unique visitor counter safahat -- صفحات سورية
Syrian Safahat


   2006-02-10  

لقاء البيانوني ـ خدّام: طيران فوق عشّ الوقواق؟

صبحي حديدي

القدس العربي


لم يكن لقاء بروكسيل الأخير، بين المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية علي صدر الدين البيانوني ونائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدّام، مفاجأة للذين كانوا علي علم بنداءات الإستغاثة (الخفية السرّية، في تسعة أعشارها) التي كان خدّام يطلقها صوب أطراف في المعارضة السورية هنا وهناك، كي تضمّه إلي صفوفها، لكي لا نقول: كي تنضمّ المعارضة إليه! المفاجأة الوحيدة ربما، هي أن تلبّي الجماعة نداء الإستغاثة في التوقيت الخاطيء تماماً، وضمن ما يشبه القفزة العمياء في الفراغ السياسي الذي يمثّله خدّام، الآن بالذات واكثر من أيّ وقت مضي.
وليس سرّاً أنّ نداءات الإستغاثة تلك انطلقت، أو بالأحري تسارعت وتواترت، بعد أن أدرك خدّام طبيعة المأزق الذي انتهت إليه مغامرته، وكيف اضمحلت الدراما تدريجياً، وانحسر التشويق سريعا. ولقد تفاقم المأزق بسبب أربعة عوامل، بين أخري اقلّ أهمية ربما:
1 ـ أنّ هذا الرجل لا يستطيع البتة أن ينفكّ أو يتهرّب من تاريخ شخصي مشين بغيض (ولا أتردد شخصياً في القول: دامٍ وفاشيّ)، انطوي علي المشاركة المباشرة والفاعلة في كلّ ما ارتكبه نظام حافظ الأسد من جرائم بحقّ سورية، منذ 1970 وحتي خروج خدّام من السلطة صيف العام الماضي في أعقاب المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث. ولهذا فإنّ قبوله في صفوف المعارضة، دعْ جانباً تنصيبه زعيماً لفريق بعثيّ معارض بأيّ معني، هو تنازل طوعي إنتحاري عن خطاب سياسي قالت به المعارضة طيلة ربع قرن، ونهض أوّل ما نهض علي إدانة ما يمثله أضراب خدّام من سياسة واجتماع وأخلاق. وغنيّ عن القول ان هذا الموقف من خدّام كان، كذلك، يعكس مزاج الشارع السوري العريض الذي يعرف، وكان يختبر كلّ يوم، موبقات آل خدّام إسوة بموبقات آل الأسد وآل مخلوف وآل طلاس وآل شاليش وآل مشارقة وآل الأحمر.
2 ـ أنّ سخاء المملكة العربية السعودية في فتح منابرها الإعلامية المقروءة والمرئية والفضائية أمام الدراما الخدّامية في فصلها الأوّل، أواخر العام الماضي، ثمّ شحّ المملكة المباغت وإغلاق جميع المنابر في وجهه بما يشبه الإنقلاب رأساً علي عقب، ترك النائب السابق في عرائَيْن: عراء الإعلام السعودي الذي تلقي أوامر (اتضح أنها صارمة حازمة!) بالتزام صمت القبور تجاه أنشطة وتصريحات ولقاءات الرجل؛ وعراء انكشاف التغطية السياسية السعودية علي نحو معاكس تماماً لما لاح علي السطح في الفصل الأوّل، حين بدا منطقياً تماماً أنّ خدّام يتمتع بغطاء سياسي سعودي، وإلا فكيف نفسّر إغداق الإعلام السعودي كلّ تلك الساعات في تغطية تصريحاته المبكرة المباغتة الدراماتيكية بالفعل.
3 ـ أنّ مرور الأيام، وانقضاء أكثر من شهر بعد تلك التصريحات الأولي، برهن علي أنّ انشقاق خدّام ـ إذا جاز بالفعل توصيفه هكذا ـ حالة معزولة وفردية وشخصية، وليس خطوة ابتدائية تمهد الطريق أمام خطوات أخري لا تقلّ أهمية ومغزي. لم يتضح، حتي الساعة، أنّ النائب انشقّ علي خلفية مخطط أوسع يتضمن، مثلاً، انشقاق شخصيات أخري والتحاقها بالنائب، من داخل سورية أو حتي من الخارج؛ أو الإعلان عن جيب انشقاقي من نوع ما ينبثق من صفوف حزب البعث، أو حتي من وزير حالي أو سابق، أو مدير عام حاليّ أو سابق في مؤسسة حكومية أو شركة كبري في القطاع العام؛ أو، قبل هذا وذاك، لمّ شمل بعض الشخصيات التي كانت نافذة تماماً في السنوات الأخيرة من حكم الأسد الأب، واستُبعدت لدرء ما قد تمثّله من أخطار علي توريث بشار الأسد (حكمت الشهابي رئيس الأركان الأسبق، علي دوبا رئيس الإستخبارات العسكرية الأسبق، محمد سلمان وزير الإعلام الأسبق، علي حيدر قائد الوحدات الخاصة الأسبق...).
4 ـ هذه العوامل الثلاثة السابقة تكاتفت لكي تفضي إلي العامل الرابع: أنّ خدّام أخذ يعيش عزلة قاتلة في المستوي الإعلامي بعد أن أفرغ كلّ ما في جعبته، بل زاد واستزاد وبالغ واستخفّ في إطلاق التصريحات التي لم يكن يُراد منها إلا مغازلة المانشيت واختلاق الإثارة؛ وأنّ هذه العزلة الإعلامية ترجمت شرطها في عزلة سياسية حتي من جانب بعض الأوساط السياسية السورية والعربية والغربية التي اعتادت ارتياد مجالسه في البدء، ثمّ انفضت عنه لأسباب لا تخفي، وبعد أن باتت أقاصيصه عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري كلاماً مكروراً معاداً. ومن اللافت أنّ انفضاض السامر جري لسبب آخر هو تركيز خدّام علي هذا الملفّ الأخير بصفة شبه حصرية، والنيل بين حين وآخر من رئاسة بشار الأسد، والإمتناع التامّ (لأسباب لا تحتاج إلي بيان!) عن المساس بالتاريخ الأسود لـ الحركة التصحيحية منذ عام 1970.
فإذا صحّ هذا التوصيف لمأزق خدّام، جزئياً أو كلياً، فما الذي دفع الإخوان المسلمين في سورية إلي هذا اللقاء الذي يرقي بالفعل إلي مستوي التحالف؟ وما مصلحة الإخوان في انتشال خدّام من مأزقه الراهن؟ وما ميزان الربح والخسارة في خطوة كهذه، أي مَن يربح ماذا من الآخر: الإخوان أم خدّام؟ وهل يمكن للقاء بروكسيل أن يشكّل أيّ إطار عمل ملموس في المستقبل القريب، بين جماعة الإخوان من جهة، وفرد واحد وحيد هو عبد الحليم خدّام من جهة ثانية؟ وفي مسألة التوقيت، هل يعقل أنّ قيادة الجماعة فاتها أن تلحظ المغزي الإنسانيّ المأساوي والسياسيّ القاتل لعقد لقاء بروكسيل في هذه الأيام بالذات، أي في أسبوع الذكري الرابعة والعشرين لمجزرة حماة؟ أليس مدهشاً أن يلتقي البيانوني مع خدّام يومَيْ 7 و8 شباط (فبراير)، حين جري في مدينة حماة ـ ولكن قبل 24 سنة ـ تنفيذ مجازر جماعية في حيّ الدباغة، وشارع أبي الفداء، وجنوب الملعب، وسوق الشجرة، وشارع العلمين، وحيّ الوادي، وحيّ المحطة، وحيّ الباشورة، وسوق المرابط، وسوق الصاغة، وحيّ باب القبلي، والمدينة، والجراجمة؟
صحيح أنّ خدّام لم يكن في أيّ يوم قائد سرايا الدفاع أو قائد الوحدات الخاصة التي نفّذت المجازر، ولكن... ألم يكن يشغل موقع النائب الأوّل لرئيس الجمهورية، حافظ الأسد؟ وبأيّ معني يمكن القول إنّ يديه ليستا ملطخّتين بدماء السوريين، ليس في حماة وحدها بل في أيّ وكلّ مجزرة ارتكبتها أجهزة الاسد الأب، أمنية كانت أم عسكرية أم بعثية حزبية أم منظمات جماهيرية؟ هذه الطائفة الأخيرة من الأسئلة لا تستهدف تخوين الإخوان علي أيّ نحو، كما أنها لا تسعي إلي أن تكون إخوانية أكثر من الإخوان في تقدير سوء التوقيت، ولكنّها في الآن ذاته لا تتنازل عن حقّ المواطن السوري في أن تكون غيرته علي التوقيت (أي غيرته علي ذكري مجزرة حماة) ليست أقلّ من غيرة الإخوان أبداً، لكي لا نقول أكثر منهم أيضاً!
في عبارة أخري، ليس المرء ـ المواطن السوريّ في هذه الحال ـ مضطرّاً إلي أن يكون عضواً في الجماعة كي يشعر بالأسي العميق لاختيار هذا التوقيت، بل لعلّ من الخير أن يكون المرء ذاته علمانياً تماماً وغير متأسلم علي أيّ نحو، وسورياً ديمقراطياً وطنياً ببساطة، كي يقول لقيادة الإخوان: بئس التوقيت أيها السادة! وبئس اللقاء كذلك، لأنّ قيادتكم ـ بلسان المراقب العام نفسه ـ كانت قد اشترطت علي خدّام الإعتذار عن ماضيه في السلطة، أي عن جرائمه في تعبير أوضح، قبل اعتباره معارضاً؟ ألم يعرب البيانوني، في سلسلة تصريحات أوضحها تلك التي أدلي بها لصحيفة فايننشيال تايمز ، عن عدم قناعته بتصريحات خدام المعلنة حول هدفه لنشر الديمقراطية في سورية ، وأنّ عليه أن يوضح موقفه من النظام سابقا، ويبيّن سبب سكوته، وبقائه حليفاً لهذا النظام قرابة 40 عاماً ؟
واضح، بالطبع، أنّ خدّام لم يلبّ أيّاً من المطالب التي ساقتها الجماعة كاشتراطات مسبقة كي تتحاور معه، وبالتالي فإنّ ميزان الربح والخسارة يشير إلي أنّ خدّام هو الذي يخرج رابحاً من لقاء بروكسيل، ليس أكثر من جماعة الإخوان بالمعني السياسيّ (لأنه كان الأكثر عزلة والأشدّ مأزقاً) فحسب، بل أكثر منهم بمعني تنازل الإخوان الطوعي والمجاني عن شرط اعتذار خدّام، وإسقاطهم الشكّ في صدق نوايا الرجل الديمقراطية، فضلاً بالطبع عن الجانب الأخلاقي في قبولهم بأنّ يتمّ اللقاء في أسبوع مجزرة حماة. وفي جانب آخر، لا يبدو البيان المشترك (الأقرب إلي إعلان نوايا في الواقع) وكأنه ترجيح بأيّ معني لهذه أو تلك من النقاط الأساسية في خطّ الإخوان السياسي والفكري بصدد مستقبل سورية، وذلك رغم العبارات الفضفاضة والإشارة إلي وجود رؤية مشتركة .
لقد حصل خدّام علي اعتراف الجماعة به كشخص فرد معارض أوّلاً، الأمر الذي تضمّن كذلك قبوله في برنامج التغيير الوطني، وضمّه من قبيل الأمر الواقع إلي أطراف إعلان دمشق حتي إذا بدا الأمر بمثابة حضّ لتلك الأطراف علي العمل المشترك وعقد اللقاءات لتوحيدها والوصول إلي صيغة للعمل المشترك لإنقاذ سورية من المحنة التي تعانيها وحمايتها مما يهددها في الداخل من الإستبداد والفساد، وما يحيط بها في الخارج من أخطار وتحديات ، حسب نصّ إعلان بروكسيل كما نشره موقع أخبار الشرق . إنّ مجرّد التطرّق إلي إعلان دمشق في هذا النص يوحي بأنّ فريقاً واحداً موقعاً عليه، هو هنا جماعة الإخوان، امتلك الحقّ في ضمّ زيد أو عمرو إلي الإعلان، حتي دون الرجوع إلي أيّ من أطراف الإعلان الأخري، ودون أيّ تشاور أو تنسيق معها.
والحال أنّ قول الجماعة، في بعض تبرير لقاء البيانوني ـ خدّام، أنها دعت بشار الأسد نفسه إلي الإصلاح، هو مقارنة كسيحة (هل يعقل أنهم يقصدون القول: فلندعُ بشار الأسد نفسه للإنضمام إلي إعلان دمشق؟)، وذريعة جوفاء نافلة بفضيلة ما قاله خطاب الجماعة ذاتها في توصيف انشقاق خدّام. ومن المدهش أنّ توقّع الجماعة علي نصّ كهذا، مع رجل كان حتي أشهر معدودات في هرم سلطة الفساد والإستبداد، بل وتكاد تغسل يديه من أيّ جريمة حين تشاطره القول إنّ الخطر المحدق بسورية سببه السياسات المغامرة التي انتهجها النظام ولا يزال . فقط، لا غير؟ وكأنّ جرائم 35 سنة من عمر نظام حافظ الأسد اختُزلت إلي مجرّد السياسات المغامرة التي ينتهجها اليوم ابنه ووريثه! أليس هذا تبييض صفحة؟ وليس صفحة خدّام وحده، بل مجلدات نظام الحركة التصحيحية بأسره؟ وإذا كان خدّام يتنازل اليوم فيؤكد علي دور الإخوان المسلمين الوطني وأنهم جزء أساسي من المكونات السياسية للعمل الوطني في سورية ، أليس هذا هو نفسه خدّام صاحب نظرية تجنيب سورية مصير الجزأرة التي شهدتها الجزائر... علي يد الإسلاميين؟
في لقاء بروكسيل كان خدّام شبيهاً بطائر الوقواق الذي يضع بيضته في أعشاش الطيور الأخري لتحضنها بالنيابة عنه، ثم ترعاها حتي تفقس، فيتولي الفرخ الوليد أمر التخلّص بنفسه من الفراخ الشرعية كي ينعم وحده بالعشّ والغذاء. ولهذا فإنّ الطيران فوق عشّ الوقواق هو، منطقياً، طيران افتراضي فوق عشّ لا وجود له أصلاً، ومن العجيب أنّ جماعة الإخوان المسلمين رضيت أن تمنح خدّام فرصة الطيران هكذا، ومنحته العشّ، وكذلك انتظار فقس البيضة!

   [ POSTED  @ 2:15 م ]


 

الانجرار وراء الحرب الحضارية ليس مصلحة إسلامية



برهان غليون

الجزيرة نت

خلق انهيار المعسكر الشيوعي، وزوال الاتحاد السوفياتي الممثل له، فجوة كبيرة في الأيديولوجية الدفاعية لنظام السيطرة الغربية في العالم. فقد كان العداء للمعسكر الشيوعي وما يمثله من القيم السلبية الوسيلة الرئيسية لدفع الجمهور الغربي الواسع إلى تأييد السياسات الأطلسية الهجومية والالتحاق بها من دون نقد ولا تساؤل، وبالتالي تبرير هذه السياسات والنفقات العسكرية الباهظة المرتبطة بها. والنجاح، انطلاقا من ذلك، إلى إقناع الرأي العام الدولي بأن السيطرة الغربية على العالم ليست أخلاقية فحسب لأنها تحول دون انتصار الشر، ولكنها حتمية أيضا، ولا يمكن التراجع عنها من دون تعريض مجتمعات الغرب ونظمها الديمقراطية وهويتها وثقافتها وقيمها وأسلوب حياتها اليومية للخطر الماحق.

وكان من الطبيعي أن يقود انحسار خطر هذا المسخ التاريخي الشيوعي وزواله من الوجود إلى تصاعد المواقف النقدية إزاء سياسات الهيمنة الغربية، تماما كما كان من المنتظر لزوال الحرب الباردة ومتطلباتها أن يقود إلى تراجع النفقات العسكرية وتنامي فرص التفاهم والتعاون الدوليين لتحسين شروط حياة المجتمع الدولي برمته ومعالجة أقسى مشكلة يعاني منها النوع البشري، أعني الفقر الذي يرزح تحت وطأته أكثر من مليار نسمة.

بيد أن مثل هذه التوجهات لم تكن تتضارب مع ما طبع السياسات الغربية والدولية عموما في القرنين الماضيين من حروب ومواجهات جعلت من تبني مبدأ الاستعداد للحرب وكسب النزاعات المحتملة القاعدة المثلى لتجنب حدوثها فحسب وإنما مع مصالح واسعة ونافذة ارتبطت بعقود طويلة من سيطرة مناخ المواجهة والحرب الباردة، وفي مقدمتها مصالح المركب الصناعي العسكري وبيروقراطية الدولة والجيش ومؤسسات الدفاع الإقليمية والعديد من القوى السياسية التي تتحالف معها.

وهكذا ما كان من الممكن ترك الاتحاد السوفياتي ينهار من دون السعي، من قبل هؤلاء، للبحث عن عدو جديد يبرر الاستمرار في السياسات الهجومية ذاتها التي تضفي المشروعية على السيطرة الغربية على العالم وتبرر استمرارها.

وقبل أن تبدأ أي حركة إسلامية باستخدام العنف على أي نطاق خارج البلدان الإسلامية، وجد أنبياء السيطرة الغربية في رفع العالم الإسلامي والعربي إلى مستوى الخصم التاريخي والحضاري الرئيسي للغرب المرتكز الوحيد لتمديد مناخ الحرب الباردة وتبرير سياسات السيطرة الغربية.

وهكذا شكل تشويه صورة العرب والمسلمين واستفزازهم خلال أكثر من ربع قرن مادة حرب باردة عالمية حقيقية لن يتأخر منظرو السيطرة الغربية عن إعطائها اسمها الجديد الخاص، الحرب الحضارية والصدام بين الثقافات.

ومنذ ذلك الوقت يمكن القول إن الحرب أصبحت سجالا بين المسلمين والعرب من جهة، والنخب الغربية اليمينية التي سعت ولا تزال إلى جر العالم بأكمله إلى تأييد موقفها العدواني والعنصري من الجهة الثانية.

في هذا السياق استعادت أيديولوجية تبرير السيطرة الدولية والسياسات الأطلسية الهجومية اللغة والشعارات ذاتها التي كانت تستخدمها ضد الاتحاد السوفياتي في حقبة الحرب الباردة السابقة.

فركزت وسائل الإعلام الغربية على الأخطار المتعددة التي يمثلها العالم العربي والإسلامي الذي يخضع في نظرها، مثله مثل الاتحاد السوفياتي السابق، لثقافة مناقضة في قيمها للثقافة الغربية الحديثة ومعادية لها، سواء في ما يتعلق باعتماده العنف في علاقاته مع الخارج واستلابه لمنطق القوة ومراكمة وسائل وأسلحة الدمار الشامل أو في محاولاته المستمرة لتفجير الأزمات الدولية والحروب الإقليمية أو في دفاعه عن نظم سياسية لا ديمقراطية تسمح للمغامرين من الحكام الديكتاتوريين والطغاة بالتلاعب بالجماهير ودفعها إلى العداء المجاني للخارج ولكل ما هو أجنبي في سبيل حرف انتباهها عن مشاكلها الداخلية التي تتسبب فيها سياسات أنانية ولاعقلانية.

وجاءت الحركات الجهادية الإسلامية التي تستخدم الإرهاب والخطف وقتل الرهائن وسائل للضغط على الدول الغربية، في أوضاع المواجهة القائمة في أكثر من مكان، لتكرس الاعتقاد الواسع الانتشار اليوم بأن عالم العرب والمسلمين لا يفهم إلا لغة القوة والعنف وإنه يفتقر إلى ثقافة التعايش والتفاهم والحوار والتفاوض التي هي لغة العصر ومصدر بناء اجماعات دولية لم يكن المجتمع الدولي في أي حقبة أكثر حاجة لها منه اليوم.

ولا نستطيع إلا أن نعترف بأن أصحاب هذه السياسة والمنظرين لها قد نجحوا في أمرين رئيسيين. الأول هو إقناع الرأي العام العالمي بصدق الصورة التي رسموها أو أرادوا رسمها للعالم العربي والإسلامي بوصفه عالما لا يعرف المدنية ويعيش على منطق القوة والعنف سواء في ما يتعلق بعلاقاته الداخلية بين المواطنين والحكام أو في علاقاته الخارجية مع غيره من المجتمعات.

والثاني جر العالم العربي والإسلامي بالفعل إلى الحرب الحضارية والثقافية التي أراد لها أن تكون بديلا عن الحرب الباردة ومنبع مشروعية لسياسات السيطرة والعدوان الغربية.

وبعد أن وقف المسلمون جميعا، شعوبا ومنظرين وسياسيين، عن حق ضد فكرة الحرب الحضارية في السنوات الماضية وطرحوا في مواجهتها، ومن أجل تفريغ منطقها من مضمونه، فكرة حوار الحضارات الذي تبنتها أيضا جماعات ومؤسسات غربية ودولية عديدة رافضة للاستسلام لمنطق الصراع الدولي المستمر وبناء العلاقات الدولية على قاعدة السيطرة من طرف والخضوع من طرف آخر، عاد المسلمون هم أنفسهم، أولا على أيدي الجماعات المتطرفة الإسلامية، ثم اليوم أكثر فأكثر على يد بعض الجماعات السياسية العلمانية، إلى العزف على نغم الحرب الثقافية والحضارية، بل وتبني فكرة هذه الحرب بوصفها حقيقة واقعة أو أكثر من ذلك أمرا مطلوبا لمواجهة إرادة الهيمنة السياسية والعسكرية والثقافية الغربية.

وشيئا فشيئا ستكتشف النظم العربية والإسلامية التي تعيش هي أيضا حالة من العجز المزمن في مساعيها التنموية وتواجه تحديات داخلية اقتصادية واجتماعية وسياسية لا مثيل لها، الفرص الاستثنائية التي تقدمها لها هذه الحرب الثقافية في سبيل التغطية على إخفاقاتها الخطيرة وتوجيه موجات الغضب الشعبية نحو الخارج، وبالتالي الهرب من المسؤولية وتأبيد سيطرتها على السلطة والموارد المحلية.

بهذا تكون شروط الحرب الباردة الجديدة التي أرادتها القوى الاستعمارية في الغرب قد تحققت بالفعل. ونحن نشهد كل يوم أحداث تطور هذه الحرب التي تستفيد من معطيات العولمة الإعلامية الدولية لتدمج في حركتها مجتمعات وشعوبا وجماعات لم تكن الحرب الباردة التقليدية قادرة على جذبها وتشغيلها فيها.

في هذا السياق وفي هذه البيئة الملتهبة التي تطبع العلاقات الإسلامية الغربية، ما كان لنشر الصور الكاريكاتيرية المسيئة لرسول الإسلام الكريم، وردود الفعل الإسلامية الغاضبة، ثم الردود الغربية على ردود الفعل هذه التي اتخذت شكل تحد للمشاعر الإسلامية الدينية باسم حرية التعبير، في الوقت الذي كانت تسيء فيه للمسلمين جميعا باتهامها غير المباشر لهم بتأييد الإرهاب، بل بالإيمان به كجزء من تعاليم الرسول، إلا أن تفجر أزمة أخذت وتأخذ أكثر فأكثر طابعا مأساويا بين المسلمين والغرب كان الطرفان بغنى عنها.

فإذا كان منطق الحرب يطمئن بعض القوى الاستعمارية المتطرفة، وفي مقدمها القوى الصهيونية التي سعت منذ عقود إلى الإيقاع بين الدول العربية والإسلامية والدول الغربية، كما عملت المستحيل من أجل فرط الحركة القومية العربية لفتح باب الصراعات الدينية والطائفية في الشرق الأوسط والعالم، فليس للمجتمعات الغربية أو لغالبيتها الساحقة أي مصلحة في استعداء المسلمين عليها وهم يشكلون ربع العالم أو ما يقارب ذلك، ويعيش قسم متزايد منهم على الأراضي الغربية.

وبالمثل، إذا كان هناك بين النظم العربية من يريد أن يحول أنظار شعبه عن مصاعبه الداخلية، بدفعهم إلى الانخراط في مواجهات خارجية لا تنتهي، فإن المجتمعات العربية التي تنوء تحت ثقل مشاكلها الداخلية غير المحلولة، بما فيها مشاكل احتلال أراضيها في فلسطين وسورية ولبنان، وتتعرض لهجوم منظم من قبل قوى الهيمنة الدولية، تدرك بعفويتها أنه لا مصلحة لها باستعداء كل قطاعات الرأي العام العالمي، أو بدفعها إلى الاعتقاد بأنها مجتمعات لا تفهم إلا لغة العنف والتدمير والقطيعة.

إن سياسة الدفع نحو الفوضى والتهديد بها تناسب من دون شك بعض الفئات المحشورة اليوم، في النظام والمجتمع معا، والتي تشعر بأن الأرض تميد من تحت أقدامها، ولها مصلحة في أن تخلط الأوراق وتشعل كل الحرائق الممكنة، وتعزل الشعوب العربية عن العالم وتسيء إلى سمعتها حتى تنفرد بها وتتفق مع خصومها من وراء ظهرها.

لكن الأغلبية العربية والإسلامية الساحقة تعرف أن مواجهتها الحقيقية والحضارية للغرب، ونجاحها في كسر هيمنته واستعادة المبادرة التاريخية، تتوقف على نجاحها في الخروج من المآزق والانسدادات التي وضعتها فيها السياسات الأنانية والمغامرة واللامسؤولة لقادتها، وأن التعاون مع المجتمعات الصناعية المتقدمة، في ميادين الاستثمار والصناعة والتقنية والعلوم، هو الطريق الرئيسية لذلك.

لا يعني هذا أن على الشعوب العربية والإسلامية الاستسلام أو عدم الرد على التحرشات التي تقوم بها القوى المتطرفة الغربية ولا القبول بعنصريتها.

بيد أن هناك ردودا أخرى، سياسية وقانونية وفكرية، على مثل هذه السياسات الخرقاء والإجرامية غير تلك التي لا تهدف إلا إلى تكريس الاعتقاد الشائع بعنف العرب والمسلمين وعدوانيتهم ونزعتهم السلبية للحرق والدمار.

ولا يستفيد من مثل هذه الردود سوى رؤوس الاستفزاز أنفسهم الذين يريدون، مثلهم مثل إسرائيل، عزل العرب وتهميشهم دوليا ودفعهم إلى الانغلاق على أنفسهم والغرق في حروبهم الداخلية ودمائهم، ومن وراء ذلك تبرير العنف الشامل الممارس عليهم من الخارج لضمان السيطرة على مواردهم وكسر إرادتهم.

وهنا تلتقي سياسات المحافظين الأميركيين الجدد تماما مع سياسات الأرض المحروقة التي تمارسها بعض النظم التي تسعى إلى التمديد لنفسها بأي ثمن، والتي وجد بعض القوميين الجدد الضيقي الأفق في سياساتها المغامرة مهربا من ضرورة المراجعة وقناعا للعجز والانحسار.

إن الردود العنيفة على التحرشات العنصرية لبعض تيارات الرأي العام الغربية لا توجه رسالة مقلقة للعالم أجمع بما تقدمه له من مظاهر فقدان السيطرة على النفس عند المسلمين، وإنما للعرب أنفسهم الذين يخشون أن تتحول أساليب الرد العنيفة على الخصوم الخارجيين إلى أساليب مقبولة ومتبعة في الرد على الخصوم أو المنافسين الداخليين من أصحاب الأديان أو العقائد السياسية والفكرية الأخرى.

   [ POSTED  @ 2:14 م ]


 

التغيير وكيس الوزير

نضال نعيسة

استذكر أحد الخبثاء على هامش موضة التغيير، والتوزير الدارجة في هذه الأصقاع هذه الأيام قائلا: عندما يبدو أن "أكياس" الوزراء، قد امتلأت ، وأصبحت عامرة باليورو والين، والدولار، ولم يبق مكان لا للمال، ولا للصفقات، ولا للعمولات، تزف ساعة الرحيل، ويبدأ الجميع بالتحضير للإقلاع، والتمتع بما كسبت اليدان، واللهم لا حسد، والله يطعمنا مثل ما طعم الوزراء في بلاد الفساد والإفلاس، وسرعان ما يبدأ التململ، والرغبة في "تشميع الخيطان" والزوغان، ودخول عالم البيزنس والمال، والاستثمار في سويسرا، ولوس انجلس، وماربيا، وكان، قبل فوات الأوان. ومعظم الوزارات المرحومة منها والموعودة ينطبق عليها المثل الشامي "تيتي تيتي" يا حكومتنا العتيدة، مثل ما رحت مثل ما "جيتي"، حيث لا تكون قد خلفت وراءها، أي إنجاز يذكر والحمد، والشكر لله.

ولمن لا يعرف قصة الكيس فهي أنه، وفي سالف العهد والأوان، يا سادة يا كرام، هب الناس ضد أحد الولاة، والوالي في التاريخ التليد الذي كنا نغني له الأناشيد الحماسية في الصباح، في حفلات غسل الدماغ الجماعية المعروفة أيام لهيب الثورات، كان، يا طويلي العمر، بمثابة محافظ، أو رئيس فرع مخابرات مطلق الصلاحيات في هذه الأيام، وكان يوهب هذه الولاية، أو تلك المدينة، ويسلم رقاب الناس ليطوّعها، ومن مهامه أيضا قطف الرؤوس اليانعة التي حان قطافها، ويجبي خراج الولاية، ويقدمها هنيئا مريئا لأولي الأمر "الحبوبين الطيوبين" الودعاء الأمناء، وكان كلما يعين واليا، يُحضر معه كيسا ، أو صندوقا كبيرا فارغا، وتبدأ عملية الحلب وسحب الخيرات، ويعمل منذ اليوم الأول لولايته المباركة خدمة للمبادئ، والأخلاق، والشعارات في جني، وجبي المال ووضعه في الكيس الكبير خلسة عن أعين الفقراء، حتى يترع ترعا، وتثقل الأحمال، ثم يُنقل هذا التقي الورع، إلى ولاية أخرى تئن من الفاقة وضنك الحال، وهكذا دواليك حتى هلكت، وأفلست وشحذت، الناس، فقاموا يطالبون بعزله، والإتيان بوال جديد نظيف اليد، وفارغ الأكياس.

ووقفت الجموع الهائجة أمام قصره المنيف، تطالبه بالرحيل عن أعناق، وكاهل الناس، بعدما أشبعهم جورا وظلما وغلاء، فخرج أليهم هاشا، باشا، ضاحكا ضحكته المعتادة الصفراء، وكان سياسيا مجربا، وداهية محنكا، ورجلا متفلسفا، وخطب فيهم قائلا : يا قوم لقد وليتكم، لأني أقلكم رحمة، وأطولكم يدا، وأشطركم فذلكة، وأكثركم تزلفا، وأكبركم كيسا، وأشرهكم طمعا، وأجملكم خطا، وأغزركم كتابة للتقارير، وأسرعكم لهطا، وأكرمكم خطبا، وأكذبكم قولا، وها قد امتلأ للتو كيسي الكبير ذهبا، وفضة، ودراهم ودنانير، ولم أعد بحاجة للمزيد من السطو على طعامكم، ورزقكم، ومؤونتكم، وتنغيص حياتكم، وتكدير عيشكم، وسرقة أموالكم، ولو امتثلت لطلبكم ورحلت الآن، فسيأتيكم ربما من هو أطول مني يدا ، وسيكون كيسه فارغا تماما، وسيعيد عليكم كرّة الآلام والنهب والعذاب، فهدؤوا من روعكم، وعودوا إلى بيوتكم، فو الله ما أحب مضرتكم وشقاءكم أبدا، ولو أحببتهما لرحلت عنكم اليوم وقبل غد، ولو طاوعتكم ، وفعلت، فستترحمون علي من الصباح الباكر، ومع أول جولة نهبوية لعسس الوالي الجديد أبي الكيس، والعين الفارغة.

وهنا، ساد هرج، ومرج بين الجموع الثائرة، وبعد مداولات، ومشاورات، صاحوا جميعا صدقت والله يا مولانا، وأنت خيرنا، وأحكمنا، وقلبك، فعلا، علينا، وطالبوا ببقائه واليا عليهم، ولا سيما بعد أن أحضرت ثلة من الجباة المدججين بالأكياس المسروقة، وباللباس الميداني الكامل، تتقدمهم أكاليل الورد والغار، كيس الوالي الكبير المليء بالأموال، وعرضوه على الناس الذين عاينوه مليا بقلوب مفعمة بالغيظ والألم، وعيون مليئة بالحسد والآهات، وهللوا وصفقوا، حتى أن البعض طالب أن يُفتدى كيس الوالي المترع، بالروح ودماء الفقراء. وبعد الانتهاء من مراسم هذا المهرجان الكيسي الكبير، عاد الجميع إلى بيوتهم، فرحين بهذا العهد، والاتفاق والاكتشاف العبقري، الذي منّ به عليهم الوالي السلطان، وأيديهم على قلوبهم، جزعا، من قدوم وال جديد، وعاشوا بعد ذاك بهناء، وثبات، وخلفوا صبيان وبنات.

وأما نحن الذين لا ناقة لنا، ولا أية أكياس في هذه الأوطان، وجيوبنا كلها خاوية، وتصفر فيها الرياح، نضم صوتنا لصوت ذاك الوالي الفهمان، ونقول، وكرمى لله والرسول، إذا كانت الوزارات الجديدة، كسابقاتها، لا تحل، ولا تربط، ولا تقدم، ولا تؤخر، ولا تغير، ولا تبدل، فهل لها من مهمة سوى ملء المزيد من الأكياس؟ و رجاء لا تفتحوا علينا مزيدا من الأكياس، ويكفينا ما فينا، وما يطفو على السطح من "أكياس" مفتوحة، لا يملؤها، ولا يشبعها سوى الترا

خاص – صفحات سورية -

   [ POSTED  @ 2:13 م ]


 


من غزّة إلى طهران!


صبحي غندور*

هل يمكن فصل التطوّرات الجارية في كل من لبنان وسوريا وفلسطين عن بعضها البعض؟ وهل يمكن عزل مسألة التسوية مع إسرائيل عن تداعيات الأحداث لدى كل طرف من الأطراف الثلاثة؟

فقد نجحت إسرائيل في عقد معاهدات ثنائيّة مع كل من مصر والأردن، لكنّها فشلت على الجبهات الأخرى: اللبنانيّة والسوريّة والفلسطينيّة، في إقامة تسويات توقف حال الصراع المسلّح معها. إسرائيل وقّعت اتّفاقيّات مع قيادة منظّمة التحرير في أوسلو نصّت على الاعتراف بإسرائيل ووقف أي عمل مسلّح ضدّها. لكن ذلك لم يمنع من ظهور حركة حماس وغيرها من المنظّمات الّتي استمرّت في الكفاح المسلّح ضدّ الاحتلال الإسرائيلي. وإسرائيل استطاعت ضمان الهدوء على الجبهة السوريّة في الجولان بفعل اتفاقيّات دوليّة، لكنّها لم تضمن عدم مساندة دمشق لمنظّمات فلسطينيّة وللمقاومة اللبنانيّة.

وإسرائيل راهنت على غزوها للبنان عام 1982 واحتلالها لأول عاصمة عربيّة بيروت، ثمَّ على خروج قيادة منظّمة التحرير ومقاتليها من أراضيه، ثمَّ على إخراج القوات السوريّة من بيروت وجبل لبنان، ثمَّ على توقيع اتفاق 17 أيّار/مايو عام 1983، وهي كلّها ضمانات أمنيّة وسياسيّة لها بإمكان عزل المسار اللبناني عن سوريا والمسألة الفلسطينيّة. فإذا بتطوّرات تعصف بكل هذه النتائج، وإذا بلبنان يشهد ولادة مقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي أجبرته على الانسحاب دون قيد أو شرط أو معاهدة.