كاميرا حالمة

2006-06-20

كاميرا حالمة

سمر يزبك

خاص – صفحات سورية –

ربما لم تعرض شاشات التلفزيون، حتى وقت قريب فيلماً، أو برنامجاً وثائقياً أنصف الطبيب والثائر الأرجنتيني، أرنستو تشي غيفارا، كما فعل فيلم " فدائي حتى النهاية " والذي عرض على قناة الجزيرة مؤخراً، كان اسم تشي غيفارا، الرمز الأكثر نبالة لحلم الثوار بعالم أكثر عدالة، رغم محاولات الميديا الأمريكية، من خلال البرامج والأفلام الوثائقية والسينمائية_ كان واحداً منها من بطولة النجم العربي عمر الشريف

_ أن تجعل منه، رجلاً خارجاً عن القانون، إلا أنها لم تستطع محو الصورة الحقيقة للحياة التي عاشها غيفارا، فالفيلم قارب حياته بهدوء غير مفتعل، وكأنه جّدة مسّنة، تمارس فعل الحكاية، المعتادة للأحفاد قبل النوم، عبر تواضع مبالغ في الإحجام عن ضخ المقولات الأيديولوجية، والذي كان بالتأكيد من حسنات الفيلم الرئيسية،

الفيلم بحث أيضاً في أسباب ضياع الحلم، أو هكذا بدت الكاميرا وهي تفصّل أدق ما في حياته، حميمة ونضالاً، بحثت الكاميرا عنه في عيني ابنته الطبيبة، التي لا تذكره، إلا كخيالات تائهة، وفي عيون أعدائه قبل

أصدقائه، الذين كانوا يسبلون جفونهم خجلاً من عين الكاميرا، وهم يتخيلون مشاهداً افتراضياً يزدريهم، ثم تنتقل الكاميرا إلى اليوم الذي أبحر فيه مع مجموعة من الثوار في أواخر ستينات القرن الماضي، باتجاه كوبا، لإسقاط حكم الديكتاتور باتيستا، ومن ثم تخليه عن منصبه في حكومة فيدل كاسترو، بعد نجاح الثورة في كوبا، وغيابه في إفريقيا، بحثاً عن ثوارت جديدة، وعودته ليموت مقتولاً، على أيدي الإستخبارت الأمريكية. لم يغفل الفيلم أي جانب من جوانب حياته، أضاءها بحيادية، والأشخاص الذين تحدثوا عنه، كانوا أشبه بأرواح قادمة من زمنه، ولا تشبه زمننا الحالي، عدا عن ابنته التي كانت تقول للكاميرا: أنا فخورة به، وحيادية الفيلم هي ميزة أخرى تضاف إلى ميزاته، لأنه قرأ التاريخ دون تطرف، وحاور عدة أطراف كانوا على علاقة وثيقة بعالم الثورات والأحلام التي عاش لأجلها غيفارا. الكاميرا التي حاولت إضاءة الإبهام والتنكر الخفي في حياته

وأحلامه، تقمصت شيئاً يسمونه الآن، رومانسية الحلم الثوري، وصورت لنا مشاهد غاية في الجمال البصري والتقني، ربما كان ضروريا جداً في هذا الزمن، الذي تدور فيه الكاميرات المعلبة، المثلجة، تحت شعارات سياسية، وحملات إعلامية دعائية، فالكاميرا ليست آلة فقط، إنها روح أيضاً، وهي روح تختلف من عين إلى عين، ومن قبضة يد إلى أخرى، ولأن الفيلم لم يحاول تمرير مقولات سياسية و أخلاقية ، فقد مارس ودون أدنى تصميم، سطوته علينا، وهي سطوة النزاهة في تقديم الصورة الحقيقة، التي تمس ما يحدث، وما حدث على أرض الواقع، أوعلى على الأقل طرح الفيلم تساؤلاً، وجواباً في آن واحد: لا بد للقيم النبيلة أن لا تمر مرور الكرام في حياتنا، رغم التاريخ المزور، فالكاميرا صارت تحتمل أكثر من وجه، ووجهها الحالم الآن، تبدى في عين غيفارا، العين التي لم تنم أبداً، رغم الموت.

القمع التافه

القمع التافه

ناهد بدوية

خاص – صفحات سورية –

يبدو أننا نشهد في هذه الأيام قمعا من نوع جديد لم نألفه من قبل. قمع من النوع التافه.

طبعا من النافل القول أن كل أشكال القمع مرفوضة وأنها بالمحصلة تدل على هزالة القامع الذي يلجأ إلى هذه الوسيلة. ولكن هناك قمع يولد عندك احساس بالغضب والثورة وهناك قمع يولد عندك احساسا بالتقيؤ.

القمع الحالي الذي يدور في سورية هو من النوع الثاني. وهكذا كان شعوري عندما علمت بفصل احدى عشر موقعا على اعلان بيروت دمشق.

كيف يمكن أن يخسر المرء عمله لأنه وقع على بيان؟ وإلى أي درك وصلت سورية في هذه الأيام.

في السابق كان سبب الاعتقال الانتماء لحزب سياسي والآن سبب الاعتقال هو التوقيع على بيان يطالب بتحسين العلاقة مع الجيران.

في السابق كان المعتقلون يساوَمون على الانسحاب من الحزب والآن يساوَم المعتقلون على سحب توقيعهم من بيان حول الجيرة.

في تجربة الاعتقال السابقة التي مررت بها كان شعوري أنني أنتمي إلى حركة سياسية وأقاوم سلطة غير متوافقة معها، وكنت أعتبركل أشكال مقاومة القمع فعل سياسي مقاوم في مواجهة فعل سياسي قامع لذلك كنت أفتخر أنني مناضلة. في الاعتقال الثاني أي عند اعتقالي كعضو في مجلس ادارة منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي كان شعورا مختلفا كليا عن المرة الأولى كان شعوري بالقرف هو الطاغي وكان إحساسي بالغرابة والاستنكار والخجل من استمرار هذه الأساليب حتى هذا اليوم الذي أصبحت حتى في بلدان مجاهل افريقيا نوعا من الماضي البغيض. كنت انظر إلى الضباط وأشعر أني لا أستطيع تقبل منهم أي فعل إلا فعلا واحدا ووحيدا: أن يرحلوا...............

والآن عدت ومع سماعي لخبر فصل احد عشر موقعا عدت أتساءل لماذا لا يرحلون؟ وفورا وبدون أي تضييع وقت على سورية المسكينة التي تم تشويهها بما فيه الكفاية، و كفى تضييع الوقت على الناس السوريين الذين عانوا أكثر من أي شعب آخر، ولا ينقصهم الآن التسريح التعسفي من وظيفة هي أصلا لم تكن تنصفهم ماديا ومعنويا.

لينا وفائي من دفعتي في كلية الهندسة وكنا معا أيضا في مؤسسة الإسكان العسكرية وكنا معا في السجن أيضاً. ولكني أنا فيما بعد استقلت من الدولة لقناعتي بأن لا مستقبل لنا نحن في قطاع الدولة. وأنشأت مكتبي الهندسي الخاص وأدركت في مكتبي الخاص كم كانوا يسرقون جهدنا كمهندسين موظفين وكان وضعي أفضل من الوظيفة. أما لينا فقد أبت إلا أن تظل في قطاع الدولة "تخدم وطنها!!" وهي مهندسة نشيطة بشهادة الادرات المتعاقبة التي عملت معها. ولكن لينا دخلت ساحة محرمة على السوريين نعم كيف تجرأت وأبدت رأيها بعلاقات الجيرة مع لبنان؟؟ العلاقة بين المزرعتين الخاصتين واللتين لا علاقة لنا بهما؟ نعم يجب أن تخرج من الجنة.

تحولت كل الأماكن إلى جحيم ومع ذلك نطرد منها!!!

الحقيقة أن الجحيم اكتمل عندما تم تحويل المعتقلين السياسيين إلى القضاء المدني. نعم لقد كانت النهاية الفعلية لسورية كبلد وكوطن وإعلانها كجحيم. إذ أن القضاء هو ترمومتر الحياة في أي بلد. وكلنا يعرف أن القضاء عندنا غير مستقل والكثير من القضاة مرتش. ولكن أن يصبح القاضي تحت أمرة رجل المخابرات مباشرة فهذا تدهور جديد نحو الدرك الأسفل. وكنت أحلم أن يرفض القضاة التورط في المحاكمة وأن يصدروا أمرا بإخلاء سبيل المعتقلين لعدم وجود المبرر القانوني لاعتقالهم. هل هذا حلم مستحيل؟؟ لماذا لم يفعل القضاة ذلك؟؟ ألم يكن ذلك حري بأن يخفف قليلا الشعور بالغثيان عند الشعب السوري؟؟ كيف يمكن للناس بعد الآن أن يسلموا هؤلاء القضاة مصالحهم وأرزاقهم وأحوالهم الشخصية بعد أن رضوا بأن يكونوا مجرد منفذين صغار عند رجال الأمن؟؟ لمن سيلجأ الآن المسرحون الجدد؟؟ أليس تعريف الجحيم الحقيقي هو أن تظلم في نفسك ومالك ورزقك ولا يكون عندك قضاء مستقل تستطيع أن تلجأ اليه.

المعارضة ......أسيرة الذهنية الوطنية

المعارضة ......أسيرة الذهنية الوطنية

سمير خالد الحسن

خاص – صفحات سورية –

قد لا تختلف اعتقالات ومحاكمات دمشق الأخيرة عن تلك التي كانت تتم بين الفينة والأخرى من زاوية استهدافاتها التي تتركز في ضبط حركة المعارضة السياسية وإعادة تقييدها وعدم السماح لها بالنفاذ إلى حقل الحضور العلني المسلم به من جهة السلطة. ولكنها أفضت هذه المرة، مع اتساعها، إلى تقليص التباعد في الرؤية، بين كافة أطراف المعارضة السورية، لدرجة الممانعة التي يبديها النظام السوري لأية إصلاحات سياسية. خاصة وأن بعض الحالات التي تم اعتقالها مؤخرا لم يشفع لها اتساع وتعدد دوائر لقائها الموضوعي مع النظام بفعل الذهنية الوطنية المستقرة لديها.

ويأتي البلاغ الصادر عن اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق بتاريخ 12/06/2006 ليعكس حالة متقدمة من التقارب بين قوى المعارضة على أرضية رفض خطاب النظام السياسي وادعاءاته وسياساته الداخلية والإقليمية، وليؤكد بوضوح ملفت أن الموجه الوحيد لحركة السلطة هو مصالح فئة ضيقة ماتزال متشبثة بذات الطرائق التي وفرت لها السيطرة التامة سنوات طويلة.

غير أن هذا التقارب الذي يسهم في إحداثه بالدرجة الأولى سلوك النظام - على أهميته - من المبكر اعتباره أساسا أو منطلقا نحو التوصل إلى تفاهمات أعمق بين أطراف المعارضة تنبع ضرورتها من الإدراك الأعلى بأن الإسهام في عملية التغيير والإنتقال من بنية مغلقة إلى بنية ديمقراطية لن تحلها توافقات اللحظة السياسية الراهنة، بل التوافقات الأبعد التي تستند إلى رؤية مشتركة لطبيعة النظام ودرجة القطع معه، وأيضاً محتوى التغيير المطلوب وقواه.

فبلاغ لجنة إعلان دمشق، وبرغم توصيفه الدقيق وغير الملتبس، هذه المرة، لسياسات النظام الإقليمية، يتردد في تحديد دائرة التناقض التي تخص النظام السوري وحده في علاقته مع الخارج، ويمتنع عن التمييز الدقيق بين رؤية النظام لماهية الإستحقاقات الدولية في الحقل الإقليمي وبين رؤيته هو، مكرسا بذلك حالة التداخل القائمة بين خطابي المعارضة والسلطة بصدد أكثر الموضوعات حيوية وتأثيراً على مجريات الأحداث في المنطقة، وبصورة تبدو معها اللاعقلانية التي تسم سياسات النظام، من وجهة نظر المعارضة، وكأنها مجرد تعبير عن مقاربات خاطئة لمشكلات المنطقة يمكن تصويبها. بينما نعتقد أن المسألة باتت تتعدى بأهميتها هذه الحالة وأن هناك ثمة قناعة بأن مخاطر سياسات النظام الإقليمية تتأتى من تفارقها الكامل ليس مع مصالح الشعب السوري فحسب، وإنما أيضاً مع مصالح شعوب المنطقة كونه يعمل بصورة محمومة على نقل عناصر أزمته إليها، ويربط استقرار بلدانها بمصيره مستعينا بأساليبه المعهودة التي يغلفها خطاب لايزال يوظف بفعالية عالية لتفادي العزلة الداخلية والعربية بعد أن بات يواجه عزلة دولية شديدة.

ولا نميل، هنا، في تفسير هذا التردد إلى الرأي الداعي لعدم إغفال وزن وفاعلية الدوافع البراغماتية التي تصاحب بالضرورة عمل المعارضة السلمية والعلنية في بلد يحتل القمع فيه المكان الأبرز في إدارة الحياة العامة بكافة جوانبها، بل نراه يكمن في الذهنية الوطنية المسيطرة عند المعارضة وطريقتها في فهم العلاقة بين الذات الوطنية بكل مكوناتها ومحدداتها وبين الآخر بكافة أشكال تمظهره. فإن كانت الذات تستحضر معالمها بدلالة العلاقة مع الآخر، فمن الأهمية بمكان إعادة قراءة تطورات وأحداث المنطقة والعالم لتحديد الثابت والمتغير على هذا الصعيد، لا الإرتكاز الأزلي على الفرضية القائلة بأن السياسات المتبناة من جانب الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي، وبالأخص أميركا، تحددها استراتيجيات تقف دوما على النقيض من مصالح مجتمعاتنا، وتعيد كثافة الحضور الأميركي إلى حجم المصالح الإقتصادية والسياسية التي تقف خلفه وليس، في جانب أساسي منه، إلى السياسات التي تعتمدها أنظمة محددة بعينها لتفادي انهيارها.

وفي ظل تركيز هذه الذهنية على الموقف من الخارج بوصفه مصدر الخطر الأشد وليس الإستبداد بأشكاله الأكثر افتضاحا، فإن قضية الديمقراطية تتوضع لديها بالكيفية التي تجعل إمكانية الإرتداد عن البرنامج الناظم لها أمرا وارداً طالما أنها تميل إلى تغييب رؤيتها لمستوى التعارض بين النظام والمجتمع في سياق المواجهة مع الخارج وبالأخص، عندما تتخذ الضغوط التي تمارس أشكالاً فاعلة وأكثر تعبيراً عن رفض النظام العالمي لبقاء النظام في سوريا على صورته الراهنة.

إن الذهنية الوطنية المستقرة لدى معظم أطراف إعلان دمشق ترسم الإطار العام لعملية التغيير الديمقراطي في سوريا إنطلاقا من مكونات المسألة الوطنية المحددة في وعيها الخاص وتَعتبر تلك المكونات مرجعيتها الأولى في تقرير فهمها الملموس للديمقراطية. وإلا فما معنى أن ترفض قوى إعلان دمشق، من حيث المبدأ، فكرة الإستقواء بالخارج ؟ أيعود هذا الرفض لثقة المعارضة بقدرتها على إنجاز المهام الديمقراطية بقواها الذاتية ؟ أم أنه تعبير عن حالة الضعف التي تمر بها واضطرارها للإبقاء على عناصر رؤية مشتركة مع النظام لتفادي خوض مواجهة سافرة معه ؟ أم أن الأمر يعود حقاً لسيطرة تلك الذهنية - وهو مانرجحه - خاصة وأن كافة المظاهر السياسية تنفي صحة الإحتمالين الأولين، فالمعارضة لاتخفي فشلها وحتى عجزها عن تحقيق نجاحات ذات معنى في حقل الإصلاح، وبالمقابل هي لاتظهر انصياعا لرغبة النظام بالقطع مع حركة الإخوان المسلمين وجبهة الخلاص، أي أنها ليست معنية كما يبدو باعتبارات النظام وحساباته الخاصة بالقدر الذي هي معنية بتأكيد منطقها.

والتعرض لذهنية المعارضة ليست الغاية منه التنويه إلى أهمية الإنتقال إلى منظومة معرفية أقل التصاقا بالأيديولوجيا، على اختلافها، إنما التأكيد على أن عملية التغيير في سوريا ترتهن بأحد أبعادها لخطاب المعارضة الذي نعتقد أنه ينبغي أن يخضع لمراجعة عميقة تطال أسسه الفكرية والسياسية في ظل واقع جديد يواجه فيه الموروث في الفكر السياسي معضلة هضم المستجدات الفكرية والسياسية والإقتصادية، مثلما يسعى فيه الحديث أو المكتسب إلى تأكيد أحقيته في الحضور. فمن الأهمية بمكان مقاربة ملامح العالم الجديد الذي باتت تسكنه تناقضات مغايرة لتلك زمن الحرب الباردة، وما لم نتوصل إلى أن مصالح مجتمعاتنا تقتضي الإنخراط في النظام العالمي بمفاهيمه وعلاقاته واعتماد أدواته في معالجة التناقضات حيث نكون طرفا بها، فالنظام السوري، الذي يدافع عن سلطته بأكثر الأشكال فتكا وأدناها مشروعية، يكون قد ضمن طرفا أساسيا في معركة البقاء التي يخوضها، حتى وإن كانت عملية التغيير التي يتطلع إليها المجتمع السوري بقواه وفعالياته يصعب تصورها بعيدا عن دور أساسي للمجتمع الدولي وبعيدا عن القناعة العميقة بأن ثمة مسؤوليات دولية إزاء ما يحدث في سوريا.

19/06/2006

أيــام في الشــام

أيــام في الشــام

إبراهيم أصلان

غادرنا دمشق في طريقنا لتناول الغداء في بلودان‏(‏ يذكر الجميع هنا أنه مصيف عبدالوهاب‏),‏ كنا في رفقة الصديقة الجميلة ميرنا مسرة والروائي السوري خليل صويلح صاحب‏(‏ وراق الحب‏)‏ وصديقتنا إسلام عزام من الأهرام الدولي‏.‏ قبل صعودنا إلي بلودان كنا دخلنا أرض ميسلون ويذكرني الصديق خليل بما جري في المكان‏,‏ هنا كانت معركة ميسلون في‏24‏ يوليو‏1920‏ بين ما توافر من قوات للشهيد الكبير يوسف العظمة‏,‏ وبين الجيش الفرنسي بقيادة جورو الذي كان في طريقه لدخول دمشق بعدما انتهي من لبنان‏.‏ يوسف العظمة باعتباره وزيرا للدفاع كان اتخذ قرارا بالانتقال بقواته القليلة ليصد القوات المكونة من دبابات وعربات مصفحة وجيش الكبير‏,‏ وعندما قيل للعظمة ان الأمر جنوني بسبب من عدم التكافؤ‏,‏ قال‏:‏
حتي لا يقال إن الأعداء دخلوا دمشق من دون مقاومة واستشهد في المكان مع قواته‏.‏

وبرغم أنني كنت سافرت إلي هنا وهناك‏,‏ فإنني لم أكن قد رأيت دمشق من قبل‏,‏ وكنت تلقيت الدعوة من كيان أهلي وليد يدعي‏(‏ دارة الفنون‏)‏ يديره بشار زرقان وذلك للمشاركة في أسبوع افتتحه محمود درويش أعقبه غناء ارامي قديم‏,‏ ثم رقص تعبيري لراقصة هندية‏,‏ ثم قراءات شعرية شارك فيها العزيز قاسم حداد من البحرين والأصدقاء هيام بارد من لبنان ولينا الطيبي من سوريا وهدي الدغفق من السعودية‏,‏ وفي الأمسية الثالثة كان لقاء مع كاتب هذه السطور بمشاركة الروائي السوري ممدوح عزام ثم ليلة احياها نصير شمة‏,‏ وبشار كان قد دعا ليلة الافتتاح وجهاء ولم يدع كتابا‏,‏ وقوبل ذلك بما يستحق من استنكار‏.‏

وأنا سافرت إلي دمشق بانطباعات خلفتها الأحوال التي تكونت لدينا من أوضاع كان اخرها اعتقال المفكر البارز ميشيل كيلو الذي ارتبطت باسمه عملية احياء لجان المجتمع المدني في سوريا‏,‏ وعلي خلفية من بيان أصدره عدد مهم من المثقفين العرب يتقدمهم أدونيس استنكارا لاعتقاله غير المفهوم وهو كان يجلس في مقهي الروضة حيث جلسنا برفقة عدد من المثقفين السوريين واخرين بينهم مفكرنا مصطفي الحسيني الذي التقيته مصادفة بالحجرة المجاورة لحجرتي بنفس الفندق إلا ان دمشق بدت حرة ورخية وجميلة‏.‏
المدن تبدو هكذا لزائريها من غرباء لا يشتبكون في شأن مباشر في المناطق التي كنا فيها علي الاقل كثرة المطاعم تذكرك ببلاد اخري والطعام طازج وفي المتناول والعربات في أحدث موديلاتها تدرج علي الطرقات الضيقة والحواري المزدحمة الأمر الذي يدعو إلي كثير من التساؤل والدهشة‏.‏

استطيع القول انني كنت واسلام وصديقنا سيد محمود الذي جاءنا من البحرين في ضيافة الصديقة ميرنا مسرة التي طافت بنا دمشق وضواحيها‏,‏ وفي رعاية من الصديق الروائي خالد خليل واخرين وفي‏(‏ باب توما‏)‏ التقينا مصادفة بالكاتب السوري محمد كامل الخطيب الذي دعانا إلي مقهي‏(‏ النوفرة‏)‏ علي مرأي من مدخل الجامع الأموي ومرقد صلاح الدين وفي سياق حديثه يذكرنا الخطيب بالمثل القائل‏:‏ الشام شامك‏,‏ اذا الزمان ضامك وفي المساء كنا برفقة خالد خليل اعلي جبل قيسون وأنا القادم من المقطم تذكرت ما قرأناه في مخطوط قديم من ان المقطم كان قد بكي بين يدي الجلالة فقال‏:‏ لماذا تبكي يامقطم؟

قال‏:‏ لقد خلقتني أقرع بينما خلقت قايسون اخضر‏.‏
قال‏:‏ سنبعثك يوم القيامة أخضر‏.‏

وسوف تدعي للعشاء في بيت رولا مسئولة الفندق‏,‏ وفي مقهي القصبجي الضيق الساهر حتي الصباح ستلتقي بشباب مثقف من الرجال والنساء وهو يشبه اماكن تجمع المثقفين في ليل القاهرة في ليل القاهرة سوف تلمس الكآبة وقد أكلت مساحات من طاقة المرح التليدة‏,‏ وفي ليل دمشق سوف تستمع إلي زياد النحات وخالد وخليل وجورج وسيدات وهم يغنون جماعة لعبد المطلب وقنديل وليلي مراد‏,‏ ويرددون ماردده الشيخ امام من كلمات نجيب شهاب الدين‏:‏باحلم بيومنا‏,‏ وانت ايدك في ايدي‏/‏ باحلم وحلمي‏,‏ قد ما أنت تريدي‏/‏ قد الحلال‏,‏ قد القمر ويزيدي‏/‏ قد الهموم اللي تبات شغلانا‏.‏

ودمشق مازالت مثقلة بخضرتها وتاريخها العريق مثل امرأة فتية مثقلة بحليها وفتنتها‏,‏ تقف في مفترق من الطرق‏,‏ وحيدة‏,‏ بثوبها البيتي القديم‏.‏

الاهرام

سجناء بلا حدود

سجناء بلا حدود

هيثم مناع

أطباء بلا حدود، معلمون بلا حدود، محامون بلا حدود، صحافيون بلا حدود.. دخلت كلمة "بلا حدود" القاموس اليومي باعتبارها مرتبطة بفكرة النجدة للأشخاص أو الجماعات البشرية المنكوبة أو المنتهكة حقوقهم، وبهذا المعنى أخذت بعدا إيجابيا في الوعي العام. غير أن الوضع البشري عودنا على توظيف المفاهيم أو تحريف الأوضاع بشكل نعيش فيه الفكرة في حالات سلبية ومظلمة تنغص على من يحبها النقاء الأولي الذي نشأت معه.

بهذا المعنى نتمنى أن يكون العنوان صرخة رفض لوضع قائم أكثر منه محاولة وصف لظاهرة خطيرة جدا أصبحت من مقومات "الحرب على الإرهاب".

لا يعود الفضل في وجود سجون سرية دون حدود الجنسية إلى الإدارة الأميركية، فسمعة السجن 1391 سبقت أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001. هذا الحصن الإسمنتي المزروع على تلة تشرف على أحد "الكيبوتزات" في إسرائيل، تحجبه كلياً جدران عالية متسترة بأشجار السرو.

مبنى السجن 1391 قريب من "الخط الأخضر" وهو لا يظهر على الخرائط، كما أنه حذف من الصور الجوية، وقد أزيلت مؤخراً اللوحة التي تحمل رقمه، ومنعت الرقابة على وسائل الإعلام كل إشارة إلى موقعه الجغرافي باسم السرية.

أما ما يجري داخل جدران "المبنى 1391" فيعتبر خرقاً أكثر فداحة للقانون الدولي، إذ إنه لم يخضع لأي عملية تفتيش مستقلة حتى من جانب الصليب الأحمر.

وباستثناء قلة قليلة من كبار المسؤولين في الحكومة وفي الدوائر الأمنية، لا أحد يعرف عدد الأشخاص المعتقلين في المبنى 1391. وفقا لأكثر من منظمة حقوقية، ثمة عدة سجون من هذا النمط متحركة وفق الطلب في الدولة العبرية.

في الأيام الأولى لحرب أفغانستان أنشأت القوات الأميركية في صحراء قندهار "سجنا بلا حدود" جرى نقل عدد من المعتقلين من كل الجنسيات إليه من داخل أفغانستان ومن سجن مؤقت في باكستان (بطائرة عسكرية أميركية وفي ظروف لاإنسانية).

كذلك كانت القوات الأميركية تشتري من يتم المقايضة عليه من "الأفغان العرب" بأسعار مختلفة تنزل أحيانا إلى 50 دولارا لتزجهم فيه. ولدينا أسماء عدد من السجناء الأفغان الذين ماتوا تحت التعذيب فيه.

ووفق شهادة مسجلة لخالد بن مصطفى -الفرنسي الذي باعته السلطات الباكستانية للجيش الأميركي- كانت القوات الأميركية تضع المعتقلين تحت المطر في يناير/كانون الثاني مكبلين على بطونهم يتلقون الضربات والركلات كلما حاولوا الحركة. "كل الاعتداءات كانت عادية بما في ذلك التحرش الجنسي، الكهرباء، التعليق من السطح، الحرمان من النوم والطعام، قضاء الحاجة كان في سطل واحد مخصص لـ50 إلى 60 معتقلا، الأغطية التي توزع علينا قذرة مليئة بالبق والحشرات، والاستجواب لا يتوقف".

هذه بعض مواصفات هذا السجن الذي تقاسم مع سجن بغرام عمليات الاستجواب منذ ذلك الحين لأشخاص تم اقتيادهم من عدة بلدان ضمنها أقطار عربية.

يشكل معتقل غوانتانامو أكبر تجمع للسجناء وفقا للجنسية في العالم، فقد فاق عدد البلدان التي ينتمي لها السجناء 42 بلدا من أربع قارات. وما زال عدد الذين يقبعون في غوانتانامو يقارب الـ500 للعام الخامس دون وضع قضائي مقبول في القوانين الدولية والالتزامات الأميركية.

"إن كان سجني مظلمة، فسجن سامي الحاج ظلم مضاعف، أنا توجهت إلى أفغانستان بفضول التعرف على إمارة طالبان، هو توجه لها ضمن نطاق عمله، وقد اعتقل مع الكاميرا والمعدات التقنية ملبسا بجرم مهنته، ورغم كوننا في السجن نعاني نفس الظروف كنت أخفف عنه لأنني على يقين بأن وضعه النفسي أصعب، لا يوجد أكثر من الظلم هكذا سببا للألم" يقول خالد بن مصطفى الذي أمضى وقتا طويلا مع سامي الحاج في غوانتانامو قبل أن يفرج عنه.

في شهادة لمعتقل سابق مقدمة للجنة العربية لحقوق الإنسان "كم جرى اقتيادي لغرفة صغيرة فيها مكبرات للصوت تناسب ملعبا لكرة القدم. كنت أوضع مكبلا على ظهري وتوجه أضواء كاشفة قوية على عيوني مع أصوات غير محتملة من مكبرات الصوت لعدة ساعات، وأكثر من مرة اضطررت لقضاء حاجتي في هذا الوضع بملابسي لعدم استماع أحد لكل ما يبدر عني من صياح ألم أو مطالبات".. "لم أمسك بأداة قاسية لمدة ثلاث سنوات فأدوات الطعام كرتونية أو من البلاستيك المطاط كذلك القلم والنظارات كانت مطاطية غير زجاجية وكانت تسبب لي الصداع عند استعمالها".. "مشعل (معتقل سعودي بهذا الاسم) حاول الانتحار بغطاء نومه ولم ينجح فأصيب بشلل وعاهات دائمة ولم نعد نراه".

محاولة الانتحار هذه هي إحدى أكثر من 40 محاولة تعترف سلطات السجن بوقوعها، وهي نتيجة مباشرة لممارسة أسوأ أشكال الإهانة والتحطيم النفسيين للسجناء، فللمرة الرابعة في التاريخ المعاصر (بعد معسكرات ستالين وهتلر ومعتقلات الدولة العبرية) يتم استعمال الملفات الطبية للمعتقلين كوسيلة في التحقيقات حيث يستفيد المحقق من التقييم الطبي والنفسي للضغط على السجين في نقاط ضعفه الجسدية والنفسية.

كذلك ورغم القطيعة عن العالم، التحقيق غير محدود بالزمان أو الحالة الصحية أو أهمية السجين. من البديهي أن معلومات أي سجين معزول عن العالم أكثر من أربع سنوات تصبح قديمة وأن القيمة الأمنية والفائدة المعلوماتية لأكثر من 400 من السجناء في غوانتانامو تعادل الصفر أو تكاد.

وفق المستشارين القانونيين للإدارة الأميركية فإن "المقصود بالتعذيب هو إنزال أذى بدني بشخص بشكل يؤدي إلى تعطل عضو من أعضاء جسمه. أما إذا لم يحدث تعطل أو تلف لأحد أعضاء الجسم فإن وسائل الاستجواب المستخدمة لا تعتبر تعذيبا كما لا تخالف أي قانون أميركي أو دولي أو أية معاهدات معمول بها بهذا الشأن".

رغم أن "غوانتانامو" خارج الأراضي الأميركية، لم تكتف الإدارة الحالية بمركز التحقيق والاستجواب هذا، وقامت بإنشاء أو استئجار عدة سجون سرية في أوروبا وبلدان عربية وإسلامية منها بولونيا ورومانيا والأردن ومصر.

التقاطع بين السجون السرية والتحقيق في بلد عربي وأوروبي وإسلامي كان من نصيب المهندس الموريتاني محمدو ولد صلاحي المختص بالإلكترونيات.

اعتقل محمدو ذو الـ34 عاما في ألمانيا عام 2000 بتهمة الانتماء لتنظيم القاعدة ومثل أمام قاضي التحقيق الذي أمر بإطلاق سراحه لعدم توفر أدلة ضده، ليعود إلى موريتانيا في نفس العام حيث تم اعتقاله مرتين من قبل نظام ولد الطايع والتحقيق معه.

وفي المرة الثالثة تم تسليمه إلى السلطات الأميركية إثر زيارة أجراها مدير أمن الدولة دداهي ولد عبد الله إلى واشنطن بعد إيهام أهله أنه معتقل في موريتانيا لحين انتهاء التحقيق معه.

ووفقا لشهادة معتقل في غوانتانامو استمع للقصة من ولد صلاحي نفسه، "نقل محمدو إلى سجن سري في المملكة الأردنية حيث جرى التحقيق معه مطولا وفي ظروف لاإنسانية، ثم جرى نقله إلى سجن بغرام في أفغانستان لتستمر عمليات التحقيق والاستجواب قبل أن يجري أخيرا نقله إلى غوانتانامو حيث ما زال هناك".

بعد تصاعد حملات الاحتجاج الدولية، وافقت الإدارة الأميركية على استجواب عدد من المسؤولين الأميركيين أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بمكافحة التعذيب حول إدارة عدد من السجون السرية حول العالم، حيث يجري نقل المعتقلين من أماكن أخرى وتعذيبهم، وكيفية معالجة الحكومة الأميركية للانتهاكات التي وقعت في معتقل أبو غريب ببغداد.

وقد ترأس محامي وزارة الخارجية جون بيلّينغر فريقا من 25 شخصية رسمية لهذا الغرض، وكانت النتيجة طلب لجنة مكافحة التعذيب من الإدارة الأميركية إغلاق السجون السرية و"اتخاذ إجراءات حازمة لإزالة كل أنواع التعذيب" التي تمارسها قواتها الأمنية في أفغانستان والعراق وإقفال مراكز الاعتقال السرية التي تحتجز فيها مشتبها فيهم في قضايا إرهاب ولاسيما معتقل غوانتانامو".

السمعة السيئة التي نالها أبو غريب في ظل صدام والاحتلال، لا يمكن أن تنسينا ملف مئات المعتقلين العرب في السجون العراقية والأميركية في العراق. ومهما كان سبب الاعتقال أو دافعه، فإن هناك شروط حد أدنى لمعاملة السجناء لا يحق لأحد أن يجمدها بدعوى مناهضة الإرهاب.

السجناء بلا حدود ليسوا حصرا بالإدارة الأميركية وحلفائها، ففي سوريا أكثر من 200 معتقل من ثماني دول عربية معظمهم من السعودية وفلسطين ولبنان، بعضهم من عقابيل العلاقات السورية اللبنانية وبعضهم من نتائج احتلال العراق وتوافد متطوعين عرب لبلدان الجوار العراقي. كذلك في إيران تم إحصاء أكثر من 70 اسما من الفارين من أفغانستان من جنسيات مختلفة هم موضوع مساومات وتفاوض. ولم نستطع تحديد عدد المعتقلين السودانيين في مصر.

المملكة العربية السعودية لها حصتها في الموضوع، ولدينا معلومات بوجود أكثر من 60 يمنيا معتقلا في السجون السعودية كان آخرهم الشيخ محمد بن موسى العامري الناشط في جمعية الإحسان.

عند وصوله مطار الملك خالد يوم 15/9/2004، لم يكن في رأس المواطن اليمني محمد جبران سوى قضية واحدة: كيف يشرح لزوجته الأولى زواجه الثاني في دمشق، في حين كان عند المباحث السعودية أسئلة أخرى تتعلق بإقامته التي طالت في العاصمة السورية.

منذ ذاك الحين زار صاحبنا عدة أماكن استجواب واعتقال منها سجن الخرج وآخرها سجن الملز، مجاهيل هامة لم يساعده الإضراب عن الطعام في التعرف عليها: ما هي تهمته؟ ولم لم يحاكم؟ ولماذا لا تسأل سفارة بلده عنه؟

لا يوجد إحصاء دقيق لعدد السجناء العراقيين في السجون السعودية، إلا أن هناك أكثر من 350 سجينا في سجن عرعر العام وقرابة 250 في سجن رفحا العام وقرابة الـ200 في الحفر والحسا ومعظمهم من منطقة السماوة، والبقية من مناطق الناصرية والنجف والبصرة وبغداد، قلة منهم لأسباب سياسية، ومعظمهم لقضايا الحق العام (كعبور الحدود غير المشروع للرعيان وتهريب المشروبات الكحولية ودعاوى مشاجرات شخصية).

تتم محاكمة هؤلاء عادة بشكل سريع وتصدر عليهم أحكام بالسجن بين عام و15 عاما. لا يحق لهم الاستئناف أو توكيل محام أو زيارة الأهل ولا تزورهم أي هيئة أهلية أو رسمية أو صليب أحمر، وهم في قطيعة عن أهاليهم إلا من وسائل اتصال غير مباشرة عبر المساجين السعوديين.

شكل آخر للسجون بلا حدود، سجون التراحيل. لم يعرف بهاء عبد الفتاح محمد فياض عندما أنهى حكمه بالسجن وتنازل غريمه عن كل حق شخصي معه، أنه سيمضي 18 شهرا في سجن الإبعاد/الأندلس في الكويت.

سجن فيه كل الجنسيات ولكل سجين قصة.. قد تكون الإقامة وقد تكون حكما قضائيا مزدوجا، كما قد تكون في القيام بنشاط غير مرغوب فيه من الأجانب. مهجع يعيش فيه الناس كما في خيمة كبيرة تهافت البشر إليها بعد زلزال أرضي، لا ظروف صحية ولا أوضاع إنسانية. وما دام البلد الممكن الترحيل إليه يرفض قبول السجين، سيبقى السجين مع الوجوه المتغيرة والجنسيات اللامحصورة التي تمر من تحت ناظريه.

كما نسي الناس أو كادوا حرب الخليج الثانية، نسوا ضحاياها من السجناء، أكثر من 24 عراقيا في السجون الكويتية للعام السادس عشر مع عدد من الكويتيين والبدون يحملون بقايا أحقاد حقبة انتهت ولم يعد غيرهم من شاهد عليها.

إن كانت بعض الدول قد دخلت أو أدخلت في ملفات "السجناء بلا حدود" وصارت جزءا من خارطتها في

ملفات فريق العمل الخاص بالاعتقال التعسفي، فثمة دول حديثة العهد ولم تكن بحاجة إلى دخول هذا الفضاء لا بالمعنى الأمني أو السياسي. فقبل خمسة أشهر دخل المواطن السعودي حمد تركي المري جهاز المخابرات العامة في الدوحة ولم يخرج حتى اليوم، أليس لعائلته الحق بمعرفة مكانه ومصيره والتهمة الموجهة إليه وزيارته إن لم نقل عودته إلى منزله؟

كاتب سوري

الجزيرة نت

مجتمعٌ مدني هشٌّ .. غيرُ مُؤثّرٍ!!

مجتمعٌ مدني هشٌّ .. غيرُ مُؤثّرٍ!!

بشير خلف

خاص – صفحات سورية –

لكن مفهوم المجتمع المدني ، رغم ما بات يحوزُه من رواجٍ في الخطاب الفكري ، والسياسي العربي

الإسلامي ، لا يزال لم يتّضح بعد بالصورة الواضحة الدلالة حتى لدى النّخب ، وحتى من الكثير ممّن يشرفون عليه ؛ فالبعض يحدده بالمنظمات ، والمؤسسات ، والهيئات التي تُقام على أساس طوْعي بين أفراد المواطنين خارج أطُر الدولة ، والعائلة ، وعلاقات القرابة والعشيرة التي لا تزال مُؤثّرة اجتماعيا وروحيا في أكثر من مكان بالعالم العربي الإسلامي ؛ وهناك من يصرّ على وضْع التشكيلات القرابية ، والمحلية التقليدية عموما ضِمْن منظمات المجتمع المدني ، لأنها توفّر بعض أشكال الحماية للفرد تحت مظلّتها ، ويستثني هذا البعضُ الأحزابَ السياسية من تشكيل المجتمع المدني لافتراضٍ أنها تسعى للوصول إلى السلطة ، في حين يُصرّ البعض الآخر على ثِـقل دورها في المجتمع المدني ، كوْنها لا تسعى إلى استلام السلطة فقط ، بل لأنها تطرح برامج اجتماعية ، واقتصادية ، وتعليمية ، وغيرها . كذلك لا يزال الجدلُ قائما حول ما إذا كانت التشكيلات القائمة على أساس الانتماء الروحي ، أو الطائفي ، أو الإثني تشكّل جزءا من المجتمع المدني لأنها في أحيان كثيرة تسعى إلى التغيير والدفاع عن حقوق وتطلّعات فئات واسعة من المجتمع ، وتضغط على مراكز القرار لتلبية العديد من المطالب الصحية ، والاجتماعية والتعليمية ، والثقافية ؛ في حين يرفض البعض عضويتها في المجتمع المدني ، بحُكْم القيود التي تضعها في شروط الانتماء إليها ، واقترابها في هذا المجال من المنظمات الإرثية ، ولكوْنها بهذه الشروط تتناقض مع مبدإ المواطنة الذي لا يقوم على شروط الدين ، أو الجنس ، أو العرق ، أو الانتماء الجهوي، أوالإثني .(1)
ويواجه التعريفُ الذي يركّز فقط على الجانب الاختياري الطوْعي في العضوية نفسَ الإشكالية ؛ فمنظمات المجتمع المدني تتباين كثيرا من حيث درجة انفتاح عضويتها ، فبعضها كالنوادي الخاصة يشترط رسوم اشتراك ، واهتمامات محدّدة ، وبعضها كمؤسسات البحث والجامعات ، والمعاهد يشترط مؤهّلات أكاديمية ، وعلمية ، وتخصّصية معيّنة ، وتفرّغ للعمل المدفوع الأجر ، كما تضع النقابات المهنية شروطا للعضوية ، وتحصرها في مجموعات ، وفئات مهنية ، وتشترط الأحزاب عادة الموافقة على برنامج الحزب ، ونظامه الداخلي ..هناك أيضا رابطات وجمعيات ثقافية وفكرية، ومؤسسات روحية تعمل وفق رؤية محصورة ، وهناك الجمعيات الخيرية والإغاثية التي تعتمد على العمل التطوّعي وبدون مقابلٍ كالهلال الأحمر مثلا .
ما سبق يقودنا إلى أن التعاطيَ مع المجتمع المدني وكأنه جسمٌ قائمٌ بذاته ، أو هو نسيجٌ مترابطٌ ..هو استنتاجٌ خاطئٌ .السؤال الجدير بالطرح ..ما العمل ؟
هل المجتمع المدني بمفهومه الحديث والمعاصر وبتغلغله في نسيج المجتمع بنسب تتحرك صعودا وهبوطا حتمية تاريخية فرضت نفسها ولا بدّ من التعامل معها بمعرفة وحكمة ، وواقعية ، والاستفادة من ثمارها كما هو الحال عند منْ سبقونا ؟ أم هي بدعة دخيلة تسرّبت إلينا ممّن يناوئوننا وجودا وكينونة في هذه المعمورة ؟ أم الرأي الحصيف هو تدعيم البُنى التقليدية في شكلها الأهلي والطائفي ، والعشائري كما كان الحال في العصور السابقة ، وكما لا تزال هذه البُنى متواجدة ومؤثرة في العديد من مناطق العالم العربي الإسلامي ؟
المجتمع المدني الحديث رهين الوعْي
إن المجتمع المدني في شكله الحالي وفي سياقه المعاصر ونوعية الأدوار التي يؤديها ، وهو تلك الشبكة الواسعة من الهيئات والمنظمات التي طوّرتها المجتمعات الحديثة في تاريخها الطويل والتي ( ترفد عمل الدولة ، ولا تتعارض معها ) ، وإذا شبّهنا الدولة بالعمود الفقري ، فالمجتمع المدني هو تلك الخلايا التي تتكوّن منها الأعضاء ، والتي ليس للجسم الاجتماعي حياةٌ من دونها ، فليس هناك أيّ شكل من العداء بينهما ، ولا اختلافٌ في طبيعة الوظائف كما سبق وأن أكّدنا ، وإنْ كان هناك اختلافٌ في أداء الأدوار ..هذا المجتمع أصبح ضرورة ملحّة .
إن التعامل مع المجتمع المدني بوصفه منظمات مستقلة موازية للدولة ، ومتكاملة الوظائف معها ، ومشارِكة في تحقيق الكثير من المهام التي تخلّت عنها هذه الأخيرة ؛ ثم إن هذا المفهوم يتوافق مع انتشار مفهوم العولمة ، والانتقال نحْو مجتمع ديمقراطي يحكم نفسه بنفسه ، ويتحمّل هو ذاته مسؤولية إدارة العديد من شؤونه المختلفة .
إن المجتمع المدني في الدول الغربية احتلّ مكانة رائدة وتجاوز غائياته البسيطة ، فالأمر تجاوز ذلك وجعل من المنظمات غير الحكومية : المحلّية والدولية ، من خلال الوضعية القانونية التي كرّستها لهذه المنظمات الأممُ المتحدةُ ، والدورُ النشيطُ الذي أصبحت تُوليه لها لحلّ العديد من المشكلات ، والتحديات الاجتماعية ، والاقتصادية ، والثقافية ؛ حتى ساد الاعتقادُ اليوم أن هذه المنظمات هي الملجأُ الوحيد في تنفيذ المشاريع الإنسانية الخيرية وغير الخيرية في مواجهة عجْز الدولة ، وشلل أجهزتها بسبب سيطرة البيروقراطية عليها .(2)
ومن الواضح أن الحالة ليست كذلك في البلاد النامية والفقيرة ، فالحديث لا يزال بعيدا عن المجتمع المدني الواعي ، الفاعل ، الديناميكي ، والدعوة لإعطاء المؤسسات الاجتماعية مسؤولياتها في العمل الاجتماعي بقناعة أو نُضْج الدولة ، ولا من تطويرها لفكرتها عن دورها الأنجع في المساهمة في تطوير النظام الاجتماعي ، ولا عن نُضْج المجتمع ، وتوسّع دائرة العمل ، والمبادرة والتنظيم عند أفراده ، ونشوء جمعيات ، ومؤسسات أهلية قادرة على التدخّل لمعالجة الكثير من القضايا والمشكلات الاجتماعية للمواطنين في حينها .
مجتمعٌ مدني هشٌّ يعارض الدولة
ويطلب منها المساعدة !!
إن الكثير من جمعيات المجتمع المدني في هذه البلدان هدفُـها الاستفادة من المساعدات التي تقدمها الدولة ، أو تستهدف من وراء نشاطاتها الشكلية غطاء للوصول إلى السلطة المحلية ، أو الانضواء تحت مظلة الأحزاب الكبيرة مجنِّدة نفسها لها في حملات وعمليات الانتخابات للاستفادة ولو بجزء من الكعكة الجديدة ؛ وهذا يجرّنا لاحقا إلى قوْل كلمة حقٍّ فيما يُسمّى عندنا بـ (الحركة الجمعوية ) .
إن أكبر خطر يعيق المجتمع المدني في أداء وظائفه ، أو يجعل وجوده باهتا وغير مُؤثّر ، هو إمّا غياب المؤسسات التمثيلية فيه ، أو إفراغها من محتواها ، والزيغ بها عن أهدافها ، وحشْرها ضِمْن القنوات الدعائية للأنظمة ، أو للأحزاب الكبيرة في صراعها للوصول إلى السلطة . إن ضعْـفَ المجتمع المدني لا يعني حقيقة أن الدولة قوية ، فالدولة التي لا تستند إلى مجتمع مدني قويٍّ تفتقر إلى القاعدة المؤسسية ، وإلى المشروعية الشعبية ، ممّا يجعلها تهتـزّ في الأزمات ولا يقف بجانبها المواطنون أفرادا وجماعات .
استقلالية المجتمع المدني؟ !!
ما سبق ذكره يجرّنا إلى السؤال التالي : هل يمكن استقلالية المجتمع المدني في البلدان النامية بما فيها بلادنا عن الدولة وعن الأحزاب ، وعن الشركات ، ورجال النفوذ والمال ؟ هل بإمكانه وجود موارد للتمويل وتأدية وظائفه دون طلب مساعدة من هذه الهيئة أو تلك ؟ من التجربة والمعايشة لنا في ذلك ، أن هذه الاستقلالية حاليا منعدمةٌ ، ولا نخال أنها ستنتفي قريبا ..لأن مكوّنات المجتمع المدني في الجزائر على سبيل المثال لا ترى في تكوين منظمة ، أو جمعية ، أورابطة ، أو .. أو الانضمام إلى هذه أو تلك إلاّ أنها فرصةٌ سانحة لن تتكرّر لنيْل مأرب مادي ، أو سياسي ، أو جاهٍ ؛ ...إلاّ النادر جدّا .
ولعلّ ابرز ما يميز منظمات المجتمع المدني عن الدولة ، والمؤسسات الاقتصادية وأصحابها يكمن في طبيعة العلاقة التي تقيمها مع جمهورها ، وهي علاقة تفترض امتلاك هذه المنظمات ليس مجرّد درجة عالية من الاستقلالية في إدارة شؤونها ، وفي صياغة خططها ونشاطاتها ، وطريقة تحرّكها ؛ وهذا مرتبطٌ بقدرة مسيّريها على التواصل ، والنشاط العملي في إطار مهامها التي وجدت من أجلها أصلا ، وليس في المناسبات فحسب كتابعة ومجنّدة لهيئات أخرى ، وكذلك القدرة على التجدّد في الفكر ، والتوعية ، وتطعيم صفوفها بعناصر ذات كفاءة وخبرة ومصداقية ، وبالقدرة على تلبية حاجات وتطلعات اجتماعية أساسية للمواطنين ، وبقدرتها أيضا على دعمهم في مطالبهم ، وحاجاتهم اليومية تُجاه الهيئات الرسمية ، وبقدرتها على تمثيل مصالحهم ورفع مطالبهم باسمها .
إن محرّك عمَل وأهداف منظمات المجتمع المدني ليس الربح أو البزنسة ، بل هو محرّك يتحدّد وِفْـق تنوع هذه المنظمات : عمل الخير ، النهي عن المنكر ، الإغاثة ، التأهيل ، تدعيم التربية والتكوين ، التثقيف والتنوير ، محو الأمية ، الرعاية بالطفولة ، الرعاية بالمسنّين ، التضامن الاجتماعي ، رعاية البيئة ، رعاية اليتامى والأرامل ، مساعدة أصحاب الأمراض المزمنة ، الدفاع عن المستهلك ، العناية بالمدينة ، بالحي ..وغيرها من الدفاع وصيانة حقوق الأعضاء : كُتّاب ، محامون ، موثقون ، قضاة ، مهندسون ، أطبّاء ، صيادلة ، حرفيون ، تُجّار ... أي أن مجالات المجتمع المدني هي تلك المجالات التي لا تخضع لإدارة وتوجيه مؤسسات الدولة وتنظيمها ، وتعتمد إدارات مستقلة يخضع دورها وأشخاصها ، وبرامجها لموافقة وتوجّهات الأعضاء والجمهور المعني بنشاطاتها .
لتـذكير القارئ الكريم يتوجّب علينا أن نـشير إلى أن هـناك عدة ( لقاءات ، ندوات ، ...) وطنية تُعــقد من حين إلى آخر ببلادنا تتعلق بدور ( الحركة الجمعوية ) ومنها لقاء وطني بعنوان ( دوْرُ الحركة الجمعوية في التنمية الاجتماعية يومي 25 و26 ديسمبر 2002 بنادي الصنوبر تحت رعاية السيد وزير التشغيل والتضامن الوطني . من المواضيع التي طُرحت في هذا اللقاء : دور الحركة الجمعوية في الحفاظ على الفكر المدني ، وفي التربية على المُواطنة ، تنظيم العمل الإنساني والتضامني للحركة الجمعوية ، النصوص القانونية والتنظيمية الخاصة بالحركة الجمعوية ، المُواطنة والديمقراطية ، ترقية ثقافة الشراكة ، ترقية ثقافة الشراكة الدولية ، الفلاحة والتنمية الريفية والحركة الجمعوية ، دور الحركة الجمعوية في حالة الكوارث الطبيعية ، التضامن الوطني ، الحركة الجمعوية والنشاط الإنساني ، التربية الاجتماعية ، المُواطنة والديمقراطية والتربية الاجتماعية
إنها مواضيع جدّ هامة وذات فضاءات خيرية ، وإنسانية ، وتنموية ، وتكوينية ، إلاّ أن تطبيقها عمليّا يكون محدودا كوْن الحركة الجمعوية وبمثل هذا الاحتضان من وزارة التشغيل ، ورعاية السيد الوزير تبقى مقيّدة الحركة وطوْع الأمر الفوقي ، وحركتها مرهونةٌ بالدعم المادي المقدم لها ؛ وهذا ما يتنافى ومفهوم المجتمع المدني الحديث في استقلاليته عن الدولة من حيث التأسيس ، وانتقاء المجال ، واتخاذ القرار ، والبحث عن موارد التمويل والتي غالبا ما تكون ذاتيا متأتية من مشاريع ، أو من هباتِ جمعيات أخرى ، أو أشخاص لا يبغون من وراء عطائهم جزاء ولا شكورا ، كما هو حال المساعدات التي تُقدم للجمعيات الخيرية ، ومنظمات الهلال الأحمر ، والصليب الأحمر .
المجتمع المدني يتكامل ، ولا يتعارض مع الدولة
وهناك من يدقّق في تقسيمها أكثر حتى تتضح أدوارُها ، ولا تتداخل
مع غيرها كما يذهب إلى ذلك الأستاذ ـ علي الدميني ـ في مقال له بعنوان : دورُ المجتمع المدني في الحدّ من ظاهرة العنف والإرهاب، وينقسم نشاط جمعيات المجتمع المدني إلى قسمين رئيسيين :
القسم الأول : منظمات خاصة مهنية ونقابية وتضمُ أصحاب المهنة الواحدة، كالقضاة، والمعلمين، والمعلمات، والأكاديميين، والطلاب،والعمال،والمزارعين ، والتجار، والأطباء ، والمهندسين، وسائقي السيارات ، وأصحاب الحرف والهوايات ،والإبداعات المختلفة وسواهم، ويتركز عملُ هذه المنظمات على:
1- تطوير المهنة.
2-المحافظة على شرف المهنة ومحاسبة منتهكي أعرافها وتقاليدها ونظمها الداخلية .
3-الدفاع عن مصالح المنتمين إليها .
4-المساهمة بالرأي في قضايا الشأن العام .
القسم الثاني : منظمات عامة في مجالات الصالح العام الاجتماعي والسياسي، ويشمل الوجه الأول منها جمعيات الاحتساب ، وحقوق الإنسان ،التي تتكون من المختصين القادرين على إرشاد الناس في أمور دينهم ودنياهم ، والحفاظ على الأخلاق والآداب العامة ، والدعوة إلى مكارم الأخلاق ، ومراقبة تطبيق قيم الحرية المسئولة والعدالة ، والمساواة ، و الدفاع عن حقوق الإنسان .
أما الوجه الآخر من المنظمات العاملة في سبيل المصلحة العامة ، فيشتمل على منظمات وجمعيات سياسية تهتمّ بتعزيز عملِ آليات المجتمع المدني ، والتعبير عن الشأن العام ، وتعزيز الحريات العامة والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار ، وإقرار مبدإ التعددية ، وحقوق الإنسان والسعي لتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية ، وكشْف التجاوزات التي تطال حقوق المواطنين أو المال العام ، و تُـسمّى الجمعيات السياسية.
ويمكن تحديد فعاليات عمل المجتمع المدني فيما يلي :
1- الحد من احتكار الدولة للسلطة ، والقرار وقوة القمع ، وقيامها بممارسة دور الحياد النزيه إزاء مختلف القوى الاجتماعية .
2- ترسيخ القناعات والممارسات بأهمية احترام الاختلاف ، وإقرار مبدإ التعددية ،و تيسير إمكانية اندماج الأفراد المنحدرين من مناطق وشرائح مختلفة في إنجاز أعمال ومشاريع مشتركة والقضاء على ترسّـبات التفرقة المناطقية ، والطائفية ، والفئوية.
3- توسيع قاعدة المهتمين بالمصلحة العامة ، و ذلك ما سوف يعمل على تصليب الجبهة الداخلية ، والانتماء الوطني،و القضاء على مشاعر اللامبالاة ، أو اليأس ، وعدم الجدوى، وفتْـح المجال للتعبير عن حرية الرأي ، والمساهمة في صناعة القرارات المصيرية للوطن و للمواطنين.
4- امتصاص حالات الغضب والاحتقان الاجتماعي والسياسي ، وفتْـح الباب للتنفيس عنها سلمياً بالتعبير عن الرأي العلني، وتعميق مفاهيم العمل المؤسسي، و تأكيد مقدرة المجتمع على التنظيم الذاتي والعمل الجماعي، والقدرة على اتخاذ المبادرات ، وتدعيم النهج السلمي في الحوار بين الأطراف المختلفة، والعمل على تقليص تأثير النزعة الفردية والتسلطية في اتخاذ القرار.
5- حماية مصالح الأفراد والجماعات وكافة المنتمين للمهن والتخصصات المختلفة الذين ينتمون لهذه الجمعيات، والدفاع عن حقوقهم إزاء الأجهزة الحكومية والأهلية التي تهدد تلك المصالح.
6- تلبية الاحتياجات المتعددة والمختلفة لكل أفراد المجتمع من خلال انخراطهم في النشاطات النقابية التي تعبر عن تخصصاتهم وميولهم وتطلعاتهم ، وفتْح الباب أمام كل مكونات المجتمع بدون تمييز للانخراط في العمل المؤسساتي ، وذلك ما سوف يحدُّ من احتكار أيِّ تيارٍ أو فكرٍ للعمل الثقافي ، والاجتماعي والسياسي في الوطن.
7- وبالنسبة للأجيال الشابة ، فإن جمعيات المجتمع المدني سوف تعمل على استيعاب طاقاتهم، وتوفير أسباب الأمان الاجتماعي والثقافي والنفسي لهم، وتلبية احتياجهم لتحقيق الذات ، وتوفير البيئات العملية الكفيلة بتعميق روح العمل الجماعي والمؤسسي المنظم في نفوسهم. وتيسير اندماج الأفراد المنحدرين من مناطق وشرائح مختلفة في انجاز أعمال ومشاريع مشتركة والقضاء على ترسبات التفرقة المناطقية والفئوية.
8- تطوير المهارات القيادية، وتأهيل الكوادر ، وتعزيز القبول برأي الأغلبية واختيار الأفراد الأكثر كفاءة لقيادة أعمال جمعياتهم ،وتعزيز آليات المراقبة والمحاسبة والمساءلة، والتعود على العملية الانتخابية، وتطبيق مبادئ تكافؤ الفرص وتداول السلطة .
9- تحقيق بعض المكتسبات المادية كالرعاية الصحية، أو التمتع بالبرامج الترفيهية ، والثقافية التي تقدمها الجمعيات ، أو بالإعانة المادية للمحتاجين.
10- ولسوف تُـثْمرُ جهودُ هذه الجمعيات بآرائها وأنشطتها في حلّ الكثير من الأزمات والمشكلات الاجتماعية، وتعمل على تعزيز حرية الرأي وترسيخ ثقافة التسامح، وحقوق الإنسان .(3)
إن المجتمع المدني بهذه الصورة كي يؤدي دوره المستقل عليه أن يجد منابع للتمويل لا ترد من السلطة ، ولا من المؤسسات العامة والخاصة ، ولا من الأفراد ( عكس ما هو معمول به عندنا ) فالاستقلالية في القرار ، وفي التمويل تترك منظمات المجتمع المدني تتحرك بقوة وبحرية لأداء وظائفها ..ولكن كيف السبيل إلى ذلك ؟
قد يرى البعض أن ذلك يتحقق في إطار الدعم المقدم من البنوك في شكل قروض مصغرة لإنشاء مشاريع منتجة ومربحة ، بدورها في حالة نجاحها تخلق الثروة وتُوسّع من مجال الجمعية أو المنظمة ..مشاريع ذات طابع فلاحي ، أو صناعي ، أو تجاري ، أو إعلامي ، أو ثقافي ...هذه الصيغة التي أصبحت مطبقة في أكثر من بلدٍ ، وتعمل منظمات دولية كالأمم المتحدة ، والبنك الدولي على الترويج لها في بلدان العالم الثالث عن طريق الإعلام وبواسطة تنظيم دورات تدريبية لأعضاء المنظمات في هذه البلدان في كيفية خلْق مؤسسات منتجة ؛( وقد استفادت الجزائر من عدة دورات في هذا المجال منها واحدة عُقِدت بمدينة الوادي سنة 2003 ) ، وزيادة تعاونه مع منظمات المجتمع المدني التي من مهامها أيضا المساعدة على تمكين الفقراء من تجاوز محنهم ، والتأثير في القرارات التي تؤثر على حياتهم . وأصبحت منظمات المجتمع المدني شريكا بارزا في عملية المساعدة الإنمائية على مستوى العالم ، وأوضحت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي ، أنه قد تمّ تقديم مساهمات تُقدّر بمبلغ يتراوح بين 6 ـ 7 بلايين دولار سنويا عن طريق منظمات المجتمع المدني من مواردها الخاصة في أواخر تسعينيات القرن الماضي ، في شكل إعانات لإنشاء مؤسسات اقتصادية ، واجتماعية منتجة استفادت منها منظمات المجتمع المدني ، في العديد من بلدان العالم النامي ، لكن بعض البلدان تُشكّك في مصداقية هذه الإعانات ، ونية المؤسسات الدولية المانحة ، بل ترفض أيّ نوْعٍ من الدعم الخارجي لمؤسسات المجتمع المدني بما في ذلك الأحزاب ، وبلادنا واحدةٌ منها .
ينطلق البنك الدولي من قناعة خاصة بأن الشراكة القائمة بين المجتمع المدني ، والحكومة ، والقطاع الخاص ، قد أصبحت أكثر الطرق فعالية في تحقيق النموّ الاقتصادي ، والتنمية الاجتماعية القابلة للاستمرار ، وتشمل هذه الفوائد ما يلي :
• أخْذ القرارات الصادرة عن المجتمع المدني بعين الاعتبار ، فعن طريقها يمكن وضْع مطالب الفقراء والمهمّشين موضع اعتبار ، عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالبرامج السياسية والتنموية .
• تعزيز الإجماع العام والدعم المحلّي في عمليات الإصلاح ، ومنظمات المجتمع المدني ستساهم في تعزيز هذا الدعم لتدعيم المبادرات الوطنية في عمليات التنمية ومساعدة الفقراء .
• إيجاد وتكوين أفكار وحلول جديدة للأفراد والجماعات ، والعمل على زيادة المشاركة المحلية .
• تقديم الخبرة المهنية ، وزيادة القدرة على تقديم الخدمات ، خاصة في حالة عدم قدرة القطاع العام على تقديم الخدمات العامة .
في العقد الماضي ارتفعت نسبة مشاركة منظمات المجتمع الدولي في المشروعات التي يقوم البنك الدولي بتمويلها من نسبة 21 % في عام 1990 إلى 72 % عام 2004 .ويتعاون البنك الدولي مع المئات من منظمات المجتمع المدني حاليا في جميع أنحاء العالم ، ويقوم بتمويل الجهود الساعية إلى تخفيض أعداد الفقراء عن طريق توظيف خدمات المساعدة الفنية ، والتدريب ، والاشتراك مع هذه المنظمات في الإدارة المشتركة للبرامج . وحرص البنك الدولي على زيادة التمويل الذي يقدمه إلى منظمات المجتمع المدني بمعدل ثابتٍ من خلال العديد من آليات التمويل الذي يتمّ في الغالب بالتعاون مع جهات تقديم المساعدات الدولية في دعْم البرامج مثل المبادرات البيئية ، والاعتمادات الصغيرة للمشاريع ، وجهود الإعْمار ( بعْد الصراعات بالطبع ) ، والحصول على تكنولوجيا المعلومات ، مشاريع صوْن الغابات ، ومكافحة الفيروس المسبّب لمرض نقص المناعة ، وتخفيض أعداد الفقراء في المناطق الريفية ...(4)
التمويل الذاتي قوّة المجتمع المدني، واستقلاليته
إن المجتمع المدني عندنا غائبٌ أو مُغيّب عن هذه الحركية لمفهوم المجتمع المدني ذي الفاعلية ؛ فما هو واقعي ومألوف عندنا بمجرّد حصول المنظمة ، أو الجمعية على اعتمادها من وزارة الداخلية إنْ كانت وطنية ، ومن الولاية إنْ كانت محلية تتقدّم بطلب الدعم المالي إلى الهيئات الرسمية ، هذه الهيئات التي تشترط برنامج عملٍ سنوي للجمعية قابلٌ للتطبيق ..إن الكثير من الجمعيات التي تتلقى الدعم غالبا لا تقدم أي نشاط ، حيث يُصرف مبلغُ الإعانة في أغراض أخرى كصرْفه في رحلات سياحية ترفيهية للأعضاء المنضوين ، أو قضاء عُطل بجانب البحر صيفا تحت عنوان : التبادل الثقافي ..أو تجهيز مقرّ الجمعية بأجهزة وآلات حديثة ليُتبين فيما بعد أنها نُقلت إلى أماكن أخرى غير معروفة ، وهذا في أحسن الحالات لأن تلكم المساعدات قد لا يُرى لها أثرٌ إلاّ على الأوراق وهذا ما حدا بوزارة الداخلية في هذه السنة 2005 أن تفتح تحقيقات معمّقة حول حقيقة دوْر هذه الجمعيات التي يقترب عددها من 83000 جمعية تشكل ما يُطلق عليه بالحركة الجمعوية ؛ وإن المتتبع لنشاطاتها وطنيا ومحلّيا سيلْمسُ تأكيدا أن أربعة أو خمسة من المئة تتواجد عمليا ولها وهجُـها وبريقها على غرار الأحزاب .. والغريب في أمْر هذه الجمعيات وَهَمُـهَا أنها تؤدي أدوارا مهمة في المجتمع عجزت عنها الدولة ، وبالتالي فهي تناوئها عن عجزها ذاك ، وهذه مُلْزمة بتدعيمها ماديا وماليا .
إن ضُعف ثقافة القانون على مستوى التعامل مع الحقوق والواجبات أدّى بأعضاء ومتعاوني الجمعيات المدنية إلى اعتبار المساعدات المنصوص عليها قانونا شكلاً من أشكال المنح والهبات ، ممّا أدّى إلى إقامة علاقات مبنية على الولاء والتبعية للإدارة أكثر منها للقانون، أو إلى نوْع من الذلّ والمسْكنة ، والتسوّل المُهين أمام أصحاب النفوذ والمال في القطاع الخاص، منْ يُطلقُ عليهم ـ المدعّمون ـ
هل لدينا فعلا مجتمعٌ مدني بالمفهوم الحديث ؟
انطلاقا مما سبق ، هل يوجد في الجزائر فعلا مجتمع مدني بالمفهوم المعاصر ؟ وإن كان موجودا ما ثقله في المعادلات السياسية والاجتماعية ؟ ما المعايير التي تُديره ؟ ما مدى إيمان أعضائه بالقيم التي تُسيّر افتراضا منظمات المجتمع المدني كالانضمام الاختياري والتطوع ، وحرية الرأي وتقبّل الاختلاف في ذلك ، والتسامح ، والتداول في الإدارة والتسيير ، والقناعة بأن الانضمام إلى هيئات المجتمع المدني هو ضرورة بشرية :
(( إن مؤسسات المجتمع المدني ضرورة بشرية لا غِنًى عنها ، وبدونها قد يكون الناس مجرّد جمهور لا تأثير له ، وأن ارتباطات الفرد بمختلف هذه الجمعيات هي التي تُضْفي عليه أهمية كبرى ، ودورا يُذْكرُ .)) (5)
من المُتفق عليه أن قوة المجتمع المدني مرتبطٌ بالتطور العام للمجتمع ، وبالأرث الثقافي والاجتماعي ، لما يُتيحه ذلك من وعْـي بكينونة الإنسان ، ووعيه لذاته ولغيره ، وتقدير رسالته في الكون وفي المجتمع الوطني ، والإنساني ممّا ييسّر فيما بعد من هيكلة الأفراد داخل تنظيمات مختلفة ..فالمجتمع الذي ترتفع الجهالة والأمية لدى حوالي ربْع سكانه ، وتسود فيه نسبة البطالة العالية ، وتتقلّص فيه يوميا روحُ الانتماء ، وتخفتُ القيم التي تحكم نسيجه يتعذّر على الكثير من أفراده الشعور بالواجبات قبل الحقوق، وهي التي تدخل ضمن اهتمامات المجتمع المدني .
كما أن بقاء الارتباطات التقليدية ( التي وإنْ كانت لا تزال لها تأثيراتها الإيجابية ) في المجتمع الجزائري أمرٌ حال وصعّب من أن تؤدي مؤسسات المجتمع المدني دورها القائم على مبدإ المواطنة ؛ فالجهوية ، والقبلية ، والعروشية ، وانتشار ظاهرة العُصب لا تزال متغلغلة في مجتمعنا (22)، وتمثّل أحد الأنماط الرئيسة للارتباط الاجتماعي للأفراد فيما بينهم ..وحتى منظمات المجتمع المدني في هيكلتها وتنظيمها وتسييرها لا تعدو أن تكون صورة مصغّرة للأحزاب التي لم تختلف في تسييرها وقيادتها عن الحزب الواحد ، وبالتالي فإن حرية التعبير وتقبل الاختلاف والمشاركة في القرار ، والتداول على القيادة وهي من أبجديات المجتمع المدني أمرٌ غير موجود ، ولا أخاله سيوجد مستقبلا..
مجتمع مدني يفتقد سمات التسيير الحضارية
آفتنا الكبرى روحُ التسلط ، وتهميش الآخر ، والحطّ من منزلته ، وإذْلاله وتهميشه ..ونتيجة لذلك في كل آنٍ نسمع عن هذا الحزب أو ذاك ، أنْ برزت من بين أعضائه حركةٌ تصحيحية ، أو عن هذه المنظمة أو تلك وقد انشطرت إلى منظمتين أو أكثر ..ونحن في غِنًى عن ذكْر الأسماء ، والمتتبع لمسيرتنا ستبرز له بسهولة.
إن أهم مؤسسات المجتمع المدني في الجزائر اليوم والتي كانت سابقا تمثل امتدادا لسلطة الدولة ، و كانت تحت مظلة الحزب الواحد الذي كان بدوره هو السلطة ، لم تستطع اليوم بالرغم من استقلاليتها أن تنفطم عن موالاتها السابقة ، وما تأسس في إطار التعددية من مؤسسات ومنظمات تفتقد إلى مفهوم المجتمع المدني المعاصر الذي وظيفته التكامل مع وظيفة الدولة ، ومساعدتها في القيام بما تخلّت عنه من وظائفها السابقة تُجاه المجتمع (6)، وليس كما هو مفهومٌ عندنا اليوم بأن المجتمع المدني إمّا هو نِدٌّ للسلطة حتى وإنْ كانت في بعض المواقف في الاتجاه الصحيح ، وإمّا هي مؤسسات مجتمعية في الظاهر مستقلّة عن السلطة ، ولكن في حقيقتها مؤسسات ترضع من حليبها ، وما هي بقادرة أن تنفطم ، وهي رهينة الحاجة تنتظر المهماز كي تطفو في المناسبات في حملات التعبئة والمساندة لهذه الجهة أو تلك .
ولا ننكر أن هناك مؤسسات نشطة وأثبتت وجودها عن جدارة ولم تنتكس ، وما حادت عن أهدافها الأولى ، وبقيت وفية لمناصريها ، وللمجتمع ..منها ما يدافع عن حقوق الإنسان ، ومنها ما يعمل في إطار التكافل الاجتماعي والمجال الخيري ، ومنها ما ينشط في المجال العلمي ، والثقافي ، والتاريخي ، والصحّي ، وكذلك الصحافة المستقلة وتتصدّرها جريدة ( الخبر ) التي في اعتقادي ولا تزال على غرار غيرها من بعض الصحف المستقلة ، وإنْ كانت هذه الصحيفة وإصداراتها الأخرى ،هي أكثر تأثيرا ومصداقية وانتشارا في الداخل والخارج ..تُعتبر مؤسسة كبيرة من مؤسسات المجتمع المدني في الجزائر ، ولا تدخل البتّة تحت ما يُطلق عليه بالحركة الجمعوية ..هل يمكن مقابل ذلك أن تُولد مؤسسات فاعلة على غرار جمعية العلماء الجزائريين( الأولى ) في هذه الديار ؟ تلكم الجمعية الرائدة التي قارعت الاستدمار الفرنسي وهو في أوْج قوته وهنجعيته ، وعملت ليس في الحفاظ على هوية الأمة وثوابتها على ما هي عليه فحسب ، بل على تنقيتها ممّا شابها ، وإعادتها إلى أصلها النقي .. ، تعاطت ومن مركز قوّة يومها مع قضايا الأمة العربية الإسلامية ، ومع كلّ القضايا العادلة في العالم ...جمعية العلماء غابت اليوم كهيكل إداري ، وما غابت روحا يحرّك هذه الأمة ..كانت بحقّ دولة داخل دولة .
إن محدودية الوظائف في النظام الديمقراطي المُسْندة للدولة ، أمرٌ يستدعي تجنّدَ المجتمع لتولّي ذلك من خلال منظمات ، ومؤسسات ذات فعالية ؛ فالمنظمات المدنية من هذا القبيل أكثرُ ما تكون انتشارا وقوة ، وذات تأثير ومصداقية في البلدان التي يقلّ فيها تدخّل الدولة في الحياة العامة . إن فعالية مؤسسات المجتمع المدني وقوة تواجدها المُؤثر هو مظهرٌ من مظاهر تسيير المجتمع لنفسه .
حركةٌ جمعوية .. وليست مؤسسات للمجتمع المدني !!
ويبدو لي ومن المعايشة اليومية لمؤسسات المجتمع المدني وواقع وجودها ، وتحرّكها عندنا إنْ وطنيا ، وإنْ محلّيا لا تزال هشّة وعودها لم يقو بعد ، وبالتالي غير قادرة على التأثير في الأحداث الوطنية إنْ سلبا ، وإنْ إيجابا ..فما بالك بإسماع صوتها خارجيا للتنديد بالظلم الذي تمارسه القوى العظمى في شتّى المجالات ..ويصدق عليها مصطلح ( الحركة الجمعوية ) بدلا من مصطلح المجتمع المدني الذي في رأيي الشخصي أبلغ ، وأشمل من حيث أداء الوظائف ، ولعب الأدوار ، وإلاّ ما معنى لمجتمع مدني أو حركة جمعوية تعجز عن التحرّك ، أو حتى بالتنديد الشفوي أو الكتابي في مجتمعٍ تتعرض خصوصياته الثقافية ، ومكونات هويته للتفتيت والتهميش ، والذوبان كنكبة اللغة العربية في هذه الديار ، وانتشار التمسيح في بعض مناطق الوطن ، أو تغضّ الطرْفَ عن المشاركة في الدفاع عن القضايا العادلة في العالم ؛ قد يقول قائل : لا غرابة في ذلك فالجزائريون صُدموا بالواقع وفقدوا ثقتهم في النُّخب وفي التنظيمات المدنية والتشكيلات السياسية ، وعزفوا عن الانضمام لها أو السير وراءها .. لأن النزعة الفردية والبزنسة ، والقبلية ولو المقنّعة ، والطائفية المعشّشة في الظاهر والباطن ، لا تتعايش مع مفهوم المجتمع المدني السليم القادر على التأثير والإقناع والتنشيط ثم التعبئة ، الذي يستند إلى المعرفة الواسعة ، والحرص على إشاعة الأفكار والمواقف الفاضلة لدى الأفراد المنضوين أوّلا ، والمجتمع ثانيا .
حقّا من الصعب أن ينشأ المجتمع المدني ، ويقوى عُوده لدى مجتمع يعاني الكثيرُ من أفراده من الأمية ، والبطالة والحرمان ، والتهميش ..وبالتالي من الفقر الذي تتولّد عنه الحاجة ، والجوع ، والمرض ، والآفات الاجتماعية كردّ فعْل لذلك ؛ إذْ يصعب احتواء الأفراد في هذه الحالة لهيكلتهم ، وإقناعهم بالمشاركة في الحياة السياسية ، وحركية مؤسسات المجتمع المدني .
إن المجتمع المدني السليم مْنْ توفّرت في أصحابه صفاتٌ كمعرفة التاريخ الوطني والعالمي ، ومتابعة الأحداث العالمية بوعْي وإدراك ، ومعرفة طبيعة العلاقات الاجتماعية ، وتوفّر الصفات الأخلاقية مثل التضحية والنزاهة ، والغيرة على الوطن ومصالحه ، ومكاسبه ، والحسّ بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية ، والعدالة ، والأمانة ، والتسامح ممّا يتطابق مع الآية القرآنية الكريمة في سورة :( النساء :58 ) (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً .))
إن أغلب المنظمات الشبابية المنضوية تحت مظلة المجتمع المدني تقصر نشاطها المحدود جدّا على البرامج الترفيهية ، أو الرحلات صيفا إلى الشواطئ ، متناسية رسالتها الأساسية في تكوين أجيال من المواطنين الصالحين ، القادرين على العمل من أجل الارتفاع بمستواهم الشخصي ، ومستوى الوطن ثقافيا ، واجتماعيا ، وأخلاقيا .وكثير من مؤسسات الإعلام المرئي والمكتوب أصبحت أكثر ميْلا إلى تقديم البرامج ، والمعلومات السطحية الهزيلة التي تداعب المشاعر ، والعواطف ، والغرائز ( سوق المجلاّت الأسبوعية عندنا نموذجا ..ومجلات الخليج أيضا نموذجا فضلا عن العشرات من القنوات الفضائية الشبيهة لسوق المجلات عندنا ) ، بدلا من تقديم برامج جادّة عميقة تثير الفكر ، وتعرض بالتحليل المشكلات الحياتية الكبرى ، وتساعد على معرفة ما يدور في العالم من فكر متقدم ..بل إن المؤسسات العلمية والأكاديمية والجامعية كثيرا ما تنحرف عن المُثُل العلمية ، والثقافية العليا التي أُنشئت من أجلها ، وتفضّل على ذلك الاكتفاء بإعْداد الطّلاّب ، والخريجين للحياة المهنية ، وتغفل وظيفتها الأساسية في تكوين الإنسان المثقف ، المفكر الواعي لشؤون الحياة ، والقادر على الإسهام بفكره وعلمه فيما يعود على المجتمع بالخير ، ويدفعه للنموّ والتقدّم .
جامعاتنا تتعدّد فيها المنظّمات الطلابية ، وتتنوّع انتماءاتها ، ولكن بدلا من أن تتوجه إلى الطالب بالتكوين ، والرفع من مستواه المعرفي العام في إطار تخصصه ، وفي إطار الارتفاع به إلى آفاق الثقافة الإنسانية ، ومساعدته على أن يكون الطالب الحريص على تحصيل المعرفة ، وعلى تحضير نفسه لمستقبل يكون فيه مواطنا ذا فعالية في المساهمة في بناء وطنه ؛ فإن هذه المنظمات نجحت وتنجح فقط في المطالبة بما هو مادي ، وإنْ لم يتحقّق لها ذلك دفعت بالطلاب إلى التهديم والتحطيم للبُنى القائمة ..
والشيء نفسه يقال عن الأحزاب السياسية ،(7) بل وعن التنظيمات الدينية التي قد تدعو إلى التعصّب ، وكراهية العقائد الأخرى ، ومحاربة اللغة الأم في بلادها بدعوى أنها متخلّفة ولا تساير عصْر العولمة ، بدلا من أن تحمل هذه الأحزاب رسالة التسامح ، والسلام .. هيّ عيّنات نكتفي بها من المجتمع المدني عندنا !!

ويبدو لي في نهاية هذا الحديث أن المجتمع المدني المفترض وجوده عندنا ما عمل حقّـا وصدقا على ترسيخ مفهومي المواطن ، والمواطنة حيث لا يمكن لأيّ مجتمع أن يحقّق المواطنة التي هي المشاركة بوعْي في الشؤون العامة ، بدون مواطن يشعر بعمق بحقوقه وواجباته في الفضاء الاجتماعي ، والثقافي ، والسياسي ، ولا يبخل بأداء واجباته تُجاه وطنه ، وتُجاه مجتمعه .

هوامش :

(1) ـ أ . جميل هلال . حوْل إشكالية مفهوم المجتمع المدني . دراسة .ص : 03 .
(2) ـ د . برهان غليون . نشأة المجتمع المدني وتطوّره من المفهوم المجرّد إلى المنظومة الاجتماعية والدولة .
(3) ـ أ . علي الدميني . المجتمع المدني ودوْرُه في الحدّ من ظاهرة العنف والإرهاب . مجلّة الحوار المتمدّن .العدد 981 .
(4) ـ موقع منظمة الأمم المتّحدة . المجتمع المدني ( نشْرةٌ خــاصّةٌ) .
(5) ـ الفيلسوف الألماني هيغل . أصول فلسفة القانون . من مقال للأستاذ إبراهيم سعدي بعنوان :( بحْثا عن المجتمع المدني الجزائري ) . الشروق اليومي : الأحد 09 مارس 2003 .
(6) ـ أ . إبراهيم سعدي . مرجع سابق ..جريدة الشروق .
(7) ـ المرجع السابق .
(8) ـ د .أحمد أبو زيد .المجتمع المدني : القوّة العالمية الثالثة ص56.كتاب العربي 61 جويلية 2005 .