معارضون سوريون يناقشون التغيير ويرفضون التدخل العسكري والحصار

2006-01-31

معارضون سوريون يناقشون التغيير ويرفضون التدخل العسكري والحصار

واشنطن حنان البدري:

الخليج


أعلن معارضون سوريون رفض التدخل العسكري وأي صورة من صور الحصار الاقتصادي على بلادهم، ومعاقبة الشعب السوري بسبب “السياسات غير المسؤولة لبعض الرموز الأمنية والسياسية”، كما جاء في البيان الختامي للقاء الأول للقوى الوطنية الذي عقد يومي السبت والأحد الماضيين في واشنطن، بدعوة من المجلس الوطني السوري في واشنطن والتجمع الديمقراطي السوري في كندا ومشاركة نشطاء سياسيين من سوريا وفرنسا وألمانيا وسويسرا، وناقش المشاركون فيه تصورات مختلفة لآليات تغيير سلمي في سوريا “ومرحلة انتقالية” فيها.

وشارك في اللقاء نحو سبعين معارضاً سورياً، وقال الدكتور حسام الديري، وهو أحد منسقي اللقاء: إن المشاركين ينتسبون إلى تيارات وتنظيمات مختلفة، ومنهم أفراد مستقلون، ويجمعهم مبدأ الانتقال بسوريا إلى دولة ديمقراطية تحترم المواطنة. وطالب الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى أن يفتح الجامعة للقوى السورية الوطنية لتجري اجتماعاتها فيها، وليثبت أنها جامعة للشعوب، وقال إن القوى التي اجتمعت في اللقاء سوف تجمع نفسها خلال ستة أسابيع للذهاب إلى عقد اجتماع لها في مقر جامعة الدول العربية.

ولوحظت مشاركة أصحاب توجهات مستقلة، ومنهم أستاذ العلوم السياسية في جامعة أركانسا الدكتور نجيب الغضبان الذي قال إن المشاركين حاولوا البناء على أرضية “إعلان دمشق”، وأضاف: “نتحدث عن تغيير ديمقراطي شامل وسلمي وبضغوط ذاتية، وبمساعدة ضغوط دولية أيضا، وبدأنا خطوات عملية منها تفعيل التنسيق بين كل أطياف المعارضة السورية في الداخل والخارج، بالتزامن مع تفعيل آليات التغيير الديمقراطي السلمي”.

وقال الغضبان الذي نفى مشاركة الإخوان المسلمين في اللقاء إن المؤتمرين رفضوا الاستقواء بالخارج، وأن يتم احتلال سوريا كالعراق، وأضاف “لا نسعى لتغيير من سيئ إلى أسوأ”.

وجاء في البيان الختامي للقاء أن المشاركين أعربوا عن التمسك بوحدة أبناء الوطن أينما وجدوا، من المهاجرين أو المهجرين، وعن حرص الجميع على المساهمة في إعادة البناء والتنمية الشاملة. وخرجوا بنتائج وتوصيات أهمها التشديد على وحدة المعارضة حول الالتزام بإعلان دمشق حداً أدنى، يؤكد على تبني النظام الديمقراطي ورفض التدخل العسكري، والتأكيد على مناصرة معتقلي الرأي والضمير وكل المعتقلين السياسيين والعمل المتواصل حتى يتم إطلاق سراحهم جميعاً.

وجاء في البيان أن الروح الحميمية والألفة غلبتا على أجواء المؤتمر، على الرغم من التعدد والتنوع في الأفكار والطروحات، وساهم هذا في إثراء النقاش والتوصل إلى قواسم مشتركة وتوصيات عملية تخدم عملية التغيير الديمقراطي في سوريا. كما تم التواصل في اليوم الثاني للقاء مع رموز “ربيع دمشق” الذين وجدوا في مقر منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، وهم سهير الأتاسي ورياض سيف ومأمون الحمصي ووليد البني وفواز تللو والمحامي حبيب عيسى. وتوجه هؤلاء بكلمات إلى المؤتمر، ثمنوا فيها دور المعارضة في الخارج، وأكدوا على أهمية دورها لدعم نضال المعارضة الداخلية ورفض محاولات التشكيك والتخوين التي تروج لها السلطة لبث الفرقة بين أبناء الشعب السوري.

فلسطين: الديموقراطية من فم الإمبريالية

فلسطين: الديموقراطية من فم الإمبريالية


هل تعلَّم بعض القوميين واليساريين المفضِّلين للاستبداد؟

قبل الولوج في تحليل نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة، ينبغي البدء بتسجيل تحية إكبار للشعب الفلسطيني الذي أثبت- وبغضّ النظر عن خياراته- حيويّته وتعلقه بالحرية، مؤكّداً تهافت الداعين الى تأجيل الديموقراطية بحجة الاحتلال و"الصراع مع العدو"...

أما بعد، فإن أول ما يجدر التوقف عنده في انتخابات فلسطين، وبمعزل عن مغازيها ومؤدياتها السياسية، هو ما يمكن نظام الانتخاب أن يفرزه من نتائج لا تعكس الأحجام الحقيقية للقوى السياسية.

فالنظام الانتخابي المركّب الذي اعتمد في الانتخابات الأخيرة في فلسطين، والذي يتيح انتخاب نصف المقاعد (66 مقعداً من 132) على أساس وطني وفق القائمة النسبية، والنصف الآخر في الدوائر الانتخابية الصغرى وفق النظام الأكثري البسيط، أدّى الى تمكين 45.4 % من الناخبين من الفوز لحوالى 57.6 % من المقاعد في المجلس التشريعي (وهي حالة حركة "حماس")، في حين تمثّل 40.9 % من الناخبين بحوالى 32.6 % من المقاعد (حالة حركة "فتح")، ولم يتمثل 13.7 % من الناخبين (موزّعين بين باقي القوى) بأكثر من 9.8 % من المقاعد. ذلك أن الاقتراع السياسي على الصعيد الوطني ووفقاً للتمثيل النسبي أدى الى فوز "حماس" بـ30 مقعداً وفتح ب27 وباقي القوى ب9 مقاعد، وعكس تالياً التفوق الطفيف والمهم لـ"حماس" على فتح، في حين أن النظام الأكثري البسيط في الدوائر الصغرى ألغى هذا التوزيع العادل للأحجام لمصلحة من يحصل على المقدار الأعلى من الأصوات، وهو ما سمح لـ"حماس" بفوز ساحق لا يعكس الفارق الفعلي بينها وبين منافستها، إذ منحها 46 مقعداً مقابل 16 لـ"فتح" و4 لسائر القوى.

على أننا ولو صوّبنا هذه النقطة الضائعة في بحر "الطوفان الأخضر"، فإن تصويبنا لا يغيّر من إلزامية الإقرار بأن التصويت الذي شهدناه يعكس مزاجاً متبدلاً في الشارع الفلسطيني لم تتمكن "المشروعية التاريخية لفتح" ورمزية استحضار ياسر عرفات واللجوء الى مروان البرغوثي من لجم جنوحه وميله الى خوض تجربة جديدة، وطي صفحة (ولو موقتاً) من عمر نضاله الطويل.

في أسباب الصعود "الحماسي"

لا يمكن أن يقرأ هذا المزاج المتبدل خارج عوامل داخلية فلسطينية، ساهمت في صنعها أخطاء السلطة الوطنية (وفتح) وسياسات إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية تجاهها، ولكن أيضاً عمل "حماس" نفسها وبرامجها وارتباطها (ولو مع تمايز) بثقافة سياسية جديدة يطل بها تيار "الأخوان المسلمين" في المنطقة العربية منذ بضع سنوات.

وفي استعراض لكل هذه العوامل، من المفيد أن نتوقف عند النقاط الآتية:

- أولاً: تفشّي مستويات مختلفة من الفساد في بعض أركان السلطة الوطنية بالترافق مع حال فوضى أمنية وتناحر مسلّح وتراجع في القوة التنظيمية لحركة "فتح" نتيجة ترهّل أساليبها واتكاء قدرتها التنظيمية على رمزية تاريخية لم يعد الجيل الفلسطيني الجديد معنياً بها كما كان جيل آبائه.

- ثانياً: رحيل ياسر عرفات الأب والقائد لأكثرية الفلسطينيين ونهاية حقبة طبعها بقدرته العفوية والفائقة على مزاوجة مشاريع السلطة والدولة بمشاريع المقاومة، وما عناه ذلك (ولغاية موته) من ملامسة لمشاعر الفلسطينيين جميعاً المتمسّكين في آن واحد بالمقاومة التي جسّدتها "المقاطعة" حيث أمضى آخر سنواته محاصراً، وبالمساومة من أجل بناء الدولة المنشودة ولو فوق جزء من أرض فلسطين. ولعل قوة القضية الفلسطينية منذ أوسلو وضعفها يكمنان في هذا التناقض بالذات، وما يؤسس له من التباسات دائمة، ومن توترات مستمرة مع عقلانية "الغرب" السياسية الباردة غير القادرة على استيعاب ما تعتبره "ازدواجية سلوك" لدى القيادة الفلسطينية.

- ثالثاً: شعور جمهور واسع من الفلسطينيين باستحالة التسوية في المدى المنظور مع مجتمع إسرائيلي يتنافس على قيادته شارون ونتنياهو! وهذا يعني أنه من المنطقي ألاّ يذهب التصويت عند هذا الجمهور الى مَن فاوض إسرائيل طوال العقد الماضي، ولم يفلح في استعادة حد مقبول من الحقوق منها.

- رابعاً: التدمير الإسرائيلي الممنهج للسلطة الوطنية ولبناها التحتية ولشروط قيام دولة في فلسطين، وعمل شارون الدؤوب والناجح لعزل عرفات وخنق سلطته وتقويض قدرتها على ضبط الأمن وتأمين الحد الأدنى من الحضور المؤسسي في الضفة وغزة، ودعم الولايات المتحدة هذا النهج ومقاطعتها السلطة الفلسطينية ورئيسها، الأمر الذي تسبّب بتداعيات سياسية على "فتح" بصفتها العمود الفقري للسلطة، وأدّى الى انهيارات اجتماعية واقتصادية خطيرة داخل المجتمع الفلسطيني انعدمت معها فرص العمل للجيل الوافد الى سوق العمل، ولاحقاً، الى الانتخابات.

- خامساً: لا تنفي كل هذه الأسباب أثر الصعود الشعبي الكبير لحماس على نتائج الانتخابات الأخيرة، وقدرتها منذ دخولها الصراع مع إسرائيل عام 1987 على إظهار مقدار من التماسك والمثابرة "والإصرار على اتّباع منطق القوة مع عدو لا يفهم غير القوة" (حسب تعبير أحد مسؤوليها) جذب إليها مجموعات كبيرة من الشبان التوّاقين لمقاتلة الاحتلال (بعد أن كانت نشاطية تيار "الأخوان المسلمين" في فلسطين الذي تنتمي إليه "حماس" تقتصر قبل منتصف الثمانينات في أكثر أوجهها على العمل الاجتماعي والتربوي "والتبشيري" بعيداً عن النضال تحت "راية وطنية" أو في سبيل "قضية جغرافية" أو التحاقاً بمنظمة التحرير "العلمانية" على ما كان يردّد الاخوان).

كما أن انخراط "حماس" في المعركة مع إسرائيل ساهم في تعميق أسلمة القضية الفلسطينية وجمهورها، وهي الأسلمة التي كان يحدّ من تناميها ثقل حضور عرفات ومنظمة التحرير، وكانت تضبطها موازين القوى داخل المجتمع الفلسطيني المتنوّع، وتلجم اندفاعتها "الميدانية" في المنطقة عامة "حروب المجاهدين" في أفغانستان وحربا الخليج الاولى والثانية و"غزوات الإسلاميين" للأنظمة العربية "الكافرة" من الجزائر الى مصر فجزيرة العرب "التي أبعدتهم لعقود عن القتال في سبيل المسجد الأقصى"...

لكنّ التطرف والإجرام الإسرائيليين ودوامة العنف الطاحنة منذ مطلع الألفية الحالية، ووصول المشروع الوطني الفلسطيني الى مأزقه الراهن وما أدى إليه من تغيّر في موازين القوى فلسطينياً، مضافة الى تنامي قوة الأخوان المسلمين عربياً نتيجة تهالك مغامرة منافسيهم "الجهاديين" منذ انفجارهم المشهدي في 11 أيلول 2001 وما تلاه، جميعها عناصر ساعدت على نهوض الجو الشعبي المحيط بـ"حماس".

وفي هذا السياق يجدر بالمتابعين لاحقاً أن يولوا الأهمية للقراءة المتأنية لتقدم حماس ربطاً بتقدم "الأخوان المسلمين" انتخابياً في المغرب والأردن ومصر (وانفكاك العزلة عنهم في سوريا) وإصدارهم خطاباً سياسياً يقبل باللعبة الديموقراطية ويتكيّف مع مستلزمات العمل السياسي "الحديث" (رغم الفارق النوعي بين "حماس" وبينهم لجهة انغماسها اليومي في المواجهة مع عدو خارجي وليس مع قمع محلّي)... والقراءة هذه ستكون ضرورية لتحليل القوى الاجتماعية الصاعدة عبر "الأخوان المسلمين"، ولفهم طبيعة النخب التي يقدمون "لقيادة" مجتمعاتهم.

ماذا بعد النشوة الانتخابية؟

يتطلّب البحث في النصر "الحماسي" التساؤل عن مترتباته المباشرة.

ومن المهم هنا أن نبدأ بمساءلة الحركة حول بعض شعاراتها وممارساتها، وهي التي لم تعد اليوم فصيلاً فلسطينياً معارضاً، بل قيادة مرحلية للشعب الفلسطيني. فهل القول التبسيطي بإن فلسطين وقف إسلامي يفيد في مسيرة بناء الدولة الديموقراطية التي تدعو إليها؟ وهل رفع العلم الأخضر على المجلس التشريعي مكان العلم الفلسطيني يكفي لأسلمة "مصنع" القوانين الوضعية؟ وهل الهروب من مواجهة بعض الحقائق المرّة من خلال هنات لفظية تخفي ارتباكاً سياسياً عند وصف إسرائيل "ومستقبل وجودها" (نشهده يومياً في مقابلات مسؤولي الحركة مع وسائل الإعلام الغربية) يكفي لملاقاة الاستحقاقات المقبلة؟

تدرك "حماس" جيداً أن تشكيلها حكومة، وتحمّلها أعباء السلطة، سيدفع بها الى التفاوض مع الإسرائيليين لتأمين الكهرباء (حيث معظم المناطق الفلسطينية ما زال يتغذى من المحولات الإسرائيلية لقاء اشتراكات) ولتأمين الضرائب والرسوم الجمركية (التي يجبيها الإسرائيليون ويحولون أجزاء منها للسلطة بعد طول ابتزاز)، ولضبط "الحدود" والمعابر، ناهيك بالقضايا الشائكة والمصيرية المرتبطة بالتصدي لكل توغّل إسرائيلي، قبل الوصول الى استكمال المفاوضات والبحث في مصير "خريطة الطريق" أو غيرها من المسارات التي قبلت بها السلطة في عهد فتح وترفضها الى الآن "حماس"، في حين تدّعي إسرائيل (و"يصدّقها" في ذلك الأميركيون ومعظم الأوروبيين!) الحرص عليها.

و"حماس" أيضاً ستكون في موقع المسؤولية الأمنية عن الأراضي المحررة في غزة والضفة، وهي ستدير "نظرياً" الشرطة والاستخبارات وستتشارك مع الرئيس في الإشراف على الأمن الوقائي وغيره من الأجهزة، وستتابع عمل الوزارات والإدارات وتتعاطى مع الدول المانحة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إن قبلت جميعها التعاطي معها. فكيف ستتعامل الحركة مع شروط "المجتمع الدولي" تجاهها (مع الإقرار سلفاً بلا ديموقراطية سلوك كل من يرفض نتائج الانتخابات التي أتت بها الى سدة المسؤولية)؟

وحماس سترتّب على الأرجح علاقتها بالمحاور القائمة في المنطقة، بعد أن وصلت الى موقع القيادة، على نحو مختلف عما كان سائداً في السابق وهي في موقع المعارضة. ولا نعتقدها ستُؤْثر المحور الإيراني - السوري، مثلاً، على العلاقة بالسعودية وبالأردن أو حتى بمصر (رغم حذر الأخيرة من "تناغم أخواني" عابر للحدود). كما لا نراها ستقبل بوضع فلسطين المحررة أسيرة حسابات بعيدة عن حقل الواقع اليومي لأهلها. فكيف ستعيد ترتيب أمورها؟

هل سنشهد في الأشهر المقبلة نموذجاً سياسياً جديداً في المنطقة يغيّر من نمط طرح الأسئلة عند المحلّلين، ويقدّم للفلسطينيين والعرب تجربة مختلفة عن التجارب السائدة؟ وهل ستكون "حماس" أول قوة إسلامية عربية تأتي بها صناديق الاقتراع الى السلطة فتتحمّل مسؤوليتها بنجاح وتواجه التحديات التي تنتظرها بشجاعة؟

ستجيب المرحلة المقبلة عن هذا التساؤل، لكن قبل ذلك، لا بد من لفت النظر الى مفارقة أن الضغط الأميركي والغربي على الأنظمة العربية لإجراء انتخابات نزيهة في ربوعها بات موضع ترحيب أكثر الإسلاميين، المستفيدين منه الى أبعد الحدود (من العراق الى الأردن ومصر والمغرب مروراً بفلسطين). وهم غادروا منذ فترة ميدان شتم "الديموقراطية الآتية من فم الإمبريالية" وتركوه لبعض القوميين واليساريين ممّن يفضّلون الاستبداد (المبتهج بشتائمهم والمكرّم منابرهم) لأن بعض مظاهر الديموقراطية، ومنها الإنتخابات، يكشف إفلاسهم...

كاتب سياسي مقيم في بارس - نائب رئيس حركة اليسار الديموقراطي

زياد ماجد

النهار

لا تنه عن خلق

لا تنه عن خلق

نضال نعيسة

بحكم العمل، في ذلك الماضي المؤلم الأسود السحيق، في إحدى الدول المحافظة التي ترتعد فرائضها، وتثور ثائرتها، الآن، ضد ما أقدم عليه أحد الفنانين الموتورين الدانمركيين من إساءة بالغة، ومدانة، للرسول الكريم محمد(ص)، فقد واظبت على الذهاب إلى أحد المساجد القريبة في الجوار، وخاصة لأداء فريضة صلاة الجمعة مع بقية الأخوة والزملاء. وفي كل مرة كنت ابلع ما لا يهضم، وأسمع مالا يسر أي شخص عاقل، ليس من الإساءة البالغة للناس، وللمختلف دينيا فقط، بل شمل ذلك مرارا أتباع الطوائف الإسلامية الأخرى من تكفير، وتأثيم وازدراء. وكان ذلك يحدث على مرأى، ومسمع من جموع المصلين، الذين كانوا يؤمّون المسجد للعبادة، والتنسك والصلاة، وتهذيب الروح والجسد، وتنقيتهما من الكراهية، والأدران، والأوساخ والحقد ضد بني الإنسان جميعا، فما بالك بإخوانهم وأبناء جلدتهم من المسلمين والأقرباء؟ وكان حرياً، بل مفروضا، أيضا، بالخطيب المفوه، أن يدعو الناس، في تلكم الأيام المقدسة والمباركة، إلى المحبة والتعايش والتسامح، التي تدعو إليها الأخلاق البشرية في كل مكان من العالم، وأتت بها، وتحاول أن تفرضها، جميع الديانات، وحملها جميع الرسل والأنبياء، والإسلام ليس منها استثناء بالطبع.

وقد استمعت، أكثر من مرة، لمواعظ كاملة، وخطب مطولة، ومعلقات ساخنة جدا من الإساءة، والتقريع، والتكفير، والتخوين، والتأثيم ضد طوائف، ومذاهب إسلامية، كان كثير من أبنائها من بين رواد المسجد المذكور، ناهيك عن العدائية الواضحة والدعوات الختامية، في كل معترك من هذه المعتركات الفاصلة، ضد أديان سماوية أخرى ورد ذكرها، وشرعيتها السماوية، في كتاب الله الكريم في آيات بينات ومحكمات. وقد كان يذهب معظم تفكيري، وأنا بين يدي الله الرحمن الرحيم، إلى التناقض الصارخ، بين ما عرفته من حب، وتسامح، ودعوات إنسانية، تأتي بها الأديان السماوية، وبين ما كان يقوله، ويأتي به بعض من هؤلاء. وقد أصبحت زياراتي لذاك المسجد إذ ذاك، متقطعة، وغير منتظمة إلى أن حلت القطيعة الكاملة، بعد جولات مماثلة من التهجم، والتطاول على عباد الله، وإرسالهم، فرادى، ومثنى، وجماعات، وبكيفية، ومزاجية عجيبة، للجنة والنار، وكأن مفاتيحهما في جيب ذلك الكائن البشري المتميز الهمام.

ولا بد هنا، من التذكير والتنويه، دائما، على الموقف المبدئي، والثابت من الإساءة للناس جميعا، وازدرائهم، وتسفيه آرائهم عموما، والقاضي بالإدانة، والاستهجان والاستنكار، فما بالك بالموقف الذي لا يقبل الجدال، من توجيه الإهانة، والإساءة إلى رسل، وأنبياء يحظون بكل تقدير، وقدسية لدى الملايين من الناس. وأي عاقل حكيم سيقف ضد هذه الهمجية الفكرية التكفيرية المنحطة، بقوة ويشجبها بكل تصميم وثبات، نظرا لقدسية المعتقدات، وأهميتها في حياة الناس.

وإذا نحيّنا الطقوس والعبادات جانبا، وتركنا الجانب الغيبي من الموضوع لننتقل إلى الجانب الدنيوي، والوجه المادي من الموضوع، لرأينا أن هذه الصورة تتوضح يوميا، في مختلف جوانب الحياة من استعلاء، واحتكار للإيمان، وازدراء للآخرين، ومعاملتهم بناء على العقيدة والدين، ونكران أبسط حقوقهم الدينية، والدنيوية وتحقيرهم، وازدرائهم، واعتبارهم في مرحلة إنسانية أدنى، ومنعهم من أداء شعائرهم وطقوسهم الدينية. وسنترك الحياة العادية واليومية لننتقل إلى أعلى، وإلى الهيئات العلمية والفكرية والأكاديمية، المفترض أن ترتقي عن تفكير العامة والدهماء، ونرى أن ذلك أصبح يشكل منهجا ثابت،ا وتيارا عاما، في السياسة اليومية لهذه المجتمعات. و لعل الدعوة الصادرة من أكاديمي بارز ونال عليها درجة الدكتوراه بشرف وامتياز، من معهد أكاديمي رسمي تموله الحكومة نفسها، لتكفير وتأثيم كوكبة لأكثر من مئتي مثقف عربي بارز، وما أسماه بالانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها في دراسة نقدية وشرعية، والدعوة ضمنا "للتخلص منهم" في تبين الجموح اللاعقلاني، والجنوح المنفلت، والتطرف السلبي في نفس هذه المجتمعات، التي ترغي وتزبد اليوم ضد الإساءة، المدانة حتما، لنبي الله، وجل هؤلاء المفكرين من العرب المسلمين، ولم يعلنوا كفرهم، أو خروجهم علنا عن دين الإسلام، فمن يحمي بعض المسلمين أيضا من هؤلاء المسلمين، ولماذا يحتج نفس هؤلاء الناس، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها لمجرد قيام موتور بإساءة فردية، وعابرة لا تحظى برعاية رسمية وتم التبرؤ علنا منها من جهات رسمية عليا مسؤولة بالدانمارك، بينما يقومون هم برعاية سياسة رسمية عامة، ممنهجة، وواضحة، وتحظى بالدعم والتقدير والإعجاب، ويمنح بموجبها، أيضا، بعض الموتورين، درجات الدكتوراه في فقه التكفير والتخوين وازدراء أطياف، وجماعات من المسلمين أنفسهم والإساءة إليهم، قبل الإساءة للآخرين. وماذا أيضا، عن تلك الآلات الإعلامية العملاقة، التي تبث ليل نهار، وتحض على الكراهية، والعنصرية، والاستعداء؟

والسؤال الآن ماذا لو تعاملت بالمثل جميع الدول، والشعوب، والمنظمات والأفراد مع هؤلاء المنتفضين غيرة، فكم من سفير سيبقى لهم، وكم من مجموعات بشرية ستقاطعهم كليا، وستمتنع عن حتى مجرد الاعتراف بهم، بل هل سيتبقى لهم، بعد ذلك، أية مصداقية، أو تقدير، واعتبار؟

و....لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إن فعلت عظيم.

خاص – صفحات سورية -

نشكر أمريكا أم ننعي أنفسنا؟

نشكر أمريكا أم ننعي أنفسنا؟

غسان المفلح

سباق مع الزمن..‏

إلى مؤتمر المحامين العرب: في دمشق نشكركم ونشكر أمريكا:‏

‏[كان نائب الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية آدم ايريلي أكد لفضائية الحرة الأميركية بأن تشيني حمل ‏إلى السعودية ومصر رسالة واضحة مفادها أن دمشق لا يمكنها التهرب من دفع ثمن مسؤوليتها عن ‏إغتيال الحريري وقال ان نائب الرئيس ديك تشيني نقل الى المسؤولين في مصر والسعودية جدية الولايات ‏المتحدة والمجتمع الدولي في المضي في محاسبة المسؤولين عن جريمة اغتيال الحريري من الرئيس الاسد ‏الى اسفل الهرم.] إن هذه التصريحات التي ليست مفاجئة قد قطعت الطريق على السيد الرئيس حسني ‏مبارك ومبادرته التي على ما يبدو أنها قد واجهت جملة من المعترضين، والآن جاء دور الولايات المتحدة ‏الأمريكية لتضع النقاط على الحروف في استحالة قيام صفقة بينها وبين النظام السوري، وإطلاق سراح ‏بعضا من معتقلي ربيع دمشق جاءت لتؤكد أن الصفقة مستحيلة!! كما كتبنا في مقال سابق، ودوما تعلمنا ‏من أيام الرئيس الراحل أن ملف المعتقلون هو ملفا يفتح في لحظات الضغط على السلطة وبالقطارة يتم ‏التعاطي معه وحسب درجة الضغط واحتياجات السلطة وليس ضمن أجندة غايتها طي الملف نهائيا وإلى ‏الأبد من تاريخ سوريا - الأسود - على هذا الصعيد، وليس هي من باب الصدفة أن يتم إطلاق السراح ‏المجتزئ هذا في أجواء زيارة تشيني للمنطقة. ووضوح التصعيد الأمريكي وعدم السماح بصفقة تكون ‏دفعة لتجديد دم السلطة في سوريا. والتهديد بإعادة الملف السوري إلى مجلس الأمن. بات من الواضح ‏أن الرؤية والمصالح الأمريكية في المنطقة لا تتقاطع مع استمرارية هذا الشكل السياسي من الحكم القائم ‏الآن في سوريا. الضغط الأمريكي والذي استمر على مرحلتين: الأولى منذ عام 1990 أي بعد سقوط ‏السوفييت ويمكن تسميتها بمرحلة احتواء تدريجي للنظام السوري والتي بدأت مع دخول الأسد حرب تحرير ‏الكويت والذي قبض ثمنها مليارات الدولارات من الدول الخليجية، ومع التهيئة لمؤتمر مدريد للسلام، كما ‏بدأ بحملة شهيرة لأطلاق سراح عشرات الألآف من المعتقلين اعتقالا تعسفيا ومزمنا منذ السبعينيات ‏والثمانينيات..الخ

وما يهمنا هنا هو قضية المعتقلين واللعب بحياتهم وفق أجندة باتت باهتة ولم تعد تنطلي على أحد:

الأفراج عن المعتقلين ماكان ليتم منذ 1990 وحتى إطلاق بعضا من معتقلي ربيع دمشق لولا الضغط ‏الأمريكي. وبهذا نشكر أمريكا ونعزي أنفسنا بسلطتنا التي ما فتئت مستمرة في الارتجال حتى هذه اللحظة ‏الحرجة من تاريخ سوريا: ماذا يعني أن تبقي إستاذي الدكتور عارف دليلة؟ وماذا يعني أن تبقي الدكتور ‏كمال اللبواني في السجن مع مئات من معتقلين سياسيين عربا وأكرادا.الخ؟ هل هذا تكتيك سياسي أم هو ‏خراب أخلاقي لازال متأصلا في عصب هذه السلطة؟ وهل استثناء عارف دليلة لأنه بات من العمر بحيث ‏يمكن أن يتعرض للموت لاسامح الله في سجنه؟ أم لأنه ينتمي للطائفة العلوية؟ تماما كما عودنا الأب ‏الراحل بأنه يخاف الأصوات المعارضة من أبناء شعبنا داخل الطائفة أكثر مما يخاف من البقية؟ ثم كمال ‏اللبواني الذي أصبح مدار تواطؤ بين بعض المعارضين والسلطة!! لأنه زار أمريكا في وضح النهار ودافع ‏عن إعلان دمشق في وضح النهار أيضا؟ أم لأن الزعامات المعارضة تخاف أن يسرق اللبواني منها بريقها‏؟

وماذا بشأن معتقلي الحركة السياسية الكردية؟ على بقية صنوف المعارضة أن تجعل من قضيتهم حاضرة ‏دوما وليس معتقلي ربيع دمشق هم إنسانيا أهم من أي معتقل كردي أو إسلامي أو اللبواني..؟ أيضا موقف ‏قوى المعارضة أو قسما منها والضغط الأمريكي الذي هو الأس في أي انفتاح تجريه هذه السلطة: يجعلنا ‏فعلا نعزي أنفسنا؟ وهل تستطيع المعارضة التي تواطأت على كمال اللبواني ومعتقلي الأكراد - كما أن ‏الحركة السياسية الكردية لم تدافع جيدا عن المعتقلين العرب السورين من تحت الدلف لتحت المزراب حياكم ‏الله - أن تملأ الفراغ الذي يتركه النظام السوري في المستوى السياسي السوري؟ هل تستطيع الهيمنة ‏عبر قيادات بديلة أو مؤسسات للمعارضة على ما يتركه الضغط الأمريكي والأوروبي على النظام من خلخلة ‏في المستوى العام: سياسيا وثقافيا واجتماعيا..الخ؟ وشكر أمريكا كفرا في هذه البنى المعارضة ومع ذلك ‏لا بد من ذلك.. لأن في شكر أمريكا ننعي أنفسنا كمعارضة لاتعرف حتى هذه اللحظة كيف تربط قياداتها ‏ولو بتصريح واحد فوق الطاولة!!!

كله بالهواء سواء معارضو الداخل والخارج، معارضة باريس وواشنطن معارضة الأردن ولندن.. الخ ‏

والتهمة جاهزة ياسيدي: إنك أمريكي.. أنا لا أستطيع القول أنني أمريكي.. لكنني أستطيع شكر أمريكا إذا ‏أراحتنا من كوابيسنا في السلطة والمعارضة.. بالضغط المستمر ودون اللجوء للعسكر.. وأمريكا مع ‏المجتمع الدولي رغم هزال المعارضة وتفتتها قادرة على ذلك.. فالشعب بات قسما منه مع بشار الأسد.. ‏وهو السؤال الأهم أتحدث عن الشعب وليس عن المستفيدين من أهل السلطة.. بماذا تجيب المعارضة ‏السورية كردا وعربا وما يتفرع عن أرض سوريا التاريخية.!!

سلطة بشّار المهتزّة

سلطة بشّار المهتزّة:

عدد من بارونات النظام مستاؤون من الوضع وقد عقدوا لقاءات مع المعارضة

جورج مالبرونو

" العلويون يخشون من فقدان السلطة في سوريا ". تحت هذا العنوان نشر الصحفي المعروف "جورج مالبرونو"، الرهينة السابق في العراق، مقالاً في جريدة "الفيغارو" يمكن للقارئ مطالعة نصّه الأصلي على صفحة "الشفّاف" الفرنسية. وهذا نصّه، كما ترجمته فلورنس غزلان. (مع ملاحظة: حينما يستخدم الصحفي الفرنسي تعبير "العلويين"، فذلك لكي "يَصِف" وضعاً قائماً، وليس لـ"التحريض" ضد طائفة. و"الشفّاف" يعتبر العلويين، حسب تعبير محمد سلمان الوارد في المقال أدناه، "جزءاً لا يتجزأ من الشعب السوري". كما يتّفق معه في أن الديمقراطية، وليس تصفية الحسابات، هي الحّل الأمثل لسوريا.)

صرح الرئيس السوري بشار الأسد السبت الماضي، بأن بلاده ترحب بالتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية في حدود السيادة الوطنية، فيما يتعلق باغتيال القائد اللبناني رفيق الحريري، متهماً بعض الأحزاب اللبنانية الرافضة للمبادرة السعودية من أجل تحسين العلاقات السورية اللبنانية.

" منذ موت كنعان لا يتحدث لأحد". هذه العبارة أطلقها فلاح مسن يلفع رأسه بكوفية، عند رؤيته، لجمال كنعان شقيق المسؤول السابق للقوة السورية في لبنان، الذي أعلن رسمياً أنه انتحر في دمشق نهاية أكتوبر. جمال يهز رأسه قبل أن يتابع طريقه بخطوات ثقيلة. التقيناه بعد مئات من الأمتار لاحقاً، وبحوار مقتضب وصريح قال، محدقاً بالأفق: "أقل من ربع الناس يصدّقون أن غازي كنعان انتحر". وأردف:"أصيب الجميع بالألم، الكل كان غاضباً بشكل مريع". وأضاف: "لماذا قتلوه؟ لماذا قتلوه؟ لا أحد يعرف". ويعمل جمال منذ ثلاثين عاماً في وزارة الدفاع في مدينة اللاذقية المجاورة. وبدون شك، فإن خوفه من عمليات التطهير التي يُقال أنها طالت أنصار وزير الداخلية السابق هي التي جعلته يفضّل الحديث عن "القّدّر".

إن" بحمرة"، مسقط رأس غازي كنعان، وهي قرية جبلية وسط منطقة مزروعة بأشجار الزيتون، تفضّل الصمت. ولكن صمت سكانها مفعم بالمرارة. نحن هنا في قلب منطقة العلويين، تلك الأقلية التي خرجت من ألف عام من التهميش الإجتماعي والسياسي وباتت تدير شؤون سوريا بيدٍ من حديد منذ العام 1969. ومن هذه الدساكر الفقيرة، التي كانت ترسل بناتها ليعملن كخادمات لدى البرجوازية السنية في المدن قبل أقل من نصف قرن، يجنّد النظام القسم الأكبر من كوادر جيشه وأجهزته الأمنية. ولكن المصاعب التي تواجهها سلطة بشّار الأسد، المتّهم بالتورّط في اغتيال رفيق الحريري، تدفع الطائفة العلوية للتساؤل عن مستقبلها.

يقول أحد المراقبين في اللاذقية: "مع الأب حافظ الأسد (توفي عام 2000)، كانت الطائفة العلوية محمية من رجل قوي. اليوم ترى الطائفة أن الابن لا يملأ مركزه. هذا ما يدفعها للخوف من فقدان السلطة. وما سيتبه من أعمال ثأرية". ويضيف: "الأب كان يعرف كيف يمتص الضغط والاحتقان الموجود دائماً بين عشائر الطائفة العلوية، كان يحميها ويشتري ولاءها. أما مع بشار الذي لا يزور المنطقة إلا نادراً، فالعلويون يدركون أنه لا يدافع عن الطائفة، بل أن ما يهمه هو أسرته وحدها". وعلى غرار غيره، فإنه يشير بذلك إلى السلطات غير المحدودة التي يتمتع بها شقيقه ماهر قائد الحرس الجمهوري، وآصف شوكت زوج شقيقته المسؤول عن المخابرات العسكرية، وأبناء أخواله من عائلة مخلوف، التي تملك موقعاً نفوذا تجارياً طاغياً.

إن عدداً من المسؤولين العلويين لم يعد يتردّد في التنديد علناً بهذه الهيمنة السياسية والإقتصادية. ويقول محمد سلمان وزير الاعلام السابق بين (1987 ـــ 2000) الذي كان مقرّباً من حافظ الأسد: "على بشار أن يقوم بإحداث تغييرات سياسية داخلية". ويضيف: "على بشّار أن يعدّل الدستور عبر استحداث قانون للتعددية الحزبية. وعليه أن مع المجتمع الدولي"، ويستطرد قائلا: "عندما وصل بشار إلى الحكم، بدا وكأن لديه رؤيا إصلاحية لمستقبل البلد. وحتى الآن، فإنه لم ينجح بايجاد الطرق الناجعة للاصلاح. إن على أي رئيس عليه أن يملك الوسائل اللازمة لتطبيق سياساته". والمعنى الضمني لهذا الكلام هو أن على بشّار أن يرحل إذا كان عاجزاً.

أما ميشيل كيلو، وهو أحد الناطقين بلسان المعارضة في دمشق، فيقول: الخطر على بشّار ليس من انتفاضة شعبية، ولا من المعارضة. الخطر يأتي من قلب السلطة العلوية، التي تعيش صراعات مبهمة". ويُقال أن بؤرة التوتّر تشمل أعضاء عائلة الأسد من جهة، والمسؤولين الذي أبعدهم بشّار في السنوات الأخيرة من جهة أخرى. ويقول محمد سلمان أن عدداً من "بارونات" النظام، مثل مدير الإستخبارات السابق علي دوبا، والجنرالات علي حيدر، وشيق فيّاض، وغيرهم من كبار العلويين، مستاءين من الوضع. وقد عقد بعض هؤلاء لقاءات مع معارضين. وما يزال رفعت الأسد- شقيق حافظ الأسد، الذي حاول الإنقلاب عليه قبل سنوات- يتمتّع ببعض التأييد بين علويي الجبال، بفضل الأموال التي يوزّعها إنطلاقاً من منفاه الأوروبي.

وفي ضوء هذه المناورات، ينبغي أن نفهم ما حصل قبل 6 أشهر حينما تم اقصاء بهجت سليمان الذي كان رئيساً لجهاز مخابرات مقرّب من بشّار، بسبب شكوكٍ في وجود علاقات بينه ورفعت الأسد. وكذلك، وبالأخص، موت غازي كنعان، أي الجنرال العلوي الذي كان يملك أفضل حظّ في لعب دور البديل لسلطة بشار الأسد". ويقول محمد سلمان: "هناك معارضة داخل النظام حتى ضمن حزب البعث، الذي شهد إجتماعات صاخبة في الآونة الأخيرة". لكن، ما هو حجم قدرات المعارضين العلويين؟ الجواب هو أن قدراتهم ضعيفة داخل سوريا، لأنهم حُرِموا عند إقالتهم من وظائفهم من الإمكانيات التي كانت تسمح لهم باستقطاب "أنصار" داخل الجيش وأجهزة المخابرات. ويشير معارض آخر إلى أن قدرات هؤلاء محدودة كذلك "لأنهم يخافون على عائلاتهم". وفي أي حال، فقد عمد النظام إلى فرض قيود على سفر عدد من المسؤولين إلى الخارج.

ونعود إلى محمد سلمان الذي يقول: "العلويون جزء لا يتجزّأ من الشعب السوري. وأنا أؤيد تقاسم السلطة، وأقول ذلك كسوري وليس كعلوي". ويعتقد وزير الإعلام السابق، وأصدقاؤه، أن على الطائفة العلوية، لكي تنقذ نفسها، أن تذوب في محيط ديمقراطي". ويعقّب المعلّق الذي تحدّثنا إليه في اللاذقية: "إنهم يلعبون ورقة التعددية الحزبية لكي يندمجوا في مسارٍ يمكنهم التحكّم به، الأمر الذي سيحول دون عمليات تصفيات الحساب التي سيقوم بها السنّة إذا ما وصلو إلى السلطة في دمشق".

شفاف الشرق الأوسط

كيف نتحمل الحياة وليس في سمائنا غير السواد؟

أدونيس فـي الذكرى الأولى لغياب هشام شرابي:

كيف نتحمل الحياة وليس في سمائنا غير السواد؟

بدعوة من مؤسسة سعادة للثقافة، واللقاء الثقافي الفلسطيني، و"دار نلسن"، تم إحياء الذكرى السنوية الأولى لوفاة المفكر هشام شرابي، في قصر الأونيسكو، وألقيت كلمات لكل من رئيس اللقاء الثقافي الفلسطيني أنيس الصايغ والدكتور كلوفيس مقصود وزميل شرابي في جامعة جورجتاون مايكل هادسون والشاعر أدونيس ووزير الثقافة طارق متري فكلمة للعائلة. وفي ما يأتي النص الحرفي لكلمة أدونيس.

في المأثور التاريخي أن بلقيس الملكة سألت سليمان النبي، عندما التقته:

- "ما لون الرب"؟

لا نعرف جواب سليمان، او لعله لم يجب. ولا نعرف إن كانت بلقيس سألته لكي تمتحنه، أم لأمر آخر.

ضحك هشام شرابي عندما رويت له هذا المأثور في أحد لقاءاتنا الاخيرة في بيروت، في بيته المطل على البحر. وشعرت أنه يضحك، مبتهجاً على نحو خاص، بذكاء المرأة بلقيس.

ثم قال فجأة:

- ماذا لو نستعيد لغة بلقيس ونسأل معاً: ما لون عصرنا العربي؟

- لكن من اين نبدأ؟

- نبدأ بصداقتنا التي نشأت بلقائنا في الحزب السوري القومي الاجتماعي.

قلت: ليكن خصوصاً أنني أعد هذه الصداقة مفصلاً اساسياً في تاريخ عملنا المشترك، لا على الصعيد الفكري وحده، وانما كذلك على الصعيد الشخصي. وأذكر أننا كنا متفقين على أن ما جذبنا الى هذا الحزب، في نشوة بحثنا عن سبل النهوض والتقدم في بلادنا، يتمثل اساسياً في ثلاث أفكار:

الفكرة الاولى هي العلمنة، لكي يمكن التأسيس لمجتمع مدني.

والفكرة الثانية هي السلالة التاريخية لكي يمكن أن نتخطّى الانتماءات العرقية وما قد يرتبط بها من الممارسات العنصرية.

والفكرة الثالثة هي الخلاسية الحضارية، توكيداً على التعدد والتنوع والاختلاف وعلى الانفتاح الخلاق، والتفاعل السمح.

وكانت صداقتنا تنمو، وتتعمق في المناخ الثقافي الذي تخلقه هذه الافكار او توحي به.

هكذا كانت أفكارنا تتنوع حتى التضاد، أحياناً في قضايا كثيرة ترتبط بنشاط الحزب وأفكار أنطون سعادة ومفهوماته، وكان كل منا يصغي الى الآخر دون أن يتهمه بالانحراف، او يخوّنه، كما كانت العادة جارية. وفي هذا كنّا نؤكد على التعددية داخل الأفق الواحد. وكان كل منا يستطيع أن يقول في ذات نفسه: "الصديق آخر هو أنت"، كما كان يقول سلفنا الكبير أبو حيّان التوحيدي. أو كنّا نمزج، في صداقتنا، بين الحياة والحب، بين الفكر والشعر والغبطة، بحيث لا تكون الحياة التي توحّد بين عاشقين أقل من كوكب آخر يضاف الى أجمل الكواكب.

أعود الى سؤالك: ما لون عصرنا العربي؟

هل نجد هذا اللون في التنمية، وتوفير فرص العمل، وتعزيز النتاج الوطني، على سبيل المثال؟ أم هل نجده في الديموقراطية وقيمها الخاصة بالحرية والعدالة وحقوق الانسان؟ أم هل نجده في إنشاء مراكز البحوث العلمية والفنية والفكرية؟ أم هل نجده في ارساء التعددية الحزبية السياسية الفكرية التي تحترم الاختلاف وحقوقه، وتعمل مؤتلفةً من أجل إرساء القيم الانسانية والحضارية؟

أم ترانا نجده في الناصرية وفي عبد الناصر الذي توّجته القلوب والمشاعر، من المحيط الى الخليج وفقاً للعبارة الشائعة توّجته ملكاً عليها، الناصرية التي لم تكن، كما أثبتت التجربة أكثر من شمعة سرعان ما انطفأت؟

هل نجده في بغداد "الصدّامية"؟ و"الاميركية"، تلك المقبرة العظمى لكل ما هو انساني وخلاق؟

هل نجده في عسكرة الحياة والمجتمع، بحيث أصبحت الخوذ والدبابات أعلى شأناً من الجامعات ومن الفلسفات والعلوم والفنون، ومن الانسان نفسه؟

أم ترانا نجد هذا اللون، على العكس، في الطغيان، والقمع، والسجن، والتجويع، والتشريد، والنهب، والتفتت الاجتماعي، والفساد، والقتل؟

وهناك، في هذا الاطار اسئلة كثيرة أخرى، يمكن طرحها وما قدّمته، قدمتهُ، تمثيلاً لا حصراً.

لكن، لن يكون الجواب عن السؤال: ما لون عصرنا العربي، مهما تسامحنا، الا هذا الجواب:

إنه لون الدم والقتل.

لون الخراب غير الجميل.

غير أن السؤال الاكثر إلحاحاً وعمقاً والذي كان يحيرنا معاً هو: هل لمرحلتنا هذه، هل لعصرنا نهاية؟ والجواب الاكثر صحة هو الذي يعطى في ضوء الرؤية الوحدانية التي أسست للثقافة العربية، والتي تهيمن عليها. لا في ضوئها، وحده، وانما في سياقها كذلك. وسيكون الجواب آنذاك نفياً. فمرحلتنا في منطق هذه الرؤية ليست الا جزءاً من لا نهاية غيبية، من زمن لا يتحرك الا بخطوات الابدية. والفرد فيها لا ينتهي، وانما يُنهى. ولا يبدأ وانما يُبدَأ. الغيب أنشأنا، وهو الذي يردنا الى أحضانه. الغيب ماضينا الذي هو حاضرنا والذي سيكون مستقبلنا.

الاول لا يزال يُملي كأنه الاخير.

لا تزال الخلافة تجرّ أذيالها في رؤوسنا وفي ساحتنا وعلى عتباتنا. هكذا تتحرك حياتنا، اليوم، فيما وراء البداية والنهاية تتحرك في فراغ بلا حدّ. كأنها خارج الزمن. بماضيها يُصنع حاضرها وبطين المصادفات يُجبل مستقبلها.

ومشكلة تاريخنا اذاً خلافاً للتاريخ عند معظم الشعوب هي في أنه لا ينتهي. ولانه لا ينتهي يسير أعمى لا هدف له ولا معنى.

والسؤال هو: ان كان التاريخ كذلك فمن اين للفرد أن يعرف مَن هو؟ مَن أنا؟ مَن نحن؟ هو السؤال الذي يجب البدء به، لكي تُرَجَّ هذه الرؤية الوحدانية للانسان والعالم وهذه الثقافة القائمة عليها لكي تُرجَّ من أصولها ومن جميع الاتجاهات وعلى الأصعدة كلها.

هذا السؤال نفسه أججه فينا أنطون سعادة والحزب الذي أسسه وانتمينا اليه وأعطينا للنضال في سبيل مبادئه أجمل وأبهى أحلامنا السياسية والاجتماعية. وكم كنا نتمزق عندما كنا نتطارح أوضاع الحزب السياسية، ونرى أن جميع أنواع الاضطهاد الذي أصاب الحزب لم تكن، على الرغم من وحشيتها، تسوّغ للسياسة الحزبية أن تُدخل الحزب في منطق الثقافة السائدة التي نشأ رفضاً لها، منطق التبعية والالغائية والاقصائية والعنف، المنطق الذي حكم تاريخنا، والذي لا يزال يقود حياتنا السياسية والفكرية بشكل او آخر، قليلاً او كثيراً، ملغياً كل امكان للعمل في اتجاه التأسيس لتعددية علمانية، حقاً، ديموقراطية حقاً.

وفيما كنا نعمل، كل بطريقته الخاصة، على ان يمارس الحزب الديموقراطية ويقرّ التعددية، كانت الاحداث تعمل أسرع منا. هكذا سبقتنا وَهَمّشتنا أنت وأنا، أو اسقطتنا على جانب الطريق بلغة رفقائنا القدامى. لكنها كذلك جرّت الحزب الى ما لا يمكن وصفه بأقل من أنه كان ضدّ قيمه الفكرية والخلقية، وضد المعنى العميق الذي ينهض عليه. وكنا استناداً الى المعايشة، نلاحظ ان رفقاءنا في الحزب يسلكون ويفكرون بوصفهم لا لبنانيين انعزاليين. اولاً- عروبيين وحدويين اكثر منهم بوصفهم سوريين قوميين اجتماعيين. كنا نلاحظ كذلك ان القوميين العرب ليسوا قوميين عرباً، بقدر ما هم لا سوريون اولاً - لبنانيون، وان الشيوعيين هم الاضداد، أكثر مما هم الشيوعيون او الماركسيون. كان كل منا محدّداً سلبياً، وكان كل حزب يتميز بالعداء للآخر، لا بإشعاعه العملي والنظري. او بعبارة ثانية، كان نضال كل حزب يتمثل، جوهرياً لا في العمل على تحقيق مبادئه او عيشها، على الاقل، في إطار الحزب، وانما في العمل على إزاحة أعدائه وتدميرهم.

وما يصح في ميدان السياسة يصح في ميادين الأدب والفن. فالعامل في هذه المجالات لا يعرّف نفسه بهويته الخاصة المنفردة، بقدر ما يعرّفها بالتعارض مع غيره. ولقد أثبتت التجربة ان جميع الاحزاب ليست في حاجة الى الأدب او الفن او الفكر الا بوصفه دعاوة وتبشيراً. فلم يعرف، مثلاً، حزب البعث بكل ثرواته لكي ابدأ به، بوصفه الاقوى، او الحزب الشيوعي، او الحزب السوري القومي الاجتماعي ان يصدر مجلة او جريدة تطرح اسئلة جديدة على الثقافة او تفتح أفقاً جديداً للتساؤل والبحث.

ومما زاد هذا الوضع سواداً وبؤساً ان النظام السياسي الثقافي العربي استطاع ان يجمع حوله الاتجاهات كلها في جوقة ايديولوجية، توحّدت فيها جميع الألسنة في لسان ببغائي واحد.

أعود الى سؤالك يا هشام: ما لون عصرنا؟

لكن، هوذا نحن نتقلّب في شباك سياسية لا ترى، لا تقرأ، لا تعمل. سياسة مسرح للدمى. مسرح ظلال تتداخل في فضاء ريح هوجاء. ونعرف جميعاً ان وراء هذا المسرح الدين والسلطة والمال. كل ما عدا ذلك توهّم وتخييل. مسرح ضد اللغة وضد العقل، وضد الفكر. ضد كل ما يهجس به الانسان من أجل ان يخلق عالماً انسانياً كريماً وعادلاً وحراً. وما سيعني اذا الانسان نفسه؟ لن يكون على هذا المسرح الا دمية او آلة. وماذا ستعني اذاً حقوق الانسان؟ لن تكون على هذا المسرح الا الفاظاً جوفاء.

ولست أعرف بأية استراتيجية مرحلية او نضالية يمكن ان نسوغ غياب الحريات وغياب السؤال والنقد او السكوت عن ممارسة افعال قروسطية وبخاصة فيما يتعلق بالمرأة، او فرض الآراء والمعتقدات على بشر يرفضونها، او النظر الى سلطة النظام بوصفها تمثيلاً لسلطة "الأمة" او "الشعب" او "التوحيد" بين "النظام" و"الوطن".

هكذا لا نرى للعربي في لون عصرنا، الا صورتين: ظالماً او مظلوماً، قاتلاً أو قتيلاً، غنياً أو فقيراً، شبعان او جائعاً، مقيماً أو مهاجراً. وتقترن بهاتين الصورتين صورة ثالثة تُختص بما نسميه الثقافة العربية، تقول للعربي: ان أردت أن تعيش في راحة واطمئنان، فعليك ان تعيش دون أفكار ودون آراء وعليك ان تنسى خصوصاً تلك الغولة البشعة التي تسمى الحرية.

وها هي الحرية ترذل وتُحقّر وتهان بحجّة أو بأخرى: "الأمة"، "القضية"، "المرحلة". غير ان غياب الحرية في الداخل ولّد مزيداً من التبعية للخارج، وغيّب العدالة والمساواة ووحدة المجتمع، وولّد العنف وثقافة العنف، مما أدى، في النتيجة الى تغييب الأمة والقضية. وهذه "النحن" المتوهمة سحقت "الأنا" الحقيقية. فالفرد مجرّد رقم او مجرد اسم. وها هي حركة النحن الشعب أو الأمة كمثل حركة الأنا الشخص، جامدة، هامدة، وها نحن جميعاً، أفراداً وشعوباً، نعيش في فراغ مجروفين وليست لنا أية سيطرة على الزمن الذي يجرّنا وراءه.

تلك هي نتيجة من نتائج النظام البطركي أو الابوي المفهوم الذي وضعتَه بعيني ناقد بصير، وبصيرة نفاذة. وفي هذا أسست لنظرية نقدية تربطك بتراث فكري نقدي عالٍ. وهي نظرية تتغذى من التداخل الفاعل بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية والتاريخ الحضاري. ولقد ركزت، بخاصة، على فعل المؤسسات في حياة الافراد الذي يكوّنون المجتمع، وفي أخلاقهم وأفكارهم، وتبعاً لذلك على العلاقات الثقافية والاجتماعية. ولئن صح القول ان المجتمع هو مؤسساته، فإنه قول يجد مصداقيته في دراساتك حيث تتقاطع وتتداخل الفلسفة الاجتماعية والفلسفة الاخلاقية والفلسفة السياسية.

وقد أعطيت أهمية خاصة لمسألة الاعتراف بالفرد، امرأة ورجلاً، بوصفه ذاتاً حرة ومستقلة. مما يقتضي الاعتراف بحق الحميمية الشخصية، حميمية الضمير، والحياة الخاصة، بدءاً بالعاطفة وما يتصل بها من حب وصداقة. وهو اذاً اعتراف يتيح للفرد الثقة بكينونته المستقلة، وبوجوده المتميز. يتيح كذلك الاعتراف بالمساواة بين الافراد، المساواة التي ينبغي أن يؤكدها القانون وان يوفر لها شروط التحقق والتفتح والنمو. وفي هذه النظرة أعطيتَ للمرأة اهتماماً خاصاً، ونظرت لما يخلّصها من دونية مكانها ومكانتها في النظام الابوي العربي، ومن هامشيتها واغترابها. المرأة العربية في حاجة كيانية الى ان تسترد هويتها المسلوبة في هذا النظام انثى سيدة على جسدها، وعضواً عاملاً في المجتمع، سيد رأيه وعمله وفكره. واذا هي في حاجة الى الاعتراف بها قانونياً، واجتماعياً، وثقافياً. المرأة العربية اليوم هي، في الاغلب الأعمّ، وجود كمّي غير فاعل، مستسلم، فهو اذاً خضوع يكاد ان يكون أعمى. إنها اسم آخر مبني للمجهول، تابع، سجين، وضحية. وفي النظرية التي أسست لها ما ينقلها الى موضع الفعل الخلاّق في مختلف الميادين السياسية والاجتماعية والفكرية. ان حياة المرأة العربية تندرج في تاريخ فاجع من الجراح: جراح الحرية والعدالة، جراح القيم والثقافة. ان وضعها يجسّد الجرح النازف الأليم في جسم الحياة العربية. والشرط الاساسي لكي تصح هذه الحياة وترقى الى المستوى الذي يؤهلها للتغيير والتقدم هو ان تبرأ من هذا الجرح. هكذا أسست للضرورة الملحة في دراسة المجتمع العربي ضرورة ان يعاد تشكيل الاطروحات السائدة وان تعاد صياغتها في أفق العمل لتغيير جذري يطيح بنية البطركية الابوية. فهذه الاطاحة هي في أساس كل تقدم او تغيير حقيقي.

ومن ظواهر السلطة البطركية، خلافاً لما قد يظن، سلطة اللغة العربية، بوصفها تحمل تاريخياً، قيم النظام الابوي العربي وفكره وشعره. وقد رافقتنا، يوسف الخال وأنا وبقية أصدقائنا الآخرين، في العمل لتهديم هذه السلطة في مجالنا الخاص.

في ضوء نظريتك النقدية للنظام الأبوي العربي، سياسياً واجتماعياً وثقافياً يمكن أن نسأل: هل تفكر المؤسسة الدينية، او هل يفكر الدين بوصفه مؤسسة؟ وهو سؤال كان الواقع هو الذي يُمليه. فقد كان ممثلوه يقدمون فهمهم لقضايا الدين بوصفه الفهم الوحيد والاخير. وكان هذا الفهم نوعاً من التفقه يتحول الى سلطة معرفية، تتحول بدورها الى سلطة سياسية. وكنا نتساءل: ما يكون في مثل هذه الحالة، دور المفكّر بحصر الدلالة في ثقافة تنهض اساسياً على مثل هذا التفقه؟ هل يستسلم له وللقائمين به وعليه؟

والجواب طالما أعلناه وكرّرناه: كلا. لكن عندما كنا ننظر حولنا في حركة الفكر، لم نكن نرى الا الاستسلام، بشكل او بآخر، طوراً باسم السياسة والوضع والحالة، وطوراً باسم المرحلة والظرف، وهو استسلام متواصل، وآخذ في إلغاء الفكر، او في تحويله الى نعم نعم، لا لا أي الى مستنقع لغويّ.

الفكر الخلاق استقصاءٌ تغويه الاقاصي يظل موغلاً الى الامام لا يوقفه أي حد.

وفي الفكر الخلاّق متعة لا تنحدّ في الذهن وحده، وانما تشمل الجسد ايضاً. والفكر اذاً يتحرك في عالم لا يحده بالضرورة الشرع ومعاييره، سواء كان شرع المؤسسة الدينية او شرع الحياة اليومية. هكذا يسير الفكر دائماً لا تعرقله المسلّمات أياً كانت، طبيعية او ما ورائية، ولا يتعصّب ولا يتزمّت ولا ينغلق لكن تبقى فيه غصّة، تلك التي تشير الى ان البحث طويل والحياة قصيرة.

غصّة الوقت الضيق، واستحالة الكمال. ويظل في هذا كله، هنا وهناك مخرِّباً بالمعنى النبيل الخلاق لهذه الكلمة، أعني انه لا يُعنى بتقاليد الحكمة العملية، كما تتجلى خصوصاً في المؤسسات السياسية والاكاديمية والاجتماعية وليس له ان يقدم أي حساب الا في اطار المعرفة الحرة والبحث المستقل. وسلطة المعرفة هي وحدها السلطة التي ينحني امامها الفكر نشوة دائمة نشوة لا تنعش دائماً، خصوصاً في المجتمع العربي لأنها مليئة بالحيرة والتمزق والعذاب ولانها ضد التيار وضد الامتثال وضد التقيد بالاعراف السائدة.

الجذرية واعادة الاكتشاف دائماً وابداً: هذا ما ينبغي ان يصدر عنه الفكر العربي الذي لا أفصله عن العلم والشعر والشعر الذي لا أفصله عن الفكر والعلم، كلٌ بحسب رؤيته، وكلٌ وفقاً لطرق تعبيره.

هكذا تُشقّ المنظومات المغلقة، وتُفتح ابواب جديدة على المجهولات، وتُحرّر اللغة من محمولاتها التقليدية. وهي مهمات تكاد ان تكون مستحيلة في ثقافة تهيمن عليها سياسة الشرع وشرع السياسة. انها الهيمنة التي تنظر الى الشعراء بوصفهم هائمين وفقاً للرؤية الأفلاطونية. علماً ان في هذا الوصف السالب نفسه تكمن بالنسبة اليّ خصائصهم الايجابية ويكمن مجدهم الذي لا مجد الاّ به.

ولئن استمرت هذه الهيمنة، فلن يكون وراءنا، وحولنا، وأمامنا، الا كل ما يمنع الفكر يمنع السؤال، ويحول دون البحث. لا فكر الا حيث لا شيء يمنع الفكر، سواء تمثل هذا الشيء في المؤسسة الدينية او السياسية او السلطوية. قل لي ما فكرك، وما مدى حريتك في هذا الفكر، أقل لك مَن أنت، وما درجة الانسانية فيك. وما أشقى الانسان الذي يُفرض عليه ان يمضي حياته خارج السؤال في القمع والجهل.

إنني في حاجة الى سماء أبدية الزرقة لكي أتحمل الحياة، يقول نيتشه. فكيف نتحملها نحن، وليس في سمائنا غير السواد؟

هذه الزرقة رأيتها شخصياً في "الجمر والرماد". عندما أقرأه، أقرأ الثنية، الخفيّ، اللامرئي، وأستشف ما وراء هذا كله. أقرأ الفراغ وما لا يُعاش، وأقرأ ما يعاش: الخبرة، التجربة، الملموس النابض. أقرأ الظن والشك والحيرة.

لماذا أكون ملكة عندما لا أقدر أن أكون امرأة؟ هذا او تقريباً ما قالته الملكة الاسوجية كريستين وتنازلت عن العرش لكي تكون نفسها، لكي تظل امرأة.

لماذا أكون كاتباً عندما لا أقدر ان أقول ما في فكري وما في نفسي؟ هذا او تقريباً السؤال الذي يحرّضنا كتاب "الجمر والرماد" على ان نطرحه دائماً قبل الكتابة وفي أثنائها وبعدها.

حقاً يبدو الموت أحياناً كأنه نوع من القتل:

اذا ما تأملت الزمان وصَرَفه

تيقنت ان الموت نوع من القتل.

يقول المتنبي. فحين لا يجيء الموت كمثل تنفس يتصاعد من رئة الطبيعة لا يعود موتاً. يصبح نوعاً من القتل.

لم يمت هشام شرابي مقتولاً تماماً وانما مات نصف مقتول: بالسياسة ابنة الزمن، السياسة التي خاضها في صيغتها العملية التي فشلت وبالمرض ابن الموت.

أما من جهة السياسة فقد كان خيراً له اذا قارنا بين ما أعطاه وما أخذه، أن يأخذ بنصيحة فيلسوف يوناني قديم لصاحبه ان يحيا كأنه "يتدلى من سلّة في الفضاء مكتفياً بالنظر الى السماء والشمس"، وهذا ما لم يفعله.

وأما من جهة المرض، فلم يكن له خيار إلا ان يصارعه بالسلاح الأكثر مضاءً: متعة الحياة حتى آخر شهقة فيها وهذا ما فعله.

وفي هذا كان هشام شرابي سقراطياً ينظر الى الحياة ببصره وبصيرته معاً. يرى فناء الشخص جزءاً من الحياة لكنه في الوقت نفسه يرى ان هناك ما يبقى وما يغلب الفناء: الحب، الفن، الصداقة، الابداع. يبقى كذلك المكان الذي يحضننا لكي نمارس هذا البقاء لكي نحسن بخاصة ان نمارس الحب والكتابة والصداقة.

ما أكثر ما كنا نتحدث عن هذا المكان الذي هو عزلة تُبعثر صاحبها الفرد في الجمع. بدءاً من عزلة انطون سعادة في عرزاله، واستعادة للأكواخ التي أضاءت ظلام العالم: برميل ديوجين، محبس المعري، تسقيفة هولدرلن، مصحّ نيتشه، كوخ هايدغر. اضافة الى تلك المنافي التي بناها كبار الخلاقين داخل عروقهم وأحشائهم.

كان لهشام شرابي وطن آخر داخل وطنه، فضاء حميم في الذروة من الخصوصية يسهر فيه على حريته كما لو انها طفلة في خطواتها الاولى، في واقع يدب كأنه وحش يتفكك خلية خلية، عضواً عضواً، ويتطاير هباء.

وما هذه اللحظة التي تجمعنا الآن في هذا الليل الشامل الذي يلفّ الخريطة العربية؟ وما نقول، فيما نرى اليها تتشقق وترتطم براءة ارضها بعبث السماء؟ شخصياً أكرر ما قاله سقراط مرة: الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً، او لنقل بصيغة أخرى أقل تشاؤماً: "من يقدر أن يتكلّم لا يعرف، ومن يعرف لا يقدر أن يتكلم".

انه عصرنا، وها أنت تخترقه قبلي وتدخل الى ذلك العالم الذي لا عودة منه، والذي ذقنا طعمه الفاجع في كلام جلجامش قبل آلاف من السنين. انه عصر ضياع وشقاء قد لا يكون لهما مثيل، ومع ذلك عشناه وفكرنا، وأحببنا، وكتبنا واحتضنّاه بوصفه مقدمة للأمل والاستبصار حتى ونحن غارقون في رماده .

ملحق النهار الثقافي

حضارة بالارقام و أخرى بالاوهام

حضارة بالارقام و أخرى بالاوهام

نزار جاف

الحوار المتمدن

کثيرة هي مآخذنا على الحضارة الغربية، فتارة ننعتها بحضارة ذات جذور و أسس شريرة، وأخرى نصفها بأنها حضارة مرکبة من تراث الآخرين، وأکثر الاحيان نقر بأنها حضارة تفتقر الى الاحاسيس و المشاعر. وبرغم تباين تلک المآخذ و التضارب الضمني"بعض الاحيان"فيما بينها، فإنها وفي جذورها الاساسية تعود لمبررات تتعلق غالبيتها بطبيعة نظرتنا الفکرية ـ الإجتماعية للعالم وکيفية تفسير مفردات الوجود من خلال مقوماتها. وهنا، من الضروري جدا الوقوف طويلا أمام ذلک الدفق المتدافع من الاحاسيس و المشاعر الانسانية المتباينة في مجمل النشاطات الابداعية في بلدان الشرق برمتها، والذي يستدعي لا التأمل و الإنبساط الذاتي فقط، وإنما يتطلب في واقع الامر بحثا إستقصائيا ـ إستقرائيا مفصلا يسبر أغوار الشخصية الشرقية إجتماعيا و تأريخيا لکي نقف على الجوانب الحقيقية لهذا التدفق الاحساسي غير المألوف في النشاط الابداعي بکل أوجهه المختلفة. وقطعا لست في هذا المجال الضيق بصدد تقديم مثل ذلک البحث المفصل، لکنني أسعى من خلال إيماءات أو إضاءات محددة في بعض المنعطفات التأريخية هنا و هناک أن أرسم صورة تقريبية للأمر. ويقينا سوف يکون هناک حالات من التفاوت و الاختلاف و حتى التنافر بين الاحداثيات التي أستشفها من محاولتي هذه، کما أنه ستکون هناک أيضا حالات من التقارب و التشابه لکنها لن تصل الى درجة التطابق التام. وحين نقارن بين عملية التدوين للتأريخ بين بلوتارک مثلا والطبري، نجد أنفسنا أمام رؤيتين مختلفتين لواقعين متباينين من العديد من النواحي، لکنهما متشابهين من نواح أخرى. وکمثال على التباين، فإن الطبري يلجأ أحيانا الى نقل العديد من الاراء المتضاربة مع بعضها حتى بخصوص قضية محددة، لکن بلوتارک يکاد يستند على رأي محدد بسقف قد لا يحتمل التضارب. الطبري حين يروي تفاصيل معرکة الجمل ويقف عند حادثة المحاورة الشهيرة بين الامام علي و الزبير أبن العوام، فإنه يسلک سبيلا يجمع بين قوة المنطق و جذوة الإحساس الانساني بمشاعر جياشة، ويبدو هذا الامر واضحا حين يقوم الامام علي"کما يروي الطبري"، بتذکير الزبير بسابق علاقتهما و کيف أن الرسول قد أخبره ذات يوم بأنه سوف يکون مع الفئة الباغية التي تقاتل عليا، وحينها ينسحب الزبير من المعرکة إقرارا منه بحقيقة ما رواه علي. أما بلوتارک، فإنه يرسم ملامح الندم على محيا الشخصيات التأريخية بصيغة تأخذ أبعادا أخرى، لکنها وبرغم ذلک تتفاوت مع ملامح الندم عند الطبري، إذ أن بلوتارک حين يروي المسار الدرامي لحادث إغتيال يوليوس قيصر في مجلس الشيوخ الروماني، فإنه يتتبع بروتس تحديدا و يسلط الاضواء على مقتل المشترکين في الحادثة الواحد تلو الاخر حتى يصل الى بروتس حيث يکون ندمه متجليا في إنتحاره يأسا وليس أسفا على قتله لصديقه! في حين أن الزبير حين ينسحب من معرکة الجمل کإقرار ضمني بموقف أخلاقي محدد، فإنه وبعد أن يلقي حتفه بطعنة غدر من"عمر أبن جرموز"أثناء الصلاة، فإن ملامح الاسى ترتسم على قسمات وجه علي حين يفاجئه القاتل برأس الزبير طمعا في المکافأة. هاتان الصورتان وإن تباينتا في العديد من الجوانب، فإنهما في نفس الوقت يحملان مضامين إنسانية قد تتغاير في درجات تساميها وإنحطاطها. من هنا، فإننا قد نجد في المراحل التأريخية المعاصرة في الشرق و الغرب على حد سواء ثمة خطوط رفيعة تغدو في بعض المنعطفات التأريخية المهمة و الحساسة قواسم مشترکة عظمى بين الجانبين. على سبيل المثال لو نظرنا الى حادثة سقوط إسبانيا بيد الامويين ومن ثم سقوط الاندلس"فيما بعد" على يد إيزابيللا ملکة قشتالة، لوجدنا حالتين متنافرتين من حيث الإحساس العرقي و الديني، لکنهما تتشابهان تماما من حيث بعديهما الإنساني، إذ أن الانسان في إنتصاره أو في هزيمته ، في قمة إحساسه بنشوة النصر أو في أقسى حالات إنکساره النفسي، يبقى هو الانسان في خطه العام. وهنا فإن الاشارة الى إبداعات وليم شکسبير قد تکون مسألة إستطرادية مفيدة لبيان مقاصدنا الاساسية، ذلک أن شکسبير"بحسب رأي غالبية النقاد العالميين الذين بحثوا في تراثه الثر"، قد إستطاع تجسيد السجايا الانسانية في أبدع لوحات أدبية و فنية، وهو قد بين في کل أعماله الابداعية حقيقة أن الخصال الانسانية الاصيلة من کراهية و حب و حقد وحسد و ماإليها، هي ذاتها عند کل الشعوب على الکوکب الارضي. هذه المسألة، هي ذات أهمية خاصة، تدفعنا لإعادة إستقراء الکثير من الامور التي هي اليوم موضع جدل و خلاف، سيما تلک التي ترمي کل الکرات"الانسانية ذات البعد الروحي" في السلة الشرقية و تدفعنا للتصور بأن السلة الغربية ماهي إلا بؤرة موبوءة بالجفاف و القحط الروحي! صحيح أن هناک نوع من التفاوت في مديات التجسيد الواقعي للإحساسات الانسانية بين شعوب العالم، لکن ذلک لايعني بالمرة إنعدامها عند شعب و ووفرتها عند شعب آخر. لو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر الشعب الالماني و الشعب الهندي مثلا، کنموذجين بهذا الصدد، لوجدنا أن العرق الالماني بطابعه العام يتسم بنوع من الجفاء و الانفة في إبداء الاحاسيس، في حين نرى العرق الهندي سريع البيان و شفاف في إبداء أحاسيسه، بيد أن ذلک لايعني إطلاقا أن الالمان مجردون من الاحاسيس و بعيدون عن شفافية بيان المشاعر الانسانية بقدر ما يعني ذلک أن الالمان قد تطبعوا بهذه الصورة الجافة نوعا ما لأسباب قد تعود لمجريات التأريخ و العوامل و التداعيات المؤثرة الناجمة عنها، رغم إننا يجب أن نقر في نهاية المطاف بأن الاحساس الانساني في کل الاحوال يبقى متواجدا في الذات الانسانية الالمانية وإن أصالة الاحساس الإنساني هي الأساس الذي يجب الرکون إليه في هذا المضمار. إن شخصيات نظير جنکيزخان و نيرون و الحجاج و هتلر و صدام، مع الإقرار بحقيقة کونهم مجرمين بحق الانسانية و إنهم لم يترکوا بادرة خير تجعل المرء يشعر إنهم کانوا حقا أناس أسوياء و إن التأريخ لم ينصفهم، لکن مع کل ذلک، لامناص من الإعتراف بإنسانيتهم في حالات محددة"وإن عادوا طابعها العام"، إذ أن اللحظات التي کان يختلي فيها الفوهرر بعشيقته"ايفا براون"، کان يجسد صورة مثالية للإنسان العاشق الذي تتفجر أعماقه بينابيع العاطفة الانسانية الجياشة، مثلما کان الامر مع الحجاج أبن يوسف الثقفي حين کان يجاهد عبثا کي يبرر شناعة أعماله بحق الناس أما زوجته"أخت القائد المهلب أبن أبي صفرة"، کما إن بنات طاغية العراق السابق عندما يتحدثن عن حنانه الابوي، فإنهن يضعن أمام ناظرنا أب يتدفق إحساسا و حنانا. والحق أن ملکتا الخير و الشر توجدان في أعماق کل ذات إنسانية، إلا أنهما و لأسباب عديدة"تربوية و إجتماعية و حتى وراثية و بيئوية الى حد ما"تتباينان في درجة سيطرتهما على الخط و المسار العامين للإنسان. لو کان القدر يکفل لفرد مثل"صدام حسين" کي يعيش في وسط عائلي غير الوسط الذي کان قد تربى و ترعرع فيه، فهل کان سيبدأ بسرقة دجاجة و ينتهي بسرقة تأريخ و حضارة شعب بأکمله؟ لو کان القدر قد هيأ عائلة و ظروف إجتماعية أکثر صحية للزعيم النازي "أدولف هتلر"، هل کان يرتکب کل تلک الکوارث الانسانية المروعة؟ إن "ألبير کامو"، حين يدعو لکي ندوس بأعقاب أحذيتنا على أصابع أيادي الذين يتشبثون بحافة هاوية سحيقة حتى يسقطوا بالمرة، فإنه يبين و بعد عملية إستقرائية عميقة لجدليتي الخير و الشر في الذات الانسانية، بأن الشر لو إستحوذ بالکامل على الغور الانساني، فإنه سوف لن يکون هناک أي أمل أو بارقة خير ترجى من أن تکون تلک القلة القليلة الباقية من قيم الخير والتي شبهها کامو بتلک الصورة البديعة"أصابع متشبثة بحافة هاوية". وکأن صاحب"الغريب" و "الطاعون"، يريد أن يفصح عن حقيقة مهمة جدا، وهي أن الشر حين يستوطن العمق الانساني و يحتله بالکامل، فإن مثل هکذا کائن ينضو عن نفسه رداء الانسانية و يغدو کائنا غريبا غير مألوفا بالامکان نعته بالمسخ. ألبير کامو، يؤکد أن الشرط الاساسي لإنتماء الفرد الى المجتمع الانساني هو أن لايغلب شره بالکامل على خيره، هو يقبل بالشر و يقر به شريطة معادلته بالخير کحاجز وقائي للحفاظ على إنسانية الانسان. الحضارة الغربية التي نتلقى منذ صغرنا أبجديات کراهيتها و معاداتها، هل من الممکن تشبيهها بذلک المسخ الذي نضى عن ذاته الدثار الانساني؟ هل بوسعنا أن نقارن بين نماذج مثل هتلر و صدام و نيرون، وبين نماذج نظير أنجيلا ميرکل و جاک شيراک و جورج بوش مثلا؟ قد يعرض البعض على وضعي أسم الرئيس بوش مع أسماء القادة السياسيين الاوربيين و يعتبرونه متباينا عن البقية، لکن هذا الامر هو نوع من الخلط غير الواقعي بين الامور، ذلک أن شيراک مثلا لا يختلف بشئ عن بوش إذا ما سلطنا الاضواء على الدور الفرنسي في القارة الافريقية، کما السيدة ميرکل قد لاتختلف بشئ عن بوش لو کانت هنالک مصالح معينة لبلادها في أمريکا الجنوبيـة مثلا وتستدعي حضورا معينا للنفوذ الالماني فيها. وأعود للسؤال مجددا، هل بالامکان المقارنة بين القادة الستة أعلاه؟ هل بالامکان تشبيه دور الاحتلال النازي لبولندا و فرنسا مثلا، بالاحتلال الامريکي لأفغانستان و العراق؟ وهل من الممکن وضع الاحتلال الصدامي للکويت"بدوافع مقرفة للنفس"، في إطار الدور الفرنسي في أفريقيا؟ وإذا کانت الجحافل المغولية قد أبادت العديد من الحواضر الانسانية وأتت على کنوز من التراث الانساني، فإن الدور الامريکي في المانيا و اليابان بعد إنتهاء الحرب العالمية الاولى کان بشکل مغاير تماما، إذ قام بالمساعدة على إعادة بنيان دول کانت سببا في أکبر کارثة إنسانية في العصر الحديث وجعلتهما نموذجين مثاليين في التطور الصناعي و الاقتصادي، وقد لا يکون من الانصاف عدم الاشادة بالدور الامريکي الايجابي في دول البلقان و أفغانستان و العراق، والاصرار على النظر الى زاوية محددة تخدم آفاق فکرية ـ عقائدية معينة أثبتت الايام أنها لاتمتلک موقمات البديل المناسب بقدر ماتثير القلاقل و الاضطرابات لأجل الدفاع عن منظومة سياسية ـ إقتصادية ـ إجتماعية ـ فکرية متخلفة في کل أوجه أدائها و تعاطيها مع الاحداث. إن التحدث عن مقومات البناء الحضاري المعاصر يبدأ من نقطة الصفر، وتحديدا من الاطفال، وعي الطفل و طريقة تفکيره و تعاطيه مع واقعه الموضوعي، يبين تحديدا مدى الانجاز الحضاري الذي توصلت إليه حضارة ما. ولعل الاشارة الى حادثة ملفتة للنظر جرت هنا في المانيا، قد يکون مفيدا في هذا السياق. وبحسب الذي تناقلته وسائل الاعلام الالمانية المختلفة قبل عدة أشهر، فإن أطفال شعبة صف في أحدى المدارس، قد رفضوا الدخول الى الصف للدراسة إحتجاجا على إرجاع زميل فيتنامي لهم الى بلده مع عائلته"بعد إنتفاء أسباب لجوئهم الى المانيا"، وقد بادرت الحکومة الالمانية تحت ضغط هؤلاء الاطفال المتعاطفين مع زميلهم المرحل الى وطنه، الى تبني الموضوع و أوعزت الى السفارة الالمانية في العاصمة الفيتنامية للعمل على إرجاع الطفل الفيتنامي الى ألمانيا، وفعلا تم ذلک الامر وعاد الطفل معززا مکرما بناء على ضغط أصحابه! هذه الحادثة، ربما يحاول البعض التقليل منها أو عدها في خانة المسائل الموظفة لأغراض اعلامية بحتة، إلا أن ذلک لا يقلل قطعا من بعدها و ماهيتها الانسايين العميقين، وهي تؤکد أن الطفل يشکل من بدايته رقما صعبا له ثقله و حجمه الخاصين. والحق أن تلک الاهمية التي تولى للطفل في بلدان أوربا"وفي البلدان الاسکندنافية و المانيا بشکل خاص"، تشکل أساسا قويا و راسخا لتشکيل اللبنات الصحية في بناء شخصية الطفل. الطفل في الغرب هو کائن تهتم به أجهزة الدولة و مؤسساتها المختلفة منذ اللحظة الاولى لنشوئه جنينا في رحم أمه، وهذا الاهتمام يزداد بشکل تصاعدي مکثف حتى تجد الطفل ومنذ سنين عمره شخصية واثقة من نفسها وتطرح وجهة نظرها و تحاجج قبولا و رفضا، ولذلک فإن مثل تلک الحادثة يجب أساسا إستقراء المقومات التي إنطلقت منها، لا دوافع تحاول رسمها اقلام و جهات محددة لأغراض سياسية و إعلامية محددة سلفا. الطفل في الغرب يتم تربيته منذ البداية وفق سياق تکون الرکائز العقلية هي الغالبة على الرکائز العاطفية فيها، في حين نجد في الشرق إتجاها معاکسا تماما، إذ يربى الطفل في وسط يکاد يکون مشرئبا بکل المفردات العاطفية، مع حالة من الجنوح نحو إسقاط التکوين المبکر للعوامل العقلية للطفل من خلال العقلية الإستبدادية"الابوية"المتحکمة في مقاليد العائلة . إن التأکيد على مجموعة قيم و سنن إجتماعيـة و فکرية محددة وإعتبارها حدودا مقدسة لا يجوز تجاوزها، هو في الحقيقة نوع من السبات الاجباري لقدرات العقل الانساني. ولکون الانسان "کائن إجتماعي"من أساسه، فإنه يتکيف مع الکثير من معطيات و آفاق التقدم العلمي و الحضاري، وإن التأکيد في کتابات العديد من الاقلام"المتجمدة حضاريا"على عقم الحضارة الغربية بوضعها الحالي و التصفيق للحضارة الشرقية"بوضعها المربک الحالي"، هو محاولة غير مجدية لنقل صورة حقيقية عن الواقع الموضوعي في الغرب"کما هو من دون رتوش". ذلک أن غالبية الآراء و الإستنتاجات التي تطرح هنا، هي بناءا على دراسات علمية دقيقة وليست کتابات"إنشائية"تدبج فيها مفاهيم لم تعد تتلائم و روح العصر. وقد شدتني دراسة علمية ميدانية أجراها لفيف من علماء الاجتماع الاوربيين و الامريکان حول العديد من المسائل المتعلقة بتربية الطفل من حيث علاقتها بکل من الاب و الام، وقد إختاروا کل من السويد و الولايات المتحدة الامريکية کأساس للموضوع. في ذلک البحث، ثبت علميا و بشکل قاطع أن الاطفال الذين يتربون في ظل عائلة مکونة من الطفل و الام، هم الاذکى و الاکفأ إجتماعيا من نظرائهم الاطفال الذين يعيشون في ظل عائلات مکونة من أب و أم وطفل، أو من أب و طفل! إن مشکلة بلداننا العويصة تتجلى في الاحکام النظرية التي لاتستند على أرقام و بيانات حقيقية مستقاة من أرض الواقع المعاش. إن إعلامنا مازال يصور الطفل الغربي وکأنه کائن محروم من العطف و الحنان وبعيد عن کل أسباب الرعاية الاجتماعية، في حين أن هذا الامر ينطبق تماما على واقع بلداننا. إن الضرورة العلمية و الموضوعية تقود لکي تتم دراسة أبجديات الواقع الاجتماعي ـ الفکري لبلداننا من منطلقات أکثر علمية من تلک التي تسود الان، وأساس تلک العلمية تستند على أنه يجب ربط مسلمات الدراسة العلمية بالواقع الموضوعي وليس حفظه في الارشيف أو المزايدة الاعلامية بها!

حملة توقيعات للإفراج عن الدكتور عارف دليلة وكل المعتقلين السياسيين في سوريا

2006-01-30

حملة توقيعات للإفراج عن الدكتور عارف دليلة وكل المعتقلين السياسيين في سوريا


نطالب السلطات السورية بالإفراج الفوري عن جميع سجناء الرأي في سوريا وكافة المعتقلين السياسيين الذين حوكموا في محاكم غير شرعية واتهموا بتهم باطلة، و ندعو بصورة خاصة للإفراج عن الدكتور عارف دليلة الذي يعاني من عزلة غير إنسانية منذ أكثر من أربع سنوات، ومن وضع صحي سيء.

لا تكن شريكا في الصمت

ضم صوتك الينا وساهم

في حملة للافراج عن الدكتور عارف دليلة وعن المعتقلين السياسيين في سورية

ارسل ايميل إلى أحد العناوين التالية

saerdal@hotmail.com

أو إلى ايميل موقع صفحات سورية

أو أضف أسمك

إلى الحملة الدولية من أجل سلامة وحرية البروفيسور عارف دليلة

سورية: نضال... من أجل أي شيء؟

سورية: نضال... من أجل أي شيء؟

ميشيل كيلو

القدس العربي


هل يناضل البعث اليوم من أجل الوحدة، أم من أجل الحرية أم في سبيل الاشتراكية؟ إذا كان لا يناضل من أجل هذه الأهداف، التي أفشلها لأسباب كثيرة، منها أنه تعامل معها وسوّقها بوصفها شعارات تتصل بسلطته وليست أهدافا ترتبط بمصالح العرب العليا، وأنه أقلع منذ وقت طويل عن العمل لترجمتها إلي سياسات فاعلة، قبل أن يتراجع صراحة عن بعضها ويقفز عن بعضها الآخر في أدبياته وسياساته العملية، فمن أجل ماذا يناضل البعث السوري اليوم؟
وإذا كان البعث السوري قد استمد شرعيته من وعد الوحدة العربية والحرية، العامة والشخصية، والاشتراكية كسبيل إلي التقدم والعدالة وتكافؤ الفرص، وكان الفشل في تحقيقها قد أفقده الشرعية التي استمدها منها، فمن أين يستمد شرعيته اليوم، وما الشرعية التي يسوغ بها حكمه؟ وهل الشرعية البديلة، التي لا يعرف أحد ما هي وتعتبر من المسكوت عنه والمحظور مناقشته، من نمط واحد وطبيعة واحدة؟. وهل تنتمي إلي أيديولوجية التبشير، وتعد بعالم يشبه العالم الذي بشرت الشرعية القديمة به، أم أنها شرعية متقطعة وذرائعية، تختلف في هويتها وتركيبها عن الشرعية السابقة، التي ضاعت، بكونها من أنماط متعددة وتراكيب متنوعة تعكس ما أصاب النظام من تبدل وتغير، وما جعله نظاما مختلفا عن النظام الذي كانت الأيديولوجية القومية/الاشتراكية قد وعدت الشعب به، وفشلت بسبب فشلها في إقامته؟
ليس هناك اليوم كليات قطعية من النوع الذي سيطر في حقبة البعث الأولي، وجعل الشعب يركن لبرهة إلي سياسات أخرجته من السياسة، وعدته بالوحدة العربية والعدالة الاجتماعية والحرية للأمة ولكل واحد من أبنائها. وليس هناك اليوم مواطنا، بعثيا أو غير بعثي، يري في هذه الكليات اليقينية وعدا، ويؤمن أن السياسات والخطط، التي قيل إنها ضرورية لنجاحها، هي سبيله أو سبيل سورية إلي الوحدة والحرية والاشتراكية. بعد نيف وأربعين عاما من التجربة، فقد الشعب أوهاما كان الأمل قد غرسها فيه، وفقد الثقة بقدرة البعث علي تحسين حياته وتوحيد أمته وإقامة مجتمع الكفاية والعدل، فنشأت عن ضياع الأوهام والوعود ثم ضياع الثقة نتيجة رئيسية هي أن عمارة البعث الرسمية الضخمة صارت بلا أساس مجتمعي وشعبي يحملها، وأن سورية تنقسم اليوم إلي مجتمعين يضم أحدهما فوق ، أي قلة سياسية تمسك منفردة بسلطة تستخدمها في إنتاج وإعادة توزيع الثروة لصالح قلة اقتصادية (اجتماعية) سلطوية تسيطر في الوقت نفسه علي شبكات المعرفة والمعلومات وأنماط توزيعها، وعلي الإعلام وأجهزة الدولة والمجتمع الأيديولوجية، كما تتمثل أساسا في المدرسة والجامعة والقضاء، لكنها تفقد أكثر فأكثر السيطرة علي هذه المجالات جميعها، لأن المجتمع الثاني، مجتمع البشر، أخذ يبلور بنجاح متزايد أنماطا من العيش والتواصل والعمل والتفكير، منفصلة عن الأنماط السائدة في مجتمعها أو مضادة لها، تتحرر أكثر فأكثر من رقابتها، الأمر الذي ينعكس في تطور جديد يمكن مجتمع المواطنين من تكريس ذاته كمجتمع يستطيع تطوير بدائل اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية تخصه، وتعينه علي تكريس نفسه كمجتمع سياسي، بينما يفعل الفشل فعله في النظام القائم، الذي لم يعد قادرا علي الحكم باسم مشروع مستقبلي، ويحكم أكثر فأكثر باسم مصالحه السلطوية الضيقة، التي تنقلب إلي مصالح شخصية، تجبره علي التمسك بطرق قديمة وبالية في الحكم، دون أن يكون قادرا علي تطوير طرق بديلة لها، أو يكون بوسعه تقديم قراءة مختلفة للوعد القديم، لذلك تراه يتجه، بقوة لا راد لها، إلي وضع يعني الحكم فيه إدارة أزمة النظام والسلطة في شروط متغيرة وغير ملائمة داخليا وخارجيا، تقلص قوة المجتمع الأول وتعزز عودة الثاني وخياراته، فهو إذن عالم يموت وآخر يولد، مع كل ما يسببه الموت وتحدثه الولادة من ألم.
ثمة هنا مفارقة مهمة، تفسر كثيرا من جوانب الواقع السوري القائم، هي أن الوليد لا يحتل المواقع التي يخليها الميت، أو لا يحتلها بالسرعة الضرورية، كما أنه لم ينجح بعد في إقامة بنية سياسية شاملة تواجه بنية السلطة الشمولية القائمة، كي تزيحها عن مواقعها. ثمة هنا أسباب شديدة التنوع والتعقيد، منها علي سبيل المثال لا الحصر تبني قطاعات واسعة من المجتمع الثاني فهم للوطنية حدد المجتمع الأول مضمونه، ودأب علي استغلاله باعتباره بديلا لشرعيته الضائعة، يجب الاعتراف بأنه نجح حتي الآن في فرضه علي المجتمع الثاني، مما أعاق تبلوره واستقلاليته، وأعاد قطاعات واسعة من الناس إلي شراكه، انطلاقا من رؤية تري في مجتمع السلطة والوطن شيئا واحدا، وتجعل معارضة الأول تبدو وكأنها معارضة للوطن. فلا مفر من قيام المعارضة ببلورة وعي شعبي يربط الوطنية بحرية الشعب، ما دام الشعب هو الذي يحمي الوطن، وهو مصدر النجاح والقوة والعدل والحرية والتقدم والديمقراطية، وتاليا المقاومة والنصر. الخ. هذا الوعي، يجب أن يضع الأمور في مواضعها الصحيحة، وأن يركز علي فكرة جوهرية هي أن أي نظام يضطهد ويضعف ويقمع ويجوع ويجهّل ويبطّل شعبه يفقد صفته الوطنية، وأي نظام يضع نفسه في مواجهة مع داخله، أو يفرض عليه خيارات لا يريدها أو لم يستشر فيها، وأي نظام يستغل المشكلات الوطنية، خاصة إن تسبب بها هو ذاته، لتبرير قمع مجتمعه والاستبداد به وتجويعه وإفقاره وحرمانه من الحق في العمل والمساواة والعدالة والحرية هو نظام غير وطني وعدو لوطنه، فالوطنية ليست علاقة أحادية الجانب موضوعها الخارج، بل هي علاقة متنوعة المضامين، تتعين بصلات السلطة مع الشعب، فإن كانت قمعية ولصوصية كانت علاقة نافية للوطنية، تضر بالوطن وتعجز عن حمايته وصيانة حقوقه، لأسباب داخلية حصرا تتجسد في إقصاء مواطنها عن الشأن العام، أو في إفقاره، أو إذلاله، أو سلبه حقه في العمل والحرية والكرامة.
ثمة أزمة شرعية تتصل بالنظام، تحاول السلطة التخلص منها عبر نمط من السياسة يري الوطنية في بعدها الخارجي وحده، كعلاقة بين كتلة داخلية غير متميزة تمثلها سلطة تزعم أن الخارج لا يستطيع أن يكون غير عدو، وأن نجاحه ضدها يعني دمار الوطن ذاته، فلا مفر، إذن، من دعمها والامتناع عن مطالبتها بأي شيء، مهما كان عادلا ومحقا، ما دام التقصير في دعمها بشروطها ووفق سياساتها يضعفها ويهدد الوطن.
بهذه الطريقة في قلب الحقائق ووضع العربة أمام الحصان، وبحساسية المجتمع الثاني الوطنية، التي تجعله يقبل بعض معانيها الخاطئة، يساعد العداء للخارج السلطة علي بلورة شعور تهييجي تستغله لمنع حل مشكلات الشعب والبلاد، ولإدارة أزماتها والامتناع عن القيام بواجباتها تجاههما، وللظهور بمظهر سلطة تدافع عن وطنها، من الضروري أن يقف شعبها معها بلا تحفظ، وإلا هدد وطنه وفرط به، وألحق أفظع الضرر بنفسه.
بتجريد المجتمع السياسي المفلس من مصدر شرعيته الجديد، سيفقد آخر أوراقه، والقدرة علي إدارة أزمته وإدامة سلطته، وسيقف عاريا كنظام فشل في مواجهة مشكلات بلده الحقيقية، بما في ذلك مشكلاته الوطنية، التي ترجع أصلا إلي سياساته.إن كسب هذه المعركة ضروري لنجاح المجتمع الثاني في التكون كمجتمع سياسي، وهي معركة تستحق أن تخاض، لان أمورا كثيرة تتوقف علي نتائجها.

ہ كاتب وسياسي من سورية

بعد أن انقضى نصف العمر الذي لم أعشه

بعد أن انقضى نصف العمر الذي لم أعشه

عمر قدّور

من بين المناسبات كلها تبقى أعياد ميلادنا ذات وقع خاص، فهي تضيف سنة وتنبهنا، إن كنا غافلين، إلى عمرنا الذي يزداد وحياتنا التي تتناقص. نستطيع تمضية عيد ميلادنا بشتى الطرق، السعيدة منها والتعيسة، لكننا لا نستطيع تجاهل ذلك الجرس القويّ الذي يُقرع في منتصف العمر، وإذا صادف وأمضينا حياتنا في بلاد يحكمها الخوف فإن الإشارة المفزعة لعيد الميلاد هي: لقد أُهْدِرتْ سنة أخرى من عمرك. إذن هل يمكننا الحديث عن عيد ميلاد في ظل الأنظمة الأمنية؟
أبدأ بالقول: إنني، وبشكل مباشر، لم أتعرض لأي صفعة من رجل أمن. الصفعات القليلة التي تعرضتُ لها كانت في البيت أو المدرسة، وهذه لا تجعل مني مناضلاً صالحاً أمام الكثير من أصدقائي المعتقلين السابقين. ببساطة أنا واحد من ملايين تم استثناؤهم من الضرب بحكم المصادفة، ولاعتبارات منطقية وواقعية أيضاً. ففي الواقع لم أشكل خطراً على النظام، لم أفعل ما يستوجب الاعتقال والضرب، وشخصيتي الهادئة لا تبدو جذابة بما فيه الكفاية لمخبريه. أما استقلاليتي عن التنظيمات المعادية للنظام، بل ونقدي لها أحياناً، فقد ترضي هؤلاء المخبرين، دون أن تلغي تشككهم بي. فأنا أنتقد النظام أيضاً، وفي المحصلة أنتمي إلى فصيلة الثرثارين المزعجين أحياناً، غير الخطرين دائماً. المصادفة أيضاً، أو حسن الحظ، أو كلاهما نجّياني من الاعتقال والضرب. فمؤهلاتي السابقة ليست كافية بحدّ ذاتها، طالما أن جزءاً ممن اعتقلوا لم يفعلوا شيئاً، بل اختارتهم يد القدر الأمنية لتربية الملايين من أمثالي. هذه ليست نكتة: أن يفكر واحد مثلي، في عيد ميلاده، بأنه لم يُضرَب، ويرى في هذا شيئاً من الغرابة، ويفتش عن الأسباب التي جعلته من الفئة الناجية!
بلغتُ الثامنة عشرة في عام 1984. أي أن المصادفة أوقعتني بالضبط تحت برج جورج أورويل. ولمن لا يذكر فقد شهدت تلك السنة عودة إلى الاهتمام بجورج أورويل، وتحديداً بروايته 1984. ولمن لا يذكر أيضاً فإن هذه الرواية صوّرتْ ما يمكن أن تصل إليه بشاعة الأنظمة الأمنية، حين تتحكم في العالم، كتبها أورويل عام 1948، وقلب آخر رقمين على سبيل التنبؤ. أنا واحد من أولئك الملايين الذين لا اسم لهم في رواية أورويل. صدّقوني ليس هذا بالمجاز، بل على العكس. الرواية هي الاختزال والمجاز، فلم يكن لدى أورويل الوقت والصبر ليفرد لي مساحة خاصة. والحق أنه كان مصيباً، إذ لا يمكن الحديث عن أفراد في ظل أنظمة تفعل كل ما بوسعها لتسحق فردانيتهم. في عام 1984 لم تكن البلاد تتسع سوى لصور الأخ الأكبر، والزعيم الأوحد، وسيد الوطن! أبناء جيلي لم يعوا غيره زعيماً. ففي بداية وعينا الطفولي، أي في عام 1973، قيل لنا إنه انتصر على أعداء الخارج، ومرّغ بالوحل أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، وبعدها بثلاث سنوات تصدى للمؤامرة التي استهدفت خاصرة سوريا، وأنقذ لبنان من التقسيم، ومن ثم تصدى لخونة كامب ديفيد، وأخيراً تم سحق أداة الاستعمار والرجعية، أي "عصابة الأخوان المسلمين المجرمة" (هكذا ظلت التسمية الرسمية لفترة طويلة). خلال هذه السنوات لا أذكر عدد المسيرات التي تم سوقنا إليها، نحن التلاميذ, كقطيع. ففي عام 1977 مثلاً كان الملايين من الأطفال أمثالي يساقون ليهتفوا بحقد ضد "الخائن" أنور السادات. أنا لم أحب السادات، ربما لأنني لم أسمع به قبل خيانته، لكن مسيرات تعليم الكراهية علمتني أن أكره السادات، وبحسب ظني الآن فإن السادات هو أول شخص كرهته في حياتي. وإني لأتذكر بدقة كيف صنع الإعلام الرسمي، والمخيال الشعبي، من شخصية السادات شيطاناً كاملاً، أُسبغتْ صفة القباحة على منظره، وعلى طريقة نطقه، وعلى مجمل أفعاله، ولم يعد يمثّل خصماً سياسياً وحسب، وإنما أصبح يجسد الشر المطلق. وهكذا دخلتُ السياسة من بوابة الكراهية.
مع بلوغي سن الرشد، في سنة أورويل كما أسلفت، دخل اليساريون من غير المتحالفين مع السلطة حياتي، وفي حينها كانت السلطة تشنّ حربها الوقائية ضد أعدائها المحتملين في الداخل، وتحديداً ضد اليساريين من أصدقائي وغير أصدقائي. لم أشارك في النشاطات التنظيمية لليسار، لكنني عشت أجواء الفوضى الفكرية التي تتيح تجاور ماركس وفرويد ولينين وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ، وطبعاً ولهام رايش في إنجيله "الثورة والثورة الجنسية". وخلال سنوات شاركتُ اليسار في اقتراف الكثير من الأفعال التي اعتقدنا أنها منافية للسلطة، شربنا ما وقع تحت أيدينا من خمر، وعاشرنا ما أُتيح لنا من نساء، وغنينا أغنيات التحدي التي أداها الشيخ إمام، وسهرنا ليالي كثيرة وطويلة ونحن نتدرب على كراهية السلطة. وعلى مدار خمس سنوات انفضّ أصدقائي اليساريون، اعتقل قسم منهم، وهاجر قسم آخر، وتاب بعض منهم، فيما اكتشفت متأخراً ما فعلتْه بي يساريتي، إذ بتُّ أكره، بالإضافة إلى السادات، أمريكا وعملاءها والسلطة ومخبريها، وأكره انتهازية الروس ولا ثوريتهم، وأكره الخيار الثالث وميوعته، زادت كراهيتي للأعلام والأناشيد الوطنية وصور الزعماء، باختصار بتُّ أكره كل ما يعكر نقاء حلمي اليساري. وفي تلك الفترة أحببت فقط الزعيم السوفييتي أندروبوف لأنه مات سريعاً، وكأن نقمتي لم يعد لها رجاء سوى الفناء البيولوجي لسلطات وقوى راسخة لا يزحزحها إلا القدر.
النقمة أفقدتني الثقة بالآخرين وبنفسي، وفي وقت ما بدأت التغيرات الكبرى في العالم كنت قد توقفت عن النمو النفسي والعاطفي. انهارت الكتلة الشرقية وبقي الكثير مما أكره، وهذا لم يُحدث فرقاً كبيراً لأبناء جيلي العاطلين عن الحياة في بلد لا يزال منتمياً إلى 1984، ويحكمه الأفول البريجنيفي شديد البطء. عندما لا يتغير شيء في حياتك فلا شيء حينها يثبت أن الزمن يمر، هذا الإحساس يصبح حقيقة واقعة. فالكتاب من أبناء جيلي ظلوا خلال عشرين سنة وهم يُشار إليهم على أنهم شبّان واعدون، أسوة بأقرانهم من الفنانين أو أصحاب الكفاءات العلمية أو غيرهم. إن حياة أبناء جيلي من السوريين تساوي ولاية أبدية لرئيس راحل مضافاً إليها، بالاستمرارية ذاتها، جزء من ولاية رئيس لاحق. أليس هذا مبرراً كافياً لنكون أولاداً على أبواب الأربعين؟ هذا طبعاً إذا غضضنا النظر عن مقدار ما في حياتنا من حياة. ففي زعمي، نحن أكثر شعب تفترق أعماره النفسية عن أعماره البيولوجية، وعلى هذا ربما يكون من العدل الإلهي أن نُمنح أعماراً مضاعفة على ألا تُمنح هذه الفرصة لقادتنا، أو أن تُحسب أعمارنا بقدر ما نغير من أنظمة. يلزمنا الكثير من الوقت لتصبح حياتنا شبيهة بحياة الآخرين، وبحساب الولايات الرئاسية السابق فإن متوسط أعمارنا يجب أن لا يقل عن ثلاثمائة عام، ليعادل سبعين عاماً لمواطن غربي، وحينها لربما استطاع كتابنا الشباب أن يصبحوا رجالاً، ولربما أنجز مخرجونا السينمائيون أفلامهم المؤجلة والمعطلة، وحتى نساءنا المقيمات ربما تحولن حينها إلى عابرات جميلات.
إن الحصيلة المرّة لحياتي تكاد تتلخص بالملل، فما زلت أكره الأشياء ذاتها: أكره السلطة، وأكره رجال الأمن حتى في أفلام السينما، وحتى إن أدت هذا الدور حسناء مثل أنجلينا جولي. ذهب السوفييت ولم آسف على ذهابهم، ولم يقدم لي الأمريكان مبررات مقنعة لأحبهم، وعلى العموم أتمنى الحصول على مبررات مقنعة لأحب أي شيء، لعلني بهذا أتخلص من وحش الكراهية الذي حملته طويلاً. لكن لم يتبقَّ لي من الوقت ما يكفي لأقايض أوهاماً بأوهام، ليثبت لي أحد أن لي فرصة حقيقية للعيش في هذه البلاد، فقد مللت العيش في السماجة والرتابة. ليثبت لي أحد صحة جملة من نشيد وطني، أو جدوى شعار من الشعارات، والشعارات المعارضة لها أو المزايدة عليها، التي أفقرت حياتي، وإلا كُفُّوا عن استغفالي على هذا النحو الرديء، ابتكروا طريقة جديدة لسرقة ما تبقى من عمري. إن يأسي لا يدفعني الى أبعد من المطالبة بالتحول من مغفل مهان إلى مغفل محترم.
يقول لي صديق بترف أحسده عليه: ألا تلاحظ أن أبناء جيلنا بدأوا يعانون أزمة منتصف العمر؟ أما أنا فأفكر: ما أصعب أن تعيش أزمة منتصف العمر في بلد لم يكن لك فيه عمر. فقياساً على النصف المنصرم من عمري لا أعتقد أن لي فرصة جيدة في الحياة، حتى وإن حدثت بعض التغييرات فثمارها ستكون من نصيب أجيال لاحقة، أما أنا ففرصتي الوحيدة الآن هي أن أفتح النافذة، فأرى جيراني يؤرجحون بقرتهم، على نحو ما يحدث في إعلان عن الزبدة، وأتأكد من أنني مواطن غربي حلم حلماً مزعجاً بأنه عاش كسوري، فأبتسم وأهزّ رأسي، وأقول لنفسي برضا وثقة: لقد كانت ليلة فظيعة، لكنه كان كابوساً، كان كابوساً وحسب.

خاص – صفحات سورية -