التغيير الديمقراطي في سورية؟... د. عبدالرزاق عيد

2005-11-30

التغيير الديمقراطي في سورية؟...

د. عبدالرزاق عيد

لقد نضجت العوامل الموضوعية للتغيير في سوريا الى الحد الذي يتجاوز النضج باتجاه الاحتراق ( الشواط ) إن كان النضج يستعار هنا

–مجازيا- للطبخ ، وبلوغ حد الشيخوخة الطاعنة إن لم نقل الاحتضار الطويل في غرفة الانعاش حيث ما يشبه الموت السريري - إن كان النضج هنا يستعار بمعنى أعمار الناس - إن لم نقل تحول كيان الجسد الاجتماعي الى جثة فاحت رائحتها لتصل أنوف العالم الذي يتداعى الآن لمواراتها ، بعد اقتطاع أحد أضلاعها الحية ، ( لبنان ) قبل أن يتآكله التفسخ .

لست اقتصاديا لأقيم الوضع الاقتصادي ، لكني أعرف أن تقوض الطبقة الوسطى أدى الى استقطاب فاحش على مستوى التمايز الاجتماعي ، ولا أسميه الطبقي ، لأن حالة الاستقطاب في سوريا لاتتم على أساس اقتصادي طبقي ، بل على أساس تسلطي ( بلطجي ) : أدوات الانتاج فيه البارودة والدبابة والمدفع ، حيث وسائل الانتاج هذه تقتطع حوالي ثلثي الموازنة العامة 34 % للأمن القومي و / 29% / للجيش وفق بعض الاحصائيات ، مما أدى الى حالة استقطاب عبودي ، حيث /5%/ من السادة الأوليغارشية يستحوذون على /95%/ من الدخل الوطني العبودي ، مقابل /95%/ من العبيد لايحصلون على أكثر من / 5%/ مما يتفضل به السادة .

كما أعرف كأي مواطن أن الأموال المنهوبة من البلاد هي أعلى نسبة أموال نازحة في العالم ، وهي تعادل عشرات أضعاف الموازنة العامة سنويا ، حيث تبلغ وفق اعترافات رسمية لوزير الاقتصاد بين 100 و125 مليار دولار ، ولا أعرف متى ستقرر الأمم المتحدة وضع اليد عليها باسم الشعب السوري ، لتعاد اليه حين يستعيد زمام إرادته وحريته ، كما أعرف بتجربتي الشخصية والمعاشية بأن قطاعات واسعة تعيش دون خط الفقر ، وحياتها كلها "عام الرمادة " وليس عاما واحدا فقط الذي كان يرفض فيه عمر بن الخطاب أن يذوق فيه مرق اللحم إذا مالم يذقه المسلمون ، أعرف بشرا " ليس بالمعنى العضوي فحسب بل الروحي والأخلاقي الرفيع الذي لاتجد أمثالهم نبلا وعفة بين فئة / 5% / ، هؤلاء البشر نسوا طعم المرق ، وكرامتهم البشرية تتعالى في داخلهم عن القبول بالصدقات ( ضحايا عيد الأضحى ) ، أو أن يذوقوا مرق الدجاج من خلال شراء ( رقاب ورؤوس الدجاج وأوراكها ) وهو أمر شائع في أسواق الدجاج في سوريا...!

الحراك الاجتماعي معطل ، بسبب تفعيل قانون الولاء السياسي والحزبي بل والأمني ، حيث مئات آلاف الشباب بدون أي حلم بتغيير أوضاعهم المعاشية ومراتبهم الاجتماعية ، التي كانت متاحة مع وجود الطبقة الوسطى التي تشكل –عادة - سلما مجتمعيا للحراك الاجتماعي .

مما أدى الى عملية إفقار روحي ومعنوي وانطفاء الحماس الوطني والقومي لدى كل شرائح المجتمع العبودي بما فيها حتى على مستوى الرياضة ، لم يعد جيل الشباب الرياضي يرفع رأسه وطنيا على هذا المستوى ، فالانحطاط يطال كل حيزات المجتمع على مبدأ الأواني المستطرقة أو لعبة العلب المتداخلة الروسية ، بسبب سياسات المحاباة والإنتفاع على أساس ( الواسطة والدعم ) على حساب الكفاءة ، والأمر نفسه على المستوى الفني : السينما والتلفزيون ، رغم أنه شهد تطورا لافتا يشير الى مدى غنى الحياة الثقافية والروحية للمجتمع السوري العصية على التدمير ، حيث يحق للدراما السورية وكتابها وممثليها ومخرجيها تحية وطنية خاصة .

ناهيك عن الخراب الذي حاق بالتعليم بدءا من التعليم الابتدائي انتهاءا بالتنعليم العالي ، وفضيحة أن غالبية أساتذة الجامعة اليوم ، هم من الذين أوفدوا على أساس مواهبهم ( المظلية والأمنية ) أشهر من أن نعود إلى سردها مع استمرارمنح ما سميناه من قبل بالعلامات النضالية للقبول في الجامعات .

والقضاء لم يبق منه سوى قضاء الله وقدره ، والقانون لم يبق منه سوى قانون الغاب ، أي الأحكام العرفية الممثلة بدور الأجهزة الأمنية المخابرتية ، التي انحطت بالدولة الى مستوى السلطة الغاشمة ، التي لم تعد تقرر السياسات الداخلية الكابوسية على حياة الناس فحسب ، بل والسياسات الخارجية التي قادتنا الى هذه العزلة العالمية ، عربيا ودوليا ، مما يعني أن هذه السلطة الغاشمة لم تعد خطرا على مستقبل الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية ، بل خطرا على الأمن الوطني بسبب طيش ورعونة سياساتها الخارجية التي لا يمكن لها إلا وأن تعرض سيادتنا الوطنية للإنتهاك ، انطلاقا من المبدأ القائل أن الطغاة هم الذين يفتحون أبواب الأوطان للغزاة ، حيث لا خيار أمام سياساتهم : إما الطغيان أو خسارة الأوطان .!

هذا التوصيف المكثف يشير الى مدى نضج أسباب عوامل التغيير على المستوى الموضوعي في سوريا .

لكن العامل الذاتي هو نقطة ضعف التغيير ، بل هو سبب تأجيله الذي أوصلنا الى حالة الخراب التي أشرنا اليها .

بيد أن النظام الذي فقد أوراق لعبة الديمومة والبقاء عبر فن إداة الأزمات الإقليمية ( الورقة الفلسطينية واللبنانية ) أصبح ظهره إلى حيط المجتمع الذي كان قد دمره من قبل ، أي أنه يستند اليوم إلى حائط مجتمع شعبي مدمر في سلبيته ودرجة انسحابه من دائرة الشأن العام ، رغم رفضه لنظامه ، لكنه الرفض المضمر والصامت المكبوت والخائف (المضبوع) !

عالمنا يتسارع ايقاع حركته باتجاه مزيد من التوحد والتكامل بل والإندماج ، حيث يصعب أن نرى أنساقا للداخل تجاور أنساقا للخارج دون تداخل وتفاعل ، فمنذ المرحلة الكولونيالية الإستعمارية الأولى والعالم ( يتعولم ) وقد بلغ ذروة عولمته هذه بجوانبها السلبية والإيجابية ذروة الإندماج الكوني مع ثورة الاتصالات والمعلومات اليوم ، مما غدا من الصعب الحديث عن داخل منكفيء على داخليته أو قادر على الإنكفاء حتى لدى الدولة الأقوى في العالم .

فحتى الولايات المتحدة لم يعد لها داخل يستعصي على الإختراق ، إذ لم تعد تحميها حواجزها الجغرافية القارية التي كانت تراهن على منعتها الطبيعية ضد أي هجوم خارجي للجيوش في كل حروبها السابقة ، فإذا اليوم بسبب التقدم التكنولوجي – التي تشكل هي أحد أهم قلاعه – يغزوها مجموعة من الشباب فيقوضوا الأمان الأمريكي بمجموعه بهجوم 11 أيلول الشهير .

فإذا كانت الدولة العظمى الأكبر في العالم لم تعد قادرة على الانطواء على داخلها ، فكيف بالبلدان التي لم تقم أي جهاز مناعي أمني وطني وقومي اقتصاديا وسياسيا ومن ثم عسكريا ، سوى ما قامت به من بناء القوة على مستوى جبهة الداخل فحسب ، أي على مستوى جبهة المجتمع والشعب ، بعد أن تكشفت شعارات التوازن الاستراتيجي عن واقعة وحيدة مفادها : أن هذه الشعارات لم تتحقق إلا على مستوى مواجهة مجتمعاتها وشعوبها ،أي تحقيق التوازن الاستراتيجي مع المجتمع والشعب ...!

فعلى هذا فقد كانت العبرة الوحيدة التي خرجت بها الولايات المتحدة الأمريكية بعد 11 أيلول ، أنها يستحيل عليها أن تحل مشكلاتها في الداخل دون أن تحل مشكلاتها مع الخارج ، ليكون شعارها اليوم إن أمنها الداخلي يكمن في أمن العالم بمجموعه ، وأنه يستحيل عليها أن تؤمن أمنها الداخلي ، إذا كان العالم مسكونا بالفوضى والعنف وإفتقاد الأمن .

إن جاهزية المعارضة سياسيا لعملية التغيير جاهزية عالية من حيث توحد مشترك الحقل الدلالي التداولي لمفردات البرنامج السياسي الديموقراطي لدى كل أطياف الحركة الديموقراطية المعارضة ، لولا ثقالات الوعي القوموي التقليدي الراكد المحافظ المترع بثوابت ايمانية لدى الجهات الأضعف على مستوى التركيبة النوعية الفكرية المشكلة للمعارضة ، إذ تجد نفسها – بسبب تقليدويتها ومحافظتها وعقلها الثوابتي – تلتقي بنقطة واحدة مع النظام ، هي نقطة فحواها: تصور بائس وساذج في أحسن حالاته عن ممكنات المقاومة الوطنية لنظام متهالك على أطماعه ومطامحه السفلى ، بدون المشاركة الديموقراطية للمجتمع والشعب ، إذ لم يستفيدوا أبدا من درس العراق الذي مفاده أن قد تم اختراق كل أوهام ثوابته الوطنية والقومية بسبب استبداديته وشموليته الديكتاتورية التي عزلته عن شعبه ومجتمعه ، بعد أن غيبت هذا الشعب عن نفسه ووطنه وكسرت روح الإباء والمقاومة في داخله ، هذا الدرس يفترض أنه قد حسم القول في أن الديموقراطية غدت مدخلا لابد منه لحل المسألة الوطنية ؟ إذ لا معنى للوطنية مع الاستبداد والشمولية ، وأن خروج الشعب والمجتمع من العملية السياسية الوطنية الديموقراطية سيكون مآله بالضرورة الخروج من جبهة المقاومة الوطنية عندما تتهدد الأوطان .

لكن –مع ذلك - فإن قصورالمعارضة إنما يكمن بافتقادها للجاهزية الشعبية ، يعد أن أنهك النظام الشمولي القوى المعارضة سحلا وسجنا وتشريدا من جهة ، ومن جهة أخرى فقد أشاع رعبا مرضيا ( عصابيا ) في أوساط الشارع المجتمعي والشعبي فأعمى بالإستبداد والقمع بصر الأمة وبصيرتها وأفسد أخلاقها ومروءتها على حد تعبير الكواكبي .

لكن – كلنا أمل – أن لا نكون بلغنا حدا من العطالة والفساد والاستبداد إلى حالة من التسفل والحضيضية ، أن نصبح معها بلادا : حكامها طغاة وجلادون ، وشعوبها عبيد مستعبدون غير جديرين بالحرية ، فلا نكون أهلا للحرية كما عبر الكواكبي في زمنه عن وضع مجتمعه مع السلطة التركية العثمانية ، فعندها تأتي عواصف الخارج لتذهب في كل شيء بددا ، وذلك كما حدث مع الموجه الأولى للعواصف التي اجتاحت بلادنا مع الاستعمار الغربي بعد الحرب الأولى واتفاقات سايكس بيكو ، أو كما حدث مع جارنا العراق الذي أغلق داخله على حجم أطماع طغمه دون العالم واتجاهات حركة تطوره ، فأتاه الخارج العالمي إلى الداخل الذي كان قد تحول إلى معتقل للشعب ، حال دونه وحقه في الدفاع عن وطنه وسيادته لا عن سيادة أسياده الطغاة .

أما الأدوات والوسائل التي نرجو اعتمادها للتغيير انما هي وسائل التغيير الديموقراطي فقط ولا وسائل غيرها ، لأن الحركة الديموقراطية في سوريا كما تعكسها العملية السياسية القائمة على درجة من الانهاك أنها لا تملك سوى وسائلها السلمية ، فهي غير قادرة على مواجهة تعسف وطغيان الداخل ( النظام ) ولا قوة الجيوش والغزو والاحتلال ( الخارج ) ، ومثالنا مثال العراق قبل الاجتياح الأمريكي .

إن مجرد الإحالة من قبل أهل النظام على مستقبل الاصلاح والتغيير من خلال المؤتمر القطري ، انما يدل على أن قوى الأمر الواقع وتأبيده لا تريد أي اصلاح وأي تغيير ، وانما تريد أن تلعب بأوراقها القديمة لكسب زمن جديد إضافي في الوقت المستقطع حسب لغة الرياضة .

إن العملية السياسية في سوريا هي عملية تنفيذية بحته مناطة بثلاثي : (الرئاسة والأمن والجيش) ، في حين أن الحزب طرد من ساحة الفعل السياسي الحقيقي الى ساحة ( البروغندا ) الاعلامية والايديولوجية منذ سبعينات القرن الماضي ، فأية إحالة للمستقبل من خلال الإحالة إلى هذا الحزب الهرم المصاب بـ ( الزهايمر ) إنما هي إحالة ساخرة إن لم نقل ( مسخرة ) تلفت الأنظار عن حقيقة صانعي السياسات في سوريا ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، كيف يمكن أن يكون هناك إصلاح دستوري تشريعي خارج السلطة التشريعية ( البرلمان) ،هذا إذا قبلنا شكلا أن لدينا برلمان ، والذي يفترض في أول أولوياته أن يصوت بإرادة السطات الثلاث (الرئاسة والأمن والجيش) الحاكمة فعلا ، على الغاء حاة الطواريئ والأحكام العرفية والإستثنائية ، والذي يستدعي بالضرورة الغاء البند الثامن من الدستور الذي يشرع لواحدية حكم البعث .

لو أن أهل النظام أعلنوا عن جلسة تشريعية للـ (برلمان ) ، تمهيدا لعقد مؤتمر وطني يجمع كل الأحزاب المعارضة والأطياف السياسية والتجمعات الأهلية ، المدنية والثقافية ، لصدقنا نصف الكذبة على الأقل ، وذلك لأن أهل النظام غير قادرين على هذا المطلب الذي تطرحه كل أطراف الحراك الديموقراطي ، لأن أهل النظام على درجة من استشعار القوة على مجتمعاتهم بلغت بهم حد ( البارانويا) ، فهم لا يرون سوى أنفسهم ووجوههم في مرآة ذاتهم ، أما أن نعوّل على قرارات مؤتمر قادم لحزب شاخ وترهل وتصلبت شرايين دماغه ، ولا يستطيع أن يرى أحدا سوى من يحسّن له صورة وجهه القبيح كالجبهة (الوطنية التقدمية ) التي تفسخت بيولوجيا بتفسخ كياناتها ليس الحزبية فحسب بل والبشرية ، إنما هي مراهنة أشبه بنكتة سوداء سمجة ، ولا أدل على تهافت الإرادة في التغيير أننا لانسمع –حتى اليوم- عن حوارات سوى مع أطراف التفسخ الجبهوي تلك ، التي على الأرجح ستنصح بتوسيع جبهة المنتفعين ، وتحذر من هذه اللحظة التاريخية التي تلتقي فيها المصلحة الوطنية مع المصلة الدولية في الدفع باتجاه الديموقراطية ، على اعتبار أن ما يحدث ليس إلا مؤامرة امبريالية ، سيعبرون عن استعدادهم بـ (روح ودم) الشعب السوري على الصمود والتصدي –لأنه لم يبق بينهم من فيه روح ودم – وأنهم سيقاتلون جحافل التتار ، تماما كما قاتل الأشقاء في العراق ...!

فالإستبداد لايريد أن يرحل ، لأن السادة (الرعاع) المستبدين الذين لايتجاوزون /5%/ من المجتمع ، يتصرفون بثروة /95%/ من هذا المجتمع المستعبد عن يد وهو صاغر أمام قوة وسائل انتاجهم ( البارودة والدبابة والمدفع ) ! فنادرا- عالميا- أن يتاح لجزء على هذا المستوى من الضآلة، أن يتحكم بالمصائر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكل بهذه الضخامة !؟

إن عدم رحيل الاستبداد لن يقود إلى مزيد من عزلة المجتمع والشعب عن السياسة فحسب ، ولن يؤدي الى مزيد من النهب والسلب لاقتصاد الوطن والشعب ، وتقزيم احساس الفرد بمواطنيته ، واستشعاره بهامشيته ، وقتل احساسه بالحماس للشأن العام وكل ما هو خارج أناه العضوية ، وإعدام مقومات وجوده ككائن اجتماعي شريك للكل الاجتماعي بالكل الوطني ، بل سيؤدي عدم رحيل الاستبداد ليس إلى كل ذلك الدمار فحسب ، بل سيفتح الأبواب مشرعة للتدخل الخارجي ، وهذا ما دعوناه ، بخطر النظام على مستقبل الأمن الوطني السوري ، وذلك بسبب طيشه ورعونته ، ومنظوره ( الشبحي ، البلطجي ) القائم على فرض نفسه بالقوة ، انطلاقا من فكرة البقاء مهما كان الثمن وبأي ثمن ، حتى ولو كان الثمن أمن الوطن والشعب ، سيادة الأمة وكرامتها ، مستقبل المجتمع وأبنائه وحقه بالأمن والاستقرار له ولأبنائه وأحفاده وأجياله .

البقاء بأي ثمن ، حتى ولو كان الثمن مستقبل الوطن والأمة والمجتمع ، البقاء في المكان ولوعلى حساب المكانه ، البقاء في السدة ولو على حساب السيادة ، البقاء في الموقع ولو على حساب المواقع ، الاحتفاظ بموقع الجزء الفردي / الشخصي / العائلي / الطائفي ولو على حساب الكل الاجتماعي ، المواطنوي ، الأمويِِِِّ .

وفي المآل : فإن النتائج المترتبة على الاستبداد ، هي تسليم مصائر البلاد والعباد والأوطان الى الخارج ليكون وصيا دوليا على أمرها وتسيير شؤونها و تكييف مسارها ومستقبلها ما دامت عاجزة عن الولاية على نفسها وتسيير أمورها وشؤونها ، فعندما يعجز الداخل عن مواجهة مشكلاته ، فإن الخارج سيتدخل ، بحق أن داخل الآخر مسكون بالقلق و والاضطراب ومحكوم بوضع غير آمن ، وأن هذا الوضع سيكون سببا في قلق واضطراب وضعه كآخر شريك في هذا العالم الصغير جدا ومن ثم تهديد أمنه الداخلي ، وأنه من حقه –والأمر كذلك- أن يتدخل في داخل الآخر مادام داخل الآخر عاجزا عن حل مشكلاته الداخلية التي تسبب المشكلات لداخل الآخرين ، وهكذا يغدو خارج الآخر داخلا ، وداخل الأنا خارجا ، أمام هذا التحول الهائل للحقائق العالمية التي راحت تكتسب بنية شعاعية انتشارية بقوة ثورة الاتصالات ، بعد أن كانت تراكمية وتعاقبية، تحتاج إلى شريط أوفر من الزمن لإحداث التراكم الضروري للتوفر على المعلومة ومن ثم درجة تراكمها الكمي على طريق تحولها إلى كيفية نوعية جديدة .

إن صورة سوريا المستقبل ، هي أن تكون لكل شعبها ، أثنيات وأقواما وطوائف ، لافرق لعربي على أعجمي أو لأسود على أبيض إلا بالتقوى : تقوى القيم الروحية والوجدانية والأخلاقية : تقوى القيم الوطنية والاجتماعية والثقافية ، قيم : التعدد والتغاير والاعتراف بالآخر ، قيم التحابب والتسامح في مواجهة قيم العنف والكراهية ، قيم السلم في مواجهة قيم الارهاب ، قيم الوحدة الوطنية والقومية الطوعية ، في مواجهة الاكراه والتعسف ، قيم الاندماج المواطنوي ، في مواجهة قيم الدمج بالقوة الغاشمة القوموية ( العنصرية ) ، قيم الاندماج في المواطنة العالمية في مواجهة ثقافة الانكفاء والانطواء والعزلة ، قيم ثقافة الحب وإقامة الحق محل قيم ثقافة الكره وإقامة الحد ، قيم ثقافة ( الأصل هو الإباحة ) ، في مواجهة قيم ثقافة ( الأصل هو التحريم ) أي الذهنية التي تتوسل العقل الطليق ، في مواجهة الذهنية التي تتوسل عقل التحريم ، وفي المآل الاستناد إلى مرجعيه عقل التنوير في مواجهة عقل التكفير ، وذلك لن يتحقق إلا عبر تغيير ديموقراطي شامل ، يكون بديلا للشمولية اللاغية للمجتمع والشعب ، وذلك من خلال فتح أوسع الأبواب للمشاركة الشعبية عبر اطلاق حرية التعبير والتفكير والاعتقاد والتنظيم السياسي و الحزبي والنقابي المدني والأهلي والانتخابات البرلمانية والرئاسية الحرة ، ومن ثم فصل السلطات واستقلال القضاء ، واحترام حقوق الأقليات وحقوق المرأة ، كل ذلك مقدمات أولى لكي يقبلنا العالم في نادي الديموقراطية والتمدن .

هذه الصورة التي تبدو حلما ، كانت سوريا تعيشها كواقع ممكن في مرحلة الخمسينات ما قبل هبوب رياح سموم الأنظمة الشمولية العسكرية ، الفلاحية ، الشعبوية ذات عنترية خطاب الطبلة والربابة ، التي ما قتلت ذبابة على حد تعبير الروح المدني لبلاد الشام نزار قباني .

نحن المثقفين الذين أطلقنا اسم تسمية ( لجان إحياء المجتمع المدني ) كعنوان لممارسة عليا للسياسة مابعد الحزبية اليومية ، وباتجاه فضاء طليق ومفتوح على المجتمع وعلى كل الحراك الديموقراطي بكل قواه السياسية والاجتماعية ، توقفنا مطولا عند مصطلح "الاحياء " وذلك لكي نقول : إن المجتمع المدني ليس حلما مستوردا من مناخ التحولات الديموقراطية العالمية ، بل هو واقع كان متحققا وفي طور الصيرورة في مجتمعنا السوري في فترة ما قبل ( الشرعيات ) الثورية الانقلابية ، ومن ثم فان استدعاءنا لمستقبل المجتمع المدني الديموقراطي ، مجتمع الحريات وحقوق الانسان المدنية والتعبيرية والسياسية ، ليس استدعاء حلميا ( طوباويا ) وانما هو استدعاء لتجربة متحققة ومعاشة ، وعلى هذا فهي دعوة للانتظام في صيرورة مسار متحقق كان قائما ، وليست استدعاء لنموذج مستورد غريب يراد له أن يستورد ليتوطن.

لقد تمكن آباؤنا وأجدادنا أن يعيشوا تجربة الديموقراطية ويتمثلوها ويمارسوها عبر الانتظام في أحزاب ونقابات ، وممارسة للحقوق الانتخابية البرلمانية من خلال التجربة التعددية للأحزاب ، لماذا كان متاحا بالأمس القريب ، ويبدو ذلك حلما في الحاضر الأريب !؟ .

"الرأي / خاص"

انسداد آفاق التغيير والرهانات الضمنية على الخارج

انسداد آفاق التغيير والرهانات الضمنية على الخارج

الحزب الامريكي أصبح واقعاً بفضلها

رجاء الناصر

مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

الحزب الامريكي أصبح واقعاً بفضلها

[ في مقالات سابقة قلنا أنه لا يجوز التهوين من وجود ( الحزب الامريكي ) في سورية وأن الرهان على وطنية المعارضة الوطنية الديمقراطية في سورية – وهو رهان صحيح – لا يكفي للقطع بعدم وجود جماعات هي على استعداد للانتقال الى المعسكر الامريكي وخصوصاً عندما تقتنع بجدية التهديدات الامريكية ] – وقلنا أيضاً ، أن هذه الجماعات ليست من مصدر سياسي واجتماعي واحد وليست من خارج أطر النظام بالضرورة ، بل هي من منابع مختلفة منها .

1- قوى الفساد والتي لا دين ولا وطن لها بعيداً عن الشعارات المرفوعة من قبلها أو التي تنضوي تحتها ، وهي بمعظمها من افرازات النظام وقواه .

2- قوى تبحث عن دور لها في سلطة جديدة قادمة ولو كانت تحت المظلة الامريكية ، وهي تستقوي بقدرات الخارج وامكاناته وأمواله .

3- قوى دفعها اليأس من التغيير الوطني الديمقراطي عبر النظام الراهن إلى قناعة بأن هذا النظام هو أعظم الشرور فاستباحت لنفسها التعامل مع الشر الأصغر أو أهون الشرور ، وهي بالقطع قراءة خاطئة وثأرية وانهزامية .

وكانت مطالبتنا الدائمة بالاستعجال بالتغيير الوطني الديمقراطي لقطع الطريق على تلك القوى ، وعلى المسار الذي تتوجه إليه بتدمير الهيكل على طريقة شمشوم بعد وقعه بالأسر ، وهي مطالبة جاءت على قاعدة تمتين الوحدة الوطنية من أجل الوطن والمشاركة في صنع مصيره ومستقبله .

لكن ما قلناه وطالبنا به وعملنا من أجله لاقى الصد والمنع والتجاهل وهو ما أتاح اليوم للحزب الامريكي أن يتنامى إلى درجة مخيفة لا يمكن تصورها وان يحدث اختراقات في المجتمع السوري ومؤسساته بل ليطرح نفسه داخل النظام وداخل المعارضة أيضاً محاولاً خلط الأوراق على قاعدة ثنائية الاستبداد والمخطط الأمريكي – الصهيوني . تلك الثنائية التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه .

ولم يعد الحزب الامريكي متوقفاً عند حدود تسريب مواقف فكرية أو ثقافية هنا أو هناك أو عند تجاهل قضايا وطنية وقومية بل أضحى اليوم برعاية أمريكية واضحة يهيء نفسه ليكون البديل عن النظام وعن المعارضة الوطنية الديمقراطية ، طارحاً رموزه وأفكاره ومخترقاً الحياة السياسية ومشوهاً قضية الديمقراطية ذاتها من خلال تصويرها وتقديمها باعتبارها من مصدر أمريكي ، بل أن بعض هذه الرموز المصطنعة أخذت تجهر بعلاقتها مع قوى دولية تنظر إليها الاغلبية الساحقة من المواطنين باعتبارها عدواً استراتيجياً ومحتلاً لأراض ودول عربية وصاحب مشروع تدميري للمنطقة كلها لصالح المشروع الصهيوني . وتقيم علاقات معها فوق السطح .

هذا الحزب الامريكي يعمل على مستويين اساسيين من أجل تهيئة المناخ للوصول بالبلاد إلى طريق الاستسلام .

المستوى الأول : اقناع النظام أنه ليس بإمكانه إلا الاستجابة الكاملة للمطالب الأمريكية على الطريقة القذافية ، وتصوير إمكانية عقد صفقة في نهاية النفق بعد سلسلة من التقدمات ، متجاهلاً مجموعة أساسية من الأمور .

أولها : أن المخطط الأمريكي للمنطقة يقوم على إعادة " تفكيك وتوحيد " لصالح كانتونات طائفية ومذهبية لا مكان فيها " للدولة القطرية الوطنية " ولعل في النموذجين العراقي واللبناني مقدمات واضحة لصورة مستقبل الدولة القطرية المنشودة .

ثانيها : أن سورية غير ليبيا ، وان المثال الليبي مختلف ، فليبيا دولة صغيرة ولا وزن جيوسياسي لها أما سورية فهي في قلب منطقة ما يطلق عليه المخطط الامريكي " الشرق أوسط " وعلى تماس مباشر مع حدود الكيان الصهيوني .

ثالثها : أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد بحاجة إلى عقد صفقات استراتيجية كما كانت في الماضي ، وان القوى الممسكة بمراكز القرار فيها مشحونة بتعبئة سياسية وايدلوجية شديدة العنصرية والتعصب ومسكون بعنجهية القوة .

وعملية اقناع النظام تجري من داخله ومن أطراف كثيرة من النظام العربي التي أصبحت أسيرة المخططات الخارجية .

المستوى الثاني : اقناع قوى المعارضة بأنه لا خيارات أمامها سوى الالتحاق بالعجلة الأمريكية فهي وحدها القادرة على صنع التغيير ، وهي اليوم على استعداد لصنع التغيير الديمقراطي في المنطقة ، وان لديها مساحة مشتركة واسعة مع تلك القوى الديمقراطية . ومن أجل إنجاح تلك السياسة مهدت لها بمقدمات سياسية وفكرية وأمنية تقوم على

1- تعلية الهموم الداخلية على الهموم القومية وعلى المصالح الاستراتيجية العليا للأمة وتعزيز الانكفاء الداخلي تحت دعاوى " أفول القومية " و " ترهيب الاسلام " ونجد هذا لدى شرائح مهمة من المثقفين والنخب السياسية التي تتجاهل كل الموروث القومي المشبعة بها سورية وتراثها الثقافي السياسي .

2- تزييف الوعي عبر تعلية المصالح الآنية واليومية على المصالح العليا من خلال تصوير وجود أهداف مشتركة بين هذا الفصيل أو ذاك وبين الولايات المتحدة الأمريكية وإلغاء عدائية التحالف الامريكي – الصهيوني من الذاكرة بعد تصويره بأنه حالة قدرية يلزم التعايش معها .

3- اختراق القوى الوطنية الديمقراطية من الداخل أي عبر تحالفاتها وقواها من خلال تحول بعض تلك القوى أو دخول قوى جديدة ومحاصرتها للقوى الديمقراطية .

4- نشر مجموعة من المسميات والهيئات الوهمية التي تدعي أنها تمثل قوى سياسية جديدة من أجل تعويم الحركة الوطنية الديمقراطية وهي وسيلة يجري اتباعها من طرفي ثنائية الاستبداد والاستعمار . أمام هذا الواقع ولمواجهة هذا الحزب الامريكي تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً على إحداث التغيير الوطني الديمقراطي المقاوم للاحتلال والهيمنة والمخططات الامريكية – الصهيونية عبر الامساك بثوابت العمل الوطني الديمقراطي وآلياته وضوابطه وعدم التساهل أمام تلك القوى ، وإعادة صياغة تحالفات سياسية خارج إطار تلك الثنائية لخلق تيار ثالث لا يرتهن للاستبداد ويقاوم الاحتلال والهيمنة الامريكية – الصهيونية . ولعل هذا ما أرادته القوى الاساسية في الحركة الوطنية الديمقراطية السورية عبر " إعلان دمشق " والتي عليها أن تتمسك بوضوح به وان تقطع الطريق على " كرازيات " دمشق الذين ينفخ بهم الاعلام الخارجي .

ميليس "PLUS"..


ميليس "PLUS"..

دمشق وبرلين .. في آن واحد..

عادل مرزوق الجمري

اعلامي بحريني

في حقيقة الأمر، تعاونت دمشق مع ميليس وجماعته في لجنة التحقيق الدولية أم لم تتعاون ، لا فرق. فالأمر محسوم على ما يبدو، قرار الإدارة الأمريكية بضرورة معاقبة سوريا تم إصداره.الأمريكيون لم يعودوا قادرين أو راغبين على متابعة الحلول الدبلوماسية مع دمشق، وأصبحت مسألة تفعيل البند السابع في مجلس الامن "والذي يعطي ضوء أخضر لفرض عقوبات إقتصادية أو حتى عسكرية" مسألة يقررها الألماني ميليس في أي لحظة يختارها، وصيغة "رفضت التعاون" أو "لم تتعاون" فضفاضة حد الكفاية.

الأمريكيون هذه المرة يلعبون براحة أكبر سياسياً تجاه معاقبة سوريا، ولعلها أفضل الأوقات على الإطلاق للقيام بهذا الخيار، ففرنسا التي تتمتع بعلاقات مميزة مع حلف الرئيس المغتال "الحريري" لن تعارض أي إجراء مستقبلي من قبل مجلس الأمن ضد سوريا، خاصة إذا ما ذهب التقرير النهائي للسيدميليس إلى أن سوريا هي "الفاعلة". وكذلك الألمان، فقوميتهم "الجرمانية" تمنعهم في المطلق أن يهاجموا تقريراً أمنياً صاغته يد "جرمنية طاهرة"، لذلك كان ميليس "الألماني الجنسية"بالتحديد، وليس أي محقق دولي أخر هو الخيار الأمثل واليد الأفضل التي تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى أن تدك أسوار دمشق العاتية.

الرئيس بشار الأسد لم يستطع أن يقنع أحداً حتى الآن بأنه قادر على إدارة المرحلة والخروج بنظامه سالماً من هذه الأزمة، ولعل هذه الأزمة –إن صحت روايات ميليس" هي بمثابة الضربة القاضية لآخر معاقل البعث والقومية العربية، لابد أن نلاحظ عن كثب تلك الفرص الذهبية التي فوتها الرئيس بشار الأسد ليلعب دور "الرئيس الإصلاحي الشاب" كما هي الحال مع العديد من الرؤساء العرب هذه الآونة، ولابد أن نفهم أن ذلك الإقتناع - الذي لا يصاحبه أي شك - من لدن المخابرات الأمريكية والذي يذهب إلى أن الإرهاب في العراق منبته "سوريا" قد عجل من قرار الحسم تجاه دمشق الداعمة للإرهاب والمساهمة في قتل الجنود الأمريكيين بالعراق.

هذه البوتقة من الأخطاء الإستراتيجية فوتت على "الرئيس الأسد الصغير" أن يكون ببساطة رهاناً أمريكياً شأنه شأن بقية الرؤساء والحكام الجدد للدول العربية. إختار الأسد الرهان على فرنسا وألمانيا والدول العربية، فليس من المعقول أن تسمح كل من ألمانياو فرنسا بضربات عسكرية أمريكية ضد سوريا، والعرب لن يقبلوا بأن يمتد مسلسل الحرب على الإرهاب حتى دمشق!!، وشجعه على ذلك بعض الإعلاميين، إلا أن الأمريكيين إستطاعوا أن يقلبوا كل هذه العوامل لمصلحتهم بطريقة ولا أذكى.. فميليس "الألماني"، وصداقة الرئيس الفرنسي شيراك مع عائلة الحريري التاريخية، جعلت المعادلة مقلوبة، ويقى "العرب" رهان الأسد الاخير.. وهو بدون أدنى شك او ريبة "رهان الخاسرين!!".

طريقة واحدة فقط أمام سوريا لتنفك من هذا السحر الأمريكي، وهي بالطبع "الخيار المر" لكل رئيس عربي، هذه الطريقة تتمثل في حالة إنتقال سياسية شاملة للجمهورية السورية، من جمهورية "الخوف" إلى جمهورية الديمقراطية والتعددية، من جمهورية "حزب البعث" صاحب المهام الرسولية إلى جمهورية الأحزاب المتخالفة على إكتساب ثقة الشارع كل ببرنامج، لابد أن تفعل سوريا مرحلة سياسية جديدة تشترك فيها جميع الأطياف السياسية السورية على إختلاف مشاربها وتصنيفاتها "وعمالاتها"، لا يهم.

المهم أن تستطيع سوريا تسوية هذه الأزمة التاريخية التي تمر بها اليوم إن هي سلكت الخيار الأول، أما إن إختارت القيادة السورية – وهو الظاهر لنا - اللعب بالسياسة والمماطلة، فأياً كانت أفاق هذا اللعب السياسي فلن تفلح في التملص من الامريكيين ولن تتمخض دبلوماسيتها عن شيء مفيد، فالمسألة في حقيقتها ليست تحقيقاً في الإجابة على سؤال "من قتل الرئيس الحريري؟" وأن المجتمع الدولي يريد معاقبة الفاعل، المسألة تتلخص في سؤال أمريكي صرف،وهو بالتحديد "كيف نعاقب سوريا، دون أن يعترض أحد؟".

خاص – صفحات سورية -

الإعلانات السياسية وصراع الاستيراتيجيات في سورية

‎ ‎الإعلانات السياسية وصراع الاستيراتيجيات في سورية


غياث نعيسة

أخبار الشرق

القوة المهيمنة والايديولوجية السائدة؟

ترافقت الحرب الانجلو-امريكية على العراق ومن ثم احتلاله وسقوط بغداد في 9 نيسان/ أبريل 2003 ‏بحملة تهديدات شديدة من المسؤولين الامريكيين (بوش، رامسفيلد ورايس ..) ضد النظام السوري. ‏واليوم، يمكن القول، دون ان نرتكب خطأ كبيراَ في التقدير، ان احتلالاً امريكياً "مريحاً" في العراق، كان ‏دفع بالولايات المتحدة الى حسم سريع لبقاء النظام السوري (انظر بول ماري دو لاغورس، لوموند ‏دبلوماتيك، تموز/ يوليو 2004). ولكن الصعوبات الجمة التي يواجهها هذا الاحتلال، ولا سيما المقاومة ‏الشرسة التي يتعرض لها، ما تزال تجعل الوضع في العراق قلقاً ومنهكاً لها. وربما يكون هذا هو احد ‏الاسباب في عدم انتقالها الى الخيار العسكري تجاه النظام السوري.

في الوقت نفسه، تتعرض بلدان المنطقة الى ضخ اعلامي وايديولوجي من الدول الكبرى وبالأخص ‏امريكا، لتسويق "مشروع الشرق الاوسط الكبير" و"لأنموذج" الديمقراطية التي تعدنا به. فـ"الثورة ‏الديمقراطية" العتيدة التي يدعو لها الرئيس الامريكي بوش في المنطقة تستند على "نموذجين". ‏الأول هو افغانستان، وهو انموذج ما يزال عقيماً وسخيفاً "لديمقراطية" امراء الحروب والعشائر". ‏والثاني هو العراق، الذي لا يمكن ان يكون، ولا بحال، أنموذجاً جذاباً للديمقراطية في منطقتنا. لسبب ‏بسيط انه بلد تم تفكيك وتحطيم القوات الامريكية لدولته، بعد ان كانت قد فككت وحطمت بنى المجتمع ‏العراقي عبر أكثر من عقد من الحصار الرهيب. وبالتالي، فان "الديمقراطية" التي تبنيها قوات الاحتلال ‏الامريكية في العراق هي "ديمقراطية" طائفية، ولأنها كذلك - كالتجربة اللبنانية - فإنها تحمل في ‏طياتها عوامل أزمة دائمة.

بالرغم من ذلك، لا بد من القول إن مجمل هذه العوامل من التواجد الامريكي العسكري المباشر في ‏المنطقة (تحت شعار محاربة الإرهاب والتي بدأت باحتلال افغانستان) اضافة الى المشروع ‏الأيديولوجي لإدارة بوش - والذي يجد جذوره لدى المحافظين الجدد وخاصة بعد انهيار الاتحاد ‏السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة - والجيوسياسي لإعادة صياغة منطقتنا، دون ان ننسى حقيقة رفض ‏او استعصاء الانظمة العربية - وخاصة السوري منها - لأي اصلاح سياسي ذو قيمة، ادت الى تبني ‏النخب العربية ومنها السورية بشكل صريح او موارب لهذه المواقف الايديولوجية. فأصبحت الليبرالية - ‏والجديدة منها - هي الايديولوجية السائدة لديها، وأصبح التغيير من "الخارج" هو الإمكانية الوحيدة، ‏ويجب التعامل معه. وأصبحت الديمقراطية، هي ماحدث في افغانستان او هي "الديمقراطية الطائفية‏‏" في عراق اليوم .. إلخ.

في سورية، صرح مثلاً احد "نشطاء حقوق الإنسان" المعروفين بخصوص احد الاعتصامات التي دعت ‏لها بعض اطراف المعارضة السورية في 10 آذار/ مارس 2004 في دمشق: "نحن نمثل 85 في المائة ‏من السكان" في إشارة منه لنسبة العلويين التي تقدر ب 15 في المائة (انظر ميكايل جاكوبسون، معهد ‏واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 2005).

أزمة النظام السوري وازدياد عزلته:

استطاع النظام السوري خلال أربعين عاماً من إرساء أسس سلطة استبدادية ونظام شمولي، وسحق ‏خلالها كل القوى السياسية او الاجتماعية والنقابية المناهضة له، وكان الطرف المنتصر في "حرب ‏أهلية" شنها ضد المجتمع السوري. لم تصادر السلطة السورية الحقل السياسي فحسب، بل وضعت يدها ‏على الثروات، وخلقت حولها ومعها شرائح اجتماعية واسعة اغتنت من نظام للفساد مرعب. كما انها ‏صادرت الحقلين الاجتماعي والى حد ما الثقافي، وفرضت هيمنة الحزب الواحد.

وفرغت المجتمع، من خلال حرب استنزاف متواصلة، من افضل ممثلي نخبه السياسية والفكرية من ‏خلال اعتقالها وزجها لهم في السجون لسنوات طوال، او دفعها الى المنافي. لقد تم تذرير المجتمع ‏السوري بكامله وفق منظومة ولاءات ومصالح متشابكة حول طغمة حاكمة تربطها وشائج عائلية ‏وشبكة من مجموعات مصالح موالية. وبرزت في سورية طبقة "جديدة " من رجال الاعمال ‏والبورجوازييين اغتنت ونمت فقط بفضل ولائها واندماجها بالسلطة.

كانت ذروة التجلي الاستبدادي في مسار النظام السوري هو الصراع المسلح بينه وبين جماعة الاخوان ‏المسلمين والذي دام بين عامي1977 و1982 والذي قام خلاله كلا الطرفين بعملية تحشيد طائفي ‏للمجتمع السوري، ما تزال تحمل سورية آثاره. وكرس النظام السوري طبيعته كنظام بوليسي يقوم على ‏اجهزة الأمن التي اصبح عددها كبيراً (يقدر بـ 15 جهازاَ) وبصلاحيات غير محدودة، ومعياره الوحيد ‏هو مدى الولاء له.

ومع الانتقال الوراثي لسدة الرئاسة عام 2000، اعلن الرئيس الجديد بشار الاسد في خطاب القسم ‏في 17 تموز/ يوليو عن وعود اصلاحية عديدة، وساهم هذا في ارتخاء العنف الامني وشجع عدد من ‏شرائح النخبة على استعادة نشاطها واهتمامها بالشأن العام، بعد مرحلة طويلة اقتصر فيه النضال ‏المعارض والسري على عدد قليل من المجموعات المعارضة ومنظمة حقوق إنسان وحيدة (لجان ‏الدفاع ..). وانتشرت الهيئات والمنتديات في إرجاء سورية.

لكن سياسة المنع والقمع للسلطة السورية عادت سريعاً الى عادتها القديمة، وتنطح نائب رئيس ‏الجمهورية عبد الحليم خدام في شباط/ فيراير 2001 للتهديد بمنع تحويل سورية الى "يوغسلافيا او ‏الجزائر" وتلى ذلك حملة اعتقالات طالت ما عرفوا بنشطاء "ربيع دمشق" لا يزال اغلبهم قيد الاعتقال. ‏ومنعت المنتديات والاجتماعات العامة. زاد تعزيز السلطات من سياساتها القمعية، منذ ما سمي بأحداث ‏القامشلي (شمال سورية) في اذار/ مارس من العام الماضي، مع مظاهرات الاكراد. بل تتفاقم هذه ‏السياسة القمعية في الاشهر الاخيرة، لتعيد اغلاق ما تبقى من منافذ قليلة للتعبير والنشاط السلمي.

بينما جاءت نتائج مؤتمر حزب البعث الحاكم في شهر حزيران/ يونيو من هذا العام لتحبط أي رهان ‏على قدرة - او رغبة - النظام السوري في اصلاح نفسه ولو جزئياً.

هذا الاستعصاء الداخلي فاقم من اهمية وأولوية دور العامل الخارجي في "التغيير" في سورية في ‏الوعي العام، وبالأخص لدى النخب. وأضاف على عزلة النظام السوري الدولية عزلته وانفصامه عن ‏شعبه. ولكن السلطة السورية تعتقد انها بذلك تمنع توفر بديل عنها جدي ومقبول أمريكياً، هذا من جهة ‏‏. وتظن انها بهذا تكون في وضع يحسن من وضعها التفاوضي مع الإدارة الامريكية، بصفقة ما تزال ‏تأمل انها ممكنة مع الأخيرة.

الاستراتيجية الامريكية تجاه سورية:

تبدو الاستراتيجية الامريكية، وتشاركها الدول الاوربية الموقف نفسه، تجاه النظام السوري وكأنها ‏تقوم (حتى الآن، على الأقل) على مبدأ "الضغوط السياسية - الدبلوماسية المتصاعدة في شدتها مع ‏التلويح الدائم بالخيار العسكري". فقد استطاعت الإدارة الامريكية، وفي خلال الثلاث اعوام الأخيرة، ‏من تجريد النظام السوري من دوره الإقليمي، وخاصة بعد فرض انسحابه المهين من لبنان في أواخر ‏شهر نيسان/ ابريل من هذا العام. وتحاصره اليوم داخل حدود سورية وتضيق عليه الخناق.

بدأ الضغط الامريكي على النظام السوري بإقرار الكونغرس الامريكي في 11تشرين الثاني/ نوفمبر 2003 ‏‏"لقانون محاسبة سورية واستقلال لبنان"، وصادق بوش على العقوبات في 11 ايار/ مايو 2004.

واتفقت دول الاتحاد الاوربي (25 دولة) بكامل عددها على "تأجيل" اتفاق الشراكة مع سورية بتاريخ ‏‏25 ايار/ مايو 2004. وصدر قرار مجلس الامن رقم 1559 في ايلول 2004. لكن ما فاقم من ‏ازمة النظام السوري هو اغتيال رئيس الوزاء اللبناني السابق رفيق الحريري في 12 شباط/ فبراير ‏‏2005، الذي اتهم به فوراً النظام السوري، وأدى الى تشكيل لجنة تحقيق دولية برئاسة القاضي ‏الألماني ديتليف ميليس على اساس قرار مجلس الامن رقم 1595. لقد فجر عمل هذه اللجنة تماسك ‏النظام السوري وافقده توازنه، ليأتي انتحار- او نحر - وزير الداخلية السوري غازي كنعان قبل ايام من ‏اعلان ميليس لتقريره في 21 تشرين الأول/ اكتوبر 2005 الذي يتهم فيه الحكومة السورية بعدم التعاون معه ‏ويعلن عن دلائل تشير على تورط مسؤولين سوريين كبار في عملية اغتيال الحريري، فأتى قرار ‏مجلس الامن رقم 1636 بعد تقرير ميليس بأسبوع ليزيد من ورطة النظام السوري وخنقه، لأن جوهر ‏هذا القرار يعطي للجنة التحقيق الدولية صلاحيات تمس "السيادة الوطنية"، مما يعني انها أصبحت ‏ناقصة (كما حصل في عراق صدام حسين)، هذا من جهة. وأعطاها صلاحيات مطلقة للتحقيق وإصدار ‏مذكرات اعتقال بأي فرد كان، مهما كان موقعه، والمسؤولين الذين ذكرهم ميليس في تقريره يشكلون ‏‏"مركز " وقلب السلطة السورية. لهذا السبب يمكن ان نفهم ما كان يعنيه الرئيس بشار الاسد في خطابه ‏الأخير بداية الشهر الجاري (تشرين الثاني/ نوفمبر) بقوله انه - أي القرار - يقول لنا: "اقتل نفسك او اقتلك". اذن‏، فإن قبول النظام السوري بهذه الضغوط والقرارات الدولية يعني امكانية تفكيكه داخلياً. في المقابل، ‏فإن رفضه لها سوف يعرضه الى عقوبات وضغوطات اشد قد تصل الى استخدام القوة ضده، بعد إنهاكه، ‏للإجهاز عليه.

والحال، فإن الإدارة الامريكية - ودول الاتحاد الاوربي - تسعى، من خلال تشديد الحصار والهجوم ‏المتواصل على النظام السوري، وعلى كافة الجبهات، من اجل دفعه الى السقوط "كثمرة ‏ناضجة" (انظر جيو سياسية اغتيال الحريري، بوبل دو موند، بيروت، اذار/ مارس 2005).

‏ مما يدعو للقول إن سيناريو الإدارة الامريكية - والى حد ما الدول الاوربية - بالضغوط المتزايدة على ‏السلطة السورية هو سيناريو ديناميكي، حده الأدنى هو تطويع النظام السوري وإعادة هيكلته وصولاً ‏الى احتمال إسقاطه، وعلى ارضية استنزاف النظام السوري - وإفقاده - لأي هامش للمناورة ان كان على ‏الصعيد الدولي او الداخلي. وإن كان برزت مؤخراً مؤشرات على محاولة السلطة السورية شد لحمة ‏صفوفها وتماسكها، وخاصة الحلقة الضيقة لها وعمودها الفقري.

محاولات الاصطفافات:

على خلفية ما ذكر اعلاه، وفي الايام التي سبقت اعلان تقرير ميليس، صدر في دمشق في 16 تشرين الأول/ ‏أكتوبر بياناً باسم "اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" بتوقيع التجمع الوطني الديمقراطي (يضم ‏خمسة احزاب هي الاتحاد الاشتراكي وحزب الشعب الديمقراطي وحزب العمال العربي وحركة ‏الاشراكيين العرب وحزب البعث الديمقراطي) وتحالفين للأحزاب الكردية ولجان احياء المجتمع المدني ‏وعدد قليل من الشخصيات. وفور صدوره بسويعات اعلنت جماعة الاخوان المسلمين انضمامها وكذلك ‏فعل فريد الغادري، المقيم في الولايات المتحدة، وحزبه (حزب الاصلاح السوري) وتحالفه، وتلاهم ‏اخرون.

اثار صدور الإعلان ضجيجاً إعلامياً، وكيف لا؟ وسورية اليوم في قلب العاصفة، كما آثار، وما يزال ‏لغطاً حوله وأيدته مجموعات وتحفظت عليه اخرى وعارضه آخرون .. إلخ، لماذا؟

في الواقع، ان اول ما يثير الانتباه هو الشكل المحدود والضيق والإقصائي - بخلاف ما هو وارد في ‏نص الإعلان - لآليات الإعداد له. فأية عريضة او بيان حول الديمقراطية تحوز اليوم على ‏التوقيع "السهل" لعشرات الاحزاب والهيئات والشخصيات. وثاني الأمر، هو ان الإعلان والانضمام ‏المباشرة - بسرعة مذهلة - لجماعة الاخوان المسلمين، كشف عن كونه حصيلة توافق وتنسيق بينهم ‏مع استبعاد التشاور مع العديد من القوى والشخصيات داخل سورية.

لم يخلق هذا الإعلان التفافاً حقيقياً حوله حتى الآن. ولكنه سارع، بسبب السجال حوله، الى الدفع ‏السريع للواجهة لقضية "البديل"، كما دفع حكماً الى اعادة اصطفافات سياسية جديدة. على سبيل ‏المثال صدر في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري "اعلان حمص"، ويتضمن افق سياق ديمقراطي مختلف عن ‏اعلان دمشق وأكثر تماسكاً منه. وهذا لم يمنع حوارات اخرى تدور بين عدد اخر من القوى السياسية ‏والشخصيات لإدار اعلان ثالث يقال انه سيكون اكثر وضوحاَ وتوافقية، وربما اعلان رابع او ‏خامس.

من جهة اخرى، لا بد من القول ان نص الإعلان لم يأت بجديد، فأغلب ما ورد به من مطالب ومحاور ‏إنما هي تكرار لما كانت تطالب به العديد من الأحزاب والهيئات السورية في الداخل منذ سنوات. لكن ‏الجديد فيه هو تبني - أخيراً - التجمع لهذه المطالب، بعد ان التصقت به سمة سعيه الدائم لإرضاء كل من ‏النظام السوري والمطالب الشعبية بالديمقراطية .. لذلك فإن التحاق التجمع الوطني الديمقراطي، ‏ولو متأخراً، بالمطلب العام بضرورة "التغيير الديمقراطي الجذري" هو موقف ايجابي (انظر محمد ‏مقداد، اعلان دمشق ومأزق قواه السياسية، اخبار الشرق، تشرين الأول/ اكتوبر 2005).

من الواضح لكل مطلع على الوضع السوري، بأن جماعة الإخوان المسلمين قامت خلال السنوات ‏الخمسة الماضية بمراجعة هامة لخطابها، الذي تحول الى خطاب "ديمقراطي" وشبه ليبرالي، يقول ‏انه يعترف بالآخر ويدعو الى تداول السلطة. كما لا يخفى على احد بأن جماعة الاخوان هي اكثر اطراف ‏المعارضة تنظيماً وكفاءة ودينامية في نشاطها، حتى لو لم يكن نشاطها الخاص بارزاً حالياً داخل ‏سورية. كما انها استطاعت، وخاصة في الأعوام الثلاث الأخيرة، من نسج شبكة علاقات مع معظم ‏اطراف المعارضة السورية ودخلت الى المعادلة السياسية كطرف رئيسي فيها، بالطبع هذا لا يعني انها‏ ،أو أي حزب اخر غيرها، ذات نفوذ جماهيري، وفتحت قنوات حوار مع عدد من حكومات الدول ‏الكبرى.

لذلك يمكن القول إن صدور اعلان دمشق ليس بعيداً عن هذه المعطيات، ويجب قراءته وفقها.‏ لكن "اعلان دمشق" يعاني كنص من اشكالية اساسية، قد تكون مقصودة او فرضها الاتفاق بين ‏اطرافه، هي انه نص ملتبس في كثير من فقراته ومتناقض.

وسنعطي مثالين: الأول، تقول احدى الفقرات في الإعلان "بناء دولة حديثة، يقوم نظامها السياسي ‏على عقد جديد، ينتج عنه دستور ديمقراطي عصري .. المواطنة معياراً للانتماء" وفقرات اخرى عن ‏الحريات الديمقراطية وتداول للسلطة وانتخابات حرة ودورية.

في الوقت نفسه، نجد فقرة اخرى كانت وما تزال اساس سجال ونقد شديدين للإعلان، وهي فقرة كما ‏وردت في الإعلان توشك ان تشكك بصدقية اجزائه الأخرى. يقول الإعلان:" الإسلام دين الأكثرية ‏وعقيدتها .. مع الحرص الشديد على احترام عقائد الآخرين .."، ان يكون الاسلام بمذاهبه المتعددة ‏هو دين الأغلبية وأنه مكون اساسي لثقافتنا فهذا امر متفق عليه. ولكن ان يضع سلفاً افقاً "عقائدياً" ‏لأكثرية على اساس مذهبي في مشروعه "للتغيير الديمقراطي" يعيد الى الذاكرة التجربة العراقية ‏الجارية. وهذا بخلاف مع جاء في فقرة سابقة من الإعلان تنص على "دولة حديثة .. والمواطنة ‏معياراً". وما يعزز من هذا الميل هو استناد النص على كلمتي "نحن" و"الآخرين" المكررة في ‏العديد من فقراته. وما قد يؤكد الى استناد اعلان دمشق على فرضية انه ينطق باسم الأكثرية التي ‏دينها وعقيدتها الإسلام، ولكنه بالرغم من ذلك يمد يده للآخرين من الأقليات الدينية او القومية هو الفقرة ‏التالية: "اننا ندعو ابناء وطننا واخوتنا من ابناء الفئات السياسية والثقافية والدينية والمذهبية الى ‏المشاركة معنا ..". وهنالك امثلة اخرى على تكبيل الفقرات التي تعني بمتطلبات التغيير الديمقراطي من ‏اجل بناء تجربة ديمقراطية تقوم على مبدأ المواطنة بغض النظر عن الجنس او العرق او الدين .. بفقرات ‏ذكرنا اهمها تعكس وعياً لا يرى من إمكانية، سوى إعادة بناء سورية الديمقراطية من خلال تفاهم ‏وديمقراطية "الطوائف"، وهذا ما لا نأمله لبلادنا. ولو حصل ذلك لسبب او آخر، مثل انهيار الدولة ‏والمجتمع بعد غزو خارجي مثلاً، فأغلب الظن ان ما سيحصل سيكون اقرب لتجربة افغانستان او العراق ‏التي ستسود في "ديمقراطيتها" جيل جديد من امراء الحروب والطوائف.

المثال الثاني او "الالتباس" الآخر في اعلان دمشق يتعلق بمدى وضوح مواقفه من النظام القائم؟ فمن ‏جهة نجد الإعلان يقول بـ"ضرورة التغيير الجذري في البلاد، ورفض كل اشكال الإصلاحات الترقيعية ‏او الجزئية او الالتفافية" وتأكيد الإعلان على "اننا نتعاهد على العمل من اجل انهاء مرحلة الاستبداد" ‏.. إلخ.

في الوقت نفسه، فإن الإعلان يقول في فقرة اخرى: "ان عملية التغيير قد بدأت .. وهي ليست موجهة ‏ضد احد" ودعوته للمشاركة فيها لمن اراد من "اهل النظام".

يمكن ان نجد نفس الالتباسات تجاه قضية "الخارج" - مثال ثالث - فمن جهة يقول اعلان دمشق ‏‏"رفض التغيير الذي يأتي محمولاً من الخارج". بينما تعلن التوضيحات التي صدرت معه بأن الاعلان ‏يتوجه الى الرأي العام الخارجي "للقول إن سورية ليست قوقعة فارغة سياسياً .. وهي تتمتع اليوم ‏بوجود قوى شعبية لها تاريخ طويل في النضال الديمقراطي، جديرة بالثقة ويمكن الحوار معها".

كما تجاهل اعلان دمشق الطابع القومي للقضية الكردية، مثلما تجاهل تماماً قضية العدالة الاجتماعية ‏واعادة توزيع الثروة الاجتماعية في بلاد اكثر من نصف سكانها (ومن مختلف الأديان والمذاهب ‏والطوائف والقوميات و..) يعيشون في فقر مدقع او تحت حافة الفقر.‏

بالنسبة لنا لا يشكل اعلان دمشق سوى "لحظة" - بالتأكيد هامة - من لحظات دينامية الحراك والصراع ‏السياسي والاصطفافات الجارية في سورية اليوم. ومن الضروري التعامل معه ومع الاعلانات الأخرى ‏بروح التعاون والحوار والسجال، من اجل التوصل الى افضل توافق للقوى السياسية (اليسارية ‏والقومية والليبرالية) والاجتماعية في سورية لبناء اوسع تحالف ممكن للانتقال الديمقراطي على ‏اساس برنامج واضح ومكثف ضد العدوان والتبعية وضد الدكتاتورية ومن اجل الديمقراطية والحرية ‏والعدالة. ديمقراطية تنهض على اساس المواطنة، وفصل الدين عن الدولة، والمشاركة المباشرة ‏والواسعة والواعية للمواطنين. وأخيراً، تبقى الممارسة الفعلية على الارض هي المحك والاختبار ‏الحقيقي لأي برنامج او اعلان.

مما لا شك فيه ان الحراك العام في سورية ما يزال محصوراً على النخب، ولم تنزل الشرائح الاجتماعية ‏الواسعة بعد الى ساحة الفعل. وما تزال النخب المعارضة أسيرة صراع الإرادات والاستراتيجيات بين ‏الدول الكبرى، وعلى رأسها زعيمة الامبراطورية الولايات المتحدة، من جهة، وبين سلطة استبداية في ‏سورية، من جهة اخرى. ورهانات اغلب هذه النخب تنوس بين الاثنين.

ما ندعو إليه هو التوجه الى ‏غالبية الشعب السوري من المنتجينو المفقرين والمهمشين وصانعي الثروة والحياة والثقافة (النقابات ‏والمنظمات المهنية والمعلمين والطلبة ..)، انها المعنية الأولى بمصيرها ومصير بلادها وهي الضحية ‏الأولى لآليات القهر والاستغلال للنظام الدكتاتوري، وهي التي سيكون الضحية الأولى في أي عدوان ‏عسكري امريكي او دولي على سورية. قد يكون هذا هوالمدخل الحقيقي لما يسمى الخيار الثالث، اما في ‏حال غيابه فلا شيء يبشر الآن بمستقبل قريب مزهر لسورية. والسير على الطريق ما يزال شاقاً وصعباً.‏

__________

* كاتب سوري

أسئلة

أسئلة

جوزف سماحة

السفير

إذا كنا مواطنين نسعى إلى معرفة الحقيقة ولم نكن قبيلة تسعى إلى الثأر يجب أن يكون، في ما يخص التحقيق، ما قبل هسام هسام وما بعده.
نعم قد يكون الرجل مدسوساً في الأصل من المخابرات السورية. قد يكون قرّر تغيير رأيه. قد يكون بالفعل تلقى إيحاءات وتعرّض إلى ضغوط وإغراءات. قد يكون كذب ويكذب. ويمكن إيراد احتمالات أخرى. ولكن ما لا شك فيه أنه ألقى ظلالاً من الشك على المحطة التي كان وصل إليها ديتليف ميليس وعبّر عنها في تقريره إلى مجلس الأمن الدولي.
وتقضي الأمانة القول إن البيان الذي أصدرته لجنة التحقيق الدولية تعليقاً على أقوال هسام هسام ليس مقنعاً ولا كافياً.
يؤكد البيان أن الرجل تقدم من لجنة التحقيق الدولية المستقلة وعرّف عن نفسه بأنه ضابط استخبارات سوري سابق في لبنان ثم وقع بعد ذلك على إفادته التي تشير إلى طوعية مبادرته. بكلام آخر لقد ثبّتته اللجنة بصفته شاهداً ولم تتنصل منه. لم تذهب أبعد من ذلك تاركة عدداً لا يحصى من الأسئلة معلقاً. هذه بعضها:
على اللجنة أن تقول لنا وللعالم ما هي حصة إفادة هسام في التقرير المرفوع إلى مجلس الأمن. لقد أشار هو إلى ذلك ولكن من المستحسن أن نستمع إلى توضيح قاطع من جانب الدوليين. هل ثمة نية للاحتفاظ بما أدلى به والدفاع عن صدقيته؟ ما هو مصير التقرير من دون الإفادة؟ ماذا يبقى منه؟ وهل التباين في التقرير الرسمي وفي التقرير المتسرّب إلى الصحف ويتضمن أسماء صريحة هو تباين في فقرات مستمدة من شهادة هسام؟ وهل تملك اللجنة معطيات أخرى صريحة تشير إلى هذه الأسماء؟
هل هسام هسام هو الشاهد المقنّع الذي واجه المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد؟ هل وقائع المواجهة التي رواها علناً دقيقة؟ هل صحيح أن محققاً ألمانياً اضطر إلى سحبه؟
هل تملك اللجنة آلية للتأكد من الشهود الذين يحضرون أم أنها تكتفي بتعريفهم عن أنفسهم؟ فبيان اللجنة يبدو ساذجاً ويجعلها تظهر كمن يعاني من طيبة قلب مفرطة. أليس ميليس ثعلباً؟ ألا يملك خبرة في عالم الاستخبارات ودسائسه؟ ألا يدرك أنه يحقق في قضية ذات خطورة استثنائية ما يفرض عليه التحسّب؟
كيف لنا أن نتأكد من صدقية محمد زهير الصديق؟ فالرجل محتجز في فرنسا؟ ولا تبدو باريس متعاونة مع التحقيق، اللبناني على الأقل، لأنها ترفض تسليمه. هل استجوب بعد توقيفه؟ لمَ لا يتوجه المحقق العدلي الياس عيد إلى باريس؟ هل من الخطأ مخالفة تقدير ميليس بأن تحوّل الصديق من شاهد إلى مشتبه به يزيد صدقيته؟ وبالمناسبة، لمَ لمْ يتحوّل هسام إلى مشتبه به؟
هل وصل الشاهد المتحوّل إلى مونتيفردي مباشرة؟ كيف اتصل باللجنة؟ يقول البيان إنه مثل أمامها في أواخر حزيران. حسناً. جرى استجوابه طيلة تموز وآب. وقّع إفادته في الأول من أيلول. ثم مضى أيلول، وتشرين الأول، وها هو تشرين الثاني ينقضي. لقد انقضت خمسة أشهر بالتمام والكمال ولم يتسنّ للتحقيق اللبناني حق التعرف إليه. هل هذا طبيعي؟ ما معنى، والحالة هذه، المدائح التي تكال إلى التقدم الذي أحرزه الجهاز القضائي؟
قال هسام هسام ما قاله. وهو كثير. هل تنوي اللجنة الدولية فتح تحقيق ضمن التحقيق؟ هل تنوي الالتفات إلى اتهامات وجهها؟ هل تنوي طلب استرداده؟ إن لم تكن تنوي ذلك هل يبقى القضاء اللبناني ساكناً؟ هل هناك في بروتوكول التعاون ما يحول دون مبادرة محلية؟ هل هناك مَن يمارس ضغطاً معنوياً على القضاء؟
هل ضلّل هسام هسام التحقيق الدولي أم أنه قال له ما يطيب له سماعه؟ وهل ثمة مجال فعلي لشاهد يقول كلاماً مغايراً؟
هل من درس يستفاد من هذه الواقعة؟ بمعنى آخر ألا تنوي اللجنة إعادة النظر بإفادات أخرى والتأكد من هويات أصحابها؟ قد لا يؤدي ذلك إلى تغيير وجهة التحقيق ولكن أليس التدقيق ضرورياً من باب احترام الحقيقة؟ أليس من حقنا أن نعرف ما هي المعايير الدولية للتحقيق بعد أن ذكّرنا بيتر فيتزجيرالد بعدم احترام هذه المعايير في ما يخص مسرح الجريمة (مزيج العبث المقصود والناجم عن إهمال).
لا نعرف لماذا ذكر بيان اللجنة أنها لا تعرض ولم تعرض يوماً أو تقدم أي تعويض لقاء معلومات. لم يتهمها أحد بذلك.
ما رأي اللجنة في الهجوم الذي يتعرّض إليه شاهدها طالما أنه سبق لها اعتماد إفادته ولم تنكرها في بيانها الأخير؟
إن هذا غيض من فيض أسئلة ما بعد هسام. تساعد اللجنة اللبنانيين كثيراً إذا اهتمت بها وتعاطت معها بإيجابية. وإن لم تفعل واختارت سلوكاً متعالياً فإن الحد الأدنى من واجب القضاء اللبناني هو أن يبادر.

قناة الجزيرة بين الوهم و تحقيق الوهن

قناة الجزيرة بين الوهم و تحقيق الوهن

أثار اهتمامي التضخم المبالغ فيه لتقرير صحيفة الديلي ميرور والذي أشار إلى وجود مخطط لقصف مكاتب قناة الجزيرة الفضائية في بغداد وكابول ،ولدى قراءتي لمقالة الأستاذ داوود البصري عن نفس المسألة وجدت كثيرا من الأفكار التي ينبغي طرحها قد وردت في مقالته ( قصف قناة الجزيرة بين الجد والهزل ) لذا أنصح بالرجوع إليها على موقع إيلاف كذلك مقال لطارق الحميد في الشرق الأوسط ، وهنا أود طرح بعض الأسئلة على مسئولي ومدراء فضائية الجزيرة التي ربما يكون للإجابة عليها أثر في بيان الحق والحقيقة وكشف أغالط التوجهات وصوابية الادعاءات.

مكاتب الجزيرة في أمريكا منتشرة في معظم الولايات الهامة وكذلك مراسليها. وكما هو الحال في المملكة المتحدة والسؤال لماذا لا تسحب الجزيرة مراسليها ومكاتبها احتجاجا على التقرير المذكور، ومن جهة أخرى إذا كان تحالف أمريكا وبريطانيا متأثرا إلى هذا الحد من بث الجزيرة فلماذا لا تغلق تلك الدول مكاتب الجزيرة وتطرد المراسلين كما فعلت في حالة سابقة تم من خلالها منع بث لقنوات فضائية عربية ( المنار مثلاً ) لقناعة أصحاب الشأن بتأثيرها السلبي .

ومن المعروف أن تسهيلات عديدة منحت لقناة الجزيرة في كابول قبل وبعد بدء المعارك وإبان اشتدادها وإلى حين توقفها ،تلك التسهيلات لم تعط لأية قناة أخرى، وكان هناك اتفاق بين قناة الجزيرة وقناة الـ CNN الأمريكية بحيث يكون للجزيرة الحق الحصري والوحيد لبث الوحي المقدس لأسامة بن لادن ( كما كانت توحي به أساليب الرعاية والاهتمام المحيطة ببث رسائله بدءا من تسميته بالشيخ الفقيه من قبل عبد الباري عطوان وانتهاءً بإعلانه إماماً للمجاهدين ). فهل يعقل أن يحصل هذا التفاهم الشديد وتلك المزايا الممنوحة على أنه رغبة في قصف تلك المكاتب أم على العكس تماما أي أن قناة الجزيرة كان لها دور محدد ومتفق عليه لإتمام العملية العسكرية وما بعدها في كابول وبغداد ولعل ما يفسر جزءا من ذلك الغموض هو قيام الحكومة الوطنية العراقية بإغلاق مكاتب الجزيرة وطرد مراسليها من بغداد.

بالعقل والمنطق كيف نفهم أن تقوم أهم وأقرب عملاء ( أو أصدقاء أو سمهم ما شئت ) الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط وفي قلب الجزيرة العربية ( دولة قطر) بترك ذلك العملاق الإعلامي دون أن يكون له دور وشراكة ضرورية ومهمة في إنجاح السياسات الأمريكية المخطط لها والمرسومة والجاري تنفيذها . وبعبارة أوضح تشير الدلائل إلى أن قناة الجزيرة جزء أساسي وقاعدي في سياسات إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش من أجل تطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير وهنا أشير إلى حيثية بسيطة قبل وجود قناة العربية والحرة كانت الجزيرة هي المنبر الوحيد للمسئولين الإسرائيليين والأمريكيين للتحدث إلى الرأي العام العربي وكان المبرر لسماعه من قبل المتلقي العربي هو قناعته في بداية الأمر بأن قناة الجزيرة لديها من الجرأة والحرية ما يكفي أو ما يغفر لها ذنب الاتصال بمن يعتقدهم أعداء ألداء .

عندما تناصب منظمة أو مؤسسة أو هيئة أو حكومة أو مخابرات العداء لطرف آخر سواء كان تنظيماً أو نظاماً فإنها تحتاج إلى معرفة أساليب تفكيره ومنطلقاته وإذا أمكن مخططاته، لذلك فهناك حاجة ملحة للسماع إليه والتقرب الشديد منه لتكون على إطلاع كافي على ما يدور في أروقة دماغه وأروقة تنظيمه.

وهنا يأتي السؤال ألم تقم قناة الجزيرة الفضائية بذلك الدور بين إسرائيل والتحالف الغربي من جهة والمتشددين والمتطرفين والإرهابيين ودعاة الموت للشعوب والدول الكافرة من جهة أخرى، ألم تستطع قناة الجزيرة أن تحظى بالقرب الشديد من ابن لادن في قندهار ومن صدام في تكريت ومن أبو حمزة المصري في لندن ومن جماعة الزرقاوي في الأردن ، ألم تستطع الجزيرة الوصول إلى داخل أشد التنظيمات الإرهابية في الجزائر وإجراء المقابلات والحوارات الحصرية مع مشايخ الذبح والقتل ، ألم تتمكن الجزيرة والجزيرة وحدها من الوصول إلى بعض ملفات ال سي آي أيه السرية وكذلك بعض ملفات المخابرات البريطانية ونشرها بصورة حصرية من خلال برنامج سري للغاية ؟ فهل هكذا أمر يتم بين الأعداء أم بين الحلفاء والأصدقاء إنه بلا شك يتم بين الدول والحكومات وصديقتهم اللدودة الجزيرة.

عندما استشهد طارق أيوب مراسل الجزيرة العسكري في بغداد نتيجة لوجوده خطأً قرب مصدر نار عراقي أجرت القناة لقاءً مع زوجته المخلصة والمتألمة كانت تبكي بحرقة شديدة وتقول ( الله يجازي الذي كان السبب ) كل من شاهد المقابلة تأثر تأثراً شديداً لمصاب تلك المرأة الطاهرة والبعض كانت رد فعله الغيظ الشديد والحنق على قناة الجزيرة لأنها كانت السبب .

فطارق أيوب كان مراسلاً الكترونياً للقضايا الاقتصادية يبث تقارير اقتصادية الكترونية لقناة الجزيرة وبين عشية وضحاها ألبسته الجزيرة درع الحرب وألقته في أتون المعارك الجارية في العراق وكانت النتيجة ترمل زوجته بعد أيام.

ولعل من أكثر المظاهر والدلالات على عدم صدقية قناة الجزيرة والتناقض الفاضح في مواقفها وتوجهاتها وتأثيراتها السلبية على المتلقي العربي ( وعذراً لاستعمال لفظة المتلقي فغالبية متابعي الجزيرة من الذين لا يمحصون ولا يدققون فيما تنشره وتبثه . وتغلب عليهم العاطفة والانجرار خلف الصراخ ورفع العقيرة بالتهديد والوعيد والاقتناع المسبق بمنطق المؤامرة في الأحداث الدائرة وما سبقها والنتائج المترتبة عليها ) .

هي ظاهرة الشيخ يوسف القرضاوي الذي يعد مثالاً صارخاً لتطويع الدين والشريعة وفقاً للتوجهات السياسية و أهواء السادة منظري القناة ورغباتهم الآنية، فالشيخ الجليل القرضاوي الذي لا يغيب عن الشاشة حتى يظهر عليها ثانية كان من دعاة الصلح مع إسرائيل وجهد في طرح الأدلة الشرعية على ذلك من صلح الحديبية إلى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ثم ادخلوا في السلم كافة. كان ذلك إبان مفاوضات الرئيس عرفات في أوسلو ولكن عندما ارتأى الزعيم الراحل الخروج من تحت قبة المفاوضات السلمية وتأييد الانتفاضة المسلحة والدعوة إلى الجهاد والاستشهاد لقناعته بسرعة ذلك الطريق ونجاعته . رأينا تغير بوصلة فتاوى الشيخ الجليل نحو واقتلوا المشركين كافة، أيضاً واقتلوهم حيث ثقفتموهم، ودار الحرب ودار السلم وفي حينها سأل الأستاذ عماد الدين الأديب العلامة القرضاوي عن قتل المدنيين الإسرائيليين فأجاب : إن إسرائيل دار حرب وكل من فيها يعدون محاربين حتى ولو لم يكونوا جنوداً . وبذلك برر القرضاوي قتل النساء والأطفال والشيوخ والآمنين في كل مكان طالما أنهم يقطنون دار الحرب التي قد لا تكون في مفهوم الجهاديين بقعة محددة بل صفة اعتبارية يمكن إطلاقها على مجموعات أو تجمعات تحمل صفات معينة أو انتماءات أو ولاءات تخالف ما يعتقدونه الحق وهذا بالضرورة ساهم في نشر الإرهاب الذي يسلط على رقاب الآمنين في العراق والأردن والسعودية والعالم أجمع.

وعندما حصلت تفجيرات إرهابية في دولة قطر خرج الشيخ الجليل في مظاهرة مناهضة للإرهاب وعاد إلى ....وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

إن توجهات الشيخ الجليل يوسف القرضاوي منطوية ومتسقة مع توجهات قناة الجزيرة التي تستغل جهل وعاطفة وقناعات الناس المسبقة كما تستغل إيمانهم ودينهم منتهزة حالة ضعفهم وهزائمهم. بما يوصل الشعوب والأمة إلى الوهن والعجز.( ربما كان للشيخ الجليل عذره أو قناعاته الخاصة التي تختلف مع هذا التوجه.)

نعم للإعلام الليبرالي الذي يتسع للجميع، نعم للإعلام الواضح والصريح الذي يدعم قضايا الحرية والسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان التي تكفل حق الشعوب في استرجاع أراضيها ونبذ الاحتلال، الإعلام الذي لا يروج للإرهاب أو الفكر الإرهابي تحت حجج واهية أو ادعاءات براقة بمناهضة ومحاربة أعداء العروبة والإسلام ولا تكون المحصلة المرحلية والنهائية لعمله الكيد بالشعوب وإثارة الوهن وتشويش الفكر والسياسة ، فتبقى الشعوب في حالة ضياع وتوهان ، إن العمل الإعلامي الصحيح يعتبر الإنسان أساساً ينبغي الحرص عليه وبذل الجهود لنصرته وإحقاق حقوقه واستعادة كرامته.

m.h.taleb

خاص – صفحات سورية -

أميركا والسيطرة على شبكة الانترنت العالمية

أميركا والسيطرة على شبكة الانترنت العالمية

المستقبل

توفيق المديني

عقب القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي عقدت بتونس ما بين 16 وحتى 18 تشرين الثاني، كان الموضوع الرئيس للمواجهة يتمثل في "حكومة الانترنت"، حيث تصر الولايات المتحدة الأميركية على إبقاء سيطرتها على مقاليد الانترنت، في مواجهة بقية العالم. وتبلور في قمة تونس مساران متوازيان تشكل الأول من بلدان العالم الثالث وأساساً افريقيا وكذلك بلدان أوروبية تسعى لسحب إدارة شبكة الإنترنت من الشركة الأميركية المكلفة بالموافقة على أسماء المواقع: (Internet Corporation fo Assigned Names and Numbers). "انترنت التعاون من أجل الأرقام والأسماء المحدودة العروف بـ أيكان"، وهي مؤسسة للحقوق الخاصة لا تهدف للربح، مقرها في لوس أنجلوس وتخضع لقانون كاليفورينا، كما تخضع لسيطرة وزارةالتجارة الأميركية، على أمل تفويضها لإحدى هيئات الأمم المتحدة. أما المسار الثاني ففرضته المنظمات غير الحكومية التي طرحت قضية حرية التعبير وحماية المعارضين والمنشقين داخل كل بلد بالإعتماد على حصاد الجلسات التي عقدتها قبل القمة في إطار ثلاثة اجتماعات تحضيرية في الحمامات العام الماضي ثم في جنيف في وقت سابق من العام الجاري. إن أغلبية البلدان تريد من أميركا أن تتقاسم وإياها حق تعريف المعايير والقواعد لآلية عمل شبكة الانترنت، بل نقلها الى الأمم المتحدة. بيد أن وزارة التجارة الأميركية أعلنت أنها لن ترخي قبضتها. وحذرت واشنطن الدول الديموقراطية من إحتمال صعود قوي للديكتاتوريات، التي ستكون في حوزتها وسائل جديدة لكبحح الحريات في بلدانها، إذ انتقلت السيطرة على الانترنت الى هيئة دولية. وتقول الولايات المتحدة الأميركية أيضاً أنها تخشى من سيطرة "بيروقراطيين" دوليين غير كفوئين على شبكة الانترنت.
السؤال المطروح: كيف يمكن "تدويل" الانترنت؟ تستهدف الخيارات الليبرالية أو الدولنية كلها قطع علاقة السيطرة التي تخضع إدارة الشبكة لوزارة التجارة الأميركية. فمن الناحية التاريخية، الانترنت إختراع أميركي في زمن الحرب الباردة حين بدأ بالنتاغون يبحث عن طريقة يطور فيها نظام الإتصال (التواصل) ليتمكن من الوقوف أمام الهجومات النووية، وليتيح للمسؤولين السياسيين والعسكريين التواصل فيما بينهم. ثم إن الأميركيين سواء على مستوى الشركات، أو الباحثين والمهندسين هم الذين اخترعوا الانترنت في قسم أساسي منها، ومولوا انتشارها بواسطة المال العام في البداية ثم بواسطة قطاعهم الخاص في مرحلة لاحقة، مما منحهم سيطرة مطلقة على الشبكة الأم. وهم يمسكون بجميع الخيوط إذ بإمكانهم تعطيل الشبكة متى شاءوا حتى لو لم يضغطوا على أي زر وهم لا يرغبون في التخلي عن الرقابة التي يتمتعون بها حالياً.
وتعتبر أيكان (
I cann) أكبر محول في الشبكة. وترتكز الشبكة العالمية على جهاز كومبيوتر واحد يلقب "الأصل الأخير" الذي ينظم آليات عمل إثنتي عشرة كمبيوتراً يطلق عليهم تسمية "الخدم الأصليين" على مستوى الكرة الأرضية. وهذا الجهاز الموجود في مكان سري، هو بمنزلة كبير مسيطر عليه من قبل الـ أيكان، شركة خاصة ذات هدف غير ربحي خاضعة لسلطة وزارة التجارة الأميركية.
لكن منذ بعض الوقت، لم يعد هناك أي توافق. وبات وضع اليد الأميركية على الشبكة موضوع نزاع. ففي شهر أيلول أجمعت دول الإتحاد الأوروبي في جنيف على المطالبة بإصلاح في حكومة الانترنت بمناسبة وصول العقد الذي يربط أيكان بوزارة التجارة الأميركية الى النهاية بحلول أيلول 2006. أخفق اللقاء وامتنعت واشنطن عن أي تغيير، في حين اصطفت إيران والصين والهند والبرازيل على أرضية الموقف الأوروبي. وقد هدد البعض بإنشاء مشروع مؤسساتها الوطنية الخاصة، ما قد يقود الى تجزئة مدمرة للانترنت.
ويمكن القول إن السؤال الذي تردد في أروقة قمة تونس هو كيف يمكن التوفيق بين ضرورة وجود سلطة مركزية تدير شبكة الشبكات التي يستخدمها مليار شخص ـ حيث تحتل آسيا المرتبة الأولى من الآن فصاعداً، تليها أوروبا، ثم أميركا الشمالية ـ لضمان تقيدهم بضوابط تقنية مشتركة، وبين نزع تلك السلطة من الأميركيين الذين اخترعوا الإنترنت وعلى هذا الأساس ارتفعت أصوات باقي البلدان وفي مقدمتها البرازيل والصين وإيران لكسر القبضة الأميركية وإسناد مهمة الرقابة للدول أو لوكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة. إلا أن الجانب الأميركي أكد بوضوح أنه لا سبيل لأن تتحكم هيئة دولية في الإنترنت سواء أكانت تابعة للأمم المتحدة أم مستقلة عنها "فهذه مسألة متصلة بالمصلحة القومية وبالتالي فهي غير قابلة للتفاوض عليها". وبرر موقفه بكون سلطة التعديل المركزية ينبغي أن تبقى بأيدي القطاع الخاص في إشارة الى مؤسسة "أيكان".
لقد أخفق مؤتمر تونس في إصلاح نظام إدارة أسماء الموضوعات. هذه المهمة التقنية التي تقوم بها اليوم جمعية حقوق كاليفورنيا أيكان. وعلى الرغم من إنشاء مؤتمر حكومة الانترنت الذي سيعقد أول لقاء له في أثينا في الفصل الأول من عام 2006. إلا أن السيطرة الأميركية على مراقبة الانترنت ليست اليوم محط إتهام. وسيظل مؤتمر حكومة الانترنت عضواً إستشارياً بحتاً. وقد أبدت الولايات المتحدة الأميركية أنها لن تتخلى عن "دورها التاريخي".
وتتذرع واشنطن برفض تنازلها عن سيطرتها على شبكة الانترنت الى المجتمع الدولي بإثارة ضرورة إقصاء الدول غير الديموقراطية عن أي سيطرة. فالديموقراطية لا يمكن لها أن تنتشر وتنغرس إلا إذا تطورت وسيلة الإتصال والتعبير هذه.
وكان واضحاً أن المخاوف الأميركية من خطر "الإرهاب" بعد أحداث الحادي عشر من أيلول شجعت كثيراً من الأنظمة الإستبدادية على مزيد من التضييق على استخدام الإنترنت مما حمل المدافعين عن حقوق الإنسان على طرح مسألة الحريات بقوة خلال الورشات التي أقيمت على هامش قمة تونس.

تكفير أكاديمي لأكثر من 200 مبدع عربي

تكفير أكاديمي لأكثر من 200 مبدع عربي


سعيد الغامدي يتناول الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها في دراسة نقدية شرعية

عبدالله السمطي

ها هو الصوت القديم الجديد يعود مرة أخرى، تكفير الكتاب والمبدعين العرب، لكن التكفير هنا لا يتم عبر كتاب صغير كـ"الحداثة في ميزان الإسلام" لعوض القرني، ولا على المنابر أو أشرطة الكاسيت، ولكن عبر أكاديمية عربية إسلامية عريقة، وأساتذة أجلاء، وكتاب ضخم يقع في ثلاثة مجلدات و2317 صفحة، بعنوان: "الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها" لمؤلفه: الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي. صدر عن دار الأندلس الخضراء للنشر والتوزيع، جدة، ط1- 1424هـ، ( ديسمبر 2003م) وتم توزيعه مؤخرا. وهو في الأصل رسالة مقدمة إلى كلية أصول الدين قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لنيل درجة الدكتوراه.. ونال بها المؤلف درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، إثر مناقشة علمية تمت في تاريخ 26/1/1420هـ (2000م). هكذا فإن الرسالة، التي يرصد فيها ما يسميه بالانحراف العقدي للمبدعين العرب المعاصرين، حصلت على الغطاء الأكاديمي عبر جامعة الإمام، وعلى الغطاء الشرعي والنقدي والأدبي عبر لجنة المناقشة التي تكونت من نخبة من الشخصيات الجليلة.


دعوة للاغتيال:


أخطر ما يتضمنه الكتاب دعوة صريحة للاغتيال ورفع عصمة الدم عن المبدعين العرب حيث يقول سعيد الغامدي: " ومع أن أقوالهم وأعمالهم وعقائدهم التي أذاعوها توجب الحكم عليهم بالردة، وترفع عصمة الدم عنهم إلا أنهم في الأجواء السياسية العلمانية المستوردة من الغرب، أذاعوا كل ما في صدورهم العفنة من كفر وإلحاد، في مراغمة ومعاندة للدين وأحكامه وشرائعه وعلمائه ودعاته!!" المجلد الثالث ص 1740.

فكيف توصل المؤلف إلى

هذه الدعوة؟

إن الكتاب يبرر ذلك أولا حيث يقدم سعيد الغامدي تبريرا لموضوع كتابه – الأطروحة بالقول: "فإنه لما كثرت سهام الشبهات التي يرميها أعداء الإسلام، وتطاول أهلها، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم، وبثوا سمومهم الفكرية والسلوكية على شبيبة الأمة الإسلامية، محاولين إغراقهم في الضلالات، وإخراجهم من النور إلى الظلمات، وتبديل يقينهم وإيمانهم، وطرحهم في مفاوز الشكوك والريب والترهات، كان لزاما على من علم ذلك أن يبين لأمته وأبناء ملته خطورة هذه المسالك وفظاعة هذه المهالك" المجلد الأول ص 1

ويضيف الغامدي: "إن من أخطر وأشنع ما فعله أعداء الإسلام لتحصيل تلك المطالب الخبيثة وتحقيق تلك المقاصد الضالة ما اتخذ في زمننا هذا من أساليب ثقافية ظاهرها "الأدب والشعر والثقافة والنقد" وباطنها الكفر والشك والنفاق".

" ذلك أن أعداء الإسلام استطاعوا أن يبذروا في أرض المسلمين بذور حقدهم، ويستنبتوا فيها نباتات الشجرة الخبيثة شجرة المادية الملعونة، فإذا بالمسلمين يرون ويسمعون من ينادي بالكفر جهرة ويدعو إلى الضلال صراحة، ويروج للرذائل الفكرية والخلقية علانية، مرة تحت قناع "الأدب الحديث" ومرة تحت شعار " الثقافة الإنسانية" وأخرى تحت لافتة "التحديث ومجاراة العصر وتداخل الثقافات" ص 2.


ويقرن المؤلف بين " الحداثة" و"العلمانية" التي هي في رأيه "سموم فكرية" و" مفاهيم ضلالية" و"خمور فكرية" ومن ينتمون لهذه الأفكار" همهم ترويج أصناف الزيف" و "ضربت عليهم عماية الجهل" و"مما يزيد الأمر سوءا أن هؤلاء الممسوخين لهم نفوذ صارخ في أجهزة التوجيه والإعلام في كثير من بلاد المسلمين، ولا شغل لهم إلا نقل النفايات البشرية أو المماحكة فيما فرغ الشرع المعصوم من تقريره وإثباته قضيتهم الكبرى استيراد الآراء النظرية المتناقضة وتخدير إحساس الأمة بآلاف الدواوين والمسرحيات والرسوم والمقالات النقدية وغير النقدية، من خلال الإثارة والجاذبية والمتعة الفنية في الشعر والرواية والقصة وتهريج المسرح وأصباغ الرسوم، ومن خلال صناعة النجوم" ص. ص 3-4

ويعجب الغامدي لأن عددا كبيرا من الكتاب السعوديين تأثروا بالأدب الحديث فيقول: "ومما يفت فؤاد المسلم أن يجد لهؤلاء الأرجاس أدوات من بني جلدتنا، استقطبتهم زمزمة كهان الحداثة، في حين غفلة منهم عن دينهم، وعجز منهم عن تحقيق وجودهم بتحصيل علمي رصين فإذا هم يرددون أفكار الزنادقة والملاحدة، ويضاهون اليهود والنصارى والوثنيين – ببلاهة وغوغائية- في عبارات مطاطة وألفاظ مبهمة، وتراكيب غامضة إذا حققتها وجدتها التبعية والتقليد ليس غير". ص 5

ويستطيع الغامدي أن يؤول كثيرا من التعبيرات الشعرية وفق مزاجه الخاص حيث يكشف عن المقنع لدى رموز الحداثة بالقول:" فإذا أرادوا الحديث عن القرآن سموه صوت الألوهية، أو "نتاج الغيبوبة" والحكم الإسلامي يرمزون له بالملح والرماد والجفاف، وقرون الهجرة والفتح الإسلامي والخلافة رمزوا لها بالإبل والسفر والنخيل والبخور والتعاويذ والصحراء والهجير والرمال الضريرة والعمائم المتخمة والأعشاب الميتة، وأرض الحروف عندهم أرض النبوات والإسلام والهدى، والأغوار الخرساء يريدون بها التاريخ الإسلامي، والشريعة والصلاة والمنارة يرمزون لها بالستارة السوداء، ....والحداثة يسمونها: الشمس، وفاطمة، وفضة ونافذة الضوء، ورياح المواقع، والتضاريس والمطر والخصب والتكوين الآتي إلى آخر ما هنالك من رموز وألفاظ تحتها الأفاعي والحيات" ص 6


انحرافات كونية



يتكون الكتاب – الأطروحة من مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة، الباب الأول بعنوان: الانحرافات المتعلقة بالله سبحانه وتعالى، ويشمل ثلاثة فصول يدرس فيها الانحرافات المتعلقة بالربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، والباب الثاني بعنوان: الانحرافات المتعلقة بالملائكة والكتب المنزلة والأنبياء ويضم ثلاثة فصول. والباب الثالث بعنوان: الانحرافات المتعلقة باليوم الآخر والقدر ويتضمن ثلاثة فصول أيضا. أما الباب الرابع فيحمل عنوان: الانحرافات المتعلقة بالأحكام والسلوك ونظام الحياة، وتحته خمسة فصول يتناول فيها المؤلف: العبث بالمصطلحات الشرعية والشعائر الإسلامية، ومحاربة الحكم الإسلامي والدعوة إلى تحكيم غيره، والسخرية من الأخلاق الإسلامية والدعوة إلى الانحلال والفوضى الخلقية، والانحرافات في القضايا الاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية. أما الخاتمة فيقدم فيها المؤلف بيانا بأسباب الانحراف العقدي في الأدب العربي الحديث، ومقترحات لمواجهة الانحراف العقدي في الأدب العربي الحديث.


وقد بدأ الغامدي كتابه بتبيان الانحراف العقدي – فيما يزعم- عند السياب ونازك الملائكة عائدا إلى الإرهاصات أيضا التي بدأت مع الحملة الفرنسية ومحمد علي باشا، قافزا إلى الطهطاوي ومحمد عبده والأفغاني وجبران، وميخائيل نعيمة، والرصافي، والزهاوي، وطه حسين، ولطفي السيد، وقاسم أمين، وشبلي شميل..... والرابطة القلمية، والديوان، وأبوللو. ومن الطريف أنه – حتى يبرىء ذمته- وضع الأوصاف التي يستحقها هؤلاء القوم "وتنطبق على ما فاهوا به من كلام مثل أوصاف: الضلال والزيغ والإلحاد والانحراف والسخف والتهافت والانحدار والتبعية والغثائية ونحو ذلك". ص 12


وقد أبدى الغامدي مهارته في الإلمام بكل القضايا الكونية الفلسفية والشرعية والشعرية والنظرية والتاريخية والسسيولوجية. فهو عليم بكل شيء نظري وتطبيقي، حيث بدأ دراسته من آدم وحواء ثم نوح وصالح عليهما السلام حتى النبي محمد (ص) وتحدث عن أرسطو وأفلاطون والتراث الفلسفي الإغريقي، ومصر "الوثنية" الفرعونية والرومان، والفرس والهند، والمجوس، والنصارى، واليهود ثم انتقل للحديث عن العصور الإسلامية المختلفة حتى وصل إلى الدولة العثمانية، ثم الاستعمار الأوروبي لبلاد المسلمين والعرب. إنه لا يرصد انحرافات الحداثيين، إن كان ثمة انحرافات، فحسب بل يرصد الانحرافات الكونية من إبليس حتى أبي لهب، ومن ابن عربي والراوندي والحلاج والنفري حتى جورج حنين، ومن فرويد ودوركهايم إلى حسن حنفي وعزيز العظمة وعابد الجابري وأركون والصادق النيهوم، ومن الرصافي والزهاوي وشوقي إلى الخال، وجبرا، وأنسي الحاج، وأدونيس. ومن طه حسين ومندور وأمين الخولي ونعيمة، إلى جابر عصفور وصلاح فضل، والغذامي وبنيس. ومن السوريالية والوجودية والرمزية إلى مجلة شعر، والآداب، والناقد. ومن نابليون إلى رامبو وبودلير، ومن محمد علي باشا إلى أتاتورك وعبد الناصر والحبيب بورقيبة. ومن مي زيادة إلى نازك وغادة السمان ونوال السعداوي. حتى الفنانة ماكسويل صديقة جبران لم يتركها على حالها!! إنها أطروحة كونية بحق، حيث بدأها من أول آدم عليه السلام حتى اليوم.


تكفير وعنصرية


لم يذر سعيد الغامدي كبيرة أو صغيرة في مناهج الإبداع الحديث إلا انتقدها ووصل انتقاده كعادة صفحات السفر الضخم إلى درجات التكفير والسباب والعنصرية. وحاز نجيب محفوظ وأدونيس وحسن حنفي وجابر عصفور ونزار قباني ومحمود درويش، والسياب ودنقل والفيتوري والمقالح، والغذامي، ومحمد شكري، النصيب الأكبر من هذه الدرجات .


فيعقب على جابر عصفور في مقالته: "إسلام النفط والحداثة" التي يرد بها على كتاب الشيخ عوض القرني " الحداثة في ميزان الإسلام". يقول الغامدي: "يرد هذا الحداثي بمقال طويل سماه: إسلام النفط والحداثة، أسقط من خلاله عقده النفسية والفكرية والخلقية، وكشف عن مقدار ما يعانيه عقله الكليل من تشوهات، وما ينوء به رأسه من انحرافات اعتقادية تمثل صورة مكررة من انحرافات أساتذته من قبله وتلامذته من بعده". ص 41

...وجابر عصفور جاهل أخرق ص 1679 ) المجلد الثالث)

(ومن أدلة هذا الجهل المركب مناقشة أبي جهل الحداثي المسمى جابر عصفور للكتاب النادر "الحداثة في ميزان الإسلام" ص 1755" ولا يدري هذا الجاهل أنه بهذا القول ينقص كل حججه ويكشف كل مراوغاته، ويصم نفسه بالمروق والفسوق من حيث ظن أنه يمكنه الاتصاف بالحداثة والإسلام". ص 1757

" أما جابر عصفور وله في عقله من اسمه نصيب ...يتحدث عصفور العقل ص 1804


"نزار قباني شعوبي خليع سلط سياط ألفاظه النتنة على تاريخ المسلمين وأسلافهم الأخيار". ص 1695

"أدونيس باطني نصيري طائفي حاقد نشأ في جو التشيع المارق." ص 1703

ويعرف يوسف إدريس كالتالي: "يوسف إدريس طبيب مصري وأديب وقصاص حداثي علماني متفرغ لذلك وللعمل في جريدة الجمهورية ولد في 1927م وهلك سنة 1991 بعد أن كتب كثيرا من القصص والدراسات والمقالات المليئة بالمضامين اللادينية" ص 1685. ويسمي فرج فودة (أحد طواغيت العلمانية في مصر) ص 40، وكاتب ياسين شعوبي بربري ملحد ص 1822 ورشيد بو جدرة ملح، ص 1834 .

ومحمد أركون متفرنس متغطرس، ص 1897.

وينتقد عبده وازن لثنائه على رواية: "ليلة القدر" لابن جلون في مقالة عنوانها: "الانتقام من الماضي"، الناقد العدد الثامن شباط 1989 ص 1787.

" لم يعد نزار قباني داعية المجون والخلاعة والدعارة والإباحية فحسب بل أصبح داعية الردة والمروق" ص 1729، والغذامي "حاخام الحداثة" في السعودية. ولم تسلم من لسانه مجلات: الناقد، والآداب، وشعر، وإبداع، وأدب، وأصوات، ومواقف وكلها " عميلة" و"أوكار ثقافية للمخابرات المركزية الأمريكية" وغيرها من المجلات الأدبية والثقافية حتى الجوائز الأدبية العربية حظيت بشتائمه.

وترد لدى المؤلف تعبيرات مثل: "عصابة السفور في مصر" و"عصابة شعر ذات الهوية الأمريكية والسراديب الصهيونية" 1693.

أما كتاب أدونيس،: الثابت والمتحول فهو "تلمود الحداثة" ص 42.

ويحدد سعيد الغامدي أفكار الحداثة في 21 نقطة منها:

- الهجوم على التراث والثقافة الإسلامية

- دعوتهم إلى الرفض والتمرد.

- تأليه الإنسان والدعوة إلى الإنسانية مبدأ وغاية

- الدعوة إلى الخروج عن المألوف ونفي السائد ورفضه ومخالفته

- ممارسة التعمية والغموض، وتأليه العقل، وتبني الهدم والفوضى، واختراق المقدس وتدنيسه، وتفكيك كل القيم والمعايير.

ويشير إلى أن "أخطر الفئات التي قامت بتنفيذ مخطط الانحرافات" فئة المثقفين العلمانيين والحداثيين" ذوي العقول المسترقة والنفوس المستعبدة التي قامت ومازالت تقوم بترويج الركام الوثني".

ويتحدث عن بعض الخطوط العامة في مسيرة الانحراف الثقافي والأدبي والفني وتتمثل هذه الخطوط في: التخلف الاعتقادي والثقافي والحضاري الداخلي في الأمة الإسلامية، والحملة الفرنسية على مصر 1798 وولاية محمد علي على مصر، وهو في رأي المؤلف: "المؤسس الأول لدولة العلمانية والحداثة والممهد الأكبر للمشروعات التحديثية التغريبية المعاصرة" ص 67، ثم مرحلة الاحتلال البريطاني الذي بدأ باحتلال مصر 1882

وتتضمن جل صفحات الكتاب سبابا وتكفيرا، لايتسنى لنا في هذا المقام ذكرها، بيد أن فقرات التكفير في الكتاب كثيرة، ومنها ما يدعيه سعيد الغامدي:

" وبهذا الكلام وأشباهه زين للذين كفروا في هذا العصر ضلالهم وكفرهم وجهلهم وانحرافهم فصدوا عن السبيل، وتمادوا في الغواية ورتعوا في ظلمات الكفر والإلحاد وانتكسوا إلى أسفل سافلين في العقل والفكر والاعتقاد والأخلاق والسلوك (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).

"وما راج كفرهم وانحرافهم إلا على أصحاب العقول السقيمة والنفوس المريضة ببهرج من القول صنعوه وبشكوك ألبسوها لباس الموضوعية الكاذبة، والتحرر الزائف والعقلانية المنعدمة وبإعلام ودعاية أظهرتهم على أنهم العقلاء المفكرون المثقفون المجددون". ص 187

ويعرف شاعر الحداثة بأنه: شاعر الدعارة والعهر، والإلحاد والكفر والضلالة والظلام، شاعر الشرك النجس والفكر الدنس والانحطاط والتخلف والمادية" ص 1762، فضلا عن ذلك يرصد 25 انحرافا سلوكيا لدى أدباء الحداثة ومفكريها أقلها: الإباحية الجنسية، واحتراف....، وامتهان المرأة، وبغض الوالدين، وأشياء أخرى كثيرة يمكن أن يضمها كتاب في الفضائح الجنسية لا يتسنى ذكرها هنا. ولا ندري حقيقة كيف أجيزت أطروحة الدكتوراة هذه وهي بعيدة عن أي منهج علمي، حافلة بالتكفير والسباب وأقذع الشتائم، فضلا عن أسلوبها الركيك الرخيص.



كلام في السياسة:

ولا يقف الغامدي في مجلداته الثلاثة على مهاجمة وتكفير الأدباء والمبدعين والمبدعات العرب، بل ينتقل إلى السياسة والاقتصاد والاجتماع والفن وعلم الأخلاق. ومن نماذج تعبيراته التي يهاجم فيها الحكام والأنظمة العربية ويكفرها أيضا باعتبارها "علمانية" يقول:

" وتخدرت أحاسيسهم تحت وطأة هذا الأفيون القاتل فراحوا يعيثون في الأرض فسادا، فقد سقط في حسهم وفكرهم أي معنى لقضية إيمان وكفر، وإسلام وردة، فانطلقوا يعبثون بكل شيء تحت حماية أمثالهم من الحكام العلمانيين الذين ملأوا السجون بعلماء الإسلام ودعاته الذين يطالبون بتحكيم شرع الله في كل شأن بدلا من تحكيم أهواء البشر وزبالات أفكار البشر". ص 1744

ويقول أيضا:

" فها هي سجون الأنظمة العلمانية في بعض بلاد المسلمين تضج بالظلم والقهر لأولياء الله تعالى الذين يطالبون بتحكيم شريعته في الأرض، وها هي مؤتمراتهم ومؤامراتهم مع دول الغرب والشرق ومع دولة اليهود لمحاربة دعاة الإسلام، تحت مسمى محاربة الإرهاب ومقاومة التطرف كما حدث في شوال سنة 1416هـ في المؤتمر المسمى "مؤتمر شرم الشيخ " لمحاربة التطرف". ومن قبل كم علق على مشانق الأنظمة العلمانية من شيخ وداعية وكم ملئت المحتشدات الصحراوية من صالح وصالحة وكم هجر من بلده وبيته وأهله من مؤمن تقي". ص 1806

ويعلق على مقولة لنصر أبو زيد بالقول:" إننا نجد أن العلمانيين الذين حكموا بلاد المسلمين هم الذين مارسوا محاكم التفتيش التي تدين بل تجرم كل من دعا إلأى الله أو طالب بتطبيق الشريعة ألإسلامية أو نادى بأسلمة الحياة. وما أنباء سجون عبد الناصر والسادات وحسني ببعيدة عن سمع وبصر هذا العلماني وغيره من العلمانيين، وما أنباء الجزائر وتونس وليبيا وسوريا والعراق والصومال وما كان يعرف باليمن الجنوبي وتركيا والجمهوريات الإسلامية فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي وغيرها إلا أدلة ساطعة قاطعة على "محاكم التفتيش العلماني" التي سكت ويسكت عنها جميع العلمانيين بل ويؤيدها أكثرهم تحت حجة مقاومة الإرهاب والتطرف الديني، وليس لهم من مراد إلا إبعاد الإسلام عن الحياة بالإعلام أو بالسياسة أو بالتعليم أو بالسجن والقتل والتدمير. وفي مؤتمر شرم الشيخ الذي عقد في شوال من عام 1416هـ أوضح دليل على الخطو المتسارع الذي يسعى فيه هؤلاء لحرب الدين والأمة تحت شعار مكافحة الإرهاب" ص 1890 – 1891

ويقدم سعيد الغامدي تعريفا جديدا للناصرية مفاده: "الناصرية: نسبة إلى عدو الإسلام والمسلمين جمال عبد الناصر، والناصرية عقيدة قومية اشتراكية علمانية، نشأت على عين الأمريكان والروس كما في كتاب لعبة الأمم لمايلز كوبلاند، وقامت بدور كبير في التمكين للادينية في مصر وغيرها، وأتاحت الفرص لدولة اليهود أن تتوسع في بلاد المسلمين، وقامت بمعاداة الإسلام والمسلمين وقتل علمائهم ودعاتهم وسجنهم والتنكيل بهم". ص 1942



تعريفات جديدة:

يعرف سعيد الغامدي الشخصيات الإبداعية العربية بتعريفات جديدة حافلة بالشتائم، والأحقاد، والضغائن، وتعبر – من وجهة أخرى- عن شخصية غير سوية، وعنصرية لأن هذه الشخصية بعيدة تماما عن روح المنهج والموضوعية، فكيف عبرت هذه الرسالة إلى الأكاديمية؟ هذا سؤال نوجهه لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؟ ولجنة المناقشة التي أجازت الأطروحة..إن التعريفات لا تخلو من سباب أو من تعيير عنصري بالشكل أو بالخلقة أو باللون.. فضلا عن المغالطات الكثيرة التي يقع فيها المؤلف، ومن نماذج تعريفاته الجديدة وترجماته للشخصيات الأدبية التي حصل عبرها على درجة الدكتوراة بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى ما يلي:

- أدونيس: علي أحمد سعيد أسبر النصيري الباطني الملحد، ولد سنة 1349هـ/ 1930م في جبال العلويين في سوريا، تسمى بأدونيس نسبة إلى وثن الخصب اليوناني، سماه بذلك أنطون سعادة زعيم الحزب القومي السوري... نال شهادة الدكتوراه من جامعة القديس يوسف في بيروت، وكانت أطروحته بعنوان:"الثابت والمتحول" وهو تلمود الحداثة، اعتم فيه بتهديم الدين الإسلامي واللغة العربية، يعتبر أدونيس أستاذا للحداثيين وقدوة لهم، وكبيرا من كبرائهم، يحتذون أثره، ويتبعونه في تقديس وإجلال كبيرين، عقيدته خليط من أصله النصيري، وحاله المادي الإلحادي، مغرم بكل عدو للإسلام، ومبغض بحقد طافح لدين الله وكل ما يتعلق به من قضايا، مجاهر بذلك غير مستتر به، ويرى أن الحداثة لا تقوم إلا على هذه الأسس وهو باختصار أكبر طواغيت هذا الزمن، وأشهر عتاة الإلحاد وأظهر عداة الدين والإيمان، وقد انتحل مجموعة من الأعمال الغربية ونسبها لنفسه. ( ص 105)


- نزار قباني: شاعر سوري...من رواد الحداثة، اشتهر بأنه شاعر المرأة، حيث جعل منها مجرد جسد، وإناء لتفريغ الشهوة الجنسية، يركز على أعضاء الجنس، والملابس الداخلية للنساء، ويأتي بعبارات صارخة مكشوفة جنسيا، ويجاهر بالإلحاد، والتهكم بالله ورسوله والدين والشريعة، ويبغض العرب لفرط شعوبيته". ص 145

- السياب: أول من سن الحداثة الشعرية... انتمى للحزب الشيوعي العراقي ثم إلى زمرة الشعراء التموزيين، وعصابة شعر، وشارك في مؤتمر روما الذي أشرف عليه اليهود والمخابرات الأمريكية، أصيب بالشلل ومكث يستجدي زملاءه وأصدقاءه فلم يجيبوه حتى مات في الكويت عام 1964، شعره مليء بالرموز الوثنية، والانحرافات الفكرية والسلوكية. ص (162)

- أمل دنقل: ولد في صعيد مصر عام 1940م في أسرة متدينة ونشأ على ذلك وكان يلقي خطب الجمعة ثم تحول إلى معجب بالماركسية والوجودية رافضا يقينية الدين الإسلامي، متخبطا في الأوهام والشكوك، عاش متسكعا في المقاهي، متعاطيا للخمور والحشيش، مقارفا للموبقات، كان سليط اللسان، شديد القبح في منظره ومخبره، تشم رائحة الشيوعية منه عن بعد، وشعره مليء بالعقائد الضالة، ومنها التهكم بالله تعالى والامتداح للشيطان، هلك بالسرطان عام 1402هـ/ 1982م. ( ص 175)

- صلاح عبد الصبور: شاعر من مصر، ورائد من رواد الحداثة، مليء شعره بالمضامين الحداثية المنحرفة، كما في قصيدته "الناس في بلادي" و"مأساة الحلاج" وغيرها، تأثر بشعراء الغرب خاصة إليوت وكافكا وغيرهما، وبذل جهدا كبيرا في نشر المضامين الحداثية والعلمانية، وكانت خاتمته الموت بالسكتة أثناء ليلة رقص وخمر في منزل أحمد عبد المعطي حجازي، لما عوتب عن موقفه الموالي لدولة اليهود ومسايرته للسادات في ذلك، وكان ذلك سنة 1981م.




- محمد الفيتوري: شاعر حداثي سوداني الأب، مصري الأم، ليبي الجنسية، أسود البشرة قصير القامة دميم الوجه، اثر ذلك عليه نفسيا فعاد بإحباط عليه وتعصب للزنجية وغنى للعنصر الأسود بعنصرية... له ديوان شعر حداثي مليء بالعنصرية السوداء ثم اليسارية الرعناء، يقال أنه تاب أخيرا من الحداثة، والله أعلم بحاله الآن. (ص 231)

وبهذا الشكل وباللغة نفسها ترجم سعيد الغامدي – الذي أصدر منذ سنوات- شريط كاسيت يهاجم فيه الحداثيين "الكفرة" في زعمه- ترجم لأكثر من 250 شخصية عربية وغربية قديمة ومعاصرة وغمرها بطوفان من الشتائم والسباب.



توصيات محاكم التفتيش

خاتمة الكتاب الضخم الذي هو بالأصل – كما نذكر أخيرا-رسالة جامعية تفرد بها الغامدي تتضمن بيانا لأسباب الانحراف العقدي في الأدب المعاصر، ومقترحات لمواجهة الانحراف العقدي في هذا الأدب. ويرى المؤلف أن الحداثة نبتة غريبة جيء بها لإكمال التسلط الاستعماري التي مارسها الغرب ضد بلاد المسلمين في القرون المتأخرة، ومن أغراضها الهدم والتخريب، وإحداث الفوضى في العقائد والأخلاق، وغرس الضلالات والإلحاد والشكوك، وتسعى لهدم الإسلام وإزاحته من القلوب، وتنفي ألوهية الله تعالى، وتحترم الكفر والإلحاد.

ومن توصيات الكتاب- الأطروحة التي هي أشبه بتوصيات محاكم التفتيش: إعادة النظر في موقف المتخصصين الشرعيين غير المبالين بالانحرافات في الأدب، تركيز الاهتمام بالأدب الإسلامي، ودراسة الانحرافات العلمانية والحداثية وكشفها، وتشديد الرقابة على وسائل النشر والإعلام والمجامع الثقافية والأندية الأدبية، والحصول على فتاوى من علماء الإسلام البارزين عن حكم الإسلام في الانحرافات الاعتقادية المعاصرة.

وبعد التكفير والشتائم الذي طال كل ما يمت إلى الأدب والفكر الحديث بصلة وبعد هذه التوصيات المثيرة يختتم سعيد الغامدي كتابه بقوله:" لست أدعي الكمال والإحاطة بهذا الموضوع ولا المقاربة، وحسبي أني بذلت من الجهد ما أرجو معه الثواب من الله الكريم". بلى إنه جهد مشكور، وجرأة شديدة يحسد عليها بتكفير هذا العدد الكبير من المبدعين والكتاب. وفي سياق هذا الجهد فقد ذكر الغامدي في المقدمة أنه قرأ "ما يزيد على خمسة عشر ألف صفحة من كتبهم، - يقصد الحداثيين- ولا يدخل في هذا العدد ما قرأته من مجلات وملاحق ولا ما سبق لي قراءته طوال ثلاثة عشر عاما من أواسط المرحلة الجامعية حتى تاريخ تسجيل هذا البحث". فإذا كان الأمر كذلك فإنني أسأل هنا الغامدي: ما هي "كفارة" هذا الوقت الطويل الذي قضيته في قراءة الموبقات والانحرافات التي جاء بها هؤلاء الحداثيون؟؟!


من الأسماء المكفرة والمذمومة بكتاب الغامدي

محمد أركون، محمد بنيس، جابر عصفور، حسن حنفي، عبد الصبور، أمل دنقل، أدونيس، محمود درويش، محمد علي شمس الدين، إبراهيم نصرالله، عبده وازن، شوقي بزيع، أحمد دحبور، سميح القاسم، محمد دكروب، محمد جمال باروت، غادة السمان، نوال السعداوي، هدى الصدة، حنان الشيخ، الفيتوري، البياتي، نزار قباني، سعدي يوسف، عقل العويط، عبد الرحمن منيف، طه حسين، حسين مروة، كاتب ياسين، الطيب تيزيني، قاسم أمين، رياض نجيب الريس، عادل ظاهر، أنسي الحاج، يوسف الخال، توفيق صايغ، نازك الملائكة، هشام شرابي، معين بسيسو، توفيق زياد، عبدالعزيز المقالح، نصر أبو زيد، فاضل العزاوي، هاشم صالح، هشام شرابي، محمود المسعودي، نبيل فارس، جبران، أمين الريحاني، معين بسيسو، غسان كنفاني، عبدالوهاب المؤدب، عبدالله البردوني، أسيمة درويش، مظفر النواب، اميل حبيبي، رشيد بو جدرة، محمد بنيس، عزيز العظمة، أحمد دحبور، علاء حامد، شوقي عبدالحكيم، حسين أحمد أمين، سعيد عقل، رياض نجيب الريس، رفاعة الطهطاوي، سعيد عشماوي، علي عبد الرازق، خير الدين التونسي، حسين أحمد أمين، يوسف إدريس، نجيب محفوظ، لويس عوض، إداور الخراط، جمال الغيطاني، أحمد بهاء الدين، الطاهر وطار، الطاهر بن جلون، الطيب صالح، عبدالكبير الخطيبي، توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، سعيد السريحي، عبدالله الغذامي، سعد الدوسري، محمد العلي، عيده وازن، غالب هلسا، لطيفة الزيات، محمود العالم، عبد العظيم أنيس، رجاء النقاش، حسين مروة، مهدي عامل، عبدالمنعم تليمة، محمد دكروب، حنا مينه، عبد الرحمن الخميسي، عبدالرحمن الشرقاوي، أحمد سليمان الأحمد، غالي شكري،، فيصل دراج، غالب هلسا، منيف الرزاز.

شفاف الشرق الأوسط