تحقيقات الكونغرس الأميركي تطال أسماء مسؤولين سوريين مرموقين

2005-07-30

تحقيقات الكونغرس الأميركي تطال أسماء مسؤولين سوريين مرموقين

ا

تقارير " مفاجئة " توضح الآليات التي اتبعتها سورية في افساد العقوبات المفروضة على العراق ، وتشير الى 3.4 بليون دولار من "العائدات غير الشرعية"

كشفت بعض التقارير الصحفية عن تحركات في الكونغرس الأميركي في إطار عملية التحري عن دور سورية في " إفساد " العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على العراق.

وتفيد التقارير بان الحكومة السورية والمصرف التجاري السوري لعبا دوراً رئيسياً في افساد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة ضد نظام صدام حسين حين سهلّت تصدير المواد الحربية أمام النظام العراقي السابق، وذلك وفقاً لما أفاد به أحد الشهود الذي أدلى بشهادة أمام اللجنة الفرعية للعلاقات الدولية المختصة بالشرق الأوسط ووسط آسيا في مجلس النواب الامريكي في 27 من تموز.

وفي تقرير صحفي نشرته صحيفة " يو اس انفو " ورد ان اللجنة المذكورة اقرت بأن الحكومة العراقية وجدت عشرات الشركاء من بلدان كانت على استعداد لمساعدتها في التحايل على العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة عليها وإفساد برنامج النفط مقابل الغذاء، لكن ايلينا روز ليتينين مساعدة رئيس اللجنة الفرعية قالت "إن النظام السوري هو الذي وجد فيه صدام حسين الشريك الأكثر تعاطفاً ومنفعة".

واشارت الصحيفة الى الاتفاق الذي وقع في حزيران عام 2000 بين سورية والعراق ، حيث مكن هذا الاتفاق العراق من الحصول على البضائع والخدمات والأموال خارج إطار برنامج النفط مقابل الغذاء الذي وضعه مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وفقاً لما ذكرته اليزابيث ديبل مساعد معاون وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى.

وفي شرح تفاصيل التجاوزات المتهمة فيها دمشق تشير التقارير الى تحول هذه الاتفاقيات الى مصدر ربح تجاري لكلا البلدين وذلك بعد عملية اعادة فتح أنابيب النفط الواصلة بين كركوك، العراق، سوريا في تشرين الثاني 2000. حيث نقلت الصحيفة عن فيكتور كومراس المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية بأن انابيب النفط يمكن أن تعمل بأقصى سعة لها وتضخ 250.000 برميل في اليوم وتحقق عائدات تتجاوز البليون دولار سنوياً.

و بحسب ما اوضحت الصحيفة فإن دوايت سبارلين، مدير العمليات في هيئة العائدات الداخلية قسم التحقيقات الجنائية، شرح بنية الاجراءات المحظورة. حيث قال "ان 60 % من عائدات النفط العراقي المباع قد وضعت في الميزان التجاري في المصرف التجاري السوري، بينما وضعت الـ 40 % الباقية في الحساب النقدي مع المصرف التجاري السوري وفروعه".

وقال "وفقاً للاتفاق السوري كان يتوجب على نظام حسين السابق استخدام النقود الموجودة في الميزان التجاري لشراء بضائع من سوريا". وأضاف " الحكومة العراقية تتفاوض مع شركات سورية لابرام عقود معها كي تزودها بالبضائع، وحالما يتم استقبال البضائع التحقق منها في العراق تقوم منظمة العراق الحكومية لتسويق النفط SOMO بتوجيه كتاب الى المصرف التجاري السوري كي يدفع من الميزان التجاري قيمة مالية محددة للمصدرين السوريين".

وقال بأن الأموال في الحساب النقدي كانت تسحب بشكل دوري وتودع ثانية في البنوك العراقية، بما فيها البنك المركزي، بنك الرافدين، وبنك الراشدين.

ونقلا عن الصحيفة ووفقاً لما ذكرته ديبل فإن هذه الاتفاقية أثمرت عن 3.4 بليون دولار أمريكي وذلك من بيع محظور للنفط العراقي في الفترة الواقعة بين حزيران 2000 وتموز 2003. وأن أعضاء اللجنة الفرعية " عبروا عن قلقهم بشأن الطريقة التي يتم فيها صرف هذه العائدات المجنية بشكل غير نظامي" .

وأضافت الصحيفة بأن روز ليتينين (مساعدة رئيس اللجنة الفرعية ) قالت "ان اتفاقية أنابيب النفط لا تكشف فقط عن النوايا الحقيقية لكل من العراق وسوريا في تجاهل عقوبات الأمم المتحدة والتحايل على أليات برنامج النفط مقابل الغذاء، بل زودتهم أيضاً بالمصادر المالية لوضع سياسات تهدد الأمن العالمي".

أكد كومراس (المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية ) بأن الهيئات الأمنية والحربية في العراق استخدمت اتفاق التجارة السوري العراقي في الحصول على أسلحة وعتاد ممنوع بشكل قاطع بموجب عقوبات الأمم المتحدة. وقال بان هناك شركة سورية محددة يمتلكها أشخاص لهم علاقات وثيقة بالنظام تلقت 187 مليون دولار أمريكي بموجب عقود تتعلق بالدفاع والأمن من النظام العراقي.

ونقلت الصحيفة عن ديبل (مساعد معاون وزير الخارجية الأمريكي ) قولها بأن المصرف التجاري السوري مايزال يملك 266 مليون دولار أمريكي من اتفاقية الحسابات وحسابات الحكومة العراقية المرافقة، وأضافت بأن الولايات المتحدة حثت الحكومة السورية مراراً وتكراراً على تحويل هذه الأموال الى صندوق التنمية العراقي التابع للأمم المتحدة وذلك وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 1483 الذي يحدد كيفية التصرف بالأموال التابعة للنظام السابق. وقالت بأنه على الرغم من التعهدات التي قطعتها الحكومة السورية علناً بإعادة هذه الأموال إلا أنها لم تقم بذلك حتى الآن.

واوردت الصحيفة بأن وزارة الخزينة الأمريكية اشارت بوضوح الى المصرف التجاري السوري وفرعه في لبنان وهو البنك التجاري السوري اللبناني في بيروت، على أنه "مؤسسة رئيسية لغسل الأموال" وذلك نتيجة الدور الذي لعباه في البيع المحظور للنفط العراقي ولامتناعهما عن تحويل العائدات المتبقية الى صندوق التنمية العراقي.

في السياق ذاته وتحت عنوان مسؤولون سوريون كبار يخدعون الأمم المتحدة نشرت نيويورك بوست اول امس ، تقرير يتهم " مسؤولين سوريين مرموقين، بجني الملايين من الأموال من خلال مساعدة صدام حسين في التهرب من العقوبات والتحايل على برنامج النفط مقابل الغذاء الذي فرضتهما الأمم المتحدة، وذلك وفقاً لوثيقة صدرت يوم أمس.

ووصفت الصحيفة تقارير لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي التي تضمنت التحقيقات حول الموضوع بأنها " مفاجئة " وذكرت هذه التحقيقات بالتفصيل " فساداً على نطاق واسع يطال أعلى المستويات في النظام السوري".

وأكدت الصحيفة بان الوثائق الصادرة حديثا عن اللجنة الفرعية للعلاقات الدولية ذكرت اسماء بعض الشخصيات الحساسة التي تلقت "دفعات طائلة" من العراق ولعبت دور رئيسي في الاتفاق " مقابل السماح بمرور شحنات البضائع بين سوريا والعراق".

وأضافت الصحيفة بان وثائق اللجنة الفرعية للعلاقات الدولية كشفت دور الأسماء المتورطة والتي لعبت دور الوسيط في العديد من التعاملات السورية العراقية وذلك لقاء عمولة تتراوح بين 10 الى 15 % عن كل صفقة يدبرونها.

الجدير بالذكر بان سورية لم تكن البلد الوحيد الذي وقع اتفاق تجاري مع العراق خارج اطار برنامج النفط مقابل الغذاء المطبق من خلال الامم المتحدة ، حيث ان معظم الدول العربية الاخرى ومنها مصر ، الاردن ، لبنان ، السعودية .. كانت قد وقعت اتفاقات لتحرير التجارة وتبادل البضائع مع العراق ومعظم هذه الدول وصل ميزانها التجاري الى بلايين الدولارات في معاملاتها التجارية في معاملاتها التجارية مع العراق في ظل نظام صدام حسين.

ولم تذكر التقارير فيما اذا كانت تحريات الكونغرس الأميركي او التحقيقات التي تقوم بها وزارة الخزينة الأميركية تشمل أيا من الدول المذكورة المتعاملة مع نظام صدام حسين ، لتحديد دور هذه الدول في عملية تمكين العراق من الإفلات من العقوبات التي كانت مفروضة عليه.

سيريانيوز

ترجمة المواد الاصلية

هدى شبطا

أربعة محركات لليبرالية في سوريا

أربعة محركات لليبرالية في سوريا

كمال اللبواني

من خلال المناقشات الكثيرة التي أجريناها مؤخراً ونحن في صدد تأسيس حركة ليبرالية ، نوهنا عنها بواسطة نشر مشروع وثيقة تأسيسية للتجمع الليبرالي الديمقراطي L D U عبر ثلاث صيغ متتابعة ، ومن خلال معرفتي الوثيقة بشخوص المهتمين والدافعين بالمبدأ الليبرالي.. توصلت لتصنيف الدوافع التي تحركهم إلى أربع محركات :
محرك أول : ذو توجه ليبرالي اقتصادي متحفظ يدفع به الحرس الجديد في السلطة .
هنا نفضل أن نعود لتقسيم السلطة إلى حرس قديم وحرس جديد وهو تقسيم مختلف بنظرنا عما هو شائع ومشوش :
1- حرس قديم يستمد دخله من المناصب التي يتولاها ، وباستعمال سلطة وأجهزة الدولة ذاتها مباشرة ، وهو إما أنه ينتظر فرصته في مغانم الفساد والاستبداد , أو قد صار فعلاً يملك رأسمالاً ريعياً ، لكنه ما يزال عاجزاً حتى الآن عن دخول سوق الاستثمار ، وبالتالي الاستغناء عن منافع السلطة المباشرة . هذا الحرس يتكون من قاعدة هرم السلطة ( الشباب الذين ينتظرون دورهم في احتلال المناصب المجزية )، إضافة إلى ذروة هرم السلطة المكون من الذين لا يريدون خسارة مناصبهم الرفيعة جداً والممتعة جداً ، لذلك فهذا التيار يرفض تغيير النظام الشمولي بالمطلق ، وهو الذي انتصر في المؤتمر القطري الأخير ، و هو المسؤول عما سبقه ولحقه من محاولات لتشديد القمع وإظهار القوة والتعنت ..
2- حرس جديد ( هو الجزء المتوسط من هرم السلطة ) الذي راكم الثروة في البداية مثل الحرس القديم من استغلال المناصب في دولة الفساد والاستبداد ونظام رأسمالية الدولة الشمولية الطفيلية ، لكنه تحول تدريجياً نحو نشاطات مستقلة جزئياً أو كلياً عن السلطة وعن أجهزة الدولة ، وإن كان هذا الحرس الجديد ما يزال يستفيد من التسهيلات والاستثناءات والقرارات المفبركة ، لكنه استطاع تحويل آلية الارتزاق من استغلال المناصب والسلب المباشر , إلى الاستثمار في السوق . وبذلك صار شريكاً مع القطاع الخاص الاستثماري ، يفسده وينافسه (منافسة غير شريفة بسبب نفوذه في السلطة )، لكنه يتعاون معه على احتكار السوق وحصار المستهلك في خيارات مجحفة وانتهازية واحتكارية .. وصار يتضايق من صعود شرائح جديدة للسلطة من المتعطشين الجائعين الذين يريدون استغلال مناصبهم في مؤسسات الدولة ، وقد لا يجدون في الشعب شريحة أكثر دهناً يمتصونها من شريحة من سبقوهم في المناصب وصاروا ( منتجين مستقلين ) يقعون تحت رحمة النظام الشمولي . فكل من يرى أن عليه الرحيل وترك السلطة ، سوف يحاول قطع الطريق على غيره وتغيير قواعد اللعبة ، كي لا يصبح هو ذاته ضحيتها ، فينقلب نحو الدعوة الليبرالية لكي يتحرر هو من مخالب من يخلفوه في المناصب ، فإذا كان لا يستطيع توريث المنصب ( قيادة المؤسسة أو الفرقة مثلاً )، لكنه يستطيع توريث الثروة ، ولا يريد لرئيس ( المؤسسة أو الفرقة الجديد ) أن ينتزع منه ما سرقه هو من غيره بذات الوسيلة ، لذلك يتحول إلى معارض للنظام الشمولي مع أنه نتيجته .
وهكذا .. ففي حين تعتبر الماكينة السياسية للحرس القديم متبلورة في السلطة الأمنية التي تمتطي حزب البعث وأحزاب الجبهة ، يفتقد الحرس الجديد ماكينته السياسية المتميزة و التي لم تتبلور بعد ، لذلك فهو يؤكد على إفلاس المشروع السياسي للحرس القديم ، و يحاول إيجاد قوى سياسية جديدة تعبر عنه وتمثله في ساحة السياسة ، خاصة بعد فشل حزب البعث في انجاز تحول سياسي أيديولوجي مناسب له في المؤتمر القطري الأخير ، وبقاء الحزب تحت سيطرة الأيديولوجية القديمة للحرس القديم ( السلطة السياسية الأمنية العسكرية ) فيشهد المؤتمر الأخير .. زوال بعض رموز السلطة ، و احتجاج البعض الآخر على بطؤ سرعة التحول الذي صار ملحاً أكثر فأكثر بسبب الضغوط الخارجية ، والأزمات الداخلية .
نحن نفهم أن الحرس الجديد يحاول المساعدة على تأسيس تيار ليبرالي يحمله نحو المستقبل ويعيد إنتاج سلطته وموقعه في الجزء الأعلى من هرم السلطة والثروة بطريقة جديدة ، فهذا المشروع يريد تغيير الحصان والوسيلة أي النظام ، مع بقاء السلطة أو الأشخاص هم ذاتهم في قمة الهرم الاقتصادي السياسي ، وهو يرى إمكانية الانتقال من آلية القمع والطوارئ ، إلى آلية الانتخاب المحكوم بقوة المال السياسي ، فإذا كانت الليبرالية تعني حكم الأغنياء كما يفهمونها فهذا يعني أنها ستنتج سلطتهم بعد أن تحكموا بأغلب الثروة ، فلماذا يعاندون المشاريع الدولية ويقاومون التغيير ( الديمقراطي ) المنشود من قبل الجميع ؟ !! . لذلك تراهم يدفعون برموز ( مستقلة أو معارضة ) للبدء في مشروعهم ويدفعون لها ، بشرط وحيد هو عدم نبش الماضي ، ليبقوا في المرحلة الحالية وربما القادمة أيضاً وراء الكواليس ، فلا مانع لديهم من توظيف طقم سياسي ينوب عنهم ويمثل مصالحهم في السلطات ( المنتخبة ) .
في كل الأحوال يجب تشجيع هذا الجناح على إجراء قطيعة أكبر مع الاستبداد والشمولية والفساد.
المحرك الثاني : ( القطاع الخاص ) يتكون من معظم من يملك الرساميل الاستثمارية اليوم ،حيث يفهم الليبرالية أنها تقليدياً مشروع الأغنياء والمستثمرين ، وهو بذلك يلتقي مع الفهم التقليدي للسياسة ومع الحرس الجديد ..
معلوم أن الكثير منهم قد جاء بثروته من شراكاته مع المسؤولين أو من ثغرات القانون والسوق السوداء والتهريب والاحتكار والرشوة والتهرب الضريبي ، أي من اقتصاد الفساد والنهب والظل الأسود الذي نما وترعرع إلى جانب القطاع العام البيروقراطي الخاسر والمنهوب ، بعد أن حطمت الاشتراكية في بدايتها هذه الطبقة وحاربت كل منتج مستقل غير مرتبط بالفساد ، ومن تبقى أو نما بجهوده الخاصة قد دفع ثمناً غالياً جداً ويستحق كل الاحترام والتقدير كبقية فئات الشعب التي دفعت غالياً ثمن الشمولية والفساد ..
ما يعزز مفهوم هؤلاء عن الليبرالية هو موقف أغلب اليساريين منها ، ونظرتهم إليها وإلى حاملها الاجتماعي ، والذين يعارضونها لصالح نظام شمولي يعارضونه هو الآخر ، أي أنهم يعارضون الشيء ونقيضه ، ويتحدثون عن شيء ثالث افتراضي لم يقدموا مثالاً واقعياً ولا تاريخياً عنه ، لذلك فهم معارضة مطلقة ( ترفض الواقع بكل خياراته ) ، في حين يستفيد من موقفهم من يريد استمرار النظام الشمولي ، أو حالة الشلل الاجتماعي . فيعارضوا الليبرالية لصالح نظام رأسمالية الدولة الاحتكاري الطفيلي الشمولي بعد تطعيمه بطعم غير قابل للحياة أي الديمقراطية ، وتحت مفاهيم اقتصادية مضللة وغائمة ..
مرة أخرى أيضاً يجب تشجيع القطاع الخاص على إجراء قطيعة أكبر مع الفساد والاحتكار والاستبداد ، والتقارب أكثر من مطالب ومصالح بقية فئات الشعب .
المحرك الثالث هو توجه ثقافي - قيمي يرى أن الليبرالية ( تماماً كما كانت الشيوعية ، والحداثة عموماً ) هي طريقة للتمرد على الواقع و الموروث .. والانتساب للغرب والحضارة ! ، فهم يريدون الحرية لكي يتخلوا ، مدفوعين بمخاوف من إرهاصات قيام نظام شمولي ديني أو قومي جديد ، وهذا النهج يتلاقى مع العولمة الثقافية ، ومع التوجه الدولي المحارب للإرهاب ( الذي يربط بين الإسلام والإرهاب والعروبة والاستبداد ).. وهو تيار ليس بعيداً ً عن الحرس الجديد أيضاً , وإن كان يصر على درجة أكبر من الليبرالية السياسية .
المحرك الرابع وقوده قوى واسعة تنتمي للطبقة الوسطى والدنيا المتضررة من النظام الشمولي الفاسد ، هي الآن في طور بلورة وعيها وبلورة هويتها السياسية الليبرالية ( التي تبنيها على أنقاض موروث أيديولوجي ثوري ويساري وديني وقومي كان شائعاً بينها في المرحلة الماضية وقد أثبت إفلاسه بالجملة والمفرق ) .
هذه القوى تحاول أن تفهم الليبرالية على أنها فلسفة للحرية في مواجهة الشمولية والاستبداد ، والتي تسمح بالتعبير السلمي عن الذات والهوية والقيم والعقائد ، من دون قمع ومنع الآخرين ولا إرهابهم ، و تفهم العلمانية على أنها تحييدا لرجال الدين عن السلطة السياسية وليس إنكارا للدين وأهميته في صعيد الثقافة والقيم . وترى أن الديمقراطية لا يجب أن تلغي الهوية القومية ولا الدينية ، لكنها تشترط استمرار اللعبة الديمقراطية و ضمان كامل لحقوق الأقليات ولشرعية المعارضة . كما أنها تفهم الحرية الاقتصادية وقانون السوق كشيء لا يتناقض مع التزام الدولة تجاه مواطنيها ، ومع نظام الضمان الاجتماعي ، لكن شكل هذا الالتزام ، يمكنه أن يتم عبر نظام ضرائب تفرض على نشاطات اقتصادية حرة وخاصة ، وليس عبر ملكية دولة الحزب الواحد واحتكارها مفاصل الاقتصاد والحياة .. كما هو في المفهوم الاجتماعي ( الاشتراكي ) . وهذا التيار لن يرحب في تبييض أموال الفساد ولا في انتقال رموزه للسلطة من جديد . إنه تيار لا يرى مشروع الحرية خاص بالمستثمرين والأغنياء ، ويرفض تبني مفاهيم سياسية ميكانيكية هي جزء من أيديولوجيا شيوعية بائدة . لكنه يناضل ضد مفاهيم قديمة عن الليبرالية وضد تشويه صورة تلك الفلسفة ويرفض اقترانها بجشع الرأسماليين على الدوام وفي كل مكان ، و يرى أن النظام الاشتراكي لم يحقق له أي من الوعود التي وعد بها . وشرط تحالفه مع بقية المحركات ما يزال غير مكتمل بسبب الموقف من الفساد والاستبداد ومن مسؤولية مرتكبيه ، ودورهم في المستقبل .
أخيراً.. إذا كان هناك في المعارضة من يريد تغيير السلطة ( حزب البعث ) دون تغيير النظام الشمولي ، والبعض في السلطة يريد تغيير النظام فقط دون تغيير السلطة وشخوصها ( ليبرالية اقتصادية فقط ) ، فإن المعارضة الحقيقية هي التي ترى ضرورة تغيير السلطة والنظام معاً وضمان أن لا تكون الحركات المعارضة مطية لإعادة إنتاج أو تكريس الفساد ولا الاستبداد ، المعارضة التي تريد من النظام الديمقراطي أن يقدم فرصاً حقيقية لإعادة توزيع وتداول السلطة والثروة معاً عبر آلية السوق وقيم الحرية والنظام الديمقراطي ، وليس عبر توجيهات الحزب القائد ، الذي لم يخطط إلا لجيوب وأبناء مسؤوليه فقط .
وإذا كان مطروحاً على التيار الليبرالي أن يدفع بمشروع التغيير السلمي للنظام الديكتاتوري الشمولي واستبداله بنظام ديمقراطي ليبرالي ، وأن يتبنى مشروع المصالحة الوطنية الكاملة ، والحفاظ على السلم الاجتماعي ، فيجب أن تتوحد المحركات الدافعة لهذا التيار على مبادئ وقيم وضمانات وروح وطنية وقيمية واضحة ومحددة ، تكون مقبولة من قبل أغلب شرائح المجتمع ، تأخذ بعين الاعتبار إرادة المجتمع الدولي ومتطلبات العولمة ، وهذا يتوقف على تغيير خطاب الحرس الجديد والقطاع الخاص الذي يتغاضى عن نقض الفساد والاستبداد ، وليس تغيير خطاب عموم المجتمع الذي ينتقدها بأقسى العبارات .

خاص – صفحات سورية -

التجمع الليبرالي الديمقراطي خطوة أخرى نحو الأمام

التجمع الليبرالي الديمقراطي

خطوة أخرى نحو الأمام

جهاد نصره

بعد التوصية الملتبسة التي أطلقها مؤتمر البعث والمتعلقة بقانون الأحزاب، سارع الكثيرون إلى إخراج طموحاتهم، ومشاريعهم، وربما أحلامهم، إلى العلن.. فانكسر مرة واحدة جدار الخوف، وتراجع هاجس الحذر، وبدأت مجموعات متفرقة تعلن عن نفسها وعن مشاريعها هنا وهناك.!

لا شك في أن هذه الظاهرة طبيعية، وصحية، ومتوقعة، ذلك لأنها تأتي بعد أربعين سنة من تعقيم المجتمع بكل طبقاته وشرائحه بهدف منعه من إبراز تعبيراته السياسية، والثقافية، وكل أشكال التعبيرات الأهلية و المدنية المستقلة. وسيكشف هذا الداخل المعّقم في المستقبل القريب عن حملٍ مدهش سيوِّلد أجنةً كثيرة، ومواليد مختلفة الأشكال، والمحّيا، ليعود الشعب السوري يوماً بعد يوم إلى ألقه الذي كان قد خبا بفعل فاعل، وإلى حيويته التي كانت قد استلبت ذات يوم.!

وهكذا، كان يكفي لهذه الانطلاقة مجرّد توصية تصدر عن مؤتمر البعث الأخير لتبدو المسألة شبه شرعية بحسب توصيف النظام نفسه لمسألة الشرعية، ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة أن لا ينتظر الناس إلى يوم صدور القانون ليتحركوا فسارع الكثيرون على الفور إلى تحضير عدة عملهم، وتهيئة أنفسهم، وذلك لكسب بعض الزمن الذي هدر منه أربعة عقود عجفاء.

اللافت في المشهد الداخلي الآن هو تغلّب الطابع الليبرالي على معظم النشاطات، والنقاشات، والتحركات التمهيدية الحاصلة.! وهذا يشير إلى انتشار ثقافة الليبرالية من جهة، ومن جهة ثانية يشير إلى التفاؤل بإمكانية التعاطي المجتمعي الايجابي مع البرامج الليبرالية التي سيتم طرحها وبخاصة أن هذا المجتمع تعرَّف مطولاً بعد عام / 1963 / وحتى اليوم على أحزاب وتنظيمات شمولية إن كانت: قومية، أو يسارية، أو دينية، ولم تكن هناك أية فرصة لمجرد كلمة عن الليبرالية في ظل طغيان منظومة الشرعية الثورية.

بعد أيام سيتم الإعلان عن اللجنة التحضيرية التي ستمهد لعملية إقلاع التجمع الليبرالي الديمقراطي ( عدل ) وذلك بعد أن تمت إعادة صياغة الوثيقة الأولى التي طرحها الدكتور - كمال اللبواني- على مرحلتين مع الاستفادة في كل مرة من الملاحظات، والمقترحات الواردة.. ويمكن اعتبار هذا التجمع خطوة أخرى نحو الأمام بعد الخطوة الأولى التي تمثلت بتجربة التجمع الليبرالي السابقة كونها أكثر نضجاً، وتركيزاً، وإحاطةً بالمستجدات في الساحة السورية بعد الخطوة الناقصة، والمتسرعة، التي خطوناها يوم أعلنا عن التجمع الليبرالي في سورية.!

وهي، – الوثيقة -، ستظل مفتوحة للتعديل، والإضافة، والتطوير المستمر، والتجمع سيظل مظلة للجميع وبدون أية اشتراطات مسبقة.. وسيكون الحوار مع المجموعات الأخرى هدفاً دائماً بغية محاولة التوافق على الحد ألبرنامجي الأدنى، مما يتيح إمكانية بلورة تيار الليبرالية، وتوسيع مداه أفقياً باتجاه صيرورته رافداً داخلياً فعالاً على كافة الصعد: معرفياً، وثقافياً، وسياسياً.

خاص – صفحات سورية -

عن أزمة لبنان وسورية

عن أزمة لبنان وسورية

حازم صاغيّة

الحياة

في إشارة منها الى النائب اللبناني سعد الحريري ذكرت، قبل أيام، صحيفة «الاقتصادية» السورية الاسبوعية ان «في إمكانه بناء المرافئ والمطارات وشراء أساطيل بحرية وجوية لنقل البضائع اللبنانية، وبكل سهولة ينهي الأزمة القائمة أو المفتعلة إعلامياً، لأننا في سورية أصبحنا آخر شعب في العالم يهتم بما يلحق من ضرر بالصناعيين أو المزارعين اللبنانيين. فما سمعناه من شتائم وتحليلات اقتصادية يجعلنا أول المطالبين بإلغاء الاتفاقات الموقعة مع لبنان والتي لم تستفد منها سورية يوماً».

والفقرة هذه ربما كانت تدشيناً لسياسة سورية أخرى، سياسة لزمن ما بعد الانسحاب من لبنان. وكان وزير الخارجية فاروق الشرع قد كرّس هذا التوجه حين أيّد الغاء الاتفاقات الثنائية التي لا يستفيد منها، في رأيه، إلا لبنان الذي «تحكمه السفارات». وما لبثت دمشق أن أبعدت لبنانيين قالت انهم لا يحملون تصاريح عمل، كما زعمت حصول اجتماع لـ»لأخوان المسلمين» السوريين في لبنان الذي لا يزال يعاني حصاراً برياً لم تخفف منه الاشارات والكلمات الايجابية الكثيرة الصادرة عن رسميين لبنانيين.

والأبرز في التوجه المذكور انه يأتي عارياً من الايديولوجيا، أكانت على الشكل «الأخوي» الأهلي («القطر اللبناني الشقيق») أم على الشكل «القومي» الحداثيشعبنا العربي في لبنان»).

ولولا هذه البشاعة لقال المرء ان ما يجري الآن قفزة الى أمام، مفيدة للطرفين. فلمصلحة لبنان وسورية معاً أن يتبادلا كلام الدول السيدة المستقلة التي تربط بينها المصالح، وهي كثيرة، وتنظمها السفارات وسائر العلاقات والقنوات الديبلوماسية المعهودة.

لكن ظروفاً سيئة جداً قضت بأن يتخذ الانتقال من الدجل الايديولوجي و»الأخوي» الى الواقع وجهاً بشعاً تدل اليه بعض العواطف الشعبية في لبنان، وبعض العواطف الشعبية والرسمية في سورية. فاللبنانيون، كما هو معروف، عانوا سنوات الهيمنة والمصادرة المديدة، وعانوا توظيفهم واستحمارهم لخدمة مصالح الدولة السورية التي تنسحب على الموضوع الاقليمي انسحابها على الموضوع الاقتصادي. والسوريون عانوا، كذلك، ما لحق بصورة بلدهم من تشويه، وما لحق بعمالهم من أذى مباشر لا تزال طبيعته وحدوده وأعداد ضحاياه غامضة حتى اللحظة. وفي هذه الغضون عانى نظامهم من انسحاب مصحوب بتفاقم التناقضات في الداخل السوري.

بيد ان الشيطان الذي يسكن التفاصيل هنا حريٌ بشيء من الوصف: ذاك ان «المشاعر» العامة في سورية هي، الى حد بعيد، نتاج السلطة وما تفعله السلطة. وهي حالة معروفة في النظم العسكرية والديكتاتورية، حيث يخضع الحس المجتمعي للمصادرة والتكييف اليوميين. أما في لبنان فيعبّر المجتمع عن «مشاعره» في معزل عن السلطة، وأحياناً على الضد منها.

وقد يقال، بحق، ان «مشاعر» اللبنانيين تتجزأ الى عدد طوائفهم. والطوائف تكوينات مأزومة تعريفاً وهي، تعريفاً أيضاً، عاجزة عن انتاج وعي وطني يواكب التحدي المطروح على اللبنانيين جميعاً. غير ان الحاسم هنا ان الوعي «الوطني» الذي ينتجه النظام السوري، شوفينياً، كارهاً للبنان واللبنانيين، قد ينجح في امتصاص تناقضات النظام المذكور بيد انه، بالتأكيد، لن ينجح في بناء وطنية سورية صحية.

الموالون للنظام السوري في لبنان... من الهامشية إلى الانقراض

الموالون للنظام السوري في لبنان... من الهامشية إلى الانقراض

الطاهر ابراهيم

بعد أن أقفل النظام السوري ساحة العمل السياسي على نفسه ،على مدى أكثر من أربعة عقود، لم يكن أمام السوري إلا أن يتوجه إلى همه الأساس في سورية، من دون أن ينسى أن هناك هموما على الساحة العربية.

وعلى هذا الأساس فقد حرصت على قصر كتاباتي على بيان ما يعانيه المواطن السوري من ظلم واضطهاد من نخبة حاكمة يتداول فيها الأبناء بعد الآباء على استنزاف خيرات سورية، تاركين وراء ظهورهم هذا المواطن، لايذكرونه إلا عندما يشتد الضغط الأمريكي على النظام السوري.

ولم أحاول أن أنحرف عن هذا الخط الذي ألزمت به نفسي إلا عندما كانت تتداخل خيوط ما نعانيه كسوريين مع ما ينتج عن سلوك النظام السوري، وما ينعكس عنه مع ما يعضده من مواقف لأحزاب أو أشخاص في هذا القطر العربي أو ذاك.

ولقد كان النسيج السوري اللبناني من التشابك بحيث يصعب عزل أي قضية كانت تنشأ في سورية أو في لبنان عن محيطها في البلدين. فقد كان صدى هذا الحدث اللبناني أول ما يتردد في محافظات سورية، وما يستجد في سورية ينعكس مباشرة في لبنان. ولعل هذه الثنائية كانت أوضح ما يكون أيام الانتداب الفرنسي في سورية ولبنان.

ومع قناعتنا بأنه كان من الصعب على الأحزاب والرموز اللبنانية -في ظل التفويض الذي منحته أمريكا للنظام السوري- أن يكون لها أثر كبير في إلغاء أو تخفيف ما نعانيه كشعب سوري،إلا أننا كنا نتمنى أن لا يساهم أي حزب أو رمز لبناني في شد وتقوية القبضة التي كان يطْبِقها النظام السوري على أعناقنا.

واستطرادا، فإنه إذا كان مفهوما –ولكنه غير مبرر- أن يشد ظهره ،هذا الرمز اللبناني أو ذاك، بسلطان المخابرات السورية، لمكسب انتخابي أو سلطوي، فإنه لم يكن مفهوما ،ولا مبررا، أن يكون عونا للنظام السوري ضد الشعب السوري.

ولقد كان شيئا ملفتا للنظر أن يقف –من خلال البرامج التلفزيونية- سياسي أو كاتب لبناني يدافع عن النظام السوري في مواجهة أحد رموز المعارضة السورية ومفكريها. وما زلت أذكر كيف وقف وزير لبناني يعدد مآثر النظام السوري في مواجهة المفكر السوري "برهان غليون"، وكان هذا الأخير يبتسم استخفافا ممن يدعي أنه أدرى "بشعاب دمشق" من السوريين أنفسهم، حتى كأن هذا الوزير ملكي أكثر من الملك.

واستطرادا فقد كان واضحا أن الذين كانوا يدورون في فلك النظام السوري، ولا تدعمهم أحزاب في لبنان، كان أكثرهم لا يتمتعون بأي ثقل على الساحة اللبنانية. وهذا ما أثبتته الانتخابات اللبنانية الأخيرة التي أجريت حسب القانون "2000"، الذي "فبرك" في عهد الوصاية السورية قبل الانسحاب من لبنان، حيث فشل أكثر أولئك في الحصول على مقعد نيابي، وهذا يؤكد أنهم كانوا هامشيين ومتسلقين.

وإذا كنا نجد في أنفسنا العتب على هؤلاء الأشقاء اللبنانيين في وقوفهم إلى جانب النظام السوري وتأييدهم له في وقت كان يضطهد هذا النظام السوريين واللبنانيين على السواء. إلا أننا كنا نتركهم وما حبسوا أنفسهم من أجله، ونردد: "ومن الحب ما قتل".

ولقد كان موقفنا هذا هو نفسه من "ميخائيل عوض" الذي كان يتفانى في الدفاع عن النظام السوري من دون أن يقدم أي حجة تدعم ما يقول، اللهم إلا ما يجد في نفسه من التصاق بنظام يأمل منه في أن يصل إلى ما وصل إليه غيره ممن التصقوا به خلال فترة التفويض الأمريكي للنظام السوري في لبنان قبل صدور القرار 1559 .

وإذا كنا في ما سبق لم نعلق على ما كان يقوله "عوض" في دفاعه المستميت عن النظام السوري، إلا أنه فاجأنا مؤخرا بهجوم غير مبرر على المعارضة السورية في مقال طويل تحت عنوان: "المعارضة السورية:من الأزمة إلى الإفلاس"، نشرته "كلنا شركاء" في 29 تموز الجاري. وقد خلا هذا المقال من أية موضوعية تجعله يندرج في نطاق النقد البناء، بل كان مجموعة من الشتائم، توحي بأن كاتبها يريد أن يسجل موقفا يحسب له في جدول الحوافز والمكافآت، لا أكثر ولا أقل.

وحتى لا يظن أحد أني أتجنى في حكمي، سأقتبس مما كتبه "ميخائيل" الفقرة التالية وأترك للقارئ الحكم عليها، قال:(المعارضات السورية مأزومة، وقاصرة، ومحدودة التأثير، فاقدة مشروعيات تاريخية وفاقدة برامج عمل وطنية واجتماعية وسياسية،وتفتقد رؤية منهجية واعية للتعرف إلى الواقع وأدواته وعناصره وآليات حراكه، وكيفية التعامل معه. مرتبكة، غير قادرة على الخروج من شرانقها، وقصورها، وشعاراتها وأدواتها ورموزها التي أكل عليها الدهر وشرب.) .

لقد عدد "ميخائيل" أكثر من اثنتي عشرة نقيصة، اتهم بها المعارضة السورية، تحتاج كل واحدة منها إلى إثبات وأدلة وشهود عدول يشهدون على ما يقول. وهو لم يأت بأي شيء من ذلك، وعليه فإن ما جاء به لا يرتفع عن مستوى الافتراء ولو قيد شعرة.

وكان في جملة ما اعتبره نقائص للمعارضة اليسارية في سورية: (أنها قارعت النظام، وتوجهاته الوطنية والاجتماعية، ودخلت السجون لمدد طويلة، واضطهدت واضطهد أنصارها بسبب مواقفها التي كانت على يسار النظام وطبيعته، وعندما عادت إلى الحياة السياسية، اتخذت مواقف على يمينه في المسألتين الاجتماعية والوطنية،). وما لم يذكره "ميخائيل"، أن هذه المعارضة رفضت حوافز النظام السوري مع التبعية له، وفضلت أن تدخل السجون. أما عميد هذه المعارضة الأستاذ "رياض الترك"، فقد دخل السجن ورأسه مرفوعة، من دون أن يحني رأسه للظالم ورفض أن يسبح بحمد النظام وقال "لا" للطاغية، فبقي في السجن 17 عاما.

ولعل الشتائم التي وجهها "ميخائيل" للمعارضة الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين لم تقل إسفافا، عندما قال عنها أنها: ( هي الأخرى مصابة بمقاتل عميقة، فقد استنفدت مشروعياتها وكفاحيتها وأنهكت قاعدتهاالاجتماعية باكرا بسبب استجابتها لضغوط وحاجات دولية أو إقليمية لا تمت بصلة للحاجات السورية الوطنية والاجتماعية، وارتهنت للخارج العربي أو الدولي،). ولو كان "ميخائيل" منصفا –وما أبعده عن الإنصاف- لكان عرف لها حقها بعد أن دفعت هذه المعارضة ثمنا لمواقفها المبدئية أن سجن الآلاف من أتباعها، ورفضت نظام الحوافز. ونسي "ميخائيل" أن هذه المعارضة هي أول من قال لا للاستقواء بالأجنبي على الوطن في مؤتمرها في لندن في آب 2002 ، عندما قالت في البيان الختامي: "أن من يستقوي على الوطن بالأجنبي فقد هانت عليه نفسه".

وأخيرا: لقد انقضى العرس وانفض السامر في لبنان، بعد ما ظهر للعيان من هو الأقرع ومن هو صاحب الشعر؟ وذهبت الأحزاب اللبنانية بما حصدته من مقاعد نيابية كل حسب ثقله لدى الشارع اللبناني.أما من كان مواليا للنظام السوري عن قناعة، فقد انزوى يراجع حساباته في بيته، أين أصاب وأين أخطأ؟. أما الهامشيون منهم الذين ما يزالون يبحثون عن الحوافز فلن يمضي عليهم وقت طويل حتى يطويهم النسيان وتنساهم الأحداث، لأنهم غثاء كغثاء السيل.

الطاهر إبراهيم: كاتب سوري يعيش في المنفى

"الرأي / خاص"

من دمشق إلى بيروت مع «أطيب» ال...

من دمشق إلى بيروت مع «أطيب» ال...

جوزف سماحة

فرضت سوريا إجراءات صارمة على حدودها مع لبنان. الذريعة أمنية. الحقيقة سياسية. وتحولت الحدود الانسيابية إلى حواجز تتجمع عندها شاحنات النقل، وتفسد البضاعة، ويتعطل الترانزيت.

.. وفي حين تعلو الضجة والشكوى في لبنان من التجار والصناعيين والمزارعين تلتقي المؤشرات التي تقول ان ما يجري ليس قمة جبل الجليد من «الاستياء» السوري وهو الاستياء الذي يمكنه أن يكون عالي الكلفة على لبنان سواء أكان محقاً أو مخطئاً.

لقد فرضت هذه التدابير بعد الانتخابات النيابية التي أنتجت أكثرية جديدة، وفي مرحلة تالية لتقديم نجيب ميقاتي استقالة حكومته وسابقة لتشكيل فؤاد السنيورة الحكومة. أي أنها، في الواقع، مرحلة فراغ سياسي يصعب خلالها على أي جهة لبنانية رسمية أن تتولى مسؤولية الحوار بكل الأشكال.

ولذا تسبب ذلك في حصول احدى الغرائب التي يتخصص بها الوضع اللبناني. فلقد ارتفعت أصوات تطالب الشخصيات والمسؤولين والأحزاب من «أصدقاء سوريا» بالتدخل لديها علما أن هذه «الصداقة» كانت، لأيام خلت، تهمة خطيرة. فالمعارضة السابقة هاجمت النظام السابق لتبعيته لدمشق واستمرت في معركتها ضد «بقايا النظام الأمني المشترك»، وأقدمت لاحقا على مناشدة هذه «البقايا» التدخل.

لا شك أن ميقاتي كان يعرف حجم الأزمة. لذا فإنه قام باتصالات ليس الهدف منها سوى القول انه قام بواجبه في إطار «تصريف الأعمال». وكذلك أقدم السنيورة على اتصالات مع دمشق وعقد اجتماعات مع رئيس المجلس الأعلى السوري-اللبناني، وأوضح أنه سيبادر إلى زيارة سوريا فور نيله ثقة البرلمان.

غير أن السؤال الذي طرح نفسه بإلحاح هو: يزور السنيورة سوريا من أجل ماذا؟ فهو جاء إلى موقعه ممثلاً لأكثرية بادرت إلى المطالبة بتعديل العلاقات اللبنانية-السورية في شكلها السابق. وإذا كانت محطات دامية تخللت إطلاق المبادرة والوضع القائم اليوم، فإن ذلك لا يمنع أن الأكثرية اللبنانية الجديدة مطالبة، أكثر من باقي اللبنانيين وأكثر، طبعاً، من السوريين، بتوضيح صورة المستقبل الذي تريده.

ولعل هذا هو السؤال الذي عاد به المناضل العربي عزمي بشارة من زيارة قام بها إلى دمشق وعاد بعدها إلى بيروت: ماذا يريد لبنان من سوريا؟ ولقد كلفه نقل هذا السؤال البديهي تباشير حملة غير مجهولة الدوافع والأسباب.

إن السؤال وجيه إلى حد بعيد. فمن يراقب المشهد اللبناني الحالي يلاحظ أن لا حوار داخلياً جدياً حول الموضوع، وليس هناك من يدعي امتلاك تصور أو اقتراحات. كذلك يصعب معرفة ما إذا كانت الأكثرية الجديدة مهتمة بالاقتصاد والحدود المفتوحة فقط، وما إذا كانت راغبة في إقامة علاقات دبلوماسية وافتتاح سفارة؟

إلى ذلك لا يعرف اللبنانيون تقديم حكامهم الجدد للاتفاقيات المتعددة مع سوريا، ونوايا السلطة في مجال السياسة الخارجية وما إذا كانت ستحفظ للبنان خياراته الإقليمية العامة؟ المعروف فقط هو أن هذه الأكثرية، بمواقعها الراجحة، تقول انها ضاقت ذرعاً بما كان قائماً وأنها لا تعارض حتى علاقات «مميزة» لاحقا على ما في وصف «مميزة» من غموض.

المشهد من سوريا لا يقل التباساً ولو أن دمشق، الخاسرة أيضا من تدهور العلاقات، تتصرف كمن يقدر على تحمل الأضرار وكمن هو مستعد لأسوأ الاحتمالات. إلا أن المطلعين على الأجواء السورية يقولون ان «المرارة غالبة». ففي رأي المسؤولين أنهم سمعوا كلاما لبنانيا كثيرا حول الرغبة في إقامة أفضل العلاقات بعد الانسحاب.

غير أن وقائع ما بعد الانسحاب تخالف هذا الكلام. لقد ازدادت سلبية بعض اللبنانيين، وتولى البعض الآخر تعميم الأقاويل عن استمرار التدخل الاستخباري الأمر الذي استفادت منه دول أجنبية، وتولى قسم من اللبنانيين رفع لواء النزعة الاستئصالية حيال «أصدقاء» سوريا في الأجهزة والإدارات والسفارات. يتحدثون في دمشق عن «مطاردة الساحرات» وعن «محاكم التفتيش».

ويرون في ذلك دلائل على أن الدفع قوي نحو نشوء نظام لبناني معاد لسوريا ويمكنه أن يشكل مرتكزا لحملة ضغط عليها. لهذه الخشية ما يبررها. فالوضع اللبناني زئبقي إلى حد بعيد. وتشير الحملات الإعلامية إلى وجود مراهنين جديين على «دول الوصاية» الجديدة (أميركا وفرنسا تحديدا) من أجل تأديب سوريا ولو أدى الأمر إلى إدخالها في أزمة.

وثمة معطيات تقول ان واشنطن وباريس راهنتا على أن تفاعلات الحدث اللبناني الذي أرغم القوات السورية على الانسحاب ستتطور حسب نظرية «الدومينو» لتصدير المأزق إلى سوريا نفسها وتهديد النظام القائم فيها. وتدل وقائع ندوة عقدت في 21 مارس الماضي (بعد أسبوعين على تظاهرة بيروت العملاقة، وقبل أسابيع عن استكمال الانسحاب السوري) على وجود مثل هذا التوجه.

لقد ضمت الندوة مسؤولين وخبراء أميركيين واسرائيليين (أميركي واحد من أصل لبناني) سبق لبعضهم أن اهتم بقضايا المنطقة. وكان واضحا فيها أن تيارا أميركيا-اسرائيلياً لا ينظر إلى ما يحدث في لبنان إلا بصفته مقدمة ضرورية ستقود إلى انهيار النظام في دمشق.

لكن أسابيع وشهوراً مضت من دون النجاح في إعادة تصدير الأزمة. ولقد لوحظ، في خلال ذلك، أن الفرنسيين راجعوا حدة موقفهم، وأن الأميركيين انتقلوا إلى المطالبة بتغيير السياسة لا بتغيير النظام. ولكن ما تجدر الإشارة إليه هو أن قوى نافذة في واشنطن ما زالت تعتبر أن سوريا لا يمكنها أن تلبي الشروط الأميركية كاملة، أي تغيير السياسة، من دون أن تجازف بتهديد الوضع القائم فيها.

لقد اختارت دمشق التوقيت المناسب من أجل توجيه رسالة سياسية قاسية إلى لبنان: عشية الحكومة الجديدة، غداة انعقاد مؤتمر حزب البعث، ازدياد الارتباك الأميركي في العراق، الحاجة المشتركة في واشنطن وتل أبيب لتمرير خطة الفصل في غزة بهدوء... ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن هناك، في دمشق، من قرر عدم انتظار انتهاء أعمال لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

الا أن الرسالة لم تقتصر على التشدد عند الحدود. ارفقت بها إشارات جانبية من نوع إثارة الاعتداءات التي تعرض إليها عمال سوريون في لبنان، والتلميح إلى استعداد لتعديل الاتفاقات وإلغاء الامتيازات التي كان يتكل لبنان عليها، ووقف بيع الغاز بأسعار مخفضة. وتفيد المعطيات أن التوجهات الرسمية السورية تلقى صدى شعبياً إيجابياً يستفيد من «التعقيدات» التاريخية الكثيرة بين اللبنانيين والسوريين.

وإذا كان ذلك صحيحا فإنه يصبح واضحا أن النظام يملك ورقة ثمينة لن يتردد في لعبها لتمتين قاعدته ولانتاج عصبية وطنية ضد «اللبنانيين الجاحدين وناكري الجميل». ويعني ذلك أن الخروج من لبنان، بهذا الشكل، تحول إلى سلاح «مع» بدل أن يكون سلاحا «ضد».

لذا يمكن التوقع أن زيارة واحدة من السنيورة لن تحل المعضلة، قد تفتح الحدود في أحسن الحالات، ولكنها لن تستطيع أن تبلور الصيغة الجديدة للعلاقات.

كاتب لبناني

"البيان"

الامم المتحدة تطالب سورية بوقف التعذيب والافراج عن الناشطين

الامم المتحدة تطالب سورية بوقف التعذيب والافراج عن الناشطين

جنيف ـ رويترز: طالبت الامم المتحدة سورية الجمعة بوقف تعذيب السجناء وباطلاق سراح ناشطي حقوق الانسان المسجونين. كما اعربت لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة عن قلقها البالغ بشأن استخدام سورية لعقوبة الاعدام وقالت ان ذلك يتعارض مع الاعراف الدولية. وقالت في تقرير انه يتعين علي السلطات السورية اتخاذ اجراءات حاسمة لوقف استخدام الحبس الانفرادي والقضاء علي جميع صور التعذيب والمعاملة القاسية أو غير الانسانية أو المهينة أو العقاب . كما طالبت بالافراج فورا عن المعتقلين السياسيين وناشطي حقوق الانسان وقالت ان قانون الطوارئ المفروض في سورية منذ عام 1963 يجب الا يستغل في قمع المؤيدين لحقوق الانسان. وذكر التقرير ان سورية يتعين عليها حماية حرية التعبير والتجمع والغاء التجنيد الاجباري في الجيش وحماية الاقلية الكردية في البلاد. وتراجع اللجنة التابعة للامم المتحدة التي تضم 18 خبيرا مستقلا في القانون مدي التزام الدول الاعضاء في المنظمة الدولية بالمعاهدة الدولية لحقوق الانسان وهي حجر الزاوية للقانون الدولي لحقوق الانسان. وكثف المجتمع الدولي خاصة الولايات المتحدة الضغط علي سورية لاحكام السيطرة علي حدودها لوقف تسلل المقاتلين المعارضين للولايات المتحدة الي العراق كما دفع دمشق الي سحب قواتها من لبنان في نيسان (ابريل) الماضي. وقالت اللجنة ان سورية لم تكن واضحة بدرجة كافية فيما يتعلق بحالات اختفاء ابلغ عنها في لبنان وطالبت دمشق بتحديد مصير المعتقلين الذين لا يزالون في عداد المفقودين. وذكرت جماعة عربية لحقوق الانسان يوم الاربعاء الماضي ان سورية اعتقلت رجلين طالبا علناً بالافراج عن اقارب لهما معتقلين في جرائم سياسية.

دمشق: عاصمة لا تنام

2005-07-29

دمشق: عاصمة لا تنام

قدس برس

ليل العاصمة السورية لا يهدأ مع خروج العائلات للاستمتاع بالهواء الليلي المنعش اثر صيف قائظ.

دمشق - الساعة تقترب من منتصف الليل، لكن صفارات السيارات في شارع ميسلون، الذي يقع فيه فندق الشام، حيث أقيم، لا تتوقف.. الشارع مزدحم بالسيارات والمارة.. سوق صغير ينتصب على جانب الطريق، ومحلات البوظة و"الآيس كريم" والعصائر والمطاعم مشرعة أبوابها، والحركة فيها لا تتوقف.. هكذا هي دمشق، وقد ألقت بيوتها ما في بطونها إلى الشارع، في هذه الأيام الصيفية الساخنة، بعد أن خفّ لهيب الشمس وبدأ الهواء يميل إلى الرطوبة المنعشة، وخف نزيف العرق المتصبب من الجبين، من دون أن ينقطع.
أنهيت تجوالي على أماكن مختارة في مخيم اليرموك، وعلى مؤسسات وبعض متاجر فلسطينيين ناجحين، جاؤوا سورية فارغي الأيدي، لا يحملون معهم سوى كثير من الرعب وكثير من الحقد في قلوبهم.. رعب بسبب ما رأوا من مجازر وجرائم طالت أقاربهم وأحبابهم ودورهم وأرضهم، وشجرهم وحجرهم، وحقد على من نكبهم في بلادهم، وطردهم منها.. ولكنهم صاروا، رغم النفي والتشريد والنكبة، من كبار التجار والمهندسين والأطباء في بلاد اللجوء..
أنهيت تجوالي مع الفلسطينيين، وذهبت متعبا إلى مقهى الهافانا، حيث ارتحت قليلا، وشربت قهوتين تركيتين متتابعتين وكثير من الماء البارد، على نغمات سيدة الغناء العربي الراحلة أم كلثوم، ثم خرجت من الهافانا أسعى، متجها نحو سوق الحميدية.. الحركة هنا على أشدها، والمتاجر في قمة عملها، والناس يسيرون الهوينى في الاتجاهين في السوق القديم، المزدحم بالناس وبالبضائع من كل لون ومن كل صوب وحدب ومن كل منشئ..
حين يصير التمر هندي فلكلورا
الشاب معن مصطفى ابن التاسعة عشرة ربيعا يلعب بكؤوسه في الهواء، ويسكب فيها عصير التمر هندي، بطريقة مشهية.. يسكب الماء من إبريق صغير من مسافة قصيرة ثم تبدأ المسافة في التباعد، ثم تتقاصر فجأة.. يسكب الماء.. يبل الأرض الظمأى بشيء من إكسير الحياة، هي أحوج ما تكون إليه في هذه الأيام القائظة، ثم يسكب التمر الهندي من إبريقه الكبير، المعلق على ظهره، ويضيف إليه قطرات رقيقات من ماء الزهر، ويقدمه لزبائنه مبتسما في وجوههم..
يستلم معن من الزبون عشر ليرات لكل كأس، أو ما يعادل 20 سنتا من الدولار.. يضعها في جيبه، ويقدم كأسا جديدا لزبون جديد، بعد أن يغسله ويسكب فيه عصير التمر الهندي وماء الزهر، في حركة مستمرة لا تكاد تتوقف.. أما إذا أعطاه الزبون ورقة مالية من فئة 50 ليرة أو أكثر، فإن معن يمد يده بلطف ومهارة إلى طربوش جميل يضعه على رأسه.. يضع فيه الوريقات المالية، ويرد الباقي إلى الزبون الذي يكون قد ارتوى من العصير.
غير بعيد عن معن مصطفى ينتصب بائع تمر هندي آخر.. له حركاته الخاصة، وطريقه المميزة في جلب الزبائن.. إنه تمام محمد الربيع البالغ من العمر 25 عاما، بائع التمر هندي منذ 8 أعوام كاملة. يصف لباسه وعدته بالقول "هذا الصف بينحط فيه الكاسات.. هذا إبريق تمر هندي ينحط في قلبه التمر هندي والثلج.. فيه هون عندك إبريق مي (ماء)، وفيه الطربوش.. الطربوش هذا فيه المصاري، ومنه منظر، وفيه عندك هاي الصدرية: اللباس العربي، والشروال والكسرية.. طبعا هذا كلاته (كله) زي عربي أديم (قديم).. وهذا كله تراث سوري".
يقول تمام إنه تعلم هذا العمل عند شخص اسمه أبو بشارة "هو صاحب هاي الشغلة بالأساس.. أبو بشارة الحلتة.. صاحب كل شي إبريق تمر هندي بالشام.. بسوريا كمان". وأضاف "الحميدية.. شارع النصر.. القصر العدلي.. كله هذه إيلو.. هاي إيلو وأنا أشتغل عندو". وسكت قليلا ثم قال "هذا تمر هندي.. تمر هندي عادي طبيعي.. هو من الهند بيجي.. بس عصيرنا".
غير بعيد من تمام يقف بيير الحلتة نجل أبو بشارة الحلتة، يتابع العمل، ويراقب العاملين. وحين سألته عن مهنته ومهنة والده قال قول العارفين، وبدا وكله ثقة وهو يقول "هذه فلكلور قديم يمثل سورية، وهو أساسه تركي.. عرفت شلون.. والأساس قبل التركي أرمني.. بعدين أخذنا أحنا هاي الشغلة من تقريبا مائة سنة.. يعني من أيام جد جدي، وبيظل فلكلور شعبي وشغلات شعبية.. نقدم حفلات عرايس.. نقدم حفلات مطاعم.. نقدم حفلات بوزارة السياحة أو بالمحافظة وبكل هذه الأطر".
بيير يرفض أن يعطي رقما ولو تقريبيا لعدد العاملين مع والده في بيع التمر الهندي في الأسواق والأماكن المختلفة في العاصمة دمشق وفي باقي المحافظات السورية.. وحين ألححت عليه أن يعطي رقما ولو تقريبيا قال مراوغا "لا الحمد لله.. تقريبا ها الأد تقريبا". وأضاف مغيّرا الموضوع "وين ما تشوف إبريق تمر هندي يعني سورية موجودة بقلبه.. وإذا طلع لبره وشافوا إبريق تمر هندي، فهذا يعني أنه هذا هو الجناح السوري".
خارج سوق الحميدية.. في الأسواق الشعبية، التي تمتد على كثير من الأرصفة في شوارع دمشق القديمة.. أباريق التمر هندي لا تغييب.. إنك تجدها، في هذا الصيف الحارق، حيث ما وليت وجهك، لكن الأسعار تختلف، فغير بعيد من دوار المزة مثلا، حيث يوجد سوق شعبي يغزو جميع الأرصفة القريبة، ينخفض السعر.. يصبح 5 ليرات سورية فحسب لكأس العصير، والكل يشرب، ويخفف ما به من حريق.
ترد العجوز صبية
"طيبة باردة .. طيبة باردة.. تع روق دمك".. "دمعة أصلية.. تشربها العجوز ترجع صبية".. إنه عصير التوت، الذي يعرضه البائع ضياء عبود، ذو الـ34 ربيعا، مع اثنين من "الصناع" الماهرين، يبدعان في وصف ما يبيعان من عصير للعطشى الملهوفين.. شربت كأسا من العصير مخلوطا بالثلج، وسألت البائع هل لي من أمل في أن يسود ما ابيض من شعر رأسي، إن كان عصيره يرد العجوز صبية، لكن البائع، الذي يبدو معتادا على طرح السؤال عليه أجابني بسرعة وبخفة دم قائلا إن عصيره يرد القلب شابا بعد أن يهرم، أما الشعر الأبيض فليس لي حظ في سواده من جديد.
البائع عبود يبدو أكبر من سنه، وهو بائع متجول منذ سنين بعيدة، يبيع كل موسم ما يقدّر أنه مدر للمال من ذرة وفول وما سواهما.. وفي كل صيف يختار بيع عصير التوت الشامي، غير بعيد من المسجد الأموي.. يقول إنه قضى عشرين عاما وهو يبيع هذا العصير، وأنه مع الوقت ومرور السنين توسع عمله، وصار لديه من يعاونه.. يأتي بالتوت من جبل الشيخ، ويقوم بعصره وتصفيته، ثم يأتي به لعرضه على الزبائن، مشهيا إياهم فيه بمعسول القول، فيشربون ما لذ منه، ويجمع هو من المال ما يستعين به على نوائب الدهر.
يقول عبود إنه يحرص على الأخلاق في التعامل مع زبائنه، وأنه يعتبر الزبون دائما على حق، ولعله يستوي في ذلك مع من سواه من التجار، وأنه يضطر للصبر على مكاره بعض الزبائن، حتى تمشي الأمور، ويستمر في عمله، "فحتى لو شتمنا الزبون نسامحه.. نقول له الله يسامحك، لأن مصلحة العمل تتطلب الهدوء والمسامحة والعمل الجيد". ويقول إنه لا يعرف الراحة، وإنه يعمل في اليوم أكثر من 15 ساعة كاملة.. وحين مازحته قائلا "تبدو الصحة حديد"، أجاب مبتسما "الحمد لله.. الحمد لله.. الصحة منيحة".
وعندما سألته عن أطرف شيء قابله في عمله طيلة عشرين عاما، أصر المعلم عبود على القول "ع طول الواحد يتعامل بلسان حلو ما بتصير أي مشاكل أو أي تعب". وصمت لبرهة قصيرة وأضاف "لا.. لا.. المشاكل ما فيه بنوب".. وقال مبتسما، مستخدما اللهجة المصرية "الحمد لله كله تمام".
أما عبد الفتاح حلوان "الصانع" عند المعلم عبود فيدرس في الجامعة، وهو في عامه الرابع في كلية الاقتصاد، لكنه اعتاد منذ عامين، مثله مثل كثير من نظرائه وأنداده من الشباب، أن يبيع عصير التوت الشامي في الصيف ليجمع بعض المال يساعده على مصاريف الدراسة. يتحدث عبد الفتاح معي قليلا ثم ينادي على زبائنه بصوت جهوري "طيبة باردة .. طيبة باردة.. تع روق دمك".. "دمعة أصلية.. تشربها العجوز ترجع صبية".. أو يسكب ببراعة عصير التوت في كأس ويقدمه لزبونه مثلجا لذيذا. وحين سألته عن أطرف شيء قابله في عمله هذا، خلال العامين الماضيين.. فكر قليلا وقال إن أطرف ما قابله أن شابا جاءه يوما وطلب منه أن يعطيه ثلجا دون عصير.. وسكت قليلا وأضاف ضاحكا "يبدو أن قلبه كان سيحترق فطلب ما يطفئ به النار فأعطيته".
باعة نسور ورواد مسجد لا يصلون
وصلت إلى نهاية سوق الحميدية.. تركت خلفي من يبيعون نسورا محنطة، فاتحة أجنحتها تستعد لطيران لن يحصل، ورأيت شابا يجوب السوق ببغاء جميل الشكل، طويل الذيل، والناس يتحلقون حوله، حيثما سار، لعلهم يسمعون كلمة أو ربما شتيمة أو نكتة من هذا الطائر الجميل.. وصلت إلى الجامع الأموي.. بدا لي عظيما شامخا في السماء.. الناس يدخلون ويخرجون.. آذان المغرب يصدح، والناس خارجون من الباب الرئيس، بعد أن تجولوا في أطراف المسجد العظيم، وآخرون أمثالهم في العدد أو أكثر منهم قليلا يدخلون للصلاة..
نساء وأطفال يتجمعون حلقا حلقا، يجلسون في فناء المسجد على الرخام البارد الجميل، هربا من الهواء المختنق في الخارج.. مجموعات أخرى في الداخل تتحدث أو تصلي في خشوع، وأصوات المؤذنين تنساب رائعة رتيبة بأنغام ساحرة.. دعاء على اليهود الظلمة قبل الصلاة.. دعاء على اليهود الظلمة بعد الصلاة.. دعاء يرتفع إلى عنان السماء بوحدة صف المسلمين ونصرهم على أعدائهم.. هذا هو النفس الجديد الذي لاحظته في العديد من مساجد دمشق، ولم أره بالوضوح نفسه قبل نحو عام ونصف العام.
حديقة تشرين.. رئة دمشق الخضراء
صليت مع المصلين، ودعوت مع الداعين، وعند انتهاء الصلاة خرجت.. كان لابد من إتمام الصورة، بزيارة حديقة تشرين، والوقوف على نهر بردى، الذي أعطاه أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله شهرة طارت به في أرجاء الدنيا.. إنها أعظم حديقة في العاصمة دمشق.. بل هي رئة دمشق التي تتنفس منها في ظل الزحف المتزايد للعمران والسيارات.. لكن بردى بدا لي صغيرا منكفئا على نفسه، كجدول هامشي. سألت الناس فقالوا إنه يفيض ويمتلئ في الشتاء، فصل نزول الأمطار.
الناس في الحديقة حيث ما اتجهت.. الهواء رائق وممتع.. العائلات تجلس مجموعات مجموعات.. هنا يأكلون ويشربون ويتسلون، والأطفال حولهم يمرحون ويتخاصمون ويضحكون ويبكون.. هكذا هي حياة الأطفال. السيدة فتحية سيدة مصرية تزوجت سوريا حين كانا في الكويت، قبل حرب الخليج، وبسبب المشكلات العديدة المتعلقة بنقل مدخراتهما من الكويت توفي زوجها قبل 3 أعوام، بعد أن عانى من مرض القلب.. السيدة فتحية جاوزت الخمسين، وحولها ابنتها أماني وأطفالها الثلاثة.. قالت إنهما جاءا ومعهما الأطفال من حي يبعد عن حديقة تشرين 8 كيلومترات.. جاءا لشم الهواء.
غير بعيد منهما تجمع ما بين 15 أو 20 شابا يغنون، ويرقص أحدهم ببراعة في وسط الحلقة التي شكلوها بشكل تلقائي.. يتجمع حولهم بعض الأطفال، والعائلات المحافظة تحاول أن تنأى ببناتها عنهم وعن غنائهم المشوب بشيء من الفحش.. أما أصحاب اليسار من الناس فيجدون في الحديقة الكبيرة متنزها بعد أن قضوا شطرا من الوقت في المطاعم والمقاهي المنتشرة على ضفة بردى من جهة جبل قاسيون. هنا يلتقي العشاق، ولهم في الحديقة ساحة عظيمة بالغة الجمال باسمهم.. أو يلتقي أصحاب الأعمال ومن أراد أن يتمتع بجمال الحديقة، من دون أن يخالط "العامة" من الناس.. لكن العامة يبدون أسعد في هذه الحديقة من سواهم.. ولعل الله قد قضى، لحكمة يعلمها، أن لا يجمع على الناس، كل الوقت، الفقر والشقاء، فتراهم يعبّرون بتلقائية عما يلاقونه في هذه الحديقة من سرور، بخلاف أصحاب المال، الذين ترى التجهم غالبا عليهم.
الجلبة خارج الحديقة مستمرة، والشوارع مزدحمة، وصفارات السيارات لا تكاد تتوقف.. وسائق التاكسي الذي أخذني إلى الفندق، وكان متبرما من شدة الزحام، قال متجهما "السواقة فن وذوق وأخلاق"، لكنه يعتب على سائقي أهل بلده لأنهم تخلوا عن جميع تلك الصفات، فصارت السياقة خطرا محدقا بالناس، على حد ما قال.
الفندق بارد، والهواء فيه منعش ولذيذ، لكن برود الهواء في هذا الصرح الممرد يترافق أغلب الوقت مع برود المشاعر والأحاسيس. هنا يشعر المرء بقطيعة مع دمشق.. فكأن نازل هذا الفندق يعيش في لندن أو نيويورك أو أي عاصمة دولية، لا في عاصمة الأمويين.. فالفندق الذي يطاول السماء مثل قلعة ضخمة شامخة، يقطع المرء تماما عن الخارج، وإذا كان يريح الأعصاب من سماع صفارات السيارات، التي لا تعرف التوقف حتى ما بعد منتصف الليل، فإن أشد ما يثقل على نفسي أنه يحرمني من سماع المساجد تصدح من كل صوب واتجاه بالترانيم الجميلة البديعة وبالآذان قبل صلاة الفجر.

من أنفاق باريس إلي حافلات لندن: هل للإرهاب أمثولة حقوقية؟

من أنفاق باريس إلي حافلات لندن: هل للإرهاب أمثولة حقوقية؟

صبحي حديدي

القدس العربي


بلير، المحامية السيدة شيري وليس رئيس الوزراء السيد توني، حذّرت من انتهاك الحرّيات المدنية والعامة في غمرة هذه الحمّي التي تجتاح بعض الدوائر السياسية والإعلامية والأمنية البريطانية بصدد الإلحاح علي إصدار أو مراجعة أو تشديد قوانين مكافحة الإرهاب. وضمن سياق محاضرة ألقتها في ماليزيا، وكذلك في مقال وقّعته هذه المرّة باسم شيري بوث ونشرته صحيفة الـ غارديان البريطانية يوم أمس، دافعت بلير بحرارة عن القِيَم الحقوقية والمدنية التي تمنح أيّ نظام ديمقراطي شرف أن يكون متمدّناً : من السهل تماماً أن نردّ علي ذلك الإرهاب بطريقة تنسف التزامنا بالقِيَم والقناعات التي نتمسّك بها عمقياً، وتبخس حقّنا في أن نسمّي أنفسنا أمّة متمدّنة .
والحال أنّ أياً من تلك القِيَم لم تكن قد احتُرمت في واقعة مقتل المواطن البرازيلي جان شارل دي مينيزيس في محطة أنفاق ستوكويل في لندن الأسبوع الماضي، ليس علي صعيد أسلوب القتل بالدم البارد، بسبع رصاصات في الرأس وثامنة في الكتف، بعد السيطرة علي الرجل (إذْ لهذا الأمر ملابسات أخري من الحكمة أن يتركها المرء للتحقيقات المختصة)، بل علي صعيد قتل الرجل مدنياً وحقوقياً إذا جاز القول. ذلك لأننا نعرف اليوم، دون أدني ظلّ للشكّ وعلي نقيض من رواية سكوتلنديارد والمفوّض إيان بلير نفسه وتسعة أعشار وسائل الإعلام البريطانية المسموعة والمرئية، أنّ القتيل لم يكن يرتدي سترة ثقيلة يمكن أن تخفي حزمة ناسفة، بل سترة جينز خفيفة؛ وكان يملك بطاقة إقامة قانونية، ولا شيء بالتالي كان يستدعي فراره من وجه الشرطة؛ وكان يحمل بطاقة صالحة لدخول الأنفاق، ولهذا لم يكن مضطراً للقفز فوق حاجز العبور؛ وأنّ مقتله، أخيراً، لم يكن علي صلة من أيّ نوع بالاعمال الإرهابية التي شهدتها لندن في الآونة الاخيرة.
وهكذا فإنّ هواجس خسران بعض، أو ربما الكثير من، المكتسبات المدنية والحقوقية التي أنجزها المواطن في ظلّ الأنظمة الديمقراطية العريقة تتضاعف عشرات المرّات حين يجري قياس مقارن من أيّ نوع بين مصير البرازيلي دي مينيزيس، والمصير الذي كان ينتظر البريطاني من أصل صومالي ياسين حسن عمر، أو البريطاني من أصل أريتري مختار محمد سعيد إبراهيم، وكلاهما في دائرة الإشتباه عن أعمال الإرهاب التي كان مقرراً أن تقع يوم 21 الجاري وفشلت لحسن الحظ. وإذا كان الخطأ الإنساني، الممتزج بالتوجس ورهبة المهمّة وضرورة اتخاذ قرار ضمن كسور الثانية الواحدة ربما، هو المسؤول عن مقتل البرازيلي البريء، فإنّ سقوط ياسين (24عاماً) ومختار (27) في حمأة الإرهاب والكراهية والقتل العشوائي وهستيريا الإستشهاد الزائف يضرب بجذوره في أرض أخري مختلفة: من النوع الذي تحرص السيدة بلير علي إبقائه بعيداً عن المزيد من التلوّث بإشعاعات ما يُسمّي الحرب علي الإرهاب ... أياً كانت وسائل تلك الحرب، وحتي إذا كان الثمن خسران العديد من الأسباب الجوهرية التي تبرّر انتساب أيّ نظام ديمقراطي إلي أخلاقية التمدّن ودولة الحقّ وسيادة القانون.
طبيعي أن لا نتعجّل الحكم علي الأسباب التي جعلت ياسين ومختار في هذه الحال الفظيعة من الإستعداد لقتل الأبرياء في المجتمع البريطاني ذاته الذي منحهم اللجوء الآمن وجواز السفر أيضاً. غير طبيعي، بل وأشبه بدفن الرؤوس في الرمال، أن لا نستعيد بعض العبرة من وقائع مماثلة عن أعمال إرهابية جرت غير بعيد عن بريطانيا، وانطوت بدورها علي حيثيات شبه متطابقة. أعني، هنا، موجة الأعمال الإرهابية التي طالت فرنسا صيف 1995، وتضمنت أيضاً تفجير محطة مترو سان ميشيل الرئيسية في قلب باريس، وكان أحد أبرز منفّذيها الفرنسي من أصل جزائري خالد قلقال (الذي كان، حين قُتل علي يد الشرطة الفرنسية في 29/9/1995، في سنّ ياسين حسن عمر بالضبط : 24 سنة).
بعد نحو أسبوعين وقع الإنفجار الإرهابي الثامن في قلب العاصمة الفرنسية، علي مبعدة أمتار قليلة من موقع العبوة الأولي التي باغتت الباريسيين والعالم صبيحة 25/7/1995، فعاد ملفّ خالد قلقال يرشق كوابيسه الأمنية والأخلاقية علي مشهد الحياة اليومية الفرنسية، وعاد الفتي القتيل ليحتلّ من جديد صورة خالد الغابة ، نسبة إلي روبن الغابة في اللغة الفرنسية أو روبن هود كما هو معروف عالمياً. وزير الداخلية الفرنسي آنذاك ورئيس الجمعية الوطنية اليوم، جان ـ لوي دوبريه، كان في موقف لا يحسده عليه حاسد، ليس لأنه الوزير المعنيّ بهذا الملف فحسب، بل أساساً لأنه الرجل الذي قفز علي الفور إلي استنتاجات خَلاصية. اعتبر دوبريه أنّ موجة التفجيرات تكاد تقترن بشخص خالد الغابة ذاك وحده، وبسقوطه صريع إحدي عشرة رصاصة (خارج ظلمات مكمنه، المادي والمجازي) يكون في وسع الفرنسيين أن يناموا قريري الأعين. أو... بأعين توجّب أن تظلّ نصف قريرة، كما أثبتت الوقائع اللاحقة.
ذلك لأن انفجار محطة مترو سان ميشيل في ذروة ازدحامه الصباحي، ممّا أسفر عن مقتل ثمانية وجرح 80، كان قد أعاد الفرنسي العادي أو الفرنسي المتوسط إلي اصطراع جديد واختلاطات أشدّ عسراً علي التفسير، وأدعي إلي أيّ شيء باستثناء النوم علي حرير الخطة الأمنية. وتلك كانت خطة نشرت عشرات الآلاف من رجال الأمن والجيش، واستوقفت ودققت في أوراق أكثر من مليوني شخص، وردّت من الحدود الفرنسية أكثر من عشرة آلاف مسافر، وتلكأت عند مشتبه يقيم في ستوكهولم ترفض العدالة السويدية التسليم بوجوده في مسرح التفجير الإرهابي الأوّل. وتلك ذاتها الخطة التي انتهت إلي متهم ترك بصماته علي عبوة لم تنفجر فوق سكة قطار بعيد، ثم اعتصم في غابة تحوّلت إلي اختزال كثيف للأسرار والإستعارات والرموز، حتي خرج إلي عراء حتشد بآلاف من رجال الأمن، فسقط تحت وابل الرصاص و... المزيد من وابل الألغاز.
الفرنسي العادي ظلّ علي قلق، وكان محقاً تماماً في الذهاب بالقلق إلي أقصي مستوياته. وكما في تفجيرات لندن أو أيّ أعمال إرهابية مماثلة، لم يكن ثمة ريب في طبيعة هذا الإرهاب الأسود الصريح العشوائي الأعمي الذي يبصر، مع ذلك، براءة الضحايا ويبصر محتوي ما تبعث تلك الأعمال من رسائل في الكراهية الجماعية والتعصّب والرهاب والترهيب. ولكن الفرنسيّ، كمثل حال البريطاني اليوم علي الأرجح، كان يضيف الأسئلة إلي القلق، ويسعي إلي فهم السياقات الأعلي لموجة الإرهاب، ويتوقف تحديداً عند مسار الوقائع التي أجهزت علي فوز دستوري شرعي صريح لـ جبهة الإنقاذ الجزائرية ، بموجب اللعبة الديمقراطية ذاتها التي يعرفها الفرنسي معرفته لراحة اليد.
الإعلام الفرنسي تحدث عن تركة شارل باسكوا الثقيلة ، في إشارة إلي وزير الداخلية الأسبق المتشدد، وعن خيارات سياسية ـ أمنية زجّت فرنسا في دوامة جزائرية جديدة أشد ضراوة في شروطها ومعطياتها من الدوامة التي أدارت طاحونة الدماء عشية اختتام حرب التحرير واستقلال الجزائر. ولكن بعيداً عن دائرة الإعلام، التي لم تكن قادرة دائماً علي تمثيل هواجس الفرنسي المتوسط، كان في وسع المرء أن يقرأ ترجمة أوضح للقلق العميق الذي أخذ يتناهب البشر حين وقعت المزيد من الإنفجارات بعد مقتل قلقال. وفي بيانها الرسمي عشية الإنفجار الثامن قالت رابطة الإدارة الذاتية لنقابات الشرطة
FASP إن من حقّ المواطنين والشرطة أن يعرفوا جدوي مقتل خالد قلقال الذي كان، في قناعة وزير الداخلية، المسؤول عن جميع الإنفجارات . وأضافـــــت الرابطة وهي تطرق الحديد الحامي: ليس فـــــي وسعنا أن نتحمل أكثر مما تحملنا من تصريحات تخديرية تصدر عن رئيس الوزراء أو وزير الداخلية .
ذلك لأنّ مقتل قلقال جري بطريقة فريدة رهيبة، علي الهواء مباشرة تقريباً، وفي ذروة نشرة أخبار الثامنة مساء حين تكون نسبة المشاهدة في أوجها. وأتيح للفرنسيين أن يتابعوا (بمشاعر مختلطة دون ريب) السقوط الأخير لجثة مطوّقة ـ كما كان الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين سوف يقول ـ لا تحمل سوي مسدس فردي، وهي التي حُمّلت الكثير حتي باتت عملية الإجهاز عليها بمثابة إشاعة لعنف معلن وموت تنقله أقنية التلفزة ساعة العشاء. ولكنها كانت تنقله مجتزءاً ومراقَباً كما تبيّن فيما بعـــــد، لأنّ القناة السادسة، وتحت ضغط الفضيحة التــــي فجّرها صحافي سويسري شهد القتل بأمّ عينيه، طمست صوتاً مجهولاً في ظلام الحصار هتف بوضوح تامّ: أجهزْ عليه!
Finis-le ، مرّتين، فأجهزوا عليه... رغم أنّ خالد قلقال الحيّ لم يكن ـ في المنطق الأمني السليم البسيط ـ يعادل أي خالد قلقال جثـــــة هامدة.
ولهذا كانت رابطة نقابات الشرطة تقول ما معناه: ما جدوي هذا الموت المعلن، الذي سوف يستتبع حالات موت وإماتة معلنة أو خفية؟ وفي طيات بيانها كان يكمن التقرير الدالّ الذي نشرته صحيفة لوموند بعد أربعة أيام علي مقتل خالد قلقال، وتضمن المحضر شبه الحرفي لحوار أجراه السوسيولوجي الألماني ديتمار لوش مع قلقال عام 1992 في سجنه، غير بعيد عن غابة القتل الغامضة إياها. ههنا المعجزة الناقصة للسياسات الفرنسية في دمج الأجانب في الحياة المدنية، وههنا مخلوق ولد صحيحاً في مستغانم الجزائرية، وجاء إلي فرنسا في الثانية من عمره، وتفوّق في دراسته، قبل أن يكتشف العزلة القسرية التي لا يستطيع الفكاك منها، ويدرك أنه لم يجد لنفسه مكاناً في العديد من الميادين، بما في ذلك العدالة والقانون والتمييز العنصري والإجتماعي و"الجدار الهائل الذي يفصل الضاحية الفقيرة عن المدينة الزاهرة الزاخرة. اكتشافه المركزي الأكبر كان الإسلام، وفي زنزانة السجن بالذات (تماماً كما حدث مع البريطاني الإريتري مختار محمد سعيد!). لست جزائرياً ولا عربياً. أنا مسلم فقط ، قال قلقال وهو يروي أن أصفي لحظات حياته كانت تلك التي يقضيها في المسجد، بصحبة أقرانه من الشباب المسلم. وفي جملة صاعقة قال: كل ما أريد القيام به هو مغادرة فرنسا نهائياً. إلي أين؟ إلي وطني، الجزائر. لا مكان لي هنا ...
كيف انقلب هذا الكائن إلي آلة إرهابية؟ من الذي أقام الجدار الهائل في وجه فتي في أول عشريناته، يري الباحث الألماني أنه كان ينطق باسم شبيبة مغاربية ـ فرنسية بحثت لنفسها عن الإعتراف والكرامة فلم تعثر علي شيء منهما ؟ هذه هي الأسئلة التي ظلّت تؤرق، في حين أن إجاباتها المتسرّعة كانت من قبل قد تحوّلت إلي تصريحات تخديرية كما يقول بيان رابطة نقابات الشرطة. أجهزْ عليه! لقد أجهزوا عليه، فماذا بعد؟ كيف نستغرب العواقب الكارثية الوخيمة التي تلت عملية قتل خالد قلقال برصاص الشرطة تساءل لوران جوفران في أسبوعية لونوفيل أوبزرفاتور آنذاك، وأضاف: عمّ تتحدث تلك الوصلة الصوتية الآثمة: أجهزْ عليه! عن شهيد أم عن إرهابي ؟
أجهزْ عليه! لقد خرج بغتة من غابة روبن هود، وعاد إليها بعد أقلّ من أسبوعين في هيئة رمز مفتوح مجلل بالغموض والرهبة. إنه القائل: لقد كنت أمتلك كل أسباب النجاح، ولكن لم يكن لي مكان هنا . أم أن مكانه اليوم هناك، وهنا، لا تغادر مشروعَيْ المجرم السجين أو الإرهابيّ القادم، وعبوته الناسفة تدقّ النوافذ وتتسرب إلي الأبراج والحافلات والأنفاق؟ وهل من الإفراط أن تكون أمثولة خالد قلقال قد أعادت إنتاج نفسها في نفوس مطوّقة، من أمثال ياسين حسن عمر ومختار محمد سعيد إبراهيم؟

مطلب المعارضة السورية بمؤتمر وطني للإنقاذ... ما له وما عليه

مطلب المعارضة السورية بمؤتمر وطني للإنقاذ... ما له وما عليه

أكرم البني

الحياة

مع استمرار حال الاستعصاء في مسار الإصلاحات الداخلية في سورية وتسارع التطورات الإقليمية والضغوط الخارجية ارتفعت أصوات كثيرة تدعو الى عقد مؤتمر وطني بصفته مدخلاً لا بد منه لإنقاذ المجتمع من تفاقم أزماته وتحديات تعترضه.

وفكرة المؤتمر الوطني ليست جديدة في سورية، إذ سبق وطرحت في محطات مختلفة اتسمت بتواتر الأزمات التي يمر بها المجتمع واشتداد حدتها، وغالباً ما تناولها خطاب المعارضة كلما نما شعور بأن البلاد ليست في خير أو توجس من ارتباك مواقف النظام وقلق من أن تفضي سياساته الضيقة الى مزيد من التراجع والتردي. فبعد انهيار ما عرف بدول المنظومة الاشتراكية أثيرت فكرة المؤتمر الوطني على أمل أن يتولى رسم مخرج آمن للمجتمع السوري بعيداً عن انهيار مماثل، وتكرر الأمر بعد أحداث أيلول (سبتمبر)2001، ثم فور الحرب على العراق واحتلال أرضه، وبأفق أن يضع مؤتمر كهذا الوطن في منأى عن مصير مشابه.

واليوم تعود حليمة الى عادتها القديمة ويلتقي على هذه الدعوة طيف واسع من قوى المعارضة السورية القومية والدينية وعديد من منظمات المجتمع المدني، بدءاً ببيان التجمع الوطني الديمقراطي وهو تنظيم المعارضة الرئيس داخل البلاد مكرراً مطالبته القديمة «بعقد مؤتمر وطني تشارك فيه السلطة ولا يستثني أحداً بما في ذلك الحوار مع جماعة «الاخوان المسلمين بصفتهم جزءاً من النسيج السياسي السوري»، ربطاً مع طرح مهمات ديموقراطية عن الحريات والتعددية وتداول السلطة اعتاد أن يطرحها الطيف المعارض، مروراً بما سمي النداء الوطني للإنقاذ الذي أصدرته جماعة «الاخوان المسلمين»، انتهاء بالعديد من المقالات والدراسات الناقدة للوضع السوري والتي تناوبت على المطالبة بمؤتمر وطني كفاتحة لإنقاذ البلاد مما وصلت إليه.

إن شيوع الدعوة الى مؤتمر وطني واتساعها يرتبط اليوم بمدى صعوبة الظروف التي يمر بها النظام والمجتمع على حد سواء، مع استمرار العجز عن فتح الأفق أمام التغيير بفشل أولوية الإصلاح الاقتصادي والإداري وتفشي ظواهر التخلف والفقر والفساد في صورة لم يسبق لها مثيل، ومع فشل الرهانات السياسية الخارجية التي أفضت الى سحب القوات العسكرية من لبنان وانحسار الوزن الإقليمي السوري الى أدنى درجاته منذ عقود.

لكن المطالبة بمؤتمر وطني لا تقف على أرض واحدة ولا تستدعيها أسباب واحدة. فلدى بعض قوى المعارضة دافع صادق. ولنقل استراتيجياً. لتبني هذه الفكرة، ليس فقط بسبب توافقها الإيديولوجي قومياً والسياسي وطنياً مع كثير من المبادئ المعلنة للنخبة الحاكمة، وإنما أيضاً بسبب اعتقادها بأن ما تعاني منه البلاد يحتاج الى جهود الجميع وأيضاً لقناعتها بوجود مصلحة ودور رئيس للنظام في عملية التغيير المنشود، وتالياً رهانها على تحول منتظر يمكن أن يجريه صوب الانفتاح على المعارضة والاعتراف بدورها كشريك. وطبعاً ما يعزز هذا الخيار هو مناهضة هذه القوى لأي شكل من أشكال الاملاءات الديموقراطية الخارجية، ليغدو المؤتمر الوطني عندها أشبه بضرورة داخلية لإصلاح شامل وإعادة بناء «الوحدة الوطنية» ورص قوى المجتمع وقدراته على أسس راسخة في ظروف تصاعد التهديدات والضغوط، مستبقة مشروع الإصلاح الخارجي ومعترضة أهدافه المغرضة.

من جهة ثانية، ثمة من يؤكد ضرورة إدراج قوى النظام في عداد مكونات المؤتمر الوطني، ليس لأنه يراهن على احتمال مشاركتها، وقد قطع الأمل نهائياً من إمكان أن تلعب النخبة الحاكمة دوراً في مشروع الإصلاح الديموقراطي، بل لغرض تكتيكي، هو إحراج هذه النخبة وفضح عمق المصالح الأنانية والخاصة التي تقف وراء سياساتها وممانعتها للتغيير، وأساساً الإفادة من هذه الدعوة للتعبئة حول المهمات الديموقراطية التي يفترض أن تشكل جوهر برنامج المؤتمر وأهم موضوعاته. ويبدو أن أصحاب هذا الرأي على يقين بأن السلطة لن تتنازل وتقبل مشاركة سياسية، وحتى حوارية بأي حال، وإذا قبلت كاحتمال ضعيف جداً فان قبولها يشكل في حد ذاته نقطة تحول في مصلحة المعارضة وكأنها بداية معلنة لفك احتكار حزب البعث للسلطة، فيما ترجح الوقائع العكس واستمرار رفض السلطة وممانعتها، طالما تعتبر نفسها سلطة مكتفية بذاتها، عالمة بكل شيء، وقادرة لوحدها على إنجاز كل شيء، بدليل إصرارها على تغييب الآخرين وازدراء دورهم على رغم الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد من خلال تفردها عبر مؤتمر الحزب الحاكم في وضع ما تراه مناسباً من حلول للأوضاع التي صرنا اليها، وأيضاً بدليل أنها لم تظهر أي تغيير في قناعاتها لا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ولا بعد احتلال العراق، ولا حتى بعد انسحاب قواتها من لبنان وانحسار دورها الإقليمي، على رغم أن الكثيرين توقعوا منطقياً أن يشكل انسحاب القوات العسكرية من لبنان نقطة انعطاف تشجع السلطات السورية على تنشيط مسار الإصلاح السياسي والاهتمام جدياً بالوضع الداخلي وبحاجات الناس وحقوقهم.

لكن يبدو أن الأمور سارت حتى الآن خلافاً للمنطق، ويظهر أن ثمة بداية لإحياء الأساليب القديمة في إدارة المجتمع وضبط أنشطته - أو لنقل خياراً أمنياً - تنجز حلقاته بمثابرة ويتقدم ببطء في مواجهة خيار التغيير والإصلاح لضبط قواعد اللعبة وإبقائها تحت السيطرة تماماً خوفاً من أي اهتزاز في الوضع الداخلي، بما في ذلك ردع جديد النشاطات المدنية والسياسية، من أهم تجلياته التضييقات على منتدى الأتاسي للحوار والاعتقالات غير المبررة التي طاولت عدداً من الناشطين الحقوقيين والسياسيين.

في مقابل دعاة المؤتمر الوطني ثمة موقف رافض للفكرة من أساسها، ويجد أصحاب هذا الرأي أن ليس من مصلحة للمعارضة أن تشارك في مؤتمر وطني حتى لو قدمه النظام على طبق من ذهب لأنها معارضة ضعيفة غير قادرة على تحقيق مشاركة فاعلة أو التأثير في قراراته ونتائجه.

ويتساءل أصحاب هذه الرؤية عن حقيقة الدور الإنقاذي لمؤتمر وطني، وما هي فرص نجاحه إذا صارت الكتلة الرئيسة فيه للنظام وشركائه في الجبهة، هل يغدو عامل تغيير أو إنقاذ أم يصب الماء في طاحونة النظام ويشكل غطاء شرعياً لتعزيز سلطانه؟! وألا يرجح أن ينحرف عن أهدافه الديموقراطية وينحو في ضوء ارتفاع حرارة الضغوط الخارجية صوب مزايدات وطنية تمنح الأولوية لتوحيد الصفوف في مواجهة الهجمة الإمبريالية (كذا)، وما يعنيه ذلك من ضرورة الدفاع عن بقاء سياسات السلطة واستمرارها بأي ثمن؟. وأيضاً ألا يساعد الوزن المادي والمعنوي الكبير للنظام في المؤتمر على فرض شروطه وتصنيفاته تجاه القوى المرشحة للمشاركة فيه مطيحاً ببعضها وتالياً بهدف المصالحة الوطنية الشاملة الذي يتطلع الكثيرون الى إنجازه، ما قد يشق صفوف المعارضة ويزيد من ضعفها ضعفاً في التنطح لمهماتها الديموقراطية؟!. ثم أي عصا سحرية يملكها هذا المؤتمر ليتمكن من التوفيق بين قوى متنوعة ومتعارضة وتختلف جذرياً على ماهية موضوعات المؤتمر وطابع أهدافه، ففيما يحمل بعضها برنامجاً شاملاً للتغيير يصل الى حد إقرار تحولات ديموقراطية تتضمن تعديل الدستور السوري وإلغاء المادة الثامنة منه التي تحصر قيادة البلاد بحزب واحد هو حزب البعث. وثمة من لا تعنيه هذه المطالب الديموقراطية ويوافق على هذه الفكرة لدواعٍ وطنية محضة تقضي فقط برص الصفوف في خندق مواجهة التحديات الخارجية والأخطار الداهمة.

وفي هذا الإهاب يدفع رافضو المؤتمر موقفهم خطوة كبيرة الى أمام بالقول إن ما يهدد المجتمع ليس التحديات الخارجية التي يجري المبالغة في رسم مخاطرها، بل ان ينهار البناء الداخلي بفعل الفساد والاستبداد ونظام التمييز والامتيازات وتفاقم ظواهر الاحتقان الاجتماعي والتذرر الوطني، ما يمنح الأولوية لمعركة التغيير الديموقراطي وليس لأي شيء آخر، ويجدون أيضاً أنه من الوهم الاعتقاد بأن الشعار الذي يرفع اليوم حول المؤتمر الوطني سيفضي إلى إحراج النظام في مسألة الإصلاح والتغيير لأن الأمور ستنقلب على المعارضة بقدر ما تغذي الوهم بالرهان على النظام وتعطل التفكير في دفع المجتمع وقواه الحية كي يأخذ هذه المسؤولية على عاتقه ويتنطح بنفسه لمعركة التغيير الديموقراطي، خصوصاً أن أمام عيونها سنوات من تجريب المناشدات من أجل الإصلاح... من دون جدوى.

كاتب سوري.