اعتقال أكراد في سوريا ووفاة سجين بسبب الإهمال

2005-08-16
اعتقال أكراد في سوريا ووفاة سجين بسبب الإهمال

قال المتحدث باسم المنظمة العربية لحقوق الإنسان إن 30 كرديا اعتقلوا بعد أحداث شغب اندلعت في مدينة عين العرب شمالي البلاد، بسبب منع السلطات تنظيم احتفال كردي.
وقال عمار القربي إن المعتقلين ينتمون لحزب العمال الكردستاني وكانوا يحتفلون بالذكرى الـ25 لتأسيسه، مشيرا إلى أن التظاهرة التي جرت الاثنين حدث فيها تراشق بالحجارة مما أسفر عن تدمير بعض السيارات والممتلكات مما اضطر الشرطة لاستخدام القنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين.
وناشد القربي الجميع بضبط النفس واحترام حقوق الإنسان والالتزام بأحكام القانون خلال فترة التحقيق مع الموقوفين، وندد باللجوء إلى أسلوب العنف أيا كانت الجهة التي صدر منها. داعيا لتغليب الحلول التي تقتضيها المصلحة الوطنية العليا وفقا لمبادئ الدستور.
ويعمل حزب العمال الكردستاني الذي ينشط في صفوف الأكراد في تركيا تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا إلا أنه محظور. وأسفرت مواجهات عنيفة في مارس/ آذار 2004 بين الأكراد وقوات الأمن وأفراد ينتمون إلى عشائر عربية عن مقتل 40 شخصا وفق مصادر كردية فيما تحدثت مصادر السلطة عن 25 قتيلا.
وفاة سجين من ناحية أخرى نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن جمعية حقوق الإنسان السورية أن سجينا سوريا توفي الأحد بنوبة قلبية في سجن حماه المركزي بسبب الإهمال بعد أن ترك بضع ساعات بدون إسعاف وهو يعاني من مشاكل في القلب.
وقالت الجمعية إن عدنان أحمد الصلال (50 عاما) المريض بالقلب توفي الأحد إثر نوبة قلبية بعد أن ترك ساعات من دون إسعاف.
وطالبت الجمعية في بيانها وزارة الداخلية السورية التحقيق في الحادث وتحديد المسؤولين عنه، "لأن الصلال مواطن وكونه يقضي عقوبة في السجن لا يلغي حقوقه الأساسية التي كفلها الدستور والميثاق العالمي لحقوق الإنسان الموقع من قبل السلطات السورية".
ولم توضح الجمعية متى اعتقل الصلال، وسبب توقيفه، وماهية الحكم الصادر بحقه.

المصدر: الفرنسية

تقاعد عن الكتابة ليحترف الثرثرة

2005-08-15
"تقاعد عن الكتابة ليحترف الثرثرة"

محمد عبد المطلب الهوني

شفــــاف الشــــرق الأوســــط



محمد حسنين هيكل، ذلك الصحفي المثير للجدل والذي استغل علاقته بعبد الناصر ليحتكر معلومات السراي، ويلونها بعقيدة السيد ويجرعها للشعب المصري والعربي إبان فترة الهذيان والتخريف، بواقع كل يوم جمعة جرعة، واضعاً عليها علامة تجارية ثورية "بصراحة".
استمر بعد عبد الناصر ولفترة طويلة يكرر معلوماته تارة، وتارة يدعي التحليل السياسي الموضوعي مستخدماً علاقاته الدولية الواضحة والمواربة في تجميع كل المعلومات التي من شأنها أن تخدم نرجسيته المتعاظمة.
وقد ساهم صحفياً وفكرياً في الحالة الهذيانية التي منينا بها، والتي كانت هزيمة 5 حزيران 1967 تتويجاً لها. وحتى بعد أن وضعت الحرب أوزارها وفتحنا العيون على هول الفاجعة، لم يعتذر هيكل عما اقترفه في حق أمته بتضليلها، بل استمر فيما استمرأه واعتاد عليه، ويكفي دليلاً على ذلك أنه مبتدع مصطلح "النكسة" ليعتم على وجه الهزيمة المروعة. وهو الذي كتب خطاب عبد الناصر يوم 9 حزيران 1967 والذي ورد فيه "كنا ننتظر العدو من الشرق فأتى من الغرب"، كما ورد فيه "أنه لا يغني حذر من قدر" وهذا توظيف لعقلية الجبرية وأن الله قد أراد ذلك رغم كل الحذر الذي بذل من قبل القيادات السياسية والعسكرية. أي ممارسة فن الإعلام الإستعلائي الذي يرى في الشعب دهماء ورعاع، لا يجب أن تقال لهم الحقائق، وأنهم قصّر لا يدركون مصالحهم حتى في اللحظات التاريخية الأكثر مأساوية في حياتهم.
بعد ذلك اكتشف هيكل أنه لم يعد الوحيد المستأثر بحمل راية التضليل وتخدير الأمة، فإن رايات الإسلامويين أصبحت أكثر علواً على جبال الأوهام العربية، وصراخهم غدا يصم آذان من بقي حريصاً على سماع صوته. فقرر منذ فترة اعتزال الكتابة بحجة بلوغه سن الثمانين، وفرحنا كثيراً لذلك، ورشحناه لدخول موسوعة جينيس للأرقام القياسية، كأطول عمر من أي بوق في تاريخ العرب.

غير أنه غيّر رأيه وقرر أن يواصل مسيرته التي شب وشاب عليها، وهذه المرة ليس بالكتابة ولكن بالثرثرة على شاشة فضائية الجزيرة وهي قناة التضليل الإعلامي بامتياز.
وفي أول حلقة ظهر علينا هيكل ليس كمن يريد أن يقدم شهادة على العصر، أو يريد أن يناقش مشكلاً، أو يعطي رأياً في أمر مما يستوجب ديالوجاً فيه رأي ورأي آخر، أو كخبير في علم يستدعي وجود صحفي يذكي حواره بالأسئلة. ولكن جاءنا كأستاذ للأساتذة لا يشاركه على الشاشة أي وجه آخر، إنه برز علينا وكأنه ضابط قام بانقلاب ناجح لتوه وجاء ليلقي البيان الأول على الأمة.
وبدأ هيكل يتكلم ويلقي دروسه في السياسة والأخلاق والتاريخ والفن العسكري والاقتصادي، يفسر الأحداث ويؤول الوقائع، وكأنه مالك للحقيقة المطلقة: فعندما يتكلم هيكل ليس على الأمة إلا أن تجلس على مقاعد الإصغاء.
وباعتباري واحداً من أفراد هذه الأمة المشاغبين، أريد فقط أن أشير إلى نقطتين مما تفضل به علينا هيكل من خلال هذه الإطلالة التلفزيونية.
أولاً : في الحلقة الأولى والتي استمرت زهاء الساعة، فإن موضوع حديثه ينصب على شيء واحد وهو كيف تكرّم على قناة الجزيرة وشرّفها بقول ما يريد قوله من خلالها، فقد كان حسب قوله يتخير بين القنوات التلفزيونية عن قناة لا تلحق الدنس السياسي بطهارة أفكاره. وقد بقي في حيرة من أمره، حتى أنقذه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج بوش عندما رفض أن تكون قناة الجزيرة ممثلة في مجموعة وسائل الإعلام التي اختارها لمؤتمر صحفي، فعند ذلك فقط حزم هيكل أمره، وقرر أن يصطفي قناة الجزيرة لحديثه نكاية بجورج بوش، وكأن القناة التلفزيونية أصغر من أن تتسع لزعيمين بحجم جورج بوش ومحمد حسنين هيكل.
وفي هذه المرة اقترب هيكل القومي الناصري من غلاة الإسلامويين باعتماده رأي ابن تيمية: "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم"، وهو الكتاب الذي أوجب فيه على المسلمين أن يخالفوا "أهل الجحيم" –ويقصد اليهود والنصارى- مخالفة ضدية في جميع أقوالهم وأفعالهم. وهنا تبرز اللاعقلانية في فكر هيكل الذي يرى أن ما يفعله عدوه يجب أن يعزف عنه، وأن ما ينكره عدوه يجب أن يحتضنه، حتى وإن كان ذلك لا يخدم مصالحه ومضاداً لقضاياه، ويبقى هيكل حبيس رد الفعل العكس اللاواقعي، مدللا على بؤس الثقافة العربية، وتردي نخبها اللاواعية.
الشيء الذي فات هيكل هو أن قناة الجزيرة مملوكة لدولة قطر، هذه الدولة الصغيرة التي تحاول بشتى السبل لعب دور أكبر من حجمها وتوظف أعراف القبيلة في السياسة، مستعملة دهاء شيخ القبيلة ليس في حنكته السياسية وإنما في سياسة الضحك على الذقون.
فهذه الدولة أقامت توازناتها في المنطقة على ثلاثة محاور :
1. الشيخ القرضاوي في مواجهة بعض التيارات الأصولية السلفية، وذلك كمن يستجير من الرمضاء بالنار، هذا الشيخ الذي قال في مؤتمر من مؤتمراته الأخيرة إن سبب الفوضى والتخبط في العالم الإسلامي ناتج عن عدم تطبيق حد الردة على العلمانيين، أي أن هذا الشيخ يوصي بقتل نصف المسلمين حتى ينصر الله نصفهم الآخر.
2. أعطت قطر أكبر قاعدة للأمريكيين في المنطقة على أرضها، حتى تشعر بالاطمئنان تحت مظلتها، وتثبث للسادة أن بمقدورها إعطاءهم ما لا يستطيع أحد أن يجازف بمنحهم إياه من جيرانها.
3. إطلاق قناة الجزيرة للتهييج حتى تمتص نقمة الغاضبين من أبناء العرب، لمعرفتها أن العرب يهتمون بالأقوال لا بالأفعال.
وقع هيكل في نفس الفخ الذي وقع فيه أكثر العرب، فبدلاً من أن يكفر عن سلوكه القديم، ويتحدث إلى العرب بشكل عقلاني، ما كان منه إلا أن تماهى مع هذه الفضائية التي أثارت فيه شهية الحنين للماضي، لأن الجزيرة ما هي إلا امتداد لصوت العرب أيام أحمد سعيد ومحمد عروق زملاء هيكل القدامى. وبدلاً من أن يكشف زيف الأوهام للناس دخل في جوقة قناة الجزيرة يرتل تهاويم لا تزيد العرب إلا بؤساً على بؤسهم.
ثانياً : في حلقة يوم 19 أغسطس قال هيكل ما معناه أن ضرب مقر هيئة الأمم المتحدة والصليب الأحمر في بغداد لم بفهم أول الأمر، ولكنه بعد النظر بتروّ في هذه الأحداث أدرك أنه عمل استراتيجي ذكي، القصد منه تجريد الولايات المتحدة الأمريكية في العراق من أي رداء دولي قد يشكل شرعية ما لاحتلالها. إن عقل هيكل الإستراتيجي الجبار الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قد فسر لنا أخيراً ما وقفنا مذهولين إزاءه، ونحن نعترف أننا لم نتمكن من فك رموز هذه المذابح لولا شروح الراسخين في العلم من أمثال هيكل. فطوبى لهؤلاء القتلة الذين جردوا الولايات المتحدة من غطائها الدولي فتبدت للعالم بأسره قوة احتلال واضحة فاضحة.
ما عاد خلافنا مع هيكل خلافاً سياسياً إيديولوجياً، بل أصبح اختلافاً أخلاقياً محضاً. فإن من يدعي أن قتل موظفي الأمم المتحدة وهيئة الصليب الأحمر عمل استراتيجي يخدم أهداف فئة مقاتلة أياً كان اعتقادها أو قضيتها أو دوافعها، فإنما يبرر بشكل جلي الإرهاب ويدعو إليه، مستخفاً بالحياة البشرية وبكل المواثيق والأعراف الدولية، أي بكلمة بسيطة إن هيكل اليوم يريد أن يختم حياته كفاعل معنوي للإرهاب بعد أن بدأها كفاعل مادي للتضليل الإعلامي.

سجال حول ما يهمنا جميعاً

سجال حول ما يهمنا جميعاً


تمهيدات: نهلة الشهال


تحتاج مسائل اساسية مطروحة على واقعنا نقاشاً يقرر لنفسه الحرية كنقطة ابتداء، ومعناها انعدام المحرّمات، ويقرنها بخاصيتين لا تنفصلان، أولاهما القلق وثانيتهما المسؤولية. ولعلهما، بخلاف الحرية، تحتاجان الى توضيح حتى لا تبدوان استدراكات على مبدأ الحرية فيفسد السجال من قبل ان يبدأ.

أقصد بالقلق عدة امور مجتمعة معاً يأتي على رأسها الجانب المتعلق بالمنطلق الذي يستند إليه المناقشون، او ما يوصف عادة بالانتماء، وهي مفردة باتت كريهة من فرط ما استخدمت للتعبير عن انتسابات، ايديولوجية وعضوية، مستنفرة الى حد العُصاب. إلا انه لا غنى عن تعيين الانتماء، فلا احد ينطلق من موقع مجرد، متخلص من الارتباطات والتصورات والآمال والأحلام والأهداف، التي تجعل كل واحد منا «هو». هذا في المبدأ. إلا ان مسألة الانتماء بهذا المعنى «الجذري» مضاعفة الأهمية اليوم في واقعنا العربي بسبب ظاهرة مخصوصة شديدة الحضور، تتمثل بانفكاك النخب عن مجتمعاتها، تماماً كما السلطات منفكة عن مجتمعاتها. اما السلطات، فقد اتاحت لها الريوع المختلفة فرصة الاستقلال عن المجتمع مختزلة العلاقة معه الى صعيد التحكم. وأول الريوع بالطبع الثروات الطبيعية، ورأس المال المالي الذي راكمته تلك الثروات وبات في أهميتها إن لم يتفوق عليها. وثانيها، حيث لا توجد ثروات طبيعية، توسل السلطة وسيلة للثروة ايضاً، كما في حالة امتلاك الثروات تلك، وهو ما ابتدأ بواسطة الفكر الثوري أي التأميمات وإنشاء القطاعات العامة وتحكم الدولة بالاقتصاد، وانتهى بتنظيم السلطة للفساد عبر النهب المباشر احياناً، أي الخوة ومشابهاتها، وعبر التسهيلات الخاصة والحصرية والمكرمات، او بواسطتها معاً. وقد تضافرت بيروقراطية مشوهة وقمع تنكيلي في اتاحة انشاء ذلك وممارسته للممسكين بالسلطات. ثم اتاحت الثروة المنتجة بهذه الطريقة الفرصة امام تجديد قوة النخب السلطوية التي تنظم مسار توزيع الثروة على المجتمع (او فئاتها)، كما اتاحت تجديد تماسك عصبيات تلك النخب، وإمكانات استبدال اجزاء منها بأخرى عند الحاجة.
اما النخب المدنية فتعرف انفكاكاً متعدد الأوجه. فجمعيات المجتمع المدني، او ما يعرف بالهيئات غير الحكومية المنتشرة انتشار الفطر في غابة رطبة، تستقطب نسبة عالية جداً من الكوادر المتعلمة والراغبة في العمل في الحقل العام. وقد قيل الكثير عن آليات تحديد اولويات وخيارات تلك الهيئات المرتبطة اما بشبكة عالمية لجمعيات تشبهها او بمصادر تمويل تصبح هي محرك قدرتها على الفعل. وهذه وتلك ليست عيوباً بذاتها، وإن كانت تستدعي النقاش بسبب افتقاد بُنانا الاجتماعية والدولتية لأصول المساءلة والمحاسبة، فيتضاعف خطر الفساد بما هو تحويل عمل الهيئة الى ممارسة شبه شكلية غايتها ليس الفعل في الميدان المختار بل تجديد مصادر ودورة التمويل وأيضاً الإطلال على الحيز العام عبر شكل جديد من الوجاهة.
إلا ان المشكلة الأهم لهذه الأطر تتعلق بطبيعة علاقتها بالواقع. فتفكيك النظرة والفعل وتجزئتهما «التخصصية» قد لا يكونان كارثيين حين يكون الواقع مبنياً، أي منظماً متراتباً يمتلك آلياته المتنوعة، وليس متخلعاً كحالتنا. وكذلك حين لا يقدّم هذا الميدان نفسه كبديل للسياسة والانتماء السياسي، داعياً للابتعاد عنهما بوصفهما تهويمات ايديولوجية ومرتكزات لصراعات عقيمة، فيما هو، العمل المدني، خيار حضاري وديموقراطي.
ثم ان هناك انفكاكاً اكثر فجاجة يتمثل بالنخب «البديلة» او المرشحة للسلطة، التي باتت «تربى» كما دجاج المزارع، داخل حاضنات، فتفقس على شاشات التلفزة المعولمة، وتفرض بواسطة الحروب والاحتلالات، او تمنح امكانات كبيرة الى حد انها تتمكن من الفعل في مجتمعاتها الأصلية حيث يعاد زرعها من غير عناء، سيما وان الفقر المدقع للغالبية الساحقة من الناس يتحالف مع انعدام وجود محاسبة ولو ابتدائية على طريقة «من اين لك هذا؟»، ليقيما بيئة مستقبلة بل متطلبة للمزيد. امثلة لبنان والعراق مزعجة في وضوحها واتباعها هذا الخط البياني من دون تزويق. وفي الحالتين، تطابقت هذه العملية مع حاجات موضوعية تولدت كنتيجة لسياقات تاريخية وظرفية محددة. إلا انهما ليسا استثناءات. ويمكن لمن يشاء مراجعة «ابحاث» مراكز التفكير الأميركي للاطلاع على نصائحها للإدارة في واشنطن او لمخططات هذه الأخيرة بخصوص سورية ومصر وسواهما.
اما المثال الأفدح فهو الخاص بالنخب الثقافية والفكرية التي اصاب اجزاء كبيرة منها مرض خاص، تمتزج فيه خفة لا تطاق، تجعل من اليسير على قلم واحدنا ان يختزل خصائص وتواريخ شعوب ومجتمعات بكاملها بجملة واحدة غير مدققة، بينما يعاني آخرون من «قصر نفس» يجعلهم لا يذهبون في ما يتناولون ابعد من التأكيدات ذاتها المتكررة. وعلى هذا وذاك، ينعدم النقاش بين «المثقفين» وكأنه عيب او قلة أدب ولياقة، وكأنه مصدر خصام، فلا يتوقف واحد عند ما قاله او كتبه الآخر، ولا يحاجّه، ولا يفكك ما تقدم به، ولا يختلف معه تحديداً، بل يكتفي بردود ضمنية وبنوع من الاستغابة تجري في جلسات المقاهي او الجلسات الخاصة، وهذه لا تقدم ولا تؤخر.
يؤدي ذلك الى تترّس كل صاحب رأي خلف رأيه، محاطاً «بقبيلته» المؤيدة لرأيه والمادحة له. لم يحدث في السنوات الماضية، وبقدر اطلاعي، أي سجال محدد يستعيد مرتكزات الرأي الآخر، وقد يستفيد من بعضها، بل قد تعجبه فتقنعه، او يطور بواسطة الجدال عناصر رأيه المخالف ويتقدم في بلورة عناصر دحض ما لا يوافق عليه، الى آخر هذه العملية التفاعلية بطريقة منهجية والتي تشكل لب تكوين أي فكرة. وهنا بالذات يندمج القلق بالمسؤولية المشار إليهما في مطلع مقالي هذا كتتمتين للحرية. فالنقص ها هنا مؤشر الى عدم اكتراث بالنتيجة، وهو نوع من انواع الانفكاك عن المجتمع لأنه موقف لم يعد يرى دوراً فعلياً للمثقف في الدفاع عن وجهة، عن رأي، وجعله ذا أثر.
هنا بالذات، وليس في مضمون الرأي بذاته، اياً يكن، تكمن «خيانة» المثقفين: كلمة اخرى ممجوجة من فرط ما اسيئ استخدامها.
... بعد كل تلك التمهيدات التي، إن لم يُتفق عليها، فعلى الأقل تشكل بالنسبة لي اعلان نيّات، يصح البدء بالنقاش حول المسائل نفسها: كنتُ قد تهيأت للكتابة مدفوعة الى نقاش مقالتي الصديقين عباس بيضون «فيديرالية مكروهة» المنشور في جريدة «السفير» اللبنانية يوم الثالث من آب (اغسطس) الجاري، وصالح بشير «في ما خص هجاء الفيديرالية السائد» المنشور في جريدة «الحياة» في ملحق «تيارات» الماضي. سأترك النقاش لمرة مقبلة لأني استنفدت المساحة المتاحة لي، إلا اني سأتوقف امام ما دفعني الى ايراد صفة صداقتي بهما (وهي حقيقية)، وهي حاجة تشي بخوفي من الخصام وبرغبتي في التحوط ضده. ها انا أقر وأعترف بجبني الخاص!

"الحياة"

حزب الأخوان المسلمين السوري ما له وما عليه


حزب الأخوان المسلمين السوري ما له وما عليه

يعسوب الشامي*


الجزء الأول: نشاة أصولية وتاريخ مبرقع وحاضر متأرجح ومستقبل مجهول


نشأة جماعة الأخوان المسلمين السورية
تتبع الحركات الإسلامية في عمومها من حيث المرجعية لهيئة مركزية واحدة ممثلة بخشص المرشد العام، وبذلك تنتفي صفة الوطنية، وتخدم مشروع الدولة الإسلامية الكبرى ولا تختلف عن شيوعي الأمس ومرجعيتهم الموسقوفية الأممية البروليتارية.
في ظل الاستعمار الفرنسي لسوريا تمفصلت التيارات الوطنية السورية وبعد أخذ ورد ولغط حصل وفاق بين كافة مكونات المجتمع السوري المؤلف من قرابة عشرين تكوين ديني ومذهبي متباين، حضر ليشارك الوليمة المطبوخة شيخ معمم شاب من مصر حاملا معه الدعوة الإخوانية التي تلقاها خلال دراسته في الأزهر علي يدي مرجعها الأول حسن البنا .

مصطفى حسني السباعي (15 ـ 1964):
وظلت الصلة قائمة بين السباعي والبنّا بعد عودته إلى سوريا، ونشط بين المحافظين واستطاع جمعهم تحت لوائه وكانت البذرة التي انتشت (جماعة الإخوان المسلمين) لعموم القطر (ولاية سوريا)، وقد شارك في اجتماع التدشين من مصر سعيد رمضان عام 1942، ثم بعد ثلاث سنوات من المماحكات أي في عام 1945 نصب مصطفى السباعي ليكون أول مراقب عام للإخوان المسلمين في سوريا. وفي عام 1949 انتخب السباعي نائبا عن دمشق في البرلمان، وتسلم كلية الشريعة بدمشق. في عام 1952 حاولت الجماعة فرض سياسة مرجعيتها المركزية على أرض سورية فقامت حكومة أديب الشيشكلي بحل الجماعة وابعاد السباعي إلى لبنان. وترأس الجماعات الأخوانية في البلدان العربية على إثر صدامات المرجعية الأخوانية مع قادة ثورة تموز واعتقال الهضيبي. أصيب مصطفى السباعي في آخر عمره بالفالج وعاش مشلولا ثمان سنوات حتى توفي في تشرين الأول 1964.
ويروي من عرف وزامل مصطفى حسني السباعي أنه كان يبدو هادئا سوى أنه حين يشارك في الحوار خصاميا هائجا يمارس الصراخ كحجة ودليل، وتمثل خطاباته خلال حقبة الأربعينات حجر الأساس للفكر الإخواني التكفيري حيال المسيحيين وكل الأقليات المذهبية والدينية، وكعادة الإخوان والسلفيين كان المرحوم يرفض الحوار بغير ما يؤمن به، وينصرف صامتا غاضبا كاظما. وجدير بالذكر أن الحضور الأخواني التكفيري المفاجيء آنذاك على الساحة السورية لم يكن ذو ثقل فعلي شانه شان الشيوعي الذي فاقه في العديد من جوانبه خصوصا تماشيه مع متطلبات المرحلة واستيعابه لحيثيات الواقع الراهن آنئذ، وكانت المفاهيم السائدة خصوصا في الوسط الثقافي والطلابي متسامية عن الطائفية والمذهبية. إلا أن دور الإخوان انحصر بمناطحة التيار القومي المتصاعد آنذاك. ومرد ذلك في الصراع بين غايات المرجعيتين الوحدوية، وتحصر بنفسها هذا الهم وتوسع دائرته فدائرة دعاة الوحدة الإسلامية تجد في دعاة الوحدة العربية منافسين جديين على المصداقية، وذلك رغم غياب بوادر حقيقية ومقدمات موضوعية لتفعيل الفكرتين وبرهنت التطورات اللاحقة على فشلهم على طول الطريق.
لقد سجلت الجماعة حينذاك أولى الحماقات السياسية بمناطحة الجميع من قوميات وأديان ومذاهب. وبرز ذلك جليا في معارضتهم للوحدة التي شلت مرجعيتهم واصطدموا بالناصرية. وكانت فترة (61 ـ 1963) حربا شعواء حيث كرسوا جبهتهم وحصروها لمقارعة الشارع الناصري المتزايد آنذاك وضد العسكر الانقلابيين خشية ألا يوفقوا بإعادة الوحدة مع مصر مما قد يضع مشروع دولة الخلافة الإسلامية على الرف، وبغية معاكسة وإفشال مثل هذا المخطط وجدوا بغيتهم في أقل الفئات الممثلة برلمانيا وعيا وتنويرا فتحالفوا مع الرموز العشائرية والقبلية والمحافظين والقوى الدينية التقليدية والملاكين حيث تبنوا برامجهم المتمثلة بقضايا آنية بنت الساعة وشكليات سياسية فرسخوا المفهوم القبلي والطائفي من جهة وحاربوا بصلف كل مظهر يعتبر جديد كالإصلاح الزراعي أو تقليم أظافر الأغوات وكبار الملاكين ووشجعوا على القنانة السياسية والاجتماعية. وفي هذه المرحلة بالذات ودّع الأخوانيون العمل السلمي وتوجهوا للبنادق والتدريب على السلاح مما خلق دولة داخل الدولة بغض النظر عن الشكل السابق أو اللاحق للسلطة. وهذا من جانبه شكل ردة فعل لدى التيار القومي المتنامي آنذاك الذي يعتبر نفسه وصيا على العرب، كل العرب، ونشب الصراع تارة معلن وتارة خلف الكواليس مع دعاة حملة راية الإسلام وفرض شكله السني وما سواه مخطيء. الأمر الذي جعل أتباع الطوائف غير السنية الانضمام إلى المسيحيين والبحث دون برمجة مسبقة عن خيمة تناسبهم بين الخيام المنصوبة فكانت خيمة القوميين واليساريين. وبهذا استطاع الأخوانيون تجييش المجتمع دافعين فئاته للإحتراس بمتاريس ضمن الموجود. وهكذا انتفت الممارسة الديمقراطية التي لم تكتمل ولادتها أصلا بعد الجلاء الفرنسي، ويعود الفضل ببروز البعث لاحقا في عباءته التالية لتراكمات الفعل المثبط للمرجعية الأخوانية التي بررت بمقدمات تنظيرية لولادة هذه المرحلة من خلال إبراز مخالبها بوجه الآخر مما عمل على ترسيخ تصنيف (إما مع أو ضد) ولا مكان لدى الطرفين المتصارعين لخيار ثالث. وهو ما نجده ظاهرا حتى اليوم في الخطاب البعثي السلطوي والأخواني على حد سواء. ولا يرون غيرهم على الساحة.



التكفير كمبرر لتغييب الآخر

شكلت هذه المرحلة مقدمة موضوعية لتشجيع ودعم الفكرة الطائفية حيث تخصصت المرجعية الأخوانية بالاستحواذ على حق السنة – كل السنة - دون غيرهم بمقاليد المناصب الحساسة في الدولة وحاربت الدستور العلماني على علاته ونواقصه بشراسة ونحتت الجماعة الفتاوي لزندقة النظام والتي تمثلت في مرحلة تكفيرية (70 ـ 1976) وبلغت ذروتها بمحاربة تنصيب رئيس غير سني. وهذه كانت أنصع تجليات الفرز الجمعي والكتلي الذي ساهم فيه الأخوانيون من حيث يدرون أو لا يدرون، فتجمهر الناس بين موال للتكفير وخائف من التكفير ويندرج تحت الفرقة الثانية كل ما هو علماني التوجه من القوميين واليساريين وأتباع الأقليات القومية والدينية. وحتى الأكراد الذين هم سنة أوجسوا خيفة من المشروع التكفيري ولم يروا مستقبلا لهم فيه ولم ينخرطوا آنذاك فيه وبقوا مخلصين لمرجعيتهم القومية المتمثلة في العراق وبعضها في إيران وانحسبوا كما أراد الأخوانيون لهم على الماركسية – اللينينية بما فيهم أئمة المساجد ورجال الدين.
إبان التمهيد التكفيري وهدر دم واستحلال محرمات المختلف لم يعد صعبا، بل ومتوقعا الانتقال للمرحلة الاستئصالية التصفوية لللخصوم. أي أن الأمر محسوم من حيث التبرير النظري وفقا لقاعدة "قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة"، وهنا تجدر الإشارة إلى أن النظام استغل خوف الشارع العريض من الردح الأخواني على قعقعة سيوف التكفير فتنادى سرا وعلنا وجذب مجيشا كل خائف من الفئات العلمانية وأتباع الطوائف والقوميات وهذا ما يفسر التقارب النسبي للشيوعيين والقوميين المتخاصمين مع البعث أصلا ووقوفهم بصف واحد واستطاع البعثيون أن يقنعوا الجميع تأجيل الخصومات وتأجيل إحلال الديمقراطية حتى الانتهاء من مرحلة ترسيخ مقدماتها النظرية وتجذيرها شعبيا، وطبعا استمروا بالترسيخ لصالحهم ولم يهتموا بوعودهم للحلفاء وربحوا العلمانيين لجانبهم مرحليا حتى استحوذوا على الوطن والمواطن بينما الإصرار الأخواني على المضاددة لم يتغير ولم تقرأ الجماعة الحيثيات ولم تفكر بتكذيب الدعوى البعثية التي بدأت تأخذ شكلا عنصريا ومن ثم شوفينيا في مراحل متقدمة يتحمل وزر زرعها وترسيخها وقوننتها هذا العنت والصلف الأخواني الأصولي. فمارس النظام بحرية الإقصاء وكنس الجيش وكافة المراكز الحساسة ونظفه من غير الموالين وسط موافقة رافضة وتململ خجول متردد من قبل الحلفاء اليساريين والأقليات القومية. وهنا وجدت الطائفية أمثل تجلياتها في مشروع البعث الشمولي الذي تحول تدريجيا إلى حكم الفرد والحاشية من المقربين والمخلصين له من طائفته وتبلور بشكله الحالي.

الاستئصالية الأخوانية:

في مطلع الثمانينات كانت البيادق قد اصطفت في مربعات محددة تمثلت بالقناعة الأخوانية بحمل السلاح وممارسة الإغتيالات في الوقت الذي كان النظام قد جيّر كل القوى المستهدفة من المشروع الأخواني لجانبه مهولا للخطر على أنه مصيري "نكون أو لا نكون" وأجّل معهم الخلافات وتصالح وقتيا وطبخ وصفة الرد العسكري بموافقة محلية عريضة مدعومة بمباركة سوفياتية واصطف الفريقان بانتظار صفارة بدء اللعبة الدامية. وكانت معركة حماة 1982م. ولم يكن صعبا على السلطة التي تملك كل وسائل القوة الرد بأقسى الصور تمثل بتدمير شبه كلي لمدينة حماة وتشريد سكانها وما رافقه من حملات قمع وترويع لكل من يتوسم فيه خصم حالي أو مستقبلي من كافة المحافظات السورية. وهكذا حدث عزوف شعبي عن الأخوان ممزوجا بالخوف ومتأثرا في الدعاية الرسمية والوعيد لمن ينغمس بمشروعهم. وهذا ساهم بإبعاد الشارع السوري عن الدين لئلا يوصم بالقرب من المرجعية الأخوانية أو التعاطي معه لما يحمل من مغية وتنكيل سلطوي. ورغم ذلك لم يسمح النظام لبروز من سانده وبرر لمشروعه تالقمعي للأخوان ولم ترتق طموحات اليساريين والقوميين سوى لعتبة ما يسمى بالجبهة الوطنية التقدمية وهي مؤسسة شكلية تدور في فلك البعث وظلت حلما يراود الأكراد الذين تم اسبعادهم وعدم إشراكهم بشيء ينم أو قد يفسر على أنه اعتراف بشكل من أشكال وجودهم. ومع هذا لم يخل الخطاب الأخواني من استهداف للأكراد وهم من أهل السنة والجماعة، فتضمن تبريرا لقتل "العلويين والأكراد" على حد سواء وفا لكتابات وخطابات الثمانينات.
وهنا لابد من تسجيل مفارقة أخوانية وكردية، حيث أوقف الشيخ مصطفى البرزاني عملياته العسكرية ضد الجيش العراقي وأعلن هدنة من طرف واحد أثناء حرب تشرين بين العرب وإسرائيل ليتيح الفرصة لتجليات وطنية ويسجل مصداقية لم يحسبها له ولم ينصفه لا القومي العربي ولا الإسلامي آنذاك لأعتباره مارقا، وهو بنفس الوقت محط لوم ونقد بعض المحللين الكرد باعتباره لم يغتنم فرصة مؤاتية فوتها على شعبه. بينما اختار الأخوان المسلمون السوريون ظرفا اعتبروه مناسبا ومماثلا في حيثياته العامة تمثل بالغزو الإسرائيلي للبنان. بل وأشد ضراوة حيث المعارك دائرة مع القوات اللبنانية. ولا يصعب على متتبع أن المرجعية الأخوانية على عكس الكردية، لم ترفض الدبابة الأمريكية أو الإسرائيلية لتشكل عونا أو سندا ولن يتورع الأخوان باستغلال الفرصة وليس ضروريا أن يسموها قوى محررة حتى تصير كذلك، فخسرت المعركة والشارع بآن واحد.

بداية نهاية المشروع الأخواني السوري
لقد حسم النظام المعركة ببطش كبير شمل المعني والبريء مقابل عنف أخواني غير متكافيء من حيث العدة والعدد فلم يصل للقادة العسكريين ورموز السلطة الحاكمة واقتصر على ترويع الشارع ولم يستثن البسطاء ممن ليسوا في موقع القرار السلطوي القمعي. لابد من الاعتراف بفداحة خطأ حسابات الأخوان، ليس لأنها غير دقيقة عسكريا ودخلوا معركة غير متكافئة فحسب، بل ولتعويلهم على خطاب لفظي والإرتهان بمسلمات تنظيرية وعدم تبني مصالح القطاعات الشعبية التي تعارض العسف البعثي واقتصر على التبرير واجتراح الفتاوي بالقياس والإجماع وما أشبه. ودخلوا معركة وجدوا أنفسهم فيها وحيدين. بلا شك جرّت حسابات الأخوان الخاطئة الويلات على آلاف الأسر، إذ كان هدفهم أن توريط فرد واحد على الأقل من كل أسرة وهذا كاف لأن تتحول الأسرة بأكملها لصفهم لأن النظام يعاقب حتى الجد السابع، وربما اعتبروا نجاحهم النسبي في هذا التكيتيك نصرا على الشعب، لكن ردة الفعل كانت كبيرة نتيجتها الجفاء المستديم نتيجة لسياسة التوريط هذه التي أدت لخسائر ودماء من الأبرياء ما زلت تثقل رقبة الأخوان والسلطة على حد سواء. أما على الصعيد الدولي فلابد من الأخذ بعين الاعتبار وجود قطبين آنذاك تمثلا بالمعسكر الشرقي يتزعمه الاتحاد السوفياتي وليونيد بريجنيف الداعم لحركات التحرر والتوجه الإشتراكي واليسار عموما، أما الأخوانيين فدعمهم العربي تمثل بالسعودية والأنظمة المتحالفة مع الغرب الذي يكافح المد الشيوعي نحو الشرق، وللمفارقة راهنت المرجعية الأخوانية على الشق البعثي العراقي وهذا ما جردهم لاحقا من أية مصداقية في محاربة شقه السوري ودلل على مشروع طائفي يرد على مشروع طائفي.

تمزق الجماعة لجماعات
سجلت معركة حماة بداية النهاية للمرحلة الأخوانية السيادية، وحبا بالجني استعجلت القطاف وفشلت على كافة الصعد، وككل الأحزاب السياسية السورية، التي نخرتها سنّة التكتلات، لكنها برزت للعلن على إثر هذه الصدمة وتمزقت الجماعة لجماعات ومرجعيات متناقضة نلاحظ بينها ثلاثة كتل أساسية متخاصمة:
أخوان السلطة:
تراجعت هذه الكتلة عن مواقف المجموع وتبرأت من المرجعية المركزية وتمثلت بمرجعية عدنان عقلة التي هادنت النظام لاحقا. وتعتبر منتهية بحكم التقادم وعدم الرفد بعناصر جديدة. وهذه الفئة انشطرت لقسمين، التائبون وانخرطوا بالسلفية والإسلام السلطوي، بينما القسم الشرس منها ألتحق بجماعة البيانوني واخوان صدام. هذا الشرخ جاء كنتيجة موضوعية بعد اعتقال المهندس "عدنان عقلة" عام 1984 ،وهو الذي يوصف بأنه كان القائد الفعلي للتنظيم الأخواني العسكري المسمى بالطليعة المقاتلة، ومهندس مجزرة "مدرسة المدفعية" في تموز عام 1979 ،خصوصا بعد مقتل أميرها "عبد الستار الزعيم. فكان أن تمزقت وتفرقت. وتقوم فئة أخوان السلطة اليوم بتعبيد كل ما يقدم عليه النظام من أفعال ويبحث لها عن التأصيل الشرعي لصالح الحاكم.
الأخوان الصدّاميون:
تتمثل هذه الكتلة بمرجعية عدنان سعد الدين التي والت صدام. وهي الفرقة التي أصرت على معاداة نظام البعث السوري ووالت البعث العراقي ولم تتراجع حتى بعد سقوط صدام وهناك أغدق عليهم صدام المال والجاه واستخدمهم كورقة سورية ضد شقيقه اللدود. ومنحهم الجنسية العراقية والعيش على أرض العراق متمتعين بامتيازات قلما يحصل عليها عراقيون.
الأخوان البيانونيون:
هذه الكتلة موالية لمرجعية الراحل عبد الفتاح أبو غده ثم خليفته علي صدر الدين البيانوني الذي يتخذ من لندن حاليا مقرا لمرجعيته. وهو الشق الذي فشل أن يكون جسرا توفيقيا بين الفرق الأخوانية الأخرى، واستفاد من ميزات الجميع، سواء من أموال صدام التي أغدقها عليهم أو من المهادنة وتفعيل ما يسمى بالمصالحة الوطنية مع البعث. ولا يخفى أنها من حيث العدد أقلهم جماهيرية وأعضاء، سوى أن وجود مرجعيتها في المملكة المتحدة منحها نوع من العلنية والصيت مما يوحي بوجودها على أرض الواقع، واستغلال الإعلام الحديث من فضائيات وانترنيت منحها ظهورا وسبقا قياسا على الكتل الأخوانية الأكبر عددا. وجمع البيانوني حوله مجموعة ضئيلة من المثقفين شكل منهم مجلس شوراه والقيادة والقواعد والهرم التنظيمي وكل شيء. وهذه الفئة مدينة لصدام سواء بتعليم أبنائهم في الجامعات العراقية أو حصولهم على أمتيازات كثيرة ومازالت تجمع شملهم أمواله التي تستخدم بدقة متناهية خصوصا في الجانب الإعلامي لتسجيل حضورا مستمرا. وليس من التناقض والمفارقة أن نقول أن جناح البيانوني الذي يستدل أنه الأقل شعبيا يبقى هو الأهم والأكثر تأثيرا وهو الوريث أو المتنطح لوراثة تركة الأخوان بكل تعرجاتها ما عدا جناحهم العسكري المتمثل بما يسمى الطليعة المقاتلة بفعل إرهاصات لاحقة يحاول أتباع البيانوني التبروء منه والابتعاد عنه وهذا لمقتضيات الحال وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من أعمال عنف طالت العديد من العواصم الأوربية ولم تستثن لندن عاصمة المرجعية الأخوانية البيانونية نفسها.

عودة الأخوان إلى الساحة السياسية السورية
الكتلة الأخوانية البيانونية استحوذت على الاسم وانتزعت الاعتراف عبر سلسلة من المماحكات وتجاوزت محنا جمة، وهي تمثل رسميا المرجعية الإخوانية السورية التي تحاول استقطاب المعارضة واسترضاء النظام. وهي بلا شك تمد الجسور نحو المعارضة السورية الكلاسيكية وقد وفقت بذلك لعتبارات ميدانية، وخدمة لغايات برنامجها المستقبلي، لذا أمطرت النظام برسائل علنية وسرية، شفوية وتحريرية وتلميحات وتصريحات محملة بالاقتراحات والمطالب. خصوصا بعد وأنها تحاول التملص بشكل أو بآخر من تبعة إلقاء هذا الكم الهائل من جثث الضحايا بفم الأسد ولا يعولون على ذويهم المتعطشين للثأر.
إن الجناح الأخواني بقيادة البيانوني الذي ورث هذه التركة الثقيلة يتبرأ من جوانبها العنفية ويهول لصغائرها السلمية التي لا تكاد تذكر، لذا يرفع شعار "منادمة" النظام ومؤاخات السلطة عبر ما سمي بالمصالحة الوطنية وعلى مراحل حاور النظام عبر وسطاء وبشكل مباشر. ولم يعد خافيا على أحد أن المرجعية الأخوانية لا يمكن أن تقبل أن تطبخ وجباتها سوى على مواقدها، لذا في طريقها للعودة إلى الساحة السياسية كلاعب يُراهن عليه سعت لاستقطاب اطراف معارضة أخرى، ورغم عقدها لاجتماع "ميثاق" شرفها اللندني المتوفي بعيد ولادته عام 2002 لانفضاض من ساهم به من غير الأخوان لم تنجح سوى بجذب ما لا يعتبر حصان سباق. وهذه الفئات الحليفة تمثلت بأطراف مخصية سياسيا وجلها من عجائز المعارضة السورية ورواسبها التي تتميز بعطالة سياسية واجتماعية لا مستقبل لها وهذا بالضبط ما استهوى البيانويون إذ لا يناسبهم مجالسة حصان يعوّل عليه، وهذا ليس إلا محاولة لاستخدامهم كسلم للصعود وتصعيد خطاب الجماعة بدءا بمؤانسة النظام مرورا بدعوات المصالحة المطعمة بعدم الاستقواء على النظام بقوى غير سورية وصولا لتبرير الاستقواء ومسابقة الغادري وحزبه على ما خونته من أجله. أما على الجانب التنظيري فليس عند الأخوان مشكلة، وما اسهل اجتراح الفتاوي ليجلسوا عليها، ويفتون بالتيمم رغم حضور الماء من خلال التشكيك بطهارته.
هناك من يعتقد مخطئا أن الجماعة قدمت تنازلات كبيرة وكظمت الغيظ في مجالستها الملحدين والنصارى حول مائدة ميثاقهم، فهذه ليست سوى تكتيكات لا تفوت ملاحظ، ولم تغب عن سيرتهم منذ المرحوم السباعي وحتى اليوم. ويبررون هذا التناقض المخالف لمرجعيتهم الأصولية على أنه وقتي وهو ما يسمى بالـ"تقية"، أي شر لابد منه، لذا يصدرون مشروعا إسلاميا لسوريا المستقبل منعوتا بالحضاري ويعج بالتأصيل الذي يفترض أنه وضع لسوريا في عهد الأمير معاوية أو ما قبله،.وما هذه المقدمات التي يخيل للبعض أنها تنازلات نظرية كتبني الديمقراطية والتعددية وتبادل السلطة عبر الاقتراع الحر والدولة التعاقدية سوى عناوين شكلية تقتضيها ضرورات المرحلة، وننوه لعدم حصول حلفاء الجماعة عبر تاريخهم على أية ضمانات فعلية وانساقوا كسابقيم خلف بريق العناوين والتي قد ترقى في بعض الأحيان لتبني العلمانية الأمر الذي تنبه له بعضهم وانسحبوا كما الشعرة من العجين والأكراد أول المنصرفين في اجتماعي لندن وباريس.

من مغازلة الأنظمة الدكتاتورية إلى تبني الديمقراطية
رغم سقوط صدام وكل ما يتعلق به من حيثيات وشوائب، إلا أن الأخوان الذين كسبوا وده واعتاشوا بنعمه يسعون حثيثا لاغتنام ما يقدمه المشروع الأمريكي لركوبه، وكما كانوا الأوائل على موائد صدام يسعون لأن يكونوا أول الجالسين على موائد الديمقراطية، ويلعبون على كل الحبال المتاحة ولا يوجد محرمات منهجية، إذ يضعون الخطوط الحمراء والحواجز لغيرهم ولا تنطبق عليهم. هذا ما يفسر تخوين تيار الديمقراطية الجديدة الذي تزعمه حزب فريد الغادري والتجمع الذي يقوده تحت مسمى "التحالف الديمقراطي السوري"، بل وينحتون اليوم المبررات للمزاودة عمن خونوهم بالأمس سعيا منهم لجر البساط من تحت أقدام اي لاعب في أمريكا عبر ممثلين لهم، واستخدموا الغادري نفسه ليطبخ المقبلات وبصقوا في الصحن لينفردوا بتناوله دون طاهيه. لكن يبدو أن هذه الطبخة أحرقها الغادري بدهاء وانسحب كما الشعرة من عجين "المجلس الوطني السوري الأمريكي" وابتعد يلعق أصابعه التي احترقت أطرافها من هذا المطبخ. ويظل التيار الذي يتزعمه الغادري هدفا أخوانيا منافسا فإما احتوائه أو تدميره، ولا يصدق أحد أن الأخوان سيجلسون تحت خيمة الغادري إلا تكتيكيا وهذا ما سيدفع الغادري ثمنه في تحالفاته المستقبلية مع الأصولية الشمولية.
استغلت المرجعيات الأخوانية العربية المبادرة الأميركية "الإصلاحية" وركبت الموجة في مصر وفورا تلقفتها وتبنتها الأخوانية السورية بعد أخذ ورد وتململ خجول سبقه تمهيد بعدم الاستقواء على النظام بغير السوريين. واتخذت من المبادرة الأمريكية ذريعة وفرصة للإلحاح على النظام للدخول في حوار ينتهي بالسماح لها العودة إلى سورية، وممارسة نشاطها كحزب سياسي، أو كمؤسسة خيرية تقتحم المجتمع عبر بوابات ومنابر المساجد وتستعيد حضورها وبريقها الشعبي الذي افتقدته لتكون شريكا قادرا على المشاركة في اقتسام الفطيرة وتستحوذ على حصة الأسد منها حال حدوث التغيير أو الإطاحة بالنظام بفعل فاعل. سوى أن النظام السوري الذي عرف الأخوان جيدا ما زال متمسكا منذ بدء المفاوضات 1980 والوساطة الإخوانية الأردنية في التسعينات، بعودة الإخوان كأفراد وعبر البوابة الأمنية حصرا وإعلان التوبة والاعتذار وتقديم السمع والطاعة كثمن لعفو عام لا يسمح بوجود حزب طائفي. أما رغبة النظام هذه ليس حبا بوضع الذئب بحظيرة النعاج بقدر ما هو تبييض لوجهه محليا ودوليا ويصطاد على ظهرهم ويجني ما يمكنه أن ينفع في تلميع صفحته حيال مسألة حقوق الإنسان، ومن جهة أخرى يتمكن من استقطاب الطيف الديني من مراكش وحتى الخليج مرورا بالقاعدة والزرقاوي وإيران لاستخدامها ورقة رابحة يشهرها بوجه الغرب وأية قوى تنادي بغنهاء الدكتاتوريات ويشهر بوجههم الورقة الأخوانية في كل شاردة وواردة كما أحسن استخدامها في محنة العراق.
يصر الخطاب الأخواني على مفرداته الغوغائية ويجاري خطاب النظام ويصور كل هزائمه المتكررة على أنها نكسات مؤقتة والنصر أكيد مشروطا بالتمسك بذات الخطاب، وتم تطعيمه بمسحة "المسكنة" والدروشة والتخاتل لدرجة أنه يوحي للوهلة الأولى أنهم ملائكة تتدحرج على الأرض. ويصر الأخوان على عدم سلخ العباءة البناوية-السباعية، بل فقط تطريزها وزركشتها ببقع عصرية، بينما هي مغرقة في الانتهازية والإغراض وتنقضّ في أقرب فرصة مؤاتية على الحليف وتطول اللحى وتقصر التنانير، وويل للذميين الذين هم على أديانهم باقين.
إن ما تقدم ذكره بمثابة مدخل سيساعدنا على استيضاح الرؤية لاستكمال أجزاء الصورة، وذلك من خلال استجلاء لخاص والعام، وتلمس العامل الذاتي على وهنه والموضوعي على ضخامته وتعانق مصالح الدنيا بآمال الآخرة في وحدة ينفرد بها المنطق الأخواني، الذي يعيد للأذهان صورة عتيقة عن محاكم التفتيش المتوفية مسقطا عبر موشور جدلية الأوليغاركية الأخوانية، إذ يستحيل اعتماد النوايا الحسنة كضابط للمشروع السياسي ذو المصالح المتباينة لفئات مختلفة المرجعيات الدينية أصلا.
في هذه العجالة استطلعنا نشأة حزب الأخوان المسلمين السوري وبقي ان نقرأ الجماعة من خلال وثائقها وتصرفاتها، وسيتضمن بحثنا التالي المحاور التالية:

الأخوان والملف الكردي السوري
الأخوان والمعارضة التقليدية
الأخوان والديمقراطية
الخلاصة: الأخوان بين الوهم والحقيقة

---------------------
يعسوب الشامي – خبير شؤون الجماعات الإسلامية


خاص – صفحات سورية -

تناقضات اللعبة السياسية السورية المعارضة

تناقضات اللعبة السياسية السورية المعارضة


يعسوب الشامي*



لكل لعبة قوانينها وشروطها التي يلتزم بها اللاعبون ومن يخرج عنها يخرج من اللعبة بفعل بطاقة حمراء أو يتم تنبيهه بصفراء فيعي ويرعوي، وهذه الشروط والثوابت إما أن تكون متعارف عليها وشائعة أو يتفق عليها بين أطراف اللعبة المشاركين. المشكلة القائمة في سوريا أن الكل يلعب بالسياسة لعبته ووفقا لقوانينه التي يغيرها ويعدلها وفقا للظرف والحالة وموقعه كلاعب أساسي أو ثانوي حتى المتفرجين لهم قوانينهم، المعضلة تكمن في أن هذه القوانين الوضعية متناقضة لدرجة أنه يصعب على المراقب للساحة السورية إيجاد تقاطعات فيما بينها بغية البحث عن نقاط وفاقية، أما ظاهرها العام فكله خبث ودهاء حتى تكاد تكون متشابهة من حيث الملمس والمفردات العامة والعناوين الرئيسية. وهنا لابد من الإشارة إلى أن النظام الحاكم لا يمكن اعتباره لاعب، كونه لا يوجد لديه قوانين ولا شروط تحكم لعبته، فهو يلعب بالجميع، من هنا نرى أن إدراجه كطرف لاعب مع الآخرين يخرب اللعبة، تنتهي اللعبة لأنه يعتبر بطل الملاعب بكافة الجولات السورية دون عناء منذ أربعة وعقود ونيف، وذلك لسبب بدهية عدم قبول أحد اللعب بقوانين تحكمها المخابرات وأجهزة الأمن وقوة السلاح.
في محاولة منا ترتيب ملاعب السوريين وفقا لتسلسل منطقي تجدها أيضا تعج بالتناقضات، ويصعب تصنيفها من حيث القوة والتأثير الشعبي، لأن كل فريق ينقسم على نفسه وينشطر لجزيئات متناقضة فيما بينها ومتداعية بفعل فاعل، ولا يمكن حصر وجودها على الساحة الشعبية باستثناء بعض الملامح والسمات العامة.

السمات العامة لقوانين اللعبة السورية:
لعل أشمل السمات والملامح التي تميز اللاعبين في الساحة السورية تجدها لدى الشارع العام ولدى بسطاء السوريين وليس النخب، وتصنف على أنها: قومية عربية، إسلامو-عروبية، قومية كردية، أما بقية السمات من ليبرالية وديمقراطية أو يسارية فوجودها في الوسط الشعبي البسيط يكاد يكون ضربا من ضروب الخيال، ومرد ذلك الجهل المغرق، التعتيم الإعلامي، انشغال الناس بلقمة العيش ومجافاة الشأن العام، القبول بالواقع كتحصيل حاصل وعدم السعي لتغييره بل محاولات صامتة للتعديل فيه أو تجميل ما هو راهن. وهذا التقسيم لا يمنع كل طرف متنازع أطراف البساط أن يدعي أنه نجم الملعب. ونحن في هذا التقسيم لا يمكن ولا بحال من الأحوال أعتبار هذه السمات تجد تأطيرا وتنظيما في مجموعات محددة أو تنظيمات تشمل أتباع كل فئة، والسبب ببساطة عدم وجود طرف يتبنى ويؤثر وينشط اللعبة بشكل يستحوذ على اهتمام المشتركين بهذه الملامح، وعليه لا تجد كل أصحاب الميول القومية العربية يتبعون لأحزاب تدعي حمل راية العروبة أو العروباتية، ولا يمكن إعتبار الإسلام السياسي بمجمله من أزلام جماعة الأخوان المسلمين أو السلفيين، وكذلك الأمر بالنسبة للقوميين الأكراد يتوزعون بين أطراف حزبية وجماعات ضئيلة التأثير والعدد الأكبر يجلس في داره موصدا الأبواب. وبلا شك هناك تقاطعات بين هذه السمات حيث يجمع بعضهم بين صفتين أو أكثر مما ذكرنا. وفي هذا الصدد لابد من الإشارة إلى أن السلطة أقل الأطراف تمتعا بالمصداقية رغم أن قوامها يجمع أفرادا من كافة الانتماءات والسمات لأسباب معروفة. ولا نجد جدوى من إقرار ذلك اعتقادا منا أن تداعي السلطة وانهيارها كفيل بعودة المنتفعين كل لداره والاختفاء بقوقعته.

فرق ومزق اللعبة السورية:
كما سبق وأشرنا أن النظام لا نعتبره لاعبا في المسرح السياسي السوري، لأن ألاعيبه كلها تحكمها قوانينه وشروطه وفقط شروطه. إذن لنستطلع بماذا يلعب السوريون الذين هم لعبة بيد النظام.
ربما يكون القوميون العرب أقل اللاعبين نشاطا وتأثيرا نتيجة للتعهير الذي طال هذه الفكرة وتعرضها للأخذ والرد حيث وصلت أوج نشاطها في عهد عبد الناصر وبدأت بالهبوط لتصل القاع في عهد صدام حسين وحافظ أسد وتم تنفيس كل ما حملت من حماس وهمة وتصميم سابق. وهذا مرده بالدرجة الأولى للممارسة العفلقية للقوموية وحملها بشكل تفاضلي حتى قاربت بل وفاقت في بعض تلافيفها الهتلرية والموسولينية، مما اتسمت به من الفوقية والتعالي وتم تصوير أتباعها مصطفين لهم ما لغيرهم مارسوا الدونية على كل من لا ينتمي إلى فريقهم مدعومين بالعسكر والمخابرات، واليوم الانتماء لهذه الفكرة والدفاع عنها قد يشوبه الخجل والوجل دون خلطها بتوابل إسلاموية أو يسارية ليتم تسويقها ولو نسبيا.
الخلطة القومية الإسلاموية العروبية مفلسة شعبيا أيضا بسبب الأنظمة الشمولية التي قادت وروّجت لهذا التيار، ولا يمكن نكران وجود أتباع من أسفل السلم الاجتماعي السوري وحتى هامه ويتمثل ذلك في فلول الناصريين والبعثيين ومزيج إسلامي نادر. وهذه الفئة طفت على السطح نتيجة صلتها بمن هم فوق اللعبة السياسية، اي الحكومات الشمولية وأظهرتها التفاعلات التي تعصف بمنطقة الشرق كما لو كانت من اللاعبين الأصلاء بينما هي تلفظ أنفاسها الأخيرة وتتجه لكهفها لتمارس سباتا سرمديا. أما الطبخة اليسارية الصرفة "الشيوعية" فقد احترقت مع نهاية القرن الماضي ووضعت رحالها بالبريسترويكا وتحولت حركة التحرر الوطني والصداقة بين الشعوب إلى الرف وسرعان ما صارت ذكريات من الماضي القريب. وهي على عكس صنوها وخصمها اللدود الإسلاموي الصرف.

اللاعب الإسلامي الأصولي:
بلا شك أغلبية سكان سوريا من عرب وكرد ينتمون للطائفة المسلمة السنية، وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذا الانتماء يتم التهويل له أحيانا لغايات سياسية صرفة ومن قبل افسلاميين المتشددين تحديدا، لأن الشعب السوري ونتيجة للتعايش الطويل وقبل قدوم الإسلام للشام كان مزيجا من الأديان والأثنيات. وبحضور الإسلام رجحت كفة لاعبي الفريق الإسلامي دون أن يتراجع أو ينتفي دور الآخرين أو ينقرض. وهذا الإرث الإجتماعي التراثي ساعد على بقاء الطبخات السورية متنوعة النكهات والمذاق. لكن هذا لم يمنع الإسلام المتشدد من الظهور الشرس، ومرد ذلك بالدرجة الأولى لغياب سواه، فمثلا في وسط الثمانينات انفرطت حبات المسبحة الإسلامية بفعل رصاص السلطة، فكان ان خرج لحلبة الصراع فقط ملتحين وعفلقيين بينما الباقي كانوا متفرجين فحسب، حتى الأكراد الذين يمثلون ثاني ثقل سني إسلامي لم ينخرطوا في هذه اللعبة الأمر الذي يجعل لاعبو اليوم من المتأسلمين يلقون عتبا ولوما على شقهم الكردي واتهامه بالتقاعس وحتى التخوين أحيانا. أي أن اللاعب الإسلاموي السوري كان هزيلا وضعيفا ومع أول ظهور بارز أنطفأت شموعه وتشرذم في الفيافي والقفار وانهزم شر هزيمة. ومرد هزيمته ليس قوة وشراسة النظام وحده، بل يكمن في الفهم الإسلاموي نفسه، لأنه رفع سقف طموحاته ليرقى به إلى العودة أربعة عشر قرنا مضت ويفرضه على الجميع عنوة، ويجد هذا الخطاب السالب انعكاساته في خطاب الأخوان المسلمين اليوم، إذ ما انفك الأخوان يصرون على المرجعية الإسلاموية حتى لغير المسلمين. وهم بذلك يعتمدون على استنتاجات خاطئة وقراءات مقلوبة للماضي وقد فوتوا فرصة استقطاب لاعبين من خارج دائرتهم الضيقة في الثمانينات واقتصر النطاح على كباشهم فحسب. وتمثل هذا بتخوين مسبق وتكفير ووعيد للعلوي والدرزي والإسماعيلي والتنويري والعلماني والكردي ومن في حكمهم مما بث الرعب في كافة الأوساط بما فيها المقربة منهم، وفضل اللاعبون بقاء النظام الفاشي على مجيء الأخوان للحكم. ونلاحظ اليوم استمرارية هذا الخطاب بتقية معلنة نسبيا، حيث يحاولون ارتداء قميص ديمقراطي أقرب للعلمانية وحتى التحالف مع جثث سياسية وتوابيت منسية مثل البعثي أحمد أبو صالح والشيوعي المتقمص للديموقراط-شعبية رياض الترك، لكن هذا لم يعفهم من استحقاقات الشارع الأعم في الوقت الذي يدرك فيه الجميع أنهم يمتشقون الفتاوي بسرعة البرق ويقذفونها للتداول ويقلبون العباءة وقت الحاجة، وفي الحقيقة ينتحبون على الأطلال سرا ويتظاهرون متبجحين بماضي زاخر علنا.
الخطاب الإسلاموي المتقوقس ما لم يصقل من خلال قراءة صحيحة للمستجدات وملائمة العصر في طريقه للانقراض، وما تحالفاتهم مع المستحاثات السياسية والرموز التقليدية والعجائز الكلاسيكية والمعوقين من أمثال عبد العظيم حسن وعراب التعارض السلطوي لا يزيدهم سوى قربا من التصحر والتحول لمومياء يتم تعليبها في متاحف السوق السياسية السورية لتقبع في إهرامات الشام وتبقى عبرة للأجيال.

اللاعب الكردي السوري:
اللاعب الكردي دائما كان متفرجا وحذر من الانخراط النشط في اللعبة، وسواء كان ذلك حكمة منه أو خشية من الغرق في بحر متلاطم فهو ذو وزن وثقل معتبر على صعيد السلطة والشارع العام. لكن مواصفات هذا اللاعب لم تخوله النزول للحلبة باعتباره كردي وبقية اللاعبين خصوم قوميين سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو من طوائف غير سنية وأقليات قومية محلية، ومرد حذره وتخوفه غالبا لفقدان الثقة بجدية لعب اللاعبين الأخرين ففضل الوقوف متفرجا على الخسارة بضربة جزاء قاضية. وما كان وقوفه في مطلع الستينات في إطار حركة الشيخ مصطفى البرزاني وتكالب القاصي والداني عليهم سوى درسا لقنهم إياه الضابط محمد طلب هلال في مشروع تصفوي طبق جله وبعضه ينتظر. كما لا يمكن أن نتجاهل دور غياب المرجعية الكردية السورية، فالأحزاب السياسية الكردية السورية لا تعبر عن جزء يسير من سكان محافظات الجزيرة السورية أو ما يحلو لهم تسميتها "كردستان سوريا"، وبنظرة خاطفة على ملاعب أكراد سوريا تجد فرقهم بلا "كابتن" أي مرجعية رمزية من مقياس قاضي محمد، عبد الرحمن قاسملو أو الشيخ مصطفى البرزاني، وبالتالي هم يدورون في فلك مرجعية تقع في دولة أخرى وهذا يعسر ولا ييسر تنشيط اللعبة السياسية الكردية في سوريا. ورغم التحولات والنشاطات السياسية والمد والجز فإن صناعة المرجعية الكردية السورية تعسر وظلوا يلعبون وفقا لمرجعية كردية عراقية وليس لهم قوانينهم الخاصة في بيئتهم ووسطهم الجغرافي مما عرقل لعبتهم أكثر فأكثر. وحتى اليوم تجد أي حدث كردي لن يكتب له البقاء ما لم تباركه المرجعية الكردية العراقية.
هذا العجز لدى اللاعب الكردي السوري أنعكس عليه سلبا وخصوصا حينما كانت مرجعيات كردستان العراق ضيوفا جليلة على الحاكم السوري الذي استخدمها ضد عدوه الشقيق المتمثل بالبعثي العراقي. فتشرذم الكرد بين مهمل ومتجاهل غير عابئ لما يجري حوله وكانوا كرة متدحرجة من محمد طلب هلال وصولا إلى جلسات السمر مع محمد منصورة "أبو جاسم" وحتى البوابات الخلفية للفروع الأمنية والمخابرات.
يتطلع اللاعب الكردي اليوم وتحت تأثير التطورات العاصفة في العراق إلى النزول للملعب ولكن تراكمات الحذر والخوف وعدم الثقة بالآخر لم تفارقه ويؤرقه البقاء متفرجا وبأول انخراط له في اللعبة مؤخرا خسر عشرات الضحايا في مبارة مع فريق قوموي عربي يرفع صور صدام حسين ويدعمه نظام دمشق. في هذه اللحظة الحرجة كل اللاعبين العرب بكافة تلاوينهم القومية والإسلامية وقفوا بين مشكك ومخون وفي أحسن الأحوال متفرج على مبارة الفريق الكردي مقابل فريق السلطة المدجج بكل أصناف القوة، أي أنهم برهنوا صحة تخوفات الفرق الكردية الحذرة. في هذا الصدد نستثني بعض الأطراف التي ساندت إعلاميا او دعمت الموقف الكردي وشجعت فريق الأكراد دون أن تنخرط باللعبة مستخدمة المشاركة بأضعف الأيمان، لذا لم يسقط عربيا أو آشوريا أو سريانيا واحدا من بين ممن قضوا نحبهم من اللاعبين الكرد.
يلاحظ أن الفريق الكردي اليوم أكثر استعدادا للخوض في لعبة مصيرية وفرصة قد لا تفوت، فهل سيلعب الأكراد سوية مع متفرجي الأمس أم سيجدون حلفاء جدد ببرامج جديدة؟ هذا ما سيدرجه التاريخ في صفحاته القادمة ونراقبه جميعا.

اللعبة الديمقراطية العلمانية:
مع سقوط تمثال عفلق في ساحة الفردوس وسط بغداد انكسر حاجز الخوف في سوريا وبرزت قوى كامنة بقوة، ومع ظهورها خرج زبد كثير وساد لغط وعويل وسط كافة اللاعبين على الساحة السورية وسرعان ما بادرت الفرق السورية بتسجيل شهادات التكفير التي لقنتها إياها الأجهزة مباشرة أو قرأتها من تقاسيم وجه النظام وصرحت بها مبتعدة وهولت للخطر المتمثل بهذا الضيف الثقيل المتمثل بحزب ناشيء حمل اسم حزب الإصلاح السوري بقيادة رجل الأعمال السوري فريد الغادري. وكان انحسار اللاعبين من حوله في بداية ظهوره اللافت مفهوما لأن النظام نجح بربطه بتفاعلات المشهد العراقي، وهذا لم يمنع مغامرين أو مقامرين من التعلق بجلابيب الغادري سواء رغبة منها الظهور في ظله أو تدميره من الداخل، سوى أنه ظل يغذ السير بصمت وريبة دون أن يلتفت للخلف، وأشعل شموعا في كافة أنفاق الملاعب السورية فعلا اللغط واشتد السباق. وبدأت التقسيمات والتصنيفات في أوساط فرق المعارضة ومزقها فانقسمت بين شريفة ومغرضة ومستقوية وبعيدة أو قريبة أو متصالحة ومتخاصمة مع حزب الإصلاح السوري، ورافق هذا التحول الخطير في ملاعب السياسة السورية نشوء تنظيمات وأحزاب ومؤسسات كما الكمأ بعد زخة ربيعية، وتراشقت بعضها البيانات والتخوين والتزلم وهلمجرا..الخ.
ما يلفت النظر اليوم في ظل الممتغيرات الجديدة هو تراكم المهام وكبر الخصم وبقاء الغادري يقود سفينة التحالف الديمقراطي السوري الذي يضم مناقير مصفرة ولم يدرج فيه "عواجيز" المعارضة، وما لم يتم احتضانه سيلعب لعبته كما يلعبون ويخسر مع الخاسرين، فهل هو الحصان الذي سيراهن عليه أم ان لكل حصان كبوة ويتحول لمستحاثات تفقده بريقه بتعاضد الفرق والمزق مع النظام لإخراجه من حلبة السباق..! وهل الغادري وتحالفه طارئ على الوطن والمواطن ومستقو بالشيطان على الملائكة أم أنه سيهدأ ويعود من حيث أتى أو ويعود للملاعب التي هجرها او يغادرها بغير رجعة لقلة الحيلة والجهل بمقتضيات الصراع الذي يتحكم بقوانين الملاعب السوري؟ هذه أسئلة يأتي جوابها في غضون تجاويف المستقبل القريب.

الخلاصة:
المشهد السوري بتعرجاته العجيبة يحتاج لقراءة صحيحة وإعادة الحسابات على أرضية جديدة وبفهم عصري للوليد والتليد حتى تبرز الصورة الجلية للمرحلة القادمة. وبلا شك اليوم النظام في حيرة من أمر المعارضة والمعارضة في حيرة من أمر النظام والأهم من هذا وذاك أن الملاعب السورية بمجملها تفتقر لخطاب عصري ولحوار يتناسب مع مستجدات المرحلة وهي على مفترق طرق، إما بقاء النظام وهو الأرجح إن لم تتحمل المعارضة بمجملها مسؤولياتها، أو أن يتم التفاوض جملة مع النظام لإحداث انعطاف يوافق التغيرات التالية أو أن تتابع مؤتمرات حزب البعث العربي الإشتراكي انعقادهاويتحفنا المؤتمرون بتقارير تثير الضحك والغثيان بآن.
---------------------
يعسوب الشامي – خبير شؤون الجماعات الإسلامية.


خاص – صفحات سورية -

مقدمة في علم الانشقاق

مقدمة في علم الانشقاق

جهاد نصره – اللاذقية

من الابتكارات السورية التقليدية، ظاهرة فولكلورية تمرسنا بها بعد أن أدمناها وأركلناها (من أركيلة) وهي ظاهرة الانشقاق السياسي.
لقد عرفت الأحزاب السورية منذ العام / 1963 / (37) عملية انشقاق معلن ما عدا الانشقاقات الجنينية أي التي لم تخرج إلى العلن لأسباب مختلفة.! صحيح أن كل خلق الله ينشقون بين الفينة والأخرى غير أن الطبعة الانشقاقية مالتنا غير شكل.! وكدليل على عمق أصالة هذه الظاهرة في الأراضي السورية، يكفي النظر بعين متفحصة لكي يكتشف المرء أو المرأة أن كل بضاعتنا من الأحزاب المعارضة والموالية والتي بين بين أي التي لم تحسم أمرها بعد وفقاً لمقولة في العجلة الندامة وفي التأني الالتحاق بالجبهة والسلامة.! لا تزيد في حقيقة الأمر عن أربع أحزاب وعين الحاسد تبلى بالعمى.! وهذه الأحزاب الأربعة كما هو معروف ومن غير تجني العدا، تاريخية بامتياز.. وهي كما يعرف الجميع بعثية، وناصرية، وشيوعية، وإسلامية، تناسلت، أو باضت، أو فرَّخت مواليد وتوائم عديدة منها الأبرص، ومنها الكسيح الذي أصابه شلل الأطفال منذ الصغر، ومنها المصاب بداء فقر الدم أو العقل أوالاسهال المزمن.! وهي مستمرة في الاباضة والتفريخ من باب الوفاء للصناعة المحلية أقصد صناعة الانشقاقات على الطريقة البلدية التي تجلب الكثير الكثير من المتفرجين، والشامتين، والمفرنقعين.
منذ ثلاث أربع سنوات، وبفعل تسونامي التطوير والتحديث الذي ضرب البلد ضرباً مبرِّحاًً، انشقت ظاهرة الانشقاق الوطنية إلى شقين فأصبح عندنا نوعين فاخرين من الانشقاقات الأول انشقاق عمودي والثاني أفقي ! وبعد أن بدأت جدران الخوف تتشقق و تتآكل و راح الكثيرون يفكِّرون في الخروج من دائرة الأحزاب الأربعة العتيقة، وتفرعاتها، ومواليدها، بغية تأسيس تعبيرات جديدة بنكهة و(خلقة) مجلية أي غير مملِّة، ومنذ أن بدأت هذه الحالة المستجدة حدث أن فُعِّلت الظاهرة الانشقاقية التي نتحدث عنها تفعيلاً فعولاً أحياناً ومفتعلاً ً في غالب الأحيان! فبينما كانت الانشقاقات فيما قبل مرحلة التطوير والتحديث تحدث وفق مبدأ الأواني المستطرقة، أصبحت في المرحلة الجديدة تأخذ الشكل العامودي أو الأفقي.! يعني كلما اجتمع ثلاثة أنفار للبدء بالعمل، ينشقون أفقياً واحد بواحد والثالث يبقى مستنفراً في حالة طواريء.. ولكن، إذا لم يحدث لا قدر الله هذا الانشقاق الأفقي فإن السلطة تقوم بواجبها الرعوي وتسارع إلى شقِّهم (فسخهم) عامودياً أي نفر ونصف على ميلة ونفر ونصف على الميلة الأخرى ومن ثم تبقيهم تحت الرعاية المشدَّدة حرصاً على الصحة العامة.
وبهذا الشكل، أصبح فن الانشقاق قدر سوري لا مفر منه ولا مهرب ولا ُيستثنى من ذلك جيراننا الأكراد بل يمكن القول: إنهم سبقونا في مضمار هذا الفن البلدياتي.! لكن، تحدث أحياناً معجزة فبلادنا شهدت عبر التاريخ ولا تزال تشهد الكثير من المعجزات المدويات وهذه المعجزة تتجلى في بقاء الحمل سليماً معافى حتى موعد الولادة، الأمر الذي يعني للسلطة السهرانة فلتاناً أمنياً وتقصيراً لوجستياً وهكذا ما إن تعلم بهذه الولادة الطبيعية المتوقعة أن الولادة حتى تسارع إلى ارتكاب خطيئة الإجهاض القيصري بالشق العامودي بعيداً عن السرة (الصرة) بتاعة أطباء العمليات القيصرية وبالعربي الفصيح يعني عملية (فسخ) من الأسفل إلى الأعلى لا أكثر ولا أقل.!
نحن في حزب - الكلكة - نعترف من دون خجل أو بطيخ أقرع، بأننا مارسنا العادة الانشقاقية كغيرنا عدة مرات وعلى الوجهين ألعامودي والأفقي..! وحدها - أم علي- لم يعجبها الشق ألعامودي وشتمتنا وشتمت صاحب الحزب بحجة أنه لا يحافظ على عرض الحزب.! وقد ضحك الجد حتى وقع على قفاه وهو يقول: العمى وهل بقي لحزبنا أو غيره من الأحزاب عرض وأنا ليس عندي خبر.!؟
لكن بالرغم من كل ما تقدم نسأل: بربكم هل سمعتم من قبل بمن ينشق تلقائياً وقبل أي لقاء، أو اجتماع، أو حتى سيران في البرية..!؟ يعني مثلاً - نحن - وفهمكم كفاية- قبل تأسيس حزب – الكلكة - بحوالي قرن ونصف، اتفقنا على الاجتماع على البيدر يوم الأربعاء تحديداً بسبب ضغط إخوتنا الحماصنة وذلك من أجل تأسيس الحزب الكلكاوي العتيد غير أن الذي حصل هو أننا انشققنا أفقياً يوم الاثنين ومن ثم قمنا بانشقاق عامودي يوم الثلاثاء وفي يوم الاجتماع حضرت السلطة (الفاسخة) فلم تجد أحداً تفسخه.! ربما ظَّنت أننا ضحكنا عليها وأسسنا الحزب في بيت – أم علي- ومن غير أيها اجتماع.. و الله أعلم من الجماعة ومن غيرها أيضاً.!؟

خاص – صفحات سورية -

صمويل بيكيت بلا حدود

صمويل بيكيت بلا حدود

صبحي حديدي

القدس العربي

وصلتني قبل أيام النشرة الدورية التي تصدرها حلقة أبحاث صمويل بيكيت في اليابان (نعم! وليس في إيرلندا!)، تتضمّن تفاصيل الأنشطة الثقافية التي تزمع الجمعية إقامتها السنة القادمة في جامعة واسيدا، طوكيو، احتفاء بالمئوية الأولي للمسرحيّ والروائي الإيرلندي الكبير صمويل بيكيت (1906 ـ 1989). وليس دون فلسفة متكاملة، رفيعة تماماً وإنسانية ومدهشة بعض الشيء في آن، أنّ الأصدقاء اليابانيين يرون في أدب بيكيت الكثير من عناصر المأساة والملهاة والألم والأمل التي تمسّ الوجدان الياباني في الصميم، بل تمثّل روح اليابان بالمعني الوثيق الدقيق!وهم يرون، كما يري معظم عشّاق فنّ بيكيت ودارسيه، أنّ عمله يتجاوز أيّ وكلّ حدود تقيمها المفاهيم المسبقة، القارّة الراسخة خصوصاً، حول الشرق و الغرب باديء ذي بدء، ثمّ في ما يخصّ قضايا الفنّ والأدب والرواية والمسرح والفلسفة ولغة الكتابة والمقاومة والحياة والموت... ليس غريباً، بالتالي، أن يطلقوا علي احتفالات المئوية اسم بيكيت بلا حدود من جهة أولي؛ وأن يتعمدوا، من جهة ثانية، دعوة باحثين من آسيا والشرق عموماً، أكثر من أوروبا والغرب؛ وأن يكرّسوا محوراً أساسياً بعنوان بيكيت وآسيا ، يتلمّس حقلاً بحثياً جديداً تماماً، وبالغ الخصوبة والجدوي والأهمية.ولا يتردد إسم بيكيت في ذهني (ولست أخفي أنني شخصياً أعتبره الكاتب الأعظم في القرن العشرين) إلا وتعود إليّ تلك العبارة الصاعقة الصادقة التي أطلقها مسرحيّ كبير آخر هو البريطاني هارولد بنتر: لا أريد منه (بيكيت) الفلسفات، والمنشورات، والدوغما، والعقائد، والمخارج، والحقائق، والإجابات... إنه الكاتب الأكثر شجاعة، وكلّما سحق أنفي في البراز أكثر، ازداد امتناني له أكثر فأكثر ! كذلك تعود إليّ حكايته الطريفة مع جائزة نوبل للآداب، التي نالها سنة 1969: لقد تصادف وجوده في تونس حين أبرق له صديقه جيروم ليندون يعلمه بالخبر، فتواري فوراً عن الأنظار، وفرّ إلي فندق مغمور في قرية تونسية نائية، وامتنع بالطبع عن السفر إلي ستوكهولم لاستلام الجائزة!ثمة، أيضاً، تلك العلاقة الوطيدة التي نشأت بين بيكيت واللغة الفرنسية، أو فرنسا عموماً في الواقع. ذلك لأنه جاء إلي باريس سنة 1928 لإكمال دراسته الجامعية، وناقش أطروحة متميّزة عن الروائي مارسيل بروست، وانضمّ إلي حلقة مواطنه الروائي الكبير جيمس جـــــويس (ولم يكن سكرتيره الخاصّ، كما يتردد في بعض المراجع)، وأخذ يكتب بالـــفرنسية أو يترجم إليها. وحين وقعت باريس تحت الإحتلال الـــــنازي أثناء الحرب العالمية الثانية، ورغم أنّه كان يحمل جنسية بلد محايد في الحرب ومن حقّه استطراداً أن يقيم بلا منغصات في باريس، فقد انضمّ بيكيت إلي حركة المقاومة الفرنسية، واضطرّ إلي التخفّي والدخول في الحياة السرّية حين اكتشف النازيون أمر الخلية التي كان منضوياً فيها. قبل ذلك كانت قد وقعت الحادثة التي ستجعله يقيم في فرنسا مرّة وإلي الأبد. ففي مساء السابع من كانون الثاني (يناير) 1938 كان يسير في جادة أورليان في باريس، صحبة ألن وبلندا دنكن، حين اعترض طريقه متشرّد مخمور، طعنه بخنجر اخترق صدره وكاد أن ينفذ إلي القلب لولا المعطف السميك الذي كان بيكيت يرتديه. وإزاء ذهول مرافقَيْه وارتباكهما التامّ، سارعت سوزان ديشفو ـ دومنيل، طالبة الموسيقي التي تصادف مرورها، إلي إجراء الإسعافات الأوّلية، ونجحت في وقف النزيف الشديد الذي كان سيودي بحياته. إنها السيدة التي ستصبح رفيقة عمره، وسينخرطان معاً في المقاومة الفرنسية، وستشرف علي إصدار وإدارة أعماله في فرنسا والخارج، وسيتزوجان رسمياً سنة 1961. إنها، أيضاً، صاحبة التعليق الشهير حين بلغها خبر فوز بيكيت بجائزة نوبل: يا لها من كارثة ! ثمة امرأة اخري لعبت دوراً حاسماً في حياته الأدبية، هي الكاتبة المسرحية كيت اوبريان (1897 ـ 1974). وكانت رواية بيكيت مورفي قد صدرت سنة 1938، وقوبلت بفتور بالغ من معظم النقّاد، كما أنّ شاعراً واسع السطوة آنذاك، هو ديلان توماس، كتب عنها بقسوة وتهكم واستهجان. الدفاع الوحيد عن العمل جاء من أوبريان، التي كتبت تقول: إنّ المتعة الكبري التي تركتها في نفسي قراءة هذا العمل لن تتوقف بالتأكيد عند حقيقة أنني سأتابع قراءته مرّة بعد أخري حتي يطويني التراب ! وبين مأثورات بيكيت التي تسير علي ألسنة أبطاله، ما يقوله مالون: الليل طويل بلا ريب، وفقير تماماً في السلوي ، وكذلك: إذْ تأتيك ساعة لا يقع فيها أمر أكثر أو يأتي شخص أكثر وينتهي كلّ شيء ما خلا الإنتظار الذي يعرف ذاته بلا طائل . أو ما تعلنه مسرحية في انتظار غودو : دموع العالم كمّ ثابت. مقابل كلّ مَن ينخرط في البكاء في مكان ما، ثمة مَن يتوقف عنه. الأمر صحيح أيضاً بالنسبة إلي الضحك . أو مورفي: أشرقت الشمس لأنه لم يكن من بديل علي ما هو لا جديد تحتها . أو وايلي: الإنسانية بئر ذات دَلْوَين: الأوّل يهبط كي يُملأ، والثاني يصعد كي يُفرّغ ! والأرجح أنّ الأصدقاء اليابانيين اهتدوا بمثل هذه الروحية حين ارتأوا تحرير بيكيت من كلّ الحدود.

البعث السورية تهاجم صحافيين لبنانيين وتصفهم بـ المأجورين

البعث السورية تهاجم صحافيين لبنانيين وتصفهم بـ المأجورين

دمشق ـ ا ف ب: هاجمت صحيفة البعث الناطقة باســـم الحزب الحاكم في سورية أمس الاحد عددا من الصحافيين في لبنان وخارجه متهمة اياهم بتسميم العلاقة الاخوية بين سورية ولبنان ونعتتهم بـ المأجورين .وقال الياس مراد رئيس تحرير الصحيفة في افتتاحية ان المتابع والمراقب لهؤلاء الصحافيين من تصريحات وكتابات يلاحظ كيف يضع السم في دسم العلاقة الاخوية بين سورية ولبنان ولا يجد وصفا يليق بهم لانه من غاب عنه الحس الوطني والقومي ويساوي بين الشقيق والعدو فهو اما ضال واما مضلل وبالتأكيد فهو مأجور .واكدت الصحيفة ان اولئك المضللين في لبنان سياسيين كانوا ام من العاملين في الحقلين الاعلامي والثقافي واصلوا الاساءة الي سورية وتشويه اي خطوة تخطوها (..) وارتماءهم في احضان مخططات القوي العظمي خدمة لاسرائيل ومشروعها التقسيمي برعاية امريكية .وانهـــت الصحيفة تعليقــــها بالقول ان النهـــج الذي يتحدث به الصحافيون والسياســيون في لبـــنان وخارجــه هو جــزء من مشروع خارجي وسواء وضع بعضهم تحت امرة المخطـطين لهذا المشروع طواعية ام وقع عليــهم الاختيار ورصدت لهم العطايا والهبات فان الصفة التي يطلقها الناس عليهم هي مأجورون .وكان الصحافي اللبناني سمير قصير المعروف بكتاباته المناهضـة لسورية قتل في انفجار عبوة في ســـــيارته في 2 حزيران (يونيو) امام منزله في بيروت.


دمشق تطلق سراح آخر معتقلين سوريين كانا في حركة فتح بعد عشرين عاما علي اعتقالهما

دمشق ـ ا ف ب: اعلنت جمعية حقوق الانسان في سورية أمس الاحد ان السلطات السورية اطلقت سراح آخر سجينين سوريين كانا يعملان في حركة فتح الفلسطينية بعد عشرين عاما علي اعتقالهما.وقالت الجمعية في بيان تسلمت وكالة فرانس برس امس الاحد ان الاجهزة الامنية في سورية اطلقت الاسبوع الماضي سراح جواد الجابي والبير الطويل من دمشق بعد احتجاز دام عشرين عاما قضوا منها سنتان في اقبية المخابرات و14 عاما في معتقل تدمر واربع سنوات في سجن صيدنايا العسكري .واوضحت الجمعية ان الجابي والطويل سجنا علي اساس حكم صادر عن محكمة ميدانية مع انهما مدنيان .



هيكل العابر للشرعيات

2005-08-14

هيكل العابر للشرعيات

د.عبد الرزاق عيد


تؤطر ممارسة هيكل الاعلامية والسياسية والثقافية حقبة متكاملة من الزمن العربي الحديث تتخطى نصف قرن من عمر الدولة العربية الأكبر (مصر) ، وهي تجربة تكثف كل الخصائص المتنوعة لتجليات الخطاب القومي الذي كان تعبيرا عن (الشرعيات الثورية): وفق ما ينسب هيكل هذه التسمية الاصطلاحية إلى السمنهوري، هذه الشرعيات التي كانت قد احتلت جزءا كبيرا من المشهد السياسي العربي منذ منتصف القرن العشرين حتى اليوم.

تلك الشرعية الثورية أسست لها ثورة يوليو 1952 والتي يحتفل في هذا الشهر بذكراها الثالثة والخمسين، ستشتق عنها شرعيات "ثورية" في عدد من البلدان العربية لاحقا، وسيغدو هيكل وكأنه الناطق الإعلامي العابر لمشاريعها (الثورية) المتنوعة والمتعددة بجلدها (الشعبوي: القوموي ولاحقا الاسلاموي) .

إن هيكل الذي استفاد من التعليم الحديث للمدرسة المصرية الليبرالية في الأربعينات ، والذي أتاح له العمل في صحيفة انكليزية (اجبشن غازيت) ومعرفته باللغة الانكليزية ضربا من التكوين الأكاديمي الحديث، سيكسب دوره الاعلامي فعالية ايديولوجية وسياسية أهلته لأن يكون في الصف الأول من "أهل الحل والعقد" في نظام ثورة يوليو ، سيما عندما سينبهر به ضابط شاب (عبد الناصر) قادم من الريف بإقدام وطني "ثوري" عاصف ، عندها سيغدو هيكل فيلسوفا (مستشارا) بل وسيهيكل خطابا سياسيا وايديولوجيا سيشكل عنصرا تكوينيا في بنية الخطاب السياسي العربي القومي الحديث .

إن بنية الخطاب هذه سترتسم على شكل خطاطة مثلثة الأصوات: الصوت الأول هو عبد الناصر الذي امتلك مفتاح سر افئدة (الجماهير) برنة الإيقاع الذي يشدد على أواخر الحروف فيمنح الكلمات أمداءها بامتداد الأمداء الجماهيرالعربية من (المحيط الهادر إلى الخليج الثائر: لبيك عبد الناصر ).

ورأس المثلث الآخر صوت أحمد سعيد الذي تخصص بصناعة "صوت العرب" الهادر بالدعوة إلى (ارفع رأسك يا أخي العربي) ، إذ المشروع القومي الثوري سيؤسس لـ (الوحدة ما يغلبها غلاب) ، في وجه الرجعية والاستعمارررر ... مع التشديد على الراء الذي كان يفعمنا بالحماسة القومية والفخفخة الثورية والفخامة النضالية !

ومن ثم يأتي صوت محمد حسنين هيكل ليمنح للخطاب اتساقه بعد أن تشبع بغواية السرد وفتنته ، متأثرا بالميراث الحكائي العربي من جهة، والمدرسة الغربية الانكليزية في الصحافة القائمة على (الخبر) من جهة أخرى، هذا المزيج المتفاعل مع كيمياء (المسرح- السينما- الغناء: المجسدة لـ "القوة الناعمة" المصرية على حد تعبير هيكل لاحقا ) اتاح تركيبا مزجيا تفاعلت فيه عناصر الخطاب الناصري ، مع خطاب صوت العرب لأحمد سعيد ومحمد عروق ، كل ذلك تفاعل عضويا من أجل انتاج جاذبية سحر الخطاب الذي مارس (رخامته الثورية) تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " حتى كانت معركة حزيران 1967 ...

فكانت الفضيحة التي شخصها مجازيا أحد الجواسيس الاسرائيليين الذي افاق على 5 حزيران وبجانبه الراقصة سهير زكي، فتماهى عري الراقصة (زكي) مع عري الخطاب (الثوري) على حد تعبيره ، وهو يعبر عن ذهوله السعيد بهزيمة الفيل العربي أمام الفأر الإسرائيلي، هذا الخطاب(الحرباوي ) لم يكن فاعلا خلال خمسة عشر سنة من عمر الشرعية الثورية إلا في إنتاج "ثقافة الفتنة " التي تم تصديرها إلى العالم العربي عبر السفارات المصرية التي تحولت إلى مراكز للمخابرات والتجسس (العربي/ العربي) ، فبدأت المرحلة تنتج لنا نجوما للجلادين والقتلة كمثال : عبد الحميد السراج في سوريا المغتال الأول لنويات المجتمع المدني السوري ولتطوره الطبيعي السلمي التعددي.

هنا سيتقدم (حاوي : الكلمة/الرصاصة) لانتاج شرعية جديدة ، وهي شرعية تبادل الرصاص بالكلمات أو بالعكس ، حيث نظرية الكلمة رصاصة مع الأشقاء والرصاصة كلمة مع الأعداء ، ووفق شرعية هذه المعادلات (الثورية) ، سيقنع هيكل العسكري المهزوم بأنه لم ينهزم بل هو (منتكس) في البداية ، بل ومن ثم منتصرفي المآل ،رغم أن عبد الناصر كعسكري عاش هزائم 1948 فهو يعرف معنى الهزيمة وطعمها، وكان قد ذاق مرارة الهزيمة في " تثوير" اليمن بتوقيع اتفاق اذعان جدة 1965 .

فـ (الفقيه السلطاني: الصحافي الكبير ) يأبى إلا وأن ينفث تعاويذه الشرعية ، فيطلق شياطين سحره لالغاء الواقع لصالح حلول الكلمة بديلا عنه ، فتأتيه مردة الكلام لتحول شوك قتاد (الهزيمة) إلى أغصان "ناكسة" ، ويتم تعديل وتقويم أغصان "النكسة" إلى سنابل (انتصار) ، لقد انتصرنا لأن اسرائيل لم تستطع أن "تسقط الأنظمة التقدمية" في مصر وسوريا، ومنذ تلك الفترة ونحن نعيش طقوس المسيرات للاحتفال بالكلمات والشعارات التي تقنعنا أنه ليس المهم سقوط الأوطان ، بل المهم أن الله يحفظ لنا السلطان !

مع الكابوس الحزيراني سيتأسس نظام خطاب قوموي، عماده الانتصار بالكلمات، من خلال منظومة متكاملة من الشعوذات والطلسمات التي اتخذت شكل شعارات، يصنعها كيميائي مشعبذ قادر على تحويل المعادن الخسيسة للواقع، إلى تاج مرصع بذهب الكلمات التي تهز الجبال، فراحت الجماهير تهتف لأول مرة في تاريخ البشرية تحية للقائد المهزوم وتدعوه إلى العودة عن استقالته ، وذلك بفضل تعاويذ هيكل الذي كتب له خطاب التنحية، والطريف في الأمر أن هيكل يتباهى بهذا الدور في أحاديثه على قناة الجزيرة التي أتاحت لنا هذه الفرصة النادرة على الهواء بلقاء التيار الإسلاموي (القرضاوي) مع التيار القوماوي (هيكل) ، ليكون لنا موعد مع مستقبل هزيمة جديدة مؤكدة على صهوة حصان الكلمات الجامحة في الفراغ ، يحولها الاثنان إلى نصر (عربوي –اسلاموي) مؤزر ، بسطوع حقائق البداهات اليقينية الكبرى للغة العربية وسطوة سحرها البياني الشعشعاني ...

سيما وان الاثنين، وعلى قناة الجزيرة ذاتها، يفتون –بنجاعة عالية- في القضايا الاستراتيجية الكبرى لمسائل السلم والحرب، فهيكل بحيادية تحليلية شديدة العمق يعتبر أن العملية التفجيرية ضد بعثة الأمم المتحدة والصليب الأحمر في العراق ، ستجرد الوجود الأمريكي في العراق من الشرعية !! وفق ما خلص محمد عبد المطلب الهوني في مقال له تحت عنوان : هيكل " تقاعد عن الكتابة ليحترف الثرثرة" في 24 أغسطس 2004 –على موقع شفاف الشرق الأوسط .

تماما كما افتى الشيخ القرضاوي بقتل المدنيين الأجانب في العراق حتى ولو لم يكونوا عسكريين، هذا قبل تراجعه عنها بعد احتفاء عمدة لندن به، فرد له الجميل بأن أسقط من خطبة الجمعة في أحد مساجد لندن، الدعاء على النصارى واليهود بالهلاك، فعفى عنهم مؤقتا –كرمى لخاطر عمدة لندن- من الدعاء عليهم بالذوبان كما يذوب الملح بالماء ، لكن الشباب مع ذلك ماعادوا يأبهون لرخاوة جهادية الشيخ ، وذلك بسبب أن أعصابهم المتوترة لم تعد تحتمل ما يقاسونه ، وذلك وفق تبريراته –ذات مرة- للذبح الحلال الذي يقوم به الزرقاوي على الشاشة ! تماما كما سفه ابن لادن في 8/10/ 2001 ما كان كتبه هيكل في السفير اللبنانية 1/10 / 2001 عن تأملاته الخارقة حول "الصرب الذين ضربوا برجي نيويورك" ، وذلك عندما أعلن ابن لادن أنه وقاعدته هم المسؤولون عن غزوة نيويورك المباركة ...!

طبعا ما كان من الممكن للفتوى القوموية البلاغية لهيكل القائمة على إعدام الشاهد لصالح الغائب ، الواقع لصالح الكلمة القائلة : إن هزيمة حزيران ليست إلا مجرد نكسة ، بل هي-بالأحرى- هزيمة لاسرائيل لأنها عجزت عن اسقاط الأنظمة التقدمية ... نقول ما كان لهذه الفتوى أن تمر دون أن تستثير بداهات البلاغة المضادة الشامتة للخطاب الإسلاموي -التي لم تجف دماء ثأره لاعدام السيد قطب – فما كان من الفقيه المضاد (متولي الشعراوي) إلا أن يصلي صلاة الشكر ركعتين لهزيمة عبد الناصر ، هزيمة الشرعية الثورية التي تمثلت في " الشيوعية الناصرية " وفق تعبير الشيخ متولي شعراوي ، أو (الفرعونية الناصرية) وفق تعبير القرضاوي، فبداهات بلاغة الخطاب( القوموي والاسلاموي) القائمة على (الأوندكسا) وهي مخاطبة الجماهير بما تعرفه على حد تعريف أرسطو، تستدعي بداهات مضادة للخطاب الإسلاموي، القائم على وضوح القاعدة الفقهية بـ"وضوح ضوء النهار" وهل ضوء النهار بحاجة إلى دليل؟

هكذا منذ قيام خطاب الشرعية الثورية على أنقاض الشرعية الدستورية في الخمسينات بدأ الخطابان (القوموي والإسلاموي) في التجاور والتخاطر حتى التصالح اليوم ، وذلك من خلال خطاب هيكل : في انتاج نظام (التفكير الشعبوي) ، وسيد قطب: في انتاج نظام (التفكير التكفيري) ، وراح الخطابان يتنافسان على محاباة الوعي الشعبي العفوي، عبر تقديس عفويته، سذاجته، في أحايين كثيرة جهله وتجهيله ، فكان مآل ذلك تحويل الأمة إلى جماهير، إلى رعية ومن ثم إلى رعاع دهماء ، وتم كل ذلك على انقاض الميراث المدني العقلاني التنويري الذي انتجته النهضة الليبرالية المصرية بشقيها الاصلاحي الحداثي الكوني المتطلع إلى المثال الغربي من جهة ، وشقه الاصلاحي الاسلامي التنويري المتطلع إلى المثال التراثي الاسلامي العقلاني من جهة ثانية ، منذ منتصف القرن التاسع عشر : (الطهطاوي- الأفغاني- محمد عبده- أحمد لطفي السيد- علي عبد الرازق- طه حسين –أحمد أمين... الخ).

يتحدث هيكل عن تمييزات المفكر الأمريكي جوزيف ناي بين القوى الناعمة : (ثقافة/ آداب/ فنون) ، والقوى الصلبة (العسكرية والاقتصادية والسياسية) كالفرق بين أثينا (الفلسفة والفنون) واسبارطة (القوة والحرب) أو كالفرق بين صورة فرنسا عالميا كقوة ناعمة، وصورة أمريكا كقوة صلبة ...الخ ويرى أن دور القاهرة ونفوذها العربي يتأتى من حضورها كقوة ناعمة ، والتي يعزو نعومتها إلى السينما والمسرح – الغناء- الصحافة – دور النشر ...الخ)

لكن هيكل يغفل أو يتغافل بأن مصر الذي مثل عابر شرعياتها : الليبرالية (الأربعينات) ، والثورية الناصرية (الخمسينات والستينات) ، والسلمية الساداتية (السبعينات) والانتقالية المباركية (الثمانينات حتى اليوم ...) ، نقول : إن هيكل يغفل أو ينسى أن مصر كانت ولا زالت تتعيش على ماضي رأسمالها من القوة الناعمة التي مثلها تاريخها المدني، الحضاري، النهضوي، التنويري ، وأنها بدأت مع نهوض نموذج شرعياته الفكرية والسياسية على انقاض الشرعية الدستورية ، حيث : ( الاستمرار والاستقرار في حضن اللازمن ) ، تنتقل من القوة الناعمة إلى القوة الفظة ، من نعومة مجتمعية مدنية مرهفة إلى فظاظة شعبوية عسكرية أمنية بوليسية مدمرة ، من مركز جاذب للمثقفين التنويريين الهاربين من الاستبداد الانكشاري والباحثين عن الحرية في القاهرة الناعمة في زمن الليبرالية المصرية ، إلى قاهرة اللاجئين السياسيين والعسكريين من الانقلابيين الشعبويين والعسكريين ، من قاهرة المسرح التي تفتح أبواب حريتها أمام أبي خليل القباني، إلى قاهرة إتلاف ألف ليلة وليلة، واعتبار كتاب الأغاني "نهر سموم" ،من إسلام المدنية الإصلاحية المستنيرة لمحمد عبده إلى إسلام أيمن الظواهري ...

وهيكل الذي أطر إيديولوجيا وثقافيا وإعلاميا مرحلة القوة الفظة (الدولة البوليسية) والشرعية (الثورية الإرادوية) التي تحل الإيديولوجيا محل الواقع، والرغبات محل الموضوعيات ، لا يزال يعيش بعد هذا العمر –أمد الله في حياته- نزاعات ما يسميه فرويد بـ"نرجسية الفروق الصغيرة" التي تستهوي – انثربولوجيا عادة- مجموعات العامة التي تتباهى وتتفاخر بهوية الانتماء إلى المدينة والبلدة والاقليم ، بل والحي، ففي إحدى حلقاته المتلفزة (الجزيرية ذات الصوت الواحد بلا منازع) ، يوحي ايماء وصراحة بمدى حضور نفوذ الحماية الانكليزية على الجزيرة العربية :( الشريف حسين وعبد العزيز آل سعود) ومعوناتها المالية لهما ، وذلك لصالح مديح الملك فؤاد الذي لديه دولة كبيرة وليس بحاجة إلى معونات الانكليز ، والنزعة الظفروية (العامية) المتحكمة بنمط التفكير الشعبوي ، أنست صحفيناالكبير أن الملك فؤاد كان يحكم مصر تحت ظل الحماية الانكليزية ( المحتلة) مباشرة لمصر فلا حاجة والأمر كذلك لمعونات !

ويتجاهل حقيقة أن الرجل ( الملك فؤاد) كان اكثر أبناء أسرة محمد علي جشعا وطمعا وأنانية ، وحادثة اصطدامه مع الإمام محمد عبده شهيرة ، وذلك عندما اضطر الإمام ليشكو (الملك) إلى المندوب السامي (اللورد كرومر) بوصفه الوحيد الذي يستطيع أن يكف أطماعه التي امتدت للاستيلاء على ملكيات الأوقاف ، والذي كفها كرومر فعلا ، فما كان من الملك وحاشيته سوى التشهير بالإمام محمد عبده واتهامه بالعمالة للانكليز ، ناسيا وحاشيته أنه يحكم تحت سلطة الانكليز وحرابهم، وذلك الديدن النموذجي للحاكم المستبد الذي كلما واجه المثقف استبداده وعسفه اتهمه بالعمالة للأجنبي، ناسيا أو متناسيا بأنه لا يملك من سفح الشرعية سوى ذرى شرعية الأجنبي الحامي لنظامه، وذلك موضوع آخرعلى كل حال ...

بل وأطرف طرائف خبرة تمتد لأكثر من نصف قرن في ممارسة الصحافة والسياسة ، أن الصحفي الكبير لم يتجاوز فهم السياسة القديم ، الذي ينظر لها بوصفها شأنا من شؤون أهل (الحل والعقد) ، فبعد أن يحدثنا طويلا عن الشرعية الثورية (الناصرية) ثم شرعية السلام (الساداتية) ومن ثم مرحلة الشرعية الانتقالية (مبارك) على اعتبار أن الضربة الجوية غير كافية لتأسيس شرعية للرئيس مبارك الذي كان قائد القوى الجوية خلال حرب 6 أوكتوبر على حد تعبير كاتبنا ، فإن الشرعية اليوم تتأسس على "العقد الاجتماعي" ! لكن ما هو هذا " العقد الاجتماعي" الذي يتردد ملفوظه عشرات المرات في حديث هيكل ؟

يقولها لنا و "بصراحة" : إنه ليس الديموقراطية ... ! إذن العقد الاجتماعي مع من ؟ وبين من ومن ؟ إنه بين الجماعة : جماعة العقلاء والحكماء من أهل الحل والعقد ، كيف نستنتج ذلك ؟ يقول : يجتمعون في (هيئة أمناء الدستور) لإعلان وثيقة عقد اجتماعي جديد، من أجل العمل لـ"جمهورية برلمانية" ! كيف تكون جمهورية برلمانية بدون انتخابات وصندوق اقتراع ، أي بدون ديموقراطية ؟ ثم لا يلبث الصحفي الكبير أن يدخلنا في متاهة الاستطرادات التي لاتنتهي وهي تمسك بعضها برقاب بعض حتى يضيع الرأس فلا تبقى سوى أرتال الرقاب ... ليختصر-أخيرا- مشكلة مستقبل مصر بصحة (الرئيس مبارك) و مدى القدرة الزمنية الافتراضية للرؤساء على تحمل أعباء الرئاسة التي يرى أن الاختصاصيين يقدرونها بعشر سنوات !

لقد أدمن هيكل والخطاب (الشعبوي) : أي الشرعية الثورية وهي تتغول على الشرعية الدستورية ، في استخدام الشعب ، كجماهير، كقوى دهماء عمياء توضع برسم الارادات (الثورية) للزعيم الملهم الخالد ، لتكون طوع بنانه في خدمة (وثنية سلطته) ، دون أية ثقة بها بوصفها كائنات لها ذواتها الحرة ، ومالكة لعقلها وبدنها وإرادتها، ومبادراتها الحرة والخلاقة في امتلاك زمام ذاتها والولاية على نفسها، لوضع دساتيرها وعقدها الاجتماعي وانتخابات ممثليها، ومجلى ذلك أن خطاب (هيكل) العابر للشرعيات : الثورية والسلمية والانتقالية (من الانتقائية الشعبوية القوموية إلى التلفيقية الاسلاموية المعتدلة والجهادية الموحدة اليوم ) ، يجمع على استبعاد المجتمع والشعب عن السياسة إلا في حدود اختزال المجتمعات وحل الشعوب إلى جماهير دهماء يستنفرونها لتحية (القائد المهزوم) ولثنيه عن استقالته ، أو حشدها في سرايا القدس (7 ملايين ) للمقابر الجماعية تحت راية القائد الضرورة ، ولو كانوا يحملون أية محبة وثقة في شعوبهم لما خافوا على أنظمتهم (الثورية) ليبنوا النموذج الأبشع للأنظمة الشمولية البوليسية المخابراتية !

وعلى هذا يخلص هيكل إلى أن المشكلة المطروحة على مستقبل مصر ليس في تجديد بنية نظام تكشف عالميا أن مشروعيته الثورية والسلمية والانتقالية إنما هي شرعية إلغاء المجتمعات، وأن الاستقرار في ظل هذه الأنظمة لا يعني سوى العيش خارج الزمان ، ليغدو حركة اعتماد في المكان في حضن برزخ العدم ، حركة دورانية حول الذات القروسطية ، الغائبة عن حركية السهم السائرة بشكل مضطرد نحو الأمام كما تجلت حركية الزمن مع ولادة المجتمع الحديث.

حلب- 31/07/2005


خاص – صفحات سورية -

مؤتمر البعث قفزة نوعية لإعادة نظام الإستبداد القديم

بيان تيار المستقبل الكردي في سوريا:
مؤتمر البعث قفزة نوعية لإعادة نظام الإستبداد القديم

اجتمعت لجنة المتابعة والتنسيق اعتياديا وبحضور اغلبية اعضائها، لمناقشة مجمل مستجدات الوضع السياسي السوري العام والكردي الخاص، خاصة بعد ان عادت السلطة بعد مؤتمرها القطري العاشر، لتحقق قفزة نوعية في اتجاه اعادة نظام الاستبداد القديم، وممارساته وسلوكياته المنافية لابسط قواعد المواطنة، والمناقضة لمصلحة الوطن السوري وما يعانيه من امراض مستعصية اوجدها وغذاها النظام الامني نفسه، ويبدوا ان خيار خنق الداخل وانهاء اي حراك مجتمعي فيه، بات العنوان الرئيسي لتعامل السلطة مع المجتمع، وخاصة مع تعبيراته المدنية والسياسية التي تسعى لاخراج سوريا كشعب ووطن من الموضع الذي اوصلها اليه العقل الامني وحلوله غير المتوافقة مع تداعيات السياسة الدولية ومتغيرات الساحة الاقليمية، ناهيك عن تناقضها مع مصلحة الشعب السوري ومستقبل وحدته الوطنية.

ولعل من اخطر ما يمارس راهنا، هو حملات التحريض والتخوين بحق الحراك المدني والديمقراطي السوري وتقسيم المجتمع الى فئات وطوائف، وتعويم الوطن ليصبح ساحة حدية، محتقنة وقابلة لانفجار لا احد يعلم الى اين يؤدي مساره، وفي هذا السياق ياتي التعامل الامني المختلف والمتباين الى حد ما، مع قوميات المجتمع السوري وتعبيراتها السياسة، حيث تتميز القومية الكردية بتعامل استثنائي، نجزم بانه من متطلبات الترتيب المستقبلي للوضع السوري، وبالتالي تسعى السلطات وعبر كل وسائلها وخبرتها وادواتها، الى بعثرة وتفتيت الطاقة الكردية بغية اخراجها من المعادلة السياسية القادمة، او على اقل تقدير تهميشها وخلق بدائل ومرتكزات تؤسس لتكريد الصراع، او اسقاط اي فعل جماهيري مقاوم، وهو الفعل الذي جسده الشعب الكردي في انتفاضة اذار 2004 وما قبلها من مظاهرات واعتصامات وما تلاها من نشاطات ميدانية في ذات الاتجاه.

اننا في تيار المستقبل الكردي نرى بان سلسلة الوعود التي اطلقت في اتجاه ايجاد حل لبعض قضايا الشعب الكردي بقيت في اطار الوعود التنفيسية، وظهرت حقيقة الفهم البعثي للوجود القومي الكردي النافي له، والذي ليس في وارد حل او حتى التعامل السياسي مع اي مطلب قومي وديمقراطي كردي. وظهر هذا من خلال المواقف السياسية التي يبديها هذا وذاك من رؤوس السلطة، واخرها كان تصريح السيد العطري، وفي سياق الوعود ذاتها، تاتي ما نشهده هذه الايام من تسابق لبعض الاطر الكردية نحو وسيطة – امنية - تدعي بانها ستاتي بالزير من قعر البئر البعثي. وليس هذا وحسب، وانما سعت وبالتعاون مع حزبين كرديين – يكيتي وازادي – الى تشكيل وفد عشائري لمقابلة السيد رئيس الجمهورية، لعرض مطالب الشعب الكردي عليه، وكانه لم يكن هناك نضالات متنوعة خلال اكثر من اربعين عاما، ولم يكن هناك مطالب قدمت خلال تلك الفترة؟

اننا نحترم الوفد الكردي العشائري المشكل، ونقدر لهم جهدهم وكل مبادراتهم الوطنية، ولكننا نرفض تحويلهم الى رقم سياسي، يفاوض السلطة بحقوق شعب، لا يمتلك حق التفاوض حيالها، وحتى لا يمتلك حق ادعاء تمثيل الشعب الكردي، من حيث لا يحق لوفد عشائري او اي حزب سياسي آخر، احتكار العامل القومي الكردي، وحقوق الشعب الكردي تحدد عندما تحين لحظة التفاوض الفعلية، وليس الامنية، من قبل كل تعبيرات المجتمع الكردي السياسية والثقافية والمدنية والاجتماعية، وحق التمثيل لا يمتلكه ليس الوفد فقط، وانما حتى الاحزاب التي ساهمت بتشكيله، غير مدركة لابعاد هذا المسار الامني، الذي يسعى لاحداث انقلاب في بنية حزب يكيتي الكردي وهو الحزب الذي شكل عبر نشاطاته الميدانية المتنوعة منذ 2002، نقلة نوعية في الشارع الكردي، وقد كنا نجد انفسنا الى جواره في اي نشاط مجتمعي كردي، بهدف بلورة تيار كردي مقاوم، له مشروعه السياسي المختلف عن السائد والمستند الى قوة الفعل الكردي وطموحه في انتزاع حقه القومي في الحرية والحياة.

ان ما حصل عبر الوسيطة الانفة الذكر، هو محاولة تفتيت المشروع الوطني المقاوم، واجهاض اي محتوى نضالي كانت تمتلكه الاحزاب المشاركة، وخاصة صاحبة المظاهرات الاخيرة ونحن كتيار المستقبل من ضمنها، ونعني بها حزبي – يكيتي وازادي – وهو ما ناسف له، بحكم ان الفعل الميداني هو المستهدف، سواء عبر تمييع الطرح السياسي القومي وجعله من خصوصيات وفد عشائري، او الرضوخ لوعود امنية، كانت مستهجنة من قبل ذات الاحزاب، بل ومن الغرائب في العقل السياسي الكردي، ملاحظة التهافت المريع حول الوعود الامنية، وكانه هناك من يريد التخلص من ميراث حزب يكيتي والابتعاد قدر الامكان عن نبض الشارع الكردي، وبالتالي الدخول تحت عباءة السلطة والعودة الى قمقم المناطقية بالانفصال عن المستوى النضالي الديمقراطي السوري العام.

اننا في تيار المستقبل ندعو وبكل علنية، الاحزاب التي نتوافق معها في الفعل الميداني العملي، الى تشكيل نواة فعلية تعبر عن الطموح القومي الكردي البعيد عن سقف السلطة، والمتوافق مع سوية العامل القومي الخاص والديمقراطي السوري العام، لتكون هذه النواة مرتكزا لتوحيد المطلب القومي من جهة، وحاضنة مؤسسة لتجميع الطاقات الكردية، وهو ما نعتقد بانه يشكل ردا موضوعيا، على وعود امنية فقدت ورقة توتها، لكنها مع الاسف لا زالت تستطيع تجميع ادوات كردية هنا وهناك، وكلنا امل ان يستفيق الاخوة في حزبي – يكيتي وازادي – على ما يحاك ضد التيار القومي الكردي المقاوم، قبل فوات الاوان؟ وفي سياق آخر ثمن الاجتماع بانضمام النادي الثقافي الكردي الى التيار، كما تبنى التيار مجلة "هفند الثقافية" واعتبارها جزءا من اصداراته .

12-8-2005
تيار المستقبل الكردي في سوريا


خاص – صفحات سورية -

الفرسان الحمر" يظهرون في طرابلس


"الفرسان الحمر" يظهرون في طرابلس
واجتماع 'الاخوان المسلمين' لم يعقد

بعد قصة اجتماع تنظيم "الاخوان المسلمين" في الشمال التي شغلت الاوساط السياسية والامنية في لبنان وسوريا، والتوضيحات والردود المضادة التي صدرت وإثارة رئيس مجلس الوزراء السوري هذا الموضوع، اطلت زوبعة الداعية الاسلامي الشيخ عمر بكري فستق الآتي من لندن.
ولم ينتهِ ملف القضايا التي ستبرز الى السطح عند هذا الحد، اذ يتناول الشارع في الشمال وخصوصاً في طرابلس الحديث عن عودة احياء تنظيم "الفرسان الحمر" الذي اسسه السيد رفعت الاسد، عم الرئيس السوري بشار الاسد في اواخر السبعينات، وكانت له صولات وجولات في طرابلس والبلدات العلوية اثناء المعارك التي دارت رحاها على ارض المدينة. وكان عناصر "الفرسان" العصب العسكري الرئيسي لابناء الطائفة العلوية في الشمال آنذاك.
وبعد انسحاب اجهزة المخابرات العسكرية والامنية السورية من لبنان، أخذ انصار رفعت في طرابلس وخصوصاً في محلة جبل محسن ومناطق السهل والبلدات العلوية على الحدود يعيدون الروح الى خلاياهم بالتعاون مع شخصيات علوية معروفة، وراحوا يعقدون الاجتماعات في مراكزهم ومنازلهم. وقد شعروا بالحذر اكثر لان نتائج الانتخابات النيابية لم تصب في مصلحتهم.
ومعظم العلويين في الشمال يميلون الى رفعت اكثر منه الى النظام البعثي، وقد غاب "الفرسان" عن الاضواء بعيد القطيعة التي تمت بين رفعت وشقيقه الراحل الرئيس حافظ الاسد.
اخذ "الفرسان" بالظهور في أواخر السبعينات وتلقوا دعماً مادياً ومعنوياً لافتاً من مؤسسهم، فضلاً عن الرئيس الفلسطيني الراحل آنذاك ياسر عرفات، وارتبط اسمهم بـ"سرايا الدفاع" التي حلها النظام في دمشق بعد عام 1982. وكان اعضاؤها يرتدون بزات عسكرية مرقطة يغلب عليها اللون الاحمر، ويحصلون على امتيازات لافتة مقارنة بضباط الجيش السوري وجنوده.
وافادت معلومات ان عشرات السوريين القريبين من رفعت والقاطنين في الخارج ويحملون جنسيات اوروبية، اقدموا في الاسابيع الاخيرة على شراء شقق في جبل محسن وطرابلس.
وفي المناسبة، ثمة شخصيات من ابناء الطائفة "المرشدية" في جبل العلويين في سوريا اخذوا في الفترة الاخيرة يطالبون النظام بالسماح لرفعت وجماعته بالعودة الى دمشق.
"الاخوان"
وبالعودة الى موضوع "الاخوان المسلمين"، فكل ما في الامر هو ان الشيخ محمد ابو الفتح البيانوني (شقيق المراقب العام للاخوان في سوريا علي البيانوني) حضر الى بيروت في اول تموز الفائت والقى محاضرة بعنوان "بصائر في طريق الدعوة الاسلامية" بدعوة من جمعية الاتحاد الاسلامي في شارع محمد والتي يشرف عليها الشيخ حسن قاطرجي، وتربط الرجلان علاقة صداقة منذ ان التقيا في السعودية.
بعدها القى المحاضرة نفسها في دار الدعوة في طرابلس التابع لجمعية الاتحاد، وفي اليوم التالي توجّه الى حلب بطريق البر لتمضية عطلته الصيفية. واثناء وجوده في بيروت نزل في فندق "مايفير" في الحمراء وكان يرافقه نجله فتح الدين.
ويتشاور محمد البيانوني وقاطرجي في الاجتهادات الفقهية والمراجعة العلمية فضلاً عن تبادل الخبرات الدعوية. ولا تربط الاثنين اي علاقة بتنظيم "الاخوان" في سوريا او خارجها. ويقيم المراقب العام علي البيانوني في لندن حيث يعيش لاجئاً من دون جواز سفر.
ولوحظ ان الاجهزة الامنية السورية نشطت في الحديث عن لقاء "الاخوان" الذي لم يتم لان علي البيانوني لا يستطيع مغادرة لندن لعدم امتلاكه جواز السفر، وخصوصاً بعدما جمّدت السلطات الاردنية جوازه ورحلته الى لندن.
وسبق ان تدخلت شخصيات اسلامية لبنانية مع دمشق طالبة منح البيانوني جواز سفر سورياً وإثارة هذا الموضوع مع الرئيس بشار الاسد، وتلقت جواباً غامضاً بعد اكثر من مراجعة لان "الحرس القديم" في حزب البعث في دمشق لا يزال يضع خطاً احمر على قادة "الاخوان"، فضلاً عن الاستمرار في تطبيق القانون 49 القاضي بملاحقة كل سوري يثبت انتماؤه الى "الاخوان". ويتعرض علي البيانوني لضغوط من المعارضة السورية في الخارج ولاسيما تلك الدائرة في فلك الاستخبارات الاميركية، لكنه لم يستجب طلباتها. ويرفض ايضاً الجهود الغربية الرامية الى الضغط على النظام السوري. وبالفعل، لم يجتمع شقيقه محمد اثناء زيارته لبيروت بأي من مسؤولي "الجماعة الاسلامية" ولاسيما امينها العام الشيخ فيصل مولوي الذي كان مسافراً. وكل ما في الامر ان الاول اتصل بمكتب الثاني بغية تزويده نسخة من احد كتبه.
من قضية "الاخوان" الى الداعية بكري وصولاً الى "الفرسان الحمر"، تصبح بوابة لبنان ومناطقه مشرعة على الكثير من المفاجآت الامنية والسياسية، مما يزيد الضغط على "شرايين" العلاقات بين بيروت ودمشق.
(النهار- رضوان عقيل)

ولكن أين هو وطني؟

ولكن أين هو وطني؟

د.الياس حلياني


قالت صديقتي الفرنسية في لقاء داخل السفارة الإيطالية منذ يومين: ولكن أين الشعب السوري، لا نسمع عنه أبدا، نراقب ما يحصل في بلادكم، ونلاحظ الغياب الكبير لشعبكم، ولا أقصد طبعا، المثقفين، ولا أصحاب المنتديات، ولكن المواطن السوري أين هو؟؟ وهل حقيقة أن المواطن السوري لا يتمتع بجدارة كافية تؤهله لأن يكون له دور فعال، في ما يحدث في وطنه من حراك ؟ ألا يستطيع أن يقول لا للفساد المستشري في بلادكم. ألا يستطيع أن يقول لا للقمع؟للفقر. للألم الذي يعيشه، للمستقبل الغامض الذي ينتظره؟

المواطن السوري يا سيدتي بدأ يشعر اليوم بغيابه أو تغييبه عن الساحة الوطنية، وبسلبه كل حقوقه، وجعله مثل خيال المآتة الذي لا يقوى إلا على زوجته وأولاده
المواطن السوري بدأ يعي اليوم أن وضعه البائس هذا، ما هو إلا عقابا طبيعيا على كسله وتهربه من المسؤولية.
وربما يخشى أن يكتشف شيئا لا يروق له. أو يصل إلى نتيجة لا تسعده، بل تزيد شقاءه وألمه.
كسل المواطن السوري وتقاعسه عن القيام بواجبه الوطني، شل تطوره ككائن إنساني، وجعله يعيش فقط كالنباتات، التي تتجذر جامدة في بيئة نشيطة تستمد منها غذاءها، وتعتمد، بصورة سلبية على شيء من الشمس التي توفر لها الضوء والدفء، مما أدى إلى إصابته بضمور نتيجة لعدم استخدامه لطاقاته الإنسانية،
وأكبرا لأخطار التي تحيق به اليوم. هو الانتقال من الحياة النباتية إلى الحياة الحيوانية، أي من شبيه للنبات إلى شبيه بالحيوان. حياة تحركها الغريزة فقط بصورة أساسية، وتصدأ شخصيته، وتتلاشى قوة إرادته
المواطن السوري مسلوب الإرادة، والمسلوب هو الشخص الذي تم سلبه عن طريق فرد ما أو حزب ما، إرادته، وبعد نظره الضروريين للتصرف بوعي، فقد أصبح التصرف الميكانيكي والمقولب هو المعيار، معيار يفسد مواصفات المواطن السوري العليا، ويمنعه من إدراك القيمة الحقيقية للمواطنة. وتمنعه أيضا من إدراك مدى انسلا به.
نشرت صحيفة (البدراما التشيلية) تحقيقا بينت فيه كيف كان البوليس السري السوفيتي (K.G.B) السابق قد صنع (أشخاصا آليين إنسانيين) جنودا طُمست شخصياتهم بأمواج راديوية عالية التردد، ومجالات كهرطيسية تحيط بالدماغ ،ورسائل منومة تستحثها حاسبة الكترونية. وقد تحقق هذا الكشف بفضل البحث الذي أنجزه الصحفي السوفييتي (يوري فوروبيوفسكي) على مدى ثلاث سنوات. ويضيف أنه تم مؤخرا في موسكو تنظيم جمعية ل=ضحايا تجريب المؤثر العقلي= لمطالبة الحكومة بمنح تعويضات للإصابات النفسية التي عانى منها هؤلاء خلال تلك السنوات.
أما صحيفة (خود عليك) فقد نشرت تحقيقا بينت فيه كيف حول حزب البعث(و.ح.ا) الحالي المواطن السوري إلى نبتة ومن ثم حيوان.عن طريق زرع الآلاف من العناصر الأمنية في كل مكان. ناهيك عن عدد الفروع، والتي يتجاوز عددها عدد المحافظات السورية.ويضيف أنه تم مؤخرا في دمشق تنظيم أحزاب للمعارضة، للمطالبة الحكومة بالتعويض عن الإصابات التي أصابت المواطن السوري، من جراء تغيير بنيته، الفيزيولوجية، وتحويل صوته إلى مواء،
هي دعوة اليوم إلى كل مواطن سوري، ليعود إلى طبيعته الإنسانية، وينضم إلى أحزاب المعارضة، المشكلة، والتي على وشك التشكيل، ليرفع صوته عاليا، وليُثبت للعالم، أن الإنسان السوري موجود، وقادر على أن يقول الكلمة الأخيرة في مصيره، ولن يترك مصيره ومصير أولاده كقشة في مهب الريح القادمة. ولكن هذا المواطن لا يملك الانترنت، ولا يملك وسيلة تجعله يتعرف إلى هذه الأحزاب القادمة، وهنا يأتي دور أحزاب المعارضة المباركة، لتنزل إلى الشارع، وتُعرف عن نفسها، وتُقدم برامجها، وتُساهم في إيقاظ الحس السياسي، إذا جاز التعبير، للمواطن السوري، وتعريفه؛ أن هناك قوى أخرى في البلد، غير حزب البعث، تهتم به، وتعمل من أجله.والعبرة ليست في الكثرة، فالأحزاب بدأت تنمو كالفطر، وكل حزب لا يتجاوز عدد أفراده أصابع اليد، يُعلن عن نفسه، ويُصدر البيانات الرنانة، ولكنه أبدا لم ينزل إلى الشارع. من الشارع قوتكم الحقيقية أيتها الأحزاب المباركة، والى الشارع يجب أن توجهوا خطابكم، وليس عبر الانترنت، من يقرأكم عبر الانترنت، يعرف كل شيء عن العلمانية والديمقراطية والليبرالية، أما في الشارع، فلا احد سمع بكم ولا بشعاراتكم. هل تستطيع أحزاب المعارضة مجتمعة، أن تجمع ألف شخص؟؟
بينما يستطيع خطيب جامع أن يجمع الآلاف في خطبة واحدة، وهذه النقطة ليست لصالحكم أبدا.ونطالب الحكومة وبكل شفافية، إذا كانت حقا تريد الإصلاح والتغيير، والمضي في الطريق الصحيح، من أجل إنقاذ المواطن السوري من غيبوبته. ؛ أن تفتح منشآتها، منشآت الوطن، الذي ندفع جميعا ضرائبه، أمام أحزاب المعارضة، لكي تطرح برامجها في العلن، وتأخذ فرصتها وحقها الطبيعي في استعمال منشآت الوطن.
كيف ستقدم المعارضة برامجها، والمراكز الثقافية في كل المحافظات مقفلة في وجهها؟ إلى أين ستدعو أفرادها؟ هل يُسمح لها بتوزيع بياناتها على الشعب؟؟ كلها أسئلة تحتاج إلى أجوبة من السلطة التي تدعي العمل على الإصلاح والتغيير.
وأخبرتني صديقتي الفرنسية قصة السمكتين اللتين كانتا تسبحان في المحيط . احداهما كبيرة والأخرى صغيرة. أتت السمكة الصغيرة وسألت: (أين هو المحيط؟) فأجابت السمكة الكبيرة : (أنت تسبحين فيه) . لم تفهم السمكة الصغيرة وسألت مرة أخرى :((أريد أن أعرف أين هو المحيط)) فأجابت السمكة الكبيرة مجددا :(( أنت الآن في المحيط)) فذهبت السمكة الصغيرة تبحث مجددا عمن يجيب عن سؤالها .
تُقارن صديقتي السمكة الصغيرة بمن يسأل:((أين هو وطني))
"الرأي / خاص"

الإسلاميون ومبدأ الشرعية المتساوية

الإسلاميون ومبدأ الشرعية المتساوية

ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن
هل يحظى الإسلاميون بشرعية مبدئية تفوق غيرهم من الأحزاب السياسية والتيارات الإيديولوجية في البلدان ذات الأكثرية الإسلامية؟ يسلم أكثر الإسلاميين بحيازتهم شرعية أكبر وأعمق من غيرهم، هذا إن لم يقرروا أنهم وحدهم الشرعيون. وأصل التسليم هذا أنهم يرون أنفسهم التعبير الأكثر قربا او اصالة أو مطابقة لهوية "الأمة" وقيمها وثقافتها. هوية الأمة وقيمها وفقا لهذا الفهم معطيات ثابتة لا تتبدل. على اختلاف في سند الشرعية، نجد مثل مفهومها هذا لدى الأحزاب العقيدية الأخرى التي عرفتها البلاد العربية في النصف الثاني من القرن العشرين. فالقوميون ينفردون بالكفاح من أجل وحدة الأمة العربية وحمل رسالتها الخالدة أو صون تطلعاتها للنهوض والاستقلال. والشيوعيون يمثلون وحدهم أيضا مصالح الطبقة العاملة أو تحالف العمال والفلاحين، او "المصالح الحقيقية" للجماهير الكادحة. المشترك بين التيارات هذه استنفارها لمبدأ شرعية متعالية، سابق على "الأمة" أو "الجماهير" أو "الشعب" أو "الطبقة" في وجودها العياني والملموس، شرعية مكنونة في جوهر او هوية أو روح أو مصالح حقيقية أو قوانين تاريخية، دون ان يمكن تعريف الجوهر أو الهوية أو المصالح ... بطريقة مشتركة أو تعاقدية. نسمي هذا المفهوم الشرعية القبلية أو الشرعية العقيدية تمييزا عن الشرعية البعدية او الشرعية التعاقدية التي تتمخض عنها صناديق الاقتراع.الشرعيات القبلية ذاتية، تتعلق بنظرة كل فريق إلى ذاته، ولا تقبل المفاضلة بينها موضوعيا. يعتقد الإسلامي أن شرعيته مستمدة من ذاتية الأمة، والشيوعي من اتجاه التاريخ، والقومي العربي من رسالة العرب.. هذا حقهم، لكنه حق ذاتي غير ملزم لغيرهم، ولا يقوم عليه اجتماع سياسي مستقر. فالشرعية هذه إقصائية لا استيعابية، تقوم على الفرادة لا على الشراكة(حزبنا هو الوحيد الذي..)، وعلى الاستثناء و"الفلتة" لا على القاعدة المطردة، وعلى الامتياز لا على المساواة. وبهذا ينسف نمط الشرعية القبلية او العقيدية هذا مفهوم الشرعية ذاته بتفريغه من روح العدل والمساواة والعمومية. تفسد الشرعية وتغدو مبدا اعتباط لا قاعدة اشتراك وعموم. الشرعية البعدية، بالمقابل، مشتركة، قانونية، مساواتية. الشرعية الديمقراطية شرعية بعدية طبعا او تعاقدية.تساوي الشرعية هو اساس مفهوم الشرعية الحديثة، الشرعية التعاقدية لا الشرعية العقيدية، التي يقوم عليها ايضا نظام الأمة التعاقدية، التعددية، لا الأمة العقيدية، الواحدة تعريفا. على هذا الأساس لا يحوز الإسلاميون شرعية تزيد على غيرهم ولا تقل. ومثل ذلك ينطبق على التنظيمات العقيدية الأخرى. فحيث تحوز جماعة ما شرعية أصلية لصيقة بها فإن مفهوم الشرعية ذاته فاسد؛ وحيث يكون مفهوم الشرعية صالحا فإنه "يتوزع في جسوم" جماعات سياسية متعددة ومتعارضة.على أننا نسجل ان الإسلاميين يتميزون عن غيرهم، منذ ثمانينات القرن العشرين، بالاعتقاد أن شرعيتهم أكبر من غيرهم. وهذا لأنهم قلما يمتنعون عن التمييز بين المفهومين القبلي والبعدي للشرعية، وينزلقون بسهولة نحو تأويل قبلي للشرعية الديمقراطية ذاتها. يعرف كاتب تونسي الديمقراطية بانها "حكم الأغلبية أي حكم الإسلام باعتباره عقيدة الأغلبية" (سليم بن حمدان، نشرة الملتقى، دمشق، 1999، العدد صفر). يرد الكاتب الديمقراطية إلى حكم الأكثرية فقط مغفلا مبدا المواطنة والحقوق الأساسية وحرية القوى الاجتماعية في العمل والتنظيم وحرية الاعتقاد.. وهو يجعل من التصويت امتحانا لسلامة عقائد الناس أو لصحة إيمانهم، لا تفضيلا لبرامج اجتماعية واقتصادية وسياسية قد تستجيب لمطالب بشر يحتاجون إلى تعليم وسكن ومعيشة و...حريتهم الدينية. من الواضح كذلك انه يعتبر الإسلام واحدا ثابتا متماثلا مع ذاته على اختلاف البلدان والأزمنة. ينظر إليه ايضا بوصفه هوية مستغرقة كليا للمجتمعات الإسلامية تحتكر تحديد سلوك كل فرد فيها. مفهومه للأكثرية مفهوم ثابت يتحدد دينيا جاعلا من الدين عقيدة سياسية مباشرة. طبيعي إذن أن يرفض العلمانية ويرى ان ثمة مسكوتا عنه وراء فصل الدين عن الدولة هو "فصل الأغلبية عن الدولة". قد يكون صحيحا ان الأكثرية الاجتماعية التي قد تتمخض عنها انتخابات ديمقراطية تشهدها البلدان ذات الأكثرية الإسلامية هي اكثرية من المسلمين، لكن هذا أمر عارض، مستقل عن طبيعة الديمقراطية قدر ما هو مستقل عن طبيعة الإسلام. فالأكثرية الديمقراطية تختلف مبدئيا عن الأكثريات الدينية والمذهبية والإثنية في كونها أكثرية "افقية"، مؤقتة ومتبدلة. ونفترض أن انتماء المصوتين الإسلامي لن يكون محددا حصريا لسلوكهم التصويتي، بل إن وزنه سيتراجع مع رسوخ تنظيمات الديمقراطية، بينما ستتقدم عوامل حياتية من طبيعة اجتماعية واقتصادية وتعليمية وصحية... بالطبع يصعب تصور ديمقراطية في بلد إسلامي (أكثريته مسلمون) تكون معادية للإسلام، لكن ليس هناك بالمقابل ديمقراطية إسلامية إلا بمعنى ضعيف: تظهر حساسية اشد حيال المطالب الرمزية والتشريعية والسلوكية للمسلمين.الديمقراطية الإسلامية الممكنة هي ديمقراطية أولا وإلا لن تكون إسلامية. ديمقراطية بمعنى انها تعكس تفضيلات أكثرية اجتماعية، وتقوم على مبدا المواطنة المتساوية وسيادة القانون والحريات العامة، بما فيها حرية الاعتقاد. وهي إسلامية لأنها حساسة حتما حيال ضغوط ومطالب واصوات مسلمين احرارا.والشرعية التي تمنحها انتخابات ديمقراطية هي شرعية بعدية وتعاقدية، تمنح للأكثريات الانتخابية حقوقا متساوية، بصرف النظر عن دينها أو عقيدتها أو اثنيتها. إذ لا يكون مفهوم الشرعية ذاته شرعيا إلا على ارضية التساوي المبدئي بين المجموعات السياسية المتنافسة وبين الأكثريات التي تنتجها الانتخابات، مهما يكن وزن الإسلاميين أو غير الإسلاميين، المسلمين او غير المسلمين فيها. والحال إن الانتخابات تمنح شرعية للخاسرين وليس للفائزين فقط، وهذا لأنها تضفي الشرعية على اللعبة السياسية ذاتها. فهي لا تخرج الخاسرين من الشرعية (إلا إذا خرجوا عليها)، وتمنح الفائزين شرعية ديمقراطية فقط: من يصعد إلى السلطة العمومية عبر الانتخابات ينال شرعية مشروطة بان لا يعرقل وصول منافسيه إلى السلطة بالوسيلة ذاتها. الشرعية الديمقراطية لا تستنفد في تصويت واحد، بل تبسط نفسها في عمليات تصويت لا متناهية. الغرض أن الشرعية الديمقراطية تعاقدية، ليست لصيقة بعقيدة او بدين او بقومية أو طائفة، تحملها معها اينما ذهبت ومهما فعلت. الشرعية هذه توفر حلا لمشكلة التعارض بين الشرعيات العقيدية التي لا سبيل للتوفيق بينها. اختلاف الشرعيات يستبدل بشرعية الاختلاف: قوى متعددة تتنافس في مضمار واحد والتزام بقواعد مشتركة لضبط التنازع السياسي. هل يمكن التحول نحو شرعية تعاقدية بينما التنظيمات السياسية عقيدية؟ ألن يفضي ذلك إلى رد الديمقراطية إلى تصور إجرائي محض، ما يبقيها ضعيفة وفاقدة العزم وعجزة عن الدفاع عن نفسها؟ هل "الديمقراطية الغربية دين من صنيعة البشر"، حسب رأي الإسلامي السوري الأصل، اللاجئ في بريطانيا، عمر بكري (الشرق الأوسط، 7/8/2005)؟ هل التعاقد محض عقيدة أخرى؟

ساد..تنا الإصلاحيين..!

فساد..تنا الإصلاحيين..!

جهاد نصره
الحوار المتمدن
بعد أن عمَّ الفساد وانتشر على مدى أربعة عقود ونيِّف، وبعد أن تغلغل في كل شرايين البلاد، صار هذا الفساد تحفتنا الفاخرة، ومورد رزقنا العليل، وأنشودة المؤتمرات العادية والاستثنائية، وفاتحة البيانات البيزنطية، ومؤخراً الدليل السياحي لزوارنا الغرباء.لقد توطن الفساد في كل بيت ومدرسة ومسجد.! فسادٌ في الهواء وفسادٌ في الماء..فسادٌ في التين والزيتون وطور سنين.. فسادٌ في خطب الجمعة..فسادٌ في المعارضة والموالاة.. فسادٌ نأكله ونشربه ونقيم له المهرجانات...فسادٌ نمسي عليه ومن أجله نصبح أي أننا بتنا نقول عند الصباح: صباح الفساد أيها الجيران وعند المساء: تصبحون على فساد.الفساد عليكم ورحمته وبركاته.. فسادٌ في الذمم والضمائر. فسادٌ في المكان والزمان والمصائر.. فسادٌ في الجزء والكل..فسادٌ في الأنا والهم..فسادٌ ترسَّخ وتوَّسع وتمدد إلى درجة يمكن فيها القول: من ليس فاسداٌ فليرجمني بحجر.!فسادٌ في تعاقب الفصول وفي النشرة الجوية.. فسادٌ في الأسماء والمعاني والألوان.. فسادٌ في الأبوة والأمومة والأخوة.. فسادٌ يبدأ دوامه عند مطلع الفجر ولا ينتهي إلا مع أكاذيب الجرائد.الفساد عليكم وغضب الله وحجارته..فسادٌ في حليب الرضاعة وأنواع الإطاعة.. فسادٌ في العقول.. فسادٌ في ملوحة الشواطىء وفي خبزنا اليومي ونعاسنا الليلي وأغانينا الطربية ولغتنا العربية وقمح بوادينا وتمر نخيلنا وخمر أعنابنا.!فسادٌ من محيطه إلى طوروسه ومن شماله إلى جنوبه.. فسادٌ بلحى وعمائم وسبحات..فسادٌ في مطارق القضاة وأفواه المحامين ومن رؤوسنا إلى أخمص أقدامنا.والغريب أنه بعد كل هذا الفساد لا زال هناك من يخاف الزنازين والجلادين وأحصنة السباق.! ولا زال هناك من يكترث بالمخبرين وكتاب التقارير وحثالة الأقبية.! ومن يكترث بالمنظِّرين والمحلِّلين وأصحاب البيانات والجمعيات واللجان والجبهات التقدمية التنكرية.!وبعد كل هذا الفساد، هل بمستطاع الإنسان في هذه البلاد أن يتعرف على الفرق أي فرق بين البعثي والأصولي..بين الشيوعي والليبرالي..بين اليميني واليساري.. بين المتدين وغير المتدين.. بين هذه اللجنة وتلك.. وبين هذه التجمع وذاك..!؟ تفحصوا قليلاً وزرائهم الجبهويين في الحكومات البعثية على اختلاف منابت ومراجع فسادهم الجبهوي الأيديولوجي.! و تفرجوا على أعضائهم في المجلس الموقَّر.. وعلى مناضليهم النقابيين في الاتحادات العمالية، والفلاحية، والشبابية، والنسائية.! وهل بعد كل هذا الفساد لا يزال هناك من يرى فرق بين فاسد كبير وفاسد صغير.. بين فاسدٍ أحمر وفاسدٍ أصفر..بين السجن الصغير والوطن الكبير.. بين أسواق الهال والجمعة والأحد وبين قصر المؤتمرات ومقر الأركان والزواريب السرية في الأبنية العلوية.!؟وهل هناك في هذا الكوكب أفسد من هذا الفساد اللهم إلا القول: إن الفساد ظاهرة عالمية موجودة في كل البلدان أي أننا لسنا وحدنا العميان والجدبان والخصيان.!؟ وأن يكون الفاسدون هم الإصلاحيين الذين يتكلموا عن محاربة الفساد.!؟ وأن يتنافس الفاسدون الإصلاحيون في ساحة النزاهة.!؟ وأن تستمر الفرجة عليهم بكل بلاهة.!؟لهذا كله، وبعد أن أصبح كل شيءٍ خراب، روحنا خراب.. يومنا ينبلج بشمس الخراب.. عشقنا خراب.. شعاراتنا خراب..كتاباتنا خراب.. كان لا بد أن نناشد الرفاق الإصلاحيين بأن يكفوا عن إصلاحاتهم كي لا نموت من فرط زبالتها.. وكي لا تخرج أرواحنا من ثقوب هياكلنا العظمية.. فقط اتركونا نفطس من غير أن ننصلح.!في الأمس البعيد كان اليهود في المدينة ( اثرب ) يردون السلام على رسول الله محمد بالقول: وعليكم السام*.. واليوم، ومنذ الأمس القريب، صرنا إذا قلنا لهم السلام عليكم قالوا لنا: وعليكم الفساد ونعمه.بالله دلوني على الفرق بين الأمس الإصلاحي البعيد والأمس الإصلاحي القريب.!*- الموت

على سوريا أن تحمي كبار مثقفيها من المتطاولين

على سوريا أن تحمي كبار مثقفيها من المتطاولين

هشام القروي خاص - صفحات سورية -
في صلب قضية التنمية السياسية في مجتمعاتنا العربية وفي جوهر الدعوة الى الاصلاح - وهي ليست جديدة ولا طارئة - تكمن مشكلة بالغة الأهمية والدقة , وهي تلك المتعلقة بأخلاقيات النقاش السياسي. لسنا بحاجة للتذكيرأن هذه الأخلاقيات - وهي مجموعة القيم التي تضبط السلوك - ترتقي الى مستوى التقليد, الذي يحظى بموافقة الجميع, في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة. ومن البديهي أن النقاش السياسي لا يجمع أطرافا متفقين على كل شيء, فأهميته بالنسبة لأي مجتمع تكمن في اختلاف الآراء. وقد سقطت احدى أعظم الدول الامبراطورية خلال التاريخ , أمام أنظارنا في القرن العشرين - وأقصد الاتحاد السوفياتي - لأنها لم تعط أية قيمة لتعددية الآراء. وبلا شك أن جيلا كاملا من المثقفين والزعماء العرب تربى على تقليد يسمى "الحزب الواحد" و "الرأي الواحد" و"الزعيم الذي لا يشق له غبار". ان الناس لا يولدون عبيدا, ولكن يمكن في الدول القمعية والديكتاتورية تربيتهم على عقلية العبودية وتكييفهم, بالطريقة التي استعملها العالم بافلوف مع كلبه, أي ما يسمى : رد الفعل الشرطي. ان هؤلاء هم الذين تقوم عليهم دعائم الحكم الذي يكرهه جميع أحرار العرب...لا بل جميع الناس الأحرار.أردت بهذه المقدمة أن أشير الى ظاهرة ينبغي بلا شك مقاومتها, لأنها في أصل الداء الذي ينخر المجتمعات العربية, وأعني بذلك , افتقار البعض ممن يوصفون بالزعماء السياسيين الى حد أدنى من قواعد تلك الأخلاقية التي تحدثنا عنها أعلاه. فلقد قرأت مؤخرا لا أقل من أربع مقالات , كتبت تقريبا بطريقة واحد, وبهدف واحد يبدو أنه التشهير ببرهان غليون. وقد أوردتها نشرة "كلنا شركاء" الالكترونية . نزل كتابها الى حضيض الاتهامات والشتائم , في حين أن الشخص الذي أرادوا ايذاءه, يتحلى في مواقفه بالاتزان والعقلانية اضافة الى أخلاقه العالية وأدبه الجم حتى مع خصومه السياسيين. لو التزم كتاب هذه المقالات المذكورة بأدب الحوار, وناقشوا أفكار برهان غليون, لربما كان من الأسهل أن يقنعوا بعض الناس بوجهة النظر التي يدافعون عنها, انطلاقا من مبدأ نسبية الأفكار. ولكنهم تركوا جانبا نقاش الأفكار, وانزلقوا الى سهولة الشتائم التي يتقنها أيضا كل الصعاليك والزعران والبلطجية. أسوق اليكم بعض الأمثلة :يكتب منذر الموصلي تحت عنوان " نحن مع القائلين بالاصلاح " ما يلي : " بالأمس القريب طلعت علينا فضائية (...) بحملة قذرة مسعورة ضد سورية وتحت يافطة " الديموقراطية " , وكان يديرها " مثقف " سوري هارب سيء الأداء سيء الشكل والصورة وسيء الكلام..." ويضيف : " هم جميعا حفنة من الخونة المرتبطين بأجهزة " السي آي إي " هكذا صراحة وعلنا وهو ما يجيز لنا أن نفضحهم ونتصدى لهم صراحة وعلنا لأن الإنحياز للأعداء هو خط احمر , وهانحن نطالب الحكومة بفتح تحقيق واسع ضد هؤلاء وإحالتهم للمحاكمة العلنية وعلى رأسهم أيضا المدعو برهان غليون الذي تجاوز مع آخرين حدود القانون وحدود الأخلاقيات في حملاتهم الجائرة والوقحة ". - كذا!هل هذه طريقة في النقاش؟ هل من المعقول نشر مثل هذا الكلام في أي صحيفة؟ وافرض أنها توزع بالبريد الالكتروني وليست مطبوعة, أفلا توجد قوانين للصحافة تمنع كيل الاتهامات للناس وتعرض أصحابها للمحاكمة بتهمة التشهير؟ ان هذا السؤال موجه لا لأصحاب النشرة وحسب, وإنما أيضا للهيئات القانونية والحقوقية السورية والعربية.وأما خالد عبود , فيقول في افتتاحية "الوحدوي" :" بالغ الكاتب برهان غليون من ظهوره على شاشات القنوات الفضائية العربية وغير العربية" ... ونحن نتساءل : ما العيب في ذلك , اذا كانت هذه القنوات ترى من المفيد لجمهورها جعل غليون يتكلم ؟ أما كون عبود لا يرى في ذلك فائدة, فالأمر مفهوم, اذ لا احد يدعوه. ثم ها هو يفصح بعد ذلك عن نواياه , موجها الكلام مباشرة الى البروفسور, وقائلا : "كان الأولى أيها (السوربوني) أن تفيدنا كيف يمكن أن نحمي ثوابت الأمة لا أن تشرّع لنا الهزيمة وتسليم البلاد، وأن تشرّع لنا كيف يمكن أن نتنازل عن أرضنا وحقوقنا " - كذا !فهل يصدق أحدكم أن برهان غليون الذي له أكثر من ثلاثين كتاب وعددا لا أستطيع أن احصيه من المقالات في الدفاع عن العرب وقضاياهم , "يشرع الهزيمة والاحتلال"؟ ثم ها هو عبود يفصح أكثر عندما يتهم غليون صراحة بأنه يحاول الانغماس في "المشروع الامريكي" , قائلا : "أعني أن المشروع الذي تقرؤونه ونقرأه للولايات المتحدة في المنطقة والعالم معروف جدا، وأنتم تحاولون الانغماس في هذا المشروع، تقدمون أنفسكم قامات ممسوخة قادرة على تمريره أو القيام بواجب الخدمة تجاهه".- كذا! وفي هذه النقطة, يلتقي عبود, النائب في البرلمان ومدير تحرير "الوحدوي" مع الموصلي, الدركي السابق الذي يجهد لاستعادة مقعده في البرلمان , حيث يتفقان على توجيه تلك التهمة "القديمة" التي درجت كل الأنظمة القمعية على توجيهها لمن يتحدث بحرية ويعبر عن اختلافه مع "القيادة".والحقيقة أننا لا نحتاج الى الدفاع عن برهان غليون, فخير من يفعل ذلك, هو كتبه ومقالاته ومحاضراته, اضافة الى حضوره التلفزيوني الذي يبدو أنه أصبح يحسد عليه من طرف من لا يلتفت اليهم أحد. ولكن أردنا فقط من خلال مثالين بسيطين أن نذكر البعض بآداب النقاش. وإذا أصروا على توجيه تهم "العمالة" و"الخيانة" الخ... فإن هناك قوانين تحمي كبار العقلاء من كبار الحاسدين, وأصحاب الكفاءة الفكرية من العسس والبلطجية.

دولة المزارع ومزارع الدولة

* دولة المزارع ومزارع الدولة!

بقلم: د. أسامة نعيسة *


أخبار الشرق

المتعارف عليه في العصور الشمولية وعند هيمنة العقائد الواحدة والمجموعات الواحدة؛ أن تتوزع المغانم والمكارم على المجموعات نفسها، وتضم اليها الأقارب والمخصوصين والمقربين والموالين والمنبطحين، وهؤلاء أقلية بالمقارنة مع الآخرين!
مصدر الانتفاع هي المؤسسات والدوائر - أي مزارع تدر لهم الذهب والفضة وقهر المواطن - التي تعطيهم الشعور بالتفوق والاستعلاء على الإنسان المقهور والمفقر والمقموع، وكل مزرعة تضم تحتها مزارع أصغر أو ما تحت المزرعة نموذجاً.
سآخذ اليوم مزرعة الإصلاح الزراعي، وتضم دوائر متعددة منها دائرة الغابات وتدر ذهباً، وهناك دائرة أخرى وهي العقارية والمساحة. وحسب التعاريف الدارجة في مجتمع الفساد واللصوصية "مزراب ذهب" .. مديرو هذه الدوائر يأتون إليها متواضعين مزايدين بالإخلاص والمصلحة العامة، ويخرجون منها، إن خرجوا بعد عمر طويل، وإن كانوا ملتزمين بدفع الخوات والرشوات لحماتهم، فإنهم كأثرياء الحروب يتباهون بصفاقة بالحديث عن مصاريفهم الأسطورية ومقتنياتهم بدون حياء أو خوف. أما الطرق الكلاسيكية للسطو والسرقة فهي فرض الخوات على من هم أدنى منهم مرتبة، وهكذا حتى تصل إلى الموظف الصغير الذي يقوم بفرض خوته أو ضريبته على المواطن .. بالتأكيد إن مصدر ثرواتهم ليست سرقة المواطن المباشرة فقط، وإنما عن طريق سرقة ميزانيات دوائرهم من خلال المناقصات الكثيرة التي تقوم بها دوائرهم، ولهذه فنون وشجون. فهي مناقصات إما موهومة أو مغشوشة أو ناقصة. هذه الطرق لم تعد خافية على أحد، بل إن أبسط الناس يستطيع أن يسردها وبكل تفاصيلها .. كيف ومع من تمت هذه المناقصة وغيرها، وطريقة الشفط التي تم تخريجها. وإذا كانت المؤسسات تعني باب شفط لهذا اللص أو لذلك البلطجي من الذين يركبون سيارات من عرق الفقراء ويخلقون التخلف والدمار للوطن يحسدهم عليها تيمورلنك وغيره من الغزاة الهمج الذين مروا مرور الجراد على الأوطان .. لم نسمع إلا ما ندر بأنه تمت محاسبة مسؤول وتم تخليصه المسروقات مع أن قانون "من أين لك هذا" .. ما زال ساري المفعول وليس صعباً على الأجهزة التي تحصي على المواطنين؛ أنفاسهم أن تعرف الحقيقة بدقة، إلا اذا كانت هي ضليعة في هذا النهب والسرقات، وهي حامية اللصوص والفاسدين، بينما يلاحظ بأن كلمة حق قد تؤدي بصاحبها إلى السجن أو القبر أو إلى تجويع عائلته ..
حادثة بسيطة تشاهدها كل يوم، سأسردها بينما كنت في وطني أبحث عن ترقيع زاويتي من خلال معاملة بسيطة ..
جاء مواطن "معتر" والعرق يتصبب منه وهو يلهث، ووضع أوراق معاملته أمام الموظف، وعلى ما يبدو كانت كاملة ومشرفة على الانتهاء. أخذ الموظف يفتش بدقة فيها .. كنت أنتظر بشغف عما ستتفتق عليه ذهنية الفساد وقهر المواطن .. هذا بينما المواطن ينتظر بفزع .. غير معروف السبب .. وبعد أكثر من عشر دقائق كاملة من تفليش الأوراق والأخذ والرد رمى الأوراق أمام المواطن المنكوب قائلاً: ينقصها طابع عمل شعبي - وهو طابع غير معروفة الغاية منه ولا يتجاوز الليرات القليلة.
أجاب المواطن: ولكني وضعت الطوابع المطلوبة ولم يذكر أحد من الذين مررت عليهم هذا الطابع .. على كل سآتيك الآن بطابع عمل شعبي؟
رد عليه الموظف: حالياً الطابع مفقود ولن تجده.
رد المواطن: وما الحل؟
أجاب الموظف الجنرال: هذه مشكلتك وأنا شو دخلني؟
طيب بعدين منشتريه ومنحطه؟
رد القائد المظفر: تريدني أن أخرق القانون والتعليمات؟
عندها لم أتمالك نفسي وقلت ضاحكا:
- كم سعره هذا الطابع لديك؟
نظر شذراً وقال: أستاذ كمل شغلك وما تتدخل.
برقت عينا المواطن المنكوب وسحب مائة ليرة وقدمها للموظف الجنرال، وهو يقول: معلم بيكفي؟
نظرت في الاتجاه المعاكس حتى أتابع نهاية المسرحية.
- هذه ستذهب إلى فوق وأنا شو بدي آخذ؟
- طيب مية وخمسين بيكفي معلم؟
- ما يكفي.
- طيب معلم بيكفي ميتين؟؟
منشان إنو آخر النهار وحتى ما وجع راسي هات ميتين .. شو بدي أعمل معك؟ هنا سحب المواطن ورقة أخرى عندها وبلمح البرق سحب الجنرال طابع العمل الشعبي - أو اللصوصي، سموه كما تريدون ولصقه على الأوراق.
- معاملتك خالصة.
- كتر خيرك ويكتر من أمثالك أستاذ، بارك الله فيك والله ابن حلال .. ثم أخذ أوراقة كأنما يطير من الفرح .. تبعته وقلت له: لماذا أنت فرح هكذا؟
قال: يا أخي أنا اركض من ثلاثة أيام في هذه الدائرة وهذا أقلهم وقاحة وسرقة ونصب. كنت على استعداد لأدفع له 500 ليرة .. طلع ابن حلال.
- عندها ضحكت بكل قوتي وأنا أقول: وداعاً يا وطن .. كنت وطناً .. وأصبحت مزرعة.
ملاحظة: لنفس السبب لم أتابع معاملتي الخاصة .. على أمل أن تأتي ظروف أفضل أستجمع قواي ونقودي .. إذا لم ترقن معاملتي ويتم السطو على أرزاقي، حكماً سيكون معي طابع عمل شعبي ..؟
__________
* كاتب سوري