعاد عن تنفيذ رغباته الصريحة، وبذلك فتحوا الباب أمام أخطار غير متوقعة: أولم يروا أن دفع رفعت إلى المقدمة كان خطة أمريكية - سعودية؟!!) (باترك سيل، ص 690).

وفي حقيقة أمره أنه قرر توريث الحكم لولده باسل (كان يومها في الثانية والعشرين)، ودائماً حافظ الأسد يغمز على اليسار ويذهب يمين .. يدعي أن دفع رفعت إلى الأمام خطة أمريكية - سعودية، لأنه ل ايستطيع أن يقول علنا:ً أريد توريث الحكم لولدي باسل وليس أخي رفعت.

والشاهد أن حافظ الأسد سخط وشطب قرار القيادة القطرية التي شكلها بنفسه، والتي اجتهدت في مرضه فجعلت نفسها وكيلة عنه في غيابه، ولم تنفذ قراره باللجنة السداسية.

إذن، أقصى القيادة القومية، وسجن كبار أعضائها، ومؤسسي حزب البعث (1966)، ولم يسمح لأكرم الحوراني أن يدفن في بلده بعد موته، مع أنه من مؤسسي حزب البعث، واغتال صلاح الدين البيطار في فرنسا، وهو من مؤسسي حزب البعث .. ولم يخضع لقرار القيادة القومية، بل اعتقل أعضاءها مرة أخرى (1970)، وسجنهم ولم يخرجوا إلا وهم على فراش الموت، ولم يخضع لقرار القيادة القطرية التي سبق وأن شكلها بنفسه، عندما كان مريضاً (1983)..

هذا هو حافظ الأسد يحارب حزب البعث، بعد أن جعله أول سلم يمتطي عليه للوصول إلى عرش عبادة الذات.

_________

* كاتب سوري في المنفى

الهوامش:

(1) يختلف معي كثير من الزملاء ويقولون هناك مكاتب عالمية تخطط له، وأقول على الرغم من إيماني بذلك، لكنه يبقى عبقرياً عندما ينفذ ما يخطط له بنجاح.

(2) جديد يمثل البعثيين العلويين الذين يحركهم حافظ الأسد سراً، وأمين الحافظ يمثل البعثيين السنيين، وكانت عبقرية حافظ الأسد في ضرب البعثيين السنيين بالبعثيين العلويين، أو ضرب أمين الحافظ وأزلامه من البعثيين السنيين، بصلاح جديد وأزلامه من البعثيين العلويين.

(3) ويؤكد هذا أن حافظ الأسد هو المخطط لحركة شباط 1966، على الرغم من غياب جسده إلى لندن في إجازة مشبوهة لمدة ثلاثة شهور، رجع يوم (23 شباط 1966)، وساهم بالهاتف في إقناع كثير من الضباط بالانسجام مع الانقلابيين. انظر باترك سيل (ص 168).

(4) يلاحظ أن هذه اللجنة كلها "من ذراري السنة"، ومعنى ذلك أنها واجهة أما الحكم فكان بيد رفعت، ودوبا، وأصلان، وفياض، وحيدر، والخولي، وغيرهم من كبار الضباط العلويين.