unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2005-07-23  

مقابلة السيد الرئيس وعقيلته

بين التاريخ والراهن,الصحفي الأمريكي يشارك في الفخ ؟

ذكرني هذا الأمر بحوار بيني وبين أحد رفاقي في سجن صيدنايا , حيث السجن في سوريا هو ربما المكان الوحيد الذي تستطيع فيه الحوار بحرية كاملة !! لاشك في ذلك , فحوى هذا الحوار كان عن الوضع الطائفي في سوريا ,

وصل الحوار بيننا إلى سؤالي له :متى تم اضطهاد الطائفة العلوية في سوريا ؟ فأجابني : السنة الأتراك . ساد الصمت بعد جوابه وأسقط في يدي ,واحترت بعدها : لأنني اكتشفت أنني تركي وسني !! لم تكن نوايا صديقي أن

يتهمني ونحن المعتقلين بتهمة الانتماء لحزب العمل الشيوعي في سوريا ولكن دون أن يدري بالتأكيد :السنة هم السنة سواء أتراك أو أكراد أم عرب ؟ إنه الفخ بلا مواربة ,الصحفي الأمريكي يسأل السيد الرئيس :هل انتهت الجراح التي سببها الاضطهاد التاريخي للعلويين ؟ فيجيب السيد الرئيس :الدليل أنني في الحكم .هذا هو الفخ الذي

زرعه الراحل في سوريا وغذاه حتى أصبح :نهجا سياسيا ومعرفة تاريخية لا تنضب من الضغائن والأحقاد وهذا الهول الذي يفتح فاه لالتهام سوريا ومن فيها لدرجة أن الصحفي الأمريكي يسأل هذا السؤال . نحن لو سألنا هذا الصحفي عن مصادر معلوماته هذه من أين استقاها ؟ بماذا يجيب ؟ أظن استقاه من حديث شفهي جار بينه وبين أحد المستشارين وبشكل غير رسمي ؟ إذن لنجعل الكلام رسميا من خلال الجواب الذي أجابه بذكاء السيد الرئيس

[ الدليل أنني في الحكم ] هذا الجواب هو إقرار بواقعة الاضطهاد التاريخي للعلويين من قبل السنة , ولندفع الدلالة للأمام قليلا : السنة اضطهدونا , والسنة هم الأخوان المسلمين , لماذا لأن السيد الرئيس في معرض جوابه

عن أسباب اعتقال إدارة منتدى الأتاسي أجاب التالي : لو اكتشفتم انتم أحدا ينشط للقاعدة ألا تعتقلونه ؟ وبالتالي هذه الرسالة اللطيفة للأمريكان : السنة هم الأخوان والأخوان هم مثل القاعدة والاستنتاج يبقى للسيد الصحفي الذي

نتمنى أن يتحفنا بمصدر تاريخي واحد ومكتوب ونكون له شاكرين وإن لم يكن هو فأحد مستشاري القصر يمكن

أن يزودنا بمثل هذا المصدر!!؟ مصدر يؤكد اضطهاد السنة السوريين للعلويين في تاريخ الدولة السورية الحديث

وبهذا يساعدنا على قراءة أخرى للتاريخ السوري .

وفي العودة السريعة للتاريخ التركي في سوريا نسأل أصحاب هذا الرأي : هل اضطهد الفلاح العلوي في سوريا أكثر مما اضطهد الفلاح في ريف دمشق أو ريف دير الزور مثلا؟؟سؤال نتمنى بصدق أن يقدم لنا أحد ما إجابة عنه . ولكن رغم ذلك نقول للمهتمين بالشأن السوري :أن يقدموا دراساتهم عن تاريخ سوريا الحديث والذي ينفي

نفيا قاطعا عن تعرض أبناء شعبنا من الطائفة العلوية لاضطهاد بسبب انتمائه الطائفي , هذا لا يعني دفاعا عن السنة كسنة ولكن لم يكن هنالك سببا لقيام مثل هذا الاضطهاد , حتى أيام العهد الإقطاعي كان معظم العائلات الإقطاعية من الطائفة العلوية والحديث عن الاضطهاد الإقطاعي يشمل الريف السوري بدون تمييز طائفي ونتمنى أن يقدم لنا أحدا عكس ذلك , على الأقل لرأب هذا الصدع , حيث لايمكن رأبه دون معرفته والحوار حوله

وسحب البساط من تحت العقل الطائفي الذي لازال يبث رسائله عبر الوسائل الشفهية لأنه عاجز عن بث رسائله بطريقة مكتوبة وعلنية ومباشرة ,دون اللجوء لهذا الغمز كما تم الأمر بالمقابلة الصحفية ,ربما هذه هي المرة الأولى التي تثار فيها هذه المسألة على هذه المستوى , إن جواب السيد الرئيس يعني دون شك إيمانه بهذه الرسالة سواء لاعتبارات سلطوية فتلك مصيبة أو مقتنع فيها لاعتبارات المعرفة والحقيقة التاريخية ,بهذه الحالة تكون المصيبة أكبر لأن مصدر هذه المعرفة غير مقروء وغير منشور إلا إذا اعتبرنا الغمز غير الموفق في روايات

قائد الجيش الشعبي السابق السيئة الشكل والمضمون , هي وثائق تاريخية !! وإذا عدنا لتاريخ الدولة السورية الحديث سنجد العكس تماما فغالبية ضباط الجيش السوري كانوا من أبناء الأقليات ولا داعي للدخول الآن في تفاصيل تلك المرحلة لأنها باتت معروفة للجميع , ومع ذلك نذكر بكتاب الباحث في تاريخ المنطقة وأساطيرها : كمال صليبي [ بيت بمنازل كثيرة ] عندما يتحدث عن تاريخ الطائفة النصيرية كما يسميها أو كما هي متداولة إلى جانب اسمها الآخر [ الطائفة العلوية ] حيث يشير إلى عدم وجود مصادر للبحث عن تاريخ نشأتها وتطور هذه النشأة , وكثير من المهتمين حاولوا الحصول على وثائق حول هذا الأمر لكن جهودهم باءت بالفشل !!؟

إن خلاصة القول عن هذه النقطة :أن سوريا الحالية لم تعرف اضطهادا على المستوى الطائفي إلا بعد مجيء البعث إلى السلطة والنهج الذي اتبعوه الأخوان المسلمين في حربهم على السلطة والتي كانوا يعتبرونها سلطة طائفية وهذا النهج الذي توافق مع البث السلطوي اليومي لضباطه وعسكره :السلطة عادت لآل البيت ويجب ألا يستطيع السنة أخذها بعد اليوم !! إن هذه القضية شكلت ولازالت تشكل الأيديولوجية الفعلية للسلطة والتي على أساسها تبقى البؤرة الطائفية :هي البؤرة المولدة لاستمرار المشروع السلطوي بما هو مشروعا مسدود الأفق بدون هذه التطييف للمجتمع واستنفار عصبياته المريضة غي كل لحظة , لأنه كان الأجدى للسيد الرئيس أن

يقدم البرهان على سؤال الصحفي وعلى جوابه بالآن معا .

مع ذلك نقول هل يخلو مجتمعا على شاكلة المجتمع الفسيفسائي السوري من مشاحنات شبه يومية وضيقة على المستوى الشعبي, مالم تتحول هذه البؤرة إلى خيار سلطوي وهذا ما فعله الراحل أولا وانضم إليه الأخوان تاليا

حتى أصبح المجتمع يحتاج إلى خيارا سلطويا آخر وثقافة في النور للتنوير والمواطنة الحقيقية لكافة أبناء الشعب السوري على اختلاف انتماءاته المذهبية والعقائدية والسياسية, عندها فقط يمكن أن يسترخي الشعب السوري

خارج هذا الكابوس الرابض على صدره والمعيق الفعلي والحقيقي لأي تغيير ديمقراطي وهذا ما لا تريده السلطة القائمة ولازال خيارا خارج حساباتها اليومية والاستراتيجية . أليست حادثتي مصياف والقدموس تعبيرا حقيقيا عما تريده هي من المجتمع أن يتعامل مع نفسه كي تبقى هي الحكم !!تماما كما يتحدث بعض الساسة الغربيين عن علمانية النظام وتخلف المجتمع ولا علمانيته دون النظر لأخطر أصولية طائفية لازالت موجودة في الهرم السياسي العربي .وهذه النقطة لأهميتها سنفرد لها بحثا خاصا في المستقبل القريب , لأنها من أخطر النقاط التي يحاول النظام تصدير صورته فيها للعالم الغربي عموما والأمريكي خصوصا , والأجدى لنائب الرئيس المتقاعد عبد الحليم خدام أو المعارض القادم رفعت الأسد الحديث عن هذه النقطة كتكفير عما ارتكبوه بحق شعبنا السوري. ونشكر السيد الرئيس على إثارته لهذه النقطة المركزية في التاريخ السوري الحديث نقطة لازالت فيها المعارضة السورية تتغنى بالشعار الذي اشتقته وهو شعار [ النظام الشمولي ].

غسان المفلح

خاص – صفحات سورية -

   [ POSTED  @ 2:18 م ]


 

ثقافة العنف و ضرب النساء

تسيطر على عقولنا نحن العرب مجموعة من المسلمات و البديهيات تعد أساسا ً و قاعدة لمواقفنا وآرائنا تجاه الآخرين و تجاه قضايانا المزمنة و المعاصرة و من ذلك قناعتنا الراسخة بأننا أفضل الأمم و خير أمة حاضرا ً و ماضيا ً و مستقبلا ً و للحفاظ على هذا الوهم نقوم كأفراد و مؤسسات و حتى حكومات بتجميل الصورة و إخفاء العيوب و عدم التحدث عن أي من مظاهر التخلف و الرجعية و الفقر و المرض الذي تغص به مجتمعاتنا و أوطاننا و تغدو المسألة أكثر تعقيدا ً و أشد حرصا ً عندما تكون القصة متعلقة بالمرأة و أحوالها و أوضاعها و حقيقة مكانتها و دورها في المجتمع فنحن نعتقد جازمين بأننا أكثر شعوب الأرض تعظيما ً للمرأة و تقديرا ً لها و نصر على ذلك و نأتي بالأدلة و البراهين لتأكيد ذلك و في الوقت نفسه نغمض أعيننا عن مظاهر شديدة الوضوح لا تترك جدلا ً حول حقيقة الوضع المزري الذي تعيشه المرأة في أوطاننا و بلداننا فنحن نريد حجب عين الشمس بالمنخل. ما زالت الغالبية العظمى من السعوديين تعتبر قيادة المرأة للسيارة أمرا ً محرما ً و باب الفتنة و سببا ً لاختلاف المسلمين. و ما زالت المرأة اليمنية غير قادرة على كشف وجها في الجامعات و الدوائر الحكومية فضلا ً عن شوارع العاصمة صنعاء. إلى الآن ما زال نصف النواب في مجلس الأمة الكويتي يعارضون عمل المرأة في السياسة و يرفضون إعطاءها حقوقها السياسية رغم إقرار القوانين بذلك و لعله الهجوم الشرس الذي واجهته الوزيرة الأولى في الكويت دليلا ً على ذلك.

تستفحل المشكلة و تعمق و تستعصي على الحل كلما أوغل أصحابها في تجاهلها و عدم الإقرار بوجودها و السعي الدائم لإعطاء المبررات للعوارض و الظواهر الناجمة عن وجودها و تجزرها. هذه الحقيقة تنطبق تماما ً على ظاهرة العنف في مجتمعنا عموما ً و القسم المتعلق بالمرأة تحديدا ً.

لذلك كان لا بد من الاعتراف بهذه الظاهرة و الإحساس بها كمشكلة متأصلة حتى نبدأ السير في طريق الحل.

إن إشاعة فكرة الحوار و التحاور و قبول الآخر من خلال تأصيل ثقافة الديمقراطية في المجتمع عموما ً و في المنظمات و التجمعات و النقابات و المدارس و أفراد الأسرة الواحدة بعد خطوة ضرورية للبدء في معالجة مسألة العنف عموما ً و ضد الساء خصوصا ً ذلك أن الانطلاق من القنا عات الجامدة و التصورات المحددة بناء على أفكار أيديولوجية و أصولية متحجرة لا يترك مجالا ً لقبول الآخرين أو الإقرار بالخطأ أو بوجود المشكلة.

قبل سقوط الديكتاتور الروماني الشهير ( تشاوسيسكو) كانت المستشفيات تغص بالأطفال المصابين بالإيدز و كانت سياسة الحكومة آنذاك التعتيم و التضليل و عدم الاعتراف بوجود المشكلة مما أدى إلى تضاعف الوباء و تفشيه بشكل مرعب و لم يتم البدء بالإعلان عن الأرقام الحقيقية إلا بعد إقامة دولة ديمقراطية أخذت على عاتقها معالجة الأزمة, في مصر تؤكد و سائل الإعلام الرسمية على عظمة أوضاع الشعب المصري و رخاء عيشه و رفاهية حياته و للتأكيد على ذلك أنشأت الأجهزة حركة سمتها (حركة استمرار من أجل بقاء الازدهار), ازدهار في مجتمع ارتفعت نسبة البطالة فيه إلى28%.

و في وطننا الحبيب أقر أخيرا ً نائب رئيس مجلس الوزراء بوجود ما يعادل 29.4% من الشعب السوري تحت حد الفقر.

هذه الأمثلة تدل ببساطة على ضرورة الانعتاق من ثقافة سائدة و مسيطرة على مجتمعنا لا تقر بالشفافية و لا تعترف بالإنسان كقيمة فوق الأيديولوجيات و الأصول. إلى جانب ذلك تقف الرغبة الملحة في ثقافتنا إلى النصر الكامل و التفوق المطلق حافزا ً للعنف و رفض الآخر إلا بشرط خضوعه أو ولائه الكامل (إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابرة ساجدين)

(لنا الصدر دون العالمين أو القبر)

فإما الصدارة و الرياسة و الزعامة أو الحرب حتى و لو أفضت إلى القبر فلا مكان في ثقافتنا للحلول الوسط و التوافق أو التقارب (لا توجد منطقة وسطا ما بين الجنة و النار) _ مع الاعتذار لنزار_

و هذه الطريقة الفكرية و الأسلوب الثقافي ينعكس على تعاملنا داخل مجتمعاتنا و خارجها. فعندما نفاوض الآخر أو نحاوره إنما بهدف إقناعه بصوابية مواقفنا و عظمة ذاتنا فإذا لم يصل معنا إلى هذا الحل فلا بد من الحرب و الاقتتال (أمرت أن أقاتل الناس حتى يؤمنوا و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة)

و كانت الجيوش الإسلامية تطرح على البلاد التي تريد غزوها ثلاثة حلول:

الإسلام - الجزية - أو الحرب. أذا ً لا مجال لقبول الآخر كما هو حيث أن قبوله مشروط بخضوعه (حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون)

الثقافة المؤسسة للعنف ضد المرأة:

يتحكم فكر الإنسان و قناعاته الراسخة بأسلوبه في التعامل مع الآخرين و في طريقة معالجته للمشاكل و الأزمات و ما ينطبق على المثقف و المفكر ينطبق على الأمي و الجاهل الذي تراكم في لا وعيه مجموعة من القيم و المبادئ التي يتساوى فيها مع العديد من رواد الجامعات و السبب في ذلك أن ربط المواقف من الآخرين و الأزمات بمجموعة من القواعد المقدسة التي لا تناقش و لا يأتيها الباطل لا من بين يديها و لا من خلفها يجعلنا نعتقد أننا على صواب دائما ً و بذلك يتعذر الإصلاح و يغدو حل المشاكل أمرا ً في غاية التعقيد.

تبدأ المشكلة باعتبار المرأة كائنا ً يخضع للوصاية و الرعاية بشكل مستمر فعندما تعتبر المرأة شخصا ً تتحكم به عواطفه و لا يمتلك القدر الكافي للاستفادة من عقله في المواقف العصيبة (كالقضاء مثلا ً) وجب وضعها في درجة أدنى و في حيز يقاد فيه من قبل الجنس الآخر و في هذه الخلفية ينشأ الطفل أو الشاب في بلادنا على الاعتقاد بعلو شأنه تجاه الأنثى حتى و لو كانت أكثر إنتاجا ً و ثقافة ً و حكمة ً فهو يربى باعتباره رجلا ً له الحق في إصدار الأحكام و تنفيذ العقوبة. و في الجو نفسه تنشأ الفتاة لتكون خاضعة راضية بما يمارس بحقها لأن المنطق الرجولي الذي تربت عليه يستند إلى تاريخ مقدس و نصوص قاطعة.

و تزداد مشكلة العنف ضد المرأة تعقيدا ً عندما تعد المرأة حرمة أي كائنا ً ينبغي حجبه و إبعاده عن المجتمع إلا لضرورة يقوي ذلك ويثبته الموقف الحساس جدا ً من مسألة الشرف و العرض و الحرام و الحلال الذي يوجد أرضية خصبة للرد على أي تجاوز لحدود تلك الحرمة حتى و لو كان الأمر مجرد شك فالتربية و النصوص تبيح الدفاع مباشرة بأشد العقوبات و لو لمجرد الشك (يجوز لصاحب البيت إدخال السهم في عين رجل رآه ينظر إلى حرمته عمدا ً) و بالمقابل يكون الموقف غاية في العنف عندما يكون الشك متعلقا ً بالمرأة ذاتها أو بمواقفها أو رغبتها في الانفراد في تقرير حاضرها و مستقبلها. و ما ينطبق على الفتاة في بيت أهلها يتحول إلى واجب مرتبط بالمآل و الجنة و النار عندما تتحول إلى زوجة يفرض عليها ضوابط و قواعد قاطعة يعد أي تجاوز لها اعتداءات على حرمات الله و خروجا ً على أصول الشريعة. و هنا يأتي النص بضرورة ضرب المرأة إذا عصت زوجها و لا يعد الضرب هنا عنيفا ً بل تأديبا ً و إعادة إلى جادة الصواب.

في استفتاء أجرته قناة اقرأ الفضائية على مجموعة من النساء أجابت الغالبية العظمى منها بحق الرجل بتأديب زوجته إذا عصته أو تأخرت في إطاعة أوامره و هنا يصبح الحديث عن العنف ضد المرأة ً تعديا ً على المقدسات ً و تجاوزا ً للخطوط الحمراء. و هذا أمر يدعو إلى مراجعة شاملة لثقافتنا الدينية و محاولة إدخال الحوار و النقاش إلى تلك الثقافة.

إن العمل لوقف العنف ضد النساء يتطلب مباشرة العمل على مشروع يتبنى المسألة و يبدأ التوعية بها انطلاقا ً من الاعتراف بوجودها و انتشارها و مضارها بشفافية و جرأة. و من ثمة إعادة الاعتبار للمرأة و مكانتها في المخيل الثقافي الشعبي الذي غالباً ما يساهم في دونيتها و تراجع موقعها. إن اعتقاد الرجل بحقه في تأديب المرأة يجعله يبادر إلى ضربها كلما رأى ضرورة لذلك أما عندما يعتبرها كائنا ً مساويا ً له يتمتع بنفس الحقوق و الواجبات و أنه لن يجد التغطية الشرعية أو الاجتماعية لممارسته للضرب سيبدأ بالكف عن اللجوء إلى العنف كحل وسيفكر مليا ً بالعواقب قبل نشر غضبه و بالمقابل فإن توعية النساء بحقوقهن و قناعتهن بحرمة ممارسة العنف ضدهن سيدفعهن للدفاع عن أنفسهم و الاستعانة بالآخرين لحل المشاكل و عدم الرضوخ و الرضا بالذل لمجرد كونهن نساء.

و الجدير ذكره ارتباط العنف بضعف التعليم لدى الجنسين فالجاهل عادة لا يتراجع عن رأيه أو موقفه كونه لا يملك الحجة للدفاع عن أفكاره أو قناعاته يلجأ إلى القوة و العنف كحل مباشر لقضايا الخلاف.

إن التأسيس لتعظيم قيمة الإنسان مقابل المعتقدات و القيم الأخرى يساهم بشكل فعال في الحد من العنف فإذا توصلنا إلى اعتبار الإنسان مجردا ً من كل انتماء عقائدي أو عرقي أو جنسي كائنا ً يستحق العيش بكرامة و لا يجوز التعرض له لمجرد الاختلاف و الشبهة يتيح الفرصة لمزيد من التعامل السلمي و البعد عن الخلافات بالقوة.

ختاما ً:

إن إشاعة ثقافة حقوق الإنسان و تدريس الميثاق العالمي الخاص بهذا الشأن في مدارسنا و قيمنا التربوية و في حوارنا و نقا شاتنا الخاصة أمرا ً هاما ً و بالغ التأثير في الالتفاف حول قيم إنسانية و مبادئ يشترك بها العالم أجمع بما يجعلنا جزء منسجما ً مع العالم حولنا يقر بالمساواة بين الجنسين و يعطيهما ذات الحقوق و الواجبات.

احسان طالب

خاص – صفحات سورية -

   [ POSTED  @ 2:16 م ]


 

هل ينقذ سوريا مؤتمر وطني؟

أكرم البني

مع استمرار حالة الاستعصاء في مسار الإصلاح وتسارع التطورات الإقليمية والضغوط الخارجية ارتفعت الأصوات من مختلف الفئات السياسية والثقافية السورية الداعية لعقد مؤتمر وطني بصفته مدخلاً لا بد منه لإنقاذ المجتمع من تفاقم أزمات تهدده وتحديات تعترضه.

وفكرة المؤتمر الوطني ليست جديدة، إذ سبق وطرحت في محطات مختلفة من التاريخ السوري ربطاً باشتداد الظروف التي تمر بها البلاد وعمق مأزقها، وغالباً ما تناولها خطاب المعارضة كلما ازدادت الأوضاع سوءاً أو نما شعور بحالة العزلة والحصار أو بتوجس من ارتباك مواقف النظام وقلق من أن تفضي سياساته الضيقة إلى مزيد التراجع والتردي.

فبعد انهيار ما عرف بدول المنظومة الاشتراكية أثيرت فكرة المؤتمر الوطني على أمل أن يتولى رسم مخرج آمن للمجتمع السوري بعيداً عن انهيار مماثل، تكرر الأمر بعد أحداث سبتمبر/أيلول عام 2001 ثم فور الحرب على العراق واحتلال أرضه بأفق أن يضع مثل هذا المؤتمر البلاد في منأى عن مصير مشابه.

واليوم تعود حليمة لعادتها القديمة ويلتقي على هذه الدعوة طيف واسع من قوى المعارضة السورية القومية والدينية وعديد من منظمات المجتمع المدني، ولأول مرة تعلن جماعة الأخوان المسلمين مطلع شهر أبريل/نيسان المنصرم في ما سمي النداء الوطني للإنقاذ "الدعوة إلى مؤتمر وطني شامل لا يستثني أحداً، ولا يلغي أحداً، يمثل كل التيارات والأطياف، والطوائف والأعراق، داخل الوطن وخارجه، لبناء الكتلة الوطنية الصلبة التي تتحمل العبء الوطني بكل أبعاده".

وحمل النداء مطالب ديمقراطية متنوعة أهمها "إلغاء المادة الثامنة من الدستور ووضع قانون للأحزاب وتحديد موعد لإجراء انتخابات حرة نزيهة " في الوقت ذاته تقريباً، وفي السابع عشر من شهر أبريل/نيسان -ذكرى يوم الاستقلال- كرر التجمع الوطني الديمقراطي -وهو تنظيم المعارضة الرئيس داخل البلاد- دعوته القديمة "لعقد مؤتمر وطني، دون أن يستثني أحداً بما في ذلك الحوار مع جماعة الأخوان المسلمين بصفتهم جزءا من النسيج السياسي السوري" ربطاً مع مهام ديمقراطية عن الحريات والتعددية وتداول السلطة اعتاد أن يطرحها الطيف المعارض، ناهيكم عن أن العديد من المقالات والدراسات الناقدة للوضع السوري تناوبت على المطالبة بمؤتمر وطني كفاتحة لإنقاذ البلاد مما وصلت إليه.

إن شيوع الدعوة لمؤتمر وطني واتساعها يرتبط اليوم بمدى صعوبة الظروف التي يمر بها النظام والمجتمع على حد سواء، جراء تراكم أخطاء في السياستين الداخلية والخارجية وضعت سوريا في دوامة أزمة تزداد تفاقماً، بين استمرار العجز عن تلبية حاجات المجتمع وعن فتح الأفق أمام التغيير بفشل أولوية الإصلاح الاقتصادي والإداري وتفشي ظواهر التخلف والفقر والفساد بصورة لم يسبق لها مثيل، وبين رهانات سياسية خارجية مربكة وفاشلة أفضت إلى سحب القوات العسكرية من لبنان وانحسار الوزن الإقليمي السوري إلى أدنى درجاته منذ عقود.

لكن المطالبة بمؤتمر وطني لا تقف على أرض واحدة ولا تستدعيها أسباب واحدة، فلدى بعض القوى المعارضة دافع صادق ولنقل إستراتيجيا من تبني هذه الفكرة، ليس فقط بسبب توافقها الأيديولوجي قومياً والسياسي وطنياً مع كثير من المبادئ المعلنة للنخبة الحاكمة، وإنما أيضاً بسبب قناعتها بوجود مصلحة ودور رئيس لهذه النخبة في عملية التغيير المنشود، وتالياً رهانها على تحول منتظر يمكن أن يجريه النظام السوري صوب الانفتاح على المعارضة والاعتراف بدورها كشريك طرداً مع تأزم المجتمع واشتداد حال الحصار.

وتعزز هذا الخيار مناهضة هذه القوى لأي شكل من الإملاءات الديمقراطية الخارجية، ليغدو المؤتمر الوطني عندها أشبه بضرورة داخلية لإصلاح شامل وإعادة بناء الوحدة الوطنية وقوى المجتمع وقدراته على أسس راسخة في ظروف تصاعد التهديدات والضغوط، مستبقة مشروع الإصلاح الخارجي ومعترضة أهدافه المغرضة.

من جهة ثانية ثمة من يؤكد على ضرورة إدراج قوى النظام في عداد مكونات المؤتمر الوطني، ليس لأنه يراهن على احتمال مشاركتها، وقد قطع الأمل نهائياً من إمكانية أن تلعب النخبة الحاكمة دوراً في مشروع الإصلاح الديمقراطي، بل لغرض تكتيكي، هو إحراج هذه النخبة وفضح عمق المصالح الأنانية والخاصة التي تقف وراء سياساتها وممانعتها للتغيير، وأساساً الإفادة من هذه الدعوة للتعبئة حول المهام الديمقراطية التي يفترض أن تشكل جوهر برنامج المؤتمر وأهم موضوعاته.

ويبدو أن أصحاب هذا الرأي على يقين بأن السلطة لن تتنازل وتقبل أي مشاركة سياسية، وحتى حوارية بأي حال، وإذا قبلت كاحتمال ضعيف جداً يشكل قبولها نقطة في صالح المعارضة وكأنها بداية معلنة لفك احتكار حزب البعث للسلطة، بينما يرجحون العكس أي استمرار رفض السلطة وممانعتها، طالما تعتبر نفسها سلطة مكتفية بذاتها، لا قيمة بنظرها لمن هم خارجها، هي العالمة بكل شيء، والقادرة لوحدها على إنجاز كل شيء، ولها الحق في كل شيء، بدليل إصرارها على تغييب الآخرين وازدراء دورهم رغم الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد والتفرد عبر مؤتمر الحزب الحاكم في وضع ما تراه مناسباً من حلول للأوضاع التي صرنا إليها, وأيضاً بدليل أنها لم تظهر أي تغيير في قناعاتها لا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ولا بعد احتلال العراق، ولا بعد انسحاب قواتها من لبنان وانحسار دورها الإقليمي.

إذ توقع الكثيرون منطقياً أن يشكل انسحاب القوات العسكرية من لبنان نقطة تحول تشجع السلطات السورية على تنشيط مسار الإصلاح السياسي والاهتمام جدياً بالوضع الداخلي وبحاجات الناس وحقوقهم، لكن يبدو أن الأمور سارت خلافاً للمنطق وثمة بداية تحول لإحياء الأساليب القديمة في إدارة المجتمع وضبط أنشطته، أو لنقل خيارا أمنيا تنجز حلقاته ويتقدم ببطء في مواجهة خيار التغيير والإصلاح لضبط قواعد اللعبة وإبقائها تحت السيطرة تماماً خوفاً من أي اهتزاز في الوضع الداخلي، بما في ذلك ردع جديد للنشاطات المدنية والسياسية، أهم تجلياته إغلاق منتدى الأتاسي للحوار والاعتقالات غير المبررة التي طالت عدد من النشطاء الحقوقيين والسياسيين، وما التلويح باستخدام القبضة الحديدية في عصر الانفتاح والانفراجات إلا دلالة على عمق المصالح الخاصة التي لا تزال تدفع السلطات للسير عكس المنطق وضد السياق الطبيعي لما هو مطلوب وطنياً في معالجة أزماتنا وأمراضنا المزمنة.

في مقابل دعاة المؤتمر الوطني ثمة موقف رافض للفكرة من أساسها، ويجد أصحاب هذا الرأي أن ليس من مصلحة المعارضة المشاركة في مؤتمر وطني حتى لو قدمه النظام على طبق من ذهب لأنها معارضة ضعيفة غير قادرة على تحقيق مشاركة فاعلة أو التأثير على قراراته ونتائجه.

فماذا يعني المؤتمر الوطني وما هي فرص نجاحه إذا صارت الكتلة الرئيسة فيه للنظام وشركائه في الجبهة، هل يغدو عامل تغيير أو إنقاذ أم يصب الماء في طاحونة النظام ويشكل غطاءاً شرعياً لتعزيز سلطانه؟ أليس من المرجح أن ينحرف المؤتمر عن أهدافه الديمقراطية وينحو في ضوء ارتفاع حرارة الضغوط الخارجية صوب مزايدات وطنية تمنح الأولوية لتوحيد الصفوف في مواجهة الهجمة الإمبريالية، كذا.. وما يعنيه ذلك من ضرورة الدفاع عن بقاء سياسات السلطة واستمرارها بأي ثمن؟. وأيضاً ألا يساعد الوزن المادي والمعنوي الكبير للنظام في المؤتمر على فرض شروطه وتصنيفاته تجاه القوى المرشحة للمشاركة مطيحاً ببعضها وتالياً بهدف المصالحة الوطنية الشاملة الذي يتطلع الكثيرون لإنجازه، ما قد يشق صفوف المعارضة ويزيد من ضعفها ضعفاً في التنطح لمهامها الديمقراطية؟

ثم بأي عصا سحرية يمكن التوفيق بين قوى متنوعة وتختلف جذرياً على ماهية موضوعات المؤتمر وطابع أهدافه، فبينما يحمل بعضها برنامجاً شاملاً للتغيير يصل إلى حد إقرار تحولات ديمقراطية تتضمن تعديل الدستور السوري وإلغاء المادة (8) منه التي تحصر قيادة البلاد بحزب واحد هو حزب البعث، بما في ذلك تعديل نصوص تتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية، ثمة من لا تعنيه هذه المطالب الديمقراطية ويوافق على هذه الفكرة لدواعٍ وطنية محضة تقضي فقط برص الصفوف في خندق مواجهة التحديات الخارجية والأخطار الداهمة.

طبعاً يصح طرح التساؤلات السابقة في ضوء احتمال أن يهتم النظام بمثل هذا المؤتمر حتى لو سخره لدعم سياساته الخاصة، لكن الأرجح أن نلمس استمرار إهمال إن لم نقل ازدراء المسؤولين السوريين لفكرة المؤتمر الوطني، فهم لا يجدون أي دواعٍ لمصالحة وطنية وليس ثمة حاجة عندهم لمثل هذه النقلة التشاركية مهما تواضعت النقاط التي سوف تثار فيها، بل ينصحون من يجد نفسه متحمساً للمشاركة في معالجة أزمات المجتمع ومشكلاته الالتحاق بركب السلطة "على العمياني" ودعم سياساتها "الوطنية والقومية" التي يتربص الأعداء للنيل منها.

لقد "نفض البعض يده" من السلطة وفقد الثقة بدورها ووعودها الإصلاحية بعد مراوحة في المكان دامت سنين وسنين، لكن حتى وإن صح اليوم المثل القائل "مكره أخاك لا بطل" وأن النظام السوري بات مجبراً أكثر من أي وقت على التغيير، فإن الأهم في رأي هؤلاء هو التركيز على مرحلة تمهيدية تسبق المؤتمر إذا كان ثمة حاجة حقيقية لعقده، تتسم بالعمل لتحقيق بعض المطالب الديمقراطية وفي القلب منها رد المظالم إلى أهلها وإطلاق الحريات العامة لبناء عتبة من الثقة والاطمئنان بين الناس والسياسة، فلن تكون لمؤتمر وطني أي فاعلية في مجتمع فرغ من قواه الحية، وأنهكته صنوف القهر والإقصاء.

ويدفع أصحاب هذا الرأي موقفهم خطوة كبيرة إلى الأمام بالقول إن ما يهدد المجتمع ليس التحديات الخارجية التي يجري المبالغة في رسم مخاطرها، بل أن ينهار البناء الداخلي بفعل الفساد والاستبداد ونظام التمييز والامتيازات وتفاقم ظواهر الاحتقان الاجتماعي والتذرر الوطني، ما يمنح الأولوية لمعركة التغيير الديمقراطي وليس لأي شيء آخر، وتالياً يخطئ من يعتقد بأن الشعار الذي يرفع اليوم حول المؤتمر الوطني سوف يفضي إلى إحراج النظام في مسألة الإصلاح والتغيير لأن الأمور سوف تنقلب على المعارضة بقدر ما تغذي الوهم بإمكانية الإصلاح من داخل النظام وتعطل التفكير في دفع المجتمع نفسه إلى أخذ هذه المسؤولية على عاتقه والانخراط بنفسه في معركة التغيير الديمقراطي.

إذاً، ألا يصيب كبد الحقيقة من يعول بداية على مؤتمر وطني يشمل قوى المعارضة السورية فقط وباستبعاد صريح للسلطة وحلفائها، لسبب بسيط أن هؤلاء لا يجمعهم اليوم أي جامع عميق مع مشروع التغيير الديمقراطي الذي ترفعه المعارضة، خاصة وأنها لا تزال معارضة ضعيفة ومشتتة والأجدى -كي تقوى ويشتد عودها- المبادرة إلى توحيد صفوفها أولاً وتوسيع نفوذها ودورها المستقل على المستوى الوطني ثانياً.

وطبعاً لا يمكن لهذا الهدف أن يتحقق وتتحول المعارضة بذاتها إلى قوة فاعلة تحوز ثقة المجتمع ويحسب حسابها في معادلة الصراع الداخلي وفي رسم السياسات العامة، دون أن تتحرر من عقلية التعويل والرهان على غير المجتمع وقواه الحية ودون اعتماد إستراتيجية جديدة في التغيير تقطع فيها مع النظام الحاكم وتكف عن استجدائه، خاصة وأن أمام عيونها عقودا من تجريب المناشدات من أجل الإصلاح دون جدوى وسنوات من المماطلة واستمرار الممانعة في تغيير عقلية الحكم وسياساته.

إن الإصلاح الحقيقي وحتى المؤتمر الوطني الناجح لا يمكن أن يتحققا إلا في حال تكوين قوة سياسية ضاغطة تحمل مشروعها الديمقراطي المستقل، كطريق رئيسة لفرض التنازلات السياسية والاجتماعية الحقيقية على نخبة وصائية اندمجت مصالحها مع الحكم وكرست نفسها مالكة لمؤسسات المجتمع وثرواته.

ثم من قال إن مواجهة الأخطار الخارجية تستدعي التماهي مع سياسات النظام التي قادتنا إلى ما نحن فيه؟ ألم تؤكد التجارب التاريخية والمحن التي مررنا فيها أن التصدي الأنجع للتحديات الماثلة أمام الوطن تتطلب تحرير السياسة من السيطرة الأحادية والقبول بدولة المواطنة والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، وتستدعي تالياً احترام تكوينات المجتمع السوري وحقوقها، بما في ذلك تنمية حضور المجتمعين الأهلي والمدني وتعزيز دورهما وتشابكهما في النسيج الوطني العام والبناء أساساً على ضرورة وجود سلطة ومعارضة. لكل منهما برنامجه الخاص وطرائقه في التفكير والتعبئة والعمل وحق إدارة الحكم ومراقبته؟

والنتيجة، أن الدعوة إلى مؤتمر وطني دون مناخ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون لن تكون عامل إنقاذ للبلاد ولا من يحزنون، بل هي أشبه "بفت الخبز خارج الصحن" ويغدو الإصرار عليها مجرد هدر للجهود والقوى وحرف الأنظار عن المهمة المركزية، مهمة انتصار الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي.

الجزيرة نت

   [ POSTED  @ 1:54 م ]


 

النظام السوري المعزول

منال أيوب

عندما تحدى حافظ الأسد مشاعر السوريين معلناً نفسه " القائد الضرورة " انطلاقاً من أنه " بطل التصحيح " و " بطل التشرينين " كان الأسد يستغل الأجواء السياسية العالمية وتناقضاتها ليؤسس لحقبة طويلة الأمد لا يُراد لأحد أن يرى نهاية لها ، وعندما انتصر نظام الأسد عسكرياً على " الإخوان المسلمين " وبطش عشوائياً ببقية الأحزاب والقوى السياسية في سوريا - ومنها تلك التي لم تتسلح بأكثر

من الكلمة وبينها الشيوعية ، واليسارية عامة ـ وشمل قمعه حتى من لم يكن له أي وضع تنظيمي أو انتماء سياسي ، عندها غض العالم بصره عما حدث ، ولم يكن لدى وسائل الإعلام العالمية متسعاً حتى للحديث عما يحصل في سورية ، وعندما لم يبق على الساحة السورية من يحسب له الأسد حساباً كان زلم وتجار حافظ الأسد وبعثيوه يمضون أبعد في غطرستهم وتحديهم لجميع السوريين بإعلان " القائد إلى الأبد " ولا خيار إلا " القائد الخالد " الآبد أبد الآبدين الذي " يُبايَع " بهتاف : " يا الله حلك حلك / خللي حافظ محلك ". في ذلك الوقت ، لم يَطرح أحداً سؤال " ماذا بعد الأسد !؟" ولم يكن وارداً في تفكير السوريين أن يذهبوا أبعد من سؤال : " كيف نأمن من بطش الأسد !؟" ولقد نسي الناس طموحاتهم الوطنية الكبرى وأصبحت همومهم تتركز على انتظار الإفراج عن سجين ، أو خبر عن الابن أو الأخ أو الوالد المفقود ، أو في أحسن الأحوال : الجلوس أمام الراديو أو التلفزيون في ذكرى انقلاب حافظ الأسد علّ الإشاعة صحيحة " هذا العام " وهناك خبر عن " زودة معاش ".. في تلك الأوقات ، كان العالم يختلف كثيراً ، وكان حافظ الأسد ينجح في المراوغة وتسويق نفسه للعالم ، عندها كان للأسد دوراً لينفذه على الساحة الإقليمية .

مات حافظ الأسد ، وبقيت آلية تعامل نظام الأسد مع الشعب السوري نفسها ، وبقيت نفس العائلات والرموز والتشكيلات التي أتى بها ، وآلفها وولفها ، حافظ الأسد في مكانها من حيث النفوذ والتسلط وممارسة القمع والسرقة والرشوة والفساد واستنزاف الوطن . بقيت عصابات عائلة الأسد والمقربين منهم تمارس نشاطها الإجرامي بل وظهرت كذلك عينات على ساحة الإجرام كانت أقل حضوراً في الماضي ، وبقيت اللعبة في سوريا على ما هي عليه وهي : توليف سلطوي يجمع بين ضباط كبار ( أو كُبّروا ) في المخابرات والجيش ( ضاقت انتماءاتهم الاجتماعية حتى أصبحت شبه محصورة في عائلة الأسد ومن صاهرهم ومن تقرب منهم ومن سلالتهم ) تتحالف هذه المجموعة العائلاتية المخابراتية العسكرية مع مجموعة تجار من مناطق ومدن سورية مختلفة ليؤدي كل من هاتين المجموعتين دور العراب للمجموعة الأخرى وتبقى مصالح المجموعات محفوظة ، مصانة وغير قابلة للنقاش . يبقى أن نتذكر أن هناك فارقاً وحيداً في العلاقة بين أعضاء طاقم حفظة النظام السوري بين ما كانت عليه في فترة حافظ الأسد وبين ما هي عليه الآن ، ففي الماضي كان حافظ الأسد هو المهيمن والضابط الوحيد لكل الأمور ولكل شاردة وواردة بين عناصر طاقمه وقد أخاف الجميع وجعلهم يفهمون أنه " ولي نعمتهم " وهو من أتى بهم وهو من يستطيع " إزاحتهم من مكانهم ، بل ومن الدنيا متى يشاء " أما الآن فالأمر قد اختلف من حيث أن القوة لم تعد بيد شخص واحد بل توزعت على جنرالات المخابرات والجيش الذين يشعرون أن دورهم كان كبيراً وحاسماً في توريث الرئاسة للأسد الابن وهذا ما يفسر أن كل جهة أمنية تعتبر نفسها أنها الأقوى وهي حامية النظام أوهي النظام نفسه وهي الحكومة والدولة . ولكن توزُّع القوة لا يعني بأي حال من الأحوال الخلاف أو الاختلاف الجذري ، فجميع هؤلاء كانوا يتَّحدون في حال الشعور بالخطر أو بأن خللاً ما قد يصيب المعادلة السائدة .

أما الوضع على الساحة العالمية فقد اختلفت كثيراً عن الماضي ، تغير العالم سياسياً بعد انهيار نظام الدول الشرقية ، ويتغير أكثر بعد 11 سبتمبر حين أصبح الأمن الأمريكي هو الهاجس الأكبر للإدارة الأمريكية إضافة إلى حماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية من الإرهاب ، سواء قام الأمريكيون بهذا الدور أنفسهم أم عبر وسيط محلي . وتتطابق الوعود الأمريكية مع الخطوات بملاحقة الإرهابيين أينما وُجِدوا وعدم غض الطرف أو الشعور بالاطمئنان أو " الانتظار إلى أن يأتي الإرهاب " إلى الأراضي الأمريكية وإنما " ذهاب القوة الأمريكية إلى الإرهابي " لضربه حتى ولو كان كامناً ، وتجفيف منابع الإرهاب . وبجانب عملها على ضرب الإرهابي ، فإن الولايات المتحدة تعمل على إزالة الشروط التي تنتج أو تساعد على إنتاج الإرهابيين في منطقتنا ، ومن هنا فإن الضغوط تزداد على الأنظمة العربية ، ومنها النظام السوري الذي تصنفه أمريكا بأنه يرعى الإرهاب ويشكل عامل زعزعة للأمن والاستقرار وعثرة في طريق السلام . من جانبه ، يتعامى النظام السوري عن التغييرات في العالم ويتصرف كما لو أنه إما لم يدرك بعد أن قواعد اللعب قد تغيرت أو أنه يظن أن بإمكانه دائماً إيجاد الظرف المناسب له للمراوغة والمقايضة أو الاستفادة من فراغات سياسية عالمية أو ما إلى هنالك ، ومن هنا فإن النظام السوري لم يدرك أن دوره في لبنان قد انتهى فحسب بل وتصرف بمنتهى الحماقة والتمادي في الأشهر الأخيرة حين أراد التلاعب بالدستور ومدد في رئاسة الجنرال لحود ، وتأتي عملية اغتيال الحريري قبل أيام لتزيد من الضغوط الأمريكية والعالمية على النظام السوري .

الشرارة التي انطلقت إثر اغتيال الحريري تثمر بما لم يكن أحداً يتصوره حتى قبل شهر واحد ، إن خروج اللبناني ين إلى الشارع دون أن يجرؤ الأمن اللبناني - والذي أثبت أكثر من مرة أنه ليس أقل قمعاً من معلمه السوري - يراقب دون أن يتجرأ على القيام بفعل تجاه الشعب الذي يطالب ليس فقط بتحقيق دولي في جريمة الاغتيال بل ويصر أيضاً على التحرر كلياً من التدخل والوجود الأمني والعسكري السوري في لبنان واستعادة القرار اللبناني المسلوب . يحدث هذا أمام أنظار العالم وبتشجيعه هذه المرة . والنظام السوري ودميته الحكم اللبناني أعجز من أن يقفا بوجه الجموع اللبنانية وهما يعرفان أن لا معدة للعالم لتحملهم أطول . يدرك النظام السوري أنه لم يعد أمامه إلا الانسحاب من لبنان وبأسرع ما يكون ، وهزيمة النظام السوري في لبنان هي الأكبر منذ زمن وهي الأكثر إيلاماً على تجار المخدرات جنرالات الأمن السوري .

لا يوجد على الإطلاق ما هو في صالح النظام السوري المعزول ولا يوجد له من صديق في العالم ، وحتى الوسطاء العرب لا يستطيعون التوسط له هذه المرة ليس فقط لأن دماء جريمته الأخيرة لم تجف بعد وأن نيران الاغتيال لم ولن تخمد بل وأيضاً لأن الوسيط العربي نفسه بحاجة لوساطة ، فحسني مبارك مرتبك بنزول المصريين إلى الشارع مثلما يرتعد من الصوت القادم إليه من أمريكا للتغيير والدمقرطة ، وعجلة التغيير بدأت بالتدحرج في العالم العربي . كل شيء يسير في غير صالح النظام السوري عالمياً ، عربياً ومحلياً ، حتى زحف العمال بالاتجاه المعاكس من لبنان – بالرغم من الأسف لذلك – إلا أن عودة هؤلاء العمال سيكون أيضاً مثار ضغط داخلي على النظام بانضمام هم إلى جيش العاطلين وازدياد نقمتهم على النظام السوري الذي حرمهم من العمل وكسب لقمة العيش مرة داخل بلدهم وأخرى خارجها عندما سد منافذ رزقهم بجريمته في لبنان .

الشعب السوري الرازح تحت الاستبداد والقهر والقمع ، والصامت على الفقر والجوع والتهميش ومصادرة حقوقه دون أن يتمكن على مدى عقود من حكم البعث والأسد حتى من الاعتراض أو التبرم دون ملاحقته والبطش به ، تأتيه الفرصة الآن ناضجة وعلى طبق من ذهب ليتحرك ويصر على نيل حقوقه . وهذه هي الفرصة المناسبة للشعب السوري للتحرك لنيل حقوقه كاملة ، وليُسمع صوته للعالم وليقول بأننا في سوريا ـ بعكس بشار الأسد ـ نؤمن بديمقراطية العالم ونؤمن بقيم العالم الحر وليس لنا تلك " الخصوصية " التي يتبجح بها الأسد وأرباب النظام السوري وتضعنا خارج قوانين العالم الحر وأعرافه . هذه هي الفرصة لنا لا لنشجع على بقاء النظام الفاسد ونقول إنه هو من يقود الإصلاح بل هذه هي الفرصة للعمل من أجل التغيير ، هذا هو الوقت المناسب للأحزاب والقوى السياسية لكي تستعيد شبابها الذي استلبه منها النظام الطاغي ، هذا هو الوقت المناسب للدعاية والتحريض وللتعبئة ، هذا هو الظرف الأفضل حتى الآن للمعارضة والمثقفين للقيام بدور تعبوي ، وهذا هو الوقت المناسب لإصدار البيانات وللنزول إلى الشارع . آن الأوان للجميع لوضع تصورات عن ، ومناقشة ، مرحلة ما بعد نظام الأسد .. كي لا يبقى كل شيء رهن الظروف المستجدة وللرياح لتتقاذف البلد ..، ومن لا يرى الآن أن هذا هو الظرف المناسب للتحرك فلن يرى ظرفاً آخر مرة أخرى على الإطلاق ، وليبقى نائماً لأنه لن يكون يوماً فاعلاً في السياسة وإنما سيكون دائماً منفعلاً بما تتقاذفه رياح سياسة الآخرين . ومن سينتظر ما ستأتي به الأحداث لا يستحق ثقة الشعب السوري للنطق باسمه ، وسيثبت أنه معترض وليس معارض ولا يستحق أن يكون نواة لقيادة شعب وبلد يتطلع إلى الديمقراطية والبناء والنهضة . ومن يختار أن يقف الآن مكتوف الأيدي أو يتكلم عن الثوابت القومية والهجمات الخارجية ويخجل من الوقوف في صف الشعب السوري فسيلفظه الشعب لأنه يبتعد عن لغة الشعب ويكرر خطاب المستبدين بالشعب فيخدمهم من حيث يدري ، أو لا يدري . ومن لا يستطيع الخروج عن لغة الكلام عن الأطماع الامبريالية في المنطقة فإنه يخدم بشكل غير مباشر في استمرار نظام الأسد وعصاباته ومافياته في حكمهم ، ومن يفضل الترقب فقد ضَََمَن ليس فقط استمرار النظام الحاكم في كرسيه ( بتنازلات الأخير ومساوماته أمام الخارج ) وإنما أيضاً ضمن الرئاسة لولي العهد حافظ بن بشار بن حافظ الأسد .

لم يكن بإمكان السوريين أفضل مما كان أيام الحرب الباردة ، ولم يتمكن السوريون من الاستفادة من موت الأسد الأب لأن الظرف لم يكن في صالحهم ولكن ها هي الفرصة المناسبة الآن ليقول السوريون إننا لا نختلف عن بقية شعوب الأرض كي يتوارثنا ويتوارث قرارنا ووطننا العائلات والمافيات التي تحكم بالقوة والحديد والنار . آن الأوان لوضع حد لهذه القلة القليلة من ضباط المخابرات والتجار التي تسيطر على القوة والقرار في سوريا