كاريكاتور يوسف عبدلكي

2006-03-31

سجن تدمر وذكرياته

سجن تدمر وذكرياته

أعمال الأدب بالسجن ومدى الاستفادة منها

غسان جباعي- كاتب ومخرج مسرحي:

غسان جباعي كاتب ومخرج مسرحي، دخلت على السجن كان عمري 31 سنة عام 1988 وبقيت لعام 1998 عشر سنوات، سنة منهم بفرع التحقيق العسكري تحت الأرض وأربع سنين ونصف بتدمر، بعدين تم نقلي إلى سجن صيدنايا العسكري الأول ومن ثم إخلاء سبيلنا.

فرج بيرقدار- شاعر:

فرج بيرقدار شاعر، مواليد 1951، أمضيت بالسجن 14 سنة، لما اُعتقلت كان عمري 36 وطلعت بالخمسين، السنة الأولى أمضتها بفرع فلسطين تحت التحقيق، بعدها نُقلت إلى سجن تدمر الصحراوي، أمضيت خمس سنوات إلا شوي، فيما بعد نقلت إلى صيدنايا حتى الإفراج عني بأواخر سنة ألفين.

ياسين الحاج صالح- كاتب:

اسمي ياسين الحاج صالح كاتب، مواليد 1961، دخلت على السجن سنة 1980 كان عمري 19 سنة، قضيت عشر سنين وشوي بسجن المسلمية بحلب، بعدين أربع سنين بعدرا جنب دمشق وبالـ 1993 حاكمتني محكمة أمن الدولة 15 سنة، بعد ما خلصت أرسلوني على تدمر قضيت سنة إضافية.. يعني كملت 16 سنة وطلعت بآخر سنة 1999.

غسان جباعي: منّا متعودين نروح على تدمر بدون طميشات وكلبشات

سجن تدمر وذكرياته

ياسين الحاج صالح: أنا بأتذكر أنا ما كنت مطمش لما أخذونا على تدمر، فيأخذونا الساعة خمسة ونصف الصبح ويظل.. بينقلونا على تدمر على صيدنايا.. على سجن صيدنايا ولا على الفِرع علشان المساومة ولا هيك شيء ساعتين.. يعني كل اللي عندنا شوية إنه آخذنّا على تدمر لكن الأمل كان عم يلعب دوره بيكذّب هيك توقعات، نزلونا على السيارة وما تيقنّا إنه رايحين على تدمر إلا لما طلعت بالباص على أبو الشامات، كنا مكلبشين طبعاً والقياس.. السيرة اللي كانت عم تنحكى من الناس اللي عم أخذونا على تدمر كانت المعاملة كثير سيئة، مكلبشين وجوهنا صفر، ما شايف وجهي لكن وجوه.. كنا ثلاثين واحد.. وجوه زملائي كانوا شاحبين بطريقة مريعة، أول ما عرفنا إنه ماشيين على تدمر.. يعني حسينا يمكن كلنا بإنه مثل اللي وقع ببئر عميق، تخلى عن كل أمل، ما بدأ الرعب ما بدأ.. يعني الرعب الحقيقي ما بدأت صورة تدمر تتجسم إلا لما وصلنا واستلمونا

فرج بيرقدار: الفظيع بالأمر نحن مأهلين حالنا نفسياً بالفِرع بعد سنين التحقيق والعذاب قلنا خلاص بدنا ننتقل على السجن نشوف رفاقنا وفيه زيارات، قالوا لنا أنتم مجموعة خاصة.. هيك وصلتنا التسريبات.. ممكن يأخذوكم على المزة مو على صيدنايا، قلنا مليح المزة، بعدين جاءتنا تسريبة إنه والله ممكن يعاقبوكم ويأخذوكم على تدمر، المهم طلعنا، صفونا في ميكرو هيك صوته ناعم مو على طريقة سيارة الزيل هاي، فقلنا لبعضنا.. يعني قلنا إنه ما معقول إنه ها الميكرو الأنيق هذا الظريف يكون لتدمر، مشيت باتجاه الميكرو هناك بلشت الشتائم والضرب وإيديك وراء ظهرك، ما أدري شو حط الأشي حطينا، إيديك وراء ظهرك، كلبشونا، طلعنا ها الميكرو، رأسك تحت المقعد.. يعني أنا قلت ما معقول ثلاث ساعات ونصف.. أربع ساعات الطريق نظل مكلبشين للوراء، أكيد يا صيدنايا يا المزة، بس وقتها بدأ الميكرو يمين شمال، نحن ما شايفين، بدأت أحس أو هيك تقارن الأعمى كيف استخدم حواسه ليعرف اتجاهاته.. ليعرف كثير قصص؟ فيك تقول أول تجربة، ترويض أو تدريب إن أنا أكون أعمى، لما وصلنا طبعاً الكل كان عم يشتغل بنفس الطريقة، ما عم نعرف فين عم بنروح، كنا وصلنا بساحة الأمويين، راح يمين.. يعني باتجاه الشرق، طلعنا باتجاه مساكن (كلمة غير مفهومة) رجع لف والله دق الطريق قلنا باتجاه تدمر أو معلولة صيدنايا، كنا نتوهم إنه بركة إن شاء الله يكون باتجاه يا أخي باتجاه معلولة صيدنايا، لما لف باتجاه الشرق قبل معلولة صار واضح إنه باتجاه تدمر وبدأت عاد.. يعني ضرب على أي حديث.. على أي حركة، لدرجة.. يعني أحد رفاقنا أنزلق القيد على يده فصرخ، سأله أحد عناصر الدورية شو فيه عندك؟ قال له الكلابشة راح تقطع يدي، فقال لزميله روح دبر له الكلابشة بمعرفتك، فجاء لعنده وراح مسكه وعلى رأسه وطب.. حل المشكلة الرفيق ما عاد حكي

غسان جباعي: أنا بأتذكر لما نزلونا مرة من تدمر على دمشق للتحقيق بأتذكر الرجعة، رجعنا مع مجموعة من بعض الشباب أنا الوحيد بينهم اللي بأعرف أنا لوين جئت ولوين راجع، هم ما كانوا بيعرفوا، صاروا يتشارطوا، نفس الشيء إنه مستحيل نروح على تدمر، ليش على تدمر نحن شو مسويين لنروح على تدمر، قلت لهم يا شباب على تدمر.. طريقنا تدمر، فهمسنا لبعض طميشة وكلابشات وكنا حتى متكئين بسيارة زيل كنا متكأين على بعض.. يعني كل واحد على ظهر الثاني، فنكشني واحد أنا سألته أنتم مين كذا؟ قال أنا فلان، طلعوا كلهم بأعرفهم، بنعرف بعض، الأخطر بالأمر لما أنت بتنزل هناك وبيكون واقفين بالجهتين وكل واحد معه عصايته وبيعملوا لك استقبال.. يعني هذا لا يمكن أنساه بحياتي.

غسان جباعي: بتعرفوا مثلاً ليش لما بينقلونا ويمررونا داخل المدن ليش كانوا يطلبوا منا أنه ننزل رؤوسنا لتحت المقاعد؟ لأنهم كانوا بيخجلوا أنه يشوفونا الناس ونحن راكبين بالسيارة ومقيدين ومطمشين

ياسين الحاج صالح: لما تتفرج من الشباك أنت ما عدت مجرد سجين، صرت تعمل شيء آخر إنساني غير لما تكون حبسك ضمن وضعية السجين مذلول مرعوب مهان

غسان جباعي: نحن مرة جاء لعندنا ضابط كبير، بييجي علشان يشوف شو طلباتكم؟ شو ناقصكم؟ شو معتازين؟ شو إلى آخره.. فأنا تشجعت وأقول تشجعت لأنه فعلاً كنت عم أحكي ورجليّ عم بيرجفوا هيك تحتي، طبعاً فيه ناس طلبوا تنفس أكثر، فيه ناس طلبوا ما بأعرف شو أكل، كتب، الاحتياجات الأساسية والضرورية، صحة.. معالجة صحية، فأنا قلت له بدي أسألك سؤال نحن ليش موجودين هون بتدمر؟ هل حملنا سلاح ضدكم.. يعني هلا بتسموهم إرهابيين؟ يعني هل تعاوننا مع دولة أجنبية استلمنا دولارات من أحد؟ القانون بيطالنا بأي جرم نحن ارتكبناه؟ قال طبعاً أنت مجرم سياسي

ياسين الحاج صالح: بتعرف كيف كانوا يأخذوا السجناء وخصوصاً اليساريين.. من أصول يسارية مثل حكاياتنا؟ كانوا يأخذونا على تدمر لأنه إما بعد التحقيق مباشرة علشان كسر العين والبهدلة أو عقوبة لأنه عاملين شي شغلة بالسجن.. شي مشكلة، هلا نحن ما بأول السجن ولا عاملين، الحقيقة عوقبنا نعم لكن على مساومة، الشغلة الفظيعة الحقيقة اللي أخذتنا على تدمر أنه أخذونا ثلاثين واحد بمَن فينا ناس وافقوا على المساومة، بما فينا ناس وافقوا على أنه بيتعاون مع الأمن على أنه ما بأشتغل بالسياسة وعلى أنه بأكتب لكم تقارير وكله، بعض الناس قالوا لهم الضباط أنه بكره راح تنام ببيتك.. كانوا ثلاثة عمداء قالوا بكره راح تنام ببيتك.. ثلاث عمداء من الأمن السياسي، البكرة ببعض الحالات كان خمسة سنين ونصف بتدمر، خمس سنين ونصف.. يعني عم يحرقوا حق الاستسلام، أنا مستسلم

فرج بيرقدار: ياسين مطلوب البشر يعرفوا شو صار، أنا برأيي وسيلة تربوية ممتازة للأجيال القادمة لكي لا تمر بالمآسي اللي حصلت، البعض بيجوز يقول يا أخي ما في داعي لنكش ها الأمور، أخي ما فيك تتجاوز ها المرحلة، الجمر بده يبقى تحت الرماد، أنا برأيي مطلوب هذا تمثيله تماماً فيلم، مسلسل، إلى آخره وإلا البشر بده يتم نظري أو بده يتم أحياناً أوهام وتضخيمات ومبالغات

ياسين الحاج صالح: هلا.. يعني أظن السجن هو المكان اللي بيجسد.. يعني بخيال الواحد وذاكرته جمال المبتذل.. شيء مبتذل، أنه واحد يمشي بالشارع، أنه يمشى تحت المطر، أنه يقعد بحديقة، أنه يتفرج على الناس الماشيين إلى آخره، بالسجن كثير يصير جميل وحلو، بيتخيل الواحد كثير حاله، هلا بتدمر مو بس هيك بتدمر السجن للناس.. للإخوان بالحقيقة أنا ما عديت بها التجربة.. يعني يحلم الواحد حلم أنه ينام يمدد رجليه

غسان جباعي: مسموح لك بأربعين سنتيمتر فقط، أربعين سنتيمتر.. يعني بيخلوك تصير أنت تقاتل على سنتيمتر، هذه الأجساد المتلاصقة.. هذا الإحساس بالتجمع القطيعي سواء أنت أردت أم أبيت، الحصر في مكان واحد أنه كيف نحن استطعنا نتغلب على ذاتنا وعلى المكان وعلى الشرط اللي نحن موضوعين فيه.

ياسين الحاج صالح: غسان ما لازم يفوت عن بالنا أول شيء كثير من أصدقائي كنا أصدقاء قبل السجن أو تعرفنا داخل السجن، كانت فرصتهم بتحمل السجن وبتجاوز محنة السجن أقل بكثير، مجموعة ظروفات.. ظروف وإمكانيات متنوعة وإمكانيات أهلنا الحقيقة أيضاً كانوا.. يعني الستة عشرة سنة اللي قضيتها أنا فيه عندنا سنة ونصف أظن بين سنة 1988 و1989 كان ما فيه عندنا زيارات وبسجن تدمر بعد ذلك.. يعني ثلاثة عشر سنة ونصف فيه زيارات، الزيارات تحفظ كرامة السجين، بيجيبوا له أهله مصاري، يجيبوا له أهله أكل ويجيبوا له عاطفة

فرج بيرقدار: أخي السجين منسي.. نسيان معنوي للسجين، السجين المنسي فظيع، هذا بيتعرض لأكبر ضغوط بس أنا بأقول لحسن الحظ مثلاً أنا ما كنت منسي من أهلي، ما كنت منسي من أصدقائي، أيضاً ما كنت منسي من منظمات بالخارج لحقوق الإنسان وغيرها، هذا منحني درجة من التماسك أعلى

ياسين الحاج صالح: اللي خسروا معركتهم مع السجن هم اللي اعتبروا السجن زمن مهدور، تحمل محض وانتظار للحظة الإفراج، لحظة الإفراج لا بأس.. يعني ما بنختلف عن بعضنا إذا طلعنا بعد سنة، لكن إذا خمسة عشر سنة لا بيختلف، اللي يستني لحظة الإفراج كل الوقت راح يُهزم كل وقت، اللي يتصالح مع السجن وبيعتبر أنه أعمل لسجنك كأنك مسجون أبداً وأعمل لحريتك كأنك خارج غداً، بمعنى.. وخصوصاً أنه كنا محبوسين حبس عرفي.. يعني ما أحد منا بيعرف قد أيش راح يقضي بالسجن.. يعني حرمونا من فرصة أنه نسوى عد تنازلي للحبس

غسان جباعي: بأظن الإنسان الأناني ما فيه يعيش بالسجن، الإنسان اللي بيكره الآخرين.. بيكره المجتمع ما فيه يعيش بالسجن، الحب العلاقة لأنه فيه حياة جماعية بالسجن، الحياة الجماعية بتخلق جو كثير جميل، بتحول السجن فعلاً إلى مركز ثقافي مثلاً

فرج بيرقدار: وأحيانا لجو ممض يعني أن تبقى أربعة وعشرين ساعة تحت عيون رفاقك الرحيمة اللي أنت مضحي بدمك من أجلهم وهم مضحيين بدمهم من أجلك تضحية حقيقية، بس بالسجن يا أخي بتحط فئران بحي صغير تتغير طباعهم وبيصيروا.. كمان له أخلاقه وقيمه بيخليك أنت بيطلع لك نصف بيضة ما بتتنازل عنه لرفيقك لأنه أنت بتبقى جسدياً عم بتقاوم بدك نصف البيضة هذه

ياسين الحاج صالح: كان ملحوظ على فكرة بالسجن أنه أخلاقنا بتتحسن يوم الزيارة، فيه وفرة من الأكل فيعني مستوى التعفف عندنا كلنا بيرتفع

فرج بيرقدار: يعني قراءات السجن متعددة، كل واحد عم بيقرأه بطريقة، أولاً بتسمع طريقتين وبتشوف طريقة ثالثة، أحد وجوهه وهو مكان معادي أنا باعتقادي لما بينجح في إعادة تأسيسه للقول للحول لحالي حنيني أو جزء منه هذا أيضاً بده نقص تحظره السجن

ياسين الحاج صالح: يعني محتاجين لنحوّل السجن لبيت، بقدر الإمكان بنجرده من خصائص المكان الغريب المعادي لنوع من البيت، بنستوطنه، بنحوله إلى وطن بشكل من الأشكال

فرج بيرقدار: بس أنا الحقيقة من الزنزانة من فترة التحقيق شعرت أنه يا أخي كيف بدك تواجه مهابة السجن، وحدي من مقومات المواجهة شعرتها هي الشعر والحقيقة بسنوات لاحقة اكتشفت أنه حفظت توازني، خلاني أشعر بمعنى لأنه السجن مكان لا معنى له وزمن لا معنى له

غسان جباعي: اخترعنا أول شيء أقلام من عظم، نأخذ الضلع هذا تبع اللحمة اللي يجيبوا لنا إياها، نأخذ الضلع نحفه بشكل ونعمل له رأس مدبب ونجيب ورق الميجا تبع السجائر ونكتب عليه بالضغط قصائد وقصص وحتى بأتذكر عملنا جريدة صباحية فيها افتتاحية وفيها قصة وفيها شعر وفيها نكت، فكل يوم تفوت الصبح تلاقي جريدة معلقة مطوية هيك على حبل، هذا الاختراع ممنوع لأنه هم ما بدهم إياك تقدر بسهولة تنتصر على الشيء المحيط فيك، بدهم إياك بتظل دائماً عبد لهذا الشيء أو على القليل تتعذب حتى توصل له، فتعرف الطاقات اللي موجودة بتدمر، الطاقة الموجودة بالسقف اللي الشرّاقة كانوا يسموها وإذا كان المهجع كبير كانوا يحطوا اثنين علشان.. والحراس اللي فوق اللي كل الليل بيطلوا عليك وكل الليل بيشوفوا الساعة كذا بدك تنام، طيب أنت بدك تكتب، كيف بدك تكتب؟ بدنا نحتال، نحاول ننزل تحت البطانية، كمان البطانية ما لازم تكون مرتفعة كثير بيكشفوك، بدها تكون بطانية، فأنا مثلاً صدفة مرة أنه تحركت تحت البطانية بطريقة ما، كمشني، أخذوني على الزنزانة ثاني يوم أعطينا اسمه لهذا، خذ اسمه، أنت اسمك كذا، ثاني يوم بيعلموا عليك تعرفها هاي تعليمات فيعني فيما بعد طبعاً بكل.. على فكرة كل فترة سجن تدمر هي فترة من الإلغاء الكامل لكل حقوقك، ما لك أي حق، حتى التنفس كان عذاب حقيقي لنا.. يعني أنا من الناس اللي كانت بتحب التنفس، ما بدي أتنفس

ياسين الحاج صالح: سجن تدمر السجان حاضر بكل لحظة، سجن المسلمية وعدرا السجان غير حاضر إلا حضور غير مباشر، حضور غير قمعي ويومي، بتدمر مو بس ما فيه كتب أو أدوات للطبخ أو للشاي أو للمتاع أو ما يشبه ذلك، فيه خوف كثيف حاضر بكل لحظة.. يعني خوف فقدان للأمان، شعور بالقلق وبالانعصار وبيت الواحد ريشة في مهب الريح

ياسين الحاج صالح: بالفترات السابقة أعتقد أنه كان فيه.. يعني كنت نجحت إلى حد لا بأس فيه بحل مشكلة السجن إلى درجة أنه صدقاً بأخر 1995 لما أنهيت الـ 15 سنة تبعي صرت أحس بالقلق بأنه أنا حالل مشكلة السجن بشكل كثير مليح، هلا الطلعة هي المشكلة، أنه خروجي من السجن بعد 15 سنة هو المشكلة.. يعني بشكل من الأشكال صار السجن نوع من الحل، 15 سنة من التعود ويعني كنت بأكتب شوي وأتيح لنا بعد سنة 1988 أقلام فكنت بأكتب وبأشتغل، فهذا الوحش تم ترويضه بشكل لا بأس فيه وقدرة على التكيف لا بأس فيها، نوعية المشاكل اللي يطرحها على السجن صرت قادر على إيجاد حلول ماشي حلها، هلا لما انتهت الـ 15 سنة راحت السكرة وجاءت الفكرة، هلا شو بدنا نعمل بره يا أبو الشباب؟ بدك تعيش، بدك تشتغل، بدك تحب وتعشق، بدك تستأنف حياتك.. تستأنف الحياة شغلها فيك من أول وجديد، فكان هالقلق موجود وحُل للأسف بطريقة وحشية ويعني لا يمكن أن تخطر على بال اللي هي النفي إلى سنة إلى سجن تدمر

غسان جباعي: لما أخذوني كان ابني عمره أربعين يوم وطبعاً ما قدرت شفته حتى انفتحت الزيارات بعد ثلاث سنين، كنا دائماً لما ييجوا يزورونا بده يسلم عليّ وبدي أسلم عليه، كان فيه فراغ بيناتنا شبكين وداخل الشبكين فيه حارس، فكنت أمد إيدي أنا لحتى أسلم عليه ويمد إيده هو على قد ما يستطيع، فيا يلا أقدر ألمس أصابيعه، فجاء لعندنا مرة مدير السجن قال شو بدكم؟ شو أنتم عايزين؟ شو طلباتكم؟ صار يطلبوا ناس تنفس، ناس كتب، ناس أكل، ناس ما بأعرف شو، فأنا رفعت إيدي وسألته سؤال قلت له حضرتك عندك أطفال؟ قال لي ليش عم تسأل.. يعني شو هالسؤال؟ قلت له أنت عم تضم أولادك كل يوم يمكن، أنا صار لي ست سنوات ما ضميت لأبني، ما شميت رائحته، فيه مجال تسمح لي ولو بزيارة واحدة إنه نقدر نضم أطفالنا؟ أنه هذا الطفل بحاجة أكثر مني لأني أضمه، قال لي ماشي يبدو إنفعل وحس بأنه هذا شيء إنساني.. يعني وحق، قال لهم زيارة خاصة، زيارة خاصة يعني بالغرفة وهاي أول مرة بعد ست سنوات فعلاً أضم لأبني وهو بيضمني وبأشم رائحته، ما كنت بأعرف رائحته

فرج بيرقدار: يعني رغم خمس سنين بالسجن وتنقلت بين أكثر من مهجع وأكثر من ساحة.. يعني من ساحة لساحة علشان أكون خريطة للسجن، أنه هذا المبنى قد إيش بتحسه يا أخي ممتد ولا متناهي ودهاليز بتنفّد على بعض، بالأخير طلعت من سجن تدمر كانت الصورة ناقصة، عندي أجزاء منها، رفاق آخرين عندهم أجزاء غيرها، بصيغة حاولنا نكملها، رسمنا ماكيت بس تم نظريا، بس عندي رغبة هلا فعلاً إني أفوت لجوه يا أخي لأنه جوه فظيع، مثلاً بعد مرور زمن صمت.. سكون ما فيه غير أصوات الحراس والصراخ وأحيانا صريخ بالليل فقط إنه قف وما قف على أساس واحد هارب، وصلنا لمرحلة لما وصلنا أول صوت داخل السجن وصلنا صوت نهيق حمار، بتصدق السعادة هللت هيك من جوه يا شباب إذاً إحنا فيه ناس قراب منا، منّا مقطوعين بالصحراء، إحنا معناه أننا قريبين لتدمر، صوت الحمار كان مؤنس جداً والحقيقة كان لطيف على العكس بأصوات الحراس لما كانوا بيصرخوا قف

.

غسان جباعي: كنا نسمع كمان الصمت، أنا ما بأتذكر إلا الصمت وبأحس بأنه المكان مسكون بالأشباح حتى اللي كانوا يصيحوا قف طبعاً كانوا يصيحوا لأنهم خائفين، كنت تحس إنهم شياطين أو ما بأعرف، الصمت كان بالنسبة لي الشيء الوحيد اللي بأتذكره أنا من تدمر، الصمت المرعب المخيف يالي بيسبق شيء له علاقة بصرخة ألم، بفقد واحد، بخسارة إنسان، هيك.. يعني انطباعي كان

أعمال الأدب بالسجن ومدى الاستفادة منها

ياسين الحاج صالح: أنا قبل السجن.. قبل ما أروح سجن تدمر ما كان عندي فكرة، ما كان عندي أية تصور ما كان على السجن غير إنه هو مكان لا.. يعني فيه أناس قساة بشكل أساسي للحقيقة، ما عندي أية تصور للمكان، لما صرت جوه السجن الصورة اللي.. يعني فهمت شوي شوي إنه منع تكون صورة مكانية عن المكان اللي إحنا فيه هو جزء من عملية تخويف والرعب لأنه أنت لما تكون صورة عن مكان أو المجال اللي أنت شاغله بتحس بالأمان، بأعرف زواياه وبأعرف مداخله وبأعرف مخارجه وبأعرف أبوابه وبأعرف نوافذه لما يكون مكان أنت دائماً لما بتتحرك فيه مطمش إذا خرجت منه عم مطمش ومنكس الرأس هذا جزء من عملية تلقينك لخوف إنه أنت بمكان غريب، مرمي بعالم غريب عليك ومحفوف بالقسوة وبالرعب والترويع، عدم معرفة المكان هو جزء أساسي من تعريف سجن تدمر، لكن الشيء الغريب إنه صار لي هلا طالع من سنين وأربع شهور لكن بعد اللي فاجئني بعد ما طلعت من السجن إنه ما استطعت أبداً إنه أخصص وقت كاف لأخذ الدفاتر اللي كاتبها، أبداً ما استطعت إنه أخصص لها ولو أسبوع واحد، يمكن لأنه قامت بدورها، هي ساعدتني على إنه أتحمل السجن وعلى إنه أبقى على قيد الحياة بالسجن فما عاد لها فائدة جديدة بعد ما طلعت بره

غسان جباعي: أقول لك الغريب بالأمر إنه داخل السجن ما كان فيه مجال إني أسوي المسرح، بس بعد ما طلعت من السجن كمان ما كان فيه مجال لأسوي مسرح، رغم إنه فيه عندهم ممثلين كويسين وعندنا كتّاب وعندما معهد عالي للفنون المسرحية بس ما فيه مسرح، لا جوه في مسرح ولا بره في مسرح.

فرج بيرقدار: أنا أحكي حالة شبيه أيضاً.. يعني بيجوز أنا طلعت بثمان مخطوطات.. ثمان كتب خلال أربعة عشر سنة،لكن صدقني بعد ما طلعت أول ثلاث سنين ما قدرت أكتب شيء، ما كتبت شيء جديد إلا المقابلات أو مقالات أو يعني شغلات سهلة أما إني أكتب قصيدة ما قدرت، بعد ثلاث سنين ما حتى قدرت استرجع لكن الثلاث سنين ها دول أمضيتهم بالتنقيح وبالتدقيق وبحذف وشطب وبإلغاء بعض القصائد اللي كاتبها لحتى اطمئنيت إنه خلاص صاروا جاهزين للطباعة، وقتها شعرت إنه هلا المرحلة نزلت عن أكتافي، سجن تدمر مثل ما سميت لك مرة مملكة للموت والجنون فعلاً، أنا قلت إنه هي عار مو بس على تاريخ سوريا، مثل ما كثير سجنوا كثير ماتوا، هي عار على تاريخ البشرية فعلاً، قد ما حكيت ما.. يعني ما تضغط إنه رحيم بدك آلاف الكتب وآلاف الشهادات لأنه خيو.. يعني اللغة عندي أنا سميت الكتاب خيانات اللغة

ياسين الحاج صالح: أنا حاولت أكثر من مرة هيك أعبّر عن الموضوع أظن ما نجحت فعلاً، يمكن صعب النجاح، معك حق تحكي على خذلان اللغة أو خيانة اللغة أو هيك شيء بس.. يعني حاولت أعبّر عن الأمر بالشكل التالي إنه تدمر هو المكان اللي يصير الخوف فيه نمط حياة، أنا كنت بأحس الخوف إحساس عضوي غسان، عضوي جسدي، كنت بأحسه بعضلات العضد هنا بعضلات الخاصرتين

غسان جباعي [مقاطعاً]: الفرائص

ياسين الحاج صالح [متابعاً]: وهن شديد جداً.. يعني راح توقع على الأرض وبالأمعاء.. يعني بيحس الواحد.. يعني بالمثل الشعبي إنه عملها تحته من الخوف فعلاً، هلا ما وصلت إلى هنا بس صارت مصورة بالنسبة لي تماماً، نشفان ريق.. صرت بأعرف إيش معني نشفان ريق، تقصف الركب.. صرت بأعرف إيش معنى تقصف الركب، مرة عدى عليّ في سنة 1993 الحقيقة مريع من الخوف، العقاب العشوائي الشنيع واللي ممكن يصيب أي واحد بأي وقت والتعليم كل يوم بيتعلم ثلاثة أربعة أو خمس مريع.. يعني تعرف لما يكون واحد معلم وهو وتكون حالته بالويل وزملاؤه كلهم بيكونوا.. يعني مرعوبين وخائفين، كنت ليلي بتعرف ليلي يعني بيحرس بين كل ساعتين واحد تحت شراكة.. يعني هو بيراقب.. مسؤول أمن بالمهجع إذا جاز التعبير وكل علم نائمين كويس وكلهم على سيفهم يعني على جنب وكلهم مطمشين كويس وما في حدا بالتواليت أو هيك شغلة، كنت مرعوب هلا ما فيه شيء محدد الحقيقة بس يبدو تراكم الخوف لدرجة إنه حسيت إنه راح يغمى عليّ، فعلا راح يغمى عليّ، حسيت إنه إذا ظليت دقيقة خلاص راح أقع على الأرض، فصحيت رئيس المهجع الله يفتكره بالخير أرمني هلا بالسويد صحيته إنه كمّل الليلي عني، تخيل

غسان جباعي: أنا ما بأتذكر كنت خائف ولا لا، ما بأعرف عن جد، لما جاؤوا أخذوني حسيت بالفترة الأولى إنه أنا بين أيادي أمينة ولو ها دول جيشنا ودول أمننا، ففعلاً حسيت بالأمان، حتى دخلت لجوه وأكلت أول كف، أنا ما كنت أخاف مثلاً جسدياً، ما أخاف على جسدي، أنا لما بيكون فيه عندي مشكلة ربّما طبعي أو تركيبتي هيك بس يكون فيه عندي مشكلة أنا بأتحاول لمراقب، بأصير بأتفرج حتى على عذابي يعني

ياسين الحاج صالح [مقاطعاً]: بتحط حالك خارج المشهد

غسان جباعي [متابعاً]: أيوه بالضبط، ما بأعرف صح غلط بس فعلاً، لما أكلت أول كف

ياسين الحاج صالح: صرت داخل المشهد

غسان جباعي: صرت حتماً داخل المشهد

ياسين الحاج صالح: موضوع المشهد

غسان جباعي: صرت المشكلة الأساسية وين، ربّما الخوف من إنه تخاف على كرامتك، بتخاف تنهان ولما بتنهان ماعاد شيء تخاف عليه سجن تدمر خوف يومي، فقد تتلقى ضربة تصيبك بعاهة مستديمة، وأثناء التحقيق أيضا وسائل التعذيب قاسية وأحيانا ترى غيرك وهو يعذب فرج بيرقدار

فرج بيرقدار: سجن تدمر خوف يومي، هلا خوف من ضربة طائشة تعطبك، تطلع بعاهة دائمة وكثيرين جوه وفي التحقيق أيضاً شيء وسيلة قاسية تعطبك، خوف أحياناً بتشوف غيرك عم يتعذب تشعر بخوف تاني، هلا أنا كل رجليّ عم بترجف بس ملامحي بأتحكم فيها، كانوا بيقولوا دائماً عني المحققين إنه أنت عكروت، إنه أنت.. يعني ما بتخاف أنت بينما أنا مرعوب من جوه، خايف يا أخي بس الخوف شيء وإني بديهم إياه شيء تاني ما مستعد له.. يعني كرامتي.. أنا خايف على كرامتي.. يعني غسان بسبب شدة التعذيب وأساليب الفظيعة وتراكمها على زمن مديد الأجساد أنهكت، عدد من مجموعتنا غدى عيانين، كان بعض الأصدقاء اللي لهم علاقة بالطب بيقولوا هي مرحلة مؤقتة بس كل واحد.. يعني الواحد سنة.. سنتين أنا مثلاً سبع سنين معتقد إنه خلاص ما عاد فيه إمكانية، أنا فاقد القدرة الجنسية، لاحقاً بعد سبع سنين.. يعني بدأت أشعر إنه لا والله كأنه عم بتستيقظ مسألة، هلا هذا اللي بيجوز دفعني إني أكوّن فلسفة خاصة تجاه المرأة، المرأة هي قيمة جمالية، هي قيمة إنسانية، هي رحمة، هي ظلال من القداسة، هي منقذ لك، ممرضتك جوه، بيتهيألي الجسد بيتراجع، بيجوز بدأ يتقدم السنوات الأخيرة لما أنا تعافيت ووضعي الصحي صار جيد بس للأسف فيه رفاق لي حتى الآن هم فاقدين القدرة الجنسية تماماً.. يعني التعذيب عطبهم عطب نهائي وربّما يكون فيه غير التعذيب، إهانات نفسها.. إهانات لما بيذلوك كل شيء، تبدأ تحس ما عدك إنسان، ما عدك رجل كامل المعني بيتهيألي حتى البعد النفسي ممكن يؤثر على هذا الموضوع ربّما ما بأعرف.. يعني بس أنا أزعم ربما الحاجتين مشترك

غسان جباعي: أنا بالنسبة لي شخصياً اللي أنقذني إنه أنا من الصفعة الأولى أصبت بالخصاء.. يعني ما أعد أشعر إطلاقاً بأي رغبات.. يعني حتى يمكن اتعطلت مجموعة من الحواس أهمها اللمس والذوق.. يعني أنا بدي أحكي عن نقطة طبعاً ممكن تكون لها علاقة بالموضوع اللي عم نحكي فيه، لأنه إحنا ما كنا نشتهي المرأة أو نساءنا خلينا نقول خاصة المتزوجين بقدر ما كنا أيضاً نغار عليهم لأنه إحنا تاركينهم، هاي نقطة كانت مؤلمة أكثر بكثير من حاجتك للمرأة عند بعض الناس طبعاً، رغم إنه نادر ما حصل.. يعني إنه في امرأة تخلت عن رجلها، لكن هذا ربّما بالغريزة موجود.. بالفطرة عند الإنسان هو ترك هذه المرأة في خضم الحياة وبالتالي كان يشتهيها ويخاف عليها ويغار عليها وربّما يكرهها، كان مجموعة من الأحاسيس

ياسين الحاج صالح: يعني لما يكون الواحد شاب ويفوت على السجن ويطول فترة طويلة بيعشق كثير من النساء اللي (كلمة غير مفهومة)، أنا عشقت كثير من النساء اللي نصفهن أنا خلقتهن ونصفهن تذكرتهن، مثال هلا للي خلقتهن صورة للمرأة المثلى مركبة من أوصاف منتزعة من عدد لا يحصي من النساء، ها المرأة المثلى طبعاً تظلم كل امرأة واقعية لما الواحد يعمل مقارنة وأعتقد إنه صورة المرأة المثلى هاي المحلوم بيها زمناً طويلاً عملت داخلي فجوة لا يمكن إنه تملؤها كل نساء العالم

غسان جباعي: أول ما فتحولنا الزيارات جاءني كتاب أجمل رجل غريق في العالم لماركيز ونحن مثل ما بتعرف ولما بتجينا الكتب كنا نفتش فيها بلكي باعتين لنا شيء نقطة شيء حرف كذا، فأنا عم بأفتح الكتاب لاقيت شعرة على شكل الحرف (S) فقلت هذا أول حرف من اسم زوجتي، زوجتي حطت لي إياها حتى أتذكر شعرها، تميت سبع سنوات محتفظ بهذه الشعرة حتى اكتشفت بعدين بأنه هاي الشعرة بالصدفة كانت موجودة، لكن هذه الصدفة عيّشتني حلم جميل لمدة سبع سنين

ياسين الحاج صالح: هلا أنا ما بأعرف تدمر.. يعني يهلني ها الضخامة وها الجلالة هذا، إنه معقول ما شافوا مكان يحطوا فيه السجن الحقير غير بهذا المكان العظيم الرائع هذا

غسان جباعي: ها دول ما شوفناهم ولا مرة بحياتنا

فرج بيرقدار: وين بدك تشوفهم أسوار وراء أسوار

الجزيرة نت

الشرنقة والكازينو: ديمقراطيات النقض... ونقض النقض!

الشرنقة والكازينو: ديمقراطيات النقض... ونقض النقض!

صبحي حديدي

خاص – صفحات سورية -


هنالك ديمقراطية أولي فلسطينية، وليدة لكنّ خطواتها الاولي ثابتة مكينة، اعترف حتي ألدّ أعدائها بأنها أجرت انتخابات تشريعية حرّة ونزيهة، لكنها منكَرة مستنكَرة من جانب العالم ذاته الذي يقضي آناء الليل وأطراف النهار في الحثّ ـ ليس دون نفاق وتكلّف وكذب أحياناً ـ علي إشاعة تلك الديمقراطية تحديداً. وهنالك ديمقراطية إسرائيلية، عمرها أكثر من نصف قرن، قامت دولتها وتسعة أعشار مؤسساتها علي الاحتلال والاغتصاب والاستيطان والعنصرية والفاشية، يصفّق لها العالم إياه بلا هــــوادة، وليس دون قلق من صعود هذا الحزب أو هبوط ذاك، ويشارك دون إبطاء في كلّ تنكيل ممكن بالديمقراطية الأولي الفلسطينية، لصالح الديمقراطية الثانية الإسرائيلية.
أهذا مثال جديد، أم هي ربما أمثولة إضافية، في لعبة عتيقة اسمها الكيل بمكيالين، أو بمكاييل عديدة؟ أهو نبيذ جديد تستخرجه الديمقراطيات الغربية العجوز، من الأمريكية إلي الكندية فالألمانية والبريطانية والفرنسية...، من الدنان العتيقة ذاتها؟ أم أنّ تنويعات طرأت علي اللعبة فبدّلت قواعدها، في كثير أو قليل؟ وماذا يمكن أن تكون مآلات مقاطعة الديمقراطية الفلسطينية، أي مقاطعة الشعب الفلسطيني ذاته، سوي سحب الاعتراف بهذا الشعب عملياً، بعد صبغه كابراً عن كابر بألوان حماس وحدها تقريباً، وإنزال العقاب به لأنه اختار برامجها طائعاً حرّاً؟
وما الفارق، في نهاية المطاف، إذا كانت ذريعة تلك الديمقراطيات تنهض علي نسف اللعبة الديمقراطية، أو معظم أركانها وركائزها وأعرافها؟ ألا تقول الديمقراطيات الغربية ما يلي، وإنْ في صياغات أكثر فذلكة وإبهاماً وحذلقة: لكي يتمّ الاعتراف بالديمقراطية الفلسطينية (أي بحكومة حماس التي جاءت إثر انتخابات حرّة نزيهة)، علي هذه أن تعترف بالديمقراطية الإسرائيلية (أي بدولة الاحتلال والاغتصاب والاستيطان والأسر والقصف وتهديم البيوت وتجريف الأراضي والجدار العازل...)، الأمر الذي يلزم حماس بأن تتنكّر للبرنامج السياسي ذاته الذي جاء بها إلي الحكم، وأن تنقلب بنفسها علي نفسها، وعلي ثقة ناخبيها في برامجها!
ثمّ إذا كان المقصود من إنكار هذه الديمقراطية الفلسطينية، التي جاءت بأغلبية كاسحة لـ حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد، هو ذرف الدموع علي المجلس السابق الذي كانت أغلبيته لـ فتح ، فإنّ الدموع ليست من الطراز الذي تذرفه التماسيح فحسب، بل هي أقرب إلي الضحك علي اللحي الفتحاوية (إلي جانب اللحي الأخري لأمثال السادة ياسر عبد ربه شريك يوسي بيلين، وتيسر خالد المحامي بالأصالة والنيابة عن مستحاثات منظمة التحرير الفلسطينية، وجبريل الرجوب الذي لا يأنس في نفسه إلا صورة الـ
Mr. Security الفلسطيني...)، وأقرب إلي الميلودراما والمسخرة. فما الذي فعلته الديمقراطيات الغربية لتلك الديمقراطية الأولي الفتحاوية، لكي تأنف اليوم من الديمقراطية الحمساوية؟ وهل كان حظّ ياسر عرفات ومحمود عباس وأحمد قريع مع الغرب، دعوا الدولة العبرية جانباً، أفضل من الحظوظ الراهنة لرجال حماس ؟
الأرجح، بهذا، أنّ المصادفة العمياء لم تكن وراء التلازم الزمني بين اقتراع الإسرائيليين في انتخابات الـ كنيست السابعة عشرة، وأداء حكومة هنية القسم أمام الرئيس الفلسطيني. أو لعلّ مصادفات من هذا النوع لا تقع إلا بوصفها الظلال الأخري لقوانين الضرورة، حين تنشأ علاقات وثيقة بين المصادفات المتفرقة التي تتراكم وفق هندسة متينة لكي تنتج المعني المشترك، وتوحّد النقائض. ولعلها تلك الجدلية الطبيعية العبقرية، في أبسط قوانينها الصارمة التي لا تكاد تختلف عن الثوابت العليا في أية منظومة منطقية محكمة. وقد تكون مظهراً يجسّد حاجة الظواهر إلي إئتلاف من نوع ما، في حقبة ليست عارضة أو مألوفة، ولا تفتقر معطياتها إلي المنطق الداخلي المتماسك اللائق بها: من إنكار ديمقراطية حماس إلي بدء حصار الشعب الفلسطيني، فانتخابات الـ كنيست ، و... اختتام مسرح العبث في الخرطوم، حيث ما يزال البعض يتحدّث عن قمّة عربية!
الروائي الإسرائيلي عاموس عوز، الذي يحدث أيضاً أنه أحد مؤسسي حركة السلام الآن ، لا يغرّد خارج السرب الذي فيه تغرّد الديمقراطيات الغربية والدولة العبرية حول صعود حماس فحسب، بل يعتقد أنه يغرّد داخل سرب الأنظمة العربية ذاتها! كيف؟ إنه، في التعليق علي نتائج الانتخابات الإسرائيلية، لا يخاف حماس بل يطمئن الحكومة الإسرائيلية القادمة إلي أنّ الأنظمة العربية اشدّ من الدولة العبرية قلقاً إزاء ديمقراطية حماس ، وأكثر خشية من عقابيلها ومفاعيلها! ليس من المحال التفكير في أنّ حكومات براغماتية إسرائيل وعربية يمكن أن تتوصل إلي صفقة ، يقول عوز قبل أن يوضح أنه يعني حكومتَي مصر والسعودية، ثمّ تُطرح هذه الصفقة علي تصويت الشعب الفلسطيني (الذي لا يؤيد حماس إلا بنسبة 41%، كما يبشّرنا)، فتحظي بالتأييد. حسناً، لماذا سوف يكون هذا التصويت ـ بافتراض أنه سيجري في أيّ يوم ـ شرعياً قانونياً غير منكَر وغير مستنكَر، ولا يلاقي تصويت الشعب الفلسطيني علي برامج حماس الشرعية إياها، أو لا يلاقي إلا ما هو نقيض الترحيب وعكــــس التشجيع؟
الروائي عوز يذكّرنا بإسرائيلي آخر هو المؤرّخ ميرون بنفنستي، حول هذا المخلوق العجيب الذي يُدعي الشعب الفلسطيني ، والذي يحضر أو يغيب لأسباب ليست البتة ذات صلة بالوجود أو العدم. ففي صيف العام 1999، حين كان يقضي أواخر أيامه في البيت الأبيض، ارتكب الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون إثم التلميح إلي حرية الشعب الفلسطيني وحقّ العودة. ورغم أنّ التصريح كان أقرب إلي زلّة اللسان، فإنه مع ذلك كان كفيلاً بإيقاظ حسّ الكابوس وذاكرة الهولوكوست وتواريخ العداء للسامية، هكذا دفعة واحدة، في نفوس الإسرائيليين، يميناً ويساراً. العبارة الرجيمة، التي لعلّها أفلتت من فم كلينتون لأنه كان آنذاك في مؤتمر صحافي مع الرئيس المصري حسني مبارك، هي التالية حرفياً: أودّ لو أنّ الشعب الفلسطيني يشعر بأنه حرّ، وحرّ أكثر في العيش حيثما يرغب وحيثمـــــا يريد .
بنفنستي سارع إلي طمأنة مواطنيه، في مقال عاصف نشرته صحيف هآرتز الإسرائيلية: هدّئوا من روعكم! ما من سابقة تعمل بمفعول رجعي، وعودة الأقلية الألبانية إلي كوسوفو برعاية الولايات المتحدة والحلف الأطلسي والأمم المتحدة لن تضع عودة اللاجئين الفلسطينيين علي جدول أعمال أيّ من هذه الأطراف. وبعد إتمام ألعاب المؤرّخ هذه، التفت بنفنستي إلي ألعاب التخييل والاستعارة وعلم النفس التحليلي: الكوابيس بطبيعتها كتيمة أمام الحُجَج العقلية، والذين يعانون من الكوابيس سوف يواصلون تخيّل ظلال الجبال بوصفها الجبال ذاتها . لكن بنفنستي توقف مطوّلاً، وبكثير من الاحتجاج والمرارة والدهشة، عند حديث كلينتون عن حقّ الفلسطينيين في العيش أنّي شاؤوا، معتبراً أنها الشيفرة السرّية للحديث عن حقّ العودة، وأنّ الحديث عن حقّ العودة هو الشيفرة السرّية للحديث عن تدمير إسرائيل.
الرجل كان معتدلاً ، والحقّ يُقال، بالقياس إلي المفسّرين الآخرين الذين أدلوا بدلوهم هنا وهناك في أعمدة الصحف الإسرائيلية، وبالقياس كذلك إلي ميراف بارسي ـ تزادوك التي نطقت رسمياً باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك (وكان آنذاك رئيس الوزراء المنتخب فقط) فقالت: إنّ موقف الرئيس كلينتون من مسألة حقّ العودة، كما يمكن أن يُفهم الأمر من تصريحاته في واشنطن يوم أمس، غير مقبول من جانب باراك . أكثر من ذلك، قطعت بارسي ـ تزادوك شوطاً إضافياً (مدهشاً بالفعل) حين اعتبرت أنّ كلينتون كان ضحيّة سوء فهم ، وأنه كان من الأجدر بالإدارة الأمريكية أن توضح الأمر وتصحّحه .
وفي واقع الأمر، ليس الهدوء سمة المزاج الإسرائيلي الراهن كما عكسته انتخابات الـ كنيست ، بل هي العلامات ذاتها التي اقترنت وتقترن بتصويت الإسرائيليين منذ أواسط السبعينات، والتي لا تدلّ إلا علي ما هو نقيض السكينة في علم النفس، ونقيض السلام في علم السياسة، ونقيض الاستقرار في علم التاريخ. العلامة الأولي أنّ المجتمع الاسرائيلي لم يخرج من الشرنقة في أيّ يوم، ولا ينوي ذلك حين تكون مقاعد حزب المتقاعدين، الذي يقوده ذئب عتيق مثل رفائيل إيتان (79 سنة) ربع مقاعد حزب كاديما الذي يبشّر بالمسير قدماً إلي أمام! العلامة الثانية أنّ اللعبة الديمقراطية تتيح لهذا المجتمع المنشطر علي نفسه أن يراقب خروج بعض الأفراد إلي السلام، وأن يتابع مسيرة ذلك الخروج بمزيج من الفضول والدهشة والفزع والقلق، قبل أن ينزل بهم العقاب الصارم والمهانة اللائقة بأنبياء توهموا في أنفسهم كرامة أهلية ما. أين بنيامين نتنياهو هذه الأيام، من أمجاده حين صعد قبل سنوات معدودة علي جثة شمعون بيريـــس! الإسرائيلـــــي الذي صوّت لنتنياهو آنذاك كان يدرك، مثـــل إدراكه اليوم، يدرك أنّ البقاء داخل الشرنقة هو صيغة وجودية قبل أن يكون أي شيء آخر، وأنّ ملازمة ثقافة الإنكفاء علي الذات وإدمان العصاب الجماعي هما الترجمة الفعلية لموقف قياسي من السلام يقوم علي الفــزع والريبة والقلق الوجودي، مثلما يقتات علي العنصرية اللاهوتية والغطرسة الميتافيزيقية والممارسة الكولونيالية.
علامة ثالثة تمسّ صميم الحلم الصهيوني بتأسيس دولة عصرية علمانية، ذات تقاليد سياسية ومدنية راسخة وصلبة تحكمها معايير عقلانية صارمة وديمقراطية، سواء لجهة التعاقد الداخلي بين الأفراد والجماعات والأحزاب والمؤسسات، أو التعاقد الخارجي مع الجوار والعالم. كان انتصار نتنياهو انتصاراً لحالة من الهستيريا الجماعية تري أن بمقدور رجل واحد، يؤجج نار الترهيب مستخدماً حطب الإرهاب ، أن يلغي ما تعاقدت عليه الدولة وأن يؤهّب جحافل الـ تساحال للزحف من جديد علي غزة وأريحا ونابلس ورام الله وبيت لحم. وكانت هزيمته النكراء أمام إيهود باراك نقضاً لذلك اليقين، مثلما كانت هزيمة الأخير أمام أرييل شارون نقضاً لنقض النقض! أيّ نقض لأيّ نقض سيشكّله انتصار إيهود أولمرت؟ ليست الإجابة شاقة، خصوصاً إذا وضع المرء مفردة انتصار بين أهلّة، قبل سلسلة من إشارات الاستفهام والتعجّب.
ما الذي سوف يُلزم هذه الديمقراطية الإسرائيلية بالتفاوض مع، أو حتي بعدم تقويض واغتيال واستئصال، هذه الديمقراطية الفلسطينية؟ نعود إلي قوانين المصادفات فنتذكّر أنّ الذكري الخامسة لتوقيع اتفاقات أوسلو تزامنت مع إطلاق كازينو القمار في مدينة أريحا الفلسطينية المحرّرة/المحتلة، وأنّ هدير الدبابات والبلدوزرات حول سجن اريحا، وليس قريباً من كازينو أريحا، كان ربما الموسيقي الأكثر صخباً في آذان المقترعين في انتخابات الكنيست! في صياغة أخري، لعلّ واحة كازينو أريحا هي أفضل ما يملك الفلسطينيون والإسرائيليون من واحات سلام شرق ـ أوسطية وُعدوا بها، ثم صدّقوا أنها قادمة لا ريب فيها. وأن يري المرء في افتتاح الكازينو وصمة عار أو مجرّد بزنس مثل سواه، أمرٌ لا يغيّر الكثير من فحشاء المفارقة إياها: فيش الـ بلاك جاك هو ميدالية السلام الوحيدة التي وضعها الإسرائيليون قريباً من صدورهم دونما إحساس بالعار والخسران والسخط التوراتي، وأزيز الـ روليت هو النشيد الوطني الوحيد الذي يُسمح للآخر بعزفه ولا يجد الإسرائيليون غضاضة في الإصغاء إليه، بل ويشنّفون الآذان أيضاً!
لعلّ هذه هي الديمقراطية الوحيدة التي يعترف الغرب، تصديقاً لاعتراف الإسرائيليين، بصلاحية استخدامها من جانب الفلسطينيين، وصلاحية استهلاكها في واشنطن وبروكسيل وتل أبيب!

صمٌ .. بكمٌ .. عميٌ .. لا تتكلمْ .. فأنت في سورية!

صمٌ .. بكمٌ .. عميٌ .. لا تتكلمْ .. فأنت في سورية!

الطاهر إبراهيم *

خاص – صفحات سورية –

عندما يستخف الحاكم عقولَ مواطنيه، فإن من يطيعه منهم، فإن عليه أن يحجر على عقله، فلا يفكر إلا كما يريد هذا الحاكم، وأن يعتقل لسانه في فمه فلا يتكلم إلا وفق ما تمليه إرادة السلطان، وأن يضع على عينيه نظارتين، فلا يرى من خلالهما إلا منجزات العهد الثوري، وأن يضع في أذنيه الطين والعجين، فلا يسمع إلا ما يقوله الحاكم بأمره .. ومن لا .. فعليه أن يرحل إلى أرض الله، فليس له مكان في أرض السلطان إلا داخل المعتقلات، هذا إذا استطاع الخروج وروحه في بدنه. ولذلك لم أعجب عندما نقلت الأخبار يوم الثلاثاء الماضي 28 آذار/ مارس الجاري خبر إنهاء مهمة مدير المركز الإعلامي السوري في لندن الدكتور "يحيى العريضي". وعللت المصادر القريبة من المؤسسة الرسمية القرار بأنه بسبب عدم نجاح العريضي في عمله وانتهاء فترة ندبه من وزارة التعليم العالي. وقد نقلت نشرة "إيلاف" عن مطلعين أن سبب إنهاء خدماته هو إشادته خلال برنامج "حوار مفتوح" في قناة الجزيرة بـ"البيانوني" المراقب العام للإخوان المسلمين "والحديث معه وعنه بطريقة تنم عن استرضاء وليس من موقع الند. حيث قال عن البيانوني إنه شيخ جليل .. وأشار إلى أن هناك شعبية للإخوان المسلمين في الداخل" (نشرة إيلاف).

ولأن إنهاء خدمات الدكتور "العريضي" ما هو إلا مثال نضربه لآلاف الأمثلة التي تحصل في سورية سنوياً مع من لا ينسجم بشكل كامل مع ما يريده النظام في سورية، فمن المفيد أن نشير بإيجاز إلى التاريخ الوظيفي المتعثر له منذ أربعة أعوام على وجه التقريب.

قبل أن يندب مديراً للمركز الإعلامي السوري في لندن، كان "العريضي" مديراً للقناة الثانية في التلفزيون السوري. وشاء حظه العاثر أن يتم اختياره لمقابلة الدكتور "صبحي حديدي" - معارض سوري - في برنامج "مواجهة" على قناة "أبو ظبي" الفضائية. وقد كانت مواجهة ساخنة بين الاثنين، ظهر فيها الخلل واضحاً لصالح "حديدي". ومع أن "العريضي" لم تكن تنقصه الحجة، فقد كانت تنقصه القناعة بسياسات النظام السوري التي يدافع عنها. وقد قيل في حينه أن نائب الرئيس السوري "عبد الحليم خدام" اختاره للمواجهة. وربما عاقبه، على ما اعتبر ضعفاً في أدائه، بنقله إلى منصبه الهامشي في لندن.

وها هو الحدث يعيد نفسه مرة ثانية، ليجد "العريضي" نفسه في مأزق مشابه لما عاناه قبل أربع سنوات،ولكن بصورة أعنف. فالبيانوني لا يهبط بحواره إلى مستويات لا تليق، بل ويفرض احترامه على الآخرين، ما يجعلهم يضطرون لصياغة حديثهم بما يتناسب مع أسلوب الخصم المقابل، ما أدى بالعريضي أن يقول، في معرض رده على أسئلة "غسان بن جدو" الذي أجرى الحوار: "السيد البيانوني وهو شيخ فاضل ويريد الخير للوطن وبالنسبة لي شخصياً أنا أقول إن هذا الإنسان يريد الخير لسورية" (أُخِذ النص من موقع الجزيرة نت على الإنترنت). ولم يكن هذا التوقير ليمر بسلام عند حكام دمشق.

وبالرغم من الكم الهائل من العبارات التي هاجم فيها "العريضي" نائبَ الرئيس السابق "عبدَ الحليم خدام"، ونال الإخوان المسلمون نصيبَهم منها، ولكن بصورة أقل، فإن وزير الإعلام السوري لم يجد فيها ما يشفع للعريضي عن الجمل القليلة المتناثرة التي وردت في حديثه وتكلم فيها على سجيته في الحوار، فاستعمل مبضعه (وزير الإعلام طبيب جراح) ليستأصل يحيى العريضي من منصبه، وكأنه درنة زائدة في جسم النظام السوري.

بل إن المشاهد السوري ليؤكد أنه في كل الحوارات التي ظهر فيها "العريضي" مدافعاً عن النظام السوري، لم يكن يُستشَفُّ منها أنه يتكلم عن قناعة لديه، و"أن هذا الميت لا يستحق كل هذا البكاء".

هذه الحادثة ليست استثناء في أسلوب النظام السوري في التعامل مع الذين يخدمونه، بل هي قاعدة مضطردة، يندر أن يشذ عنها النظام مع "أزلامه" الذين يريقون ماء وجوههم في الدفاع عنه في محافل لا يمكن الدفاع فيها عنه، ثم لا يشفع لهم ذلك إذا قرر النظام أن يضحي بهم لسبب أو بدون سبب.

فلا يزال كلام "عبد القادر قدورة" رئيس مجلس الشعب الأسبق يرن في الآذان وهو يعنف النائب "منذر موصللي"، يوم أذيع نبأ موت "حافظ أسد"، عندما اجتمع النواب المحترمون لمسرحية تعديل الدستورالسوري الذي فُصِّل على مقاس النظام السوري كما فُصّلت المواد المتعلقة بالمرشح لمنصب الرئاسة على مقاس "حافظ الاأسد". فلما مات، ظهر أن هذه المواد لا تناسب مقاس المرشح الجديد الدكتور "بشار الأسد".

فقد اعترض النائب "موصللي"، ليس على عدم دستورية التعديل، بل على قضية شكلية تتعلق بإرفاق التعديل بمسوغاته، وهو محق، حسب ما نص على ذلك الدستور. وكان أن وقف "قدورة" يقرعه بألفاظ تنم عن ثقافة سوقية في اختيار الألفاظ لا تتناسب مع المقام، ليس مقام الذي يتعرض للتقريع - الذي تبين فيما بعد أنه مزايد أصيل في السوق - بل مقام المنصب، ليهبط به إلى دركات لم تبلغها سياسة التزلف والنفاق من قبل.

ويلاحظ القارئ أن الأمثلة السابقة التي ذكرناها لم تكن حول سلوك النظام السوري مع معارضيه، فتلك قضية يعرفها القاصي والداني، وهي غير مستغربة من نظام قمعي يخاف حتى من خياله فكيف من معارضيه. وما أوردناه هو حول ما يفعله النظام مع من يخدمونه ويسوّدون وجوههم في خدمته، ثم هو يرميهم بعد أن استهلكهم، كما ترمى قِشرةُ الموز بعد أن يؤكل ثمرها.

رموز النظام السوري يعيشون أزمة أخلاق قبل أن يعيشوا أزمة الحصار التي جلبوها - بسوء تصرفهم - على سورية، الوطن والشعب. ما يعني أنهم لا يمكن أن يرتفعوا إلى السوية التي تناسب المناصب. ثم هم بعد ذلك لا يقبلون ممن هو دونهم أن يتعامل بالخلق الذي يفرضه عليه موقعه كمسئول، شعارهم في ذلك "الغ عقلك واتبعني" .. كالصم، البكم، العمي، .. وأن لا تتكلم فأنت في سورية.

لا أحد يستطيع أن يتصور مدى الحماقة التي تطبع تصرفات هؤلاء القوم بعد أن فرضوا أنفسهم على الشعب السوري بالقمع والفساد والتسلط. ولكن ما هو مؤكد أن الدول لا يمكن تستمر طويلاً، والحكام فيها في واد والشعب كله في واد.

__________

* كاتب سوري

من أجل الحرية .. والرغيف معاً

من أجل الحرية .. والرغيف معاً

بدر الدين شنن

يسود في الوسط العمالي السوري ، هذه الأيام ، قلق مشروع من التطبيقات العملية لما أطلق عيه " اقتصاد السوق الاجتماعي " ، فيما يتعلق بالعاملين في الدولة ، وفيما يتعلق بعمال القطاعين العام والخاص ، ومن التوجهات الجادة لتعديل قانون العمل ( 91 / 1959 ) وإلغاء المرسوم ( 49 / 1962 ) ، وتطبيق ماكر ظالم للقاعدة الحقوقية " العقد شريعة المتعاقدين " في علاقات العمل

إذ لم تجد الطبقة العاملة ، بالتعاطي اليومي ، مع " اقتصاد السوق الآجتماعي " سوى " اقتصاد السوق " الذي يقوم على قانون العرض والطلب والقوي يبلع الضعيف ، وتصاعد مستمر للأسعار ، وانخفاض مواز للقدرة الشرائية ، وتحكم مقص الأسعار بالرواتب والأجور ، وإعادة قولبة علاقات العمل على أسس معادلة قهرية . أما " الاجتماعي " كمسمى رديف " للعدالة الاجتماعية " فقد ابتلعته حيتان السوق ، وأرتج على فلاسفة العهد أمام الصرخات العمالية والشعبية المطالبة بالعدالة وحمايتها من غول الغلاء المتوحش

وهناك ماهو أكثر من القلق عندما يتم التعديل المزمع إجراؤه للقانون ( 91 / 1959 ) بإدخال " العقد شريعة المتاعقدين " في الصيغة الجديدة ، أي منح أرباب العمل حق طرد العمال من العمل بانتهاء المدة المحددة بالعقد ، ما يستدعي بطبيعة الحال إلغاء المرسوم ( 49 / 1962 ) القاضي بمنع التسريح التعسفي ، مع مواصلة تنفيذ خطط تفشيل وخصخصة القطاع العام ، عندما يستكمل ، على حساب جماهير العاطلين عن العمل ، الشرط السادي البربري للمشهد الاحتفالي " باقتصاد السوق الاجتماعي " العتيد ، حيث يتجذر التمايز الطبقي بصورة أكثر إيلاماً ولؤماً ، ويخضع ملايين العمال والفقراء إلى مزيد من البؤس والحرمانات المأساوية

التعديل للقانون ( 91 / 1959 ) مطلب عمالي منذ صدوره ، فهو قد حرم العمال من حق الاضراب دفاعاً عن حقوقهم ، وقد تضافر هذا الحرمان مع القمع المباحثي ،في حينه ، ليشكل حالة قهر وإضعاف للحركة النقابية العمالية المطلبية . إلاّ أن ماهو مشغول عليه الآن من تعديل ، فهو ليس لإعادة هذا الحق للطبقة العاملة ، وإنما للإمعان في إضطهادها بإلغاء المرسم ( 49 / 1962 ) المانع للتسريح التعسفي ، وتعريضها للمزيد من الإضطهاد بتضمين التعديل صيغة " العقد شريعة المتعاقدين " . ليس هنا مجال للإسهاب في شرح " فلسفة " العقد وأنواعه وأركانه ، وإنما لابد من الإشارة ، إلى أن أي عقد يقوم على الإذعان وعلى عدم احترام الحقوق التي كفلها القانون هو حكم باطل حكماً . والواضح أن المقصود من إدخال هذه الصيغة التعاقدية بين العمال وأرباب العمل ،هو عدم تحول عقد العمل ، حسب النص القانوني الراهن ، بعد تجديده أو تمديده إلى عقد عمل دائم ، أي لإبقاء العمال في حالة قلق دائم على مصيرهم بعد انتهاء مدة العقد ، وخضوعهم للتحايل والابتزاز من قبل أرباب العمل للحصول على فرص عمل أخرى .. وتعريضهم للبطالة .. ونشوء حالة ضغط في سوق العمل للمحافظة على الأجور المنخفضة .. وتحقيق مستويات أعلى لفائض القيمة لصالح أرباب العمل . وهذا التوجه الإجرامي من قبل النظام ، إنما يخطط وينفذ عن عمد لاستجلاب رؤوس الأموال الأجنبية للعمل شراكة مع الطبقة السياسية الحاكمة، لتحقيق نسب أعلى وأسرع في معدلات التراكم والثراء والربح الفاحش

والأمر الذي يزيد في بشاعة ما ستكابده الطبقة العاملة وجموع الفقراء من أوضاع ، كونها مجردة من أية آليات نقابية أو سياسية تساعدها في الصراع من أجل رغيفها وحريتها . فالحركة النقابية ، رغم ارتفاع عدد من الأصوات الناقدة أحياناً في المناسبات النقابية ، محكومة بأمرة " الحزب القائد " وملتزمة بقيود " النقابية السياسية بديلاً للنضال المطلبي " التي فرضت عليها منذ أواسط السبعينيات ، حيث بلغت من العجز حداً باتت تشكل معوقاً حقيقياً للنضال النقابي المطلبي . والقوى اليساسية الملتزمة ب " الجبهة الوطنية التقدمية " محكومة أيضاً بأمرة " الحزب القائد " وغير وارد لديها أي تحرك مطلبي جدي مستقل . أما قوى المعارضة فهي مازالت مبتعدة عن الخوض في الهم الاجتماعي ، وأسيرة عقلية النخبة ، ومشغولة بإصدار الإعلانات التنافسية في الداخل والخارج

في هذا السياق ، من المفيد الإشارة إلى الإضرابات والمظاهرات ، التي يخوضها الطلاب والعمال في فرنسا ضد قانون " عقد العمل الأول " ، الذي يشكل في حالة تطبيقه في فرنسا حالة مشابهة للحالة ما بعد تعديل التشريعات العمالية في سوريا ، بل وأقل من ذلك . فمن أجل سحب قانون " عقد العمل الأول " ، أي عدم السماح بالتسريح التعسفي للعمال ممن هم دون 26 سنة من العمر في السنتين الأوليتين من العقد الأول ، نزل مئات الآلاف من الطلاب والعمال إلى الشارع في مظاهرات جماهيرية حاشدة لأيام عديدة ، كان أبرزها مظاهرات يوم الثلاثاء الماضي ، التي اشترك فيها نحو ثلاثة ملايين من العمال والطلاب وغطت 137 مدينة وعشرات الجامعات

أما في سوريا .. من أجل سحب خطط " اقتصاد السوق " الظالمة والإحتجاج على تدني الأجور وارتفاع الأسعار بمقاييس فظيعة ، ووقف إجراءات فرض " العقد شريعة المتعاقدين " وإلغاء الرمسوم ( 49 / 1962 ) ، أي مقاومة تفشي البطالة والجوع .. فلا حركة ولاحراك .. الأمر الذي يستدعي أكثر من أي وقت مضى .. العمل من أجل حركة نقابية جديدة .. مستقلة .و مناضلة .. من أجل معارضة جديدة جماهيرية تحمل الهم الديمقراطي والاجتماعي .. .. يستدعي النزول إلى الشلرع .. من أجل الحرية والرغيف معاً

الحوار المتمدن

الشعب السوري يتوسل

الشعب السوري يتوسل!

تعال يابشار نتحاكم إلى دستور الحزب (1)

أمير أوغلو

خاص – صفحات سورية -

لاشك أن السيد بشار الأسد حزبي بعثي سوري قومي بامتياز فقد أكد هذا في كلمته في المؤتمر القطري التاسع قائلاً : "إنني ابن البعث تربيت في أحضانه ونهلت من فكره ونشأت في أسرة مكافحة يشكل البعث بالنسبة لها انتماءها وفكرها وعقيدتها ومرجعيتها وسيظل البعث انتماءنا وفكرنا وعقيدتنا ومرجعيتنا" .

في المرحلة الحالية في سوريا تتواصل العمليات المضنية لإخراج قانون أحزاب جديد يسمح بإضفاء نوع من الديكور الديمقراطي والحر على المشهد السياسي السوري العتيق المهترئ الذي لم يعد يناسب العصر ولا الزمان ولا مستلزمات العولمة ولا الضغوطات الأمريكية

من جهتنا كمواطنين سوريين حالمين بالتغيير والإصلاح والتعديل لا نطمع من الحزب الحاكم بالكثير، فنحن أدرى الناس به وبأهدافه وبوسائله وبكل ما حقق في سوريا ومالم يحقق، وبكل ما أتحفنا به من إنجازات ومالم ينجز. ولكن يحق لنا هنا أن نذكر قائد هذا الحزب الذي يريد أن يكرمنا بقانون أحزاب، ببعض الفقرات من دستور حزبه الأساسي، وببعض المعلومات الحزببية المستقاة من أدبيات الحزب ووثائقه وأقوال قياداته، ونتمنى من السيد الرئيس أن يعطينا من الحقوق السياسية ما هو مبين في مبادئ الحزب مما سنذكره فيما يلي

أول ما يلفت النظر في هذا الحزب العظيم أنه حزب غير مرخص، رغم أنه يحكم البلاد منذ ما يزيد عن أربعين سنة، وقد نشر هذا في موقع الحزب على الشبكة على شكل وثيقتين، الأولى تظهر طلبا للترخيص بتاريخ 10-07-1945 ، والثانية تبين رفض وزارة الداخلية آنذاك لهذا الطلب بتاريخ 28-07-1945 ، ويلاحظ هنا سرعة استجابة وزارة الداخلية في ذلك الزمان لمثل هذه الطلبات مع رجاء عدم مقارنة هذه السرعة بالوضع الحالي لأننا الآن في زمن البعث ولسنا في زمن البورجوازيات ولا الإستعمار ولا أعوان الإستعمار. لم يذكر في موقع الحزب بعد ذلك أي شيء عن طلبات ترخيص جديدة وربما اعتبر الحزبيون أن استيلاءهم على السلطة يعفيهم من تجديد طلب الترخيص واكتفوا بسياسة الأمر الواقع

تماما كما تفعل إسرائيل حاليا مع الفلسطينين بتعاملها مع مقررات الأمم المتحدة وغيرها. فليسمح الحزب بناء على هذا بنشوء أحزاب دون ترخيص قياسا على حالته القانونية الحالية.

الأمر الثاني الذي يحق لهذا الحزب أن يفخر به هو ما ننقله حرفيا من موقعه: "يعد دستور حزب البعث العربي الاشتراكي أهم وثيقة أساسية صدرت عن الحزب وهو الموجه لاتخاذ القرارات الحزبية على مختلف المستويات القيادية وهو الضابط لآلية عمل الحزب لتحقيق أهدافه، ولم تعدل أية مادة في دستور الحزب منذ إقراره في المؤتمر التأسيسي المنعقد في دمشق في 4 ـ 6/4/1947". أي أنه الحزب الوحيد ربما في العالم الذي لم ير حاجة لتغيير دستوره منذ سبعين عاما تقريبا وهو الحزب الذي يعيش جو الأربعينيات من القرن الماضي ويعتبر أن هذا مفخرة لو علمت بها مؤسسة جينيس للأرقام القياسية لأدخلت اسمه حتما في كتابها القادم.

ينقسم دستور حزب البعث إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: المبادئ الأساسية والمبادئ العامة والمنهاج مع ملاحظة أن المبادئ الأساسية غير قابلة للتعديل ولا للتغيير حسب مقولات الرفاق وعقائدهم. ورد في المادة الثانية من الدستور وهي من المبادئ الأساسية للحزب وتتعلق بشخصية الأمة العربية ما يلي: " الأمة العربية تختص بمزايا متجلية في نهضاتها المتعاقبة، وتتسم بالخصوبة والإبداع، وقابلية التجدد والإنبعاث, ويتناسب انبعاثها دوما مع نمو حرية الفرد ومدى الإنسجام بين تطوره وبين المصلحة القومية. ولهذا فإن حزب البعث العربي الاشتراكي يعتبر:

1- حرية الكلام والإجتماع والإعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لسلطة أن تنتقصها.

2- قيمة المواطنين تقدر –بعد منحهم فرصا متكافئة- حسب العمل الذي يقومون به في سبيل تقدم الأمة العربية وازدهارها دون النظر إلى أي اعتبار آخر".

تعال إذا يا سيادة الرئيس نتفق على تطبيق مبادئ حزبك العظيم التي تربيت عليها كما تقول وصارت هي فكرك وعقيدتك ومرجعيتك، دعنا نطبق حرية الكلام فنطلق العنان للصحف والمجلات والإذاعات والفضائيات الحرة لتؤسس مراكزها في سوريا الوطن، وتعال نسمح لكل إنسان بالإجتماع بمن يريد والحديث عما يريد وتشكيل التجمع الذي يريد، وتعال نسمح لكل إنسان بأن يعتقد ما يشاء حتى لو خالف عقائد البعث وعقيدته، وتعال نسمح لكل فنان بأن يعبر عن فنه بالشكل الذي يريد وأن يقيم المعرض الذي يريد وأن يرسم الشيء الذي يريد وأن يتواصل مع من يريد، كل هذا دون انتقاص أو تدخل من قوات الأمن، ولا من الطلبة حاملي العصي والهراوات، ولا من قواعد الحزب المناضلة في شوارع سوريا لحفظ الأمن وتكميم الأفواه بدل النضال على جبهات القتال مع العدو الصهيوني، وبدون تدخل أجهزة المخابرات على اختلاف أنواعها ومسمياتها، من الفرع الداخلي إلى الخارجي إلى فرع فلسطين إلى فروع بردى السبعة التي جففتها سياستكم الحكيمة إلى فروع الحزب وقواعده وخلاياه وتكتلاته، وبدون تدخل جبهة الأحزاب الديكوراتيه التي تزين وجه الوطن بأجمل صور التبعية والتخلف والنفاق والدجل والكذب.

إن كنت بعثيا حقا تعال لنجعل هذه المادة من المبادئ الأساسية لحزبك العظيم، العمود الفقري لقانون الأحزاب الجديد الذي احترتم كيف تصوغونه بحيث يظهر أنه قانون لتشكيل الأحزاب بينما هو في الواقع قانون لمنع الأحزاب كن صادقا مع نفسك في هذه المرة فحسب، علنا نصل إلى نتيجة ترفع عن كاهل هذا الوطن هذه الكارثة التي حلت به منذ أربعين سنة، كن صادقا مع نفسك ومع شعبك الذي مازلت تؤكد أنه يسير خلفك ويثق بك لكي تخرجه من هذه الورطة التي أوصله إليها حزبك العظيم ووالدك الكريم، كن صادقا مع نفسك وأطلق حريات الناس ليتنفسوا ويتكلموا ويعلموا ويعملوا وينتجوا ويصنعوا دون خوف من مشاركة أحد أفراد العائلة المالكة ولا خوف من تسلط مسؤول يلهف بعد ذلك ما ينتجون أو يشاركهم فيما يخترعون.

سأكتفي هنا بهذا وسأناقش في المقال التالي بإذن الله المادة السادسة من دستور الحزب فهي مادة شيقة جدا وتساعد على استكمال مسيرة التعديل والتطوير التي بدأتها والتي مازالت تحبو منذ ست سنوات عسى أن نستطيع بمساعدة دستور الحزب وبتطبيقه أن ننهض بهذه المسيرة لتتمكن من الوقوف على أقدامها ثم لتسير إلى الأمام دون عوائق.

/ الدانمارك / 31 مارس - آذار 2006

تجربة اول مركز اعلامي سوري في الخارج تدخل غرفة الانعاش

تجربة اول مركز اعلامي سوري في الخارج تدخل غرفة الانعاش

حلقة مع البيانوني حول مؤتمر بروكسل تطيح بالدكتور يحيي العريضي
لندن القدس العربي :
في خطوة مفاجئة انهت وزارة الاعلام السورية مهمة مدير المركز الاعلامي السوري في لندن الدكتور يحيي العريضي، بشكل فوري وعاجل، وبطريقة اثارت زوبعة من الاسئلة واللغط في الوسط الاعلام الدولي والعربي في بريطانيا.
ورغم عدم ورود أي خبر رسمي من وزارة الاعلام السورية يؤكد او ينفي ذلك، غير ان المواقع الالكترونية السورية ـ التي تعكس ما يدور في الكواليس عادة ـ تقول ان فترة انتداب العريضي من وزارة التعليم العالي انتهت، اضافة الي مخالفته تعليمات وزارة الاعلام.
الا ان الاوساط الاعلامية المتابعة ترجع سبب هذه الخطوة الي ظهور العريضي في الحلقة الماضية من برنامح الحوار المفتوح علي قناة الجزيرة مع علي صدر الدين البيانوني، المراقب العام للاخوان المسلمين، والتي دارت نقاشــــاتها حول جبهة الخلاص الوطني ، التي شكلها مؤتمر بروكسل للمعارضة السورية بالتحالف مع نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام.
والمتابعون للحلقة يرون ان العريضي كان محاورا لبقا ومقنعا في الدفاع عن بلاده، فيما اخذ علي محاوره البيانوني ان مواقفه كانت ردات فعل علي هجمات العريضي، ولم يكن مهاجما، كما كان يتوقع منه. فيما كشف البيانوني في تلك الحلقة انشقاق السيد خدام منذ سنتين اثناء وجوده في السلطة، حينما اتصل بالاخوان وشجعهم، وقال لهم انه سيتدبر امره للالتحاق بهم حينما تسنح الفرصة.
وقد وصف العريضي فكر الاخوان بالبائد، وانه من الماضي واعتبر الحكومة السورية بقيادة الرئيس بشار الاسد تحمل زخم ومستقبل واحلام الاصلاح في البلاد. وشن العريضي في الحلقة هجوما عنيفا علي خدام واتهمه بأنه كان وراء سجن اعضاء ربيع دمشق، وملاحقة الاصلاحيين السوريين في الداخل.
كما كشف العريضي الذي ظهر في الفترة الاخيرة بشكل لافت علي القنوات الفضائية العربية والعالمية وواجه العديد من المعارضين السوريين في الداخل والخارج انه حاول رأب الصدع بين حكومة بلاده وحركة الاخوان المسلمين.
وفي سؤال العريضي الذي غادر الي دمشق فور تبلغه الخبر، حول رأيه في ما يحدث، قال انه يتحرك استجابة لخطاب تعيينه ووفق منهج وبرنامج الاصلاح الذي تنتهجه الحكومة السورية، واذا كان ذلك سببا لما يحدث فانه قد استعصي عليه فهم مفهوم الاصلاح. وأمل في ان لا يكون هناك من يضع العصي في عجلة الاصلاح وفق الشروط والمتطلبات الداخلية التي تتبناها القيادة السورية بقوة.
والعريضي الذي شغل مدير اول مركز اعلامي سوري في الخارج افتتح قبل عامين وحقق طفرة في الاعلام السوري الخارجي حينما استقطب كافة المؤسسات الاعلامية البريطانية عند افتتاح المركز بحيث حضر حفلة التدشين 400 شخصية من هرم الاعلام البريطاني.
كما بات، العريضي الذي تخرج من جامعة هارفارد الامريكية ورأس قناة التلفزيون السورية الثانية لمدة 12عاما وكان مترجما للرئيسين الراحل حافظ الاسد والحالي بشار الاسد كان ضيفا دائما علي القنوات الفضائية البريطانية والعربية ومحاضرا في الجامعات البريطانية العـــــريقة ومراكــــز بحوثها اضافة الي شبكة العلاقات الاعلامية التي حاكها المركز الاعلامي السوري خلال فترة رئاسته.
ويعتقد بعض المراقبين في العاصمة البريطانية ان الدكتور العريضي تعرض لحملة من لوبي سوري في لندن تحسس كثيرا من بروزه الاعلامي، خاصة في الاعلام الاجنبي علي حساب الحرس القديم وبعض مراكز القوي التقليدية.
وأثار استدعاء العريضي الي دمشق بهذه الصورة الفورية التي تم عليها حالة من الجدل علي المنتديات الحوارية في شبكات الانترنت بين مؤيد ومعارض، وانصبت معظم التعليقات علي جمود الاعلام السوري وعدم انفتاحه بما يتناسب مع التطورات الحالية في الاعلام العربي.

كراد سوريا يطرقون أبواب واشنطن؟

أكراد سوريا يطرقون أبواب واشنطن؟

جهاد صالح

يعتبر التحالف الكردي – الأمريكي في كرد ستان العراق تحالفا ذهبيا وقويا، وقد بدا هذا التحالف الإيديولوجي يلقي بظلاله وامتداداته نحو الأكراد وقضيتهم القومية في كردستان سوريا......

الأكراد السوريون الذين انتفضوا في وجه حزب البعث الحاكم وأجهزته القمعية خلال أحداث القامشلي (12 آذار 2004 ) وقدموا قافلة من الشهداء وآلاف المعتقلين في سجون النظام السوري، بداوا يتلقون اهتماما دوليا بقضيتهم وأخذت العواصم الدولية تفتح أبوابها أمامهم، فمن المؤتمر الدولي الذي عقد في البرلمان الفرنسي بتاريخ (1\12\2005) والذي تناول القضية الكردية في سوريا إلى الكونفرانسات والمؤتمرات التي عقدت في هولندا، يأتي الاهتمام الأمريكي بعد تلك الأحداث الدامية من الاولويات لدى الأكراد وتسليط تقارير الإدارة الأمريكية الضوء على انتهاكات النظام السوري لحقوق الإنسان الكردي واضطهاده، كان أخرها تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2005.

إن من ابرز وجوه الاهتمام الأمريكي بقضية الأكراد في سوريا هو اللقاء الذي تم بين رموز وممثلين عن الأحزاب الكردية السورية مع مسؤلين كبار من وزارة الخارجية الأمريكية، حيث عقد ذلك اللقاء في مبنى وزارة الخارجية الأمريكية.... واطلعوا على أوضاع الكرد ووضع أجندة مستقبلية لأجل حل القضية الكردية في سوريا.

وتعتبر هذه الخطوة انقلابا كرديا شجاعا وجريئا على كل طقوس المعارضة السورية الديمقراطية والتي مع الأسف لا تستطيع أن تعمل إلا تحت السقف السياسي والوطني الذي حدده لها النظام السوري!

لقد جاء مؤتمر واشنطن للقضية الكردية في سوريا والذي عقد بتاريخ 12- 13 \3 \ 2006

في الذكرى الثانية لانتفاضة قامشلو التي تعتبر ربيعا كرديا متزامنا مع الربيع اللبناني في وجه آلة القمع البعثية التي لا تعترف بالوجود الكردي في الدستور السوري وتتحكم بحياة الكرد العامة والسياسية وحتى الاجتماعية، وقمع الحريات وسياسة تفقير المناطق الكردية وحرمانهم من جميع الحقوق والواجبات التي توفرها لهم شرعة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية......

لقد استطاعت الجالية الكردية في أمريكا وعبر نشاطاتها وعلاقاتها المتينة مع مراكز القرار في البيت الأبيض أن تفتح أبواب واشنطن أمام الأكراد في سوريا لعرض قضيتهم الكردية وآلامهم وملف الاضطهاد وأوجهه المطبق من قبل النظام السوري ضدهم أمام الأمريكيين... حيث عقدوا مؤتمرهم بنجاح على آمل الحصول على الدعم والمساندة والحل العادل والديمقراطي للقضية الكردية في سوريا، مع مشاركة العديد من الشخصيات السياسية والديمقراطية من أطراف الحركة الكردية السورية وقوى المعارضة السورية الديمقراطية في الداخل والخارج وحضور شخصيات أمريكية من مجلس الشيوخ، وقد أرسل عبد الحليم خدام المنشق عن النظام السوري رسالة إلى المؤتمر، عبر فيها مساندته ودعمه للتغيير الديمقراطي في سوريا بمساعدة وعون الأطياف والقوميات المتنوعة التي تتشكل منها سوريا.... وقد طالب المؤتمر أيضا بدعم الشعب اللبناني والوقوف إلى جانبه من اجل لبنان ديمقراطي عادل وموحد بعيدا عن الهيمنة السورية، وإطلاق جميع سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين وفتح تحقيق دولي من اجل كشف قتلة الشهيد الشيخ محمد معشوق الخز نوي والعمل على القيام بالتغيير الديمقراطي في سوريا.

إن الأكراد قد تجاوزوا الخطوط الحمراء كلها وبداوا الاستعانة بالمجتمع الدولي لوضع حد لمسيرة الآلام والاضطهاد المطبقة بحقهم وبداو بعملية التغيير من خلال العواصم الأوربية وواشنطن وهذا نتيجة ليأسهم من عقلية النظام السوري الذي يرفض الحوار معهم مما أدى إلى أن تصبح القضية الكردية في سوريا ورقة ضغط جديدة تلوح بها المجموعة الدولية. الأكراد لم يطالبوا بحق تقرير المصير أو الانفصال عن الوطن السوري، لأنهم يسعون في هذه المتغيرات الدولية إلى بناء وطن سوري ديمقراطي عادل كما فعل ويفعل اللبنانيون، حينما استطاعوا الحصول على الاستقلال بوجه حضاري سلمي، من خلال التظاهر والحوار البناء،إن لسان حال الأكراد في سوريا (العمل معا داخل الوطن السوري ) بمساعدة جميع القوى والفعاليات وأحزاب المعارضة عربا وكردا وآشوريين وأرمن وكلدان، من اجل سوريا واحدة، بحيث الجميع متساوون تحت سقف القانون.

فهل سينجح الأكراد السوريون كما نجح أكراد العراق في المحافظة على الوحدة السورية وإحياء سوريا ديمقراطية وعادلة..ودولة مدنية حضارية..... كل شيء يجوز في قواميس وساحات السياسة؟!!!!!!

ايلاف

الاحزاب العقائدية الى اين؟؟

الاحزاب العقائدية الى اين؟؟

بقلم كنان النجاري


خاص – صفحات سورية -

عندما نقرأ في ماركس و عفلق و البنا و سعادة نرى في مؤلفاتهم مفهوم الدولة و قيامها و مصدر سلطاتها .. و اساس وجودها .. هؤلاء الرموز و غيرهم من مؤسسي و منظري الاحزاب العقائدية كانوا امر واقع لا بد منه بعد مئات السنين من الاحتلال و التشتت لبلادنا فكان لا بد من اعادة هيكلة المجتمع ووضع الاسس السليمة لنهضته ..

لكن ما حدث هو الاقتتال على العقائد و التنازع فيما بينهم على بقعة ارض صغيرة في سبيل اثبات الحقيقة و صحة الفكرة بتعريف هوية الارض الكبيرة فكان مبدأ الالغاء بين هذه الاحزاب

فمن الانقلابات الى الاغتيالات و التصفية و الاعدام و الشتائم و التهم.. انتهاء باتخوين في حق الوطن

و على الرغم من ان معظم هذه الاحزاب قد رفعت و ما تزال تتغنى بمبدأ المجتمع الواحد و الشعب الواحد و الوحدة الوطنية و التأخي و حرية الاعتقاد ووحدة الانسانية و المصير و ما الى ذلك من شعارات ظلت شعارات و تقسم الوطن على مبدأ الطائفية و العشائرية و الاثنية في ظل وجود الاحزاب العقائدية و الابشع انه تحت حكم احزاب تدعي الايدولوجية......

_ سقطت هذه الاحزاب و ظلت هياكلها حيث ان فعل سقوطها كان بيدها ..فما ان فرغت من مفهوم الالغاء حتى توجهت حالا الى الانقسامات و الانشقاقات و تحولت هذه الانشقاقات الى احزاب عقائدية ضمن العقيدة الواحدة تعمل جاهدة الى الغاء توأمها .. نعم الاحزاب العقائدية الوحدوية الشمولية تنشق!!

فبات الشخص او الرفيق الذي يسأل عن توجهه عليه ان يحدد فمثلا :

*- انا شيوعي من الحزب الشيوعي السوري جناح خالد بكداش من جماعة قدري جميل

*- او انا سوري قومي اجتماعي جناح جورج عبد المسيح من جماعة علي حيدر

*- او انا من حزب البعث السوري جماعة صلاح شديد او من جماعة الحرس القديم

و ان بحثنا اكثر لرأينا حماعة حسن عبد العظيم و جماعة يوسف فيصل و التعاقديين ...الخ

نعم همشت الرموز و تحولت الرموز في الاحزاب العقائدية الى صليب نعلق عليه خطايانا و كل انشقاق يستشهد بالرمز ذاته و بانه هو الجهة القانونية للحزب الاصلي ففي الحزب القومي كل من انشق يعتبر انه يمثل حقيقة سعادة و في الحزب الناصري كل من انشق قرأ عبد الناصر ..

وماذا بعد ؟؟

نعم سقطت الاحزاب العقائدية قبل تأسيس الدولة الحديثة التي يصبوا الجميع اليها ..

ان كان الاستغناء عن الاحزاب العقائدية هو امر واقع حاليا فذاك يعني سقوط الوطن كما نراه نحن العقائديين و ان كان الوطن ما زال بحاجة لنهضة حقيقية تعيده الى نقطة التأسيس و العمران فأي حزب منشق هو الحقيقة و اي عقيدة سليمة الى الان ؟؟؟

الازمة ليست في الاستعمار و ليست في اميركا و لا توجد هناك مؤامرة

الازمة في ان المصالح لا تنتهي حتى لو انتهى الوطن

بيان لجنة التنسيق من أجل التغيير الديمقراطي في سورية حول جبهة الخلاص الوطني

2006-03-30


جبهة "الخلاص الوطني"

تَقاسُمٌ للمصالح السياسية

على ظهر تضحيات الشعب السوري

فيما يتابع النظام الشمولي الاستبدادي في سورية مساوماته مع السياسة العدوانية الأمريكية ، ويناهض قوى التحرر والديمقراطية ، ويستمر في انتهاك حقوق الإنسان وتجويع وإفقار الشعب السوري ، فإن تشييد هيكل سياسي متين للمعارضة الوطنية الديمقراطية لا يزال يتعثر حتى اليوم رغم التضحيات الجسام التي قدمها شعبنا على امتداد العقود الماضية.

في هذا السياق أُُُُُُُُعلِن عن تأسيس "جبهة الخلاص الوطني" في منتصف شهر آذار الحالي في بروكسيل بقيادة كل من النائب السابق لرئيس الجمهورية السيد عبد الحليم خدام ، والمراقب العام للأخوان المسلمين السيد علي صدر الدين البيانوني ، مع عدد ممن يطمحون إلى لعب أدوار سياسية . الأمر الذي يساهم في شرخ المعارضة السورية.

إن السيد عبد الحليم خدام الذي ساهم في تنفيذ سياسة القمع والنهب والإفقار التي قادها الجنرال حافظ أسد في سورية ولبنان ، والذي كان أحد كبار رؤوس الفساد ، هاهو يُنَصِّب نفسه بعد ذلك كله مرشحا لوراثة النظام القائم .

ومن جهة ثانية ، فإن الأخوان المسلمين ، إذ هم يمدُّون يدهم لمن دعم سياسة المجازر الجماعية والاغتيالات السياسية ، باحثين على هذا النحو عن دور سياسي في البلاد ، فإنهم يتغاضون عن الماضي السياسي لخدام ، بل ويعفون أنفسهم حتى عن مطالبته بتقديم اعتذار ، سواء أكان مقبولا من الشعب السوري أم مرفوضا منه. وهو الأمر الذي يشكِّل صدمة لكل الذين عوَّلوا على دور سياسي إيجابي لهم ، وكانوا يتمنون حتى وقت قريب دمجهم بكتلة المعارضة السورية .

وبالمحصلة ، فإن المراقب العام للأخوان المسلمين السيد علي صدر الدين البيانوني يضرب على هذا النحو صفحا عن توقيعه على إعلان دمشق ، ويضع في الوقت نفسه الأخوان المسلمين خارج الخيارات الديمقراطية لهذا الإعلان .

إن لجنة التنسيق من أجل التغيير الديمقراطي في سورية التي كانت أيَّدت إعلان دمشق منذ صدوره باعتباره خطوة على طريق تشييد معارضة وطنية ديمقراطية مستقلة عن جميع الأنظمة ودوائر النفوذ الغربية ، وعلى رأسها الولايات المتحدة ، تُشَدِّد على :

1- ضرورة تطوير إعلان دمشق بحيث يأخذ موقفا واضحا من العامل الخارجي ، وبوجه خاص من الولايات المتحدة ،

2- إعطاء المسألة الاجتماعية وما يعانيه الشعب السوري من فقر وبطالة وضائقة عيش أولوية في استراتيجيته ،

3- ترسيخ الوحدة الوطنية ، وإدانة الطائفية السياسية ، والتمسك بمقولة "الدين لله والوطن للجميع" ،

4- تكرِّيس هوية سورية العربية ودورها التحرري والوحدوي ، والاعتزاز بجميع مكونات الشعب السوري ،

5- الانتقال إلى حيز الممارسة بتسارع تمليه الأحداث ، وأن يأخذ موقعه كقوة أساسية في الشارع السوري .

لجنة التنسيق من أجل التغيير الديمقراطي

في سورية

باريس ، بتاريخ 29 آذار 2006

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للاتصال: د. منذر اسبر – باريس – الهاتف 0033677573564

المشهد السوري، عودة المناخات الأمنية

المشهد السوري، عودة المناخات الأمنية

أكرم البني

لا يصعب على المتابع اكتشاف الجديد في سلوك السلطات السورية تجاه الداخل، وبأن ثمة حلقات تنجز واحدة تلو الأخرى، للإجهاز على الحراك المدني والسياسي المحدود أصلاً، تبدأ بالحضور الأمني الكثيف لمنع أي نشاط أو لقاء حواري تفوح منه رائحة المعارضة، مروراً بعودة أساليب تخويف الناس عبر تكرار الاستدعاءات الأمنية وتوجيه حزمة من التحذيرات وتهديد بعض الناشطين وإحصاء تحركاتهم، وأيضاً التضييق على مراسلي الإعلام العربي والعالمي ومحاصرة دورهم في نقل الأخبار عن أحوال المعارضة والانتهاكات التي تتعرض لها، جنباً الى جنب مع الاعتقالات المتكررة التي طاولت شهر شباط المنصرم أكثر من عشرة طلاب جامعيين، بذريعة أنهم يتداولون الرأي أو يفكرون، مجرد تفكير، بتشكيل تجمع شبابي ديمقراطي

وإذ تبدو من الأشياء الخطيرة المعاملة المهينة، للنائبين رياض سيف ومأمون الحمصي، وقد تم اعتقالهما مجدداً ليومين وتهديدهما بصورة مروعة إذا استمرا في نشاطاتهما، بما في ذلك فرض مراقبة أمنية سافرة ومستمرة على بيوتهما وأماكن عملهما وزوارهما، لكن الأكثر خطورة إنزال حزبيين شبان إلى الشارع في التاسع من شهر آذار، لقمع مئات المعتصمين من كوادر وناشطي المعارضة تجمعوا أمام قصر العدل بدمشق، للتعبير عن رغبة بسيطة واحدة هي رفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية، أفضت بعد اهانات وهتافات مغرضة تقول بأنهم عملاء لأميركا، الى الضرب والإيذاء الجسدي والاعتقال حيث لا يزال اثنان منهم "شوكت غرز الدين وأيهم بدور" في السجن. وقد تكرر المشهد ذاته بعد أيام، عند تفريق اعتصام سلمي أمام رئاسة مجلس الوزراء ضم المئات من الناشطين العرب والأكراد إحياء لذكرى أحداث القامشلي المؤلمة، وانتهى أيضاً بالضرب العنيف والمبرح وباعتقال عدد من المعتصمين، كان من بينهم النائب رياض سيف الذي أطلق سراحه ليلاً محفوفاً بمزيد من التهديد والوعيد، بينما يرجح تحويل من تبقى من الموقوفين الى محكمة عسكرية!

ويستمر المسلسل باعتقال"نجاتي طيارة" الناشط في لجان إحياء المدني، خطفاً من أحد شوارع مدينة حمص، لتغدو هذه الحادثة وبرغم إطلاق سراحه بعد يومين، مؤشراً قوياً يعيد الى الذاكرة أجواء الترويع بالخطف والاعتقال التعسفي، تلاها اعتقال الكاتب والناشط "علي العبد الله" مع ابنه محمد، لينضما إلى "عمر" الابن الآخر، الذي سبق واعتقل مع مجموعة الطلاب، وجميعهم لا يزالون في السجن دون سبب معروف أو تهمة محددة

كيف يمكن تفسير ما يجري؟! وما هي أسباب التحول المتسارع للسلطات السورية من أساليب الاحتواء والاسترضاء وسياسة غض الطرف الى العقلية الأمنية القديمة وسياسة العصا الغليظة؟! هل الأمر دليل أزمة تعاني منها قوى النظام تتكشف عجزاً وتخوفاً من الاستمرار بالطرائق اللينة في مقابل ثقة مفرطة بأن العمل المجدي والمجرب هو الاستمرار في إرهاب الناس لتفريغ الاحتقانات التي تنامت مع تصاعد الحصار الخارجي؟! أم أنه مجرد أفعال اعتباطية بسبب التنازعات الأمنية واضطراب أدوار الأجهزة ومراكز القوى في التعامل مع الحراك الداخلي، أم لعله ضربات وقائية مدروسة يجد البعض في عشوائيتها، وفي اعتباطية اختيار الأهداف، فعلاً مقصوداً يحقق بأقل كلفة ممكنة أفضل أشكال زرع الخوف والرهبة وتالياً إعادة المجتمع الى ماضيه الراكد والمؤلم؟!

وفي المحصلة يتضح أن النظام يعود لمعالجة مشكلاته بالأمن، بواسطة الجهة الوحيدة التي ربما يطمئن لموالاتها، والتي استطاعت نشر أجواء الخوف وتخريب الحياة السياسية وأحياناً افتعال مشكلات كتلك التي وقعت في القامشلي ومصياف والقدموس، لحرف أنظار السوريين عن مشكلاتهم الحقيقية وتسميم علاقاتهم وشحن حياتهم بالعنف

والحقيقة ثمة ترقب وتوجس يتناميان شعبياً وسياسياً من طابع المرحلة القادمة ومن احتمال تطور هذه المضايقات والاعتقالات المحدودة صوب الأسوأ، وأن تندفع الهجمة الأمنية على الندوات والسهرات الحوارية واعتقال بعض الناشطين الى تسييد مناخات الماضي وإلى حملات قمع واسعة ضد المعارضة وأصحاب الرأي المخالف لإجهاض تطور الحراك الديمقراطي والذي حقق نقلة مهمة بإصدار "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي".

لكن يذهب البعض إلى اعتبار الدافع الأهم لعودة الخيار الأمني هو قطع الطريق أمام أي تواصل يحتمل أن ينشأ بين فعاليات المعارضة الداخلية والخارجية، خاصة بعد أن رفعت هذه الأخيرة من سقف مطالبها وخطت خطوة كبيرة لتوحيد صفوفها، ودليلهم ازدياد أعداد المدرجين في قوائم الممنوعين من السفر، وأيضاً الاستدعاءات والاعتقالات التي تمت لبعض الشخصيات التي شاركت في مؤتمرات وأنشطة حوارية مع رموز من معارضة الخارج، بدأت باعتقال جديد للمعارض الليبرالي كمال لبواني الذي أوقف في مطار دمشق قبل نحو ثلاثة شهور وأحيل الى المحكمة، تلاه منذ أسبوعين توقيف الكاتب عبد الرزاق عيد والناشط الحقوقي عمار قربي لعدة أيام بعد عودتهما من باريس ومشاركتهما في مائدة للحوار حول مستقبل التغيير في سورية. وآخرها كان يوم الأحد الماضي باعتقال سمير نشار للسبب نفسه من مدينة حلب، وهو الناشط في لجان إحياء المجتمع المدني والناطق باسم تحالف الوطنيين الأحرار

يبدو أن الوعود الإصلاحية اختفت وظهرت الحقيقة، ويبدو أن المجتمع مرشح أن يقف من جديد بين يدي نظام الاستبداد القديم ذاته، والذي بدأ يلجأ لاحتواء الداخل وزجه في معارك مفتعلة ومسطحة الى تعميم خطوط حمر تقسم البلد من جديد إلى مع وضد، الى موالين وعملاء معادين، الأمر الذي يؤكد الرأي القائل بأن النظام وأصحاب المفاسد والامتيازات عاجزون عن تقبل الآخر واحترام التنوع والتعددية وأنهم لن يترددوا في استخدام كل الوسائل المتاحة للاستحواذ بالسلطة وتشديد السيطرة، الأمر الذي يكشف زيف الوعود والادعاءات عن الإصلاح والانفتاح ويؤكد فرضية تنتشر رويدا رويدا، بأن سلطة على صورة السلطة السورية، عجنها تاريخ من القوة والإكراه، عاجزة عن إصلاح نفسها وإصلاح المجتمع

وبالفعل ثمة ازدياد لافت في أعداد الذين نفضوا أياديهم من السلطة وفقدوا الثقة بدورها ووعودها الإصلاحية، وهم يجدون، بعد مراوحة في المكان دامت سنين وسنين وبعد العودة الراهنة و"المظفرة" للمناخات الأمنية والقمعية، أننا نقف أمام سلطة ممانعة، تخشى التغيير والإصلاح وأي انفتاح على الداخل، تحسباً من تحسين فرص المجتمع في الحضور والمشاركة، وخوفاًً من فضح زيف ادعاءاتها وكشف حقيقة المصالح الخاصة والامتيازات الفئوية التي تقف وراء شعاراتها عن الوطن والقومية!

ما يحصل اليوم في سورية هو خيار سياسي بامتياز وليس له من حيث الجوهر سوى تفسير واحد هو أن السلطة لم يعد أمامها من طريق لتأكيد سلطانها سوى إعادة زرع الخوف والرعب التقليدي في المجتمع، حتى لو كان الثمن مزيداً من التوغل في المجهول والضياع، وليست الحجج الواهية أو الذرائع والاتهامات بالعمالة والخيانة التي تشيعها لتبرير الاعتقال والمضايقات إلا محاولة يائسة وفاشلة لاستعادة هيبتها وترميم ما أصابها من صدوع وشروخ!

كاتب سوري

جريدة الغد